صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الوجيز في تفسير الكتاب العزيز |
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10)
{ يا أيها المزمل } أي : المُتَلفِّف بثيابه . نزل هذا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو مُتلَفِّفٌ بقطيفةٍ . (1/1053)
{ قم الليل إلاَّ قليلاً } أي : صلِّ [ كلَّ ] اللَّيلِ إلاَّ شيئاً يسيراً تنام فيه ، وهو الثُّلث ، ثمَّ قال :
{ نصفه } أَيْ : قم نصفه { أو انقص منه } من النِّصف { قليلاً } إلى الثُّلث .
{ أو زد عليه } على النِّصف إلى الثُّلثين ، جعل له سعةً في مدَّة قيامه في اللَّيل ، فكأنَّه قال : قم ثلثي اللَّيل أو نصفه أو ثلثه ، فلمَّا نزلت هذه الآية أخذ المسلمون أنفسهم بالقيام على هذه المقادير ، وشقَّ ذلك عليهم؛ لأنَّهم لم يمكنهم أن يحفظوا هذه المقادير ، وكانوا يقومون اللَّيل كلَّه انتفخت أقدامهم ، ثمَّ خفَّف الله عنهم بآخر هذه السُّورة ، وهو قوله : { إنَّ ربك يعلمُ أنَّك تقوم . . . } الآية ، ثمَّ نسخ قيام اللَّيل بالصَّلوات الخمس ، وكان هذا في صدر الإِسلام . وقوله :
{ ورتل القرآن ترتيلاً } أَي : بيِّنه تبييناً بعضُه على إثر بعضٍ في تُؤّدةٍ .
{ قولاً ثقيلاً } رصيناً رزيناً ، ليس بالسفساف والخفيف؛ لأنَّه كلام الله .
{ إنَّ ناشئة الليل } ساعاته { هي أشد وطأ } أثقلُ على المُصلِّين من ساعات النَّهار ، ومَنْ قرأ : " وِطاء " فمعناه : أشدُّ موافقةً بين القلب والسَّمع والبصر واللِّسان؛ لأنَّ اللَّيل تهدأ فيه الأصوات ، وتنقطع الحركات ، ولا تحول دون تسمُّعه وتفهُّمه شيءٌ . { وأقوم قيلاً } وأصوب قراءةً .
{ إنَّ لك في النهار سبحاً طويلاً } أَيْ : تصرُّفاً في حوائجك إقبالاً وإدباراً ، وهذا حثٌ على القيام باللَّيل لقراءة القرآن .
{ واذكر اسم ربك } بالتَّعظيم والتَّنزيه { وتبتل إليه تبتيلاً } وانقطع إليه في العبادة . وقوله :
{ فاتخذوه وكيلاً } أَيْ : قيِّماً بأمورك مُفوَّضاً إليه .
{ واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً } وهو أن لا تتعرَّض لهم ولا تشتغل بمكافآتهم ، وهذه الآية نسختها آية القتال .
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (14) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (18) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (19) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20)
{ وذرني والمكذبين } لا تهتمَّ لشأنهم فإني أكفيكهم ، يعني : رؤساء المشركين ، كقوله : { فذرني ومَنْ يُكذِّب بهذا الحديث } وقد مرَّ . { أولي النعمة } ذوي التَّنعُّم والتًَّرفُّه { ومهِّلهم قليلاًَ } يعني : إلى مدَّة آجالهم . (1/1054)
{ إنَّ لدينا } يعني : في الآخرة { أنكالاً } قيوداً { وجحيماً } ناراً عظيمةً .
{ وطعاماً ذا غُصَّةٍ } يغصُّ في الحلوق ولا يسوغ ، وهو الغِسلين والضَّريع والزَّقُّوم .
{ يوم ترجف الأرض والجبال } تضطرب وتتحرَّك { وكانت الجبال كثيباً مهيلاً } رملاً سائلاً .
{ إنا أرسلنا إليكم رسولاً } محمداً صلى الله عليه وسلم { شاهداً عليكم } يشهد عليكم يوم القيامة بما فعلتم . وقوله :
{ فأخذناه أخذاً وبيلاً } ثقيلاً غليظاً .
{ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً } أَيْ : فكيف تتحصَّنون من عذاب يومٍ يشيب الطِّفل لهوله وشدَّته إن كفرتم اليوم في الدُّنيا .
{ السماء منفطر به } متشقِّق في ذلك اليوم .
{ إنَّ هذه } الآيات { تذكرة } تذكيرٌ للخلق { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً } بالطَّاعة والإِيمان .
{ إنَّ ربك يعلم أنك تقوم } للصَّلاة والقراءة { أدنى } أقلَّ { من ثلثي الليل ونصفه وثلثه } أي : وتقوم نصفه وثلثه { وطائفة من الذين معك ، والله يقدِّر الليل والنهار } فيعلم مقادير أوقاتهما { علم أن لن تحصوه } لن تُطيقوا قيام اللَّيل { فتاب عليكم } رجع لكم إلى التَّخفيف { فاقرؤوا ما تيسر من القرآن } رخَّص لهم أن يقوموا ، فيقرؤوا ما أمكن وخفَّ بغير مقدارٍ معلومٍ من القراءة والمُدَّة . { علم أن سيكون منكم مرضى } فيثقل عليهم قيام اللَّيل ، وكذلك المسافرون للتِّجارة والجهاد ، وهو قوله : { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله } يريد : أنَّه خفف قيام اللَّيل لما علم من ثقله على هؤلاء { فاقرؤوا ما تيسر منه } قال المُفسِّرون : وكان هذا في صدر الإِسلام ، ثمَّ نُسخ بالصَّلوات الخمس ، وقوله : { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً } مما خلَّفتم وتركتم . { واستغفروا الله إن الله غفور } [ لذنوب المؤمنين { رحيم } بهم ] .
يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)
{ يا أيها المدثر } [ أي : المدثِّر ] في ثوبه . (1/1055)
{ قم فأنذر } النَّاس .
{ وربك فكبر } فصفه بالتَّعظيم .
{ وثيابك فطهر } لا تلبسها على معصيةٍ ولا على غدر؛ فإنَّ الغادر والفاجر يُسمَّى دنس الثِّياب .
{ والرجز فاهجر } أي : الأوثان فاهجر [ عبادتها ] ، وكذلك كلَّ ما يؤدي إلى العذاب .
وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8)
{ ولا تمنن تستكثر } لا تُعطِ شيئاً لتأخذَ أكثر منه ، وهذا خاصَّة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم لأنَّه مأمورٌ بأجلِّ الأخلاق ، وأشرفِ الآداب . (1/1056)
{ ولربك فاصبر } اصبر لله على أوامره ونواهيه وما يمتحنك به حتى يَكون هو الذي يُثيبك عليها .
{ فإذا نقر في الناقور } نُفخ في الصُّور . الآية . وقوله :
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)
{ ذرني ومن خلقت وحيداً } أَيْ : لا تهتمَّ لشأنه فإني أكفيك أمره ، أَي : الوليد بن المغيرة ، يقول : خلقته وحيداً لا ولد له ولا مال . (1/1057)
{ وجعلت له مالاً ممدوداً } دائماً لا ينقطع عنه من الزَّرع والضَّرع والتّجارة .
{ وبنين شهوداً } حضوراً معه بمكَّة ، وكانوا عشرةً .
{ ومهدت له تمهيداً } بسطت له في العيش والمال بسطاً .
{ ثم يطمع أن أزيد } يرجو أن أزيده مالاً وولداً .
{ كلا } قطعٌ لرجائه { إنَّه كان لآياتنا عنيداً } للقرآنِ معانداُ غير مطيعٍ .
{ سأرهقه صعوداً } سأغشيه مشقَّةً من العذاب .
{ إنَّه فكر وقدَّر } وذلك أنَّ قريشاً سألته ما تقول في محمَّد؟ فتفكَّر في نفسه وقدَّر القول في محمَّد عليه السَّلام والقرآن ماذا يمكنه أن يقول فيهما .
{ فقتل } لُعن وعُذِّب { كيف قدَّر } ؟ استفهامٌ على طريق التَّعجُّب .
ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27)
{ ثم نظر } . { ثم عبس وبسر } كلح وجهه . (1/1058)
{ ثمَّ أدبر واستكبر } عن الإِيمان .
{ فقال إن هذا } ما هذا الذي يقرؤه محمد { إلاَّ سحرٌ يؤثر } يُروى عن السَّحرة .
{ إن هذا إلاَّ قول البشر } كما قالوا : { إنَّما يُعلِّمه بشرٌ } قال الله تعالى :
{ سأصليه سقر } سأُدخله جهنَّم ، ثمَّ أعلم عظم شأن سقر من العذاب ، فقال :
{ وما أدراك ما سقر } ما أعلمك أيُّ شيءٍ سقر . !
لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31) كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)
{ لواحة للبشر } محرّقةٌ للجلد حتى تُسوِّده . (1/1059)
{ عليها تسعة عشر } من الخزنة ، الواحدة منهم يدفع بالدُّفعة الواحدة في جهنَّم أكثر من ربيعة ومضر ، فلمَّا نزلت هذه الآية قال بعض المشركين : أنا أكفيكم منهم سبعة عشر ، فاكفوني اثنين ، فأنزل الله :
{ وما جعلنا أصحاب النار إلاَّ ملائكة } لا رجالاً ، فمن ذا يغلب الملائكة؟ { وما جعلنا عدتهم } عددهم في القلَّة { إلاَّ فتنة للذين كفروا } لأنَّهم قالوا : ما أعوان محمَّدٍ إلاَّ تسعة عشر { ليستيقن الذين أوتوا الكتاب } ليعلموا أنَّ ما أتى به النبيُّ صلى الله عليه وسلم موافقٌ لما في كتبهم { ويزداد الذين آمنوا } لأنَّهم يُصدِّقون بما أتى به الرَّسول عليه السَّلام ، وبعدد خزنة النَّار { ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون } أَيْ : لا يشكُّون في أنَّ عددهم على ما أخبر به محمد عليه السَّلام { وليقول الذين في قلوبهم مرض } شكٌّ { والكافرون : ماذا أراد الله بهذا مثلاً } أيُّ : شيءٍ أراد الله بهذا العدد وتخصيصه؟ { كذلك } كما أضلَّهم الله بتكذيبهم { يضلُّ الله مَنْ يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلاَّ هو } هذا جوابٌ لقولهم : ما أعوانه إلاَّ تسعة عشر { وما هي } أي : النَّار { إلاَّ ذكرى للبشر } أَيْ : إنَّها تُذكِّرهم في الدُّنيا النّار في الآخرة .
{ كلا } ليس الأمر على ما ذكروا من التَّكذيب له { والقمرِ } قسمٌ .
{ والليل إذ أدبر } جاء بعد النَّهار .
{ والصبح إذا أسفر } أضاء .
{ إنها لإِحدى الكبر } إنَّ سقر لإِِحدى الأمور العظام .
{ نذيراً } إنذاراً { للبشر } .
{ لمن شاء منكم أن يتقدَّم } فيما أُمِرَ به { أو يتأخر } عنه ، فقد أُنذرتم .
{ كلُّ نفسٍ بما كسبت رهينةٌ } مأخوذةٌ بعملها .
{ إلاَّ أصحاب اليمين } يعني : أهل الجنَّة فهم لا يُرتهنون بذنوبهم ، ولكنَّ الله يغفرها لهم . وقيل : أصحاب اليمين ها هنا أطفال المسلمين .
مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42)
{ ما سلككم في سقر } أَيْ : ما أدخلكم جهنَّم؟ (1/1060)
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)
{ وكنا نخوض مع الخائضين } ندخل الباطل مع مَنْ دخله . (1/1061)
{ وكنا نكذب بيوم الدين } بيوم الجزاء .
{ حتى أتانا اليقين } الموت .
فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (52) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ (53) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)
{ فما لهم عن التذكرة معرضين } ما لهم يُعرضون عن تذكيرك إيَّاهم . (1/1062)
{ كأنَّهم حمر مستنفرة } نافرةٌ مذعورة .
{ فرَّت من قسورة } أي : الأسد . وقيل : الرُّماة الصَّيَّادون .
{ بل يريد كلُّ امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منتشرة } وذلك أنَّهم قالوا : إنْ سرَّك أن نتَّبعك فأت كلَّ واحدٍ منا بكتابٍ من ربِّ العالمين نؤمر فيه باتِّباعك ، كما قالوا : { لن نُؤمنَ لرقيِّك حتى تنزِّلَ علينا كتاباً نقرؤه . . . } الآية .
{ كلا } ردٌّ لما قالوا { بل لا يخافون الآخرة } حيث يقترحون أن يُؤتوا صحفاً منشرة .
{ كلا إنه تذكرة } إنَّ القرآن تذكيرٌ للخلق ، وليس بسحرٍ .
