صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الوجيز في تفسير الكتاب العزيز |
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (13) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17)
ثمَّ توعَّدهم فقال : { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمَّر الله عليهم وللكافرين أمثالها } أَيْ : أمثال تلك العاقبة التي كانت لمَنْ قبلهم . (1/910)
{ ذلك } أَيْ : ذلك النَّصر للمؤمنين والهلاك للكافرين { بأنَّ الله مولى الذين آمنوا } وليُّهم وناصرهم { وأن الكافرين لا مولى لهم } لا وليَّ لهم ينصرهم من الله .
{ والذين كفروا يتمتعون } في الدُّنيا { ويأكلون كما تأكل الأنعام } ليس لهم همَّةٌ إلاَّ بطونهم وفروجهم ، ثمَّ يصيرون إلى النَّار .
{ وكأين من قرية هي أشدُّ قوة من قريتك التي أخرجتك } يعني : مكَّة ، أخرجك أهلها { أهلكناهم } بتكذيبهم الرُّسل { فلا ناصر لهم } .
{ أفمن كان على بينة من ربه } وهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنون { كمَنْ زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم } وهم أبو جهل والكفَّار .
{ مثل } صفة { الجنَّة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماءٍ غير آسن } غير متغيِّرِ الرَّائحة { وأنهار من خمر لذة للشاربين } لذيذة .
{ ومنهم مَنْ يستمع إليك } يعني : المنافقين { حتى إذا خرجوا من عندك } كانوا يستمعون خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا خرجوا سألوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاءً وإعلاماً أنَّهم لم يلتفتوا إلى ما قال ، يقولون : { ماذا قال آنفاً } أَيْ : الآن . وقوله :
{ وآتاهم تقواهم } أَيْ : ثواب تقواهم ، ويجوز أن يكون المعنى : وألهمهم تقواهم ووفَّقهم لها .
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (18) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19) وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)
{ فهل ينظرون } ينتظرون { إلاَّ الساعة } القيامة { أن تأتيهم بغتة } أَيْ : هم في الحقيقة كذلك؛ لأنَّه ليس الأمر إلاَّ أن تقوم عليهم السَّاعة بغتةً { فقد جاء أشراطها } علاماتها من بعث محمد صلى الله عليه وسلم وغيره { فأنى لهم إذا جاءتهم } السَّاعة { ذكراهم } أَيْ : فمن أين لهم أن يتذكَّروا أو يتوبوا بعد مجيء السَّاعة . (1/911)
{ فأعلم أنه لا إله إلاَّ الله } أَيْ : فاثبت على ذلك من علمك . { والله يعلم متقلبكم } مُتصرِّفكم في أعمالكم وأشغالكم . وقيل : مُتقلَّبكم من الأصلاب إلى الأرحام . { ومثواكم } مرجعكم في الدُّنيا والآخرة .
{ ويقول الذين آمنوا } حرصاً منهم على الوحي إذا استبطؤوه : { لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة } غير منسوخةٍ { وذكر فيها } فُرِضَ { القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض } أَيْ : المناققين { ينظرون إليك } شزراً { نظر المغشي عليه من الموت } كنظر مَنْ وقع في سكرات الموت ، كراهة منهم للقتال . { فأولى لهم } .
{ طاعة وقول معروف } أَيْ : لو أطاعوا وقالوا لك قولاً حسناً كان ذلك أولى . { فإذا عزم الأمر } أَيْ : جدَّ الأمرُ ولزم فرض القتال { فلو صدقوا الله } في الإِيمان والطَّاعة { لكان خيراً لهم } .
{ فهل عسيتم إن توليتم } أَيْ : لعلَّكم إن أعرضتم عمَّا جاء به محمد عليه السَّلام أن تعودوا إلى أمر الجاهليَّة ، فيقتل بعضكم بعضاً ، وهو قوله : { أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } أَيْ : بالبغي والظُّلم والقتل .
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27)
{ أفلا يتدبرون القرآن } فيتَّعظوا بمواعظه { أم على قلوبٍ أقفالها } فليس تفهمها . (1/912)
{ إنَّ الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى } يعني : كفَّار أهل الكتاب كفروا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وهم يعرفونه { الشيطان سؤَّل لهم } زيَّن لهم { وأملى لهم } أطال لهم الأمل .
{ ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزَّل الله } يعني : المشركين { سنطيعكم في بعض الأمر } في التَّظاهر على عداوة محمَّد صلى الله عليه وسلم .
{ فكيف } أَيْ : فيكف يكون حالهم { إذا توفتهم الملائكة } .
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)
{ أم حسب الذين في قلوبهم مرض } وهم المنافقون { أن لن يخرج الله أضغانهم } لن يظهر الله أحقادهم على النبيِّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين . (1/913)
{ ولو نشاء لأريناكهم } لعرَّفناكهم { فلعرفتهم بسيماهم } بعلامتهم { ولتعرفنهم في لحن القول } في معنى كلامهم إذا تكلَّموا معك .
{ ولنبلونكم } بالجهاد { حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } العلم الذي يقع به الجزاء { ونبلوا أخباركم } أَيْ : ونكشف ما تُسرُّون .
{ إنَّ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله . . . } الآية . يعني : المُطعمين من أصحاب بدرٍ . وقوله :
{ ولا تبطلوا أعمالكم } أَيْ : بالمنِّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامكم .
فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)
{ وتدعوا إلى السلم } أَيْ : لا توادعوهم ولا تتركوا قتالهم حتى يُسلموا؛ لأنَّكم الأعلون ، ولا ضعف بكم فتدعوا إلى الصُّلح { والله معكم } بالنُّصرة { ولن يتركم أعمالكم } لن ينقصكم شيئاً من ثواب أعمالكم . وقوله : (1/914)
{ ولا يسألكم أموالكم } أَيْ : لا يسألكم محمَّد عليه السَّلام أموالكم أجراً على تبليغ الرِّسالة .
{ إن يسألكموها فيحفكم } يجهدكم بالمسألة { تبخلوا ويخرج أضغانكم } ويظهر عداوتكم؛ لأنَّ في مسألة المال ظهور العداوة والحقد .
{ ها أنتم هؤلاء } يا هؤلاء { تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم مَنْ يبخل } بالصَّدقة { ومَنْ يبخل فإنما يبخل عن نفسه } لأنَّ له ثواب ما أعطي ، فإذا لم يعط لم يستحقَّ الثَّواب { والله الغنيُّ } عن صدقاتكم { وأنتم الفقراء } إليها في الآخرة { وإن تتولوا } عن الرَّسول { يستبدل قوماً غيركم } أطوع منكم ، وهم فارس { ثم لا يكونوا } في الطَّاعة { أمثالكم } بل يكونوا أطوع منكم ، وهذا الخطاب للعرب .
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4)
{ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً } حكمنا لك بإظهار دينك والنُّصرة على عدوِّك ، وفتحنا لك أمر الدِّين . (1/915)
{ ليغفر لك الله ما تقدَّم من ذنبك } ما عملت في الجاهليَّة { وما تأخَّر } ممَّا لم تعمله وقيل : ما تقدَّم من ذنبك ، يعني : ذنب أبويك آدم وحوَّاء ببركتك ، وما تأخَّر من ذنوب أُمَّتك بدعوتك . { ويتم نعمته عليك } بالنُّبوَّة والحكمة { ويهديك صراطاً مستقيماً } أَيْ : يُثبِّتك عليه .
{ وينصرك الله نصراً عزيزاً } ذا عزٍّ لا يقع معه ذلٌّ .
{ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } اليقين والطُّمأنينة { ليزدادوا إيماناً } بشرائع الدِّين { مع إيمانهم } تصديقهم بالله وبرسوله .
وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6)
{ الظانين بالله ظنَّ السوء } يظنُّون أن لن ينصر الله محمَّداً والمؤمنين { عليهم دائرة السوء } بالذُّلَّ والعذاب ، أَيْ : عليهم يدور الهلاك والخزي . (1/916)
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12)
{ إنَّا أرسلناك شاهداً } على أُمَّتك يوم القيامة { ومبشراً } بالجنَّة مَنْ عمل خيراً { ونذيراً } منذراً بالنَّار مَنْ عمل سوءً . (1/917)
{ وتعزروه } أَيْ : تنصروه { وتوقروه } وتعظِّموه .
{ إنَّ الذين يبايعونك } بالحديبية { إنما يبايعون الله } أَيْ : أخذك عليهم البيعة عقدُ الله عليهم . { يد الله فوق أيديهم } نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة . { فمن نكث } نقض البيعة { فإنما ينكث على نفسه } فإنما يضرُّ نفسه بذلك النَّكث .
{ سيقول لك المخلفون من الأعراب . . . } الآية . لمَّا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكَّة عام الحديبية استنفر مَنْ حول المدينة من الأعراب حذراً من قريش أن يعرضوا له بحرب ، فتثاقلوا عنه وخافوا قريشاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أنفسهم ، فأنزل الله تعالى : { سيقول لك المخلفون } الذين خلَّفهم الله عن صحبتك إذا انصرفت إليهم فعاتبتهم عن التَّخلُّف : { شغلتنا } عن الخروج معك { أموالنا وأهلونا } أَيْ : ليس لنا مَنْ يقوم فيها إذا خرجنا { فاستغفر لنا } تركنا الخروج معك ، ثمَّ كذَّبهم الله تعالى في ذلك العذر ، فقال : { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم . . . } الآية .
{ بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً } وذلك أنَّهم قالوا : إنَّ محمداً وأصحابه أكلة رأس [ أًيْ : قليلو العدد ] وأنَّهم لا يرجعون من هذا الوجه أبداً ، فقال الله تعالى : { وظننتم ظنَّ السوء وكنتم قوماً بُوْراً } هالكين عند الله تعالى بهذا الظَّنِّ .
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (17) لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18)
{ سيقول المخلفون } يعني : هؤلاء : { إذا انطلقتم إلى مغانم } يعني : غنائم خيبر { ذرونا نتبعكم } إلى خيبر فنشهد معكم . { يريدون أن يبدلوا كلام الله } يغيّروا وعد الله الذي وعد أهل الحديبية ، وذلك أنَّ الله تعالى حكم لهم بغنائم خيبر دون غيرهم . { قل لن تتبعونا } إلى خيبر { كذلكم قال الله من قبل } [ أَيْ : من قبل ] مرجعنا إليكم ، إنَّ غنيمة خيبر لمّنْ شهد الحديبية دون غيرهم { فسيقولون بل تحسدوننا } أن نصيب معكم من الغنائم . (1/918)
{ قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم } إلى قتال قوم { أولي بأس شديد } وهم فارس والرُّوم . وقيل : بنو حنيفة أصحاب اليمامة . { تقاتلونهم أو يسلمون } يعني : أو هم يسلمون [ أصحاب مسيلمة الكذاب ] فيترك قتالهم { فإن تطيعوا } مَنْ دعاكم إلى قتالهم { يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولوا كما توليتم من قبل } عام الحديبية ، يعني : نافقتم وتركتم الجهاد { يعذِّبكم عذاباً أليماً } . ثم ذكر أهل العُذر في التَّخلُّف عن الجهاد فقال :
{ ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج . . . } الآية . ثمَّ ذكر خبر مَنْ أخلص نيَّته فقال :
{ لقد رضي الله عن المؤمنين } وكانوا ألفاً وأربعمائة { إذ يبايعونك } بالحديبية على أن يناجزوا قريشاً ولا يفرُّوا { تحت الشجرة } يعني : سمرة كانت هنالك ، وهذه البيعة تسمَّى بيعة الرِّضوان { فعلم ما في قلوبهم } من الإِخلاص والوفاء { فأنزل } الله { السكينة عليهم } وهي الطُّمأنينة وثلج الصدر بالنُّصرة من الله تعالى : لرسوله { وأثابهم فتحاً قريباً } أَيْ : فتح خيبر .
وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (20) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (21) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (23) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24)
{ ومغانم كثيرة يأخذونها } يعني : عقار خيبر وأموالها . (1/919)
{ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } وهي الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم القيامة ، { فعجَّل لكم هذه } يعني : خيبر { وكفَّ أيدي الناس عنكم } لما خرجوا وخلفوا عيالهم بالمدينة حفظ الله عليهم عيالهم ، وقد همَّت اليهود بهم ، فقذف الله في قلوبهم الرُّعب ، فانصرفوا { ولتكون } هزيمتهم وسلامتكم { آية للمؤمنين ويهديكم صراطاً مستقيماً } يعني : طريق التَّوكُّل وتفويض الأمر إلى الله سبحانه في كلِّ شيء .
{ وأخرى } أَيْ : ومغانم أخرى { لم تقدروا عليها } يعني : فارس والرُّوم { قد أحاط الله بها } علم أنَّه يفتحها لكم .
{ ولو قاتلكم الذين كفروا } أَيْ : أهل مكَّة لو قاتلوكم عام الحديبية { لولوا الأدبار } لانهزموا عنك ، ولنصرت عليهم .
{ سنة الله } كسنَّة الله في النُّصرة لأوليائه .
{ وهو الذي كفَّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة } مَنَّ الله سبحانه على المؤمنين بما أوقع من صلح الحديبية ، فكفَّهم عن القتال بمكَّة ، وذكر حُسن عاقبة ذلك في الآية الثَّانية . وقوله : { من بعد أن أظفركم عليهم } وذلك أنَّ رجالاً من قريش طافوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك العام ليصيبوا منهم ، فأُخذوا وأُتي بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وخلَّى سبيلهم ، وكان ذلك سبب الصُّلح بينهم .
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26) لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28)
{ هم الذين كفروا } يعني : أهل مكَّة { وصدوكم عن المسجد الحرام } منعوكم من زيارة البيت { والهدي } ومنعوا الهدي { معكوفاً } محبوساً { أن يبلغ محله } منحره ، وكانت سبعين بدنةً . { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات } بمكَّة { لم تعلموهم أن تطؤوهم } أَيْ : لولا أن تطؤوهم في القتال؛ لأنَّكم لم تعلموهم مؤمنين ، وهو وقوله : { بغير علم } { فتصيبكم منهم معرَّة } [ كفَّارةٌ و ] عارٌ وعيبٌ من الكافرين . يقولون : قتلوا أهل دينهم { ليدخل الله في رحمته } دينه الإِسلام { مَنْ يشاء } من أهل مكَّة قبل أن يدخلوها { لو تزيلوا } تميَّز عنهم هؤلاء المؤمنون { لعذَّبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً } لأنزلنا بهم ما يكون عذاباً لهم أليماً بأيديكم . (1/920)
{ إذْ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حَمِيَّةَ الجاهلية } حين صدُّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } أَيْ : الوقار حين صالحوهم ، ولم تأخذهم من الحمية ما أخذهم فيلجُّوا ويقاتلوا . { وألزمهم كلمة التقوى } توحيد الله والإيمان به وبرسوله : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وقيل : يعني : بسم الله الرحمن الرحيم ، أبى المشركون أن يقبلوا هذا لمَّا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب كتاب الصُّلح بينهم ، وقالوا : اكتب باسمك اللَّهم ، فقال الله تعالى : { وكانوا أحقَّ بها وأهلها } أَيْ : المؤمنون؛ لأنَّ الله اختارهم للإيمان ، وكانوا أحقَّ بكلمة التَّقوى من غيرهم .
{ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق . . . } الآية . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه قبل خروجه عام الحديبية كأنَّه وأصحابه يدخلون مكَّة مُحلِّقين ومُقصِّرين غير خائفين ، فلمَّا خرج عام الحديبية كانوا قد وطنوا أنفسهم على دخول مكَّة لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلمَّا صدُّوا عن البيت راب بعضهم ذلك ، فأخبر الله تعالى أنَّ تلك الرُّؤيا صادقةٌ ، وأنَّهم يدخلونها إٍن شاء الله آمنين . وقوله : { فعلم ما لم تعلموا } علم الله تعالى أنًّ الصَّلاح كان في ذاك الصُّلح ، ولم تعلموا ذلك . { فجعل من دون ذلك } أَيْ : من دون دخولكم المسجد { فتحاً قريباً } وهو صلح الحديبية ، ولم يكن فتحٌ في الإسلام كان أعظم من ذلك؛ لأنَّه دخل في الإسلام في تلك السِّنين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر ، وقيل : يعني : فتح خيبر .
{ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله } ليجعل دين الحقِّ ظاهراً على سائر الأديان عالياً عليها { وكفى بالله شهيداً } أنَّك مرسلٌ بالحقِّ ، ثمَّ حقَّق الله تلك الشَّهادة وبيَّنها .
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)
{ محمد رسول الله والذين معه } من المؤمنين { أشداء } غلاظٌ { على الكفار رحماء بينهم } متوادُّون متعاطفون { تراهم ركعاً سجداً } في صلواتهم { يبتغون فضلاً من الله } أني يدخلهم الجنَّة { ورضواناً } أن يرضى عنهم { سيماهم } علامتهم { في وجهوههم من أثر السجود } يعني : نوراً وبياضاً في وجوههم يوم القيامة ، يُعرفون بذلك النُّور أنَّهم سجدوا في دار الدُّنيا لله تعالى . { ذلك مثلهم } صفة محمَّد صلى الله عليه وسلم وأصحابه { في التوراة ، ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه } فراخه ونباته { فآزره } قوَّاه وأعانه ، أيْ : قوَّى الشَّطأ الزَّرع ، كما قوَّى أمر محمَّد وأصحابه ، والمعنى : أنَّهم يكونون قليلاً ثمَّ يكثرون ، وهذا مثل ضربه الله تعالى لنبيِّه عليه السَّلام إذ خرج وحده ، فأيَّده بأصحابه كما قوَّى الطَّاقة من الزرع بما ينبت حوله { فاستغلظ } فَغَلُظَ وقوِيَ . { فاستوى } ثمَّ تلاحق نباته وقام على { سوقه } جمع ساق { يعجب الزراع } بحسن نباته واستوائه { ليغيظ بهم الكفار } فعل الله تعالى ذلك بمحمَّد وأصحابه ليغيظ بهم أهل الكفر . { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم } أَيْ : من أصحاب عليه السَّلام { مغفرة وأجراً عظيماً } . (1/921)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)
{ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } أَيْ : لا تُقدِّموا خلاف الكتاب والسُّنَّة . وقيل : لا تذبحوا قبل أن يذبح النبيُّ عليه السَّلام في الأضحى وقيل : لا تصوموا قبل صومه . نزلت في النَّهي عن صوم يوم الشَّكِّ ، والمعنى : لا تسبقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيءٍ حتى يكون هو الذي يأمركم به { واتقوا الله } في مخالفة أمره { إنَّ الله سميع } لأقوالكم { عليم } بأحوالكم . (1/922)
{ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ } نزلت في ثابت ابن قيس بن شماس ، وكان جهوريَّ الصَّوت ، وربَّما كان يُكلِّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فينادي بصوته ، فأُمروا بغضِّ الصَّوت عند مخاطبته { ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض } لا تُنزِّلوه منزلة بعضكم من بعضٍ ، فتقولوا : يا محمد ، ولكن خاطبوه بالنبوَّة والسَّكينة والإِعظام { أن تحبط أعمالكم } كي لا تبطل حسناتكم { وأنتم لا تشعرون } أنَّ خطابه بالجهر ورفع الصَّوت فوق صوته يُحبط العمل ، فلمَّا نزلت هذه الآية خفض أبو بكر وعمر رضي الله عنهما صوتهما ، فما كلَّما النبيَّ صلى الله عليه وسلم إلاَّ كأخي السِّرار ، فأنزل الله تعالى :
{ إنَّ الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } أَيْ : اختبرها وأخلصها للتَّقوى .
{ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات } نزلت في وفد تميمٍ أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليفاخروه ، فنادوا على الباب : يا محمَّد ، اخرج إلينا؛ فإنَّ مدحنا زينٌ وإنَّ ذمنا شينٌ ، فقال الله تعالى : { أكثرهم لا يعقلون } أَيْ : إنَّهم جهَّال ، ولو عقلوا لما فاخروا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
{ ولو أنَّهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم } من إيذائهم إيَّاك بالنِّداء على بابك { والله غفورٌ رحيم } لمَنْ تاب منهم .
{ يا أيُّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ } نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مُصَّدِّقاً إلى قومٍ كانت بينه وبينهم تِرةٌ في الجاهليَّة ، فخاف أن يأتيهم ، وانصرف من الطَّريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : إنَّهم منعوا الصَّدقة وقصدوا قتلي ، فذلك قوله : { إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } أَيْ : فاعلموا صدقه من كذبه { أن تصيبوا } لئلا تصيبوا { قوماً بجهالة } وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم همَّ أن يغزوهم حتى تبيَّن له طاعتهم .
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)
{ واعلموا أنَّ فيكم رسول الله } فلا تقولوا الباطل؛ فإنَّ الله يخبره { لو يطيعكم في كثير من الأمر } لو أطاع مثل هذا المخبر الذي أخبره بما لا أصل له { لعنتم } لأثمتم ولهلكتم { ولكنَّ الله حبب إليكم الإيمان } فأنتم تطيعون الله ورسوله ، فلا تقعون في العنت ، يعني بهذا : المؤمنين المخلصين ، ثمَّ أثنى عليهم فقال : { أولئك هم الراشدون } . (1/923)
{ فضلاً من الله } أَيْ : الفضل من الله عليهم .
{ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } نزلت في جمعين من الأنصار كان بينهما قتالٌ بالأيدي والنِّعال { فأصلحوا بينهما } بالدُّعاءِ إلى حكم كتاب الله . فإن بغت إحداهما على الأخرى [ أَيْ : تعدَّت إحداهما على الأخرى ] وعدلت عن الحقِّ { فقاتلوا } الباغية حتى ترجع إلى أمر الله في كتابه . { فإن فاءت } رجعت إلى الحقِّ { فأصلحوا بينهما } بحملهما على الإِنصاف { وأقسطوا } وأعدلوا { إنَّ الله يحب المقسطين } .
{ إنما المؤمنون أخوة } في الدين والولاية { فأصلحوا بين أخويكم } إذا اختلفا واقتتلا { واتقوا الله } في إصلاح ذات البين { لعلكم ترحمون } كي ترحموا به .
{ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم . . . } الآية . نهى الله تعالى المؤمنين والمؤمنات أن يسخر بعضهم من بعض { عسى أن يكونوا } أَيْ : المسخور منه { خيراً منهم } من السَّاخر ، ومعنى السُّخرية ها هنا الازدراء والاحتقار . { ولا تلمزوا أنفسكم } لا يعب بعضكم بعضاً { ولا تنابزوا بالألقاب } وهو أن يُدعى الرَّجل بلقبٍ يكرهه ، نهى الله تعالى عن ذلك . { بئس الاسم الفسوق بعد الإِيمان } يعني : إنَّ السُّخرية واللَّمز والتَّنابز فسوقٌ بالمؤمنين ، وبئس ذلك بعد الإِيمان .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)
{ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إنَّ بعض الظن إثم } وهو أنْ يظنَّ السُّوء بأهل الخير ، وبمن لا يُعلم منه فسقٌ . { ولا تجسسوا } لا تطلبوا عورات المسلمين ، ولا تبحثوا عن معايبهم { ولا يغتب بعضكم بعضاً } لا تذكروا أحدكم بشيءٍ يكرهه وإن كان فيه ذلك الشَّيء . { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً } يعني : إنَّ ذكرك أخاك على غيبةٍ بسوءٍ كأكل لحمه وهو ميِّت ، لا يحسُّ بذلك . { فكرهتموه } إنْ كرهتم أكل لحمه ميتاً فاكرهوا ذكره بسوءٍ . (1/924)
{ يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى } أَيْ : كلُّكم بنو أبٍ واحدٍ وأمٍّ واحدةٍ ، فلا تفاضل بينكم في النَّسب { وجعلناكم شعوباً } وهي رؤوس القبائل ، كربيعة ومضر { وقبائل } وهي دون الشُّعوب كبكر من ربيعة ، وتميم من مضر { لتعارفوا } ليعرف بعضكم بعضاً في قرب النَّسب وبعده لا لتتفاخروا بها ، ثمَّ أعلم أنَّ أرفعهم عنده منزلةً أتقاهم ، فقال : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم . . . } الآية .
{ قالت الأعراب آمنا } نزلت في نفرٍ من بني أسدٍ قدموا المدينة في سنةٍ جدبةٍ بذراريَّهم ، وأظهروا كلمة الشَّهادة ، ولم يكونوا مؤمنين في السِّرِّ ، فقال الله تعالى : { قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } أَيْ : لم تُصدِّقوا الله ورسوله بقلوبكم ولكن أظهرتم الطَّاعة مخافة القتل والسَّبي { ولما يدخل الإِيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله } ظاهراً وباطناً { لا يلتكم } لا ينقصكم { من } ثواب { أعمالكم شيئاً . . . } الآية . ثمَّ بيَّن حقيقة الإيمان والمؤمن .
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)
{ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } . أَيْ : هؤلاء هم الذين صدقوا في إيمانهم ، لا مَنْ أسلم خوف السَّيف ، ورجاء المنفعة ، فلمَّا نزلت الآيتان جاءت الأعراب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحلفوا بالله أنَّهم مؤمنون ، وعلم الله غير ذلك منهم ، فأنزل الله تعالى : (1/925)
{ قل أتعلمون الله بدينكم . . . } الآية . أيْ : أَتُعَلِّمونه بما أنتم عليه وهو يعلم ذلك .
{ يمنون عليك أن أسلموا } وذلك أنَّهم كانوا يقولون لنبيِّ الله صلى الله عليه وسلم : أتيناك بالعيال والأثقال طوعاً ، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلانٍ فأعطنا ، فقال الله تعالى : { قل لا تمنوا عليَّ } وقوله : { إن كنتم صادقين } أنَّكم مؤمنون ، أَيْ : لله المنَّةُ إن صدقتم في إيمانكم لا لكم .
ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4)
{ ق } قُضي ما هو كائنٌ [ إلى يوم القيامة ] { والقرآن المجيد } [ الكبير القدر و ] الكثير الخير . (1/926)
{ بل عجبوا } يعني : كفَّار مكَّة { أن جاءهم منذر منهم } محمدٌ عليه السَّلام ، وهم يعرفون نسبه وأمانته { فقال الكافرون هذا شيء عجيب } يعني : هذا الإنذار الذي ينذرنا .
{ أإذا متنا وكنا تراباً } نُبعث؟ وهذا استفهامُ إنكارٍ ، وجوابه محذوفٌ ، ثمَّ انكروا ذلك أصلاً ، فقالوا : { ذلك } أَيْ : البعث { رجع بعيد } ردٌّ لا يكون . قال الله تعالى :
{ قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } ما تأكل من لحومهم { وعندنا كتاب حفيظ } أَي : ْ اللَّوح المحفوظ من أن يدرس ويتغيَّر ، وفيه جميع الأشياء المقدَّرة .
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)
{ بل كذَّبوا بالحق } أَيْ : بالقرآن { لما جاءهم فهم في أمرٍ مريج } مُلتبسٍ عليهم ، مرَّةً يقولون للنبيِّ صلى الله عليه وسلم : ساحرٌ ، ومرَّةً : شاعرٌ ومرَّةً : مُعلَّمٌ ، ثمَّ دلَّهم على قدرته فقال : (1/927)
{ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج } شقوق . وقوله :
{ من كلِّ زوج بهيج } أَيْ : من كلِّ لونٍ حسنٍ .
{ تبصرة } فعلنا ذلك تبصيراً وتذكيراً ودلالةً على قدرتنا { لكلِّ عبد منيب } يرجع إلى الله تعالى ، فيتفكَّر في قدرته . وقوله :
{ وحبَّ الحصيد } أَيْ : ما يُقتات من الحبوب .
{ والنخل باسقات } طوالاً { لها طلع نضيد } ثمرٌ متراكبٌ .
{ رزقاً للعباد } أَيْ : آتينا هذه الأشياء للرِّزق { وأحيينا به } بذلك الماء { بلدة ميتاً كذلك الخروج } من القبور .
وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25)
{ وقوم تبع } وهو ملكٌ كان باليمن أسلم ، ودعا قومه إلى الإِسلام فكذَّبوه وقوله : { فحقَّ وعيد } وجب عليهم العذاب . (1/928)
{ أفعيينا بالخلق الأول } أَيْ : أَعجزنا عنه حتى نعيى بالإعادة { بل هم في لبس } شكٍّ { من خلق جديد } أَيْ : البعث .
{ ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه } يحدثه قلبه { ونحن أقرب إليه } بالعلم { من حبل الوريد } وهو عرقٌ في العنق .
{ إذ يتلقى المتلقيان } أَيْ : المَلكان الحافظان يتلقَّيان ويأخذان ما يعمله الإنسان ، فيثبتانه . { عن اليمين وعن الشمال قعيد } قاعدان على جانبيه .
{ ما يلفظ } يتكلَّم { من قول إلاَّ لديه رقيب } حافظٌ { عتيد } حاضر .
{ وجاءت سكرة الموت } أَيْ : غمرته وشدَّته { بالحق } أَيْ : من أمر الآخرة حتى يراه الإنسان عياناً . { ذلك ما كنت منه تحيد } أَي : ْ تهرب وتروغ : يعني : الموت .
{ ونفخ في الصور } أَيْ : نفخة البعث . { وذلك يوم الوعيد } الذي يُوعد الله به الكفَّار .
{ وجاءت كلُّ نفس } إلى المحشر { معها سائق } من الملائكة يسوقها { وشهيد } شاهدٌ عليها بعملها ، وهو الأيدي والأرجل ، فيقول الله تعالى :
{ لقد كنت في غفلة هذا } اليوم { فكشفنا عنك غطاءك } فخلينا عنك سترك حتى عاينته { فبصرك اليوم حديد } فعلمك بما أنت فيه نافذٌ .
{ وقال قرينه } أَيْ : المَلك الموَّكل به : { هذا ما لديَّ عتيد } هذا الذي وكَّلتني به قد أحضرته ، فأحضرت ديوان أعماله ، فيقول الله للملَكين الموكَّلين بالإِنسان :
{ ألقيا في جهنم كلَّ كفار عنيد } عاصٍ مُعرضٍ عن الحقِّ .
{ مناع للخير } للزَّكاة المفروضة وكلِّ حقٍّ في ماله { معتد } ظالمٍ { مريب } شاكٍّ .
قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42)
{ قال قرينه } من الشَّياطين : { ربنا ما أطغيته } ما أضللته { ولكن كان في ضلال بعيد } أَيْ : إنَّما طغى هو بضلاله ، وإنَّما دعوته فاستجاب لي ، كما قال في الإخبار عن الشَّيطان : { إلاَّ أنْ دعوتُكم فاستجبتُمْ لي } فحينئذٍ يقول الله : (1/929)
{ لا تختصموا لدي وقد قدَّمت إليكم بالوعيد } حذَّرتكم العقوبة في الدُّنيا على لسان الرُّسل .
{ ما يبدل القول لدي } لا تبديل لقولي ولا خلف لوعدي { وما أنا بظلام للعبيد } فأعاقب بغير جرم .
{ يوم نقول لجهنم هل امتلأت } وهذا استفهامُ تحقيقٍ ، وذلك أنَّ الله عزَّ وجلَّ وعدها أن يملأها ، فلمَّا ملأها قال لها : { هل امتلأت وتقول هل من مزيد } أَيْ : هل بقي فيَّ موضعٌ لم يمتلىء ، أيْ : قد امتلأت .
{ وأزلفت الجنة } أُدنيت الجنَّة { للمتقين } حتى يروها { غير بعيد } منهم ، ويقال لهم :
{ هذا ما توعدون لكلِّ أوَّاب } رجَّاع إلى الله بالطًّاعة { حفيظ } حافظ لأمر الله .
{ من خشي الرحمن بالغيب } خاف الله ولم يره { وجاء بقلب منيب } مقبلٍ إلى طاعة الله . يقال لهم :
{ ادخلوها بسلام } بسلامةٍ من العذاب { ذلك يوم الخلود } لأهل الجنَّة فيها .
{ لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد } زيادةٌ ممَّا لم يخطر ببالهم . وقيل هو الرُّؤية .
{ وكم أهلكنا قبلهم } قبل أهل مكَّة { من قرنٍ } جماعةٍ من النَّاس { هم أشدُّ منهم بطشاً فَنَقَّبوا } طوَّفوا البلاد وفتَّشوا ، فلم يروا محيصاً من الموت .
{ إن في ذلك } الذي ذكرت { لذكرى } لعظةً وتذكيراً { لمن كان له قلب } أَيْ : عقلٌ { أو ألقى السمع } أَيْ : استمع القرآن { وهو شهيد } حاضر القلب . وقوله :
{ وما مسنا من لغوب } أَيْ : وما أصابنا تعبٌ وإعياءٌ ، وهذا ردٌّ على اليهود في قولهم : إنَّ الله تعالى استراح يوم السَّبت .
{ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك } صلِّ لله { قبل طلوع الشمس } أَيْ : صلاة الفجر { وقبل الغروب } صلاة الظهر والعصر .
{ ومن الليل فسبحه } أَيْ : صلاتي العشاء { وأدبار السجود } أَيْ : الرَّكعتين بعد المغرب .
{ واستمع } يا محمد { يوم ينادي المنادي } وهو إسرافيل عليه السَّلام يقول : أيَّتها العظام البالية ، واللُّحوم المُتمزِّقة ، إنَّ الله يأمركنَّ أن تجتمعن لفصل القضاء { من مكان قريب } من السِّماء ، وهو صخرة بيت المقدس أقرب موضعٍ من الأرض إلى السَّماء .
{ يوم يسمعون الصيحة بالحق } أَيْ : نفخة البعث { ذلك يوم الخروج } من القبور .
يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (44) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)
{ يوم تشقق الأرض عنهم } فيخرجون { سراعاً } . (1/930)
{ وما أنت عليهم بجبار } بمسلِّطٍ يجبرهم على الإسلام ، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال { فذكِّر } فعظ { بالقرآن مَنْ يخاف وعيد } .
وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8)
{ والذاريات ذرواً } أي : الرِّياح التي تذرو التُّراب . (1/931)
{ فالحاملات وقراً } وهي السَّحاب تحمل الماء .
