صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الوجيز في تفسير الكتاب العزيز |
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)
{ الله يتوفى الأنفس } يقبض الأرواح { حين } عند { موتها والتي لم تمت } أَيْ : ويقبض روح التي لم تمت { في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت } أَيْ : يمسك أنفس الأموات عنده ، { ويرسل الأخرى } أنفس الأحياء [ إذا أنتبهوا من منامهم يردُّ عليهم أرواحهم ] { إلى أجل مسمى } وهو أجل الموت . (1/817)
{ أم اتخذوا من دون الله شفعاء } أَيْ : الأوثان التي عبدوها لتشفع لهم . { قل أَوَلَوْ كانوا لا يملكون شيئاً } من الشَّفاعة { ولا يعقلون } أنَّهم يعبدونهم لا يتركون عبادتهم .
{ قل لله الشفاعة جميعاً } فليس يشفع أحدٌ إلاَّ بإذنه .
{ وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة } كان المشركون إذا سمعوا قول لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له نفروا من ذلك ، وإذا ذكر الأوثان فرحوا ، و { اشمأزَّت } : نفرت .
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47)
{ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } في الدُّنيا أنَّه نازلٌ بهم في الآخرة . (1/818)
فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (49) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50)
{ إنما أوتيته على علمٍ } أُعطيته على شرفٍ وفضلٍ ، وكنت علمتُ أنِّي سأُعطى هذا باستحقاقي { بل هي فتنة } أَيْ : تلك العطيَّة فتنةٌ من الله تعالى يبتلي به العبد ليشكر أو يكفر . (1/819)
{ قد قالها الذين من قبلهم } يعني : قارون حين قال : { إنَّما أُوتيته على علمٍ عندي . }
قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)
{ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } بارتكاب الكبائر والفواحش ، نزلت في قومٍ من أهل مكَّة همُّوا بالإسلام ، ثمَّ قالوا : إنَّ محمداً يقول : إنَّ مَنْ عبد الأوثان ، واتَّخذ مع الله آلهةً ، وقتل النَّفس لا يُغفر له ، وقد فعلنا كلَّ هذا ، فأعلم الله تعالى أنَّ مَنْ تاب وآمن غفر الله له كلَّ ذنب ، فقال : { لا تقنطوا من رحمة الله . . . } الآية . (1/820)
{ وأنيبوا إلى ربكم } أَيْ : ارجعوا إليه الطَّاعة { وأسلموا } وأطيعوا { له } .
{ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم } أَيْ : القرآن ، كقوله : { اللَّهُ نزَّل أَحسنَ الحَديثِ } وقوله :
{ أن تقول نفس يا حسرتى } أَيْ : افعلوا ما أمرتكم به من الإنابة واتِّباع القرآن خوفَ أن تصيروا إلى حالةٍ تقولون فيها هذا القول . وقوله : { على ما فرطت في جنب الله } أَيْ : قصَّرت في طاعة الله ، وسلوك طريقة { وإن كنت لمن الساخرين } أَيْ : ما كنت إلاَّ من المستهزئين بدين الله تعالى وكتابه .
وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61)
{ وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم } بمنجاتهم من العذاب ، والمفازة ها هنا بمعنى الفوز . (1/821)
لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64)
{ له مقاليد السموات والأرض } أَيْ : مفاتيح خزائنها ، فكلُّ شيء في السموات والأرض؛ واللَّهُ فاتحُ بابه . (1/822)
{ قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } هذا جواب الذين دعوه إلى دين آبائه .
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69)
{ والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة } أَيْ : ملكه من غير منازعٍ ، كما يقال : هو في قبضة فلان : إذا ملك التَّصرُّف فيه وإن لم يقبض عليه بيده ، { والسموات مطويات } كقوله : { يوم نطوي السَّماء } { بيمينه } أَيْ : بقوَّته . وقيل : بقسمه؛ لأنَّه حلف أنَّه يطويها . (1/823)
{ ونفخ في الصور فصعق } أَيْ : مات { مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض إلاَّ من شاء الله } قيل : هم الشُّهداء ، وهم أحياءٌ عند ربِّهم . وقيل : جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وحملة العرش عليهم السَّلام . { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } ينتظرون أمر الله فيهم .
{ وأشرقت الأرض } أُلبست الإِشراق عَرَصَاتُ القيامة { بنور ربها } وهو نورٌ يخلقه الله في القيامة يلبسه وجه الأرض { ووضع الكتاب } أَيْ : الكتب التي فيها أعمال بني آدم { وجيء بالنبيين والشهداء } الذين يشهدون للرُّسل بالتَّبليغ .
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71)
{ وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً } جماعاتٍ وأفواجاً . (1/824)
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)
{ طبتم } أَيْ : كنتم طيِّبين في الدُّنيا . وقوله : (1/825)
{ وأورثنا الأرض } أَيْ : أرض الجنَّةَ { نتبوَّأ من الجنة } نتَّخذ منها منازل { حيث نشاء فنعم أجر العاملين } ثواب المطيعين .
{ وترى الملائكة حافين من حول العرش } محيطين به { وقضي بينهم } أيْ : حُكم بين أهل الجنَّة والنَّار . { وقيل الحمد لله رب العالمين } .
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (4) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)
{ حم } قُضي ما هو كائن . (1/826)
{ تنزيل الكتاب } ابتداءٌ ، وخبره : { من الله العزيز العليم } .
{ غافر الذنب } لمن قال لا إله إلاَّ الله { وقابل التوب } ممن قال : لا إله إلاَّ الله { شديد العقاب } لمَنْ لم يقل لا إله إلاَّ الله . { ذي الطول } الغنى والسَّعة .
{ ما يجادل في آيات الله } أَيْ : في دفعها وإبطالها . { فلا يغررك تقلبهم } تصرُّفهم { في البلاد } للتِّجارت ، أَيْ : سلامتهم بعد كفرهم حتى إنَّهم يتصرَّفون حيث شاؤوا؛ فإنَّ عاقبتهم كعاقبة مَنْ قبلهم من الكفَّار ، وهو قوله :
{ كذبت قبلهم قوم نوحٍ والأحزاب من بعدهم } أي : الذين تحزَّبوا على انبيائهم بالمخالفة والعداوة كعادٍ وثمود { وهمَّت كلُّ أمة برسولهم ليأخذوه } أَيْ : قصدت كلُّ أمة رسولها ليتمكَّنوا منه فيقتلوه { وجادلوا } بباطلهم { ليدحضوا } ليدفعوا { به الحق فأخذتهم } فعاقبتهم { فكيف كان عقاب } استفهام تقرير .
{ وكذلك } ومثل ما ذكرنا { حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار } يعني : قوله : { لأملأنَّ جهنم منك وممن تبعك . . . } الآية . ثمَّ أخبر بفضل المؤمنين وأنَّ الملائكة يستغفرون لهم فقال :
{ الذين يحملون العرش ومَنْ حوله } من الملائكة ، وقوله : { ربنا وسعت كلَّ شيءٍ رحمةً وعلماً } أَيْ : وسعت رحمتك كلَّ شيء ، وعلمتَ كلَّ شيء .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16)
{ إن الذين كفروا ينادون } وهم في النَّار وقد مقتوا أنفسهم حين وقعوا في العذاب . { لمقت الله } إيَّاكم في الدُّنيا إذ تُدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبرُ من مقتكم أنفسكم . (1/827)
{ قالوا ربنا أمتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } وذلك أنَّهم كانوا أمواتاً نُطفاً ، فأُحيوا ثمَّ أُميتوا في الدُّنيا ، ثمَّ أُحيوا للبعث { فاعترفنا بذنوبنا } أي : أريتنا من الآيات ما أوجب علينا الإقرار بذنوبنا { فهل إلى خروج } من الدُّنيا { من سبيل } ؟ فقيل لهم :
{ ذلكم } العذاب { بأنَّه إذا دعي الله وحده كفرتم } [ نكرتم وحدانيته ] { وإن يشرك به تؤمنوا } تُصدِّقوا ذلك الشِّرك { فالحكم لله } في إنزال العذاب بكم لا يمنعه عن ذلك مانع .
{ هو الذين يريكم آياته } دلائل توحيده { وينزل لكم من السماء رزقاً } بالمطر { وما يتذكر } وما يتَّعظ بآيات الله { إلاَّ مَنْ ينيب } يرجع إلى الله بالإيمان .
{ فادعوا الله مخلصين له الدين } الطَّاعة .
{ رفيع الدرجات } رافعها لأهل الثَّواب في الجنَّة { ذو العرش } مالكه وخالقه { يلقي الروح } الوحي الذي تحيا به القلوب من موت الكفر { من أمره } من قوله { على مَنْ يشاء من عباده } على مَنْ يختصه بالرِّسالة { لينذر يوم التلاق } ليخوِّف الخلق يوم يلتقي أهل الأرض وأهل السَّماء ، أَيْ : يوم القيامة .
{ يوم هم بارزون } خارجون من قبورهم { لا يخفى على الله } من أعمالهم وأموالهم { شيء } يقول الله في ذلك اليوم : { لمن الملك اليوم } ثمَّ يجيب نفسه { لله الواحد القهار } .
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)
{ وأنذرهم يوم الآزفة } خوّفهم بيوم القيامة ، والآزقة ، القريبة { إذ القلوب لدى الحناجر } وذلك أنَّ القلوب ترتفع من الفزع إلى الحناجر { كاظمين } ممتلئين غمّاً وخوفاً وحزناً { ما للظالمين } أي : الكافرين { من حميم } قريبٍ { ولا شفيع يطاع } فيشفع فيهم . (1/828)
{ يعلم خائنة الأعين } خيانة الأعين ، وهي مسارقتها النَّظر إلى ما لا يحلُّ .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23)
{ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } بعلاماتنا التي تدلُّ على صحة نبوّته { وسلطان مبين } أيْ : حجَّةٍ ظاهرةٍ . (1/829)
فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31)
{ فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه } وذلك أَنَّ فرعون أمر بإعادة القتل على الذُّكور من أولاد بني إسرائيل لمَّا أتاه موسى عليه السَّلام؛ ليصدَّهم بذلك عن متابعة موسى . { وما كيد الكافرين } مكر فرعون وسوء صنيعه { إلاَّ في ضلال } زوالٍ وبطلانٍ وذهابٍ . (1/830)
{ وقال فرعون } لملَئهِ : { ذروني أقتل موسى وليدع ربه } الذي أرسله إلينا ، فيمنعه { إني أخاف أن يبدل دينكم } الذين أنتم عليه يبطله { أو أن يظهر في الأرض الفساد } أو يفسد عليكم دينكم إن لم يبطله ، فلمَّا توعَّده بالقتل قال موسى :
{ إني عذت بربي وربكم من كلِّ متكبر لا يؤمن بيوم الحساب } . وقوله :
{ يصبكم بعض الذي يعدكم } قيل : كلُّ الذي يعدكم .
{ يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض } هذا من قول مؤمن آل فرعون؛ أعلمهم أنَّ لهم الملك ظاهرين عالين على بني إسرائيل في أرض مصر ، ثمَّ أعلمهم أنَّ عذاب الله لا يدفعه دافع فقال : { فمن ينصرنا من بأس الله } أَيْ : مَنْ يمنعنا من عذابه { إن جاءنا } ؟ ف { قال فرعون } حين منع من قتله : { ما أُريكُمْ } من الرَّأي والنَّصيحة { إلاَّ ما أرى } لنفسي .
{ وقال الذين آمن } يعني : مؤمن آل فرعون : { يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب } ثمَّ فسَّر ذلك فقال :
{ مثل دأب قوم نوح وعادٍ وثمود والذين من بعدهم } خوَّفهم إن أقاموا على كفرهم مثل حال هؤلاء حين عذِّبوا ، ثمَّ خوَّفهم بيوم القيامة . وهو قوله :
وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37) وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39)
{ إني أخاف عليكم يوم التناد } وذلك أنَّه يكثر النِّداء في ذلك اليوم ، يُنادى بالسَّعادة والشَّقاوة ، ويُنادى فيُدعى كلُّ أناسٍ بإمامهم . (1/831)
{ يوم تولون مدبرين } مُنصرفين عن موقف الحساب إلى النَّار { ما لكم من الله } [ من عذاب الله ] { من عاصم } مانعٍ يمنعكم من عذاب الله .
{ ولقد جاءكم يوسف من قبل } أَيْ : من قبل موسى { بالبينات } بالآيات المعجزات { كذلك } مثل ذلك الضَّلال { يضل الله مَنْ هو مسرف } مشركٌ { مرتاب } شاكٌّ فيما أتى به الأنبياء .
{ الذين يجادلون في آيات الله } أَيْ : في إبطالها ودفعها { بغير سلطان } أَيْ : حُجَّةٍ { أتاهم كبر } ذلك الجدال { مقتاً } بغضاً .
{ وقال فرعون : يا هامان ابن لي صرحاً } قصراً طويلاً { لعلي أبلغ الأسباب } أبواب السَّموات وأطرافها التي تُوصلني إليها .
{ وإني لأظنه كاذباً } في ادِّعائه إلهاً دوني . { وكذلك } مثل ما وصفنا { زين لفرعون سوء عمله وصدَّ عن السبيل } ومُنع عن الإيمان { وما كيد فرعون إلاَّ في تباب } خسارٍ . يريد : أنه خسر كيده ولم ينفعه ذلك .
{ وقال الذي آمن } من قوم فرعون : { يا قوم اتَّبِعُون أهدكم سبيل الرشاد } طريق الصَّواب .
{ يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع } متعةٌ ينتفعون بها مدَّة ولا تبقى . وقوله :
تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)
{ وأشرك به ما ليس لي به علم } أيْ : أشرك بالله شيئاً لا علم لي به أنَّه شريك له . (1/832)
{ لا جرم } حقّاً { إنَّ ما تدعونني إليه ليس له دعوة } إجابة دعوة ، أَيْ : لا يستجيب لأحدٍ { في الدنيا ولا في الآخرة وأنَّ مردَّنا } مرجعنا { إلى الله } .
{ فستذكرون } إذا عاينتم العذاب { ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله } وذلك أنَّهم تَوَعَّدُوه لمخالفته دينهم .
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)
{ النار يعرضون عليها غدوّاً وعشياً } وذلك أنَّهم يُعرضون على النَّار صباحاً ومساءً ، ويقال لهم : هذه منازلكم إذا بعثتم . (1/833)
وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)
{ وقال الذين في النار لخزنة جهنم : ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب } . (1/834)
{ قالوا : أَوَلَمْ تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا : بلى ، قالوا : فادعوا } أَيْ : فادعوا أنتم إذاً ، فإنَّا لن ندعو الله لكم { وما دعاء الكافرين إلاَّ في ضلال } هلاكٍ وبطلانٍ؛ لأنَّه لا ينفعهم .
{ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا } بظهور حجتهم ، والانتصار ممَّن عاداهم بالعذاب في الدُّنيا والآخرة { ويوم يقوم الاشهاد } الملائكةُ الذين يكتبون أعمال بني آدم .
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (55) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57)
{ فاصبر } يا محمَّدُ { إنَّ وعد الله } في نصرتك وإهلاك أعدائك { حق وسبِّح بحمد ربك } صلِّ بالشُّكر منك لربِّك { بالعشي والإِبكار } أَيْ : طرفي النَّهار ، وقوله : (1/835)
{ إن في صدورهم إلاَّ كبر ما هم ببالغيه } أَيْ : تكبُّرٌ وطمعٌ أن يعلوا على محمدٍ عليه السلام ، وما هم ببالغي ذلك { فاستعذ بالله } أي : فامتنع بالله من شرِّهم .
{ لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس } أَيْ : أعظم في القدرة من إعادة النَّاس للبعث .
وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)
{ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } اعبدوني أُثبكم وأغفر لكم ، وقوله : { داخرين } أي : صاغرين . (1/836)
كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63)
{ كذلك يؤفك } أَيْ : كما صُرفتم عن الحقِّ مع قيام الدلائل يُصرف عن الحقِّ { الذين كانوا بآيات الله يجحدون } . (1/837)
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67)
{ ولتبلغوا أجلاً مسمَّى } أَيْ : وقتاً محدوداً لا تجاوزونه { ولعلكم تعقلون } ولكي تعقلوا أنَّ الذي فعل ذلك لا إله غيره . (1/838)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69)
{ ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله } أيْ : في دفعها وإبطالها { أنى يصرفون } عن الحقِّ . (1/839)
إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75)
{ والسلاسل يسحبون } يُجَرُّون . (1/840)
{ في الحميم ثم في النار يسجرون } يُصيَّرون وقوداً للنَّار .
{ ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون } .
{ من دون الله } أي : الأصنام . { قالوا ضلوا عنا } زالوا عنَّا وبطلوا ، فلا نراهم { بل لم نكن ندعو من قبل شيئاً } أَيْ : ضاعت عبادتنا ، فلم تكن تصنع شيئاً { كذلك } كما أضلَّهم { يضل الله الكافرين } .
{ ذلكم } العذاب الذي نزل بكم { بما كنتم تفرحون } بالباطل وتبطرون .
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78)
{ فإمَّا نرينك بعض الذي نعدهم } من العذاب في حياتك { أو نتوفينك } قبل أن ينزل بهم ذلك { فإلينا يرجعون } . وقوله : (1/841)
{ فإذا جاء أمر الله } بعذاب الأمم المُكذِّبة { قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون } أَيْ : تبيَّن خسران أصحاب الباطل .
وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80)
{ ولكم فيها منافع } من الصُّوف والوبر ، والدَّرِّ والنَّسل { ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم } من حمل أثقالكم إلى البلاد . (1/842)
فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83)
{ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم } رضوا بما عندهم من العلم ، وقالوا : نحن أعلم منهم لن نُبعث ولن نعذَّب . (1/843)
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)
{ سنة الله } أَيْ : سنَّ الله هذه السُّنَّةَ في الأمم كلِّها أن لا ينفعهم الإِيمان إذا رأوا العذاب { وخسر هنالك الكافرون } تبيَّن لهم الخسران . (1/844)
حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)
{ حم } . (1/845)
{ تنزيلُ من الرحمن الرحيم } ابتداءٌ وخبره [ قوله ] :
{ كتابٌ فصلت آياته } بُيِّنت . { لقوم يعلمون } لمَنْ يعلم ذلك ممَّن يعلم العربيَّة .
وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7)
{ وقالوا قلوبنا في أكنَّة } أغطيةٍ . { وفي آذاننا وقر } صممٌ ، أَيْ : نحن في ترك القبول منك بمنزلة مَن لا يفقه ولا يسمع . { ومن بيننا وبينك حجاب } خلافٌ في الدِّين فلا نجتمع معك ولا نوافقك { فاعمل } على دينك ف { إننا عاملون } على ديننا . وقوله : (1/846)
{ فاستقيموا إليه } وجِّهوا إليه وجوهكم بالطَّاعة . { وويلٌ للمشركين } .
{ الذين لا يؤتون الزكاة } لا يؤمنون بوجوبها فلا يُؤدُّونها .
قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10)
{ قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } الأحد والأثنين . (1/847)
{ وبارك فيها } بما خلق فيها من المنافع { وقدَّر فيها أقواتها } أرزاق أهلها وما يصلح لمعاشهم من البحار والأنهار ، والأشجار والدَّوابِّ { في أربعة أيام } في تتمة أربعة أَيَّامٍ وهو يوم الثلاثاء والأربعاء ، فصارت الجملة أربعة أيَّام خلق الله الأرض وما فيها من سبب الأقوات والمنافع والتجارات ، فتمَّ أمرها في أربعة أيَّام { سواء } أَيْ : استوت استواء ، وسواءً { للسائلين } عن ذلك ، أَيْ : لمَنْ سأل في كم خُلقت السَّموات والأرض؟ فيقال : في أربعة أيام .
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14)
{ ثم استوى } قصد وعمد { إلى } خلق { السماء وهي دخان } بخارٌ مرتفعٌ عن الماء { فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً } بما خلقت فيكما من المنافع ، وأَخْرِجاها لمنافع خلقي . قال للسَّموات : أطلعي شمسك وقمرك ونجومك ، وقال للأرض : أخرجي ماءك وثمارك طائعةً أو كارهةً ، ففعلتا ما أمرهما طوعاً ، وهو قوله : { قالتا أتينا طائعين } . (1/848)
{ فقضاهن } صنعهنَّ وأحكمهنَّ { سبع سموات في يومين وأوحى في كلِّ سماءٍ أمرها } أوحى في أهل كلِّ سماءٍ بما أراد من الأمر والنَّهي . وقوله : { وحفظاً } أَيْ : حفظناها من استماع الشَّياطين بالكواكب حفظاً .
