صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الوجيز في تفسير الكتاب العزيز |
وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (49) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50) تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (51)
{ ودع أذاهم } لا تُجازهم عليه إلى أن تُؤمر فيهم بأمرنا . (1/736)
{ يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات } تزوجتموهنَّ { ثمَّ طلقتموهنَّ من قبل أن تمسوهنَّ } تجامعوهنَّ { فمالكم عليهن من عدَّة تعتدونها } تحصونها عليهنَّ بالأقراء والأشهر؛ لأنَّ المُطلَّقة قبل الجماع لا عدَّة عليها { فمتعوهنَّ } أعطوهنَّ ما يستمتعن به ، وهذا أمر ندب؛ لأنَّ الواجب لها نصف الصَّداق { وسرحوهن سَراحاً جميلاً } بالمعروف كما أمر الله تعالى ، ثمَّ ذكر ما يحلُّ من النِّساء للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال :
{ يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن } مهورهنَّ { وما ملكت يمينك } من الإِماء { ممَّا أفاء الله عليك } جعلهنَّ غنيمة تُسبى وتُسترقُّ بحكم الشَّرع { وبنات عمك وبنات عماتك } أن يتزوجهنَّ ، يعني : نساء بني عبد المطلب { وبنات خالك وبنات خالاتك } يعني : نساء بني زُهرة { اللاتي هاجرن معك } فمن لم يهاجر منهنَّ لم يحلَّ له نكاحها { وامرأة } وأحللنا لك امرأةً { مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيِّ إن أراد النبيُّ أن يستنكحها } فله ذلك { خالصة لك من دون المؤمنين } فليس لغير النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يستبيح وطء امرأةٍ بلفظ الهبة من غير وليٍّ ، ولامهرٍ ، ولا شاهدٍ ، { قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم } وهو أن لا نكاح إلاَّ بوليٍّ وشاهدين { وما ملكت أيمانهم } يريد أنَّه لا يحلُّ لغير النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلاَّ أربع بوليٍّ وشاهدين ، وإلا ملك اليمين ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يحلُّ له ما ذكر في هذه الآية { لكيلا يكون عليك حرج } في النِّكاح .
{ ترجي من تشاء منهن } تُؤخِّر { وتؤوي } وتضمُّ { إليك مَنْ تشاء } أباح الله سبحانه له أن يترك القسمة والتَّسوية بين أزواجه ، حتى إنَّه ليؤخِّر مَنْ شاء منهنَّ عن وقت نوبتها ، ويطأ مَنْ يشاء من غير نوبتها ، ويكون الاختيار في ذلك إليه يفعل فيه ما يشاء ، وهذا من خصائصه { ومن ابتغيت } طلبتَ وأردتَ إصابتها { ممن عزلت } هجرتَ وأخَّرت نوبتها { فلا جناح عليك } في ذلك كلِّه { ذلك أدنى أن تقرَّ أعينهنَّ . . . . } الآية . إذا كانت هذه الرُّخصة مُنزَّلة من الله سبحانه عليك كان أقرب إلى أن { يرضين بما آتيتهن كلهنَّ والله يعلم ما في قلوبكم } من أمر النِّساء والميل إلى بعضهنَّ ، ولمَّا خيَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم نساءه فاخترنه ورضين به ، قصره الله سبحانه عليهنَّ ، وحرَّم عليه طلاقهنَّ والتَّزوُّج بسواهنَّ ، وجعلهنَّ أُمَّهات المؤمنين .
لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55)
{ ولا يحلُّ لك النساء من بعد } أَيْ : من بعد هؤلاء التِّسع { ولا أن تبدَّل بهنَّ من أزواجٍ ولو أعجبك حسنهنَّ } ليس لك أن تطلِّق واحدةً من هؤلاء ، ولا تتزوَّج بدلها أخرى أعجبتك بجمالها { إلاَّ ما ملكت يمينك } من الإِماء فإنهنَّ حلالٌ لك . (1/737)
{ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي . . . } الآية . نزلت في ناسٍ من المؤمنين كانوا يتحيَّنون طعام النبي صلى الله عليه وسلم ، فيدخلون عليه قبل الطَّعام إلى أن يدرك ، ثمَّ يأكلون ولا يخرجون ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأذَّى بهم ، وهو قوله : { غير ناظرين إناه } أيْ : منتظرين إدراكه { ولا مُسْتأنِسِين لحديث } طالبين الأنس { والله لا يستحيِ من الحق } لا يترك تأديبكم وحملكم على الحقِّ { وإذا سألتموهنَّ متاعاً فاسألوهنَّ من وراء حجاب } إذا أردتم أن تخاطبوا أزواج النبيِّ صلى الله عليه وسلم في أمرٍ فخاطبوهنَّ من وراء حجابٍ ، وكانت النِّساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرِّجال ، فلمَّا نزلت هذه الآية ضرب عليهنَّ الحجاب ، فكانت هذه آية الحجاب بينهنَّ وبين الرِّجال { ذلكم } أَيْ : الحجاب { أطهر لقلوبكم وقلوبهن } فإنَّ كلَّ واحدٍ من الرَّجل والمرأة إذا لم ير [ الآخر ] لم يقع في قلبه { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله } أَيْ : ما كان لكم أذاه في شيءٍ من الأشياء { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً } وذلك أنَّ رجلاً من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : لئن قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنكحنَّ عائشة رضي الله عنها وعن أبيها ، فأعلم الله سبحانه أنَّ ذلك محرَّمٌ بقوله : { إن ذلك كان عند الله عظيماً } أَيْ : ذنباً عظيماً .
{ إن تبدوا شيئاً أو تخفوه . . . } الآية . نزلت في هذا الرَّجل الذي قال : لأنكحنَّ عائشة ، أخبر الله أنَّه عالمٌ بما يُظهر ويُكتم ، فلمَّا نزلت آية الحجاب قالت الآباء والأبناء لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ونحن أيضاً نُكلِّمهنَّ من وراء الحجاب؟ فأنزل الله سبحانه : { لا جناح عليهن في آبائهنَّ ولا أبنائهنَّ ولا إخوانهنّ ولا أبناءِ إخوانهنّ ولا أبناءِ أخواتهنّ ولانسائهنّ ولا ما ملكت أيمانهن } أَيْ : في ترك الاحتجاب من هؤلاء .
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62)
{ إنَّ الله وملائكته يصلُّون على النبيِّ } الله تعالى يثني على النبيِّ ويرحمه ، والملائكة يدعون له { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً } قولوا : اللهم صلِّ على محمدٍ وسلِّمْ . (1/738)
{ إن الذين يؤذون الله ورسوله } يعني : اليهود والنَّصارى والمشركين في قولهم : { يد الله مغلولةٌ } و { إنَّ الله فقيرٌ } و { المسيحُ ابنُ الله } والملائكة بنات الله ، وشجُّوا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له : ساحرٌ وشاعرٌ .
{ والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا } يرمونهم بغير ما عملوا .
{ يا أيها النبي قل لأزواجك . . . } الآية . كان قومٌ من الزُّناة يتَّبعون النِّساء إذا خرجن ليلاً ، ولم يكونوا يطلبون إلاَّ الإِماء ، ولم يكن يؤمئذٍ تُعرفْ الحرَّة من الأمة؛ لأنَّ زِيَّهُنَّ كان واحداً ، إنَّما يخرجن في درعٍ وخمارٍ ، فنهى الله سبحانه الحرائر أن يتشبَّهنَّ بالإماء ، وأنزل قوله تعالى : { يدنين عليهنَّ من جلابيبهنَّ } أَيْ : يرخين أرديتهنَّ وملاحفهنَّ؛ ليعلم أنهنَّ حرائر فلا يتعرض لهنَّ ، وهو قوله : { ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً } لما سلف من ترك السِّتر { رحيماً } بهنَّ إذ يسترهنَّ .
{ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض } يعني : الزُّناة { والمرجفون في المدينة } الذين يوقعون أخبار السَّرايا بأنهم هُزموا بالكذب والباطل { لنغرينَّك بهم } لنسلطنَّك عليهم { ثم لا يجاورونك فيها } لا يساكنونك في المدينة { إلاَّ قليلاً } حتى يخرجوا منها .