{ فالجاريات يسراً } السُّفن تجري في البحر بيسرٍ { فالمقسمات أمراً } الملائكة تأتي بأمرٍ مختلفٍ من الخصب والجدب ، والمطر والموت ، والحوادث .
{ إن ما توعدون } من الخير والشَّرِّ ، والثَّواب والعقاب { لصادق } . أقسم الله بهذه الأشياء على صدق وعده .
{ وإنَّ الدين } الجزاء على الأعمال { لواقع } لكائنٌ .
{ والسماء ذات الحبك } الخَلْق الحسن .
{ إنكم } يا أهل مكَّة { لفي قول مختلف } في أمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم .
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17)
{ يؤفك عنه } يُصرف عن الإيمان به { مَنْ أفك } صُرف عن الخير . (1/932)
{ قتل الخراصون } لُعن الكذَّابون ، يعني : المُقتسمين .
{ الذين هم في غمرة } غفلةٍ { ساهون } لاهون .
{ يسألون أيان يوم الدين } متى يوم الجزاء؟ استهزاءً منهم . قال الله تعالى :
{ يوم هم على النار يفتنون } أي : يقع الجزاء يوم هم على النَّار يُفتنون يُحرَّقون ويُعذَّبون ، وتقول لهم الخزنة :
{ ذوقوا فتنتكم } عذابكم { هذا الذي كنتم به تستعجلون } في الدُّنيا .
{ إنَّ المتقين في جنات وعيون } .
{ آخذين ما آتاهم ربهم } من الثَّواب والكرامة { إنهم كانوا قبل ذلك } قبل دخولهم الجنَّة { محسنين } .
{ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون } كانوا ينامون قليلاً من اللَّيل .
وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26)
{ وفي أموالهم حق للسائل والمحروم } وهو الذي لا يسأل النَّاس ولا يكتسب . (1/933)
{ وفي الأرض آيات } دلالاتٌ على قدرة الله تعالى ووحدانيته { للموقنين } .
{ وفي أنفسكم } أيضاً آياتٌ من تركيب الخلق ، وعجائب ما في الآدمي من خلقه { أفلا تبصرون } ذلك .
{ وفي السماء رزقكم } أَي : الثَّلج والمطر الذي هو سبب الرِّزق والنَّبات من الأرض { وما توعدون } " ما " ابتداءٌ ، وخبره محذوفٌ على تقدير : وما توعدون من البعث والثَّواب والعقاب حقٌّ ، ودلَّ على هذا المحذوف قوله :
{ فوربِّ السماء والأرض إنَّه لحقٌّ مثل ما أنكم تنطقون } أَيْ : كما أنَّكم تتكلَّمون ، أي : إنَّه معلومٌ بالدَّليل كما إِنَّ كلامكم إذا تكلّمتم معلومٌ لكم ضرورةً أنَّكم تتكلَّمون ، و " مثلُ " رفع لأنَّه صفةٌ لقوله : " لحق " ، ومَنْ نصب أراد : إنَّه لحقّ حقاً مثلَ ما أنّكم تنطقون .
{ هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين } بأن خدمهم بنفسه .
{ إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً } سلَّموا سلاماً { قال سلامٌ } عليكم { قوم منكرون } أي : أنتم قوم لا نعرفكم .
{ فراغ } فعدل ومال { إلى أهله } .
فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَا آَيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37) وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)
{ فأوجس منهم خيفة } أَيْ : وقع في نفسه الخوف منهم ، وقوله : (1/934)
{ فأقبلت امرأته في صرَّة } أَيْ : أخذت تصيح بشدَّةٍ { فَصَكَّتْ } لطمت { وجهها وقالت } : أنا { عجوز عقيم } فكيف ألد؟
{ قالوا كذلك } كما اخبرناك { قال ربك } أي : نخبرك عن الله لا عن أنفسنا { إنَّه هو الحكيم العليم } يقدر أن يجعل العقيم ولوداً ، فلمَّا قالوا ذلك علم إبراهيم أنَّهم رسلٌ ، وأنَّهم ملائكة [ صلوات الله عليهم ] .
{ قال : فما خطبكم } أي : ما شأنكم وفيمَ أُرسلتم؟
{ قالوا إنا أُرسلنا إلى قومٍ مجرمين } يعنون قوم لوط .
{ لنرسل عليهم حجارة من طين } يعني : السِّجيل .
{ مسوَّمة عند ربك للمسرفين } مًعلَّمة على كلِّ حجرٍ منها اسم مَنْ يهلك به .
{ فأخرجنا مَنْ كان فيها } يعني : من قرى قوم لوطٍ { من المؤمنين } .
{ فلما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } يعني : بيت لوطٍ عليه السَّلام .
{ وتركنا فيها } بأهلاكهم { آية } علامة للخائفين تدلُّ على أنَّ الله أهلكهم .
{ وفي موسى } عطفٌ على قوله : " وفي الأرض " . { إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين } بحجَّةٍ واضحةٍ .
{ فتولى } فأعرض عن الإيمان { بركنه } مع جنوده وما كان يتقوَّى به . وقوله :
{ وهو مليم } أَيْ : أتى ما يُلام عليه .
{ وفي عاد } أيضاً آيةٌ { إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } وهي التي لا بركة فيها ، ولا تأتي بخيرٍ .
{ ما تذر من شيء أتت عليه إلاَّ جعلته كالرميم } كالنَّبت الذي قد تحطَّم .
وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (45) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46) وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)
{ وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين } إلى فناء آجالكم . (1/935)
{ فعتوا عن أمر ربهم } عصوه { فأخذتهم الصاعقة } العذاب المهلك .
{ فما استطاعوا من قيام } أي : أن يقوموا بعذاب الله { وما كانوا منتصرين } أي : لم ينصرهم أحدٌ علينا .
{ وقوم نوح } وأهلكنا قوم نوحٍ قبل هؤلاء .
{ والسماء بنيناها بأيدٍ } بقوَّةٍ { وإنا لموسعون } لقادرون . وقيل : جاعلون بين السَّماء والأرض سعةً .
{ والأرض فرشناها } مهَّدناها لكم { فنعم الماهدون } نحن .
{ ومن كل شيء خلقنا زوجين } صنفين كالذَّكر والأنثى ، والحلو والحامض ، والنُّور والظُّلمة { لعلكم تذكرون } فتعلموا أنَّ خالق الأزواج فردٌ .
{ ففروا } من عذاب الله إلى طاعته .
كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)
{ كذلك } كما أخبرناك { ما أتى الذين من قبلهم } من قبل أهل مكَّة { من رسول إلاَّ قالوا ساحرٌ أو مجنون } . (1/936)
{ أتواصوا به } أوصى بعضهم بعضاً بالتَّكذيب ، والألف للتَّوبيخ . { بل هم قوم طاغون } عاصون .
{ فتولًّ عنهم فما أنت بملوم } لأنَّك بلغت الرِّسالة .
{ وذكر } ذكِّرهم بأيَّام الله { فإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين } .
{ وما خلقت الجن والإِنس إلاَّ ليعبدون } أي : إلاَّ لآمرهم بعبادتي وأدعم إليها . وقيل : أراد المؤمنين منهم ، وكذا هو في قراءة ابن عباس : " وما خلقت الجن والإِنس من المؤمنين إلاَّ ليعبدون " . { ما أريد منهم من رزق } أن يرزقوا أنفسهم أو أحداً من عبادي { وما أريد أن يطعمون } لأنِّي أنا الرَّزَّاق والمُطعم . وقوله :
{ المتين } أي : المُبالغ في القُوَّة .
{ فإنَّ للذين ظلموا } أَيْ : أهل مكَّة { ذنوباً } نصيباً من العذاب { مثل ذنوب } نصيب { أصحابهم } الذين أُهلكوا { فلا يستعجلون } إنْ أخَّرتهم إلى يوم القيامة .
{ فويلٌ للذين كفروا من يومهم الذين يوعدون } من يوم القيامة .
وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5)
{ والطور } أقسم الله تعالى بالجبل الذي كلَّم عليه موسى ، وهو جبلٌ بمدين اسمه زبير . (1/937)
{ وكتاب مسطور } مكتوبٍ .
{ في رقّ } وهو الجلد الذي يكتب فيه { منشور } مبسوطٍ . أَيْ : دواوين الحفظة التي أثبتت فيها أعمال بني آدم .
{ والبيت المعمور } وهو بيتٌ في السَّماء بإزاء الكعبة تزوره الملائكة .
{ والسقف المرفوع } أي : السَّماء .
وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7)
{ والبحر المسجور } المملوء . (1/938)
{ إنَّ عذاب ربك لواقع } لنازلٌ كائنٌ .
يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9)
{ يوم تمور السماء موراً } تتحرَّك وتضطرب وتدور . يعني : يوم القيامة . (1/939)
الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15)
{ الذين هم في خوض } باطلٍ { يلعبون } أي : تشاغلهم بكفرهم . (1/940)
{ يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً } يُدفعون إليها دفعاً عنيفاً ، ويقال لهم :
{ هذه النار التي كنتم بها تكذبون } .
{ أفسحر هذا } الذي ترون { أم أنتم لا تبصرون } ؟ وهذا توبيخٌ لهم ، والمعنى : أتصدِّقون الآن عذاب الله .
فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18)
{ فاكهين بما آتاهم ربهم } أَيْ : مُعجبين به . (1/941)
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (22) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27)
{ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم } يريد : إنَّه يلحق الأولاد بدرجة الآباء في الجنَّة إذا كانوا على مراتب ، وكذلك الآباء بدرجة الأبناء لتقرَّ بذلك أعينهم ، فيلحق بعضهم بعضاً إذا اجتمعوا في الإيمان ، من غير أن ينقص من أجر مَنْ هو أحسن عملاً شيئاً بزيادته في درجة الأنقص عملاً ، وهو قوله : { وما ألتناهم } أَيْ : وما نقصناهم { من عملهم من شيء كلُّ امرىء بما كسب } بما عمل من خيرٍ أو شرٍّ { رهين } مرهونٌ يُؤخذ به . (1/942)
{ وأمددناهم بفاكهة ولحم } أَيْ : زدناهم .
{ يتنازعون } يتناولون ويأخذ بعضهم من بعض { فيها كأساً لا لغوٌ فيها ولا تأثيم } لا يجري بينهم فيها باطلٌ ولا إثمٌ كما يجري بين شَرَبة الخمر في الدُّنيا .
{ ويطوف عليهم } بالخدمة { غلمان لهم كأنهم } في بياضهم وصفائهم { لؤلؤ مكنون } مخزونٌ مصونٌ .
{ وأقبل بعضهم على بعض } في الجنَّة { يتساءلون } عن أحوالهم التي كانت في الدُّنيا .
{ قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين } خائفين من عذاب الله .
{ فمنَّ الله علينا } بالجنَّة { ووقانا عذاب السموم } عذاب سموم جهنم ، وهو نارها وحرارتها .
فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35)
{ فذكر } فذكِّرهم يا محمَّد الجنَّة والنَّار { فما أنت بنعمة ربك } برحمة ربّك وإكرامه إيَّاك بالنُّبوَّة { بكاهنٍ } تخبر بما في غدٍ من غير وحيٍ { ولا مجنون } كما تقولون . (1/943)
{ أم يقولون } بل أيقولون : هو { شاعرٌ نتربَّص به ريب المنون } ننتظر به الموت فيهلك .
{ قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } حتى يأتي أمر الله فيكم .
{ أم تأمرهم أحلامهم } عقولهم { بهذا } أَيْ : بترك قبول الحقِّ من صاحب المعجزة { أم هم قوم طاغون } أَيْ : أم يكفرون طغياناً بعد ظهور الحقِّ .