{ فإن أعرضوا } عن الإِيمان بعد هذا البيان { فقل أنذرتكم } خوَّفتكم { صاعقة } مهلكةً تنزل بكم كما نزلت بمن قبلكم { إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم } أتت الرُّسل إيَّاهم ومَنْ كان قبلهم { ومن خلفهم } ومن بعد الرُّسل الذين أُرسلوا إلى آبائهم جاءتهم الرُّسل أنفسهم .
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16)
{ ريحاً صرصراً } أي : لها صوتٌ شديدٌ { في أيام نحسات } مشؤوماتٍ عليهم . (1/849)
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)
{ وأما ثمود فهديناهم } دعوناهم ودللناهم { فاستحبوا العمى على الهدى } فاختاروا الكفر على الإيمان { فأخذتهم صاعقة } مهلكةُ { العذاب } ذي { الهون } وهو الهوان ، أي : العذاب الذي يُهينهم . وقوله : (1/850)
{ وهو خلقكم أوَّل مرة } ابتداءُ إخبارٍ عن الله تعالى ، وليس من كلام الجلود .
{ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم } [ أَيْ مِنْ أن يشهد عليكم سمعكم ] أي : لم تكونوا تخافون أن يشهد عليكم جوارحكم ، فتستتروا منها { ولكن ظننتم أنَّ الله } أي : ظننتم أنَّ ما تُخفون { لا يعلم } اللَّهُ ذلك ولا يطَّلع عليه ، وذلك الظَّنُّ منكم بربِّكم .
{ أرداكم } أهلككم .
{ فإن يصبروا } في جهنَّم { فالنار مثوىً لهم } أي : مقامهم لا يخرجون منها { وإن يستعتبوا } يطلبوا الصلح { فما هم من المعتبين } أَيْ : ممَّن يُصالح ويرضى .
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)
{ وقيضنا لهم } أيْ : سبَّبنا لهم { قرناء } من الشَّياطين { فزينوا لهم ما بين أيديهم } من أمر الدُّنيا حتى آثروه { وما خلفهم } من أمر الآخرة ، فدعوهم إلى التَّكذيب به ، وأن لا جنَّة ولا نار ، ولا بعث ولا حساب . { وحقَّ عليهم القول في أمم } مع أممٍ بالخسران والهلاك . وقوله : (1/851)
{ والغوا فيه } أَيْ : عارضوه بكلامٍ لا يُفهم من المُكاء ، والصَّفير ، وباطل الكلام { لعلكم تغلبون } ه على قراءته فيترك القراءة .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38)
{ ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس } يعنون : إبليس وقابيل؛ لأنًّهما أوَّل مَنْ سنَّ الضَّلالة { نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا } في الدَّرك الأسفل من النَّار . (1/852)
{ إنَّ الذين قالوا ربنا الله } أَيْ : وحَّدوه { ثمَّ استقاموا } على التَّوحيد ، فلم يشركوا به شيئاً { تتنزل عليهم الملائكة } عند الموت { ألا تخافوا } ذنوبكم { ولا تحزنوا } عليها؛ فإنَّ الله يغفرها لكم .
{ نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة } أَيْ : أنصاركم وأحباؤكم ، وهم قرناؤهم الذين كانوا معهم في الدُّنيا من الحفظة ، يقولون لهم : لن نُفارقكم [ في القيامة ] حتى ندخلكم الجنَّة . { ولكم فيها ما تدَّعون } تتمنَّون وتسألون .
{ نزلاً } أيْ : جعل الله ذلك زرقاً لهم مُهيَّئاً .
{ ومَنْ أحسن قولاً ممن دعا إلى الله . . . } الآية . قيل : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنَّه دعا إلى توحيد الله . وقيل : إنَّها نزلت في المُؤّذِّنين .
{ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } " لا " زائدة . { ادفع } السَّيئة { بالتي هي أحسن } كالغضب يُدفع بالصَّبر ، والجهل بالحلم ، والإِساءة بالعفو { فإذا الذي بينك وبينه عداوة } يصير لك كأنًّه صديقٌ قريبٌ إذا فعلت ذلك .
{ وما يلقاها } أَي : ْ ما يُلقَّى هذه الخصلة { إلاَّ الذين صبروا } بكظم الغيظ واحتمال الأذى { وما يلقَّاها إلاَّ ذو حظ عظيم } وهو الجنَّة .
{ وإمَّا ينزغنك من الشيطان نزغ } أَيْ : إنْ صرفك عن الاحتمال نَزْغُ الشَّيطان { فاستغذ بالله } من شرِّه وامض على حلمك .
{ ومن آياته } علاماته التي تدلُّ على أنَّه واحدٌ { الليل والنهار والشمس والقمر . . } الآية .
{ فإن استكبروا } أي : الكفَّار . يقول : إن استكبروا عن السُّجود لله { فالذين عند ربك } وهم الملائكة { يسبحون } يُصلُّون له { بالليل والنهار وهم لا يسأمون } لا يملُّون .
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45)
{ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة } مُغبَّرةً لا نبات فيها { فإذا أنزلنا عليهم الماء اهتزَّت } تحرَّكت بالنًّبات { وربت } انتفخت وعلت ، ثمَّ تصدَّعت عن النَّبات . (1/853)
{ إنَّ الذين يلحدون في آياتنا } يجعلون الكلام فيها على غير جهته ، بأن ينسبوها إلى الكذب والسِّحر { لا يخفون علينا } بل نعلمهم ونجازيهم بذلك .
{ إنَّ الذين كفروا بالذكر } أَيْ : بالقرآن { لما جاءهم وإنَّه لكتاب عزيز } منيعٌ من الشَّيطان والباطل .
{ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه } أي : الكُتب التي تقدَّمت لا تبطله ، ولا يأتي كتابٌ بعده يبطله . وقيل : إنَّه محفوظٌ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه ، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه .
{ ما يقال لك إلاَّ ما قد قيل للرسل من قبلك } أَيْ : إنْ كذَّبك قومك فقد كذَّب الذين من قبلك .
{ ولو جعلناه قرآناً أعجمياً } لا بلسان العرب { لقالوا : لولا فصلت } بُيِّنت { آياته } بلغتنا حتى نعرفها { أأعجمي وعربي } أي : القرآنُ أعجميٌّ ، ونبيٌّ عربيٌّ { قل هو } أي : القرآن { للذين آمنوا هدى } من الضَّلالة { وشفاء } من الجهل { والذين لا يؤمنون } في ترك قبوله بمنزلة مَنْ { في آذانهم وقرٌ وهو } أي : القرآن { عليهم } ذو { عمى } لأنَّهم لا يفقهونه { أولئك ينادون من مكان بعيد } أَيْ : كأنهم لقلَّة استماعهم وانتفاعهم يُنادون إلى الإيمان بالقرآن من حيث لا يسمعونه لبعد المسافة .
{ ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه } بالتَّكذيب والتَّصديق ، والإِيمان به والكفر كما فعل قومك { ولولا كلمة سبقت من ربك } بتأخير العذاب عن قومك { لقضي بينهم } لفرغ من هلاكهم { وإنهم لفي شك منه } من القرآن { مريب } .
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48) لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)
{ إليه يردُّ علم الساعة } لأنَّه لا يعلمه غيره { وما تخرج من ثمرة من أكمامها } أوعيتها { ويوم يناديهم أين شركائي } الذين كنتم تزعمون { قالوا آذناك } أعلمناك { ما منا من شهيد } شاهدٍ أنَّ لك شريكاً ، لمَّا عاينوا القيامة تبرَّؤوا من معبوديهم . (1/854)
{ وضلَّ عنهم } زال وبطل { ما كانوا يدعون من قبل } [ يثقون به ] ويعبدونه قبل يوم القيامة { وظنوا } علموا { ما لهم من محيص } من مهربٍ .
{ لا يسأم الإنسان من دعاء الخير } لا يَمَلُّ الكافر من الدُّعاء بالصحَّة والمال { وإن مسَّه الشرُّ } الفقر والضرُّ { فيؤوس } من روح الله { قنوط } من رحمته . وقوله :
{ ليقولنَّ هذا لي } أَيْ : هذا واجبٌ لي بعملي استحققته { وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إنَّ لي عند للحسنى } أَيْ : لستُ أوقن بالبعث وقيام السَّاعة ، فإن كان الأمر على ذلك إنَّ لي عنده لثواباً .
{ وإذا أنعمنا على الإنسان . . . } الآية . يقول : إذا كان الكافر في نعمةٍ تباعد عن ذكر الله ، وإذا مسَّته الحاجة أكثر الدُّعاء .
{ قل أرأيتم إن كان } القرآن { من عند الله ثم كفرتم به من أضلُّ } منكم ، لأنَّهم في { شقاق بعيد } أيْ : في خلافٍ بعيدٍ عن الحقّ بكفرهم بالقرآن .
{ سنريهم آياتنا في الآفاق } ما يفتح على محمَّد صلى الله عليه وسلم من القرى { وفي أنفسهم } فتح مكة { حتى يتبين لهم } أنَّ القرآن حقٌّ وصدقٌ منزلٌ من عند الله تعالى : { أَوَلَمْ يكف بربك أنَّه على كل شيء شهيد } وهو يشهد لمحمَّد عليه السَّلام ولكتابه بالصِّدق .
{ ألا إنهم في مرية } شكٍّ { من لقاء ربهم } من البعث والمصير إليه { ألا إنَّه بكلِّ شيء محيط } عالمٌ .
حم (1) عسق (2) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)
{ حم } ح : حكم الله ، م : مجده . (1/855)
{ عسق } ع : علمه ، س : سناؤه ، ق : قدرته . أقسم الله تعالى بها .
{ كذلك يوحي إليك } ما من نبيٍّ صاحب كتابٍ إلاَّ وقد أوحى الله إليه : حم عسق ، فهو معنى قوله : { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك } .
تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)
{ تكاد السموات يتفطرن من فوقهن } تكاد كلُّ واحدة منها تتفطَّر فوق التي تليها من قول المشركين : اتَّخذ الله ولداً . { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } يُنزِّهون الله تعالى عن السُّوء { ويستغفرون } اللَّهَ { لمن في الأرض } من المؤمنين . (1/856)
{ والذين اتخذوا من دونه أولياء } أَيْ : آلهةً . { الله حفيظ عليهم } يحفظ أعمالهم ليجازيهم بها { وما أنت عليهم بوكيل } لم تُوكَّل عليهم ، وما عليك إلاَّ البلاغ .
