صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ تفسير الواحدي - الواحدي ]
الكتاب : الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
المؤلف : علي بن أحمد الواحدي أبو الحسن
عدد الأجزاء : 1

{ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } نزلت في أبي مرثد الغنوي كانت له خليلة مشركة فلما أسلم سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم : أيحل له أن يتزوج بها ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية والمشركات ها هنا عامة في كل من كفرت بالنبي صلى الله عليه و سلم حرم الله تعالى بهذه الآية نكاحهن ثم استثنى الحرائر الكتابيات بالآية التي في المائدة فبقي نكاح الأمة الكتابية على التحريم { ولأمة مؤمنة } نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أمة مؤمنة فأعتقها وتزوجها فطعن عليه ناس وعرضوا عليه حرة مشركة فنزلت هذه الآية وقوله : { ولو أعجبتكم } المشركة بمالها وجمالها { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } لا يجوز تزويج المسلمة من المشرك بحال { أولئك } أي : المشركون { يدعون إلى النار } أي : الأعمال الموجبة للنار { والله يدعو إلى الجنة والمغفرة } أي : العمل الموجب للجنة والمغفرة { بإذنه } بأمره يعني : إنه بأوامره يدعوكم

(1/166)


{ ويسألونك عن المحيض } ( ذكر المفسرون أن العرب كانت إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يساكنوا معها في بيت كفعل المجوس ) فسأل أبو الدحداح رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله كيف نصنع بالنساء إذا حضن ؟ فنزلت هذه الآية والمحيض : الحيض { قل هو أذى } أي : قذر ودم { فاعتزلوا النساء في المحيض } أي : مجامعتهن إذا حضن { ولا تقربوهن } أي : ولا تجامعوهن { حتى يطهرن } أي : يغتسلن ومن قرأ { يطهرن } بالتخفيف أي : ينقطع عنهن الدم أي : توجد طهارة وهي الغسل { فإذا تطهرن } اغتسلن { فاتوهن } أي : جامعوهن { من حيث أمركم الله } بتجنبه في الحيض - وهو الفرج - { إن الله يحب التوابين } من الذنوب و { المتطهرين } بالماء من الأحداث والجنابات

(1/167)


{ نساؤكم حرث لكم } أي : مزرع ومنب للولد { فاتوا حرثكم أنى شئتم } أي : كيف شئتم ومن أين شئتم بعد أن يكون في صمام واحد فنزلت هذه الآية تكذيبا لليهود وذلك أن المسلمين قالوا : إنا نأتي النساء باركات وقائمات ومستلقيات ومن بين أيديهم ومن خلفهن بعد أن يكون المأتى واحدا فقالت اليهود : ما أنتم إلا أمثال البهائم لكنا نأتيهن على هيئة واحدة وإنا لنجد في التوراة أن كل إتيان يؤتى النساء غير الإستلقاء دنس عند الله فأكذب الله تعالى اليهود { وقدموا لأنفسكم } أي : العمل لله بما يحب ويرضى { واتقوا الله } فيما حد لكم من الجماع وأمر الحائض { واعلموا أنكم ملاقوه } أي : راجعون إليه { وبشر المؤمنين } الذين خافوه وحذروا معصيته

(1/168)


{ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } أي : لا تجعلوا اليمين بالله سبحانه علة مانعة من البر والتقوى من حيث تتعمدون اليمين لتعتلوا بها نزلت في عبد الله بن رواحة حلف أن لا يكلم ختنه ولا يدخل بينه وبين خصم له وجعل يقول : قد حلفت أن لا أفعل فلا يحل لي وقوله { أن تبروا } أي : في أن لا تبروا أو لدفع أن تبروا ويجوز أن يكون قوله : { أن تبروا } ابتداء وخبره محذوف على تقدير : أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس أولى أي : البر والتقى أولى { والله سميع عليم } يسمع أيمانكم ويعلم ما تقصدون بها

(1/168)


{ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } أي : ما يسبق به اللسان من غير عقد ولا قصد ويكون كالصلة للكلام وهو مثل قول القائل : لا والله وبلى والله وقيل : لغو اليمين : اليمين المكفرة سميت لغوا لأن الكفارة تسقط الإثم منه { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } أي : عزمتم وقصدتم وعلى القول الثاني في لغو اليمين معناه : ولكن يؤاخذكم بعزمكم على ألا تبروا وتعتلوا في ذلك بأيمانكم بأنكم حلفتم { والله غفور حليم } يؤخر العقوبة عن الكفار والعصاة

(1/169)


{ للذين يؤلون من نسائهم } أي : يحلفون أن لا يطؤوهن { تربص أربعة أشهر } جعل الله تعالى الأجل في ذلك أربعة أشهر فإذا مضت هذه المدة فإما أن يطلق أو يطأ فإن أباهما جميعا طلق عليه الحاكم { فإن فاؤوا } رجعوا عما حلفوا عليه أي : بالجماع { فإن الله غفور رحيم } يغفر له ما قد فعل ( ولزمته كفارة اليمين )

(1/169)


{ وإن عزموا الطلاق } أي : طلقوا ولم يفيؤوا بالوطء { فإن الله سميع } لما يقوله { عليم } بما يفعله

(1/169)


{ والمطلقات } أي : المخليات من حبال الأزواج يعني : البالغات المدخول بهن غير الحوامل لأن في الآية بيان عدتهن { يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } أي : ثلاثة أطهار يعني : ينتظرون انقضاء مدة ثلاثة أطهار حتى تمر عليهن ثلاثة أطهار وقيل : ثلاث حيض { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } يعني : الولد ليبطلن حق الزوج من الرجعة { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } وهذا تغليظ عليهن في إظهار ذلك { وبعولتهن } أي : أزواجهن { أحق بردهن } بمراجعتهن { في ذلك } في الأجل الذي أمرن أن يتربصن فيه { إن أرادوا إصلاحا } لا إضرارا { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } أي : للنساء على الرجال مثل الذي للرجال عليهن من الحق بالمعروف أي : بما أمر الله من حق الرجل على المرأة { وللرجال عليهن درجة } يعني : بما ساقوا من المهر وأنفقوا من المال { والله عزيز حكيم } يأمر كما أراد ويمتحن كما أحب

(1/169)


{ الطلاق مرتان } كان طلاق الجاهلية غير محصور بعدد فحصر الله الطلاق بثلاث فذكر في هذه الآية طلقتين وذكر الثالثة في الآية الأخرى وهي قوله :
{ فإن طلقها فلا تحل له من بعد } الآية وقيل : المعنى في الآية : الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان
{ فإمساك بمعروف } يعني : إذا راجعها بعد الطلقتين فعليه إمساك بما أمر الله تعالى { أو تسريح بإحسان } وهو أن يتركها حتى تبين بانقضاء العدة ولا يراجعها ضرارا { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } لا يجوز للزوج أن يأخذ من امرأته شيئا مما أعطاها من المهر ليطلقها إلا في الخلع وهو قوله { إلا أن يخافا } أي : يعلما { أن لا يقيما حدود الله } والمعنى : إن المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها بغضا له وخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها حل له أن يأخذ الفدية منها إذا دعت إلى ذلك { فإن خفتم } أيها الولاة والحكام { أن لا يقيما حدود الله } يعني : الزوجين { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } المرأة لا جناح عليها فيما أعطته ولا على الرجل فيما أخذ { تلك حدود الله } يعني : ما حده من شرائع الدين

(1/170)


{ فإن طلقها } يعني : الزوج المطلق اثنتين { فلا تحل له } المطلقة ثلاثا { من بعد } أي : من بعد التطليقة الثالثة { حتى تنكح زوجا غيره } غير المطلق ( ويجامعها ) { فإن طلقها } أي : الزوج الثاني { فلا جناح عليهما أن يتراجعا } بنكاح جديد { إن ظنا } أي : علما وأيقنا { أن يقيما حدود الله } ما بين الله من حق أحدهما على الآخر

(1/171)


{ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن } أي : قاربن انقضاء عدتهن { فأمسكوهن بمعروف } أي : راجعوهن بإشهاد على الرجعة وعقد لها لا بالوطء كما يقول أبو حنيفة { أو سرحوهن بمعروف } أي : اتركوهن حتى تنقضي عدتهن ويكن أملك بأنفسهن { ولا تمسكوهن ضرارا } أي : لا تراجعوهن مضارة وأنتم لا حاجة بكم إليهن { لتعتدوا } عليهن بتطويل العدة { ومن يفعل ذلك } الاعتداء { فقد ظلم نفسه } ضرها وأثم بينه وبين الله عز و جل { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } كان الرجل يطلق في الجاهلية ويقول : إنما طلقت وأنا لاعب فيرجع فيها فأنزل الله تعالى هذه الآية { واذكروا نعمة الله عليكم } بالإسلام { وما أنزل عليكم من الكتاب } يعني : القرآن { والحكمة } مواعظ القرآن

(1/171)


{ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن } انقضت عدتهن { فلا تعضلوهن } لا تمنعوهن { أن ينكحن أزواجهن } بنكاح جديد أي : الذين كانوا أزواجا لهن نزلت في أخت معقل بن يسار طلقها زوجها فلما انقضت عدتها جاء يخاطبها فأبى معقل أن يزوجها ومنعها بحق الولاية { إذا تراضوا بينهم بالمعروف } بعقد حلال ومهر جائز { ذلك } أي : أمر الله بترك العضل { يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى } أي : ترك العضل خير { لكم } وأفضل { وأطهر } لقلوبكم من الريبة وذلك أنهما إذا كان في قلب كل واحد منهما علاقة حب لم يؤمن عليهما { والله يعلم } ما لكم فيه من الصلاح

(1/172)


{ والوالدات يرضعن أولادهن } لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب يريد : إنهن أحق بالإرضاع من غيرهن إذا أردن ذلك { حولين } سنتين { كاملين } تامين وهذا تحديد لقطع التنازع بين الزوجين إذا اشتجرا في مدة الرضاع يدل على هذا قوله { لمن أراد } أي : هذا التقرير والبيان { لمن أراد أن يتم الرضاعة } { وعلى المولود له } أي : الأب { رزقهن وكسوتهن } رزق الوالدات ولباسهن قال المفسرون : وعلى الزوج رزق المرأة المطلقة وكسوتها إذا أرضعت الولد { بالمعروف } بما يعرفون أنه عدل على قدر الإمكان وهو معنى قوله : { لا تكلف نفس إلا وسعها } لا تلزم نفس إلا ما يسعها { لا تضار والدة بولدها } لا ينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه وألفها الصبي ولا تلقيه هي إلى أبيه بعدما عرفها تضاره بذلك وهو قوله : { ولا مولود له بولده } { وعلى الوارث مثل ذلك } هذا نسق على قوله : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن } بمعنى : على وارث الصبي - الذي لو مات الصبي وله مال ورثه - مثل الذي كان على أبيه في حياته وأراد بالوارث من كان من عصبته كائنا من كان من الرجال { فإن أرادا } يعني : الأبوين { فصالا } فطاما للولد { عن تراض منهما } قبل الحولين { وتشاور } بينهما { فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم } مراضع غير الوالدة { فلا جناح عليكم } فلا إثم عليكم { إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف } أي : إذا سلمتم إلى الأم أجرتها بمقدار ما أرضعت

(1/172)


{ والذين يتوفون منكم } أي : يموتون { ويذرون } ويتركون ( ويخلفون ) { أزواجا } نساء { يتربصن بأنفسهن } خبر في معنى الأمر { أربعة أشهر وعشرا } هذه المدة عدة المتوفى عنها زوجها إلا أن تكون حاملا { فإذا بلغن أجلهن } انقضت عدتهن { فلا جناح عليكم } أيها الأولياء { فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } أي : من تزوج الأكفاء بإذن الأولياء هذا تفسير المعروف ها هنا لأن التي تزوج نفسها سماها النبي صلى الله عليه و سلم زانية وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى : { متاعا إلى الحول غير إخراج } الآية

(1/173)


{ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به } أي : تكلمتم به من غير تصريح وهو أن يضمن الكلام دلالة على ما يريد { من خطبة النساء } أي : التماس نكاحهن في العدة يعني : المتوفى عنها الزوج يجوز التعريض بخطبتها في العدة وهو أن يقول لها وهي في العدة : إنك لجميلة وإنك لنافقة وإنك لصالحة وإن من عزمي أن أتزوج وما أشبه ذلك { أو أكننتم } أسررتم وأضمرتم { في أنفسكم } من خطبتهن ونكاحهن { علم الله أنكم ستذكرونهن } يعني : الخطبة { ولكن لا تواعدوهن سرا } أي : لا تأخذوا ميثاقهن أن لا ينكحن غيركم { إلا أن تقولوا قولا معروفا } أي : التعريض بالخطبة كما ذكرنا { ولا تعزموا عقدة النكاح } أي : لا تصححوا عقدة النكاح { حتى يبلغ الكتاب أجله } حتى تنقضي العدة المفروضة { واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم } أي : مطلع على ما في ضمائركم { فاحذروه } فخافوه

(1/174)


{ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن } نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة ولم يسم لها مهرا ثم طلقها قبل أن يمسها فأعلم الله تعالى أن عقد التزويج بغير مهر جائز ومعناه : لا سبيل للنساء عليكم إن طلقتموهن من قبل المسيس والفرض بصداق ولا نفقة وقوله : { أو تفرضوا لهن فريضة } أي : توجبوا لهن صداقا { ومتعوهن } أي : زودوهن وأعطوهن من ما لكم ما يتمتعن به فالمرأة إذا طلقت قبل تسمية المهر وقبل المسيس فإنها تستحق المتعة بإجماع العلماء ولا مهر لها و { على الموسع } أي : الغني الذي يكون في سعة من غناه { قدره } أي : قدر إمكانه { وعلى المقتر } الذي في ضيق من فقره قدر إمكانه أعلاها خادم وأوسطها ثوب وأقلها أقل ماله ثمن قال الشافعي : وحسن ثلاثون درهما { متاعا } أي : متعوهن متاعا { بالمعروف } بما تعرفون أنه القصد وقدر الإمكان { حقا } واجبا { على المحسنين }

(1/175)


{ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } هذا في المطلقة بعد التسمية وقبل الدخول حكم الله تعالى بنصف المهر وهو قوله : { فنصف ما فرضتم } أي : فالواجب نصف ما فرضتم { إلا أن يعفون } أي : النساء أي : إلا أن يتركن ذلك النصف فلا يطالبن الأزواج به { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } أي : الزوج لا يرجع في شيء من المهر فيدع لها المهر الذي وفاه عملا { وأن تعفو } خطاب للرجال والنساء { أقرب للتقوى } أي : أدعى إلى اتقاء معاصي الله لأن هذا العفو ندب فإذا انتدب المرء له علم أنه - لما كان فرضا - أشد استعمالا { ولا تنسوا الفضل بينكم } لا تتركوا أن يتفضل بعضكم على بعض هذا أمر للزوج والمرأة بالفضل والإحسان

(1/175)


{ حافظوا على الصلوات } بأدائها في أوقاتها { والصلاة الوسطى } أي : صلاة الفجر لأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار أفردها بالذكر تخصيصا { وقوموا لله قانتين } مطيعين

(1/176)


{ فإن خفتم فرجالا } أي : إن لم يمكنكم أن تصلوا موفين للصلاة حقها فصلوا مشاة على أرجلكم { أو ركبانا } على ظهور دوابكم وهذا في المطاردة والمسايفة { فإذا أمنتم فاذكروا الله } أي : فصلوا الصلوات الخمس تامة بحقوقها { كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون } كما افترض عليكم في مواقيتها

(1/176)


{ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية } فعليهم وصية { لأزواجهم } لنسائهم وهذا كان في ابتداء الإسلام لم يكن للمرأة ميراث من زوجها وكان على الزوج أن يوصي لها بنفقة حول فكان الورثة ينفقون عليها حولا وكان الحول عزيمة عليها في الصبر عن التزوج وكانت مخيرة في أن تعتد إن شاءت في بيت الزوج وإن شاءت خرجت قبل الحول وتسقط نفقتها فذلك قوله : { متاعا إلى الحول } أي : متعوهن متاعا يعني : النفقة { غير إخراج } أي : من غير إخراج الورثة إياها { فإن خرجن فلا جناح عليكم } يا أولياء الميت في قطع النفقة عنهن وترك منعها عن التشوف للنكاح والتصنع للأزواج وذلك قوله : { في ما فعلن في أنفسهن من معروف } وهذا كله منسوخ بآية المواريث وعدة المتوفى عنها زوجها

(1/176)


{ وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين } لما ذكر الله تعالى متعة المطلقة في قوله : { حقا على المحسنين } قال رجل من المسلمين : إن أحسنت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعل فأوجبها الله تعالى على المتقين الذين يتقون الشرك

(1/177)


{ كذلك يبين الله لكم آياته } شبه الله البيان الذي يأتي بالبيان الذي مضى في الأحكام التي ذكرها

(1/177)


{ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } ألم تعلم ألم ينته علمك إلى هؤلاء وهم قوم من بني إسرائيل خرجوا من بلدتهم هاربين من الطاعون حتى نزلوا واديا فأماتهم الله جميعا فذلك قوله : { حذر الموت } أي : لحذر الموت { فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم } مقتهم الله على فرارهم من الموت فأماتهم عقوبة لهم ثم بعثهم ليستوفوا بقية آجالهم { إن الله لذو فضل على الناس } أي : تفضل عليهم بأن أحياهم بعد موتهم

(1/177)


{ وقاتلوا في سبيل الله } يحرض المؤمنين على القتال { واعلموا أن الله سميع } لما يقوله المتعلل { عليم } بما يضمره فإياكم والتعلل

(1/178)


{ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } أي : من ذا الذي يعمل عمل المقرض بأن يقدم من ماله فيأخذ أضعاف ما قدم وهذا استدعاء من الله تعالى إلى أعمال البر { والله يقبض } أي : يمسك الرزق على من يشاء { ويبسط } أي : ويوسع على من يشاء

(1/178)


{ ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل } أي : إلى الجماعة { إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا } سألوا نبيهم أشمويل عليه السلام ملكا تنتظم به كلمتهم ويستقيم حالهم في جهاد عدوهم وهو قوله : { نقاتل في سبيل الله } { فقال } لهم ذلك النبي : { هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا } أي : لعلكم أن تجبنوا عن القتال { قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله } أي : وما يمنعنا عن ذلك ؟ { وقد أخرجنا من ديارنا } { و } أفردنا من { أبنائنا } بالسبي والقتل إذا بلغ الأمر منا هذا فلا بد من الجهاد قال الله تعالى : { فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم } وهم الذين عبروا النهر ويأتي ذكرهم

(1/178)


{ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } أي : قد أجابكم إلى ما سألتم من بعث الملك { قالوا } : كيف يملك علينا ؟ وكان من أدنى بيوت بني إسرائيل ولم يكن من سبط المملكة فأنكروا ملكه وقالوا : { ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } أي : لم يؤت ما يتملك به الملوك { قال } النبي : { إن الله اصطفاه عليكم } ( اختاره ) بالملك { وزاده بسطة في العلم والجسم } كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل وأجمله وأتمه والبسطة : الزيادة في كل شيء { والله يؤتي ملكه من يشاء } ليس بالوراثة { والله واسع } أي : واسع الفضل والرزق والرحمة فسألوا نبيهم على تمليك طالوت آية فـ

(1/179)


{ وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت } وكان تابوتا أنزله الله تعالى على آدم عليه السلام فيه صور الأنبياء عليهم السلام كانت بنو إسرائيل يستفتحون به على عدوهم فغلبتهم العمالقة على التابوت فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت قال : إن آية ملكه أن يرد الله تعالى التابوت عليكم فحملت الملائكة التابوت حتى وضعته في دار طالوت وقوله : { فيه سكينة من ربكم } أي : طمأنينة كانت قلوبهم تطمئن بذلك ففي أي مكان كان التابوت سكنوا هناك وكان ذلك من أمر الله تعالى { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } أي : تركاه هما وكانت البقية نعلي موسى وعصاه وعمامة هارون وقفيزا من المن الذي كان ينزل عليهم { تحمله الملائكة } أي : التابوت { إن في ذلك لآية } أي : في رجوع التابوت إليكم علامة أن الله قد ملك طالوت عليكم { إن كنتم مؤمنين } أي : مصدقين

(1/179)


{ فلما فصل طالوت بالجنود } أي : خرج بهم من الموضع الذي كانوا فيه إلى جهاد العدو { قال } لهم طالوت : { إن الله مبتليكم } أي : مختبركم ومعاملكم معاملة المختبر { بنهر } أي : بنهر فلسطين ليتميز المحقق ومن له نية في الجهاد من المعذر { فمن شرب منه } أي : من مائه { فليس مني } أي : من أهل ديني { ومن لم يطعمه } لم يذقه { فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده } أي : مرة واحدة أي : أخذ منه بجرة أو قربة وما أشبه ذلك مرة واحدة قال لهم طالوت : من شرب من النهر وأكثر فقد عصى الله ومن اغترف غرفة بيده أقنعته فهجموا على النهر بعد عطش شديد فوقع أكثرهم في النهر وأكثروا الشرب فهؤلاء جبنوا عن لقاء العدو وأطاع قوم قليل عددهم فلم يزيدوا على الاغتراف فقويت قلوبهم وعبروا النهر فذلك قوله : { فشربوا منه إلا قليلا منه } وكانوا ثلثمائة وبضعة عشر رجلا { فلما جاوزه } أي : النهر { هو والذين آمنوا معه قالوا } يعني : الذين شربوا وخالفوا أمر الله تعالى : { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال } يعني : القليل الذين اغترفوا وهم { الذين يظنون } أي : يعلمون { أنهم ملاقوا الله } أي : راجعون إليه : { كم من فئة قليلة } أي : جماعة قليلة { غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } بالمعونة والنصر

(1/180)


{ ولما برزوا } أي : خرجوا { لجالوت وجنوده } أي : لقتالهم { قالوا ربنا أفرغ } اصبب { علينا صبرا وثبت أقدامنا } بتقوية قلوبنا

(1/181)


{ فهزموهم } فردوهم وكسروهم { بإذن الله } بقضائه وقدره { وقتل داود } النبي وكان في عسكر بني إسرائيل { جالوت } الكافر { وآتاه الله الملك } ( أعطى الله داود ملك بني إسرائيل ) { والحكمة } أي : جمع له الملك والنبوة { وعلمه مما يشاء } صنعة الدروع ومنطق الطيور { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } لولا دفع الله بجنود المسلين لغلب المشركون على الأرض فقتلوا المؤمنين وخربوا البلاد والمساجد

(1/181)


{ تلك آيات الله } أي : هذه الآيات التي أخبرتك بها آيات الله أي : علامات توحيده { وإنك لمن المرسلين } أي : أنت من هؤلاء الذين قصصت عليك آياتهم