{ أم يقولون تقوَّله } أَي : القرآن من قبل نفسه ، ليس كما يقولون { بل لا يؤمنون استكباراً } .
{ فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } أنَّ محمداً يقوله من قبل نفسه .
{ أم خلقوا من غير شيء } أَيْ : لغير شيءٍ . يعني : أَخُلقوا عبثاً وسُدىً { أم هم الخالقون } أنفسهم .
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42)
{ أم عندهم خزائن ربك } ما في خزائن ربِّك من العلم بما يكون في غدٍ { أم هم المسيطرون } المُسلَّطون الجبَّارون . (1/944)
{ أم لهم سلَّم } مرقىً إلى السَّماء { يستمعون فيه } أنَّ الذي هم عليه حقٌّ { فليأت مستمعهم } إن ادَّعوا ذلك { بسلطانٍ مبين } بحجَّةٍ واضحةٍ ، ثمَّ سفَّه أحلامهم في جعلهم البنات لله ، فقال :
{ أم له البنات ولكم البنون } .
{ أم تسألهم أجراً } على ما جئتهم به { فهم من مغرم } غُرمٍ { مثقلون } مجهودون ، والمعنى : إنَّ الحجَّة واجبةٌ عليهم من كلِّ جهةٍ .
{ أم عندهم الغيب } علم ما يؤول إليه أمر محمد صلى الله عليه وسلم { فهم يكتبون } يحكمون بأنَّه يموت فتستريح منه .
{ أم يريدون كيداً } مكراً بك في دار النَّدوة { فالذين كفروا هم المكيدون } المجزيون بكيدهم؛ لأنَّ الله تعالى حفظ نبيَّه عليه السَلام من مكرهم ، وقُتلوا هم ببدر .
وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (44) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45)
{ وإن يروا كسفاً } قطعاً { من السماء ساقطاً يقولون } لعنادهم وفرط شقاوتهم : { سحاب مركوم } بعضه على بعض . وهذا جوابٌ لقولهم : { فأسقط علينا كسفاً من السماء } أخبر الله تعالى أنَّه لو فعل ذلك لم يؤمنوا . (1/945)
{ فذرهم حتى يلاقو يومهم الذي فيه يصعقون } يموتون ، ثمَّ أخبر أنَّه يعجِّل لهم العذاب في الدُّنيا .
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49)
{ وإنَّ للذين ظلموا } كفروا { عذاباً دون ذلك } قبل موتهم ، وهو الجوع والقحط سبع سنين ، ثمَّ أمره بالصَّبر فقال : (1/946)
{ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } بحيث نراك ونحفظك ونرعاك { وسبح بحمد ربك حين تقوم } من مجلسك قل : سبحانك اللهم وبحمدك .
{ ومن الليل } فسبحه ، أَيْ : صلِّ له صلاتي العشاء { وإدبار النجوم } أَيْ : ركعتي الفجر
وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8)
{ والنجم إذا هوى } أي : والثُّريا إذا سقطت . وقيل : القرآن إذا نزل مُتفرِّقاً نجوماً . (1/947)
{ ما ضلَّ صاحبكم } محمد عليه السَّلام { وما غوى } .
{ وما ينطق عن الهوى } ما الذي يتكلَّم به ممَّا قاله بهواه .
{ إن هو } ما هو { إلاَّ وحيٌ يوحى } إليه .
{ علمه شديد القوى } أَيْ : جبريل عليه السَّلام .
{ ذو مرَّة } قوَّةٍ شديدةٍ { فاستوى } جبريل عليه السَّلام في صورته التي خلقه الله عزَّ وجلَّ عليها .
{ وهو بالأفق الأعلى } وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يريه نفسه على صورته ، فواعده ذلك بحراء ، فطلع له جبريل عليه السَّلام من المشرق ، فسدَّ الأفق إلى المغرب .
{ ثم دنا فتدلى } هذا من المقلوب ، أَيْ : ثمَّ تدلى أَيْ : نزل من السَّماء ، فدنا من محمَّد عليه السَّلام .
فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17)
{ فكان } منه في القرب على قدر { قوسين أو أدنى } والمعنى : أنَّه بعد ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عظمه ، وهاله ذلك ردَّه الله تعالى إلى صورة آدميٍّ حتى قرب من النبيِّ صلى الله عليه وسلم للوحي ، وذلك قوله : (1/948)
{ فأوحى إلى عبده } محمد صلى الله عليه وسلم { ما أوحى } الله عزَّ وجلَّ إلى جبريل عليه السَّلام .
{ ما كذب الفؤاد ما رأى } أَيْ : لم يكذب قلب محمَّد عليه السَّلام فيما رأى ليلة المعراج ، وذلك أنَّ الله جعل بصره لفي فؤاده حتى رآه ، وحقَّق الله تعالى تلك الرُّؤية وقال : إنها كانت رؤية حقيقية ولم تكن كذباً .
{ أفتمارونه على ما يرى } أفتجادلونه في أنه رأى الله عزَّ وجلَّ .
{ ولقد رآه } ربَّه . وقيل : رأى جبريل على صورته التي خلق عليها { نزلة أخرة } مرَّة أخرى .
{ عند سدرة المنتهى } وهي شجرةٌ إليها ينتهي علم الخلق ، وما وراءها غيبٌ لا يعلمه إلاَّ الله عزَّ وجلَّ .
{ عندها جنة المأوى } وهي جنَّةٌ تصير إليها أرواح الشُّهداء .
{ إذ يغشى السدرة ما يغشى } قيل : يغشاها فراش من ذهب . وقيل : الملائكة أمثال الغربان .
{ ما زاغ البصر وما طغى } هذا وصفٌ أدبِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ، أَيْ : لم يمل بصره عمَّا قصد له ، ولا جاوز إلى ما أُمر به .
لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24)
{ لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أَيْ : ما رأى من الآيات العظام تلك اللَّيلة . (1/949)
{ أفرأيتم اللات والعُزَّى } .
{ ومناة الثالثة الأخرى } هذه أصنامٌ من حجارةٍ كانت في جوف الكعبة . والمعنى أخبرونا عن هذه الإناث التي تعبدونها ، وتزعمون أنَّها بنات الله ، أللَّهِ هي ، وأنتم تختارون الذُّكران ، وذلك قوله :
{ ألكم الذكر وله الأنثى } .
{ تلك إذاً قسمة ضيزى } جائرةٌ ناقصةٌ .
{ إن هي } ما هذه الأوثان { إلاَّ أسماء } لا حقيقة لها { سميتموهم أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها } بعبادتها { من سلطان } حجَّةٍ وبرهانٍ . { إن يتبعون } ما يتَّبعون في عبادتها وأنَّها شفعاء لهم { إلاَّ الظن وما تهوى الأنفس } يعني : إنَّ ذلك شيء ظنُّوه ، وأمرٌ سوَّلت لهم أنفسهم { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } البيان على لسان محمَّد صلى الله عليه وسلم .
{ أم للإِنسان ما تمنى } أَيظنُّون أنَّ لهم ما تمنَّوا من شفاعة الأصنام؟ ليس كما تمنَّوا . بل
فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى (25) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (27) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (30)
{ فللَّه الآخرة والأولى } فلا يجري في الدَّارين إلاَّ ما يريد . (1/950)
{ وكم من ملك في السموات } هو أكرم على الله من هذه الأصنام { لا تغني شفاعتهم } عن أحدٍ { شيئاً إلاَّ من بعد أن يأذن الله } لهم في ذلك { لمن يشاء ويرضى } كقوله : { ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى } { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى } يقولون : إنَّهم بنات الله .
{ وما لهم به من علم إن يتبعون إلاَّ الظن وإنَّ الظن لا يغني من الحق شيئاً } إنَّ ظنَّهم لا يدفع عنهم من العذاب شيئاً .
{ فأعرض } يا محمَّد { عن من تولَّى عن ذكرنا } أعرضَ عن القرآن { ولم يرد إلاَّ الحياة الدنيا } .
{ ذلك مبلغهم من العلم } يقول : ذلك نهاية علمهم أَنْ آثروا الدُّنيا على الآخرة .
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44)
{ إلاَّ اللمم } يعني : صغار الذُّنوب ، كالنَّظرة والقُبلة ، وقوله : { إذ أنشأكم من الأرض } يعني : خلق أباكم من التُّراب { وإذ أنتم أجنَّة } جمع جنين . { فلا تزكوا أنفسكم } لا تمدحوها { هو أعلم بمن اتقى } عمل حسنةً . (1/951)
{ أفرأيت الذي تولى } أعرض عن الإيمان ، يعني : الوليد بن المغيرة ، وكان قد اتَّبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيَّره بعض المشركين على ذلك فقال : إنّي أخشى عذاب الله ، فضمن له إن هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أنْ يتحمَّل عنه عذاب الله ، فرجع في الشِّرك وأعطى صاحبه الضَّامن من بعض ما كان ضمن له ، ومنعه الباقي ، وذلك قوله :
{ وأعطى قليلاً وأكدى } أَيْ : قطع ذلك ومنعه .
{ أعنده علم الغيب فهو يرى } ما غاب عنه من أمر الآخرة ، حتى علم أنَّ غيره يحمل عنه العذاب .
{ أم لم ينبأ بما في صحف موسى } أسفار التَّوراة .
{ و } صحف . { إبراهيم الذي وفَّى } أكمل ما أُمر به وأتمَّه ، ثمَّ بيَّن ذلك فقال :
{ ألا تزر وازرةٌ وزر أخرى } أَيْ : لا تؤخذ نفسٌ بمأثم غيرها .
{ وإن ليس للإِنسان إلاَّ ما سعى } عمل لآخرته .
{ وإنَّ سعيه } عمله { سوف يرى } في ميزانه من خيرٍ وشرٍّ .
{ ثم يجزاه } يجزى عليه { الجزاء الأوفى } الأتمَّ .
{ وأنَّ إلى ربك المنتهى } المصير والمرجع .
{ وأنه هو أضحك } مَنْ شاء من خلقه { وأبكى } مَنْ شاء منهم .
{ وأنه هو أمات } في الدُّنيا { وأحيا } للبعث .
مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50)
{ إذا تمنى } أَيْ : تصبُّ في الرَّحم . (1/952)
{ وأنَّ عليه النشأة الأخرى } الخلق الآخر بعد الموت .
{ وأنه هو أغنى } بالمال { وأقنى } أرضى بما أعطى . وقيل : أقنى : أعطى أصول الأموال وما يتَّخذ فيه قنيةً .
{ وأنَّه هو رب الشعرى } وهي كوكبٌ خلف الجوازاء كانت تُعبد في الجاهليَّة .
{ وأنه أهلك عاداً الأولى } قوم هود .
وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (56) أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)
{ والمؤتفكة } قرى قوم لوط { أهوى } أسقطها إلى الأرض بعد رفعها . (1/953)
{ فغشَّاها ما غشَّى } ألبسها العذاب والحجارة .
{ فبأي آلاء ربك تتمارى } بأيِّ نِعَم ربِّك التي تدلُّ على توحيده وقدرته تتشكَّكُ أيُّها الإنسان؟
{ هذا } محمَّدٌ { نذير من النذر الأولى } أَيْ : هو رسولٌ أُرسل إليكم كما أُرسل مَنْ قبله من الرُّسل .
{ أزفت الآزفة } قربت القيامة .
{ ليس لها من دون الله كاشفة } لا يكشف عنها إلاَّ الله تعالى ، كقوله : { لا يجلِّيها لوقتها إلا هو } { أفمن هذا الحديث } أي : القرآن { تعجبون } .