{ وكذلك } وهكذا { أوحينا إليك قرآناً عربياً } بلفظ العرب { لتنذر أمَّ القرى } أهل مكَّة { ومَنْ حولها } سائر النَّاس { وتنذر يوم الجمع } تخوِّفهم بيوم القيامة الذي يجمع فيه الخلق { لا ريب فيه } كما يرتاب الكافرون { فريق في الجنة وفريق في السعير } إخبارٌ عن اختلاف حال النَّاس في ذلك اليوم .
{ ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة } لجعل الفريقين فريقاً واحداً { ولكن يدخل مَنْ يشاء في رحمته } بيَّن أنَّه إنَّما يُدخل الجنة مَنْ يشاء ، فهو فضلٌ منه { والظالمون } والكافرون { ما لهم من وليٍّ ولا نصير } ناصرٍ يمنعهم من العذاب .
{ أم اتخذوا } بل اتَّخذوا { من دونه أولياء فاللَّهُ هو الوليُّ } لا ما اتَّخذوه من دونه .
{ وما اختلفتم فيه من شيء } من أمر الدِّين { فحكمه إلى الله } لا إليكم ، وقد حكم أنَّ الدِّين هو الإِسلام لا غيره . وقوله :
{ جعل لكم من أنفسكم أزواجاً } حلائل { ومن الأنعام أزواجاً } أَيْ : خلق الذَّكر والأنثى { يذرؤكم فيه } أيْ : يُكثِّركم يجعله لكم حلائل؛ لأنهنَّ سبب النَّسل ، و " فيه " بمعنى " به " { ليس كمثله شيء } الكافُ زائدةٌ ، أَيْ : ليس مثله شيء .
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)
{ شرع لكم } بيَّن وأظهر لكم { من الدين ما وصَّى به } أمر { نوحاً } ثمَّ بيَّن ذلك فقال : { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } والله يبعث الأنبياء كلَّهم بإقامة الدِّين وترك الفرقة . { كبر } عَظُمَ وشقَّ { على المشركين ما تدعوهم إليه } من التَّوحيد وترك الأوثان . { الله يجتبي إليه مَنْ يشاء } يصطفي مَنْ يشاء لدينه ، فيهديه إليه . (1/857)
{ وما تفرَّقوا إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم } ما تفرَّق أهل الكتاب إلاَّ عن علمٍ بأنَّ الفرقة ضلالةٌ ، ولكنَّهم فعلوا ذلك للبغي { ولولا كلمةٌ سبقت من ربك } في تأخيرهم إلى السَّاعة { لقضي بينهم } لجوزوا بأعمالهم { وإنَّ الذين أورثوا الكتاب من بعدهم } يعني : هذه الأمَّة ، أعطوا الكتاب من بعد اليهود والنَّصارى { لفي شك منه مريب } يعني : كفَّار هذه الأمَّة ومشركيها .
{ فلذلك فادع } أَيْ : إلى ذلك . يعني : إلى إقامة الدِّين فادع النَّاس { واستقم كما أمرت } اثبت على الدِّين الذي أُمرتَ به { وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب } أَيْ : بجميع كتب الله المنزلة { وأمرت لأعدل بينكم } لأسوِّي بينكم في الإيمان بكتبكم . وقيل : لأعدل بينكم في القضية . وقوله : { لا حجة } أَيْ : لا خصومة { بيننا وبينكم } وهذا منسوخٌ بآية القتال .
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (18) اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19)
{ والذين يحاجون في الله } يُخاصمون في دين الله نبيَّه عليه السَّلام { من بعد ما استجيب له } أُجِيبَ النبيُّ عليه السَّلام إلى الدِّين ، فأسلموا ودخلوا في دينه { حجتهم داحضةٌ عند ربهم } أَيْ : باطلةٌ زائلةٌ؛ لأنَّهم يخاصمون صادقاً في خبره قد ظهرت معجزته . (1/858)
{ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان } أَيْ : العدل ، والمعنى : إنَّ الله تعالى أمر أن يقتدي بكتابه في أوامره ونواهيه ، وأن يعامل بالنَّصفة والسَّويَّة ، وآلةُ ذلك الميزان ، ثمَّ قال : { وما يدريك لعلَّ الساعة قريب } أَيْ : فاعمل بالعدل والكتاب ، فلعلَّ السَّاعة قد قربت منك وأنت لا تدري .
{ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } ظنَّاً منهم أنَّها غير كائنة ، { والذين آمنوا مشفقون } خائفون منها ، لأنَّهم يعلمون أنَّهم مبعوثون ومحاسبون . { ألا إنَّ الذين يمارون } تدخلهم المِرية والشَّكُّ { في الساعة لفي ضلال بعيد } لأنَّهم لو فكَّروا لعلموا أنَّ الذي أنشأهم أوَّلاً قادرٌ على إعادتهم .
{ الله لطيف بعباده } حفيٌّ بارٌّ بهم ، بَرِّهم وفاجرِهم حيث لم يقتلهم جُوعاًَ بمعاصيهم .
مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22) ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (26) وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28)
{ مَنْ كان يريد حرث الآخرة } من أراد بعمله الآخرة { نزد له في حرثه } أَيْ : كسبه بالتَّضعيف بالواحدة عشراً . { ومَنْ كان يريد حرث الدنيا } بعمله الدُّنيا { نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب } أَيْ : مَنْ آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيباً في الآخرة . (1/859)
{ أم لهم } بل أَلهم { شركاء } آلهةٌ { شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل } أَيْ : القَدَر السَّابق بأنَّ القضاء والجزاء يوم القيامة { لقضي بينهم } في الدُّنيا .
{ ترى الظالمين } المشركين يوم القيامة { مشفقين } خائفين { ممَّا كسبوا } أَيْ : من جزائه { وهو واقع بهم } لا محالة ، وقوله :
{ قل لا أسألكم عليه أجراً } أَيْ : على تبليغ الرِّسالة { أجراً إلاَّ المودَّة في القربى } أيْ : إلاَ أن تحفظوا قرابتي وتَوَدُّوني ، وتصلوا رحمي ، وذلك أنَّه لم يكن حيٌّ من قريشٍ إلاَّ وللنبي صلى الله عليه وسلم فيهم قرابةٌ ، فكأنًّه يقول : إذا لم تؤمنوا بي فاحفظوا قرابتي ولا تُؤذوني . وقيل : معناه : إلاَّ أَنْ تتودَّدُوا إلى الله عزَّ وجلَّ بما يُقرِّبكم منه ، وقوله : { إلاَّ المودة } استثناءٌ ليس من الأوَّل . { ومن يقترف } يعمل { حسنة نزدْ له فيها حسناً } نضاعفها له .
{ أم يقولون } بل أيقولون ، يعني : أهل مكَّة { افترى على الله كذباً } تقوَّل القرآن من قبل نفسه { فإنْ يشأ اللَّهُ يختم على قلبك } يربط على قلبك بالصَّبر على أذاهم ، ثمَّ ابتدأ فقال { ويمحو الله الباطل } أَيْ : الشِّرك { ويحق الحق بكلماته } بما أنزله من كتابه على لسان نبيِّه عليه السَّلام [ وهو القرآن ] .
{ وهو الذين يقبل التوبة عن عباده } إذا رجع العبد عن معصية الله تعالى إلى طاعته قَبِلَ ذلك الرُّجوع ، وعفا عنه ما سلف ، وهو قوله : { ويعفو عن السيئات } .
{ ويستجيب الذين آمنوا } أَيْ : يُجيبهم إلى ما يسألون .
{ ولو بسط الله الرزق لعباده } أَيْ : وسَّع عليهم الرِّزق { لبغوا في الأرض } لطغوا وعصوا { ولكن ينزِّل بقدر ما يشاء } فيجعل واحداً فقيراً ، وآخر غنيَّاً { إنَّه بعباده خبيرٌ بصير } .
{ وهو الذي ينزل الغيث } المطر { من بعد ما قنطوا } من بعدِ يأسِ العباد من نزوله { وينشر رحمته } ويبسط مطره .
وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (29) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (31) وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (35) فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36)
{ ومن آياته } دلائل قدرته { خلق السموات والأرض وما بثَّ } فرَّق ونشر { فيهما من دابة وهو على جمعهم } للحشر { إذا يشاء قدير } . (1/860)
{ وما أصابكم من مصيبة } بليَّةٍ وشدَّةٍ { فبما كسبت أيديكم } فهي جزاء ما اكتسبتم من الإِجرام { ويعفو عن كثير } فلا يُجازي عليه .
{ وما أنتم بمعجزين في الأرض } هرباَ ، اَيْ : إنِْ هربتم لم تعجزوا الله في أخذكم .
{ ومن آياته الجوار } السُّفن التي تجري { في البحر كالأعلام } كالجبال في العظم .
{ إن يشأ يسكن الريح فيظللن } فيصرن { رواكد } ثوابت على ظهر البحر لا تجري { إنَّ في ذلك لآيات لكلِّ صبار شكور } لكلِّ مؤمنٍ .
{ أو يوبقهن } يُهلكهنَّ ، يعني : أهلها { بما كسبوا } من الذُّنوب { ويعف عن كثير } فلا يعاقب عليها .
{ ويعلم الذين يجادلون في آياتنا } أَيْ : في دفعها وإبطالها { ما لهم من محيص } مهربٍ من عذاب الله .
{ فما أوتيتم من شيء } من أثاثِ الدُّنيا { فمتاع الحياة الدنيا } يتمتَّع به في هذه الدَّار { وما عند الله } من الثَّواب { خير وأبقى للذين آمنوا } نزلت في أبي بكر الصِّديق رضي الله عنه حين أنفق جميع ماله وتصدَّق به ، فلامه النَّاس .
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41)
{ والذين يجتنبون } عطفٌ على قوله : { للذين آمنوا } . { كبائر الإِثم والفواحش } الشِّرك وموجبات الحدود { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } يتجاوزون ويحلمون . (1/861)
{ والذين استجابوا لربهم } أجابوه بالإِيمان والطَّاعة . { وأمرهم شورى بينهم } لا ينفردون برأيهم بل يتشاورون .