(1/181)


````` { تلك الرسل } أي : جماعة الرسل { فضلنا بعضهم على بعض } أي : لم نجعلهم سواء في الفضيلة وإن استووا في القيام بالرسالة { منهم من كلم الله } وهو موسى عليه السلام { ورفع بعضهم درجات } يعني محمدا صلى الله عليه و سلم أرسل إلى الناس كافة { وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس } مضى تفسيره { ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم } أي : من بعد الرسل { من بعد ما جاءتهم البينات } من بعد ما وضحت لهم البراهين { ولكن اختلفوا فمنهم من آمن } ثبت على إيمانه { ومنهم من كفر } كالنصارى بعد المسيح اختلفوا فصاروا فرقا ثم تحاربوا { ولو شاء الله ما اقتتلوا } كرر ذكر المشيئة باقتتالهم تكذيبا لمن زعم انهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم لم يجري به قضاء من الله { ولكن الله يفعل ما يريد } فيوفق من يشاء فضلا ويخذل من يشاء عدلا

(1/182)


{ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم } أي : الزكاة المفروضة وقيل : أراد النفقة في الجهاد { من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه } يعني : يوم القيامة يعني : لا يؤخذ في ذلك اليوم بدل ولا فداء { ولا خلة } ولا صداقة { ولا شفاعة } عم نفي الشفاعة لأنه عنى الكافرين بأن هذه الأشياء لا تنفعهم ألا ترى أنه قال : { والكافرون هم الظالمون } أي : هم الذين وضعوا أمر الله في غير موضعه

(1/182)


{ الله لا إله إلا هو الحي } الدائم البقاء { القيوم } القائم بتدبير أمر الخلق في إنشائهم وأرزاقهم { لا تأخذه سنة } وهي أول النعاس { ولا نوم } وهو الغشية الثقيلة { له ما في السماوات وما في الأرض } ملكا وخلقا { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } أي : لا يشفع عنده أحد إلا بأمره إبطالا لزعم الكفار أن الأصنام تشفع لهم { يعلم ما بين أيديهم } من أمر الدنيا { وما خلفهم } من أمر الآخرة { ولا يحيطون بشيء من علمه } أي : لا يعلمون شيئا من معلوم الله تعالى : { إلا بما شاء } إلا بما أنبأ الله به الأنبياء وأطلعهم عليه { وسع كرسيه السماوات والأرض } أي : احتملهما وأطاقهما يعني : ملكه وسلطانه وقيل : هو الكرسي بعينه وهو مشتمل بعظمته على السماوات والأرض وروي عن ابن عباس أن الكرسي علمه { ولا يؤوده } أي : لا يجهده ولا يثقله { حفظهما } أي : حفظ السماوات والأرض { وهو العلي } بالقدرة ونفوذ السلطان عن الأشباه والأمثال { العظيم } عظيم الشأن

(1/182)


{ لا إكراه في الدين } بعد إسلام العرب لأنهم أكرهوا على الإسلام فلم يقبل منهم الجزية لأنهم كانوا مشركين فلما أسلموا أنزل الله تعالى هذه الآية
{ قد تبين الرشد من الغي } ظهر الإيمان من الكفر والهدى من الضلالة بكثرة الحجج { فمن يكفر بالطاغوت } بالشيطان والأصنام { ويؤمن بالله } واليوم الآخر { فقد استمسك } أي : تمسك { بالعروة الوثقى } عقد لنفسه عقدا وثيقا وهو الإيمان وكلمة الشهادتين { لا انفصام لها } أي : لا انقطاع لها { والله سميع } لدعائك يا محمد إياي بإسلام أهل الكتاب وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يحب إسلام أهل الكتاب الذين حول المدينة ويسأل الله ذلك { عليم } بحرصك واجتهادك

(1/183)


{ الله ولي الذين آمنوا } أي : ناصرهم ومتولي أمرهم { يخرجهم من الظلمات } من الكفر والضلالة إلى الإيمان والهداية { والذين كفروا } أي : اليهود { أولياؤهم الطاغوت } يعني : رؤساءهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب { يخرجونهم من النور } يعني : مما كانوا عليه من الإيمان بمحمد عليه السلام قبل بعثه { إلى الظلمات } إلى الكفر به بعد بعثه

(1/184)


{ ألم تر إلى الذي حاج } جادل وخاصم { إبراهيم في ربه } حين قال له : من ربك ؟ { أن آتاه الله الملك } أي : الملك الذي آتاه الله يريد : بطر الملك حمله على ذلك وهو نمروذ بن كنعان { إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت } فقال عدو الله : { أنا أحيي وأميت } فعارضه بالاشتراك في العبارة من غير فعل حياة ولا موت فلما لبس في الحجة بأن قال : أنا أفعل ذلك احتج إبراهيم عليه بحجة لا يمكنه فيها أن يقول : أنا أفعل ذلك وهو قوله : { قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر } أي : انقطع وسكت

(1/184)


{ أو كالذي مر على قرية } عطف على المعنى لا على اللفظ كأنه قال : أرأيت الذي حاج أو كالذي مر وهو عزيز { على قرية } وهي إيليا { وهي خاوية } ساقطة متهدمة { على عروشها } أي : سقوفها { قال : أنى يحيي هذه الله } أي : من أين يحيي هذه الله { بعد موتها } يعمرها بعد خرابها ؟ ! استعبد أن يفعل الله ذلك فأحب الله أن يريه آية في نفسه في إحياء القرية { فأماته الله مائة عام } وذلك أنه مر بهذه القرية على حمار ومعه ركوة عصير وسلة تين فربط حماره وألقى الله عز و جل عليه النوم فلما نام نزع الله عز و جل روحه مائة سنة فلما مضت مائة سنة أحياه الله تعالى وذلك قوله : { ثم بعثه } { قال كم لبثت } كم أقمت ومكثت ها هنا ؟ { قال : لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك } أي : التين { و } إلى { شرابك } أي : العصير { لم يتسنه } أي : لم يتغير ولم ينتن بعد مائة سنة وأراه علامة مكثه مائة سنة ببلى عظام حماره فقال : { وانظر إلى حمارك } فرأى حماره ميتا عظامه بيض تلوح { ولنجعلك آية للناس } الواو زائدة والمعنى : لبثت مائة عام لنجعلك آية للناس وكونه آية أن بعثه شابا أسود الرأس واللحية وبنو بنيه شيب { وانظر إلى العظام } أي : عظام حماره { كيف ننشزها } أي : نحييها يقال : أنشر الله الموتى وقرىء : { ننشزها } أي : نرفعها من الأرض ونشوز كل شيء : ارتفاعه { ثم نكسوها لحما فلما تبين له } شاهد ذلك { قال : أعلم أن الله على كل شيء قدير } أي : أعلم العلم الذي لا يعترض عليه الإشكال وتأويله : إني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه غيبا

(1/185)


{ وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى } وذلك أنه رأى جيفة بساحل البحر يتناولها سباع الطير والوحش ودواب البحر ففكر كيف يجتمع ما قد تفرق منها وأحب أن يرى ذلك فسأل الله تعالى أن يريه إحياء الموتى فقال الله تعالى : { أولم تؤمن } ألست آمنت بذلك ؟ { قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } بالمعاينة بعد الإيمان بالغيب { قال : فخذ أربعة من الطير } طاوسا ونسرا وغرابا وديكا { فصرهن إليك } أي : قطعهن كأنه قال : خذ إليك أربعة من الطير فقطعهن { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } ثم أمر أن يخلط ريشها ولحومها ثم يفرق أجزاءها بأن يجعلها على أربعة أجبل ففعل ذلك إبراهيم وأمسك رؤوسهن عنده ثم دعاهن فقال : تعالين بإذن الله فجعلت أجزاء الطيور يطير بعضها إلى بعض حتى تكاملت أجزاؤها ثم أقبلن على رؤوسهن فذلك قوله : { ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز } لا يمتنع عليه ما يريد { حكيم } فيما يدبر فلما ذكر الدلالة على توحيده بما أتى الرسل من البينات حث على الجهاد والإنفاق فيه فقال :

(1/186)


{ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } أي : مثل صدقاتهم وإنفاقهم { كمثل حبة أنبتت سبع سنابل } يريد أنه يضاعف الواحد بسبع مائة وجعله كالحبة تنبت سبع مائة حبة ولا يشترط وجود هذا على ضرب المثل

(1/187)


{ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا } الآيه وهو أن يقول : أحسنت إلى فلان ونعشته وجبرت خلله يمن بما فعل { ولا أذى } وهو أن يذكر إحسانه لمن لا يحب الذي أحسن إليه وقوفه عليه

(1/187)


{ قول معروف } كلام حسن ورد على السائل جميل { ومغفرة } أي : تجاوز عن السائل إذا استطال عليه عند رده { خير من صدقة يتبعها أذى } أي : من وتعيير للسائل بالسؤال { والله غني } عن صدقة العباد { حليم } إذ لم يعجل بالعقوبة على من يمن

(1/187)


{ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم } أي : ثوابها { بالمن } وهو أن يمن بما أعطى { والأذى } وهو أن يوبخ المعطي المعطى له { كالذي ينفق } أي : كإبطاله رياء الناس وهو المنافق يعطي ليوهم أنه مؤمن { فمثله } أي : مثل هذا المنافق { كمثل صفوان } وهو الحجر الأملس { عليه تراب فأصابه وابل } مطر شديد { فتركه صلدا } براقا أملس وهذا مثل ضربه الله تعالى للمان والمنافق يعني : إن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالا كما يرى التراب على هذا الحجر فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان فلا يقدر أحد من الخلق على ذلك التراب كذلك هؤلاء إذا قدموا على ربهم لم يجدوا شيئا وهو قوله جل وعز { : لا يقدرون على شيء } أي : على ثواب شيء { مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين } لا يجعل جزاءهم على كفرهم أن يهديهم ( ثم ضرب مثلا لمن ينفق يريد ما عند الله ولا يمن ولا يؤذي فقال ) :

(1/187)


{ ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا } أي : يقينا وتصديقا { من أنفسهم } بالثواب لا كالمنافق الذي لا يؤمن بالثواب { كمثل جنة بربوة } وهي ما ارتفع من الأرض وهي أكثر ريعا من المستفل { أصابها وابل } وهو أشد المطر { فآتت } أعطت { أكلها } ما يؤكل منها { ضعفين } أي : حملت في سنة من الريع ما يحمل غيرها في سنتين { فإن لم يصبها وابل } وهو أشد المطر وأصابها طل وهو المطر الضعيف فتلك حالها في البركة يقول : كما أن هذه الجنة تثمر في كل حال ولا يخيب صاحبها قل المطر أو كثر كذلك يضعف الله ثواب صدقة المؤمن قلت نفقته أم كثرت ثم قرر مثل المرائي في النفقة والمفرط في الطاعة إلى أن يموت بقوله :

(1/188)


{ أيود أحدكم } يقول : مثلهم كمثل رجل كانت له جنة فيها من كل الثمرات { وأصابه الكبر } فضعف عن الكسب وله أطفال لا يجدون عليه ولا ينفعونه { فأصابها إعصار } وهي ريح شديدة { فيه نار فاحترقت } ففقدها أحوج ما كان إليها عند كبر السن وكثرة العيال وطفولة الولد فبقي هو وأولاده عجزة متحيرين { لا يقدرون على } حيلة كذلك يبطل الله عمل المنافق والمرائي حتى لا توبة لهما ولا إقالة من ذنوبهما { كذلك يبين الله } كمثل بيان هذه الأقاصيص { يبين الله لكم الآيات } في أمر توحيده

(1/188)


{ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم } نزلت في قوم كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم والمراد بالطيبات هاهنا الجياد الخيار مما كسبتم أي : التجارة { ومما أخرجنا لكم من الأرض } يعني : الحبوب التي يجب فيها الزكاة { ولا تيمموا } أي : لاتقصدوا { الخبيث منه تنفقون } أي : تنفقونه { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا } أي : بآخذي ذلك الخبيث لو أعطيتم في حق لكم إلا بالإغماض والتساهل وفي هذا بيان أن الفقراء شركاء رب المال والشريك لا يأخذ الرديء من الجيد إلا بالتساهل

(1/189)


{ الشيطان يعدكم الفقر } أي : يخوفكم به يقول : أمسك مالك فإنك إن تصدقت افتقرت { ويأمركم بالفحشاء } بالبخل ومنع الزكاة { والله يعدكم } أن يجازيكم على صدقتكم { مغفرة } لذنوبكم وأن يخلف عليكم

(1/189)


{ يؤتي الحكمة } علم القرآن والفهم فيه وقيل : هي النبوة { من يشاء } { وما يذكر إلا أولو الألباب } أي : وما يتعظ إلا ذوو العقول

(1/189)


{ وما أنفقتم من نفقة } أديتم من زكاة { أو نذرتم من نذر } في صدقة التطوع أي : نويتم أن تصدقوا بصدقة { فإن الله يعلمه } يجازي عليه { وما للظالمين من أنصار } وعيد لمن أنفق في غير الوجه الذي يجوز له من رياء أو معصية أو من مال مغصوب

(1/190)


{ إن تبدوا الصدقات } سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا : صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية ؟ فنزلت هذه الآية والمفسرون على أن هذه الآية في التطوع لا في الفرض فإن الفرض إظهاره أفضل وعند بعضهم الآية عامة في كل صدقة وقوله : { ويكفر عنكم من سيئاتكم } أي يغفرها لكم ومن للصلة والتأكيد

(1/190)


{ ليس عليك هداهم } نزلت حين سألت قتيلة أم أسماء بنت أبي بكر ابنتها أن تعطيها شيئا وهي مشركة فأبت وقالت : حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فمزلت هذه الآية والمعنى : ليس عليك هدى من خالفك فمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام { وما تنفقوا من خير } أي : مال { فلأنفسكم } ثوابه { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } خبر والمراد به الأمر وقيل : هو خاص في المؤمنين أي : قد علم الله ذلك منكم { وما تنفقوا من خير } من مال على فقراء أصحاب الصفة { يوف إليكم } أي : يوفر لكم جزاؤه { وأنتم لا تظلمون } أي : لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا

(1/190)


{ للفقراء } أي : هذه الصدقات والإنفاق التي تقدم ذكرها { للفقراء الذين أحصروا } أي : حبسوا أي : هم فعلوا ذلك حبسوا أنفسهم { في سبيل الله } في الجهاد يعني : فقراء المهاجرين { لا يستطيعون ضربا } أي : سيرا { في الأرض } لا يتفرغون إلى طلب المعاش لأنهم قد ألزموا أنفسهم أمر الجهاد فمنعهم ذلك من التصرف حث الله تعالى المؤمنين على الإنفاق عليهم { يحسبهم الجاهل } يخالهم { أغنياء من التعفف } عن السؤال { تعرفهم بسيماهم } بعلامتهم التخشع والتواضع وأثر الجهد { لا يسألون الناس إلحافا } أي : إلحاحا إذا كان عندهم غداء لم يسألوا عشاء وإذا كان عندهم عشاء لم يسألوا غداء

(1/191)


{ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار } نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان عنده أربعة دراهم لا يملك غيرها فتصدق بدرهم سرا ودرهم علانية ودرهم ليلا ودرهم نهارا

(1/191)