{ وتضحكون ولا تبكون } .
{ وأنتم سامدون } لاهون غافلون .
{ فاسجدوا لله واعبدوا } معناه : فاسجدوا لله واعبدوا الذي خلق السَّموات والأرض ، ولا تسجدوا للأصنام التي ذكرت في هذه السُّورة .
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11)
{ اقتربت الساعة } دنت القيامة { وانشقَّ القمر } انفلق بنصفين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنَّ أهل مكَّة سألوه آيةً ، فأراهم القمر فلقتين حتى رأوا حراءً بينهما ، فأخبر الله تعالى أنَّ ذلك من علامات قرب السَّاعة . (1/954)
{ وإن يروا } يعني : أهل مكَّة { آية } تدلُّ على صدق محمد صلى الله عليه وسلم { يعرضوا ويقولوا سحرٌ مستمر } ذاهب باطلٌ يذهب . وقيل : محكمٌ شديدٌ . وقوله :
{ وكلُّ أمر مستقر } أَيْ : يستقرُّ قرار تكذيبهم وقرار تصديق المؤمنين . يعني : عند ظهور الثَّواب والعقاب .
{ ولقد جاءهم } جاء أهل مكَّة { من الأنباء } أخبار إهلاك الأمم المُكذِّبة { ما فيه مزدجر } متناهى ومنتهى .
{ حكمة بالغة } أَيْ : ما أتاهم من أخبار مَنْ قبلهم حكمةٌ بالغةٌ تامَّةٌ ، ليس فيها نقصانٌ ، أي : القرآن ، وذلك أنَّ تلك الأخبار قُصَّت عليهم في القرآن { فما تغني النذر } جمع نذير ، أَيْ : فليست تغني عن التَّكذيب .
{ فتولَّ عنهم } ، وتمَّ الكلام ، ثمَّ قال : { يوم يدع الداعي إلى شيء نكر } مُنكرٍ ، وهو النَّار .
{ خشعاً } ذليلةً { أبصارهم يخرجون من الأجداث } القبور { كأنهم جراد منتشر } كقوله : { كالفراش المبثوث } { مهطعين } مُقبلين ناظرين { إلى الداعي } إلى مَنْ يدعوهم إلى المحشر { يقول الكافرون هذا يوم عسر } شديدٌ .
{ كذبت قبلهم } قبل أهل مكَّة { قوم نوح فكذَّبوا عبدنا } نوحاً { وقالوا : مجنون وازدجر } زُجر [ ونُهِرَ ] ونُهي عن دعوته ومقالته .
{ فدعا ربَّه أني مغلوب } مقهورٌ { فانتصر } فانتقم لي منهم .
{ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر } سائلٍ .
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17)
{ وفجرنا الأرض عيوناً } فتحناها بعيون الماء { فالتقى الماء } ماءُ السَّماء وماءُ الأرض { على أمر قد قدر } قُضي عليهم في أمِّ الكتاب . (1/955)
{ وحملناه } أَيْ : نوحاً { على ذات ألواح } وهي السَّفينة { ودسر } يعني : ما تُشدَّ به السَّفينة من المسامير والشُّرُط .
{ نجري بأعيننا } بمرأىً منا وحفظٍ { جزاءً لمن كان كفر } يعني : نوحاً ، أَيْ : فعلنا ذلك ثواباً له إذ كُفر به وكُذِّب .
{ ولقد تركناها آية } تركنا تلك القِصَّة آيةً : علامةً؛ ليُغتبر بها { فهل من مدَّكر } مُتَّعظٍ بها .
{ فكيف كان عذابي } استفهام معناه التَّقرير { ونذر } أي : إنذاري .
{ ولقد يسرنا القرآن للذكر } سهَّلناه للحفظ ، فليس يحفظ كتابٌ من كتب الله ظاهراً إلاَّ القرآن { فهل من مدكر } مُتَّعظ بمواعظه .
إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20)
{ إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً } شديدةً ذات صوتٍ { في يوم نحس } شؤمٍ { مستمر } دائم الشُّؤم . (1/956)
{ تنزع الناس } تقلعهم من مواضعهم { كأنهم أعجاز نخل } أصول نخلٍ { منقعر } مُنقطعٍ ساقطٍ ، شُبِّهوا وقد كبَّتهم الرِّيح على وجوههم بنخيل سقطت على الأرض .
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29)
{ كذبت ثمود بالنذر } جمع نذير . وقوله : (1/957)
{ إنا إذاً لفي ضلال } ذهابٍ عن الصَّواب { وسعر } جنون .
{ أألقي الذكر عليه من بيننا } أنكروا أن يكون مخصوصاً بالوحي من بينهم . { بل هو كذَّاب أشر } بَطِرٌ يريد أن يتعظَّم علينا . قال الله تعالى :
{ سيعلمون غداً } عند نزول العذاب بهم { من الكذاب الأشر } .
{ إنا مرسلو الناقة } مخرجوها من الهضبة كما سألوا { فتنة لهم } محنةً لهم لنختبرهم { فارتقبهم } انتظر ما هم صانعون { واصطبر } .
{ ونبئهم أنَّ الماء قسمة بينهم } بين ثمود والناقة غِبَّاً؛ لهم يومٌ ، ولها يومٌ { كلُّ شرب } نصيبٍ من الماء { محتضر } يحضره القوم يوماً ، والنَّاقة يوماً .
{ فنادوا صاحبهم } قُدَاراً عاقر الناقة { فتعاطى } تناول النَّاقة بالعقر فعقرها .
إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31)
{ كهشيم المحتظر } هو الرَّجل يجعل لغنمه حظيرةً بالشَّجر والشَّوك دون السِّباع ، مما سقط من ذلك فداسته الغنم فهو الهشيمُ . (1/958)
إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38)
{ إلاَّ آل لوط } أَي : أتباعه على دينه من أهله وأُمَّته . { نجيناهم } من العذاب { بسحر } من الأسحار ، كقوله : { فأسر بأهلك . . . } الآية . (1/959)
{ نعمة من عندنا } عليهم بالإنجاء { كذلك } كما جزينا لوطاً وآله { نجزي مَنْ شكر } آمن بالله وأطاعه .
{ ولقد أنذرهم } خوَّفهم لوط { بطشتنا } أخذنا إيَّاهم بالعقوبة { فتماروا بالنذر } كذَّبوا بإنكاره شكَّاً منهم .
{ ولقد راودوه عن ضيفه } سألوه أن يُخلِّي بينهم وبين القوم الذين أتوه في صورة الأضياف ، وكانوا ملائكةً { فطمسنا أعينهم } أعميناها ، وصيّرناها كسائر الوجه ، وقلنا لهم : { فذوقوا عذابي ونذر } .
{ ولقد صبحهم بكرةً } جاءهم صباحاً { عذابٌ مستقر } ثابتٌ؛ لأنَّه أفضى بهم إلى عذاب الآخرة .
وَلَقَدْ جَاءَ آَلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)
{ ولقد جاء آل فرعون النذر } الإنذار على لسان موسى وهارون عليهما السَّلام . (1/960)
{ كذبوا بآياتنا } التِّسع { كلها فأخذناهم } بالعذاب { أخذ عزيز } قويٍّ { مقتدر } قادرٍ لا يعجزه شيء . ثمَّ خاطب العرب فقال :
{ أكفاركم خيرٌ من أولئكم } الذين ذكرنا قصَّتهم { أم لكم براءة } من العذاب { في الزبر } الكتب تأمنون بها من العذاب .
{ أم يقولون } كفَّار مكَّة : { نحن جميع منتصر } جماعةٌ منصورون .
{ سيهزم الجمع } أَي : جمعهم { ويولون الدبر } ينهزمون فيرجعون على أدبارهم ، وكان هذا يوم بدرٍ .
{ بل الساعة موعدهم } للعذاب { والساعة أدهى وأمر } أشدُّ أمراً وأشدُّ مرارةً ممَّا يلحقهم في الدُّنيا .
{ إنَّ المجرمين في ضلال } في الدُّنيا { وسعر } نارٍ في الآخرة .
{ يوم يسبحون } يجرُّون { في النار على وجوههم } ويقال لهم : { ذوقوا مسَّ سقر } إصابة جهنَّم إيَاكم بالعذاب .
{ إن كلَّ شيء خلقناه بقدر } أَيْ : كلُّ ما خلقناه فمقدورٌ مكتوبٌ في اللَّوح المحفوظ ، وهذه الآيات نزلت في القدرية الذين يُكذِّبون بالقدر .
{ وما أمرنا } لشيءٍ إذا أردنا تكوينه { إلاَّ واحدة } كلمةٌ واحدةٌ ، وهي " كن " { كلمح بالبصر } في السُّرعة كخطفة البصر .
{ ولقد أهلكنا أشياعكم } أشباهكم في الكفر من الأمم الماضية .
{ وكل شيء فعلوه في الزبر } في كتب الحفظة .
{ وكلُّ صغير وكبير } من أعمالهم { مستطر } مكتوبٌ .
{ إنَّ المتقين في جنات ونهر } ضياءٍ وسعةٍ . وقيل : أراد أنهاراً ، فوحَّد لوفاق الفواصل .
{ في مقعد صدق } في مجلس حقٍّ لا لغوٌ فيه ولا تأثيمٌ { عند مليك مقتدر } وهو الله تعالى . و " عند " إشارةٌ إلى الرُّتبة والقربة من فضل الله ورحمته .
الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5)
{ الرحمن } . (1/961)
{ علم القرآن } علَّم نبيَّه عليه السَّلام القرآن ، ليس كما يقول المشركون : { إنَّما يُعلِّمه بَشرٌ } وقيل : معناه : يسَّر القرآن لأَنْ يُذكر ، فعلَّمه هذه الأُمَّة حتى حفظوه .
{ خلق الإنسان } يعني : النبيَّ صلى الله عليه وسلم .
{ علَّمه البيان } القرآن الذي فيه بيان كلِّ شيءٍ . وقيل : { خلق الإنسان } يعني ابن آدم ، فعلَّمه النُّطق ، وفضَّله به على سائر الحيوان .
{ الشمس والقمر } يجريان { بحسبان } بحسابٍ لا يجاوزانه .
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17)
{ والنجم } كلُّ نبتٍ لا يقوم على ساق ، ولا يبقى على الشَّتاء . { والشجر يسجدان } يخضعان لله تعالى بما يريد منهما . (1/962)
{ والسماء رفعها } فوق الأرض { ووضع الميزان } العدل والإنصاف .
{ أن لا } لئلا { تطغوا } تجاوزوا القدر { في الميزان } .
{ وأقيموا الوزن بالقسط } بالعدل { ولا تخسروا الميزان } لا تنقصوا الوزن .
{ والأرض وضعها للأنام } للجنِّ والإنس .
{ فيها فاكهة } أنواع الفواكه { والنخل ذات الأكمام } أوعية الثَّمر .
{ والحب ذو العصف } أَيْ : ورق الزَّرع . وقيل : هو التِّبن { والريحان } الرِّزق ، ثمَّ خاطب الجن والإنس فقال :
{ فبأي آلاء } نِعمَ { ربكما } من هذه الأشياء التي ذكرها { تكذبان } لأنَّها كلَّها مُنعَمٌ بها عليكُم في دلالتها إيَّاكم على وحدانيَّة الله سبحانه ، ثمَّ كرر في هذه السُّورة هذه الآية توكيداً وتذكيراً لنعمه .
{ خلق الإنسان } آدم { من صلصال } طينٍ يابسٍ يُسمع له صلصلةٌ { كالفخار } وهو ما طبخ من الطِّين .