{ فمن شاء ذكره } .
{ وما يذكرون إلاَّ أن يشاء الله هو أهل التقوى } أهلٌ أن يُتَّقى عقابه { وأهل المغفرة } أهلٌ أنْ يعمل بما يُؤدِّي إلى مغفرته .
لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5)
{ لا أقسم } " لا " صلةٌ ، معناه : أقسم ، وقيل : " لا " ردٌّ لإِنكار المشركين البعث ، ثمّ قال : أقسم { بيوم القيامة } . (1/1063)
{ ولا أقسم بالنفس اللوامة } وهي نفس ابن آدم تلومه يوم القيامة إنْ كان عمل شرَّاً لِمَ عمله ، وإنْ كان عمل خيراً لأمته على ترك الاستكثار منه ، وجواب هذا القسم مضمرٌ على تقدير : إنَّكم مبعوثون ، ودلَّ عليه ما بعده من الكلام ، وهو قوله :
{ أيحسب الإِنسان } أي : الكافر { أن لن نجمع عظامه } للبعث والإِحياء بعد التَّفرقة والبلى!
{ بلى قادرين } بلى نقدر على جمعها و { على أن نسوي بنانه } نجعله كخفِّ البعير ، فلا يمكنه أن يعمل بها شيئاً ، وقيل : نُسوِّي بنانه على ما كانت وإنْ دقَّت عظامها وصغرت .
{ بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه } يُؤخِّر التَّوبة ويمضي في معاصي الله تعالى قُدُماً قُدُماً ، فيقدّم الأعمال السَّيِّئة . وقيل : معناه ليكفر بما قدَّامه ، يدلُّ على هذا قوله : { يسأل أيان . . . } .
يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15) لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16)
{ يسأل أيان } متى { يوم القيامة } تكذيباً به واستبعاداً لوقوعه . (1/1064)
{ فإذا برق البصر } فزع وتحيَّر .
{ وخسف القمر } أظلم وذهب ضوءه .
{ وجمع الشمس والقمر } أَيْ : جُمعا في ذهاب نورهما .
{ يقول الإنسان يومئذٍ أين المفر } أَي : الفرار؟
{ كلا } لا مفرَّ ذلك اليوم و { لا وزر } ولا ملجأ ولا حِرز .
{ إلى ربك يومئذٍ المستقر } المنتهى والمصير .
{ ينبأ الإِنسان } يُخبر { بما قدَّم وأخر } بأوَّل عمله وآخره .
{ بل الإِنسان على نفسه بصيرة } أَيْ : شاهدٌ عليها بعملها ، يشهد عليه جوارحه ، وأُدخلت الهاء في البصيرة للمبالغة . وقيل : لأنَّه أراد بالإِنسان الجوارح .
{ ولو ألقى معاذيره } ولو اعتذر وجادل فعليه من نفسه من يُكذِّب عذره ، وقيل : معناه : ولو أرخى السُّتور وأغلق الأبواب ، والمِعذار : السِّتر بلغة اليمين .
{ لا تحرّك به } بالوحي { لسانك لتعجل به } كان جبريل عليه السَّلام إذا نزل بالقرآن تلاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم قبل فراغ جبريل كراهيةَ أن ينفلت منه ، فأعلم الله تعالى أنَّه لا يُنسيه إيَّاه ، وأنَّه يجمعه في قلبه .
إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25) كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29)
{ إنَّ علينا جمعه وقرآنه } قراءته عليك حتى تعيه . (1/1065)
{ فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } أَي : لا تعجل بالتِّلاوة إلى أن يقرأ عليك .
{ ثم إنَّ علينا بيانه } أَيْ : علينا أن ننزِّله قرآناً فيه بيانٌ للنَّاس .
{ كلا } زجرٌ وتنبيهٌ . { بل تحبون العاجلة } .
{ وتذرون الآخرة } أي : تختارون الدُّنيا على العقبى .
{ وجوهٌ يومئذٍ } يوم القيامة { ناضرة } مُضِيئةٌ حسنةٌ . { إلى ربها ناظرة } تنظر إلى خالقها عياناً .
{ ووجوه يومئذ باسرة } كالحةٌ .
{ تظن } توقن { أن يفعل بها فاقرة } داهيةٌ عظيمةٌ من العذاب .
{ كلا إذا بلغت التراقي } يعني : النَّفس . بلغت عظام الحلق .
{ وقيل مَنْ راق } مال مَنْ حضر ذلك الذي قارب الموت : هل من طبيبٍ يداويه ، وراقٍ يرقيه فيشفى برقيته؟
{ وظن } أيقن الذي نزل به الموت { أنَّه الفراق } من الدُّنيا والأهل والمال .
{ والتفت الساق بالساق } التفَّت ساقاه لشدَّة النَّزع . وقيل : تتابعت عليه الشَّدائد .
إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (35) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)
{ إلى ربك يومئذ المساق } المنتهى والمرجع بسوق الملائكة الرُّوح إلى حيث أمر الله سبحانه . (1/1066)
{ فلا صدَّق ولا صلى } يعني : أبا جهلٍ لعنه الله .
{ ولكن كذب وتولى } عن الإِيمان .
{ ثمَّ ذهب إلى أهله يتمطى } يتبختر .
{ أولى لك فأولى } . { ثم أولى لك فأولى } هذا تهديدٌ ووعيدٌ له ، والمعنى : وليك المكروه يا أبا أجهل ، [ أي : لزمك المكروه ] .
{ أيحسب الإنسان أن يترك سدى } مُهملاً غير مأمورٍ ولا منهيٍّ .
{ ألم يك نطفة من مني يمنى } يصبُّ في الرَّحم .
{ ثمَّ كان علقة فخلق فسوى } فخلقه الله فسوَّى خلقه ، حتى صار إنساناً بعد أن كان علقةً .
{ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى } فخلق من الإِنسان صنفين الرَّجل والمرأة .
{ أليس ذلك } الذي فعل هذا { بقادر على أن يحيي الموتى } ؟ [ بلى ، وهو على كلِّ شيءٍ قدير ] .
هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)
{ هل أتى على الإنسان } قد أتى على آدم { حين من الدَّهر } أربعون سنةً { لم يكن شيئاً مذكوراً } لأنَّه كان جسداً مُصوَّراً من طينٍ ، لا يُذكر ولا يُعرف ، ويجوز أن يريد جميع النَّاس ، لأنَّ كلَّ أحدٍ يكون عدماً إلى أَنْ يصير شيئاً مذكوراً . (1/1067)
{ إنا خلقنا الإِنسان } يعني : ابن آدم { من نطفة أمشاج } أخلاطٍ ، يعني : ماء الرَّجل وماء المرأة واختلاف ألوانهما { نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً } أَيْ : خلقناه كذلك لنختبره بالتَّكليف والأمر والنَّهي .
{ إنَّا هديناه السبيل } بيَّنا له الطَّريق { إمَّا شاكراً وإمَّا كفوراً } إنْ شكر أو كفر ، يعني : أعذرنا إليه في بيان الطَّريق ببعث الرَّسول آمن أو كفر .
إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13)
{ إنَّ الأبرار } المُطيعين لربِّهم . { يشربون من كأس } إناءٍ فيه شرابٌ { كان مزاجها كافوراً } يُمزج لهم بالكافور . (1/1068)
{ عيناً } من عينٍ { يشرب بها } بتلك العين { عباد الله يفجرونها تفجيراً } يقودونها حيث شاؤوا من منازلهم .
{ يوفون بالنذر } إذا نذروا في طاعة الله وفوا به { ويخافون يوماً كان شرُّه مستطيراً } منتشراً فاشياً .
{ ويطعمون الطعام على حبّه } على قلَّته وحبِّهم إيَّاه { مسكيناً } فقيراً { ويتيماً } لا أب له { وأسيراً } أي : المملوك والمحبوس في حقٍّ من المسلمين ، ويقولون لهم :
{ إنما نطعمكم لوجه الله } لطلب ثواب الله { لا نريد منكم } بما نُطعمكم { جزاءً } مكافأةً منكم { لا شكوراً } شكراً .
{ إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً } كريه المنظر لشدَّته { قمطريراً } صعباً شديداً طويل الشَّر .
{ فوقاهم الله شرَّ ذلك اليوم } الذي يخافون { ولقَّاهم نضرة } [ ضياءً ] في وجوههم { وسروراً } في قلوبهم .
{ وجزاهم بما صبروا } على طاعة الله وعن معصيته { جنة وحريراً } .
{ متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً } حرَّاً ولا برداً ، صيفاً ولا شتاءً .
وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21)
{ ودانية عليهم ظلالُها } أَيْ : قريبةً منهم ظلال أشجارها { وذللت قطوفها تذليلاً } أُدنيت منهم ثمارها ، فهم ينالونها قعوداً كانوا أو قياماً . (1/1069)
{ ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا } أَيْ : لها بياض الفضَّة وصفاء القوارير وهو قوله :
{ قوارير من فضة قدروها تقديراً } أي : جُعلت الأكواب على قدر رِيِّهِمْ ، وهو ألذُّ الشَّراب .
{ ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلاً } والزَّنجبيل : شيءٌ تستلذُّه العرب ، فوعدهم الله ذلك في الجنَّة .
{ عيناً } من عينٍ { فيها } في الجنَّة { تسمى } تلك العين { سلسبيلاً }
{ ويطوف عليهم ولدان } أي : غلمانٌ { مخلَّدون } لا يشيبون { إذا رأيتهم حسبتهم } في بياضهم وصفاء ألوانهم { لؤلؤاً منثوراً } .
{ وإذا رأيت ثمَّ } إذا رميت ببصرك في الجنَّة { رأيت نعيماً وملكاً كبيراً } وهو أنَّ أدناهم منزلاً ينظر في ملكه في مسيرة ألف عامٍ .
{ عاليهم } فوقهم { ثياب سندس } أي : الحرير . وقوله : { شراباً طهوراً } طاهراً من الأقذاء والأقذار ، ليس بنجس كخمر الدُّنيا .
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا (24)
{ ولا تطع منهم آثماً } يعني : عتبة بن ربيعة { أو كفوراً } يعني : الوليد بن المغيرة ، وذلك أنَّهما ضمنا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم المال والتَّزويج إِنْ ترك دعوتهم إلى الإِسلام . (1/1070)
إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)
{ إنَّ هؤلاء يحبُّون العاجلة } يعني : الدُّنيا { ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً } ويتركون العمل ليومٍ شديدٍ أمامهم ، وهو يوم القيامة . (1/1071)
{ نحن خلقناهم وشددنا أسرهم } خلقهم وخلق مفاصلهم .
{ إنَّ هذه } السُّورة { تذكرة } تذكيرٌ للخلق { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً } وسيلةً بالطَّاعة .
{ وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله } أَيْ : لستم تشاؤون شيئاً إلاَّ بمشيئة الله تعالى؛ لأنَّ الأمر إليه .
{ يدخل من يشاء في رحمته } جنَّته ، وهم المؤمنون ، { والظالمين } الكافرين الذين عبدوا غيره { أعدَّ لهم عذاباً أليماً } .
وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (9)
{ والمرسلات عرفاً } أي : الرِّياح التي أُرسلت مُتتابعةً كعُرْف الفرس . (1/1072)
{ فالعاصفات عصفاً } أي : الرِّياح الشَّديدة الهبوب .
{ والناشرات نشراً } الرِّياح التي تأتي بالمطر .
{ فالفارقات فرقاً } يعني : آي القرآن فرَّقت بين الحلال والحرام .
{ فالملقيات ذكراً } أي : الملائكة التي تنزل بالوحي .
{ عذراً أو نذراً } للإِعذار والإِنذار من الله تعالى .
{ إنَّ ما توعدون } من البعث والثَّواب والعقاب { لواقع } .
{ فإذا النجوم طمست } مُحي نورها .
{ وإذا السماء فُرِجَتْ } شُقَّت .
وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (19) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (24)
{ وإذا الجبال نسفت } قُلعت من أماكنها ، فأُذهبت بسرعةٍ . (1/1073)
{ وإذا الرسل أقتت } جُمعت لوقتٍ ، وهو يوم القيامة .
{ لأيِّ يومٍ أجِّلت } أُخِّرت وأُمهلت .
{ ليوم الفصل } القضاء بين النَّاس .
{ وما أدراك ما يوم الفصل } على التَّعظيم لذلك اليوم . { ويلٌ يومئذٍ للمكذبين } .
{ ألم نهلك الأولين } من الأمم المكذِّبة .
{ ثم نتبعهم الآخرين } ممَّن سلكوا سبيلهم في الكفر والتَّكذيب .
{ كذلك } مثل الذي فعلنا بهم { نفعل بالمجرمين } بالمُكذِّبين من قومك .
{ ألم نخلقكم من ماء مهين } أي : النُّطفة .