{ الذين يأكلون الربا } أي : يعاملون به فنبه بالأكل على غيره { لا يقومون } من قبورهم يوم القيامة { إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان } يصيبه بجنون { من المس } من الجنون وذلك أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا { ذلك } أي : ذلك الذي نزل بهم { بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا } وهو أن المشركين قالوا : الزيادة على رأس المال بعد محل الدين كالزيادة بالربح في أول البيع فكذبهم الله تعالى فقال : { وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه } أي : وعظ { فانتهى } عن أكل الربا { فله ما سلف } أي : ما أكل من الربا ليس عليه رد ما أخذ قبل النهي { وأمره إلى الله } والله ولي أمره { ومن عاد } إلى استحلال الربا { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }

(1/192)


{ يمحق الله الربا } أي : ينقصه ويذهب بركته وإن كان كثيرا كما يمحق القمر { ويربي الصدقات } يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فصيله { والله لا يحب كل كفار } بتحريم الربا مستحل له { أثيم } فاجر بأكله ( مصر عليه )

(1/192)


قال تعالى { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }

(1/192)


{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا } نزلت في العباس وعثمان رضي الله عنهما طلبا ربا لهما كانا قد أسلفنا قبل نزول التحريم فلما نزلت هذه الآية سمعها وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما ومعنى الآية : تحريم ما بقي دينا من الربا وإيجاب أخذ رأس المال دون الزيادة على جهة الربا وقوله : { إن كنتم مؤمنين } أي : إن من كان مؤمنا فهذا حكمه

(1/193)


{ فإن لم تفعلوا } فإن لم تذروا ما بقي من الربا { فأذنوا } فاعلموا { بحرب من الله ورسوله } أي : فأيقنوا أنكم في امتناعكم من وضع ذلك حرب لله ورسوله { وإن تبتم } عن الربا { فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون } بطلب الزيادة { ولا تظلمون } بالنقصان عن رأس المال

(1/193)


{ وإن كان ذو عسرة } أي : وإن وقع غريم ذو عسرة { فنظرة } أي : فعليكم نظرة أي : تأخير { إلى ميسرة } إلى غنى ووجود المال { وأن تصدقوا } على المعسرين برأس المال { خير لكم }

(1/193)


{ واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } يعني : يوم القيامة تردون فيه إلى الله { ثم توفى كل نفس ما كسبت } أي : جزاء ما كسبت من الأعمال { وهم لا يظلمون } لا ينقصون شيئا فلما حرم الله تعالى الربا أباح السلم فقال :

(1/193)


{ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى } أي : تباعيتم بدين { فاكتبوه } أمر الله تعالى في الحقوق المؤجلة بالكتابة والإشهاد في قوله : { وأشهدوا إذا تبايعتم } حفظا منه للأموال ثم نسخ ذلك بقوله : { فإن أمن بعضكم بعضا } الآية { وليكتب بينكم } بين المستدين والمدين { كاتب بالعدل } بالحق والإنصاف ولا يزيد في المال والأجل ولا ينقص منهما : { ولا يأب كاتب أن يكتب } أي : لا يمتنع من ذلك إذا أمر وكانت هذه عزيمة من الله واجبة على الكاتب والشاهد فنسخها قوله : { ولا يضار كاتب ولا شهيد } ثم قال { كما علمه الله فليكتب } أي : كما فضله الله بالكتابة { وليملل الذي عليه الحق } أي : الذي عليه الدين يملي لأنه المشهود عليه فيقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه { ولا يبخس منه شيئا } أمر أن يقر بمبلغ المال من غير نقصان { فإن كان الذي عليه الحق } ( أي : الدين ) { سفيها } طفلا { أو ضعيفا } عاجزا أحمق { أو لا يستطيع أن يمل هو } لخرس أو لعي { فليملل وليه } وارثه أو من يقوم مقامه { بالعدل } بالصدق والحق { واستشهدوا } وأشهدوا { شهيدين من رجالكم } أي : من أهل ملتكم من الأحرار البالغين وقوله : { ممن ترضون من الشهداء } أي : من أهل الفضل والدين { أن تضل إحداهما } تنسى إحداهما { فتذكر إحداهما الأخرى } الشهادة { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } لتحمل الشهادة وأدائها { ولا تسأموا أن تكتبوه } لا يمنعكم الضجر والملالة أن تكتبوا ما أشهدتم عليه من الحق { صغيرا أو كبيرا إلى أجله } إلى أجل الحق { ذلكم } أي : الكتابة { أقسط } أعدل { عند الله } في حكمه { وأقوم } أبلغ في الاستقامة { للشهادة } لأن الكتاب يذكر الشهود فتكون شهادتهم أقوم { وأدنى أن لا ترتابوا } أي : أقرب إلى أن لا تشكوا في مبلغ الحق والأجل { إلا أن تكون } تقع { تجارة حاضرة } أي : متجر فيه حاضر من العروض وغيرها مما يتقابض وهو معنى قوله : { تديرونها بينكم } وذلك أن ما يخاف في النساء والتأجيل يؤمن في البيع يدا بيد وذلك قوله : { فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم } قد ذكرنا أن هذا منسوخ الحكم فلا يجب ذلك { ولا يضار كاتب ولا شهيد } نهى الله تعالى الكاتب والشاهد عن الضرار وهو أن يزيد الكاتب أو ينقص أو يحرف وأن يشهد الشاهد بما لم يستشهد عليه أو يمتنع من إقامة الشهادة { وإن تفعلوا } شيئا من هذا { فإنه فسوق بكم }

(1/193)


{ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا } الآية أمر الله تعالى عند عدم الكاتب بأخذ الرهن ليكون وثيقة بالأموال وذلك قوله : { فرهان مقبوضة } أي : فالوثيقة رهن مقبوضة { فإن أمن بعضكم بعضا } أي : لم يخف خيانته وجحوده الحق { فليؤد الذي اؤتمن } أي : أمن عليه { أمانته وليتق الله ربه } بأداء الأمانة { ولا تكتموا الشهادة } إذا دعيتم لإقامتها { ومن يكتمها فإنه آثم } فاجر { قلبه }

(1/195)


{ لله ما في السماوات وما في الأرض } ملكا فهو مالك أعيانه { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } لما نزل هذا جاء ناس من الصحابة إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا : كلفنا من العمل ما لا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه فنحن نحاسب بذلك ؟ فقال النبي : فلعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل : سمعنا وعصينا وقولوا : سمعنا وأطعنا فقالوا : سمعنا وأطعنا فأنزل الله تعالى الفرج بقوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } فنسخت هذه الآية ما قبلها وقيل : إن هذا في كتمان الشهادة وإقامتها ومعنى قوله : { يحاسبكم به الله } يخبركم به ويعرفكم إياه

(1/196)


{ آمن الرسول } الآية لما ذكر الله تعالى في هذه السورة الأحكام والحدود وقصص الأنبياء وآيات قدرته ختم السورة بذكر تصديق نبيه عليه السلام والمؤمنين بجميع ذلك { لا نفرق بين أحد } أي : يقولون : لا نفرق بين أحد من رسله كما فعل أهل الكتاب آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض بل نجمع بينهم في الإيمان بهم { وقالوا سمعنا } قوله { وأطعنا } أمره { غفرانك } أي : اغفر غفرانك

(1/196)


{ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ذكرنا أن هذه الآية نسخت ما شكاه المؤمنين من المحاسبة بالوسوسة وحديث النفس { لها ما كسبت } ( من العمل بالطاعة ) { وعليها ما اكتسبت } ( من العمل بالإثم ) أي : لا يؤاخذ أحد بذنب غيره { ربنا لا تؤاخذنا } أي : قولوا ذلك على التعليم للدعاء ومعناه : لا تعاقبنا إن نسينا كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما شرع لهم عجلت لهم العقوبة بذلك فأمر الله نبيه والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك { أو أخطأنا } تركنا الصواب : { ربنا ولا تحمل علينا إصرا } أي : ثقلا والمعنى : لا تحمل علينا أمرا يثقل { كما حملته على الذين من قبلنا } نحو ما أمر به بنو إسرائيل من الأثقال التي كانت عليهم { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } أي : لا تعذبنا بالنار { أنت مولانا } ناصرنا والذي تلي علينا أمورنا { فانصرنا على القوم الكافرين } في إقامة حجتنا وغلبتنا إياهم في حربه وسائر أمورهم حتى يظهر ديننا على الدين كله كما وعدتنا

(1/197)


{ الم }

(1/198)


{ الله لا إله إلا هو الحي القيوم }

(1/198)


{ نزل عليك الكتاب } أي : القرآن { بالحق } بالصدق في إخباره { مصدقا لما بين يديه } موافقا لما تقدم الخبر به في سائر الكتب { وأنزل التوراة والإنجيل }

(1/198)


{ من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان } ما فرق به بين الحق والباطل يعني : جميع الكتب التي أنزلها { إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } ذو عقوبة

(1/198)


قال تعالى { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء }

(1/198)


{ هو الذي يصوركم } يجعلكم على صور في أرحام الأمهات { كيف يشاء } ذكرا وأنثى قصيرا وطويلا وأسود وأبيض

(1/198)


{ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات } وهن الثلاث الآيات في آخر سورة الأنعام : { قل تعالوا أتل } إلى آخر الآيات الثلاث { هن أم الكتاب } هن أم كل كتاب أنزله الله تعالى على كل نبي فيهن كل ما أحل وحرم ومعناه : أنهن أصل الكتاب الذي يعمل عليه { وأخر } أي : آيات أخر { متشابهات } يريد : التي تشابهت على اليهود وهي حروف التهجي في أوائل السور وذلك أنهم أولوها على حساب الجمل وطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة فاختلط عليهم واشتبه { فأما الذين في قلوبهم زيغ } وهم اليهود الذين طلبوا علم أجل هذه الأمة من الحروف المقطعة { فيتبعون ما تشابه منه } من الكتاب يعني : حروف التهجي { ابتغاء الفتنة } طلب اللبس ليضلوا به جهالهم { وابتغاء تأويله } طلب أجل أمة محمد صلى الله عليه و سلم { وما يعلم تأويله إلا الله } يريد : ما يعلم انقضاء ملك أمة محمد صلى الله عليه و سلم إلا الله لأن انقضاء ملكهم مع قيام الساعة ولا يعلم ذلك أحد إلا الله ثم ابتدأ فقال : { والراسخون في العلم } أي : الثابتون فيه يعني : علماء مؤمني أهل الكتاب { يقولون آمنا به } أي : بالمتشابه { كل من عند ربنا } المحكم والمتشابه وما علمناه وما لم نعلمه { وما يذكر إلا أولو الألباب } ما يتعظ بالقرآن إلا ذوو العقول

(1/199)


{ ربنا } أي : ويقول الراسخون في العلم { ربنا لا تزغ قلوبنا } لا تملها عن الهدى والقصد كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم زيغ { بعد إذ هديتنا } للإيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك

(1/200)


{ ربنا إنك جامع الناس } حاشرهم { ليوم } الجزاء في يوم { لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد } للبعث والجزاء

(1/200)


{ إن الذين كفروا } يعني : يهود قريظة والنضير { لن تغني عنهم } أي : لن تنفع ولن تدفع عنهم { أموالهم } { ولا أولادهم } يعني : التي يتفاخرون بها { من الله } من عذاب الله { شيئا وأولئك هم وقود النار } هم الذين توقد بهم النار

(1/200)


{ كدأب آل فرعون } كصنيع آل فرعون وفعلهم في الكفر والتكذيب كفرت اليهود بمحمد صلى الله عليه و سلم

(1/200)


{ قل للذين كفروا } يعني : يهود المدينة ومشركي مكة { ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } بئس ما مهد لكم

(1/200)


{ قد كان لكم آية } علامة تدل على صدق محمد عليه السلام { في فئتين } يعني : المسلمين والمشركين { التقتا } اجتمعتا يوم بدر للقتال { فئة تقاتل في سبيل الله } وهم المسلمون { وأخرى كافرة يرونهم مثليهم } وهم كانوا ثلاثة أمثالهم ولكن الله تعالى قللهم في أعينهم وأراهم على قدر ما أعلمهم أنهم يغلبونهم لتقوى قلوبهم وذلك أن الله عز و جل كان قد أعلم المسلمين أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار { رأي العين } أي : من حيث يقع عليهم البصر { والله يؤيد } يقوي { بنصره } بالغلبة والحجة من يشاء { إن في ذلك لعبرة } وهي الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم { لأولي الأبصار } لذوي العقول

(1/200)


{ زين للناس حب الشهوات } جمع الشهوة وهي توقان النفس إلى الشيء { والقناطير المقنطرة } الأموال الكثيرة المجموعة { والخيل المسومة } الراعية وقيل : المعلمة كالبلق وذوات الشيات وقيل : الحسان والخيل : الأفراس { والأنعام } الإبل والبقر والغنم { والحرث } وهو ما يزرع ويغرس ثم بين أن هذه الأشياء متاع الدنيا وهي فانية زائلة { والله عنده حسن المآب } المرجع ثم أعلم أن خيرا من ذلك كله ما أعده لأوليائه فقال

(1/201)


{ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } الذي ذكرت { للذين اتقوا } الشرك { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد }

(1/201)


قال تعالى { الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار }

(1/202)


{ الصابرين } على دينهم وعلى ما أصابهم { والصادقين } في نياتهم { والقانتين } المطيعين لله { والمنفقين } من الحلال في طاعة الله { والمستغفرين بالأسحار } المصلين صلاة الصبح قيل : نزلت في المهاجرين والأنصار

(1/202)


{ شهد الله } بين وأظهر بما نصب من الأدلة على توحيده { أنه لا إله إلا هو والملائكة } أي : وشهدت الملائكة بمعنى : أقرت بتوحيد الله { وأولو العلم } هم الأنبياء والعلماء من مؤمني أهل الكتاب والمسلمين { قائما بالقسط } أي : قائما بالعدل يجري التدبير على الاستقامة في جميع الأمور

(1/202)


{ إن الدين عند الله الإسلام } افتخر المشركون بأديانهم فقال كل فريق : لا دين إلا ديننا وهو دين الله فنزلت هذه الآية وكذبهم الله تعالى فقال : { إن الدين عند الله الإسلام } الذي جاء به محمد عليه السلام { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب } أي : اليهود لم يختلفوا في صدق نبوة محمد صلى الله عليه و سلم لما كانوا يجدونه في كتابهم { إلا من بعد ما جاءهم العلم } يعني : النبي صلى الله عليه و سلم سمي علما لأنه كان معلوما عندهم بنعته وصفته قبل بعثه فلما جاءهم اختلفوا فيه فآمن به بعضهم وكفر الآخرون { بغيا بينهم } طلبا للرياسة وحسدا له على النبوة { ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب } أي : المجازاة له على كفره

(1/202)