{ وخلق الجان } أَيْ : أبا الجن { من مارج } من لهب النَّار الخالص .
{ رب المشرقين ورب المغربين } مشرق الصَّيف ومشرق الشَّتاء ، وكذلك المغربان .
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (24) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32)
{ مرج البحرين } خلط البحر العذب والبحر المالح { يلتقيان } يجتمعان ، وذلك أنَّ البحر المالح فيه عيون ماءٍ عذبٍ . (1/963)
{ بينهما برزخ } حاجزٌ من قدرة الله { لا يبغيان } لا يختلطان ولا يُجاوزان ما قدَّر الله لهما ، فلا الملح يختلط بالعذب ، ولا العذب يختلط بالملح .
{ يخرج منهما } أراد : من أحدهما ، وهو الملح { اللؤلؤ } وهو الحبُّ الذي يخرج من البحر { والمرجان } صغار اللؤلؤ .
{ وله الجوار } السُّفن { المنشئات } المرفوعات . { كالأعلام } كالجبال في العظم .
{ كلُّ مَنْ عليها } على الأرض من حيوانٍ { فانٍ } هالكٌ .
{ ويبقى وجه ربك } وهو السَّيِّد { ذو الجلال } العظمة { والإِكرام } لأنبيائه وأوليائه .
{ يسأله من في السموات والأرض } من مَلَكٍ وإنس وجنِّ الرِّزقَ والمغفرة وما يحتاجون إليه { كلَّ يوم هو في شأن } من إظهار أفعاله ، وإحداث ما يريد من إحياءٍ وإماتةٍ ، وخفضٍ ورفعٍ ، وقبضٍ وبسطٍ .
{ سنفرغ لكم } سنقصد لحسابكم بعد الإمهال { أيها الثقلان } يعني : الجنَّ والإنس .
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43)
{ يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا } تخرجوا { من أقطار السموات والأرض } نواحيها هاربين من الموت { فانفذوا } فاخرجوا { لا تنفذون إلاَّ بسلطان } أَيْ : حيث ما كنتم شاهدتم حجَّة الله وسلطاناً يدلُّ على أنَّه واحد . (1/964)
{ يرسل عليكما شواطٌ من نار } وهو اللَّهب الذي لا دخان له { ونحاس } وهو الدخان [ الذي لا لهب له ] أَيْ : يُرسل هذا مرَّةً وهذا مرَّةً ، وهو في يوم القيامة يُحاط على الخلق بلسانٍ من نارٍ { فلا تنتصران } أَيْ : تمتنعان .
{ فإذا انشقت السماء } انفرجت أبواباً لنزول الملائكة { فكانت وردة } في اختلاف ألوانها كالدُّهن واختلاف ألوانه .
{ فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه } سؤالَ استفهامٍ ، ولكن يُسألون سؤالَ تقريعٍ وتوبيخٍ .
{ يعرف المجرمون بسيماهم } بعلامتهم ، وهي سواد الوجوه ، وزرقة العيون { فيؤخذ بالنواصي والأقدام } تضمُّ نواصيهم إلى أقدامهم ، ويُلقون في النَّار ، والنَّواصي : جمع النَّاصية ، وهو شعر الجبهة ، ثم يقال لهم :
{ هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون } .
يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ (44) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45) وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)
{ يطوفون بينها وبين حميم آن } وهو الذي قد انتهى في الحرارة ، والمعنى أنَّهم إذا استغاثوا من النَّار جُعل غياثهم الحميم الآني ، فيُطاف بهم مرَّةً إلى الحميم ، ومرَّةً إلى النَّار . (1/965)
{ ولمن خاف مقام ربه } قيامه بين يدي الله تعالى للحساب ، فترك المعصية . { جنتان } .
{ ذواتا أفنان } أغصانٍ .
{ فيهما عينان تجريان } إحدهما بالماء الزُّلال ، والأخرى بالخمر .
{ فيهما من كلِّ فاكهة زوجان } نوعان كلاهما حلو .
{ متكئين على فرش } جمع فراش { بطائنها } ما بطن منها ، وهو ضدُّ الظَّاهر { من إستبرق } وهو ما غلظ من الدِّيباج { وجنى الجنتين } ثمرهما { دان } قريبٌ يناله القاعد والقائم .
{ فيهن قاصرات الطرف } حابسات الأعين إلاَّ على أزواجهنَّ ، ولا ينظرن إلى غيرهم { لم يَطْمِثْهُنَّ } لم يُجامعهنَّ { إنس قبلهم } قبل أزواجهن { ولا جانٌ } .
{ كأنهنَّ الياقوت } في الصَّفاء { والمرجان } في البياض .
{ هل جزاء الإِحسان إلاَّ الإِحسان } ما جزاء مَنْ أحسن في الدُّنيا بطاعة الله تعالى إلاَّ الإِحسان إليه في الآخر بالجنَّة ونعيمها .
فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64)
{ ومن دونهما } وسوى الجنتين الأُولَيَيْنِ { جنتان } أُخريان . (1/966)
{ مدهامتان } سوداوان لشدَّة الخضرة .
فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72)
{ فيهن خيرات } نساء فاضلات الأخلاق { حسان } الوجوه . (1/967)
{ حور } سود الأحداق { مقصورات } محبوساتٌ { في الخيام } من الدُّرِّ المُجوَّفة .
مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)
{ متكئين على رفرف } وهو ما فضل من الفرش والبسط . وقيل : الوسائد . { وعبقري } أَيْ : الزَّرابي والطَّنافس { حسان } ثمَّ ختم السورة بما ينبغي أن يُمجَّد به ويُعظَّم ، فقال : (1/968)
{ تبارك اسم ربك ذي الجلال والإِكرام } .
إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11)
{ إذا وقعت الواقعة } جاءت القيامة . (1/969)
{ ليس لوقعتها } لمجيئها { كذبٌ } .
{ خافضة رافعة } تخفض قوماً إلى النَّار ، وترفع آخرين إلى الجنَّة .
{ إذا رجَّت الأرض رجّاً } حُرَّكت الأرض حركةً شديدةً .
{ وبست الجبال بساً } فتَّت فتَّاً .
{ فكانت هباء منبثاً } غُباراً متقرِّقاً .
{ وكنتم } في ذلك اليوم { أزواجاً } أَصنافاً { ثلاثة } ثمَّ بيَّن الأصناف ، فقال :
{ فأصحاب الميمنة } وهم الذين يُؤتون كتبهم بأيمانهم . وقيل : الذين كانوا على يمين آدم عليه السَّلام حين أخرج الذُّريَّة من ظهره { من أصحاب الميمنة } أَيُّ شيءٍ هم؟ على التَّعظيم لشأنهم .
{ وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة } أَيْ : الشِّمال . تفسيرها على ضدِّ تفسير التي قبلها .
{ والسابقون } إلى الإِيمان ، من كلِّ أمَّةٍ { السابقون } إلى رحمة الله وجنَّته .
{ أولئك المقربون } إلى كرامة الله .
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15)
{ ثلة من الأولين } جماعةٌ من الأمم الماضية . (1/970)
{ وقليل من الآخرين } من هذه الأُمّة . يريد : من سابقي الأمم وسابقي هذه الأُمَّة .
{ على سرر موضونة } منسوجةٍ بقضبان الذَّهب والجواهر .
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20)
{ ولدان مخلدون } غلمانٌ لا يموتون ولا يهرمون . (1/971)
{ بأكواب } بأقداحٍ لا عُرى لها { وأباريق } التي لها عُرى وخراطيم { وكأس } إناءٍ { من معين } من خمرٍ جاريةٍ .
{ لا يصدعون عنها } لا ينالهم الصُّداع عن شربها { ولا ينزفون } ولا يسكرون .
{ وفاكهة مما يتخيرون } يختارون .
وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23)
{ وحور } جوارٍٍ وغلمانٌ شديدات سواد الأعين وبياضها { عين } ضخام العيون . (1/972)
{ كأمثال } كأشباه { اللؤلؤ المكنون } في صفاء اللَّون ، والمكنون : المستور في كِنِّه ، وهو الصَّدَف .
لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34)
{ لا يسمعون فيها } في الجنَّات { لغواً } كاملاً فاحشاً { ولا تأثيماً } ولا ما يوقع في الإِثم . (1/973)
{ إلاَّ قيلاً } قولاً { سلاماً سلاماً } ما يسلمون فيه اللَّغو والإٍثم ، ثمَّ ذكر منازل أصحاب الميمنة ، فقال :
{ في سدر } وهو نوعٌ من الشَّجر { مخضود } مقطوعِ الشَّوك ، لا كسدر الدُّنيا .
{ وطلح } وهو شجر الموز { منضود } نُضِدَ بالحمل من أوَّله إلى آخره ، فليست له سوقٌ بارزةٌ .
{ وظل ممدود } دائمٍ ثابت .
{ وماء مسكوب } جارٍ غير منقطع .
{ وفاكهة كثيرة } .
{ لا مقطوعة } بالأزمان { ولا ممنوعة } بالأثمان .
{ وفرش مرفوعة } على السُّرر .
إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (40) وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50)
{ إنا أنشأناهن } خلقناهنَّ ، أَيْ : الحور العين { إنشاء } خلقاً من غير ولادةٍ . (1/974)
{ فجعلناهنَّ أبكاراً } عذارى .
{ عُرباً } مُتحبِّبات إلى الأزواج ، عواشق لهم { أتراباً } مُستوياتٍ في السنِّ .
{ لأصحاب اليمين } .
{ ثلة من الأولين } من الأمم الماضية .
{ وثلة من الآخرين } من هذه الأُمَّة . يعني : إنَّ أصحاب الجنَّة نصفان : نصفٌ من الأمم الماضية ، ونصفٌ من هذه الأمَّة ، ثمَّ ذكر منازل أصحاب الشِّمال ، فقال :
{ في سموم } ريحٍ حارَّةٍ { وحميم } .
{ وظلٍّ من يحموم } دخانٍ شديد السَّواد { لا بارد } المنزل { ولا كريم } المنظر .
{ إنهم كانوا قبل ذلك } في الدُّنيا { مترفين } مُنعَّمين لا يتعبون في طاعة الله .
{ وكانوا يصرون على الحنث العظيم } يُقيمون على الذَّنب العظيم ، وهو الشِّرك ، وكانوا يُنكرون البعث . { وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أَإِنّا لمبعوثون } . فقال الله تعالى :
{ قل إنَّ الأولين والآخرين } . { لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } وهو يوم القيامة ومعنى { إلى ميقات } لميقات يوم .
فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65)
{ شرب الهيم } أَيْ : الإِبل العطاش . (1/975)
{ هذا نزلهم } ما أعدَّ لهم من الرِّزق { يوم الدين } المجازاة .
{ نحن خلقناكم } ابتداءً { فلولا } فهلاَّ { تصدّقون } بالخلق الثَّاني ، وهو البعث .
{ أفرأيتم ما تمنون } تصبُّون في الأرحام من المنيّ .
{ أأنتم تخلقونه } بشراً { أم نحن الخالقون } .
{ نحن قدَّرنا } قضينا { بينكم الموت وما نحن بمسبوقين } .
{ على أن نبدِّل أمثالكم } أَيْ : إن أردنا أن نخلق خلقاً غيركم لم نُسبق ، ولا فاتنا ذلك { وننشئكم } نخلقكم { فيما لا تعلمون } من الصُّور ، أَيْ : نجعلكم قردةً وخنازير ، والمعنى : لسنا عاجزين عن خلق أمثالكم بدلاً منكم ، ومسخكم من صوركم إلى غيرها .