{ فجعلناه في قرار مكين } أي : الرَّحم .
{ إلى قدر معلوم } وهو وقت الولادة .
{ فقدرنا } أَيْ : قدَّرنا وقت الولادة { فنعم القادرون } فنعم المُقدِّرون نحن ، وقُرئت بالتَّشديد والتَّخفيف ، لغتان بمعنى واحدٍ .
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (27) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (28) انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (34) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36)
{ ألم نجعل الأرض كفاتاً } وعاءً . وقيل : ذات كفات ، أَيْ : ضمٍّ وجمعٍ تَكْفِتُ الخلق أحياءً على ظهرها ، وأمواتاً في بطنها . (1/1074)
{ وجعلنا فيها رواسي } جبالاً ثوابت { شامخات } مرتفعاتٍ . { وأسقيناكم ماءً فراتاً } عذباً .
{ ويل يومئذ للمكذبين } ويُقال لهم ذلك اليوم .
{ انطلقوا } اذهبوا . { إلى ما كنتم به تكذبون } في الدنُّيا .
{ انطلقوا إلى ظل } إلى دُخان جهنَّم { ذي ثلاث شعب } إذا ارتفع انْشَعَبَ ثلاث شُعَبٍ ، فيقف على رؤوس الكافرين .
{ لا ظليل } باردٍ { لا يغني من اللهب } ولا يدفع من لهب النَّار شيئاً .
{ إنها ترمي بشرر } وهو ما يتطاير من النَّار { كالقصر } من البناء في العظم .
{ كأنه جُمالاتٌ } جمع جمالٍ { صفر } سود .
{ هذا يوم لا ينطقون } .
{ ولا يؤذن لهم فيعتذرون } يعني : في بعض ساعات ذلك اليوم يُؤمرون بالسُّكوت .
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (37) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39)
{ هذا يوم الفصل } بين أهل الجنَّة والنَّار { جمعناكم والأولين } . (1/1075)
{ فإن كان لكم كيدٌ فكيدون } إنْ كان عندكم حيلةٌ فاحتالوا لأنفسكم .
كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (47) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)
{ كلوا وتمتعوا } في الدُّنيا { قليلاً إنكم مجرمون } مشركون . (1/1076)
{ وإذا قيل لهم اركعوا } صلُّوا { لا يركعون } لا يصلُّون .
{ فبأيّ حديث بعده } بعد القرآن الذي آتاهم فيه البيان { يؤمنون } إذا لم يؤمنوا به .
عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7)
{ عمَّ يتساءلون } [ عمَّا يتساءلون ] والمعنى : عن أيِّ شيءٍ يتساءلون . يعني : قريشاً ، وهذا لفظ استفهامٍ معناه تفخيم القصَّة ، وذلك أنَّهم اختلفوا واختصموا فيما أتاهم به الرَّسول صلى الله عليه وسلم فمن مصدِّق ومكذِّبٍ ، ثمَّ بيَّن فقال : (1/1077)
{ عن النبأ العظيم } [ يعني : البعث ] .
{ الذي هم في مختلفون } لا يُصدِّقون به .
{ كلا } ليس الأمر على ما ذكروا من إنكارهم البعث { سيعلمون } حقيقة وقوعه .
{ ثم كلا سيعلمون } تأكيدٌ وتحقيقٌ ، ثمَّ دلَّهم على قدرته على البعث ، فقال :
{ ألم نجعل الأرض مهاداً } أَيْ : فرشناها لكم حتى سكنتموها .
وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23)
{ وخلقناكم أزواجاً } ذكوراً وإناثاً . (1/1078)
{ وجعلنا نومكم سباتاً } راحةً لأبدانكم .
{ وجعلنا الليل لباساً } يلبس كلَّ شيءٍ بسواده .
{ وجعلنا النهار معاشاً } سبباً للمعاش .
{ وبنينا فوقكم سبعاً شداداً } سبع سمواتٍ شدادٍ محكمةٍ .
{ وجعلنا سراجاً } أي : الشَّمس { وهَّاجاً } وقَّاداً حارَّاً .
{ وأنزلنا من المعصرات } السَّحاب { ماء ثجاجاً } صبَّاباً .
{ لنخرج به حبَّاً } ممَّا يأكله النَّاس { ونباتاً } ممَّا ترعاه النَّعم .
{ وجنات ألفافاً } مُلتفَّةً مُجتمعةً .
{ إنَّ يوم الفصل كان ميقاتاً } لما وعده الله من الجزاء والثَّواب .
{ يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً } زُمراً وجماعاتٍ .
{ وفتحت السماء } شُقِّقت { فكانت أبواباً } حتى يصير فيها أبواب .
{ وسيِّرت الجبال } عن وجه الأرض { فكانت سراباً } في خفَّة سيرها .
{ إنَّ جهنم كانت مرصاداً } ترصد أهل الكفر ، فلا يجاوزونها .
{ للطاغين } للكافرين { مآباً } مرجعاً .
{ لابثين } ماكثين { فيها أحقاباً } جمع حقب ، وهو ثمانون سنة ، كلُّ سنةٍ ثلثمائة وستون يوماً . كلُّ يومٍ كألف سنةٍ من أيَّام الدُّنيا ، فإذا مضى حقبٌ عاد حقبٌ إلى ما لا يتناهى .
لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29)
{ لا يذوقون فيها برداً } نوماً وراحةً { ولا شراباً } . (1/1079)
{ إلاَّ حميماً } ماءً حارَّاً من حميم جهنَّم { وغسَّاقاً } وهو ما سال من جلود أهل النَّار .
{ جزاءً وفاقاً } أَيْ : جُوزوا وفق أعمالهم ، فلا ذنب أعظم من الشِّرك ، ولا عذاب أعظم من النَّار .
{ إنهم كانوا لا يرجون حساباً } لا يخافون أن يحاسبهم الله .
{ وكذبوا بآياتنا كذاباً } تكذيباً .
{ وكلَّ شيء } من أعمالهم { أحصيناه } كتبناه { كتاباً } لنحاسبهم عليه .
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31)
{ إنَّ للمتقين مفازاً } فوزاً بالجنَّة ونجاةً من النَّار . (1/1080)
وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34)
{ وكواعب } جواري قد تكعَّبت ثُدُيّهن . { أتراباً } مُستوياتٍ في السِّنِّ . (1/1081)
{ وكأساً دهاقاً } ممتلئةً .
جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا (39) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (40)
{ عطاءً حساباً } كثيراً كافياً ، وقوله : (1/1082)
{ لا يملكون منه خطاباً } أَيْ : لا يمكلون أن يخاطبوه إلاَّ بإذنه ، كقوله تعالى : { لا تكلَّمُ نفسٌ إلاَّ بإذنه } وقد فُسِّر هذا فيما قبل . وقوله :
{ يوم يقوم الروح } قيل : هو جبريل عليه السَّلام . وقيل : هو مَلَكٌ يقوم صفاً . وقيل : الرُّوح جندٌ من جنود الله ليسوا من الملائكة ولا من النَّاس يقومون { والملائكة صفاً } صفوفاً . { لا يتكلمون إلاَّ من أذن له الرحمن وقالوا صواباً } حقاً في الدُّنيا . يعني : لا إله إلاَّ الله .
{ ذلك اليوم الحقُّ فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً } مرجعاً إلى طاعته .
{ إنا أنذرناكم عذاباً قريباَ } يعني : يوم القيامة ، { يوم ينظر المرء ما قدَّمت يداه } ما عمل من خيرٍ وشرٍّ { ويقول الكافر } في ذلك اليوم : { يا ليتني كنت تراباً } ولك حين يقول الله تعالى للبهائم والوحوش : كوني تراباً ، فيتمنَّى الكافر أن لفو كان تراباً فلا يُعذَّب .
وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6)
{ والنازعات } أي : الملائكة التي تنزع أرواح الكفَّار { غرقاً } إغراقاً كما يُغرق النَّازع في القوس . يعني : المبالغة في النَّزع . (1/1083)
{ والناشطات نشطاً } يعني : الملائكة تقبض نفس المؤمن كما ينشط العقال من يد البعير ، أَيْ : يُفتح .
{ والسابحات سبحاً } أي : النُّجوم تسبح في الفلك .
{ فالسابقات سبقاً } أرواح المؤمنين تسبق إلى الملائكة شوقاً إلى لقاء الله عزَّ وجلَّ . وقيل : النُّجوم يسبق بعضها بعضاً في السَّير .
{ فالمدبرات أمراً } يعني : جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام ، يُدبِّر أمر الدُّنيا هؤلاء الأربعة من الملائكة ، وجواب هذه الأقسام مضمرٌ على تقدير : لَتُبعَثُنَّ .
{ يوم ترجف الراجفة } تضطرب الأرض وتتحرَّك حركةً شديدةً .
تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18)
{ تتبعها الرادفة } يعني : نفخة البعث تأتي بعد الزَّلزلة . (1/1084)
{ قلوب يومئذٍ واجفة } قلقةٌ زائلةٌ عن أماكنها .
{ أبصارها خاشعة } ذليلةٌ .
{ يقولون } يعني : منكري البعث { أإنا لمردودون في الحافرة } أَيْ : إلى أوَّل الأمر من الحياة بعد الموت ، وهو قوله :
{ أإذا كنا عظاماً نخرة } أَيْ : باليةً .
{ قالوا تلك إذاً كرَّة خاسرة } رجعةٌ يُخسر فيها ، فأعلم الله تعالى سهولة البعث عليه فقال :
{ فإنما هي زجرة واحدة } أي : صيحةٌ ونفخةٌ .
{ فإذا هم بالساهرة } يعني : وجه الأرض بعد ما كانوا في بطنها .
{ هل أتاك } يا محمَّد { حديث موسى } .
{ إذ ناداه ربُّه بالوادي المقدس طوى } طوى اسم ذلك الوادي .
{ اذهب إلى فرعون إنَّه طغى } جاوز الحدَّ في الكفر .
{ فقل هل لك إلى أن تزكى } أترغب في أن تتطهَّر من كفرك بالإِيمان .
فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى (25)
{ فأراه الآية الكبرى } اليد البيضاء . (1/1085)
{ فكذَّب } فرعون موسى { وعصى } أمره .
{ ثم أدبر } أعرض عنه { يسعى } في الأرض يعمل فيها بالفساد .
{ فحشر } فجمع السَّحرة وقومه { فنادى } .
{ فقال أنا ربكم الأعلى } ليس ربٌّ فوقي .
{ فأخذه الله نكال الآخرة والأولى } أَيْ : نكَّل الله به في الآخرة بالعذاب في النَّار ، وفي الدُّنيا بالغرق .
أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34)
{ أأنتم } أيُّها المنكرون للبعث { أشدُّ خلقاً أم السماء بناها } . (1/1086)
{ رفع سمكها } سقفها { فسوَّاها } بلا شقوقٍ ولا فطورٍ .
{ وأغطش } أَظلم { ليلها وأخرج ضحاها } أظهر نورها بالشَّمس .
{ والأرض بعد ذلك دحاها } بسطها ، وكانت مخلوقةً غير مدحوَّةٍ .
{ أخرج منها ماءها ومرعاها } ما ترعاه النَّعم من الشَّجر والعشب .
{ والجبال أرساها } . { متاعاً } منفعةً { لكم ولأنعامكم } .
{ فإذا جاءت الطامة الكبرى } يعني : صيحة القيامة .
يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)
{ يسألونك عن الساعة } يعني : القيامة . { أيَّان مرساها } متى وقوعها وثبوتها؟ قال الله تعالى : (1/1087)
{ فيم أنت } يا محمد { من ذكراها } أي : ليس عندك علمها .
{ إلى ربك منتهاها } منتهى علمها .
{ إنما أنت منذر مَنْ يخشاها } إنَّما ينفع إنذارك من يخشاها .
{ كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا } في قبورهم { إلاَّ عَشِيَّةً أو ضحاها } أَيْ : نهارها .
استقصروا مدَّة لبثهم في القبور لما عاينوا من الهول .
عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5)
{ عبس } كلح { وتولَّى } أعرض . (1/1088)
{ أن } [ لأَنْ ] . { جاءه الأعمى } وهو عبد الله بن أمِّ مكتوم أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يدعوا أشراف قريش إلى الإِسلام ، فجعل يُناديه ويكرِّر النِّداء ، ولا يدري أنَّه مشتغلٌ حتى ظهرت الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعبس وأعرض عنه ، وأقبل على القوم الذين يكلمهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات .
{ ومَا يدريك لعله } لعلَّ الأعمى { يزكَّى } يتطهَّر من ذنوبه بالإِسلام ، وذلك أنَّه أتاه يطلب الإِسلام ، ويقول له : علِّمني ممَّا علمك الله .