{ فإن حاجوك } أي : جادلوك { فقل أسلمت وجهي لله } أي : أخلصت عملي لله وانقدت له { ومن اتبعني } يعني : المهاجرين والأنصار { وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين } يعني : العرب { أأسلمتم } استفهام معناه الأمر أي : أسلموا وقوله : { عليك البلاغ } أي : التبليغ وليس عليك هداهم { والله بصير بالعباد } أي : بمن آمن بك وصدقك ومن كفر بك وكذبك وكان هذا قبل أن أمر بالقتال

(1/203)


{ إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق } قد مضى تفسيره في سورة البقرة وقوله : { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس } قال [ رسول الله صلى الله عليه و سلم : قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم فهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية ] وهؤلاء الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه و سلم كانوا يتولونهم فهم داخلون في جملتهم

(1/203)


{ أولئك الذين حبطت أعمالهم } بطلت أعمالهم التي يدعونها من التمسك بالتوراة وإقامة شرع موسى عليه السلام { في الدنيا } لأنها لم تحقن دماءهم وأموالهم { و } في { الآخرة } لأنهم لم يستحقوا بها ثوابا

(1/203)


{ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } يعني : اليهود { يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم } وذلك أنهم أنكروا آية الرجم من التوراة وسألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن حد المحصنين إذا زنيا فحكم بالرجم فقالوا : جرت يا محمد فقال : بيني وبينكم التوراة ثم أتوا بابن صوريا الأعور فقرأ التوراة فلما أتى على آية الرجم سترها بكفه فقام ابن سلام فرفع كفه عنها وقرأها على رسول الله صلى الله عليه و سلم وعلى اليهود فغضب اليهود لذلك غضبا شديدا وانصرفوا فأنزل الله تعالى هذه الآية { ثم يتولى فريق منهم } يعني : العلماء والرؤساء { وهم معرضون }

(1/204)


{ ذلك } أي : ذلك الإعراض عن حكمك بسبب اغترارهم حيث قالوا : { لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } افتراؤهم وهو قوله : { لن تمسنا النار } وقد مضى هذا في سورة البقرة

(1/204)


{ فكيف إذا جمعناهم } أي : فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم { ل } جزاء { يوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس } جزاء { ما كسبت وهم لا يظلمون } بنقصان حسناتهم أو زيادة سيئاتهم

(1/204)


{ قل اللهم مالك الملك } لما فتح رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة ووعد أمته ملك فارس والروم قالت المنافقون واليهود : هيهات هيهات ( الفارس والروم أعز وأمنع من أن يغلب على بلادهم ) فأنزل الله تعالى هذه الآية وقوله : { تؤتي الملك من تشاء } محمدا وأصحابه { وتنزع الملك ممن تشاء } أبي جهل وصناديد قريش { وتعز من تشاء } المهاجرين والأنصار { وتذل من تشاء } أبا جهل وأصحابه حتى حزت رؤوسهم وألقوا في القليب { بيدك الخير } أي : عز الدنيا والآخرة وأراد : الخير والشر فاكتفى بذكر الخير لأن الرغبة إليه في فعل الخير بالعبد دون الشر

(1/205)


{ تولج الليل في النهار } تدخل الليل في النهار أي : تجعل ما نقص من أحدهما زيادة في الآخر { وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي } تخرج الحيوان من النطفة وتخرج النطفة من الحيوان وتخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن { وترزق من تشاء بغير حساب } بغير تقتير وتضييق

(1/205)


{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } أي : أنصارا وأعوانا من غير المؤمنين وسواهم نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يباطنون اليهود ( أي : يألفونهم ) ويوالونهم { ومن يفعل ذلك } الاتخاذ { فليس من الله في شيء } أي : من دين الله أي : قد برئ من الله وفارق دينه ثم استثنى فقال : { إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي : تقية هذا في المؤمن إذا كان في قوم كفار وخافهم على ماله ونفسه فله أن يخالفهم ويداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه قال ابن عباس : يريد مدارة ظاهرة { ويحذركم الله نفسه } أي : يخوفكم الله على موالاة الكفار عذاب نفسه ( يريد : عذابه وخصصه بنفسه تعظيما له ) فلما نهى عن ذلك خوف وحذر عن إبطان موالاتهم فقال :

(1/205)


{ قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه } من ضمائركم في موالاتهم وتركها { يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض } إتمام للتحذير لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيء فيهما فكيف يخفى عليه الضمير ؟ { والله على كل شيء قدير } تحذير من عقاب من لا يعجزه شيء

(1/206)


{ يوم تجد كل نفس } أي : ويحذركم الله عذاب نفسه يوم تجد أي : ذلك اليوم وقوله : { ما عملت من خير محضرا } أي : جزاء ما عملت بما ترى من الثواب { وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } غاية بعيدة كما بين المشرق والمغرب

(1/207)


{ قل } أي : للكفار { إن كنتم تحبون الله } [ وقف النبي صلى الله عليه و سلم على قريش وهم يسجدون للأصنام فقال : يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم فقالت قريش : إنما نعبد هذه حبا لله ليقربونا إلى الله ] فأنزل الله تعالى : { قل } يا محمد { إن كنتم تحبون الله } وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه { فاتبعوني يحببكم الله } فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم ومعنى محبة العبد لله سبحانه إرادته طاعته وإيثاره أمره ومعنى محبة الله العبد إرادته لثوابه وعفوه عنه وإنعامه عليه

(1/207)


{ قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا } عن الطاعة { فإن الله لا يحب الكافرين } لا يغفر لهم ولا يثني عليهم

(1/207)


{ إن الله اصطفى آدم } بالنبوة والرسالة { ونوحا وآل إبراهيم } يعني : إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط { وآل عمران } موسى وهارون { على العالمين } على عالمي زمانهم

(1/207)


{ ذرية } أي : اصطفى ذرية { بعضها من بعض } أي : من ولد بعض لأن الجميع ذرية آدم ثم ذرية نوح { والله سميع } لما تقوله الذرية المصطفاة { عليم } بما تضمره فلذلك فضلها على غيرها

(1/208)


{ إذ قالت امرأة عمران } وهي حنة أم مريم : { إني نذرت لك ما في بطني } أي : أوجبت على نفسي أن أجعل ما في بطني { محررا } عتيقا خالصا لله خادما للكنيسة مفرغا للعبادة ولخدمة الكنيسة وكان على أولادهم فرضا أن يطيعوهم في نذرهم فتصدقت بولدها على بيت المقدس

(1/208)


{ فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى } اعتذرت مما فعلت من النذر لما ولدت أنثى { وليس الذكر كالأنثى } في خدمة الكنيسة لما يلحقها من الحيض والنفاس { وإني أعيذها بك } أي : أمنعها وأجيرها { من الشيطان الرجيم } الملعون المطرود

(1/208)


{ فتقبلها ربها بقبول حسن } أي : رضيها مكان المحرر الذي نذرته { وأنبتها نباتا حسنا } في صلاح وعفة ومعرفة بالله وطاعة له { وكفلها زكريا } ضمن القيام بأمرها فبنى لها محرابا في المسجد لا يرتقى إليه إلا بسلم والمحراب : الغرفة وهو قوله : { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا } أي : فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء تأتيها به الملائكة من الجنة فلما رأى زكريا ما أوتيت مريم من ( فاكهةالصيف في الشتاء وفاكهةالشتاء في الصيف ) على خلاف مجرى العادة طمع في رزق الولد من العاقر على خلاف العادة وذلك قوله :

(1/208)


{ هنالك } أي : عند ذلك { دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك } أي : من عندك { ذرية طيبة } أي : نسلا مباركا تقيا فأجاب الله دعوته وبعث إليه الملائكة مبشرين وهو قوله :

(1/209)


{ فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله } أي : مصدقا بعيسى أنه روح الله وكلمته وسمي عيسى كلمة الله لأنه حدث عند قوله : { كن } فوقع عليه اسم الكلمة لأنه بها كان { وسيدا } وكريما على ربه { وحصورا } وهو الذي لا يأتي النساء ولا أرب له فيهن

(1/209)


{ قال } زكريا لما بشر بالولد : { رب أنى يكون لي غلام } أي : على أي حال يكون ذلك ؟ أتردني إلى حال الشباب وامرأتي أم مع حال الكبر ؟ { وقد بلغني الكبر } أي : بلغته لأنه كان ذلك اليوم ابن عشرين ومائة سنة { وامرأتي عاقر } لا تلد وكانت بنت ثمان وتسعين سنة قيل له : { كذلك } أي : مثل ذلك من الأمر وهو هبة الولد على الكبر يفعل الله ما يشاء فسبحان من لا يعجزه شيء فلما بشر بالولد سأل الله علامة يعرف بها وقت حمل امرأته وذلك قوله

(1/209)


{ قال رب اجعل لي آية } فقال الله تعالى : { آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام } جعل الله تعالى علامة حمل امرأته أن يمسك لسانه فلا يقدر أن يكلم الناس ثلاثة أيام { إلا رمزا } أي : إيماء بالشفتين والحاجبين والعينين وكان مع ذلك يقدر على التسبيح وذكر الله وهو قوله : { واذكر ربك كثيرا وسبح } أي : وصل { بالعشي } وهو آخر النهار { والإبكار } ما بين طلوع الفجر إلى الضحى

(1/209)


{ وإذ قالت الملائكة } أي : جبريل عليه السلام وحده : { يا مريم إن الله اصطفاك } أي : بما لطف لك حتى انقطعت إلى طاعته { وطهرك } من ملامسة الرجال والحيض { واصطفاك على نساء العالمين } على عالمي زمانك

(1/210)


{ يا مريم اقنتي لربك } قومي للصلاة بين يدي ربك فقامت حتى سالت قدماها قيحا { واسجدي واركعي } أي : ائتي بالركوع والسجود والواو لا تقتضي الترتيب { مع الراكعين } أي : افعلي كفعلهم وقال : { مع الراكعين } ولم يقل : مع الراكعات لأنه أعم

(1/210)


{ ذلك } أي : ما قصصنا عليك من حديث زكريا ومريم { من أنباء الغيب } أي : من أخباره { نوحيه إليك } أي : نلقيه { وما كنت لديهم } فتعرف ذلك { إذ يلقون أقلامهم } وذلك أن حنة لما ولدت مريم أتت بها سدنة بيت المقدس وقالت لهم : دونكم هذه النذيرة فتنافس فيها الأحبار حتى اقترعوا عليها فخرجت القرعة لزكريا فذلك قوله : { إذ يلقون أقلامهم } أي : قداحهم التي كانوا يقترعون بها لينظروا أيهم تجب له كفالة مريم

(1/210)


{ إذ قالت الملائكة } يعني : جبريل عليه السلام : { يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه } يعني : عيسى عليه السلام لأنه في ابتداء أمره كان كلمة من الله وكون بكلمة منه أي : من الله { اسمه المسيح } وهو معرب من مشيحا بالسريانية لقب لعيسى ثم فسر وبين من هو فقال : { عيسى ابن مريم وجيها } أي : ذا جاه وشرف وقدر { في الدنيا والآخرة ومن المقربين } إلى ثواب الله وكرامته

(1/210)


{ ويكلم الناس في المهد } صغيرا { وكهلا } أي : يتكلم بالنبوة كهلا وقيل : بعد نزوله من السماء { ومن الصالحين } يريد : مثل موسى ويعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم السلام

(1/211)


{ قالت } مريم متعجبة : { أنى يكون لي ولد } من غير مسيس بشر ؟ { قال كذلك الله يخلق ما يشاء } مثل ذلك من الأمر وهو خلق الولد من غير مسيس بشر أي : الأمر كما تقولين ولكن الله { إذا قضى أمرا } ذكر في سورة البقرة ( إلى آخرها )

(1/211)


{ ويعلمه الكتاب } أراد : الكتابة والخط

(1/211)


وقوله : { ورسولا إلى بني إسرائيل } أي : ويجعله رسولا إلى بني إسرائيل { أني } أي : بأني { قد جئتكم بآية من ربكم } وهو { أني أخلق } أي : أقدر وأصور { كهيئة الطير } كصورته { وأبرئ الأكمه } وهو الذي ولد أعمى { والأبرص } أي : الذي به وضح أي : بياض { وأنبئكم بما تأكلون } في غدوكم { وما } كم { تدخرون } لباقي يومكم

(1/211)


{ ومصدقا } أي : وجئتكم مصدقا { لما بين يدي } أي : الكتاب الذي أنزل من قبلي { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } أحل لهم على لسان المسيح لحوم الإبل والثروب وأشياء من الطير والحيتان مما كان محرما في شريعة موسى عليه السلام { وجئتكم بآية من ربكم } أي : ما كان معه من المعجزات الدالة على رسالته ووحد لأنها كلها جنس واحد في الدلالة

(1/212)


قال تعالى { إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم }

(1/212)


{ فلما أحس عيسى } علم ورأى { منهم الكفر } وذلك أنهم أرادوا قتله حين دعاهم إلى الله تعالى فاستنصر عليهم و { قال من أنصاري إلى الله } أي : مع الله وفي ذات الله { قال الحواريون } وكانوا قصارين يحورون الثياب أي : يبيضونها آمنوا بعيسى واتبعوه : { نحن أنصار الله } أنصار دينه { آمنا بالله واشهد } يا عيسى { بأنا مسلمون } وقوله :

(1/212)


{ فاكتبنا مع الشاهدين } مع الذين شهدوا للأنبياء بالصدق والمعنى : أثبت أسماءنا مع أسمائهم لنفوز بمثل ما فازوا

(1/212)


{ ومكروا } سعوا في قتله بالمكر { ومكر الله } جازاهم على مكرهم بإلقاء شبه عيسى على من دل عليه حتى أحذ وصلب { والله خير الماكرين } أفضل المجازين بالسيئة العقوبة لأنه لا أحد أقدر على ذلك منه

(1/212)


{ إذ قال الله يا عيسى } والمعنى : ومكر الله إذ قال الله يا عيسى : { إني متوفيك } أي : قابضك من غير موت وافيا تاما أي : لم ينالوا منك شيئا { ورافعك إلي } أي : إلى سمائي ومحل كرامتي فجعل ذلك رفعا إليه للتفخيم والتعظيم كقوله : { إني ذاهب إلى ربي } وإنما ذهب إلى الشام والمعنى : إلى أمر ربي { ومطهرك من الذين كفروا } أي : مخرجك من بينهم { وجاعل الذين اتبعوك } وهم أهل الإسلام من هذه الأمة اتبعوا دين المسيح وصدقوه بأنه رسول الله فوالله ما اتبعه من دعاه ربا { فوق الذين كفروا } بالبرهان والحجة والعز والغلبة

(1/213)


قال تعالى { فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين }

(1/213)


قال تعالى { وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين }

(1/213)


{ ذلك } أي : ما تقدم من النبأ عن عيسى ومريم عليهما السلام { نتلوه عليك } نخبرك به { من الآيات } أي : العلامات الدالة على رسالتك لأنها أخبار من أمور لم يشاهدها ولم يقرأها من كتاب { والذكر الحكيم } أي : القرآن المحكم من الباطل وقيل : الحكيم : الحاكم بمعنى المانع من الكفر والفساد