{ والذين إذا اصابهم البغي } الظُّلم { هم ينتصرون } ينتقمون ممَّن ظلمهم ، ثمَّ بيَّن حدَّ الانتصار فقال :
{ وجزاء سيئة سيئة مثلها } أَيْ : إنما يُجازى السُّوء بمثله ، فيقتصُّ من الجاني بمقدار جنايته { فمن عفا } ترك الانتقام { وأصلح } بينه وبين الظَّالم عليه بالعفو { فأجره على الله } أَيْ : إنَّ الله يأجره على ذلك { إنَّه لا يحب الظالمين } الذين يبدؤون بالظُّلم .
{ ولمن انتصر بعد ظلمه } أَيْ : بعد أنْ ظُلم { فأولئك ما عليهم من سبيل } [ باللَّوم ولا القصاص ، لأنَّه آخذٌ حقَّه ] .
وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)
{ ولمن صبر } على الأذى { وغفر } ولم يكافىء { إن ذلك } أَيْ : الصَّبر والغفران { لمن عزم الأمور } لأنَّه يوجب الثَّواب ، فهو أتمُّ عزمٍ . (1/862)
وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45)
{ وتراهم يعرضون عليها } على النَّار { خاشعين من الذل } مُتواضعين ساكنين . { ينظرون } إلى النَّار { من طرف خفي } مُسارقةً . (1/863)
اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47)
{ استجيبوا لربكم } بالإيمان والطَّاعة { من قبل أن يأتي يومٌ لا مردَّ له من الله } أَيْ : إنَّ الله تعالى إذا أتى به لم يردَّه { مالكم من ملجأ يومئذٍ } مهربٍ من العذاب { وما لكم من نكير } إنكارٌ على ما ينزل بكم من العذاب ، لا تقدرون أن تنكروه فتغيِّروه . (1/864)
أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)
{ أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً } أَيْ : يجعل ما يهب من الولد بعضه ذكوراً ، وبعضه إناثاً { ويجعل من يشاء عقيماً } لا يُولد له . (1/865)
{ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاَّ وحياً } بأن يوحي إليه في منامه { أو من وراء حجاب } كما كلَّم موسى عليه السَّلام { أو يرسل رسولاً } مَلَكاً { فيوحيَ بإذنه ما يشاء } فيكلِّمه عنه بما يشاء .
{ وكذلك } وكما أوحينا إلى سائر الرُّسل { أوحينا إليك روحاً } ما يحيا به الخلق ، أَيْ : يهتدون به ، وهو القرآن { من أمرنا } أَيْ : فِعْلِنا في الوحي إليك . { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } قبل الوحي . ويعني : بالإيمان شرائعه ومعالمه { ولكن جعلناه } جعلنا الكتاب { نوراً } وقوله : { وإنك لتهدي } بوحينا إليك { إلى صراط مستقيم } . [ يعني الإِسلام ] .
حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5)
{ حم } . (1/866)
{ والكتاب المبين } الذي أبان الهدى وما تحتاج إليه الأُمَّة .
{ إنا جعلناه } بيَّناه { قرآناً عربياً } بلغة العرب { لعلكم تعقلون } تعرفون أحكامه ومعانيه .
{ وإنه } أَيْ : القرآن { في أمِّ الكتاب } أَيْ : اللَّوح المحفوظ { لدينا لعليٌّ حكيم } يريد : إنَّه مثبتٌ عند الله تعالى في اللَّوح المحفوظ بهذه الصِّفة .
{ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً } أَفنمسك عن إنزال القرآن ونتركه من أجل أنَّكم لا تؤمنون به ، وهو قوله : { أن كنتم قوماً مسرفين } أَيْ : لأن كنتم قوماً مُشركين مُجاوزين أمر الله . قال قتادة رضي الله عنه : واللَّهِ لو أنَّ هذا القرآنَ رُفع حين ردَّه أوئل هذه الأمَّة لهلكوا .
فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8)
{ فأهلكنا أشد منهم } من قومك { بطشاً } قوَّة { ومضى مثل الأولين } سنَّتهم في العقوبة . (1/867)
وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13)
{ والذي نزل من السماء ماءً بقدر } بمقدارٍ معلومٍ عند الله { فأنشرنا } فأحيينا { به } بذلك الماء { بلدة ميتاً كذلك تخرجون } من قبوركم أحياء . (1/868)
{ والذي خلق الأزواج } الأصناف { كلها } . وقوله :
{ وما كنَّا له مقرنين } أَيْ : مُطيقين .
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20) أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22)
{ وجعلوا له من عباده جزءاً } أَيْ : الذين جعلوا الملائكة بنات الله . (1/869)
{ أم اتخذ ممَّا يخلق بنات وأصفاكم } أخلصكم وخصَّكم { بالبنين } كقوله : { أفأصفاكم ربُّكم بالبنين . . . } الآية .
{ وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاَ } بما وصفه به من اتِّخاذ البنات .
{ أَوَمَنْ يُنَشَّؤُ في الحلية } أَيْ : أَنسبوا إليه مَنْ يُنشَّأ في الحلية؟ يعني : البنات { وهو في الخصام غير مبين } وذلك أنَّ المرأة لا تكاد تقوم بحجَّةٍ في الخصومة .
{ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً } أَيْ : حكموا بأنَّهم إناثٌ حين قالوا : إنَّهم بنات الله . { أشهدوا } أَحضروا { خلقهم } حين خُلقوا؟ { ستكتب شهادتهم } على الملائكة بأنَّهم بنات الله { ويسألون } عنها .
{ وقالوا : لو شاء الرحمن ما عبدناهم } أَيْ : الملائكة ، وذلك أنَّهم قالوا : لو لم يرض منَّا بعبادتنا إيَّاها لعجَّل عقوبتنا . { ما لهم بذلك من علم } ما لهم بقولهم : الملائكة بناتُ الله من علمٍ . { إن هم إلاَّ يخرصون } يكذبون .
{ أم آتيناهم كتاباً من قبله } من قبل القرآن فيه عبادة غير الله { فهم به مستمسكون } بذلك الكتاب ، ثمَّ بيَّن أنَّهم اتَّبعوا ضلالة آبائهم ، فقال :
{ بل قالوا : إنا وجدنا آباءنا على أمة } دينٍ .
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26)
{ قال أو لو جئتكم بأهدى } بدينٍ أهدى { ممَّا وجدتم عليه آباءكم } أَتتبعونهم؟ { قالوا } أَيْ : الأمم للرُّسل : { إنا بما أرسلتم به كافرون } . (1/870)
{ فاتنقمنا منهم } بالعقوبة .
{ وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه : إنني براء } أَيْ : بريٌ .
وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29)
{ وجعلها كلمة } أَيْ : كلمة التَّوحيد { باقية في عقبه } عقب إبراهيم عليه السَّلام ، لا يزال من ولده مَنْ يوحِّدُ الله عزَّ وجلَّ { لعلهم يرجعون } كي يرجعوا بها من الكفر إلى الإيمان . (1/871)
{ بل متعتُ هؤلاء وآباءهم } في الدُّنيا ولم أهلكهم { حتى جاءهم الحق } القرآن .
وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39)
{ وقالوا : لولا نزل هذا القرآن على رجل من } [ إحدى ] { القريتين } مكَّة والطَّائف { عظيم } أَيْ : الوليد بن المغيرة من أهل مكَّة ، وعروة بن مسعود الثقفيِّ من الطَّائف ، قال الله تعالى : (1/872)
{ أهم يقسمون رحمة ربك } نبوَّته وكرامته ، فيجعلونها لمن يشاؤون؟ { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا } فجعلنا بعضهم غنيَّاً وبعضهم فقيراً { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } بالمال { ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً } ليُسخِّر الأغنياء بأموالهم الفقراء ويستخدموهم ، فيكون بعضهم لبعض سببَ المعاش في الدُّنيا ، هذا بماله ، وهذا بأعماله ، فكما قسمنا هذه القسمة كذلك اصطفينا للرِّسالة مَنْ نشاء ، ثمَّ بيَّن أنَّ الآخرة أفضل من الدُّنيا فقال : { ورحمة ربك } أَيْ : الجنَّة { خيرٌ ممَّا يجمعون } في الدُّنيا ، ثمَّ ذكر قلَّة خطر الدُّنيا عنده فقال :
{ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة } مجتمعين على الكفر . وقوله : { ومعارج } : مراقي { عليها يظهرون } يعلون ويصعدون .
{ ولبيوتهم أبواباً وسرراً } من فضَّةٍ { عليها يتكئون } .
{ وزخرفاً } أَيْ : ومن زخرفٍ ، وهو الذَّهب { وإن كلُّ ذلك لما متاع الحياة الدنيا } [ لمتاع الحياة الدُّنيا ] .
{ ومَنْ يعش } يُعرض { عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً } نسبِّب له شيطاناً { فهو له قرين } لا يُفارقه .
{ وإنهم } أَيْ : الشَّياطين { ليصدونهم } يمنعون الكافرين { ويحسبون } الكفَّار { أنهم مهتدون } .
{ حتى إذا جاءنا } يعني : الكافر { قال } لقرينه : { يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين } أَيْ : بُعد ما بين المشرق والمغرب { فبئس القرين } أنت؛ ثم لا يفارقه حتى يصيرا إلى النار ، وقال الله تعالى :
{ ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم } أشركتم في الدُّنيا { أنكم في العذاب مشتركون } اشتراككم في العذاب لأنَّ لكلِّ واحدٍ نصيبَه الأوفرَ منه .
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42)
{ فإمَّا نذهبنَّ بك } نُميتك قبل أن نعذِّبهم { فإنا منهم منتقمون } بعد موتك . (1/873)
{ أو نرينك } في حياتك { الذي وعدناهم } من العذاب .
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)
{ وإنه } أَيْ : القرآن { لذكر } لَشرفٌ { لك ولقومك } إذ نزل بلغتهم ، ونزل عليك وأنت منهم { وسوف تسألون } عن شكر ما جعلنا لكم من الشَّرف . (1/874)
{ واسأل من أرسلنا } أَيْ : أمم مَنْ أرسلنا { من قبلك } يعني : أهل الكتابين ، هل في كتاب أحدٍ الأمرُ بعبادة غير الله تعالى؟ ومعنى هذا السُّؤال التَّقرير لعبدة الأوثان أنَّهم على الباطل .
وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ (56) وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)
{ وما نريهم من آية إلاَّ هي أكبرُ من أختها } قرينتها وصاحبتها التي كانت قبلها { وأخذناهم بالعذاب } بالسِّنين والطُّوفان والجراد { لعلهم يرجعون } عن كفرهم . (1/875)
{ وقالوا يا أيها الساحر } خاطبوه بما تقدَّم له عندهم من التَّسمية بالسَّاحر : { ادع لنا ربك بما عهد عندك } فيمن آمن به مِنْ كشف العذاب عنه { إننا لمهتدون } أَيْ : مؤمنون .
{ فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون } ينقضون عهدهم . وقوله :
{ وهذه الأنهار تجري من تحتي } بأمري . وقيل : من تحت قصوري .
{ أم أنا } بل أنا { خير من هذا الذي هو مهين } حقيرٌ ضعيفٌ ، يعني : موسى . { ولا يكاد يبين } يُفصح بكلامه لِعِيِّه .
{ فلولا } فهلاًّ { ألقي عليه أسورة من ذهب } حليٌّ بأساور الذَّهب إن كان رئيساً مُطاعاً؟ والطَّوق والسِّوار من الذَّهب كان من علامة الرِّئاسة عندهم . { أو جاء معه الملائكة مقترنين } مُتتابعين يشهدون له .
{ فاستخف قومه } وجد قومه القبط جُهَّالاً .
{ فلما آسفونا } أغضبونا بكفرهم . { انتقمنا منهم } .
{ فجعلناهم سلفاً } مُتقدِّمين في الهلاك [ ليتَّعظ ] بهم مَنْ بعدهم { ومثلاً للآخرين } عبرةً لمَنْ يجيء بعدهم .
{ ولما ضرب ابن مريم مثلاً } نزلت هذه الآية حين خاصمه الكفَّار لما نزل قوله تعالى : { إنَّكم وما تعبدون من دُونِ الله . . . } الآية ، فقالوا : رضينا أن تكون آلهتنا بمنزلة عيسى ، فجعلوا عيسى عليه السَّلام مثلاً لآلهتهم ، فقال الله تعالى : { ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يَصِدًّون } أَيْ : يضجُّون ، وذلك أنَّ المسلمين ضجُّوا من هذا حتى نزل قوله تعالى : { إنَّ الذين سَبَقَتْ لهم منا الحُسنى أولئك عنها مُبعدون } وذكر الله تعالى في هذه السُّورة تلك القصَّة ، وهو قوله :
{ وقالوا أآلهتنا خيرٌ أم هو } يعني : عيسى عليه السَّلام . { ما ضربوه لك إلاَّ جدلاً } أَيْ : إلاَّ الإرادة للمجادلة؛ لأنَّهم علموا أنَّ المراد بحصب جهنم ما اتَّخذوه من الموات . { بل هم قوم خصمون } يجادلون بالباطل ، ثمَّ بيَّن حال عيسى عليه السَّلام فقال :
{ إن هو إلاَّ عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل } آيةً تدلُّ على قدرة الله .
{ ولو نشاء لجعلنا منكم } بدلكم { ملائكة في الأرض يخلفون } بأن نلهككم ونأتي بهم بدلاً منكم يكونون خلفاء منكم .
{ وإنه } أَي : وإنَّ عيسى { لعلم للساعة } بنزوله يُعلم قيام السَّاعة { فلا تمترنَّ بها } لا تشكُّوا فيها .
وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63)
{ ولما جاء عيسى } إلى بني إسرائيل { بالبينات } بالآيات التي يعجز عنها المخلوقون { قال : قد جئتكم بالحكمة } أَيْ : الإنجيل { ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه } أَيْ : كلَّه . (1/876)
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)
{ فاختلف الأحزاب . . . } الآية مفسَّرةٌ في سورة مريم . (1/877)
{ هل ينظرون } أَيْ : يجب ألا ينتظروا بعد تكذيبك { إلاَّ } أن يَفْجَأَهُمْ قيام { السَّاعة } ، ثمَّ ذكر أنَّ مخالَّتهم في الدُّنيا تبطل في ذلك اليوم ، وتنقلب عداوة ، فقال :
{ الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلاَّ المتقين } وهم المؤمنون .
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71)
{ تحبرون } تُكرمون وتسرُّون . (1/878)
{ يطاف عليهم بصحاف } بقصاع وأكوابٍ ، وهي الأواني التي لا عُرى لها . { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين } أَيْ : تستلذًّ ، وهذا وصفٌ لجميع ما في الجنَّة من الطَّيِّبات .
لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75)
{ لا يفتر عنهم } أَيْ : لا يخفَّف عنهم العذاب { وهم فيه مبلسون } ساكتون سكوت يأس . (1/879)
وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77)
{ ونادوا يا مالك ليقضِ علينا ربك } ليمتنا فنستريح { قال : إنكم ماكثون } مُقيمون في العذاب . (1/880)
أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)
{ أم أبرموا أمراً } أحكموا الأمر في المكر بمحمَّد عليه السَّلام { فإنا مبرمون } مُحكمون أمراً في مجازاتهم . (1/881)
قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81)
{ قل : إن كان للرحمن ولد . . . } الآية معناها : إنْ كنتم تزعمون أنَّ للرحمن ولداً فأنا أوَّل الموحِّدين؛ لأنَّ مَنْ عبد الله واعترف بأنَّه إلهه فقد دفع أن يكون له ولد . وقيل : { فأنا أول العابدين } الآنفين من هذا القول . (1/882)
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)
{ وهو الذي في السماء إله } يُعبد { وفي الأرض إله } يُعبد ، أيْ : هو المعبود فيهما { وهو الحكيم } في تدبير خلقه { العليم } بصلاحهم . (1/883)
وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86)
{ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة } أَيْ : الأوثان لا يشفعون لعابديها . { إلاَّ مَنْ شهد بالحق } يعني : عيسى وعزيراً والملائكة ، [ فلهم الشَّفاعة في المؤمنين لا في الكفَّار ] ، وهم يشهدون بالحقِّ بالوحدانيَّة لله { وهم يعلمون } حقيقة ما شهدوا به . (1/884)
وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)
{ وقيله } أَيْ : ويسمع قول محمَّد عليه السَّلام شاكياًَ إلى ربِّه ، وهو راجعٌ إلى قوله : { أنا لا نسمع سرَّهم ونجواهم } . (1/885)
{ فاصفح عنهم } أَيْ : أعرض عنهم ، وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم { وقل سلام } أيْ : سلامةٌ لنا منكم { فسوف تعلمون } تهديدٌ لهم .
حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5)
{ حم } . (1/886)
{ والكتاب المبين } .
{ إنا أنزلناه } أَيْ : القرآن { في ليلة مباركة } قيل : هي ليلة القدر في رمضان ، أنزل الله القرآن فيها من أمِّ الكتاب إلى سماء الدُّنيا ، ثمَّ أنزله على نبيِّه عليه السَّلام نجوماَ . وقيل : ليلة النِّصف من شعبان { إنا كنا منذرين } مُحذِّرين عبادنا العقوبة بإنزال الكتاب .
{ فيها يفرق } يُفصل { كلُّ أمر حكيم } مُحكمٍ من أرزاق العباد وآجالهم ، وذلك أنَّه يُدبِّر في تلك الليلة أمر السَّنة .
{ أمراً من عندنا } معناه : يُفْرق كلُّ أمرٍ حكيمٍ فرقاً من عندنا ، فوضع الأمر موضع الفرق؛ لأنَّه أمرٌ . { إنا كنا مرسلين } محمَّداً إلى قومه .
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7)
{ رحمةً } أَيْ : للرًّحمة ، وقوله : (1/887)
{ إن كنتم موقنين } أَيْ : إن أيقنتم بأنَّه ربُّ السَّموات والأرض ، فأيقنوا أنَّ محمداً رسوله؛ لأنَّه أرسله .
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14) إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آَتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22)
{ بل هم في شك } من البعث والنَّشر { يلعبون } مُشتغلين بالدُّنيا . (1/888)
{ فارتقب } فانتظر { يوم تأتي السماء بدخان مبين } وذلك حين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه بالقحط ، فمنع المطر ، وأجدبت الأرض ، وانجرَّت الآفاق ، وصار بين السَّماء والأرض كالدُّخان .
{ يغشى الناس } ذلك الدخان وهم يقولون { هذا عذاب أليم } .
{ ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } مُصدِّقون بنبيِّك . قال الله تعالى :
{ أنى لهم الذكرى } من أين لهم التَّذكُّر والاتِّعاظ ، { و } حالهم أنَّهم { قد جاءهم رسول مبين } يبيِّن لهم أحكام الدِّين . يعني : محمَّداً صلى الله عليه وسلم .
{ ثمَّ تولوا } أعرضوا { عنه وقالوا معلَّم } أَيْ : إنَّه معلَّم يُعلِّمه ما يأتي به بشر .
{ إنا كاشفو العذاب قليلاً } أَيْ : يكشف عنكم عذاب الجوع في الدُّنيا ، ثمَّ تعودون في العذاب ، وهو قوله : { إنكم عائدون } .
{ يوم نبطش البطشة الكبرى } أَيْ : يوم القيامة . وقيل : يوم بدرٍ .
{ ولقد فتنا } بلونا { قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم } على الله تعالى : يعني : موسى عليه السَّلام .
{ أن أدوا إليَّ عباد الله } أَيْ : سلِّموهم إليَّ ولا تُعذِّبوهم ، يعني : بني إسرائيل ، كما قال : { فأرسل معي بني إسرائيل } { إني لكم رسول أمين } على وحي الله عزَّ وجلَّ .
{ وأن لا تعلوا على الله } لا تعصوه ولا تخالفوا أمره { إني آتيكم بسلطان مبين } بحجَّةٍ واضحةٍ تدلُّ على أنَّني نبيٌّ .
{ وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون } أَن تقتلون ، وذلك أنَّهم توعَّدوه بالقتل .
{ وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون } أَيْ : لا تكونوا عليَّ [ ولا لي ] ، وخلُّوا عني .
{ فدعا ربَّه أنَّ } أَيْ : بأنَّ { هؤلاء } [ أَيْ : يا ربِّ هؤلاء ] { قوم مجرمون } مُشركون .
فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25)
{ فأسرِ بعبادي } بني إسرائيل { ليلاً إنكم متبعون } يتَّبعكم فرعون وقومه . (1/889)
{ واترك البحر رهواً } خلِّفه وراءك ساكناً غير مضطربٍ ، وذلك أنّ الماء وقف له كالطود العظيم حين جاوز البحر { إنهم جندٌ مغرقون } نغرقهم في ذلك البحر الذي تجاوزوه رهواً .