{ أو يَذكَّر } يتَّعظ { فتنفعه الذكرى } الموعظة ، ثمَّ عاتبه عزَّ وجلَّ فقال :
{ أمَّا من استغنى } أثرى من المال .
فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19)
{ فأنت له تصدَّى } تُقبِلُ عليه وتتعرَّض له . (1/1089)
{ وما عليك ألا يزكَّى } أيُّ شيء عليك في أنْ لا يُسلم؛ لأنَّه ليس عليك إسلامه ، إنَّما عليك البلاغ .
{ وأمَّا مَنْ جاءك يسعى } أي : الأعمى .
{ وهو يخشى } الله تعالى .
{ فأنت عنه تلهى } تتشاغل .
{ كلا } ردعٌ وزجرٌ ، أيْ : لا تفعل مثل ما فعلت { إنها } إنَّ آيات القرآن { تذكرة } تذكيرٌ للخلق .
{ فمن شاء ذكره } يعني : القرآن ، ثمَّ أخبر بجلالته في اللَّوح المحفوظ عنده ، [ فقال ] :
{ في صحف مكرمة } .
{ مرفوعة } رفيعة القدر { مطهرة } لا يمسُّها إلاَّ المطهرون .
{ بأيدي سفرة } كَتَبةٍ ، وهم الملائكة .
{ كرام بررة } جمع بارٍّ .
{ قتل الإنسان } لُعن الكافر . يعني : عُتبة بن أبي لهب { ما أكفره } ما أشدَّ كفره .
{ من أي شيء خلقه } استفهامٌ معناه التَّقرير ، ثمَّ فسَّر فقال :
{ من نطفة خلقه فقدَّره } أطواراً من علقةٍ ومضغةٍ إلى أن خرج من بطن أُمِّه ، وهو قوله : { ثم السبيل يسره } .
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28)
{ ثم السبيل يسره } أي : طريق خروجه من بطن أُمِّه . (1/1090)
{ ثمَّ أماته } قبض روحه { فأقبره } جعل له قبراً يُوارى فيه ، ولم يجعله ممَّن يُلقى إلى السِّباع والطير .
{ ثمَّ إذا شاء أنشره } أحياه بعد موته .
{ كلا } حقاً [ { لما } ] لم { يقض } هذا الكافر { ما أمره } به ربُّه .
{ فلينظر الإنسان إلى طعامه } كيف قدَّره ربُّه ودبَّره له .
{ أنّا صببنا الماء صباً } أي : المطر من السَّحاب .
{ ثم شققنا الأرض شقاً } بالنَّبات .
{ فأنبتنا فهيا حباً } . { وعنباً وقضباً } وهو القتُّ الرَّطب .
وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)
{ وحدائق غلباً } بساتين كثيرة الأشجار . (1/1091)
{ وفاكهة وأباً } أي : الكلأ الذي ترعاه الماشية .
{ متاعاً } منفعةً { لكم ولأنعامكم } .
{ فإذا جاءت الصاخَّة } صيحة القيامة .
{ يوم يفرُّ المرء من أخيه } . { وأمه وأبيه } .
{ وصاحبته وبنيه } لا يلتفت إلى واحدٍ منهم لشغله بنفسه ، وهو قوله :
{ لكلِّ امرىء منهم يومئذٍ شأن يغنيه } يشغله عن شأن غيره .
{ وجوهٌ يومئذٍ مسفرة } مضيئةٌ .
{ ضاحكة مستبشرة } فرحةٌ .
{ ووجوه يومئذ عليها غبرة } غبارٌ .
{ ترهقها } تغشاها { قترة } ظلمةٌ وسوادٌ .
{ أولئك } أهل هذه الحال { هم الكفرة الفجرة } .
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7)
{ إذا الشمس كورت } ذهب ضوؤها . (1/1092)
{ وإذا النجوم انكدرت } تساقطت وتناثرت .
{ وإذا الجبال سيرت } عن وجه الأرض فصارت هباءً منبثاً .
{ وإذا العشار } يعني : النُّوق الحوامل { عطلت } سُيِّبت وأُهملت ، تركها أربابها ، ولم يكن مالٌ أعجب إليهم منها ، لإِتيان ما يشغلهم عنها .
{ وإذا الوحوش حشرت } جُمعت للقصاص .
{ وإذا البحار سجرت } أُوقدت فصارت ناراً [ ويقال : تقذف الكواكب فيها ثم تضطرم فتصير ناراً ] .
{ وإذا النفوس زوجت } قُرِن كلُّ أحدٍ بمَنْ يعمل عمله ، فأُلحق الفاجر بالفاجر والصَّالح بالصَّالح ، وقيل : قُرنت الأجساد بالأرواح .
وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14) فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20)
{ وإذا المَوْءُوْدَةُ } وهي الجارية تدفن حيَّةً . { سئلت } . (1/1093)
{ بأيِّ ذنب قتلت } وسؤالها سؤال توبيخ لوائدها؛ لأنها تقول : قتلت بغير ذنبٍ ، وهذا كقوله تعالى لعيسى عليه السَّلام : { أَأَنتَ قلتَ للنَّاسِ . . . } الآية .
{ وإذا الصحف نشرت } كُتُب الأعمال .
{ وإذا السماء كشطت } قُلعت كما يكشط الغطاء عن الشَّيء .
{ وإذا الجحيم سعِّرت } أُوقدت .
{ وإذا الجنة أزلفت } قرِّبت لأهلها حتى يروها .
{ علمت نفس ما أحضرت } أي : إذا كانت هذه الأشياء التي تكون في القيامة علمت في ذلك الوقت كلُّ نفسٍ ما أحضرت من عملٍ .
{ فلا أقسم } " لا " زائدة . { بالخنس } وهي النُّجوم الخمس تخنس ، أَيْ : ترجع في مجراها وراءها ، وتكنس : تدخل في كناسها ، أَيْ : تغيب في المواضع التي تغيب فيها ، فهي الكنَّس ، جمع كانسٍ .
{ والليل إذا عسعس } أقبل بظلامه ، وقيل : أدبر .
{ والصبح إذا تنفس } امتدَّ حتى يصير نهاراً بيِّناً .
{ إنه لقول رسول كريم } أي : القرآن لتنزيلُ جبريلٍ .
{ ذي قوة } من صفة جبريل { عند ذي العرش مكين } ذي مكانةٍ ومنزلةٍ .
مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)
{ مطاع ثمَّ } تطيعه الملائكة في السَّماء { أَمين } على الوحي . (1/1094)
{ وما صاحبكم } محمد صلى الله عليه وسلم { بمجنون } كما زعمتم .
{ ولقد رآه } رأى جبريل عليه السَّلام في صورته { بالأفق المبين } وهو الأفق الأعلى من ناحية المشرق .
{ وما هو } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم { على الغيب } أي : على الوحي وخبر السَّماء { بظنين } بمتَّهم ، أَيْ : هو الثِّقة بما يؤدِّيه عن الله تعالى .
{ وما هو } يعني : القرآن { بقول شيطان رجيم } .
{ فأين تذهبون } فأيَّ طريقٍ تسلكون أبينَ من هذه الطَّريقة التي قد بُيِّنت لكم؟
{ إن هو إلاَّ ذكر } ليس القرآن إلاَّ عظةٌ { للعالمين } .
{ لمن شاء منكم أن يستقيم } يتبع الحقَّ ويعمل به ، ثمَّ أعلمهم أنَّهم لا يقدرون على ذلك إلاَّ بمشيئة الله تعالى ، فقال :
{ وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله رب العالمين } .
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)
{ إذا السماء انفطرت } انشقَّت . (1/1095)
{ وإذا الكواكب انتثرت } تساقطت .
{ وإذا البحار فجِّرت } فُتح بعضها في بعضٍ فصارت بحراً واحداً .
{ وإذا القبور بعثرت } قُلب ترابها وبُعث الموتى الذين فيها .
{ علمت نفسٌ ما قدَّمت } من عملٍِ أُمرت به { و } ما { أخرت } منه فلم تعمله .
{ يا أيها الإِنسان ما غرَّك بربك الكريم } أَي : ما خدعك وسوَّل لك الباطل حتى أضعت ما أوجب عليك .
{ الذي خلقك فسوَّاك } جعلك مستوي الخلق { فعدلك } قوَّمك وجعلك معتدل الخلق والقامة .
فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)
{ في أيِّ صورة ما شاء ركَّبك } إمَّا طويلاً؛ وإمَّا قصيراً؛ وإمَّا حسناً؛ وإمَّا قبيحاً . (1/1096)
{ كلا بل تكذبون بالدين } بالمجازاة بالأعمال .
{ وإنَّ عليكم لحافظين } يحفظون أعمالكم .
{ كراماً } على الله { كاتبين } يكتبون أقوالكم وأعمالكم .
{ يعلمون ما تفعلون } لا يخفى عليهم شيء من أعمالكم .
{ إنَّ الأبرار } الصَّادقين في إيمانهم . { لفي نعيم } .
{ وإنَّ الفجار } الكفَّار . { لفي جحيم } .
{ يصلونها } يقاسون حرَّها . { يوم الدين } .
{ وما هم عنها بغائبين } بمخرجين ، ثمَّ عظَّم شأن يوم القيامة ، فقال :
{ وما أدراك ما يوم الدين } .
{ يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً } لا تملك أن تُنجيها من العذاب ، { والأمر يومئذٍ لله } وحده ، لم يملك أحدٌ أمراً في ذلك اليوم كما ملك في الدُّنيا .
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9)
{ ويل للمطففين } يعني : الذين يبخسون حقوق النَّاس في الكيل والوزن . (1/1097)
{ الذين إذا اكتالوا } أخذوا بالكيل { على الناس } من النَّاس { يستوفون } يأخذون حقوقهم تامَّة وافيةً .
{ وإذا كالوهم } كالوا لهم { أو وزنوهم } وزنوا لهم { يخسرون } ينقصون .
{ ألا يظن أولئك } ألا يستيقن أولئك الذين يفعلون ذلك { أنهم مبعوثون } .
{ ليوم عظيم } يعني : يوم القيامة .
{ يوم يقوم الناس } من قبورهم { لربِّ العالمين } والمعنى أنَّهم لو أيقنوا بالبعث ما فعلوا ذلك .
{ كلا } ردعٌ وزجرٌ ، أَيْ : ليس الأمر على ما هم عليه ، فليرتدعوا { إنَّ كتاب الفجار } الذي فيه أعمالهم مرقومٌ مكتوبٌ مثبتٌ عليهم في { سجين } في أسفل سبع أرضين ، وهو محل إبليس وجنده .
{ وما أدراك ما سجين } أي : ليس ذلك ممَّا كنتَ تعلمه أنت ولا قومُك . وقوله :
{ كتاب مرقوم } فمؤخَّرٌ معناه التَّقديم؛ لأنَّ التَّقدير كما ذكرنا : إنَّ كتاب الفجَّار كتابٌ مرقومٌ في سجِّين .
كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21)
{ كلا بل ران على قلوبهم } أي : غلب عليها حتى غمرها وغشيها { ما كانوا يكسبون } من المعاصي ، وهو كالصَّدأ يغشى القلب . (1/1098)
{ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } يحجبون عن الله تعالى فلا يرونه .
{ ثم إنهم لصالوا الجحيم } لداخلو النَّار .
{ ثمَّ يقال هذا } العذاب { الذي كنتم به تكذِّبون } في الدُّنيا .
{ كلا إنَّ كتاب الأبرار لفي عليين } في السَّماء السَّابعة تحت العرش .
{ وما أدراك } وما الذي أعلمك يا محمد { ما عليون } كيف هي ، وأيُّ شيءٍ صفتها .
{ كتاب مرقوم } يعني : كتاب الأبرار كتابٌ مرقومٌ .
{ يشهده المقربون } تحضره الملائكة؛ لأنَّ عليين محلُّ الملائكة .
عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)
{ على الأرائك ينظرون } أَيْ : إلى ما أعطاهم الله سبحانه من النَّعيم والكرامة . (1/1099)
{ تعرف في وجوههم نَضْرَةَ النعيم } أي : غضارته وبريقه .
{ يسقون من رحيق } وهو الخمر الصَّافية . { مختوم } .
{ ختامه مسك } يعني : إذا فني ما في الكأس وانقطع الشَّراب يختم ذلك الشَّراب برائحة المسك . { وفي ذلك فيتنافس المتنافسون } فليرغب الرَّاغبون بالمبادرة إلى طاعة الله عزَّ وجلَّ .
{ ومزاجه } ومزاج ذلك الشَّراب { من تسنيم } وهو عينُ ماءٍ تجري في جنَّة عدنٍ ، وهي أعلى الجنَّات ، ثمَّ فسَّره فقال :
{ عيناً يشرب بها المقربون } أَيْ : يشربها المُقرَّبون .
{ إنَّ الذين أجرموا } أشركوا : يعني : أبا جهلٍ وأصحابه { كانوا من الذين آمنوا } من فقراء المؤمنين { يضحكون } استهزاءً بهم .