{ ملعونين } مطرودين { أينما ثقفوا } وُجدوا { أخذوا وقتلوا تقتيلاً } .
{ سنة الله في الذين خلوا من قبل } سنَّ الله في الذين ينافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن يُقتلوا حيث ما ثقفوا .
وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70)
{ إنا أطعنا سادتنا } أَيْ : قادتنا ورؤساءنا في الشِّرك والضَّلالة . (1/739)
{ ربنا آتهم ضعفين من العذاب } مثلي عذابنا .
{ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى } لا تؤذوا نبيَّكم كما آذَوا هم موسى عليه السَّلام ، وذلك أنَّهم رموه بالبرص والأدرة حتى برَّأه الله مما رموه به بآيةٍ معجزةٍ { وكان عند الله وجيهاً } ذا جاهٍ ومنزلةٍ . وقوله :
{ وقولوا قولاً سديداً } أَيْ : حقَّاً وصواباً . قيل : هو لا إله إلاَّ الله .
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73)
{ إنا عرضنا الأمانة } الفرائض التي افترض الله سبحانه علىالعباد ، وشرط عليهم أنَّ مَنْ أدَّاها جُوزي بالإِحسان ، ومَنْ خان فيها عوقب . { على السموات والأرض والجبال } أفهمهنَّ الله سبحانه خطابه وأنطقهنَّ { فأبين أن يحملْنَها } مخافةً وخشيةً لا معصيةً ومخالفةً ، وهو قوله : { وأشفقن منها } أَيْ : خشين منها { وحملها الإِنسان } آدم عليه السَّلام { إنَّه كان ظلوماً } لنفسه { جهولاً } غِرَّاً بأمر الله سبحانه وما احتمل من الأمانة ، ثمَّ بيَّن أنَّ حمل آدم عليه السَّلام هذه الأمانة كان سبباً لتعذيب المنافقين والمشركين في قوله : (1/740)
{ ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات } يعني : إذا خانوا في الأمانة بمعصية أمر الله سبحانه تاب عليهم بفضله { وكان الله غفوراً رحيماً } .
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8)
{ الحمد لله } على جهة التَّعظيم { الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة } لأنَّ أهل الجنَّة يحمدونه . (1/741)
{ يعلم ما يلج في الأرض } يدخل فيها من الماء والأموات { وما يخرج منها } من النَّبات { وما ينزل من السماء } من الأمطار { وما يعرج } يصعد { فيها } من الملائكة .
{ وقال الذين كفروا } يعني : منكري البعث : { لا تأتينا الساعة } أَيْ : لا نبعث { قل } لهم يا محمَّدُ : { بلى وربي لتأتبينَّكم عالمِ الغيب } بالخفض من نعت قوله : { وربي } وبالرَّفع على معنى : هو عالم الغيب ، وقوله : { لا يعزب } مفسَّرٌ في سورة يونس ، وقوله :
{ ليجزي } يعود إلى قوله : { لتأتينكم } معناه : لتأتينَّكم السَّاعة { ليجزي الذين آمنوا . . . } الآية .
{ والذين سعوا في آياتنا } مفسَّر في سورة الحج .
{ ويرى الذين أوتوا العلم } يعني : مؤمني أهل الكتاب { الذي أنزل إليك من ربك } وهو القرآن { هو الحقَّ ويهدي إلى صراط العزيز } القرآن .
{ وقال الذين كفروا } إنكاراً للبعث وتعجُّباً منه : { هل ندلكم على رجل } وهو محمَّد صلى الله عليه وسلم { ينبئكم إذا مزقتم كلَّ ممزق } أَيْ : فُرِّقتم وصرتم رُفاتاً { إنكم لفي خلق جديد } أَيْ : تُبعثون .
{ أفترى على الله كذباً } فيما يُخبر به من البعث { أم به جنة } حالةُ جنونٍ . قال الله تعالى : { بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد } .
أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9) وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)
{ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض } يقول : أما يعلمون أنَّهم حيث ما كانوا فهم يرون ما بين أيديهم من الأرض والسَّماء مثل الذي خلفهم ، وأنَّهم لا يخرجون منها ، فكيف يأمنون؟! { إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء } عذاباً { إنَّ في ذلك لآية لكلِّ عبدٍ منيب } لعلامةً تدلُّ على قدرة الله سبحانه على إحياء الموتى لكلِّ مَنْ أناب إلى الله تعالى ، وتأمَّل ما خلق الله سبحانه . (1/742)
{ ولقد آتينا داود منَّا فضلاً } ثمَّ بيَّن ذلك فقال : { يا جبال } أَيْ : قلنا يا جبال { أوّبي معه } سبِّحي معه { والطير } كان إذا سبَّح جاوبته الجبال بالتَّسبيح ، وعكفت عليه الطَّير من فوقه تسعده على ذلك { وألنا له الحديد } جعلناه ليِّناً في يده ، كالطِّين المبلول والعجين ، وقلنا له :
{ أن اعمل سابغات } دروعاً كوامل { وقدِّر في السرد } لا تجعل مسمار الدِّرع دقيقاً فيفلق ، ولا غليظاً فيفصم الحلق . اجعله على قدر الحاجة ، والسَّرْد : نسج الدُّروع { واعملوا } يعني : داود وآله { صالحاً } عملاً صالحاً من طاعة الله تعالى .
{ ولسليمان الرِّيح } وسخَّرنا له الرِّيح { غدوها شهر } مسيرها إلى انتصاف النَّهار مسيرة شهر ، ومن انتصاف النَّهار إلى اللَّيل مسيرة شهر ، وهو قوله : { ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر } أذبنا له عين النُّحاس ، فسالت له كما يسيل الماء { ومن الجنِّ } أَيْ : سخَّرنا له من الجنِّ { مَنْ يعمل بين يديه بإذن ربه } بأمر ربه { ومَنْ يزغ } يمل ويعدل { منهم عن أمرنا } الذي أمرناه به من طاعة سليمان { نذقه من عذاب السعير } وذلك أنَّ الله تعالى وكَّل بهم ملكاً بيده سوطٌ من نار ، فمن زاغ عن أمر سليمان ضربه ضربةً أحرقته .
{ يعملون له ما يشاء من محاريب } مجالس ومساكن ومساجد { وتماثيل } صور الأنيباء؛ إذ كانت تصوَّر في المساجد ليراها النَّاس ، ويزدادوا عبادة { وجفانٍ } قصاعٍ كبارٍ { كالجوابِ } كالحياض التي تجمع الماء { وقدور راسيات } ثوابت لا تحرَّكن عن مكانها لعظمه ، وقلنا : { اعملوا } بطاعة الله يا { آل داود شكراً } له على نعمه .
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14) لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15)
{ فلما قضينا عليه الموت ما دلَّهم . . . } الآية . كان سليمان عليه السَّلام يقول : اللَّهم عمِّ على الجنِّ موتي؛ ليعلم الإِنس أنَّ الجنَّ لا يعلمون الغيب ، فمات سليمان عليه السَّلام مُتوكِّئاً على عصاه سنةً ، ولم تعلم الجنُّ ذلك حتى أكلت الأرضةُ عصاه ، فسقط ميِّتاً ، وهو قوله : { ما دلَّهم على موته إلاَّ دابَّةُ الأرض تأكل منسأته } عصاه { فلما خرَّ } سقط { تبينت الجن } علمت { أنْ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا } بعد موت سليمان { في العذاب المهين } فيما سخَّرهم فيه سليمان عليه السَّلام واستعملهم . (1/743)
{ لقد كان لسبأ } وهو اسم قبيلةٍ { في مساكنهم } باليمن { آية } دلالةٌ على قدرتنا { جنتان } أَيْ : هي جنَّتان { عن يمين وشمال } بستانٌ يمنةً ، وبستانٌ يسرةً ، وقيل لهم : { كلوا من رزق ربكم واشكروا له } على ما أنعم عليكم { بلدة طيبة } أَيْ : بلدتكم بلدةٌ طيِّبةٌ ليست بسبخةٍ { و } الله { ربٌّ غفور } والمعنى : تمتَّعوا ببلدتكم الطَّيِّبة واعبدوا ربَّاً يغفر ذنوبكم .
فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)
{ فأعرضوا } عن أمر الله تعالى بتكذيب الرُّسل { فأرسلنا عليهم سيل العرم } وهو السِّكْر الذي يحبس الماء ، وكان لهم سِكْرٌ يحبس الماء عن جنَّتيهم ، فأرسل الله تعالى فيه جرذاناً ثقبته ، فانبثق الماء عليهم ، فغرق جنَّاتهم { وبدلناهم بجنَّتيهم جنتين ذواتي أكل خمط } أَيْ : ثمرٍ مُرٍّ { وأثل } وهو الطَّرفاء { وشيء من سدر قليل } وذلك أنَّ الله تعالى أهلك أشجارهم المثمرة ، وأنبت بدلها الأراك والطَّرفاء والسِّدر . (1/744)
{ وذلك جزيناهم بما كفروا } أَيْ : جزيناهم ذلك الجزاء بكفرهم { وهل نجازي إلاَّ الكفور } بسوء عمله ، وذلك أنَّ المؤمن تُكفَّر عنه سيئاته ، والكافر يُجازى بكلِّ سوءٍ يعمله .
{ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها } يعني : قرى الشَّام ، { قرى ظاهرة } متواصلةً ، يُرى من هذه القرية القرية الأخرى ، فكانوا يخرجون من سبأ إلى الشَّام ، فيمرُّون على القرى العامرة { وقدرنا فيها السير } جعلنا سيرَهم بمقدارٍ ، إذا غدا أحدهم من قريةٍ قال في أخرى ، وإذا راح من قريةٍ أوى إلى أخرى ، وقلنا لهم : { سيروا فيها } في تلك القرى { ليالي وأياماً } أَيَّ وقت شئتم من ليلٍ أو نهارٍ { آمنين } لا تخافون عدوَّاً ولا جوعاً ولا عطشاً .
{ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا } وذلك أنَّهم سئموا الرَّاحة ، وبطروا النِّعمة فتمنَّوا أن تتباعد قراهم ليبعد سفرهم بينها { وظلموا أنفسهم } بالكفر والبطر { فجعلناهم أحاديث } لمَنْ بعدهم يتحدَّثون بقصَّتهم { ومزَّقناهم كلَّ ممزق } وفرَّقناهم في البلاد ، فصاروا يُتمثَّل بهم في الفُرقة ، وذلك أنَّهم ارتحلوا عن أماكنهم وتفرَّقوا في البلاد { إنَّ في ذلك } الذي فعلنا { لآيات لكلّ صبار شكور } أَيْ : لكلِّ مؤمنٍ؛ لأنَّ المؤمن هو الذي إذا ابتُليَ صبر ، وإذا أُعطيَ شكر .
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23)
{ ولقد صدَّق عليهم إبليس ظنَّه } الذي ظنَّ بهم من إغوائهم { فاتبعوه إلاَّ فريقاً من المؤمنين } أَيْ : وجدهم كما ظنَّ بهم إلاَّ المؤمنين . (1/745)
{ وما كان لهم عليهم من سلطان } من حجَّةٍ يستتبعهم بها { إلاَّ لنعلم } المعنى : لكن امتحانهم بإبليس لنعلم { مَنْ يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك } عُلِمَ وقوعه منه .
{ قل } يا محمد لمشركي قومك : { ادعوا الذين زعمتهم } أنَّهم آلهةٌ { من دون الله } وهذا أمرُ تهديدٍ ، ثمَّ وصفهم فقال : { لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما } في السَّموات ولا في الأرض { من شرك } شركةٍ { وما له } لله { منهم من ظهير } عونٍ . يريد : لم يُعنِ اللَّهَ على خلق السَّموات والأرض آلهتُهم ، فكيف يكونون شركاء له؟ ثمَّ أبطل قولهم أنَّهم شفعاؤنا عند الله فقال :
{ ولا تنفع الشفاعة عنده إلاَّ لمن أذن له } أَيْ : أذن الله له أن يشفع { حتى إذا فزّع } أذهب الفزع { عن قلوبهم } يعني : كشف الفزع عن قلوب المشركين بعد الموت إقامةً للحجَّة عليهم وتقول لهم الملائكة : { ماذا قال ربكم } ؟ فيما أوحى إلى أنبيائه { قالوا الحق } فأقرُّوا حين لا ينفعهم الإِقرار .