{ ولقد علمتم النشأة الأولى } الخلقة الأولى ، أَيْ : أقررتم بأنَّ الله خلقكم في بطون أُمَّهاتكم { فلولا تذكرون } أنِّي قادرٌ على إعادتكم .
{ أفرأيتم ما تحرثون } تقلبون من الأرض وتلقون فيه من البذر .
{ أأنتم تزرعونه } تنبتونه { أم نحن الزارعون } .
{ لو نشاء لجعلناه حطاماً } تبناً يابساً لا حَبَّ فيه { فظلتم تفكهون } تعجبون وتندمون ممَّا نزل بكم ، وممَّا علمتم من الحرث ، وتقولون :
إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67)
{ إنا لمغرمون } صار ما أنفقنا على الحرث غُرْماً علينا . (1/976)
{ بل نحن محرومون } ممنوعون مُنعنا رزقنا .
لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)
{ أجاجاً } أَيْ : مِلحاً لا يمكن شربه . (1/977)
{ أفرأيتم النار التي تورون } تقدحون .
{ أأنتم أنشأتم } خلقتم { شجرتها } التي تخرج منها .
{ نحن جعلناها تذكرة } يتذكَّر بها نار جهنَّم { ومتاعاً } ومنفعةً { للمقوين } للمسافرين .
{ فسبح باسم ربك العظيم } أَيْ : نَزِّه الله ممَّا يقول المشركون .
{ فلا أقسم } " لا " زائدة { بمواقع النجوم } مساقطها ومغاربها . وقيل : أراد نجوم القرآن .
إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78)
{ إنه لقرآن كريم } حسنٌ عزيزٌ . (1/978)
{ في كتاب مكنون } مصونٍ عند الله .
لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89)
{ لا يمسه } باليد ، أَيْ : المصحف { إلاَّ المطهرون } من الجنابات والأحداث . (1/979)
{ تنزيل من رب العالمين } .
{ أفبهذا الحديث } أَيْ : القرآن { أنتم مدهنون } مُكِّذبون .
{ وتجعلون رزقكم } شكر زرقكم ، فحذف الشُّكر { أنكم تكذبون } بسقيا الله إذا مُطرتم ، وتقولون : مطرنا بنوء كذا .
{ فلولا } فهلاَّ { إذا بلغت } الرُّوح { الحلقوم } .
{ وأنتم } يا أصحاب الميت { حينئذٍ تنظرون } إليه وهو في النَّزع .
{ ونحن أقرب إليه منكم } بالعلم والقدرة { ولكن لا تبصرون } لا تعلمون ذلك .
{ فلولا إن كنتم غير مَدِينين } مملوكين ومجزيين .
{ ترجعونها } أَيْ : تردُّون الرُّوح إلى الميِّت { إن كنتم صادقين } أنَّكم غير مملوكين وغير مُدْبِرين . وقوله : { ترجعونها } جوابٌ واحدٌ لشيئين ، وقوله : { فلولا إذا بلغت الحلقوم } وقوله : { فلولا إن كنتم } ثمَّ ذكر مآل الخلق بعد الموت فقال :
{ فأمَّا إن كان المقربين } . { فروح } فلهم روحٌ ، أَيْ : استراحةٌ وبردٌ { وريحان } ورزقٌ حسنٌ .
{ وأمَّا إن كان من أصحاب اليمين } . { فسلام لك من أصحاب اليمين } أَيْ : إنَّك ترى فيهم ما تحبُّ من السَّلامة وقد علمت ما أعدَّ لهم من الجزاء ، لأنَّه قد بُيِّن لك في قوله : { في سدر مخضود . . . } الآيات .
وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)
{ وإمَّا إن كان من المكذبين الضالين } وهم أصحاب المشأمة . (1/980)
{ فنزل من حميم } فلهم نزلٌ أعدَّ لهم من شراب جهنَّم .
{ وتصلية جحيم } إدخال النَّار .
{ إنَّ هذا } الذي ذكرت { لهو حق اليقين } .
{ فسبح باسم ربك العظيم } أَيْ : نزِّه الله من السُّوء .
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)
{ سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم } ذُكر تفسيرها في قوله : { وإنْ مِنْ شيءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بحمده . } (1/981)
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)
{ هو الأوَّل } قبل كلِّ شيءٍ ، فكلُّ شيءٍ دونه { والباطن } العالم بكلِّ شيءٍ . (1/982)
{ يعلم ما يلج في الأرض } ما يدخل فيها من مطرٍِ وغيره { وما يخرج منها } من نباتٍ وشجرٍ { وما ينزل من السماء } من رزقٍ ومطرٍ ، ومَلكٍ وأمرٍ { وما يعرج فيها } يصعد إليها من عملٍ { وهو معكم } بالعلم والقدرة { أينما كنتم } .
آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8)
{ آمنوا بالله ورسوله } صدِّقوا بأنَّ الله تعالى واحدٌ ، وأنَّ محمداً رسول الله { وأنفقوا } من المال الذي { جعلكم مستخلفين فيه } أَيْ : كان لغيركم فملكتموه . وقوله : (1/983)
{ وقد أخذ ميثاقكم } أَيْ : حين أخرجكم من ظهر آدم عليه السَّلام بأنَّ الله ربُّكم لا إله لكم سواه { إن كنتم مؤمنين } أي : إِن كنتم على أن تؤمنوا يوماً من الأيام .
وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15)
{ وما لكم أنْ لا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض } أَيْ : أَيُّ شيءٍ لكم في ترك الإِنفاق في طاعة الله وأنتم ميِّتون تاركون أموالكم ، ثمَّ بيَّن فضل السَّابقين في الإنفاق والجهاد ، فقال : { لا يستوي منكم مَنْ أنفق من قبل الفتح } يعني : فتح مكَّة { وقاتل } جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أعداء الله . { أولئك أعظم درجة } [ يعني : عند الله ] { من الذين أنفقوا من بعد } الفتح { وقاتلوا وكلاً } من الفريقين { وعد الله الحسنى } الجنَّة . (1/984)
{ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً } ذُكر تفسيره في سورة البقرة .
{ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات } وهو يوم القيامة { يسعى نورهم } على الصِّراط { بين أيديهم وبأيمانهم } وتقول لهم الملائكة : { بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم } .
{ يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظروا نقتبس من نوركم } انتظرونا وقفوا لنا نستضىء بنوركم { قيل } لهم { ارجعوا وراءكم } من حيث جئتم { فالتمسوا نوراً } فلا نور لكم عندنا { فضرب بينهم } بين المؤمنين والمنافقين . { بسور } وهو حاجزٌ بين الجنَّة والنَّار . قيل : هو سور الأعراف { له باب } في ذلك السُّور بابٌ { باطنه فيه الرحمة } لأنَّ ذلك الباب يُفضي إلى الجنَّة { وظاهره من قبله } أَيْ : من قبل ذلك الظَّاهر { العذاب } وهو النَّار .
{ ينادونهم } ينادي المنافقون المؤمنين : { ألم نكن معكم } في الدُّنيا نناكحكم ونوارثكم { قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم } آثمتموها بالنِّفاق { وتربصتم } بمحمدَّ عليه السَّلام الموت { وارتبتم } شككتم في الإيمان { وغرَّتكم الأمانيّ } ما كنتم تمنَّون من نزول الدَّوابر بالمؤمنين { حتى جاء أمر لله } الموت { وغرَّكم بالله } أَيْ : بحلمه وإمهاله { الغرور } الشَّيطان .
{ فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } بدلٌ { ولا من الذين كفروا } وهم المشركون { مأواكم النار } منزلكم النَّار { هي مولاكم } أولى بكم { وبئس المصير } هي .
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19) اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24) لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)
{ ألم يأن للذين آمنوا } ألم يحن { أن تخشع قلوبهم } ترقَّ وتلين { لذكر الله وما نزل من الحق } وهو القرآن ، وهذا حثٌّ من الله تعالى لقومٍ من المؤمنين على الرِّقة والخشوع { ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل } أي : اليهود والنَّصارى { فطال عليهم الأمد } الزَّمان بينهم وبين أنبيائهم { فقست قلوبهم } لم تَلِنْ لذكر الله ، ونسوا ما عهد الله سبحانه إليهم في كتابهم { وكثير منهم فاسقون } وهم الذين تركوا الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم . (1/985)
{ اعلموا أنَّ الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات } أَيْ : إنَّ إحياء الأرض بعد موتها دليلٌ على توحيد الله تعالى وقدرته .
{ إنَّ المصدِّقين والمصدقات } الذين يتصدَّقون وينفقون في سبيل الله { وأقرضوا الله قرضاً حسناً } بالنَّفقة في سبيله { يضاعف لهم } ما عملوا { ولهم أجرٌ كريم } وهو الجنَّة .
{ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون } المُبالغون في الصِّدق { والشهداء عند ربهم } أَي : الأنبياء عليهم السَّلام { لهم أجرهم ونورهم } في ظلمة القبر . وقيل : هم جميع المؤمنين .
{ اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو } في انقضائها وقلَّة حاصلها { وزينة } يتزيَّنون بها { وتفاخرٌ بينكم } يفخر بها بعضكم على بعض { وتكاثر في الأموال والأولاد } مباهاةٌ بكثرتها ، ثمَّ ضرب لها مثلاً فقال : { كمثل غيث } مطرٍ { أعجب الكفار } أي : الزُّراع { نباتُه } ما أنبته ذلك الغيث ، { ثم يهيج } ييبس { فتراه مصفراً } بعد يبسه { ثمَّ يكون حطاماً } هشيماً مُتفتِّتاًَ ، وكذلك الإِنسان يهرم ثمَّ يموت ويبلى { وفي الآخرة عذاب شديد } للكفَّار { ومغفرة من الله ورضوان } لأوليائه .
{ سابقوا إلى مغفرة من ربكم } ذُكر في سورة آل عمران عند قوله : { وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربِّكم . . . } الآية .
{ ما أصاب من مصيبة في الأرض } بالجدبِ { ولا في أنفسكم } بالمرض والموت والخسران { إلاَّ في كتاب } أي : اللَّوح المحفوظ { من قبل أن نبرأها } نخلق تلك المصيبة { إنَّ ذلك على الله يسير } أَيْ : خلقها في وقتها بعد أَنْ كتبها في اللَّوح المحفوظ .
{ لكيلا تأسوا على ما فاتكم } من الدُّنيا { ولا تفرحوا بما آتاكم } أعطاكم منها ، أَيْ : لكيلا تحزنوا حزناً يُطغيكم ، ولا تبطروا بالفرح بعد أَنْ علمتم أنَّ ما يصيبكم من خيرٍ وشرٍّ فمكتوب لا يخطئكم . { والله لا يحب كلَّ مختال } مُتكبِّرٍ بما أُوتي من الدُّنيا { فخور } به على النَّاس .
{ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } ذُكر في سورة النِّساء .
{ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات } بالدّلالات الواضحات { وأنزلنا معهم الكتاب والميزان } العدل { ليقوم الناس بالقسط } ليتعامل النَّاس بينهم بالعدل { وأنزلنا الحديد } وذلك أنَّ آدم عليه السَّلام نزل إلى الأرض بالعلاة والمطرقة وآلة الحدَّادين { فيه بأس شديد } قوَّةٌ وشدَّةٌ يُمتنع بها ويُحارب { ومنافع للناس } يستعملونه في أدواتهم { وليعلم الله } أَيْ : أرسلنا الرُّسل ومعهم هذه الأشياء ليتعامل النَّاس بالحقِّ ، وليرى الله مَنْ ينصر دينه { ورسله بالغيب } في الدُّنيا .