{ وإذا مروا بهم يتغامزون } يغمز بعضهم بعضاً ويشيرون إليهم .
{ وإذا انقلبوا } رجعوا { إلى أهلهم } أصحابهم وذويهم { انقلبوا فاكهين } مُعجبين بما هم فيه ، يتفكَّهون بذكر المؤمنين .
{ وإذا رأوهم } رأوا المؤمنين { قالوا : إنَّ هؤلاء لضالون } .
{ وما أرسلوا } يعني : الكفَّار { عليهم } على المؤمنين { حافظين } لأعمالهم موكلين بأموالهم .
{ فاليوم } يعني : يوم القيامة { الذين آمنوا من الكفار يضحكون } كما ضحكوا منهم في الدُّنيا .
{ على الأرائك ينظرون } إليهم كيف يُعذَّبون .
{ هل ثوِّب الكفار ما كانوا يفعلون } أي : هل جُوزوا بسخريتهم بالمؤمنين في الدُّنيا؟
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4)
{ إذا السماء انشقت } تنشقُّ السَّماء يوم القيامة . (1/1100)
{ وأذنت لربها } سمعت أمر ربِّها بالانشقاق { وحقت } وحقَّ لها أن تطيع .
{ وإذا الأرض مدَّت } من أطرافها فَزِيد فيها ، كما يمدُّ الأديم .
{ وألقت ما فيها } ما في بطنها من الموتى والكنوز { وتخلَّت } وخَلَتْ منها .
يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15) فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (19)
{ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً } عاملٌ لربِّك عملاً { فملاقيه } فملاقٍ عملك ، والمعنى : إذا كان يوم القيامة لقي الإنسان عمله . (1/1101)
{ فأمَّا مَنْ أوتي كتابه بيمينه } .
{ فسوف يحاسب حساباً يسيراً } وهو العرض على الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ مَنْ نُوقش الحساب عُذِّب .
{ وينقلب إلى أهله } في الجنَّة { مسروراً } .
{ وأمَّا مَنْ أوتي كتابه وراء ظهره } وذلك أنَّ يديه غُلَّتا إلى عنقه ، فيُؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره .
{ فسوف يدعو ثبوراً } فينادي بالهلاك على نفسه .
{ ويصلى سعيراً } ويدخل النَّار .
{ إنَّه كان في أهله } في الدُّنيا { مسروراً } متابعاً لهواه .
{ إنَّه ظنَّ أن لن يحور } لن يرجع إلى ربِّه .
{ بلى } أيْ : ليس الأمر كما ظنَّ ، يرجع إلى ربِّه .
{ فلا أقسم } معناه فأقسم { بالشفق } وهو الحمرة التي تُرى بعد سقوط الشَّمس . وقيل : يعني : اللَّيل والنَّهار .
{ والليل وما وسق } جمع وحمل ، وضمَّ وآوى من الدَّوابِّ والحشرات ، والهوام والسباع ، وكلّ شيء دخل عليه اللَّيل .
{ والقمر إذا اتسق } اجتمع واستوى .
{ لتركبنَّ طبقاً عن طبق } حالاً بعد حالٍ ، من النُّطفة وإلى العلقة ، وإلى الهرم والموت حتى يصيروا إلى الله تعالى .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)
{ والله أعلم بما يوعون } أي : يحملون في قلوبهم ، ويُضمرون . (1/1102)
{ فبشرهم } أخبرهم { بعذاب أليم } . وقوله :
{ غير ممنون } أي : غير منقوصٍ ولا مقطوعٍ .
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6)
{ والسماء ذات البروج } يعني : بروج الكواكب ، وهي اثنا عشر برجاً . (1/1103)
{ واليوم الموعود } يوم القيامة .
{ وشاهد } يوم الجمعة { ومشهود } يعني : يوم عرفة .
{ قتل } لُعن { أصحاب الأخدود } وهو الشَّقُّ يحفر في الأرض طولاً ، وهم قومٌ كفرةٌ كانوا يعبدون الصنم ، وكان قومٌ من المؤمنين بين أظهرهم يكتمون إيمانهم ، فاطَّلعوا على ذلك منهم فشقُّوا أخدوداً في الأرض ، وملؤوه ناراً وعرضوهم على النَّار ، فمن لم يرجع عن دينه قذفوه فيها .
{ النار ذات الوقود } ذات الالتهاب .
{ إذ هم عليها قعود } وذلك أنَّهم قعدوا عند تلك النَّار .
وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8)
{ وهم على ما يفعلون بالمؤمنين } من التَّعذيب والصَّدِّ عن الإِيمان { شهود } حاضرون . أخبر الله تعالى عن قصَّة قومٍ بلغت بصيرتهم في إيمانهم إلى أن صبروا على أَنْ أُحرقوا بالنَّار في الله . (1/1104)
{ وما نقموا منهم إلاَّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد } أَيْ : ما أنكروا عليهم ذنباً إلاَّ إيمانهم .
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10)
{ إنَّ الذين فتنوا } أَيْ : أحرقوا { المؤمنين والمؤمنات ثمَّ لم يتوبوا } لم يرجعوا عن كفرههم { فلهم عذاب جهنم } بكفرهم { ولهم عذاب الحريق } بما أحرقوا المؤمنين . (1/1105)
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15)
{ إنَّ بطش ربك } أخذه بالعذاب { لشديد } . (1/1106)
{ إنَّه هو يبدىء } الخلق ، يخلقهم ابتداءً ثمَّ يُعيدهم عند البعث .
{ وهو الغفور الودود } المحبُّ أولياءه .
{ ذو العرش } خالقه ومالكه { المجيد } المستحقُّ لكمال صفات العلوِّ والمدح .
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)
{ هل أتاك حديث الجنود } خبر الجموع الكافرة ، ثمَّ بيَّن مَنْ هم فقال : (1/1107)
{ فرعون وثمود } .
{ بل الذين كفروا } من قومك { في تكذيب } كذبٍ لك .
{ والله من ورائهم محيط } قدرته مشتملةٌ عليهم فلا يعجزه منهم أحدٌ .
{ بل هو قرآن مجيد } كثير الخير ، وليس كما زعم المشركون .
{ في لوح محفوظ } من أن يبدِّل ما فيه أو يُغيِّر .
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8)
{ والسماء والطارق } يعني : النُّجوم كلَّها؛ لأنَّ طلوعها باللَّيل ، وكلُّ ما أتى ليلاً فهو طارق ، وقد فسَّر الله تعالى ذلك بقوله : (1/1108)
{ النجم الثاقب } المضيء النَّيِّرُ .
{ إن كلُّ نفسٍ لما عليها } لَعَليها ، و { ما } صلة { حافظ } من ربِّها يحفظ عملها .
{ فَلْيَنْظُرِ الإِنسان ممَّ خلق } من أيِّ شيءٍ خلقه ربُّه ، ثمَّ بيَّن فقال :
{ خلق من ماءٍ دافق } مدفوقٍ مصبوبٍ في الرَّحم . يعني : النُّطفة .
{ يخرج من بين الصلب } وهو ماء الرَّجل { والترائب } عظام الصَّدر ، وهو ماء المرأة .
{ إنَّه } إنَّ الله { على رجعه } على بعث الإِنسان وإِعادته بعد الموت { لقادر } .
يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)
{ يوم تبلى السرائر } يعني : يوم القيامة ، وفي ذلك اليوم تختبر السَّرائر ، وهي الفرائضُ التي هي سرائر بين العبد وربِّه ، كالصَّلاة والصَّوم وغسل الجنابة ، ولو شاء العبد أن يقول : فعلت ذلك ولم يفعله أمكنه ، فهي سرائر عند العبد ، وإنما تبين وتظهر صحَّتها وأمانة العبد فيها يوم القيامة . (1/1109)
{ فما له } يعني : الإِنسان الكافر { من قوة ولا ناصر } .
{ والسماء ذات الرجع } أَيْ : المطر .
{ والأرض ذات الصدع } تتشقَّق عن النَّبات .
{ إنه } أَيْ : القرآن { لقول فصل } يفصل بين الحقّ والباطل .
{ وما هو بالهزل } أَيْ : باللَّعب والباطل .
{ إنهم } يعني : مشركي مكَّة { يكيدون كيداً } يُظهرون للنبيِّ صلى الله عليه وسلم على ما هم على خلافه .
{ وأكيد كيداً } وهو استدارجُ الله تعالى إيَّاهم من حيث لا يعلمون { فمهِّل الكافرين أمهلهم رويداً } يقول : أخِّرهم قليلاً؛ فإني آخذهم بالعذاب ، فأُخذوا يوم بدرٍ ، وذلك أنَّه كان يدعو الله تعالى عليهم ، فقال الله تعالى : { أمهلهم رويداً } ، أَيْ : قليلاً .
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)
{ سبِّح اسم ربك الأعلى } نزِّه ذات ربِّك من السُّوء . وقيل : معناه : قل : سبحان ربِّي الأعلى . (1/1110)
{ الذي خلق فسوَّى } خلق الإنسان مُستوي الخلق .
{ والذي قدَّر فهدى } قدَّر الأرزاق ثمَّ هدى لطلبها .
{ والذي أخرج } من الأرض { المرعى } النَّبات .
{ فجعله غثاء } يابساً وهو ما يحمله السَّيل ممَّا يجف من النَّبات { أحوى } أسود بالياً .
{ سنقرئك } سنجعلك قارئاً لما يأتيك به جبريل عليه السَّلام من الوحي { فلا تنسى } شيئاً ، وهذا وعدٌ من الله سبحانه لنبيِّه عليه السَّلام أن يحفظ عليه الوحي حتى لا ينفلت منه شيءٌ .
إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (13) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)
{ إلاَّ ما شاء الله } أن ينسخه . وقيل : إلاَّ ما شاء الله ، وهو لا يشاء أن تنسى { إنَّه يعلم الجهر } من القول والفعل { وما يخفى } . (1/1111)
{ ونيسِّرك لليسرى } أَيْ : نُهوِّن عليك الشَّريعة اليسرى ، وهي الحنيفيَّة السَّمحة .
{ فذكر } فَعِظْ بالقرآن { إن نفعت الذكرى } التَّذكير .
{ سيذكر } سيتَّعظ { من يخشى } الله .
{ ويتجنبها } ويتجنَّب الذِّكرى ويتباعد عنها { الأشقى } في علم الله .
{ الذي يصلى النار الكبرى } الذي يدخل جهنَّم .
{ ثمَّ لا يموت فيها ولا يحيى } لا يموت فيها موتاً يستريح به من العذاب ، ولا يحيا حياةً يجد فيها روح الحياة .
{ قد أفلح } صادف البقاء في الجنَّة { مَنْ تزكَّى } أكثر من العمل الصالح .
{ وذكر اسم ربه فصلى } أَيْ : الصَّلوات الخمس .
{ بل تؤثرون } تختارون { الحياة الدنيا } .
{ والآخرة خير وأبقى } من الدُّنيا .
{ إنَّ هذا } الذي ذكرتُ من فلاح المُتزكِّي ، وكون الآخرة خيراً من الدُّنيا { لفي الصحف الأولى } مذكورٌ في الكتب المتقدِّمة .
{ صحف إبراهيم وموسى } يعني : ما أنزل الله عليهما من الكتب .
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7)
{ هل أتاك حديث الغاشية } يعني : القيامة؛ لأنَّها تغشى الخلق ، ومعنى : { هل أتاك } أَيْ : إنَّ هذا لم يكن من علمك ، ولا من علم قومك . (1/1112)
{ وجوه يومئذٍ خاشعة } ذليلةٌ .
{ عاملة } في النار تعالج حرَّها وعذابها { ناصبة } ذات نصبٍ وتعبٍ .
{ تصلى ناراً } تقاسي حرَّها { حامية } حارَّةً .
{ تسقى من عين آنية } متناهيةٍ في الحرارة .
{ ليس لهم } في جهنم { طعام إلاَّ من ضريع } وهو يبيس الشِّبْرِقِ ، وهو نوعٌ من الشَّوك لا تقربه دابَّةٌ ولا ترعاه ، وصفته ما ذكر الله : { لا يسمن ولا يغني من جوع } .
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11)
{ وجوهٌ يومئذٍ ناعمة } حسنةٌ . (1/1113)
{ لسعيها } في الدُّنيا { راضية } حين أًعطيت الجنَّة بعملها .
{ في جنة عالية } .
{ لا تسمع فيها لاغية } لغواً ولا باطلاً .
وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16) أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)
{ ونمارق مصفوفة } أَيْ : وسائد بعضها بجنب بعضٍ . (1/1114)
{ وزرابيُّ } وهي البسط والطَّنافس { مبثوثة } مفرَّقة في المجالس ، ثمَّ نبَّههم على عظيمٍ من خلقه قد ذلَّله لصغير؛ ليدلَّهم ، بذلك على توحيده ، فقال :
{ أفلا ينظرون إلى الإِبل كيف خلقت } .
وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)
{ سطحت } أَيْ : بُسطت . (1/1115)
{ فذكِّر إنما أنت مذكِّر } ذكِّرهم نعم الله ودلائل توحيده ، فإنَّك مبعوثٌ بذلك .
{ لست عليهم بمسيطر } بمسلِّط تُكرههم على الإِيمان ، وهذا قبل أَنْ أُمر بالحرب .
{ إلاَّ من تولى } لكنْ من تولَّى عن الإيمان { وكفر } .
{ فيعذِّبه الله العذاب الأكبر } عذاب جهنم .
{ إنَّ إلينا إيابهم } رجوعهم .
{ ثمَّ إنَّ علينا حسابهم } .
وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6)
{ والفجر } يعني : فجر كلِّ يومٍ . (1/1116)
{ وليالٍ عشر } عشر ذي الحجَّة .
{ والشفع } يعني : يوم النَّحر؛ لأنَّه يوم العاشر { والوتر } يوم عرفة؛ لأنَّه يوم التَّاسع .
{ والليل إذا يسر } يعني : ليل المزدلفة إذا مضى وذهب . وقيل : إذا جاء وأقبل .
{ هل في ذلك } الذي ذكرت { قَسَمٌ لذي حجر } أَيْ : مقنعٌ ومكتفى في القسم لذي عقلٍ ، ثمَّ ذكر الأمم التي كذَّبت الرُّسل كيف أهلكهم فقال :
{ ألم تر كيف فعل ربك بعاد } .
إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10)
{ إرم } يعني : عاداً الأولى ، وهو عاد بن عوص بن إرم ، وإرم : اسم القبيلة . { ذات العماد } أَيْ : ذات الطُّول ، وقيل : ذات البناء الرفيع ، وقيل : ذات العمد السيَّارة ، وذلك أنَّهم كانوا أهل عمدٍ سيَّارة ينتجعون الغيث . (1/1117)
{ التي لم يخلق مثلها في البلاد } في بطشهم وقوَّتهم وطول قامتهم .
{ وثمود الذي جابوا } قطعوا { الصخر } فاتَّخذوا منها البيوت { بالواد } يعني : وادي القرى ، وكانت مساكنهم هناك .
{ وفرعون ذي الأوتاد } ذي الجنود والجموع الكثيرة ، وكانت لهم مضارب كثيرةٌ يوتدونها في أسفارهم .
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26)
{ فصبَّ عليهم ربك سوط عذاب } أَيْ : جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب . (1/1118)
{ إنَّ ربك } جواب القسم الذي في أوَّل السُّورة { لبالمرصاد } بحيث يرى ويسمع ويرصد أعمال بني آدم .
{ فأمَّا الإنسان } يعني : الكافر { إذا ما ابتلاه ربُّه } امتحنه بالنِّعمة والسَّعة { فأكرمه } بالمال { ونعَّمة } بما وسَّع عليه { فيقول ربي أكرمنِ } لا يرى الكرامة من الله إلاَّ بكثرة الحظِّ من الدُّنيا .
{ وإمَّا إذا ما ابتلاه فقدر } فضيَّق { عليه رزقه فيقول : ربي أهانن } يرى الهوان في قلَّة حظِّه من الدنيا ، وهذا صفة الكافر ، فأما المؤمن فالكرامة عنده أن يُكرمه الله بطاعته ، والهوان أن يُهينه بمعصيته ، ثم رَدَّ هذا على الكافر ، فقال :
{ كلا } أَيْ : ليس الأمر كما يظنُّ هذا الكافر . { بل لا تكرمون اليتيم } إخبارٌ عمَّا كانوا يفعلونه من ترك توريث اليتيم ، وحرمانه ما يستحقُّ من الميراث .
{ ولا تَحَاضُّون على طعام المسكين } لا تأمرون به ، ولا تُعينون عليه .
{ وتأكلون التراث } يعني : ميراث اليتامى { أكلاً لمّاً } شديداً ، تجمعون المال كلَّه في الأكل ، فلا تُعطون اليتيم نصيبه .
{ وتحبون المال حباً جماً } كثيراً .
{ كلا } ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر { إذا دكت الأرض دكاً دكاً } إذا زُلزلت الأرض فكَسر بعضها بعضاً .
{ وجاء ربك } أَيْ : أمر ربِّك وقضاؤه { والملك } أَيْ : الملائكةُ { صفاً صفاً } صفوفاً .
{ وجيء يومئذٍ بجهنم } تُقاد بسبعين أَلْفِ زمامٍ ، كلُّ زمامٍ بأيدي سبعين ألف مَلَكٍ { يومئذٍ يتذكَّر الإنسان } يُظهر الكافر التَّوبة { وأنى له الذكرى } ومن أين له التَّوبة؟
{ يقول يا ليتني قدمت لحياتي } أَيْ : للدَّار الآخرة التي لا موت فيها .
{ فيومئذٍ لا يعذِّب عذابه أحد } لا يتولَّى عذاب الله تعالى يومئذٍ أحدٌ ، والأمر يومئذ أمره ، ولا أمر غيره .
{ ولا يوثق وثاقه } يعني بالوثاق الإِسار والسًَّلاسل والأغلال ، والمعنى : لا يبلغ أحدٌ من الخلق كبلاغ الله سبحانه في التَّعذيب والإِيثاق .
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)
{ يا أيتها النفس المطمئنة } إلى ما وعد الله سبحانه المصدِّقة بذاك . (1/1119)
{ ارجعي إلى ربك } يقال لها ذلك عند الموت . { راضية } بما آتاها الله { مرضية } رضي عنها ربُّها . هذا عند خروجها من الدُّنيا ، فإذا كان يوم القيامة قيل :
{ فادخلي في عبادي } أَيْ : في جملة عبادي الصَّالحين .
{ وادخلي جنتي } .
لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5)
{ لا أقسم } المعنى : أقسم ، و { لا } توكيدٌ . { بهذا البلد } يعني : مكَّة . (1/1120)
{ وأنت } يا محمَّدُ { حلٌّ بهذا البلد } تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر ، أُحلَّت له مكَّةُ ساعةً من النَّهار يوم الفتح حتى قاتل وقتل من شاء .
{ ووالدٍ } أقسم بآدم عليه السَّلام { وما ولد } وولده ، و { ما } بمعنى " مَنْ " .
{ لقد خلقنا الإِنسان في كبد } أَيْ : مشقَّةٍ يكابد أمر الدُّنيا والآخرة وشدائدهما . وقيل مُنتصباً معتدلاً .
{ أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } نزلت في رجلٍ من بني جمح يُكنى أبا الأشدين ، كان يوصف بالقوَّة؛ فقال الله تعالى : أيحسب بقوَّته أن لن يقدر عليه أحدٌ ، والله قادر عليه .
يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)
{ يقول أهلكت مالاً } على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم { لبداً } كثيراً بعضه على بعض ، وهو كاذبٌ في ذلك ، قال الله تعالى : (1/1121)
{ أيحسب أن لم يره أحد } في إنفاقه ، فيعلم مقدار نفقته ، ثمَّ ذكر ما يستدلُّ به على أنَّ الله تعالى قادرٌ عليه ، وأَنْ يحصي عليه ما يعمله ، فقال :
{ ألم نجعل له عينين } . { ولساناً وشفتين } .
{ وهديناه النجدين } يقول : ألم نُعرِّفه طريق الخير وطريق الشَّرِّ .
{ فلا اقتحم العقبة } أَيْ : لم يدخل العقبة ، وهذا مَثَلٌ ضربه الله تعالى للمنفق في طاعة الله يحتاج أن يتحمَّل الكُلفة ، كمَنْ يتكلَّف صعود العقبة ، يقول : لم ينفق هذا الإنسان في طاعة الله شيئاً .
{ وما أدراك ما العقبة } أَيْ : ما اقتحام العقبة ، ثمَّ فسَّره فقال :
{ فك رقبة } وهو إخراجها من الرِّقِّ بالعون في ثمنها .
{ أو إطعامٌ في يومٍ ذي مسغبة } مجاعةٍ .
{ يتيماً ذا مقربة } ذا قرابةٍ .
{ أو مسكيناً ذا متربة } أَيْ : ذا فقرٍ قد لصق من فقره بالتُّراب .
{ ثم كان من الذين آمنوا } أَيْ : كان مقتحم العقبة وفاكُّ الرَّقبة والمُطعم من الذين آمنوا؛ فإنَّه إنْ لم يكن منهم لم ينفعه قربةٌ { وتواصوا } أوصى بعضهم بعضاً { بالصبر } على طاعة الله تعالى { وتواصوا بالمرحمة } بالرَّحمة على الخلق .
{ أولئك أصحاب الميمنة } مَنْ كان بهذه الصفة فهو من جملة أصحاب اليمين .
{ والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة } أصحاب الشِّمال . وقيل في أصحاب اليمين : إنَّهم الميامين على أنفسهم ، وفي أصحاب المشأمة : إنَّهم المشائيم على أنفسهم .
{ عليهم نار مؤصدة } مُطَبقةٌ .
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)
{ والشمس وضحاها } وضيائها . (1/1122)
{ والقمر إذا تلاها } تبعها في الضِّياء والنُّور ، وذلك في النِّصف الأوَّل من الشَّهر يخلف الشَّمسَ القمرُ في النُّور .
{ والنهار إذا جلاَّها } جلَّى الظُّلمة وكشفها . وقيل : جلَّى الشَّمس وبيَّنها؛ لأنها تبين إذا انبسط النَّهار .
{ والليل إذا يغشاها } يستر الشَّمس .
{ والسماء وما بناها } أَيْ : وبنائها .
{ والأرض وما طحاها } وطحوها ، أَيْ : بسطها .
{ ونفس وما سوَّاها } وتسوية خلقها .
{ فألهمها فجورها وتقواها } علَّمها الطَّاعة والمعصية .
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)
{ قد أفلح } سعد { مَنْ زكاها } أصلح الله نفسه وطهَّرها من الذُّنوب . (1/1123)
{ وقد خاب مَنْ دسَّاها } جعلها الله ذليلةً خسيسةً حتى عملت بالفجور ، ومعنى دسَّاها : أخفى محلها ، ووضع منها وأحملها وخذلها .
{ كذبت ثمود بطغواها } بطغيانها كذَّبت الرُّسل .
{ إذِ انبعث } قام { أشقاها } عاقر النَّاقة .
{ فقال لهم رسول الله } [ صالحٌ ] . { ناقة الله } ذَروا ناقة الله { وسقياها } وشربها في يومها .
{ فكذَّبوه فعقروها } فقتلوا النَّاقة { فدمدم عليهم ربهم } أهلكهم هلاك استئصال { بذنبهم فسوَّاها } سوَّى الدمامة عليهم فعمَّهم بها . وقيل : سوَّى ثمود بالهلاك ، فأنزله بصغيرها وكبيرها .
{ ولا يخاف عقباها } لا يخاف اللَّهُ من أحدٍ تبعةَ ما أنزل بهم . وقيل : لا يخاف أشقاها عاقبة جنايته .
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8)
{ والليل إذا يغشى } أيْ : يغشى الأُفق بظلمته . (1/1124)
{ والنهار إذا تجلى } بان وظهر .
{ وما خلق } ومَنْ خلق { الذكر والأنثى } وهو الله تعالى ، [ وجواب القسم وهو قوله : ]
{ إنَّ سعيكم لشتى } إنَّ عملكم لمختلفٌ . يريد : بينهما بُعدٌ يعني : عمل المؤمن وعمل الكافر . نزلت في أبي بكر الصِّديق وأبي سفيان بن حرب .
{ فأمَّا مَنْ أعطى } ماله { واتقى } ربَّه واجتنب محارمه .
{ وصدَّق بالحسنى } أيقن بأنَّ الله سبحانه سيخلف عليه . وقيل : صدَّق ب لا إله إلاَّ الله .
{ فسنيسره } فسنهيِّئه { لليسرى } للخلَّة اليسرى ، أَي : الأمر السَّهل من العمل بما يُرضي الله تعالى ، وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه اشترى جماعةً يُعذِّبُهم المشركون ليرتدُّوا عن الإِسلام ، فوصفه الله تعالى بأنَّه أعطى وصدَّق بالمُجازاة من الله له .
{ وأمَّا مَنْ بخل } بالنَّفقة في الخير { واستغنى } عن الله ، فلم يرغب في ثوابه .
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)
{ فسنيسره للعسرى } أَيْ : نخذله حتى يعمل بما يُؤدِّيه إلى العذاب والأمر العسير . (1/1125)
{ وما يغني عنه ماله إذ تردَّى } أَيْ : مات وهلك . وقيل : سقط في جهنَّم .