{ كم تركوا } بعد هلاكهم { من جنات وعُيُون . . . } الآية ، مُفسَّرةٌ في سورة الشُّعراء .
كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) وَآَتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآَيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (33) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41)
{ كذلك } أَيْ : الأمر كما وصفنا { وأورثناها } أعطيناها { قوماً آخرين } يعني : بني إسرائيل . (1/890)
{ فما بكت عليهم السماء والأرض } لأنَّهم ماتوا كفَّاراً ، والمؤمن يبكي عليه مصعد عمله ، ومُصلاَّه من الأرض . { وما كانوا منظرين } مؤخَّرين حين أخذناهم بالعذاب .
{ ولقد نجينا بني إسرائيل } بإهلاك فرعون وقومه { من العذاب المهين } يعني : قتل الأبناء واستخدام النِّساء .
{ من فرعون إنه كان عالياً } مستكبراً مُتعظِّماً { من المسرفين } الكافرين المُتجاوزين حدِّهم .
{ ولقد اخترناهم } بني إسرائيل { على علمٍ } منَّا بهم { على العالمين } عالمي زمانهم .
{ وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين } نعمةٌ ظاهرةٌ من فلق البحر ، وإنزال المنِّ والسَّلوى .
{ إنَّ هؤلاء } أَيْ : مشركي مكَّة { ليقولون : إن هي إلاَّ موتتنا الأولى } أَيْ : ليس إلاَّ الموت ولا نشر بعده ، وهو قوله : { وما نحن بمنشرين } .
{ فأتوا بآبائنا } الذين ماتوا { إن كنتم صادقين } أنَّا نُبعث بعد الموت .
{ أهم خير } أَيْ : أقوى وأشدُّ { أم قوم تبع } الحِميريِّ { والذين من قبلهم } من الكفَّار { أهلكناهم } .
{ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين } ونحن نلعب في خلقهما ، أَيْ : إنَّما خلقناهما لأمرٍ عظيم ، وهو قوله : { ما خلقناهما إلاَّ بالحق } أَيْ : لإقامة الحقِّ وإظهاره من توحيد الله وإلزام طاعته .
{ إنَّ يوم الفصل } وهو يوم القيامة ، يفصل الله تعالى فيه بين العباد { ميقاتهم } الذي وقَّتنا لعذابهم { أجمعين } .
{ يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً } قريبٌ عن قريبٍ { ولا هم ينصرون } يُمنعون من عذاب الله .
إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42) إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51)
{ إلاَّ من رحم } لكن مَنْ رحم الله فإنَّه يُنصر . (1/891)
{ إنَّ شجرة الزَّقوم } .
{ طعام الأثيم } أَيْ : صاحب الإثم ، وهو أبو جهل .
{ كالمهل } أَيْ : كالذَّائب من الفضَّة والنُّحاس في الحرارة . { يَغلي في البطون } في بطون آكليه .
{ كغلي الحميم } وهو الماء الحارُّ .
{ خذوه } يعني : الأثيم { فاعتلوه } سوقوه [ سوقاً ] بالعنف { إلى سواء الجحيم } وسط الجحيم .
{ ثمَّ صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم } كما قال : { يصبُّ من فوقِ رؤوسهم الحميم } ويقال له :
{ ذق إنك أنت العزيز الكريم } بزعمك وعلى قولك ، وذلك أنَّه قال : ما بين جبليها أعزُّ ولا أكرم مني .
{ إنَّ هذا } الذي ترون من العذاب { ما كنتم به تمترون } فيه تشكُّون .
{ إنَّ المتقين في مقام أمين } أمنوا فيه من الغير .
يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آَمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56)
{ يلبسون من سندس } وهو ما رقَّ من الثّياب { وإستبرق } وهو ما غلظ منه { متقابلين } مُتواجيهن . (1/892)
{ كذلك } كما وصفنا { وزوجناهم بحور } وهنَّ النِّساء النَّقيات البياض { عين } واسعة الأعين .
{ يدعون فيها بكلِّ فاكهة آمنين } من الموت .
{ لا يذوقون فيها الموت إلاَّ } سوى { الموتة الأولى } الموتة التي ذاقوها في الدُّنيا .
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)
{ فإنما يسرناه } سهَّلنا القرآن { بلسانك لعلهم يتذكرون } يتَّعظون . (1/893)
{ فارتقب } فانتظر الفتح والنَّصر { إنهم مرتقبون } مُنتظرون قهرك وهلاكك .
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3)
{ حم } . (1/894)
{ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } .
{ إنَّ في السموات والأرض } أَيْ : إنَّ في خلقهما { لآيات } لدلالاتٍ على قدرة الله وتوحيده .
تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11)
{ فبأيِّ حديث بعد الله } أَيْ : بعد حديث الله وكتابه { يؤمنون } . (1/895)
{ ويلٌ لكلِّ أفاك أثيم } كذَّاب صاحب إثمٍ .
{ يسمع آيات الله تتلى عليه ثمَّ يصرُّ } يُقيم على كفره { مستكبراً } مُتعظِّماً عن الإيمان به .
{ وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً } استهزأ بها .
{ ومن ورائهم } أمامهم { جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا } من الأموال { شيئاً } .
{ هذا هدى } أَيْ : هذا القرآن هدىً . { والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذابٌ من رجز أليم } مُؤلمٌ مُوجعٌ .
وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)
{ جميعاً منه } أيْ : كلُّ ذلك تفضُّلٌ منه وإحسانٌ . (1/896)
{ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } نزلت قبل الأمر بالقتال يقول : قل لهم يصفحوا عن المشركين الذين لا يخافون عقوبته الله وعذابه { ليجزي قوماً } أَيْ : ليجزيهم { بما كانوا يكسبون } من سوء أعمالهم .
وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)
{ ورزقناهم من الطيبات } أَيْ : المنِّ والسَّلوى . (1/897)
{ وآتيناهم بينات من الأمر } يعني : أحكام التَّوراة ، وبيان أمر النبيِّ عليه السَّلام { فما اختلفوا } في نبوَّته { إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم } يعني : ما علموه من شأنه . { بغياً بينهم } حسداً منهم له .
{ ثم جعلناك على شريعة } مذهبٍ وملَّةٍ { من الأمر } من الدِّين { فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون } مراد الكافرين .
{ إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً } لن يدفعوا عنك عذاب الله إن اتَّبعت أهواءهم .
{ هذا } إشارةٌ إلى القرآن { بصائر } معالم { للناس } في الحدود والأحكام يبصرون بها .
{ أم حسب الذين اجترحوا السيئات } اكتسبوا الكفر والمعاصي { أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم } مُستوياً حياتهم وموتهم ، أَيْ : المؤمنُ مؤمنٌ حياً وميتاً ، والكافر كافرٌ حياً وميتاً ، فلا يستويان { ساء ما يحكمون } بئس ما يقضون إذ حسبوا أنَّهم كالمؤمنين ، نزلت هذه الآية حين قال المشركون : لئن كان ما تقولون حقاً لنفضلنَّ عليكم في الآخرة ، كما فضلنا عليكم في الدُّنيا .
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26)
{ أفرأيت من اتخذ إله هواه } أَيْ : الكافر اتَّخذ دينه ما يهواه ، فلا يهوى شيئاً إلاَّ ركبه . { وأضله الله على علم } على ما سبق في علمه قبل أن يخلقه [ أنَّه ضالٌّ ] . وباقي الآية مُفسَّر في أوَّل سورة البقرة . (1/898)
{ وقالوا } يعني : منكري البعث : { ما هي إلاَّ حياتنا الدنيا } أَيْ : ما الحياة إلاَّ هذه الحياة في دار الدُّنيا { نموت } نحن { ونحيا } أولادنا { وما يهلكنا إلاَّ الدهر } أَيْ : ما يفنينا إلاَّ مرُّ الزَّمان . { وما لهم بذلك من علم } أَيْ : الذين يقولون . { إن هم إلاَّ يظنون } ما هم إلاَّ ظانِّين ما يقولون .
{ وإذا تتلى عليهم آياتنا } أَدلَّتنا في قدرتنا على البعث { بينات } واضحاتٍ { وما كان حجَّتهم إلاَّ أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين } أنَّا نُبعث بعد الموت . وقوله :
{ ثمَّ يجمعكم إلى يوم القيامة } أَيْ : مع ذلك اليوم .
وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)
{ وترى كلَّ أمة } كلَّ أهلِ دينٍ { جاثية } مُجتمعةً للحساب . وقيل : جالسةً على الرُّكَب من هول ذلك اليوم . (1/899)
{ هذا كتابنا ينطق } أَيْ : ديوان الحفظة { إنا كنا نَستنسِخُ } نأمر بنسخ { ما كنتم تعملون } .
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (34) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35)
{ وقيل اليوم ننساكم } نترككم في العذاب كما تركتم الإيمان والعمل ليومكم هذا وقوله : (1/900)
{ ولا هم يستعتبون } أَيْ : لا يُلتمس منهم عمل ولا طاعة .
وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)
{ وله الكبرياء } العظمة { في السموات والأرض } أَيْ : إنَّه يُعظَّم بالعبادة في السموات والأرض { وهو العزيز الحكيم } . (1/901)
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)
{ حم } (1/902)
{ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } .
{ ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلاَّ بالحق } أَيْ : للحقِّ ، ولإِقامة الحقِّ { وأجل مسمَّى } تفنى عند انقضاء ذلك الأجل { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } أعرضوا بعدما قامت عليهم الحجَّة بخلق الله السَّموات والأرض ، ثمَّ طالبهم بالدَّليل على عبادة الأوثان ، فقال :
{ قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات } أَيْ : مشاركةٌ مع الله في خلقهما لذلك أشركتموهم في عبادته { ائتوني بكتاب من قبل هذا } [ أَيْ : من قَبْلِ ] القرآن فيه بيان ما تقولون { أو أثارة من علم } روايةٍ عن الأنبياء أنَّهم أَمروا بعبادة غير الله ، فلمَّا قامت عليهم الحجَّة جعلهم أضلَّ الخلق ، فقال :
{ ومَنْ أضلُّ ممن يدعو من دون الله مَنْ لا يستجيب له إلى يوم القيامة . . . } أَيْ : أبداً . الآية .
{ وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً } عادوا معبوديهم؛ لأنَّهم بسببهم وقعوا في الهلكة ، وجحد المعبودون عبادتهم ، وهو قوله : { وكانوا بعبادتهم كافرين } كقوله : { تبرَّأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون . }
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآَمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12)
{ قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئاً } أَيْ : عذَّبني على افترائي لم تملكوا دفعه ، وإذا كنتم كذلك لم أفتر على الله من أجلكم { هو أعلم بما تفيضون فيه } تخوضون فيه من الإفك . { وهو الغفور } لمَنْ تاب { الرحيم } به . (1/903)
{ قل ما كنت بدعاً } بديعاً { من الرسل } أَيْ : لستُ بأوَّل مرسل فتنكروا نبوَّتي ، { وما أدري ما يفعل بي } إلى إيش يصير أمري معكم ، أتقتلونني أم تخرجونني { ولا بكم } أَتُعذِّبون بالخسف أم الحجارة ، والمعنى : ما أدري إلى ماذا يصير أمري وأمركم في الدُّنيا .
{ قل أرأيتم إن كان } القرآن { من عند الله وكفرتم به وشهد شاهدٌ من بني إسرائيل } يعني : عبد الله بن سلام { على مثله } على مثل ما شهد عليه القرآن من تصديق محمَّد عليه السَّلام { فآمن } ذلك الرَّجل { واستكبرتم } عن الإيمان .
{ وقال الذين كفروا } من اليهود : { لو كان } دين محمَّدٍ { خيراً ما سبقونا إليه } يعنون : عبد الله بن سلام وأصحابه { وإذ لم يهتدوا به } بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان { فسيقولون هذا إفكٌ قديم } كما قالوا : أساطير الأوَّلين .
{ ومن قبله } ومن قبل القرآن { كتاب موسى } التَّوراة { إماماً ورحمة وهذا كتاب } أَيْ : القرآن { مصدق } أَيْ : مصدِّقٌ لما بين يديه لما تقدَّم من الكتب { لساناً عربياً } نصب على الحال .
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)
{ حملته أمه كرهاً } على مشقَّةٍ { ووضعته كرهاً } أَيْ : على مشقَّةٍ { وحمله وفصاله ثلاثون شهراً } أقلُّ الحمل ستة أشهر ، والفِصال : الفِطام ، ويكون ذلك بعد حولين { حتى إذا بلغ أشده } غاية شبابه ، وهي ثلاثٌ وثلاثون سنةً { وبلغ أربعين سنةً قال : ربِّ أوزعني . . . } الآية . نزلت في أبي بكر رضي الله عنه ، وذلك أنَّه لمَّا بلغ أربعين سنةً آمن بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وآمن أبواه ، فذلك قوله : { أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والدي } أَيْ : بالإِيمان { وأصلح لي في ذريتي } بأن تجعلهم مؤمنين ، فاستجاب الله له في أولاده فأسلموا ، ولم يكن أحدٌ من الصَّحابة أسلم هو وأبواه وبنوه وبناته إلاَّ أبو بكر رضي الله عنه . (1/904)
وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20) وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26)
{ والذي قال لوالديه } نزلت في كافرٍ عاقٍّ قال لوالديه : { أَتَعِدانِني أن أخرج } من قبري حيَّاً { وقد خلت القرون من قبلي } فلم يُبعث منهم أحدٌ { وهما يستغيثان الله } يعني : والديه يستغيثان بالله على إيمان ولدهما ، ويقولان له : { ويلك آمن إنَّ وعد الله حق فيقول : ما هذا } الذي تدعونني إليه { إلاَّ أساطير الأولين } . (1/905)
{ أولئك الذين } أَيْ : مَنْ كان بهذه الصِّفة فهم الذين { حق عليهم القول } وجب عليهم العذاب { في أمم } كافرةٍ . { من الجن والإِنس } .
{ ولكلٍّ } من المؤمنين والكافرين { درجات } منازل ومراتب من الثَّواب والعقاب { ممَّا عملوا } .
{ ويوم يعرض الذين كفروا على النار } فيقال لهم : { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها } وذلك أنَّهم يفعلون ما يشتهون ، لا يَتَوَقَّوْن حراماً ، ولا يجتنبون مأثماً { فاليوم تجزون عذاب الهون } الهوان . الآية .
{ واذكر أخا عاد } يعني : هوداً { إذ أنذر قومه بالأحقاف } أَيْ : منازلهم { وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه } أَيْ : قد أُنذروا بالعذاب أنْ عَبَدوا غيرَ الله قبل إنذار هود وبعده .
{ قالوا أجئتنا لتأفكنا } لتصرفنا { عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا } من العذاب { إن كنت من الصادقين } .
{ قال : إنما العلم عند الله } هو يعلم متى يأتيكم العذاب ، { و } إنما أنا مُبلِّغٌ { أبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوماً تجهلون } مراشدكم حين أدلُّكم على الرَّشاد وأنتم تُعرضون .
{ فلما رأوه } أَيْ : السَّحاب { عارضاً } قد عرض في السماء { مستقبل أوديتهم } يأتي من قبلها . { قالوا هذا عارض ممطرنا } سحابٌ يمطر علينا . قال الله تعالى : { بل هو ما أستعجلتم به } من العذاب .
{ تدمّر } تُهلك { كلَّ شيء } مرَّت به من الرِّجال والدَّوابِّ . { فأصبحوا لا يُرى } أشخاصهم { إلاَّ مساكنهم } لأنَّ الرِّيح أهلكتهم وفرَّقتهم ، وبقيت مساكنهم خاليةً .
{ ولقد مكَّناهم } من القوَّة والعمر والمال { فيما إن مكَّناكم فيه } في الذي ما مكَّنَّاكم فيه .
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28) وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)
{ ولقد أهلكنا ما حولكم } يا أهل مكَّة { من القرى } كحجر ثمود وقرى قوم لوط { وصرَّفنا الآيات } بيَّنا الدَّلالات { لعلهم يرجعون } عن كفرهم . يعني : الأمم المهلكة . (1/906)
{ فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة } يعني : أوثانهم الذين اتَّخذوها آلهةَ يتقرَّبون بها إلى الله . { بل ضلوا عنهم } بطلوا عند نزول العذاب { وذلك إفكهم } أَيْ : كذبهم وكفرهم . يعني : قولهم : إنَّها تُقرِّبنا إلى الله .
{ وإذْ صرفنا إليك نفراً من الجن } كانوا تسعة نفرٍ من الجنِّ من نينوى من أرض الموصل ، وذلك أنَّه عليه السَّلام أُمر أن يُنذر الجنَّ ، فصرف إليه نفرٌ منهم ليتسمعوا ويبلِّغوا قومهم . { فلما حضروه } قال بعضهم لبعض : { أنصتوا } أَيْ : اسكتوا { فلما قضي } أَيْ : فرغ من تلاوة القرآن رجعوا { إلى قومهم منذرين } ؛ وقالوا لهم ما قصَّ الله في كتابه .
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)
{ ولم يعي بخلقهن } أَيْ : لم يضعف عن إبداعهنَّ . (1/907)
فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)
{ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل } أَيْ : ذوو الرَّأي والجدِّ ، وكلّهم أولو العزم إلاَّ يونس . وقيل : هم أصحاب الشَّرائع نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد منهم صلى الله عليهم أجمعين . { ولا تستعجل لهم } العذاب { كأنهم يوم يرون ما يوعدون } من العذاب في الآخرة { لم يلبثوا } في الدُّنيا { إلاَّ ساعة من نهار } لهولِ ما عاينوا ، ونسوا قدر مكثهم في الدُّنيا . { بلاغ } أَيْ : هذا القرآن بلاغٌ ، أَيْ : تبْليغٌ من الله تعالى إليكم على لسان محمَّد عليه السَّلام { فهل يهلك إلاَّ القوم الفاسقون } أَيْ : لا يُهلك مع رحمة الله وتفضُّله إلاَّ الكافرون . (1/908)
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3) فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8)
{ الذين كفروا } أهل مكَّة { وصدوا عن سبيل الله } ومنعوا النَّاس عن الإيمان بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم { أضلَّ أعمالهم } أحبطها ، فلا يرون في ألآخرة لها جزاءً . وقوله : (1/909)
{ كفَّر عنهم سيئاتهم } أَيْ : سترها وغفرها لهم { وأصلح بالهم } أمرهم وحالهم .
{ ذلك } الإِضلال والتَّكفير لاتِّباع الكافرين الباطل ، وهو الشَّيطان ، واتِّباع المؤمنين الحقَّ ، وهو القرآن . { كذلك يضرب الله للناس أمثالهم } أَيْ : كالبيان الذي ذُكر يُبيِّن الله للنَّاس أمثال سيئات الكافرين وحسنات المؤمنين .
{ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب } فاضربوا رقابهم ، أَيْ : فاقتلوهم { حتى إذا أثخنتموهم } أكثرتم فيهم القتل { فشدوا } وثاق الأسارى حتى لا يفلتوا منكم { فإمَّا منَّاً بعد } أَيْ : بعد أن تأسروهم؛ إمَّا مننتم عليهم فأطلقتموهم؛ وإمَّا أن تُفادوهم بمالٍ { حتى تَضَعَ الحرب أوزارها } أَيْ : اقتلوهم وأسروهم حتى لا يبقى كافرٌ يقاتلكم ، فتسكن الحرب وتنقطع ، وهو معنى قوله : { تضع الحرب أوزارها } أَيْ : يضع أهلها آلة الحرب من السِّلاح وغيره ، ويدخلوا في الإِسلام أو الذِّمَّة . { ذلك } أَيْ : افعلوا ذلك الذي ذكرت { ولو يشاء الله لانتصر منهم } أهلكهم بغير قتالٍ { ولكن ليبلو بعضكم ببعض } يمحِّص المؤمنين بالجهاد ، ويمحق الكافرين { والذين قتلوا في سبيل الله } وهم أهل الجهاد .
{ سيهديهم } في الدُّنيا إلى الطَّاعات ، وفي الآخرة إلى الدَّرجات { ويصلح بالهم } أمر معاشهم .
{ ويدخلهم الجنة عرَّفها لهم } بيَّن لهم مساكنهم فيها ، وعرَّفهم منازلهم .
{ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله } أَيْ : رسوله ودينه { ينصركم ويثبت أقدامكم } في مواطن القتال .
{ والذين كفروا فتعساً لهم } أَيْ : سقوطاً وهلاكاً { وأضلَّ أعمالهم } أبطلها؛ لأنَّها كانت للشَّيطان .