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28)
{ قل من يرزقكم من السموات } المطر { و } من { الأرض } النَّبات ، ثمَّ أمره أن يخبرهم فقال : { قل الله } أَيْ : الذي يفعل ذلك الله ، وهذا احتجاجٌ عليهم ، ثمَّ أمره بعد إقامة الحجَّة عليهم أن يُعرَّض بكونهم على الضَّلال فقال : { وإنا أو إياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين } أَيْ : نحن أو أنتم إمَّا على هدىً أو ضلالٍ ، والمعنى : أنتم الضَّالون حيث أشركتم بالذي يرزقكم من السَّماء والأرض ، وهذا كما تقول لصاحبك إذا كذب : أحدنا كاذبٌ ، وتعنيه ، ثمَّ بيَّن براءته منهم ومن أعمالهم فقال : (1/746)
{ قل لا تسألون عما أجرمنا . . . } الآية . وهذا كقوله تعالى : { لكم دينكم ولي دين } ثمَّ أخبر أنَّه يجمعهم في القيامة ، ثمَّ يحكم بينهم ، وهو قوله تعالى :
{ قل يجمع بيننا ربنا ثمَّ يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم } .
{ قل أروني الذين ألحقتم به شركاء } ألحقتموهم بالله تعالى في العبادة ، يعني : الأصنام ، أَيْ : أرونيهم هل خلقوا شيئاً ، وهذه الآية مختصرةٌ ، تفسيرها قوله تعالى : { قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دُونِ اللَّهِ أروني ماذا خلقوا من الأرضِ أَمْ لهم شِركٌ في السَّموات } ثمَّ قال : { كلا } أيْ : ليس الأمر على ما يزعمون { بل هو الله العزيز الحكيم } .
{ وما أرسلناك إلاَّ كافَّة للناس } جامعاً لهم كلَّهم بالإِنذار والتَّبشير { ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون } ذلك .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ (37)
{ ولا بالذي بين يديه } أَيْ : من الكتب المُتقدِّمة ، وقوله : { يرجع بعضهم إلى بعض القول } أَيْ : في التَّلاوم ، ثمَّ ذكر إيش يرجعون فقال : { يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين } . (1/747)
{ قال الذين استكبروا للذين استضعفوا : أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين } .
{ وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا : بل مكر الليل والنهار } أَيْ : مكركم بنا فيهما { إذ تأمروننا أن نكفر بالله } { وأسروا } : وأظهروا .
{ وما أرسلنا من قرية من نذير } نبيٍّ يُنذرهم { إلاَّ قال مترفوها } رؤساؤها وأغنياؤها { إنَّا بما أُرسلتم به كافرون } .
{ وقالوا } للرُّسل : { نحن أكثر أموالاً وأولاداً } منكم . يعنون أنَّ الله سبحانه رضي منَّا حيث أعطانا المال { وما نحن بمعذبين } كما تقولون .
{ قل إنَّ ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } وليس ذلك ممَّا يدلُّ على العواقب { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ذلك .
{ وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى } أَيْ : قُربى . يعني : تقريباً { إلاَّ من آمن } لكنْ مَنْ آمن { وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف } من الثَّواب بالواحد عشرة { وهم في الغرفات آمنون } قصور الجنَّة .
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41)
{ وما أنفقتم من شيء } ما تصدَّقتم من صدقةٍ { فهو يخلفه } يعطي خلفه؛ إمَّا عاجلاً في الدُّنيا؛ وإمَّا آجلاً في الآخرة . (1/748)
{ ويوم نحشرهم جميعاً } العابدين والمعبودين { ثم نقول للملائكة } توبيخاً للكفَّار : { أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } .
{ قالوا سبحانك } تنزيهاً لك { أنت ولينا } الذي نتولاَّه ويتولاَّنا { من دونهم بل كانوا يعبدون الجن } يُطيعون إبليس وأعوانه { أكثرهم بهم مؤمنون } مُصدِّقون ما يمنُّونهم ويعدونهم .
وَمَا آَتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آَتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (45) قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (48) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49)
{ وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير } يعني : مشركي مكَّة لم يكونوا أهل كتابٍ ، ولا بُعث إليهم نبيٌّ قبل محمد صلى الله عليه وسلم . (1/749)
{ وكذب الذين من قبلهم } من الأمم { وما بلغوا } يعني : مشركي مكَّة { معشار } عشر { ما آتيناهم } من القُوَّة والنِّعمة { فكذبوا رسلي فكيف كان نكيرِ } إنكاري عليهم ما فعلوا بالإِهلاك والعقوبة؟
{ قل إنما أعظكم بواحدة } بخصلةٍ واحدةٍ ، وهي الطَّاعة لله تعالى { أن تقوموا } لأن تقوموا { لله مثنى وفرادى } مُجتمعين ومُنفردين { ثم تتفكروا } فتعلموا { ما بصاحبكم } محمَّد { من جنةٍ } من جنونٍ { إنْ هو إلاَّ نذير لكم } ما هو إلاَّ نذيرٌ لكم { بين يدي عذاب شديد } إنْ عصيتموه .
{ قل ما سألتكم من أجر } على تبليغ الرِّسالة { فهو لكم إن أجري إلاَّ على الله } يعني : إنَّما أطلب الثَّواب من الله لا عَرضاً من الدُّنيا .
{ قل إنَّ ربي يقذف بالحق } يُلقيه إلى أنبيائه .
{ قل جاء الحق } جاء أمر الله الذي هو الحقُّ { وما يبدىء بالباطل وما يعيد } أَيْ : ما يخلق إبليس أحداً ولا يبعثه ، إنَّما يفعل ذلك الله تعالى .
قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50) وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (51) وَقَالُوا آَمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (52) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (53) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54)
{ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي } أَيْ : على نفسي يكون وبال ضلالي ، وهذا إخبارٌ أنَّ مَنْ ضلَّ فإنما يضرُّ نفسه { وإن اهتديت فبما يوحي إليَّ ربي } يعني : لولا الوحيُ ما كنت أهتدي . (1/750)
{ ولو ترى } يا مُحمّد { إذ فزعوا } عن البعث { فلا فوت } لهم منَّا { وأخذوا من مكان قريب } على الله وهو القبور .
{ وقالوا } حين عاينوا العذاب { آمنا به } بالله { وأنى لهم التناوش } أَيْ : كيف يتناولون التَّوبة . وقيل : الرَّجعة ، وقد بعدت عنهم ، يريد : إنَّ التَّوبة كانت تُقبل عنهم في الدُّنيا ، وقد ذهبت الدُّنيا وبعدت عن الآخرة .
{ وقد كفروا به } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { من قبل } أَيْ : في الدُّنيا { ويقذفون بالغيب } يرمون محمداً صلى الله عليه وسلم بالكذب والبهتان ظنَّاً لا يقيناً { من مكان بعيد } وهو أنَّ الله تعالى أبعدهم قبل أن يعلموا صدق محمد صلى الله عليه وسلم .
{ وحيل بينهم } مُنعوا ممَّا يشتهون من التَّوبة والإِيمان والرُّجوع إلى الدنيا { كما فُعل بأشياعهم } ممَّن كانوا على مثل دأبهم من تكذيب الرُّسل قبلهم حين لم يقبل منهم الإِيمان والتَّوبة { إنهم كانوا في شك } من أمر الرُّسل والبعث { مريب } موقعٍ للرِّيبة والتُّهمة .
الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4)
{ الحمد لله فاطر السموات والأرض } خالقهما على ابتداء { جاعل الملائكة رسلاً أولي } أصحاب { أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق } في خلق الملائكة وأجنحتها { ما يشاء } . (1/751)
{ ما يفتح الله للناس من رحمة } رزقٍ ومطرٍ ، فلا يقدر أحدٌ أن يمسكه ، والذي يمسك لا يرسله أحد .