(1/213)


{ إن مثل عيسى } الآية نزلت في وفد نجران حين قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم : هل رأيت ولدا من غير ذكر ؟ فاحتج الله تعالى عليهم بآدم عليه السلام أي : إن قياس خلق عيسى عليه السلام من غير ذكر كقياس خلق آدم عليه السلام بل الشأن فيه عجب لأنه خلق من غير ذكر ولا أنثى وقوله : { عند الله } أي : في الإنشاء والخلق وتم الكلام عند قوله : { كمثل آدم } ثم استأنف خبرا آخر من قصة آدم عليه السلام فقال : { خلقه من تراب } أي : قالبا من تراب { ثم قال له كن } بشرا { فيكون } بمعنى فكان

(1/213)


{ الحق من ربك } أي : الذي أنبأتك من خبر عيسى الحق من ربك { فلا تكن من الممترين } أي : من الشاكين ز الخطاب للنبي عليه السلام والمراد به نهي غيره عن الشك

(1/214)


{ فمن حاجك } خاصمك { فيه } في عيسى { من بعد ما جاءك من العلم } بأن عيسى عبد الله ورسوله { فقل تعالوا } هلموا { ندع أبناءنا وأبناءكم } لما احتج الله تعالى على النصارى من طريق القياس بقوله : { إن مثل عيسى عند الله } الآية أمر النبي صلى الله عليه و سلم أن يحتج عليهم من طريق الإعجاز فلما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم وفد نجران إلى المباهلة وهي الدعاء على الظالم من الفريقين وخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم ومعه الحسن والحسين وعلي وفاطمة عليهم السلام وهو يقول لهم : إذا أنا دعوت فأمنوا فذلك قوله : { ندع أبناءنا } الآية وقوله : { وأنفسنا وأنفسكم } يعني : بني العم { ثم نبتهل } نتضرع في الدعاء وقيل : ندعو بالبهلة وهي اللعنة فندعو الله باللعنة على الكاذبين فلم تجبه النصارى إلى المباهلة خوفا من اللعنة وقبلوا الجزية

(1/214)


{ إن هذا } الذي أوحيناه إليك { لهو القصص الحق } الخبر الصدق

(1/215)


{ فإن تولوا } أعرضوا عما أتيت به من البيان { فإن الله } يعلم من يفسد من خلقه فيجازيه على ذلك

(1/215)


{ قل يا أهل الكتاب } يعني : يهود المدينة ونصارى نجران { تعالوا إلى كلمة سواء } معنى الكلمة : كلام فيه شرح قصة { سواء } عدل { بيننا وبينكم } ثم فسر الكلمة فقال : { أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا } أي : لا نعبد معه غيره { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله } كما اتخذت النصارى عيسى وبنو إسرائيل عزيزا وقيل : لا نطيع أحدا في معصية الله كما قال الله في صفتهم لما أطاعوا في معصيته علماءهم : { اتخذوا أحبارهم } الآية { فإن تولوا } أعرضوا عن الإجابة { فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } مقرون بالتوحيد

(1/215)


{ يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم } نزلت لما تنازعت اليهود والنصارى مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في إبراهيم عليه السلام فقالت اليهود : ما كان إبراهيم إلا يهوديا وقالت النصارى : ما كان إلا نصرانيا وقوله : { وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } أي : إن اليهودية والنصرانية حدثتا بعد نزول الكتابين وإنما نزلا بعد موته بزمان طويل { أفلا تعقلون } فساد هذه الدعوى

(1/216)


{ ها أنتم } أي : أنتم { هؤلاء } أي : يا هؤلاء { حاججتم } جادلتم وخاصمتم { فيما لكم به علم } يعني : ما وجدوه في كتبهم وأنزل عليهم بيانه وقصته { فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم } من شأن إبراهيم عليه السلام وليس في كتابكم أنه كان يهوديا أو نصرانيا { والله يعلم } شأن إبراهيم { وأنتم لا تعلمون } ثم بين حاله فقال :

(1/216)


{ ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما } الآية ثم جعل المسلمين أحق الناس به فقال :

(1/216)


{ إن أولى الناس بإبراهيم } أي : أقربهم إليه وأحقهم به { للذين اتبعوه } على دينه وملته { وهذا النبي } محمد صلى الله عليه و سلم { والذين آمنوا } أي : فهم الذين ينبغي أن يقولوا : إنا على دين إبراهيم عليه السلام

(1/216)


{ ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم } أراد اليهود أن يستزلوا المسلمين عن دينهم ويردوهم إلى الكفر فنزلت هذه الآية { وما يضلون إلا أنفسهم } لأن المؤمنين لا يقبلون قولهم فيحصل الإثم عليهم بتمنيهم إضلال المؤمنين { وما يشعرون } أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين

(1/217)


{ يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله } أي : القرآن { وأنتم تشهدون } بما يدل على صحته من كتابكم لأن فيه نعت محمد عليه السلام وذكره

(1/217)


{ يا أهل الكتاب لم تلبسون } ذكر في سورة البقرة

(1/217)


{ وقالت طائفة من أهل الكتاب } أي : وذلك أن جماعة من اليهود قال بعضهم لعبض : أظهروا الإيمان بمحمد والقرآن في أول النهار وارجعوا عنه في آخر النهار فإنه أحرى أن ينقلب أصحابه عن دينه ويشكوا إذا قلتم : نظرنا في كتابكم فوجدنا محمدا ليس بذاك فأطلع الله نبيه عليه السلام على سر اليهود ومكرهم بهذه الآية

(1/217)


{ ولا تؤمنوا } هذا حكاية من كلام اليهود بعضهم لبعض قالوا : لا تصدقوا ولا تقروا ب { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمن والسلوى والفضائل والكرامات { إلا لمن تبع دينكم } اليهودية وقام بشرائعه وقوله : { قل إن الهدى هدى الله } اعتراض بين المفعول وفعله وهو من كلام الله تعالى وليس من كلام اليهود ومعناه : إن الدين دين الله وقوله : { أو يحاجوكم } عطف على قوله : { أن يؤتى } والمعنى : ولا تؤمنوا بأن يحاجوكم عند ربكم لأنكم أصح دينا منهم فلا يكون لهم الحجة عليكم فقال الله تعالى : { قل إن الفضل بيد الله } أي : ما تفضل الله به عليك وعلى أمتك

(1/217)


{ يختص برحمته } بدينه الإسلام { من يشاء والله ذو الفضل } على أوليائه { العظيم } لأنه لا شيء أعظم عند الله من الإسلام ثم أخبر عن اختلاف أحوالهم في الأمانة والخيانة بقوله :

(1/218)


{ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك } يعني : عبد الله بن سلام أودع ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأدى الأمانة فيه إلى من ائتمنه { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } يعني : فنحاص بن عازوراء أودع دينارا فخانه { إلا ما دمت عليه قائما } على رأسه بالإجتماع معه فإن أنظرته وأخرته أنكر { ذلك } أي : الاستحلال والخيانة { بأنهم } يقولون : { ليس علينا } فيما أصبنا من أموال العرب شيء لأنهم مشركون فالأميون في هذه الآية العرب كلهم ثم كذبهم الله تعالى في هذا فقال { ويقولون على الله الكذب } لأنهم ادعوا أن ذلك في كتابهم وكذبوا فإن الأمانة مؤداة في كل شريعة { وهم يعلمون } أنهم يكذبون ثم رد عليهم قولهم : { ليس علينا في الأميين سبيل } بقوله :

(1/218)


{ بلى } أي : بلى عليهم سبيل ( في ذلك ) ثم ابتدأ فقال : { من أوفى بعهده } أي : بعهد الله الذي عهد إليه في التوراة من الإيمان بمحمد عليه السلام والقرآن وأدى الأمانة واتقى الكفر والخيانة ونقض العهد { فإن الله يحب المتقين } أي : من كان بهذه الصفة

(1/219)


{ إن الذين يشترون بعهد الله } نزلت في رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه و سلم في ضيعة فهم المدعى عليه أن يحلف فنزلت هذه الآية فنكل ( المدعى عليه ) عن اليمين وأقر بالحق ومعنى { يشترون } يستبدلون { بعهد الله } بوصيته للمؤمنين أن لا يحلفوا كاذبين باسمه { وأيمانهم } جميع اليمين وهو الحلف { ثمنا قليلا } من الدنيا { أولئك لا خلاق لهم في الآخرة } أي : لا نصيب لهم فيها { ولا يكلمهم الله } بكلام يسرهم { ولا ينظر إليهم } بالرحمة وأكثر المفسرين على أن الآية نزلت في اليهود وكتمانهم أمر محمد صلى الله عليه و سلم وإيمانهم الذي بدلوه من صفة محمد عليه السلام هو الحق في التوراة والدليل على صحة هذا قوله :

(1/219)


{ وإن منهم } أي : من اليهود { لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب } يحرفونه بالتغيير والتبديل والمعنى : يلوون ألسنتهم عن سنن الصواب بما يأتونه به من عند أنفسهم { لتحسبوه } أي : لتحسبوا ما لووا ألسنتهم به { من الكتاب }

(1/219)


{ ما كان لبشر } الآية لما ادعت اليهود أنهم على دين إبراهيم عليه السلام وكذبهم الله تعالى غضبوا وقالوا : ما يرضيك منا يا محمد إلا أن نتخذك ربا [ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : معاذ الله أن نأمر بعبادة غير الله ] ونزلت هذه الآية { ما كان لبشر } أن يجمع بين هذين : بين النبوة وبين دعاء الخلق إلى عبادة غير الله { ولكن } يقول : { كونوا ربانيين } الآية أي : يقول : كونوا معلمي الناس بعلمكم ودرسكم علموا الناس وبينوا لهم وكذا كان يقول النبي صلى الله عليه و سلم لليهود لأنهم كانوا أهل كتاب يعلمون ما لا تعلمه العرب

(1/220)


{ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا } كما فعلت النصارى والصابئون { أيأمركم بالكفر } استفهام معناه الإنكار أي : لا يفعل ذلك { بعد إذ أنتم مسلمون } بعد إسلامكم

(1/220)


{ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب } ما ها هنا للشرط والمعنى : لئن آتيتكم شيئا من كتاب وحكمة ومهما آتيتكم { ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به } ويريد بميثاق النبيين عهدهم ليشهدوا لمحمد عليه السلام أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو قوله : { ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم } يريد محمدا { لتؤمنن به ولتنصرنه } أي : إن أدركتموه ولم يبعث الله بينا إلا أخذ عليه العهد في محمد عليه السلام وأمره بأن يأخذ العهد على قومه ليؤمنن به ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه وهذا احتجاج على اليهود قوله : { أأقررتم } أي : قال الله للنبيين : أقررتم بالإيمان به والنصرة له { وأخذتم على ذلكم إصري } أي : قبلتم عهدي ؟ { قالوا أقررنا قال فاشهدوا } أي : على أنفسكم وعلى أتباعكم { وأنا معكم من الشاهدين } عليكم وعليهم

(1/220)


{ فمن تولى } أعرض من { بعد ذلك } بعد أخذ الميثاق وظهور آيات النبي صلى الله عليه و سلم { فأولئك هم الفاسقون } الخارجون عن الإيمان

(1/221)


{ أفغير دين الله يبغون } بعد أخذ الميثاق عليهم بالتصديق بمحمد عليه السلام { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا } الملائكة والمسلون { وكرها } الكفار في وقت البأس { وإليه يرجعون } وعيد لهم أي : أيبغون غير دين الله مع أن مرجعهم إليه ؟

(1/221)


{ قل آمنا بالله } أمر النبي صلى الله عليه و سلم أن يقول : آمنا بالله وبجميع الرسل من غير تفريق بينهم في الإيمان كما فعلت اليهود والنصارى ونظير هذه الآية قد مضى في سورة البقرة

(1/221)


قال تعالى { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين }

(1/221)


{ كيف يهدي الله } هذا استفهام معنا الإنكار أي : لا يهدي الله { قوما كفروا بعد إيمانهم } أي : اليهود كانوا مؤمنين بمحمد عليه السلام قبل مبعثه فلما بعث كفروا به وقوله : { وشهدوا } أي : وبعد أن شهدوا { أن الرسول حق وجاءهم البينات } ما بين في التوراة { والله لا يهدي القوم الظالمين } أي : لا يرشد من نقض عهود الله بظلم نفسه

(1/222)


{ أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله } مثل هذه الآية ذكر في سورة البقرة

(1/222)


قال تعالى { خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون }

(1/222)


{ إلا الذين تابوا من بعد ذلك } أي : راجعوا الإيمان بالله وتصديق نبيه { وأصلحوا } أعمالهم

(1/222)


{ إن الذين كفروا بعد إيمانهم } وهم اليهود { ثم ازدادوا كفرا } بالإقامة على كفرهم { لن تقبل توبتهم } لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت وتلك التوبة لا تقبل

(1/222)


{ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا } وهو القدر الذي يملؤها يقول : لو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهبا لم يقبل منه

(1/222)


{ لن تنالوا البر } التقوى وقيل : أي : الجنة { حتى تنفقوا مما تحبون } أي : تخرجوا زكاة أموالكم

(1/223)


{ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل } أي : حلالا { إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة } وذلك أن يعقوب عليه السلام مرض مرضا شديدا فنذر لئن عافاه الله تعالى ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه وكان أحب الطعام والشراب إليه لحمان الإبل وألبانها فلما ادعى النبي صلى الله عليه و سلم أنه علم دين إبراهيم عليه السلام قالت اليهود : كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها ؟ فقال النبي عليه السلام : كان ذلك حلالا لإبراهيم عليه السلام فادعت اليهود أن ذلك كان حراما عليه فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم وبين أن ابتداء هذا التحريم لم يكن في التوراة إنما كان قبل نزولها وهو قوله : { من قبل أن تنزل التوراة قل فاتوا بالتوراة } الآية

(1/223)


{ فمن افترى على الله الكذب } أي : بإضافة هذا التحريم إلى الله عز و جل على إبراهيم في التوراة { من بعد ذلك } من بعد ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب عليه السلام { فأولئك هم الظالمون } أنفسهم

(1/223)


{ قل صدق الله } في هذا وفي جميع ما أخبر به

(1/224)


{ إن أول بيت وضع للناس } يحج إليه { للذي ببكة } مكة { مباركا } كثير الخير بأن جعل فيه وعنده البركة { وهدى } وذا هدى { للعالمين } لأنه قبلة صلاتهم ودلالة على الله بما جعل عنده من الآيات

(1/224)


{ فيه آيات بينات } أي : المشاعر والمناسك كلها ثم ذكر بعضها فقال : { مقام إبراهيم } أي : منها مقام إبراهيم { ومن دخله كان آمنا } أي : من حجه فدخله كان آمنا من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك وقيل : من النار { ولله على الناس حج البيت } عمم الإيجاب ثم خص وأبدل من الناس فقال { من استطاع إليه سبيلا } يعني : من قوي في نفسه فلا تلحقه المشقة في الكون على الراحة فمن كان بهذه الصفة وملك الزاد والراحلة وجب عليه الحج { ومن كفر } جحد فرض الحج { فإن الله غني عن العالمين }