{ إنَّ علينا للهدى } أَي : إِنَّ علينا أَّنْ نبيِّن طريق الهدى من طريق الضَّلال .
{ وإن لنا للآخرة والأولى } فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ .
{ فأنذرتكم } خوَّفتكم { ناراَ تلظى } تتوقَّد .
{ لا يصلاها إلاَّ الأشقى } لا يدخلها إلاَّ الكافر . { الذي كذَّب وتولَّى } .
{ وسيجنبها } أَيْ : يبعد منها { الأتقى } يعني : أبا بكر رضوان الله عليه .
{ الذي يؤتي ماله يتزكى } يطلب أن يكون عند الله زاكياً ، ولا يطلب رياءً ولا سمعةً .
{ وما لأحدٍ عنده من نعمة تجزى } وذلك أنَّ الكفَّار قالوا لمَّا اشترى أبو بكر رضي الله عنه بلالاً فأعتقه : ما فعل أبو بكر ذلك إلاَّ ليدٍ كانت عنده لبلال ، فقال الله تعالى : وما لأحد عنده من نعمةٍ تُجزى ، أَيْ : لم يفعل ذلك مجازاة ليدٍ أُسديت إليه .
{ إلاَّ ابتغاء وجه ربه الأعلى } أي : لكن طلب ثواب الله .
{ ولسوف يرضى } سيدخل الجنَّة .
وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)
{ والضحى } أيْ : النَّهارِ كلِّه . (1/1126)
{ والليل إذا سجى } سكن بالخلق واستقرَّ بظلامه .
{ ما ودَّعك ربك وما قلى } وما تركك منذ اختارك ، وما أبغضك منذ أحبَّك ، وهذا جواب القسم . وقد كان تأخَّر الوحي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم خمسة عشر يوماً ، فقال ناس : إنَّ محمداً ودَّعه ربُّه وقلاه ، فأنزل الله هذه السورة .
{ وللآخرة خير لك من الأولى } لأّنَّ الله يعطيك فيها الكرامات والدَّرجات .
{ ولسوف يعطيك ربك } في الآخرة من الثَّواب ، وفي مقام الشَّفاعة { فترضى } .
يروى أنَّه قال عليه السَّلام لمَّا نزلت هذه الآية : إذن لا أرضى وواحدٌ من أُمَّتي في النَّار . ثمَّ أخبر عن حاله قبل الوحي ، وذكَّره نعمه عليه فقال :
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)
{ ألم يجدك يتيماً } حين مات أبواك ولم يُخلِّفا لك مالاً ولا مأوى { فآوى } فآواك إلى عمِّك [ أبي طالب ] وضمَّك إليه حتى كفلك وربَّاك . (1/1127)
{ ووجدك ضالاً } عمَّا أنت عليه اليوم من معالم النُّبوَّة وأحكام القرآن والشَّريعة ، فهداك إليها ، كقوله : { ما كنتَ تدري ما الكتابُ ولا الإيمانُ . . . } الآية .
{ ووجدك عائلاً } فقيراً ولا مال لك ، فأغناك بمال خديجة رضي الله عنه ، ثمَّ بالغنائم .
{ فأما اليتيم فلا تقهر } على ماله ، واذكر يُتمك .
{ وأما السائل فلا تنهر } فلا تزجره ، ولكن بذلٌ يسير ، أو ردٌّ جميلٌ ، واذكر فقرك .
{ وأمَّا بنعمة ربك } أَيْ : النُّبوَّة والقرآن { فحدِّث } أخبر بها .
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)
{ ألم نشرح لك صدرك } أَلم نفتحْ ونوسِّع ، ونليِّن لك قلبك بالإِيمان والنُّبوَّة ، والعلم والحكمة؟ هذا استفهامٌ معناه التَّقرير . (1/1128)
{ ووضعنا } [ حططنا ] { عنك وزرك } ما سلف منك في الجاهليَّة . وقيل : يعني : الخطأ والسَّهو . وقيل : معناه : خفَّفنا عليك أعباء النُّبوَّة ، والوِزر في اللُّغة : الحِمل الثقيل :
{ الذي أنقض } أثقل { ظهرك } .
{ ورفعنا لك ذكرك } أي : إذا ذُكرت ذكرتَ معي .
{ فإنَّ مع العسر يسراً } أي : مع الشِّدَّة التي أنتَ فيها من مقاساة بلاء المشركين يُسراً ، بإظهاري إيَّاك عليهم حتى تغلبهم ، وينقادوا لك طوعاً أو كرهاً .
{ إنَّ مع العسر يسراً } تكرارٌ للتَّأكيد . وقيل : إنَّ هذا عامٌّ في كلِّ عسرٍ أصاب المؤمن ، وهو من الله تعالى على وعد اليسر؛ إمَّا في الدُّنيا ، وإمَّا في الآخرة ، فالعسر واحدٌ ، واليسر اثنان .
{ فإذا فرغت } من صلاتك { فانصب } أَي : اتعب في الدُّعاء وسله حاجتك ، وارغب إلى الله تعالى به .
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)
{ والتين والزيتون } هما جبلان بالشَّام ، طور تينا ، وطور زيتا بالسِّريانية ، سمِّيا بالتِّين والزَّيتون؛ لأنَّهما يُنبتانهما . (1/1129)
{ وطور سِنين } جبل موسى عليه السَّلام ، وسينين : المبارك بالسِّريانية .
{ وهذا البلد الأمين } [ الآمن ] . يعني : مكَّة ، سمَّاه أميناً لأنه آمنٌ لا يُهاج أهله .
{ لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم } صورةٍ؛ لأنَّه معتدل القامة ، يتناول مأكوله بيده .
{ ثمَّ رددناه أسفل سافلين } إلى أرذل العمر ، والسَّافلون : هم الهرمى والزَّمنى والضَّعفى .
{ إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجرٌ ممنون } يعني : إنَّ المؤمن إذا ردَّ إلى أرذل العمر كُتب له مثل أجره إذا كان يعمل ، بخلاف الكافر ، فذلك قوله : { فلهم أجرٌ غير ممنون } أي : غير مقطوعٍ . وقيل : معنى : { ثم رددناه أسفل سافلين } : إلى النَّار ، يعني : الكافر ، ثمَّ استثنى المؤمنين ، فقال : { إلاَّ الذين آمنوا } وهذا القول أظهر ، ثمَّ قال توبيخاً للكافر :
{ فما يكذبك } أيُّها الإِنسان { بعد } هذه الحُجَّة { بالدين } بالحساب والجزاء ، ومعنى : ما يُكذِّبك : ما الذي يجعلك مكذِّباً بالدِّين . وقيل : إنَّ هذا خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فما الذي يكذِّبك يا محمد بعد ما تبيَّن من قدرتنا على خلق الإِنسان ، وظهر من حجَّتنا ، كأنَّه قال : فمَنْ يقدر على تكذيبك بالثَّواب والعقاب .
{ أليس الله بأحكم الحاكمين } في جميع ما خلق وصنع ، وكلُّ ذلك دالٌّ على علمه وحكمته [ جلَّ جلاله ، وتقدَّست أسماؤه ، ولا إله غيره ] .
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8)
{ أقرأ باسم ربك } يعني : اقرأ القرآن باسم ربك ، وهو أن تذكر التَّسمية في ابتداء كلِّ سورةٍ . { الذي خلق } الأشياء والمخلوقات . (1/1130)
{ خلق الإِنسان } يعني : ابن آدم { من علق } جمع عَلَقةٍ .
{ اقرأ وربك الأكرم } يعني : الحليم عن جهل العباد ، فلا يعجل عليهم بالعقوبة .
{ الذي علَّم بالقلم } ثمَّ بيَّن ما علَّم ، فقال :
{ علَّم الإنسان ما لم يعلم } وهو الخطُّ والكتابة .
{ كلا } حقَّاً { إنَّ الإِنسان ليطغى } ليتجاوز ويستكبر على ربِّه .
{ أن رآه } رأى نفسه { استغنى } .
{ إنَّ إلى ربك الرجعى } المرجع في الآخرة ، فيجازي الطَّاغي بما يستحقُّه .
أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)
{ أرأيت الذي ينهى } يعني : أبا جهلٍ . (1/1131)
{ عبداً إذا صلى } وذلك أنَّه قال : لئن رأيتُ محمداً يصلي لأطأنَّ على رقبته ، ومعنى : أرأيتَ ها هنا تعجُّبٌ ، وكذلك قوله :
{ أرأيت إن كان على الهدى } . { أو أمر بالتقوى } .
{ أرأيت إن كذب وتولى } . والمعنى : أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلَّى وهو على الهدى آمرٌ بالتَّقوى ، والنَّاهي كاذبٌ مُتولٍّ عن الذِّكرى ، أَيْ : فما أعجب من ذا!
{ ألم يعلم } أبو جهلٍ { بأنَّ الله يرى } أَيْ : يراه ويعلم ما يفعله .
{ كلا } ردعٌ وزجرٌ { لئن لم ينته } عمَّا هو عليه من الكفر ومعاداة النبيِّ صلى الله عليه وسلم { لنسفعن بالناصية } لنجرَّن بناصيته إلى النَّار ، ثمَّ وصف ناصيته ، فقال :
{ ناصيةٍ كاذبة خاطئة } وتأويلها : صاحبُها كاذبٌ خاطىءٌ .
{ فليدع ناديه } فليستعن بأهل مجلسه ، وذلك أنَّه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لأملأنَّ عليك هذا الوادي خيلاً جُرداً ، ورجالاً مُرداً ، فقال الله تعالى : { فليدع ناديه } .
{ سندع الزبانية } وهم الملائكة الغلاظ الشِّداد . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو دعا ناديه لأخذته الزَّبانية عياناً "
{ كلا } ليس الأمر على ما عليه أبو جهلٍ { لا تطعه واسجد } وصلِّ { واقترب } تقرّب إلى ربِّك بطاعته .
إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)
{ إنا أنزلناه } أي : أنزلنا القرآن { في ليلة القدر } ليلة الحكم والفصل ، يقضي الله فيها قضاء السَّنة ، والقَدْر : بمعنى التَّقدير . أنزل الله تعالى القرآن كلَّه في ليلة القدر جُملةً واحدةً من اللَّوح المحفوظ إلى سماء الدُّنيا ، ثمَّ نزل به جبريل عليه السَّلام على النبيِّ صلى الله عليه وسلم في عشرين سنةً . (1/1132)
{ وما أدراك } يا محمَّد عليه السَّلام { ما ليلة القدر } على التَّعظيم لشأنها والتَّعجيب منها ، ثمَّ أخبر عنها فقال :
{ ليلة القدر خير من ألف شهر } أي : من ألف شهرٍ ليس فيها ليلة القدر .
{ تنزل الملائكة والروح } يعني : جبريل عليه السَّلام { فيها } في تلك اللَّيلة { بإذن ربهم من كل أمر } أي : بكلِّ أمرٍ قضاه الله تعالى في تلك اللَّيلة للسَّنة ، وتمَّ الكلام ها هنا ، ثمَّ قال :
{ سلام هي } أَيْ : تلك اللَّيلة كلها سلامةٌ وخيرٌ لا داء فيها ، ولا يستطيع الشَّيطان أن يصنع فيها شيئاً . وقيل : يعني : تسليم الملائكة في تلك اللَّيلة على أهل المساجد { حتى مطلع الفجر } إلى وقت طلوع الفجر .
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)
{ لم يكن الذين كفروا } بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم { من أهل الكتاب } أي : اليهود والنَّصارى { والمشركين } يعني : كفَّار العرب { منفكين } مُنتهين زائلين عن كفرهم { حتى تأتيهم البينة } يعني : أتتهم البينة ، أَي : البيان والبصيرة ، وهو محمد عليه السَّلام والقرآن . يقول : لم يتركوا كفرهم حتى بُعث إليهم محمَّدٌ عليه السَّلام ، وهذا فيمَنْ آمن من الفريقين ، ثمَّ فسَّر البيِّنة فقال : (1/1133)
{ رسول من الله يتلو صحفاً } كتباً { مطهرة } من الباطل .
{ فيها كتب } أحكامٌ { قيِّمة } مستقيمةٌ عادلةٌ ، ثمَّ ذكر كفَّار أهل الكتاب ، فقال :
{ وما تفرَّق الذين أوتوا الكتاب } أي : ما اختلفوا في كون محمَّدٍ عليه السَّلام حقاً لما يجدون من نعته في كتابهم { إلاَّ مِنْ بعد ما جاءتهم البينة } إلاَّ من بعد ما بيَّنوا أنَّه النبيُّ الذي وُعدوا به في التَّوراة والإِنجيل ، يريد : أنَّهم كانوا مجتمعين على صحَّة نبوَّته ، فلمَّا بُعث جحدوا نبوَّته وتفرَّقوا ، فمنهم مَنْ كفر بغياً وحسداً ، ومنهم مَنْ آمن ، وهذا كقوله تعالى : { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم . . . } الآية .