(1/224)


قال تعالى { قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون }

(1/224)


{ قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن } كان صدهم عن سبيل الله بالتكذيب بالنبي صلى الله عليه و سلم وأن صفته ليست في كتابهم { تبغونها عوجا } تطلبون لها عوجا بالشبه التي تلبسونها على سفلتكم { وأنتم شهداء } بما في التوراة أن دين الله الإسلام

(1/224)


{ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا } الآية نزلت في الأوس والخزرج حين أغرى قوم من اليهود بينهم ليفتنوهم عن دينهم ثم خاطبهم فقال :

(1/224)


{ وكيف تكفرون } أي : على أي حال يقع منكم الكفر وآيات الله التي تدل على توحيده تتلى عليكم { وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله } يؤمن بالله

(1/225)


{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } وهو أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا بكفر فلما نزل هذا قال أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم : ومن يقوى على هذا ؟ وشق عليهم فأنزل الله تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } فنسخت الأولى { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } أي : كونوا على الإسلام حتى إذا أتاكم الموت صادفكم عليه وهو في الحقيقة نهي عن ترك الإسلام

(1/225)


{ واعتصموا بحبل الله جميعا } أي : تمسكوا بدين الله والخطاب للأوس والخزرج { ولا تفرقوا } كما كنتم في الجاهلية مقتتلين على غير دين الله { واذكروا نعمة الله عليكم } بالإسلام { إذ كنتم أعداء } يعني : ما كان بين الأوس والخزرج من الحرب إلى أن ألف الله بين قلوبهم بالإسلام فزالت تلك الأحقاد وصاروا إخوانا متوادين فذلك قوله : { فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار } أي : طرف حفرة من النار لو متم على ما كنتم عليه { فأنقذكم } فنجاكم { منها } بالإسلام وبمحمد عليه السلام { كذلك } أي : مثل هذا البيان الذي تلي عليكم { يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون }

(1/225)


{ ولتكن منكم أمة } الآية أي : وليكن كلكم كذلك ودخلت من لتخصيص المخاطبين من غيرهم

(1/226)


{ ولا تكونوا كالذين تفرقوا } أي : اليهود والنصارى { واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات } أي : إن اليهود اختلفوا بعد موسى فصاروا فرقا وكذلك النصارى

(1/226)


{ يوم تبيض وجوه } أي : وجوه المهاجرين والأنصار ومن آمن بمحمد عليه السلام { وتسود وجوه } اليهود والنصارى ومن كفر به { فأما الذين اسودت وجوههم } فيقال لهم : { أكفرتم بعد إيمانكم } لأنهم شهدوا لمحمد عليه السلام بالنبوة فلما قدم عليهم كذبوه وكفروا به

(1/226)


{ وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله } أي : جنته

(1/226)


{ تلك آيات الله } أي : القرآن { نتلوها عليك } نبينها { بالحق } بالصدق { وما الله يريد ظلما للعالمين } فيعاقبهم بلا جرم

(1/226)


قال تعالى { ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور }

(1/227)


{ كنتم خير أمة } عند الله في اللوح المحفوظ يعني أمة محمد صلى الله عليه و سلم { أخرجت للناس } أظهرت لهم وما أخرج الله تعالى للناس أمة خيرا من أمة محمد عليه السلام ثم مدحهم بما فيهم من الخصال فقال : { تأمرون بالمعروف } الآية

(1/227)


{ لن يضروكم } أي : اليهود { إلا أذى } إلا ضررا يسيرا باللسان مثل الوعيد والبهت { وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار } منهزمين وعد الله نبيه والمؤمنين النصرة على اليهود فصدق وعده فلم يقاتل يهود المدينة رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا انهزموا

(1/227)


{ ضربت عليهم الذلة } ذكرناه { أينما ثقفوا } وجدوا وصودفوا { إلا بحبل من الله } أي : لكن قد يعتصمون بالعهد ( إذا أعطوه والمعنى : أنهم أذلاء في كل مكان إلا أنهم يعتصمون بالعهد ) والمراد { بحبل من الله وحبل من الناس } العهد والذمة والأمان الذي يأخذونه من المؤمنين بإذن الله وباقي الآية ذكر في سورة البقرة ثم أخبر أنهم غير متساوين في دينهم فقال :

(1/227)


{ ليسوا سواء } وأخبر أن منهم المؤمنين فقال : { من أهل الكتاب أمة قائمة } أي : على الحق { يتلون } يقرؤون { آيات الله } كتاب الله { آناء الليل } ساعاته يعني : عبد الله بن سلام ومن آمن معه من أهل الكتاب { وهم يسجدون } أي : يصلون

(1/227)


قال تعالى { يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين }

(1/228)


{ وما يفعلوا من خير فلن يكفروه } لن تجحدوا جزاءه

(1/228)


{ إن الذين كفروا } الآية سبقت في أول هذه السورة

(1/228)


{ مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا } يعني : نفقة سفلة اليهود على علمائهم { كمثل ريح فيها صر } برد شديد { أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم } بالكفر والمعصية أعلم الله تعالى أن ضرر نفقتهم عليهم كضرر هذه الريح على هذا الزرع { وما ظلمهم الله } لأن كل ما فعله بخلقه فهو عدل منه { ولكن أنفسهم يظلمون } بالكفر والعصيان ثم نهى المؤمنين عن مباطنتهم فقال :

(1/228)


{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة } أي : دخلا وخواص { من دونكم } من غير أهل ملتكم { لا يألونكم خبالا } أي : لا يدعون جهدهم في مضرتكم وفسادكم { ودوا ما عنتم } تمنوا ضلالكم عن دينكم { قد بدت البغضاء } أي : ظهرت العداوة { من أفواههم } بالشتيمة والوقيعة في المسلمين { وما تخفي صدورهم } من العداوة والخيانة { أكبر قد بينا لكم الآيات } أي : علامات اليهود في عداوتهم { إن كنتم تعقلون } موقع نفع البيان

(1/228)


{ ها أنتم } ها تنبيه دخل على أنتم { أولاء } بمعنى : الذين كأنه قيل : الذين { تحبونهم ولا يحبونكم } أي : تريدون لهم الإسلام وهم يريدونكم على الكفر { وتؤمنون بالكتاب كله } أي : بالكتب وهو اسم جنس { وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل } أي : أطراف الأصابع { من الغيظ } التقدير : عضوا الأنامل من الغيظ عليكم وذلك لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم { قل موتوا بغيظكم } أمر الله تعالى نبيه أن يدعو عليهم بدوام غيظهم إلى أن يموتوا { إن الله عليم بذات الصدور } بما فيها من خير وشر

(1/229)


{ إن تمسسكم حسنة } نصر وغنيمة { تسؤهم } تحزنهم { وإن تصبكم سيئة } ضد ذلك وهو كسر وهزيمة { يفرحوا بها وإن تصبروا } على ما تسمعون من آذاهم { وتتقوا } مقاربتهم ومخالطتهم { لا يضركم كيدهم } عداوتهم { شيئا إن الله بما يعملون محيط } عالم به فلن تعدموا جزاءه

(1/229)


{ وإذ غدوت } يعني : يوم أحد { من أهلك } من منزل عائشة رضي الله عنها { تبوء } تهيئ للمؤمنين { مقاعد } مراكز ومثابت { للقتال والله سميع } لقولكم { عليم } بما في قلوبكم

(1/229)


{ إذ همت طائفتان منكم } بنو سلمة وبنو حارثة { أن تفشلا } أن تجبنا وذلك أن هؤلاء هموا بالانصراف عن الحرب فعصمهم الله { والله وليهما } ناصرهما وموال لهما { وعلى الله فليتوكل } فليعتمد في الكفاية { المؤمنون }

(1/229)


{ ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة } بقلة العدد وقلة السلاح { فاتقوا الله لعلكم تشكرون } أي : فاتقون فإنه شكر نعمتي

(1/230)


{ إذ تقول للمؤمنين } يوم بدر : { ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين }

(1/230)


{ بلى } تصديق لوعد الله { إن تصبروا } على لقاء العدو { وتتقوا } معصية الله ومخالفة النبي عليه السلام ( { ويأتوكم من فورهم } قيل : من وجههم وقيل : من غيظهم ) { يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين } معلمين وكانت الملائكة قد سومت يوم بدر بالصوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنابها ثم صبر المؤمنون يوم بدر فأمدوا بخمسة آلاف من الملائكة

(1/230)


{ وما جعله الله } أي : ذلك الإمداد { إلا بشرى } أي : بشارة لكم { ولتطمئن قلوبكم به } فلا تجزع من كثرة العدو { وما النصر إلا من عند الله } لأن من لم ينصره الله فهو مخذول وإن كثرت أنصاره

(1/230)


{ ليقطع طرفا } أي : نصركم ببدر ( ليقطع طرفا أي : ) ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل والأسر { أو يكبتهم } أي : يخزيهم ويذلهم يعني : الذين انهزموا قوله :

(1/231)


{ ليس لك من الأمر شيء } الآية لما كان يوم أحد من المشركين ما كان من كسر رباعية النبي صلى الله عليه و سلم وشجه فقال : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم ؟ ! فأنزل الله تعالى هذه الآية يعلمه أن كثيرا منهم سيؤمنون والمعنى : ليس لك من الأمر في عذابهم أو استصلاحهم شيء حتى يقع إنابتهم أو تعذيبهم وهو قوله : { أو يتوب عليهم أو يعذبهم } فلما نفى الأمر عن نبيه عليه السلام ذكر أن جميع الأمر له فمن شاء عذبه ومن شاء غفر له وهو قوله :

(1/231)


{ ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء } أي : الذنب العظيم للموحدين { ويعذب من يشاء } يريد : المشركين على الذنب الصغير { والله غفور } لأوليائه { رحيم } بهم

(1/231)


{ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا } الآية هو أنهم كانوا يزيدون على المال ويؤخرون الأجل كلما أخر أجل إلى غيره زيد في المال زيادة { لعلكم تفلحون } لكي تسعدوا وتبقوا في الجنة

(1/231)


{ واتقوا النار } بتحريم الربا وترك الاستحلال له { التي أعدت للكافرين } دون المؤمنين

(1/232)


قال تعالى { وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون }

(1/232)


{ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } أي : الإسلام الذي يوجب المغفرة وقيل : إلى التوبة وقيل : إلى أداء الفرائض { وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت } لكل واحد من أولياء الله

(1/232)


{ الذين ينفقون في السراء والضراء } في اليسر والعسر وكثرة المال وقلته { والكاظمين الغيظ } الكافين غضبهم عن إمضائه { والعافين عن الناس } أي : المماليك وعمن ظلمهم وأساء إليهم { والله يحب المحسنين } الموحدين الذين فيهم هذه الخصال

(1/232)


{ والذين إذا فعلوا فاحشة } أي : الزنا نزلت في نبهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه التمر فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك فأتى النبي صلى الله عليه و سلم وذكر ذلك له فنزلت هذه الآية وقوله : { أو ظلموا أنفسهم } يعني : ما دون الزنا من قبلة أو لمسة أو نظر { ذكروا الله } أي : ذكروا عقاب الله { ولم يصروا } أي : لم يقيموا ولم يدوموا { على ما فعلوا } بل أقروا واستغفروا { وهم يعلمون } أن الذي أتوه حرام ومعصية

(1/232)


قال تعالى { أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين }

(1/232)


{ قد خلت من قبلكم سنن } قد مضت مني فيمن كان قبلكم من الأمم الكافرة سنن بإمهالي إياهم حتى يبلغوا الأجل الذي أجلته في إهلاكهم وبقيت لهم آثار في الدنيا فيها أعظم الاعتبار { فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة } آخر أمر { المكذبين } منهم نزلت في قصة يوم أحد يقول الله : فأنا أمهلهم حتى يبلغ أجلي الذي أجلت في نصرة النبي عليه السلام وأوليائه وإهلاك أعدائه

(1/233)


{ هذا بيان للناس } أي : القرآن بيان للناس عامة { وهدى وموعظة للمتقين } خاصة وهم الذين هداهم الله بفضله

(1/233)


{ ولا تهنوا } ولا تضعفوا عن جهاد عدوكم بما نالكم من الهزيمة { ولا تحزنوا } أي : على ما فاتكم من الغنيمة { وأنتم الأعلون } أي : لكم تكون العاقبة بالنصر والظفر { إن كنتم مؤمنين } أي : إن الإيمان يوجب ما ذكر من ترك الوهن والحزن

(1/233)


{ إن يمسسكم } يصبكم { قرح } جراح وألمها يوم أحد { فقد مس القوم } المشركين { قرح مثله } يوم بدر { وتلك الأيام } أي : أيام الدنيا { نداولها } نصرفها { بين الناس } مرة لفرقة ومرة عليها { وليعلم الله الذين آمنوا } مميزين بالإيمان عن غيرهم أي : إنما نجعل الدولة للكفار على المؤمنين ليميز المؤمن المخلص ممن يرتد عن الدين إذا أصابته نكبة والمعنى : ليعلمهم مشاهدة كما علمهم غيبا { ويتخذ منكم شهداء } أي : ليكرم قوما بالشهادة { والله لا يحب الظالمين } أي : المشركين أي : إنه إنما يديل المشركين على المؤمنين لما ذكر لا لأنه يحبهم

(1/234)


{ وليمحص الله الذين آمنوا } أي : ليخلصهم من ذنوبهم بما يقع عليهم من قتل وجرح وذهاب مال { ويمحق الكافرين } يستأصلهم إذا أدال عليهم يعني : أنه يديل على المؤمنين لما ذكر ويديل على الكافرين لإهلاكهم بذنوبهم

(1/234)


{ أم حسبتم } بل أحسبتم أي : لا تحسبوا { أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله } الآية أي : ولما يقع العلم بالجهاد مع العلم بصبر الصابرين والآية خطاب للذين انهزموا يوم أحد قيل لهم : أحسبتم أن تدخلوا الجنة كما دخل الذين قتلوا وثبتوا على ألم الجرح والضرب من غير أن تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم ؟ !

(1/234)


{ ولقد كنتم تمنون الموت } كانوا يتمنون يوما مع النبي صلى الله عليه و سلم ويقولون : لنفعلن ولنفعلن ثم انهزموا يوم أحد فاستحقوا العقاب وقوله : { من قبل أن تلقوه } أي : من قبل يوم أحد { فقد رأيتموه } رأيتم ما كنتم تتمنون من الموت أي : رأيتم أسبابه ولم تثبتوا مع نبيكم نزلت في معاتبة الرسول إياهم فقالوا : بلغنا أنك قد قتلت لذلك انهزمنا { وأنتم تنظرون } وأنتم بصراء تتأملون الحال في ذلك كيف هي فلم انهزمتم ؟

(1/234)


{ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } أي : يموت كما ماتت الرسل قبله { أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } ارتددتم كفارا بعد إيمانكم وذلك لما نعي رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم أحد وأشيع أنه قد قتل قال ناس من أهل النفاق للمؤمنين : إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول فأنزل الله تعالى هذه الآية { ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا } أي : فإنما يضر نفسه باستحقاق العذاب { وسيجزي الله } بما يستحقون من الثواب { الشاكرين } الطائعين لله من المهاجرين والأنصار ثم عاتب المنهزمين بقوله :

(1/235)


{ وما كان لنفس أن تموت } أي : ما كانت نفس لتموت { إلا بإذن الله } بقضائه وقدره كتب الله ذلك { كتابا مؤجلا } إلى أجله الذي قدر له فلم انهزمتم ؟ والهزيمة لا تزيد في الحياة { ومن يرد } بعمله وطاعته { ثواب الدنيا } زينتها وزخرفها { نؤته منها } نعطه منها ما قدرناه له أي : لهؤلاء المنهزمين طلبا للغنيمة { ومن يرد ثواب الآخرة } يعني : الذين ثبتوا حتى قتلوا { نؤته منها } ثم احتج على المنهزمين بقوله :

(1/235)


{ وكأين } أي : وكم { من نبي قاتل } في معركة { معه ربيون كثير } جماعات كثيرة { فما وهنوا لما أصابهم } أي : ما ضعفوا بعد قتل نبيهم الآية

(1/236)


{ وما كان قولهم } أي : قول أصحاب ذلك النبي المقتول عند الحرب بعد قتل نبيهم { إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا } تجاوزنا ما حد لنا { في أمرنا وثبت أقدامنا } بالقوة من عندك والنصرة

(1/236)


{ فآتاهم الله ثواب الدنيا } النصر والظفر { وحسن ثواب الآخرة } الأجر والمغفرة

(1/236)


{ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا } أي : اليهود والمشركين حيث قالوا لكم يوم أحد : ارجعوا إلى دين آبائكم وهو قوله : { يردوكم على أعقابكم } يرجعونكم إلى أول أمركم من الشرك بالله

(1/236)


{ بل الله مولاكم } أي : فاستغنوا عن موالاة الكفار فأنا ناصركم فلا تستنصروهم ولما انصرف المشركون من أحد هموا بالرجوع لاستئصال المسلمين وخاف المسلمون ذلك فوعدهم الله تعالى خذلان أعدائهم بقوله :

(1/236)


{ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب } الخوف حتى لا يرجعوا إليكم { بما أشركوا } أي : بإشراكهم بالله { ما لم ينزل به سلطانا } حجة وبرهانا أي : الأصنام التي يعبدونها مع الله بغير حجة { ومأواهم النار } أي : مرجعهم النار { وبئس مثوى الظالمين } مقامهم

(1/237)


{ ولقد صدقكم الله وعده } بالنصر والظفر { إذ تحسونهم } تقتلون المشركين يوم أحد في أول الأمر { بإذنه } بعلم الله وإرادته { حتى إذا فشلتم } جبنتم عن عدوكم { وتنازعتم } اختلفتم في الأمر يعني : قول بعضهم : ما مقامنا وقد انهزم القوم الكافرون وقول بعضهم : لا نجاوز أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم وهذا الاختلاف كان بين الرماة الذين كانوا عند المركز { وعصيتم } الرسول بترك المركز { من بعد ما أراكم ما تحبون } من الظفر والنصر على أعدائكم { منكم من يريد الدنيا } وهم الذين تركوا المركز وأقبلوا إلى الذهب { ومنكم من يريد الآخرة } أي : الذين ثبتوا في المركز { ثم صرفكم } ردكم بالهزيمة { عنهم } عن الكفار { ليبتليكم } ليختبركم بما جعل عليكم من الدبرة فيتبين الصابر من الجازع والمخلص من المنافق { ولقد عفا عنكم } ذنبكم بعصيان النبي صلى الله عليه و سلم والهزيمة { والله ذو فضل على المؤمنين } بالمغفرة

(1/237)


{ إذ تصعدون } تبعدون في الهزيمة { ولا تلوون } لا تقيمون { على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم } من خلفكم يقول : إلي عباد الله ( إلي عباد الله إلي عباد الله ) وأنتم لا تلتفتون إليه { فأثابكم } أي : جعل مكان ما ترجعون من الثواب { غما } وهو غم الهزيمة وظفر المشركين { بغم } أي : بغمكم رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ عصيتموه { لكيلا تحزنوا } أي : عفا عنكم لكيلا تحزنوا { على ما فاتكم } من الغنيمة { ولا ما أصابكم } من القتل والجراح

(1/238)


{ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا } وذلك أنهم خافوا كره المشركين عليهم وكانوا تحت الحجف متأهبين للقتال فأمنهم الله تعالى أمنا ينامون معه وكان ذلك خاصا بالمؤمنين وهو قوله { يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم } وهم المنافقون كان همهم خلاص أنفسهم { يظنون بالله غير الحق } أي : يظنون أن أمر محمد عليه السلام مضمحل وأنه لا ينصر { ظن الجاهلية } أي : كظن أهل الجاهلية وهم الكفار { يقولون : هل لنا من الأمر من شيء } ليس لنا من النصر والظفر شيء كما وعدنا يقولون ذلك على جهة التكذيب فقال الله تعالى : { إن الأمر كله لله } أي : النصر والشهادة والقدر والقضاء { يخفون في أنفسهم } من الشك والنفاق { ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء } أي : لو كان الاختيار إلينا { ما قتلنا هاهنا } يعنون : أنهم أخرجوا كرها ولو كان الأمر بيدهم ما خرجوا وهذا تكذيب منهم بالقدر فرد الله عليهم بقوله : { قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } مصارعهم ولم يكن لينجيهم قعودهم { وليبتلي الله ما في صدوركم } أيها المنافقون فعل الله ما فعل يوم أحد { وليمحص } ليظهر ويكشف { ما في قلوبكم } أيها المؤمنون من الرضا بقضاء الله { والله عليم بذات الصدور } بضمائرها

(1/238)


{ إن الذين تولوا منكم } أيها المؤمنون { يوم التقى الجمعان } أي : الذين انهزموا يوم أحد { إنما استزلهم الشيطان } حملهم على الزلة { ببعض ما كسبوا } يعني : معصيتهم للنبي صلى الله عليه و سلم بترك المركز { ولقد عفا الله عنهم } تلك الخطيئة

(1/239)


{ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا } أي : المنافقين { وقالوا لإخوانهم } أي : في شأن إخوانهم في النسب { إذا ضربوا في الأرض } أي : سافروا فماتوا وهلكوا { أو كانوا غزى } جمع غاز فقتلوا { لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا } تكذيبا منهم بالقضاء والقدر { ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم } أي : ليجعل ظنهم أنهم لو لم يحضروا الحرب لاندفع عنهم القتل { حسرة في قلوبهم } ينهى المؤمنين أن يكونوا كهؤلاء الكفار في هذا القول منهم ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم دون قلوب المؤمنين { والله يحيي ويميت } فليس يمنع الإنسان تحرزه من إتيان أجله

(1/239)


{ ولئن قتلتم } أي : والله لئن قتلتم { في سبيل الله } في الجهاد أيها المؤمنون { أو متم } في سبيل الله ليغفرن لكم وهو { خير مما يجمعون } من أعراض الدنيا

(1/240)


{ ولئن متم } مقيمين على الجهاد { أو قتلتم } مجاهدين { لإلى الله تحشرون } في الحالين

(1/240)


{ فبما رحمة من الله } أي : فبرحمة أي : فبنعمة من الله وإحسان منه إليك { لنت لهم } يا محمد أي : سهلت أخلاقك لهم وكثر احتمالك { ولو كنت فظا } غليظا في القول { غليظ القلب } في الفعل { لانفضوا } لتفرقوا { من حولك فاعف عنهم } فيما فعلوا يوم أحد { واستغفر لهم } حتى أشفعك فيهم { وشاورهم في الأمر } تطييبا لنفوسهم ورفعا من أقدارهم ولتصير سنة { فإذا عزمت } على ما تريد إمضاءه { فتوكل على الله } لا على المشاورة

(1/240)


{ إن ينصركم الله فلا غالب لكم } من الناس { وإن يخذلكم } ( يوم أحد ) لا ينصركم أحد من بعده والمعنى : لا تتركوا أمري للناس وارفضوا الناس لأمري

(1/240)


{ وما كان لنبي أن يغل } أي : يخون بكتمان شيء من الغنيمة عن أصحابه نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال الناس : لعل النبي أخذها فنفى الله تعالى عنه الغلول وبين أنه ما غل نبي والمعنى : ما كان لنبي غلول { ومن يغلل يأت بما غل } حاملا له على ظهره { يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت } أي : تجازى ثواب عملها { وهم لا يظلمون } لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئا

(1/240)


{ أفمن اتبع رضوان الله } بالإيمان به والعمل بطاعته يعني : المؤمنين { كمن باء بسخط من الله } احتمله بالكفر به والعمل بمعصيته يعني : المنافقين

(1/241)


{ هم درجات عند الله } أي : أهل درجات عند الله يريد أنهم مختلفو المنازل فلمن اتبع رضوان الله الكرامة والثواب ولمن باء بسخط من الله المهانة والعذاب { والله بصير بما يعملون } فيه حث على الطاعة وتحذير عن المعصية

(1/241)


{ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } أي : واحدا منهم عرف أمره وخبر صدقه وأمانته ليس بملك ولا أحد من غير بني آدم وباقي الآية ذكر في سورة البقرة { وإن كانوا من قبل } وقد كانوا من قبل بعثه { لفي ضلال مبين }

(1/241)


{ أو لما أصابتكم } أو حين أصابتكم مصيبة يعني : ما أصابهم يوم أحد { قد أصبتم } أنتم { مثليها } يوم بدر وذلك أنهم قتلوا سبعين وأسروا سبعين وقتل منهم يوم أحد سبعون { قلتم أنى هذا } من أين أصابنا هذا القتل والهزيمة ونحن مسلمون ورسول الله صلى الله عليه و سلم فينا ؟ ! { قل هو من عند أنفسكم } أي : إنكم تركتم المركز وطلبتم الغنيمة فمن قبلكم جاءكم الشر { إن الله على كل شيء قدير } من النصر مع طاعتكم نبيكم وترك النصر مع مخالفتكم إياه

(1/241)


{ وما أصابكم يوم التقى الجمعان } يوم أحد { فبإذن الله } بقضائه وقدره يسليهم بذلك { وليعلم المؤمنين } ثابتين صابرين وليعلم المنافقين جازعين مما نزل بهم

(1/242)


{ وقيل لهم } لعبد الله بن أبي وأصحابه لما انصرفوا ذلك اليوم عن المؤمنين { تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا } عنا القوم بتكثيركم سوادنا إن لم تقاتلوا { قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم } أي : لو نعلم أنكم تقاتلون اليوم لاتبعناكم ولكن لا يكون اليوم قتال ونافقوا بهذا لأنهم لو علموا ذلك ما اتبعوهم قال الله تعالى : { هم للكفر يومئذ } بما أظهروا من خذلان المؤمنين { أقرب منهم للإيمان } لأنهم كانوا قبل ذلك أقرب إلى الإيمان بظاهر حالهم فلما خذلوا المؤمنين صاروا أقرب إلى الكفر من حيث الظاهر

(1/242)


{ الذين قالوا } يعني : المنافقين { لإخوانهم } لأمثالهم من أهل النفاق { وقعدوا } عن الجهاد الواو للحال { لو أطاعونا } يعنون : شهداء أحد في الإنصراف عن النبي صلى الله عليه و سلم والقعود { ما قتلوا } فرد الله تعالى عليهم وقال : { قل } لهم يا محمد { فادرؤوا } فادفعوا { عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } إن صدقتم أن الحذر ينفع من القدر

(1/242)


{ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله } يعني : شهداء أحد { أمواتا بل أحياء } بل هم أحياء { عند ربهم } في دار كرامته لأن أرواحهم في أجواف طير خضر { يرزقون } يأكلون

(1/243)


{ فرحين } مسرورين { بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم } ويفرحون بإخوانهم الذين فارقوهم يرجون لهم الشهادة فينالون مثل ما نالوا { ألا خوف عليهم } أي : بأن لا خوف عليهم يعني : على إخوانهم المؤمنين إذا لحقوا بهم

(1/243)


قال تعالى { يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين }

(1/243)


{ الذين استجابوا لله والرسول } أجابوهما { من بعد ما أصابهم القرح } أي : الجراحات { للذين أحسنوا منهم } بطاعة الرسول واتقوا مخالفته { أجر عظيم } نزلت في الذين أطاعوا الرسول حين ندبهم للخروج في طلب أبي سفيان يوم أحد لما هم أبو سفيان بالانصراف إلى محمد عليه السلام وأصحابه ليستأصلوهم

(1/243)


{ الذين قال لهم الناس } الآية كان أبو سفيان واعد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يوافيه العام المقبل من يوم أحد ببدر الصغرى فلما كان العام المقبل بعث نعيم بن مسعود الأشجعي ليجبن المؤمنين عن لقائه وهو قوله : { الذين } يعني : المؤمنين { قال لهم الناس } يعني : نعيم بن مسعود { إن الناس } يعني : أبا سفيان وأصحابه { قد جمعوا } باللطيمة سوق مكة { لكم فاخشوهم } ولا تأتوهم { فزادهم } ذلك القول { إيمانا } أي : ثبوتا في دينهم وإقامة على نصرة نبيهم { وقالوا حسبنا الله } أي : الذي يكفينا أمرهم هو الله { ونعم الوكيل } أي : الموكول إليه الأمر

(1/243)


{ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل } ربح وذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج لذلك الموعد فلم يلق أحدا من المشركين ووافقوا السوق وذلك أنه كان موضع سوق لهم فاتجروا وربحوا وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين وهو قوله : { لم يمسسهم سوء } أي : قتل ولا جراح { واتبعوا رضوان الله } إلى بدر الصغرى في طاعته وفي طاعة رسوله قوله :

(1/244)


{ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه } أي : يخوفكم بأوليائه يعني : الكفار { فلا تخافوهم وخافون } في ترك أمري { إن كنتم مؤمنين } مصدقين لوعدي

(1/243)


{ ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } أي : في نصرته وهم المنافقون واليهود والمشركون { إنهم لن يضروا الله } أي : أولياءه ودينه { شيئا } وإنما يعود وبال ذلك عليهم { يريد الله أن لا يجعل لهم حظا } نصيبا { في الآخرة } في الجنة

(1/243)


{ إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان } أي : استبدلوا كرر { لن يضروا الله شيئا } لأنه ذكرن في الأول على طريق العلة لما يجب من التسلية عن المسارعة إلى الضلالة وذكره في الثاني على طريق العلة لاختصاص المضرة بالعاصي دون المعصي

(1/245)


{ ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم } أي : أن إملاءنا - وهو الإمهال والتأخير - { خير لأنفسهم إنما نملي لهم } أي : نطول أعمارهم ليزدادوا إثما لمعاندتهم الحق وخلافهم الرسول نزلت الآية في قوم من الكفار علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون أبدا وأن بقاءهم يزيدهم كفرا

(1/245)