{ وما أمروا } يعني : كفَّار الذين أُوتوا الكتاب { إلاَّ ليعبدوا الله } إلاَّ أنْ يعبدوا الله { مخلصين له الدين } الطَّاعة ، أَيْ : مُوحِّدين له لا يعبدون معه غيره . { حنفاء } على دين إبراهيم عليه السَّلام ودين محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم . وقوله : { وذلك دين القيمة } أي : دين الملَّة القيِّمة ، وهي المستقيمة ، وباقي الآية ظاهرٌ .
إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)
{ إذا زلزلت الأرض زلزالها } أي : حُرِّكت حركةً شديدةً لقيام السَّاعة . (1/1134)
{ وأخرجت الأرض أثقالها } كنوزها وموتاها ، فألقتها على ظهرها .
{ وقال الإِنسان } يعني : الكافر الذي لا يؤمن بالبعث { ما لها } إنكاراً لتلك الحالة .
{ يومئذ تحدّث أخبارها } أَيْ : تُخبر بما عُمل عليها من خيرٍ وشرٍّ .
{ بأنَّ ربك أوحى لها } أي : أمرها بالكلام وأذن لها فيه .
{ يومئذ يصدر الناس } ينصرف النَّاس { أشتاتاً } متفرِّقين عن موقف الحساب ، فآخذٌ ذات اليمين ، وآخذٌ ذات الشِّمال { ليروا أعمالهم } أَيْ : ثوابها .
{ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره } يرى المؤمن ثوابه في الآخرة ، والكافر في الدُّنيا يراه في نفسه وأهله وماله .
{ ومَنْ يعمل مثقال ذرة شراً يره } جزاء المؤمن في الدُّنيا بالأحزان والمصائب ، والكافر في الآخرة .
وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)
{ والعاديات } يعني : الخيل في الغزو { ضبحاً } تضبح ضبحاً ، وهو صوت أجوافها إذا عدت . (1/1135)
{ فالموريات } وهي الخيل التي تُوري النَّار { قدحاً } بحوافرها إذا عدت في الأرض ذات الحجارة باللَّيل .
{ فالمغيرات صبحاً } يعني : الخيل تُغير على العدوِّ وقت الصبح ، وإنما يُغير أصحابها ولكن جرى الكلام على الخيل .
{ فأثرن } هيَّجن { به } بمكان عدوها { نقعاً } غباراً .
{ فوسطن } توسطن { به } بالمكان الذي هي به { جمعاً } من النَّاس أغارت .
عليهم ، يريد : صارت في وسط قومٍ من العدوِّ تُغير عليهم .
{ إن الإنسان } جواب القسم { لربه لكنود } لكفورٌ . يعني : الكافر يجحد نعم الله تعالى .
{ وإنه } وإنَّ الله تعالى { على ذلك } على كنوده { لشهيد } .
{ وإنّه لحب الخير } لأجل حبِّ المال { لشديد } لبخيلٌ .
{ أفلا يعلم } هذا الإنسان { إذا بعثر } قُلب فَأُثير { ما في القبور } يعني : إذا بُعث الموتى .
{ وحصِّل } بيِّن وأُبرز { ما في الصدور } [ من الكفر والإيمان .
{ إنَّ ربهم بهم يومئذٍ لخبير } عالمٌ فيجازيهم على كفرهم في ذلك اليوم ، وإنَّما قال " بهم " لأنَّ الإِنسان اسم الجنس ] .
الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)
{ القارعة } يعني : القارعة؛ لأنَّها تقرع القلوب بأهوالها . (1/1136)
{ ما القارعة } تفخيمٌ لشأنها وتهويلٌ ، كما قلنا في الحاقَّة .
{ يوم يكون الناس كالفراش } كغوغاء الجراد لا يتَّجه إلى جهةٍ واحدةٍ ، كذلك النَّاس إذا بُعثوا ماج بعضهم في بعضٍ للحيرة { المبثوث } المفرَّق .
{ وتكون الجبال كالعهن } كالصُّوف { المنفوش } المندوف ، لخفَّة سيرها .
{ فأمَّا مَنْ ثقلت موازينه } بالحسنات .
{ فهو في عيشة راضية } يرضاها .
{ وأما من خفت موازينه } . { فأمه هاوية } فمسكنه النَّار .
{ وما أدراك ماهِيَهْ } ثمَّ فسرها فقال :
{ نار حامية } شديدة الحرارة .
أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)
{ ألهاكم التكاثر } . { حتى زرتم المقابر } شغلكم التَّكاثر بالأموال والأولاد والعدد عن طاعة الله تعالى : { حتى زرتم المقابر } : حتى أدرككم الموت على تلك الحالة . نزلت في اليهود قالوا : نحن أكثرُ من بني فلانٍ ، وبنو فلان أكثرُ من بني فلانٍ ، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضُلالاً . (1/1137)
{ كلا } ليس الأمر الذي ينبغي أَنْ تكونوا عليه التَّكاثر { سوف تعلمون } عند النَّزع سوء عاقبة ما كنتم عليه .
{ ثمَّ كلا سوف تعلمون } سوء عاقبة ما كنتم عليه في القبر ، والتَّكرير لتأكيد التَّهديد .
[ { كلا لو تعلمون عليم اليقين } أَيْ : لو علمتم الأمرَ حقَّ علمه لشغلكم ذلك عمَّا أنتم فيه ، وجواب { لو } محذوف ] ثمَّ ابتدأ فقال :
{ لترون الجحيم } .
{ ثم لترونها } تأكيدٌ أيضاً { عَيْنَ اليقين } عياناً لستم عنها بغائبين .
{ ثمَّ لتسألنَّ يومئذ عن النعيم } عن الأمن والصَّحة فيما أفنيتموها .
وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)
{ والعصر } هو الدَّهر ، أَقسم الله به . (1/1138)
{ إنَّ الإِنسان } يعني : الكافر العامل لغير طاعة الله { لفي خسر } خسرانٍ ، يعني : إنَّه يخسر أهله ومحله ومنزلته في الجنَّة .
{ إلاَّ الذين آمنوا } فإنَّهم ليسوا في خسرٍ . { وتواصوا بالحق } وصَّى بعضهم بالإِقامة على التَّوحيد والإِيمان { وتواصوا بالصَّبر } على طاعة الله والجهاد في سبيله . ويروى [ مرفوعاً ] : { إن الإنسان لفي خسرٍ } يعني : أبا جهلٍ ، { إلاَّ الذين آمنوا } يعني : أبا بكر { وعملوا الصالحات } يعني : عمر بن الخطاب . { وتواصوا بالحقِّ } يعني : عثمان . { وتواصوا بالصَّبر } يعني : علياً . رضي الله عنهم أجمعين .
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4)
{ ويلٌ لكلِّ همزة لمزة } يعني : الإنسان الذي يغتاب النَّاس ويعيبهم . نزلت في أُميَّة بن خلف . وقيل : في الوليد بن المغيرة ، كان يغتاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم . (1/1139)
{ الذي جمع مالاً وعدده } أعدَّه للدَّهر ، وقيل : أكثر عدده .
{ يحسب أنَّ ماله أخلده } في الدُنيا حتى لا يموت .
{ كلا } ليس الأمر على ما يحسب . { لينبذنَّ في الحطمة } ليطرحنَّ في النار .
الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)
{ التي تطلع على الأفئدة } أَيْ : يبلغ ألمها وإحراقها إلى الأفئدة . (1/1140)
{ إنها عليهم مؤصدة } مطبقةٌ .
{ في عمد } جمع عمودٍ . { ممددة } . قيل : يعني : أوتاد الأطباق التي تطبق عليهم ، ومعنى { في عمدٍ } : بعمدٍ . وقيل : إنَّها عمدٌ يُعذَّبون بها في النَّار .
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)
{ ألم ترَ } ألم تعلم . وقيل : ألم تخبر { كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } . (1/1141)
{ ألم يجعل كيدهم في تضليل } أضلَّ كيدهم عمَّا أرادوا من تخريب الكعبة .
{ وأرسل عليهم طيراً أبابيل } جماعاتٍ جماعاتٍ .
{ ترميهم بحجارة من سجيل } من آجرٍ .
{ فجعلهم كعصف مأكول } كزرعٍ أكلته الدَّوابُّ فداسته وفتَّتته . والعصف : ورق الزرع .
لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)
{ لإِيلاف قريش } قيل : هذه اللام تتَّصل بما قبلها ، على معنى : أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش وتألف رحلتيها . وقيل : معنى اللام التَّأخير ، على معنى : فليعبدوا ربَّ هذا البيت { لإِيلاف قريش } أَيْ : ليجعلوا عبادتهم شكراً لهذه النِّعم واعترافاً بها . يقال : ألف الشَّيء وآلفه بمعنىً واحد ، والمعنى : لإِلف قريش رحلتيها ، وذلك انَّه كانت [ لهم ] رحلتان رحلةٌ في الشِّتاء إلى اليمين ، و [ رحلة ] في الصَّيف إلى الشَّام ، وبهما كانت تقوم معايشهم وتجاراتهم . وكان لا يتعرَّض لهم في تجارتهم أحدٌ . يقول : هم سكَّان حرم الله وولاة بيته ، فمنَّ الله عليهم بذلك ، وقال : (1/1142)
{ فليعبدوا ربَّ هذا البيت } . { الذي أطعهم من جوع } أَيْ : بعد جوعٍ ، وكانوا قد أصابتهم شدة حتى أكلوا الميتة والجيف ، ثمَّ كشف الله ذلك عنهم { وآمنهم من خوف } فلا يخافون في الحرم الغارة ، ولا يخافون في رحلتهم .
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)
{ أرأيت الذي يكذب بالدين } نزلت في العاص بن وائل . وقيل : نزلت في الوليد بن المغيرة . وقيل : في أبي سفيان ، وذلك أنَّه نحر جزوراً فأتاه يتيمٌ يسأله ، فقرعه بعصاه ، فذلك قوله تعالى : { يدعُّ اليتيم } أَيْ : يدفعه بجفوةٍ من حقِّه . (1/1143)
{ ولا يحضُّ على طعام المسكين } لا يُطعم المسكين ولا يأمر بإطعامه .
{ فويل للمصلين } . { الذين هم عن صلاتهم ساهون } غافلون يُؤخِّرونها عن وقتها .
{ الذين هم يراؤون } يعني : المنافقين يُصلُّون في العلانيَة ، ويتركون الصَّلاة في السِّرِّ .
{ ويمنعون الماعون } الزَّكاة وما فيه منفعةٌ من الفأس والقِدر والماء والملح .
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)
{ إنَّا أعطيناك الكوثر } قيل : هو نهرٌ في الجنَّة حافتاه الدُّرُّ . وقيل : هو الخير الكثير . (1/1144)
{ فصلِّ لربك } صلاة العيد ، يعني : يوم النَّحر { وانحر } نُسكك . وقيل : { فصلِّ } فضع يدك على نحرك في صلاتك .
{ إنَّ شانئك } مُبغضك { هو الأبتر } المُنقطع العقب . [ وقيل : المنقطع عن كلِّ خير . نزلت في العاص بن وائل سمَّى النبيَّ صلى الله عليه وسلم أبتر عند موت ابنه القاسم ] .
قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)
{ قل يا أيها الكافرون } نزلت في رهطٍ من قريشٍ قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم تعبد آلهتنا سنةً . ونعبد إلهك سنةً ، فأنزل الله هذه السُّورة . (1/1145)
{ لا أعبد ما تعبدون } في الحال .
{ ولا أنتم عابدون ما أعبد } في الحال ما أعبده .
{ ولا أنا عابد } في الاستقبال { ما عبدتم } .
{ ولا أنتم عابدون } في الاستقبال { ما أعبد } فنفى عنهم عبادة الله في الحال ، وفيما يستقبل ، وهذا في قومٍ أعلمه الله أنَّهم لا يؤمنون ، ونفى أيضاً عن نفسه عبادة الأصنام في الحال وفيما يستقبل ، لييئسوا عنه في ذلك .
{ لكم دينكم } الشِّرك { ولي ديني } الإِسلام ، وهذا قبل أَنْ يُؤمر بالحرب .
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)
{ إذا جاء نصر الله } إيَّاك على مَنْ ناوأك من اليهود والعرب { والفتح } يعني : فتح مكة . (1/1146)
{ ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا } جماعاتٍ جماعاتٍ بعد ما كان يدخل واحدٌ فواحدٌ . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا نزلت هذه السورة قال : قد نُعِيَتْ إليَّ نفسي .
{ فسبح بحمد ربك } أمره الله عزَّ وجل أن يُكثر التَّسبيح والاستغفار ، ليختم له في آخر عمره بالزِّيادة في العمل الصّالح .