{ يا أيها الناس } خطاب أهل مكَّة { اذكروا نعمة الله عليكم } بالرِّزق والمطر وسائر ذلك . { هل من خالق غير الله } هل يخلق أحدٌ سواه ، ثُمَّ { يرزقكم من السماء } المطر { و } من { الأرض } النَّبات { لا إله إلا هو فأنى تؤفكون } من أين يقع لكم الإِفك والكذب بتوحيد الله؟! ثمَّ عزَّى نبيَّه عليه السَّلام بقوله :
{ وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور } .
أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8)
{ أفمن زين له سوء عمله } بإضلال الله تعالى إيَّاه ، فرأى قبيح ما يعمله حسناً { فإنَّ الله يضلُّ مَنْ يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } لا تغتمَّ لكفرهم ولا تتحسَّر على تركهم الإيمان . (1/752)
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11) وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)
{ مَنْ كان يريد العزة } أَيْ : عِلْمَ العزَّةِ لمَنْ هي { فللَّه العزة جميعاً إليه يصعد الكلم الطيب } إليه يصل الكلام الذي هو توحيده ، وهو قول لا إله إلا الله { والعمل الصالح } يرفع ذلك الكلم الطَّيَّب ، والكلم الطَّيَّب : ذكر الله تعالى . والعمل الصَّالح : أداء فرائضه ، فمن قال حسناً وعمل صالحاً رفعه العمل ، ومعنى الرَّفع رفعه إلى محل القبول { والذين يمكرون السيئات } يعني : الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار النَّدوة . { ومكر أولئك هو يبور } أي : يفسد ويبطل . وقوله تعالى : (1/753)
{ وما يعمَّر من معمَّر } أَيْ : ما يُطوَّل عُمر أحدِ { ولا ينقص من عمره } ولا يكون أحدٌ ناقص العمر إلاَّ وهو مُحصىً في الكتاب . يعني : عدد عمر الطَّويل العمر ، وعمر القصير العمر .
{ وما يستوي البحران هذا عَذْبٌ فرات } شديد العذوبة { وهذا ملح أجاج } شديد المرارة { ومن كلٍّ } من الملح والعذب { تأكلون لحماً طرياً } من السَّمك { وتستخرجون } منه من الملح { حلية تلبسونها } يعني : المرجان ، وإنَّما ذكر هذا للدَّلالة على قدرته . وقوله :
{ من قطمير } يعني : لفافة النَّواة .
{ ويوم القيامة يكفرون بشرككم } أَيْ : يقولون : ما كنتم إيَّانا تعبدون { ولا ينبئك مثل خبير } وهو الله عزَّ وجلَّ .
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)
{ ولا تزرُ وازِرَةٌ } أَيْ : لا تحمل نفسٌ حاملةٌ { وزِرْ أخرى } حِمل نفسٍ أخرى { وإن تدع مثقلة } نفسٌ مُثقَلةٌ بالذُّنوب { إلى حملها } ذنوبها { لا يحمل منه شيء ولو كان } المدعو { ذا قربى } مثل الأب والابن { إنما تنذر الذين يخشون ربَّهم بالغيب } إنَّما ينفع إنذارك الذين يخافون الله تعالى ، ولم يروه { ومَنْ تزكَّى } عمل خيراً . (1/754)
{ وما يستوي الأعمى } عن الحقِّ ، وهو الكافر { والبصير } الذي يبصر رشده ، وهو المؤمن .
{ ولا الظلمات ولا النور } يعني : الكفر والإيمان .
{ ولا الظل ولا الحرور } يعني : الجنَّة التي فيها ظلٌّ دائمٌ ، والنَّار التي لها حرارةٌ شديدةً .
{ وما يستوي الأحياء ولا الأموات } يعني : المؤمنين والكفَّار { إنَّ الله يُسمع من يشاء } فينتفع بذلك { وما أنت بمسمع مَنْ في القبور } يعني : الكفَّار ، شبَّههم بالأموات ، أيْ : كما لا يسمع أصحاب القبور كذلك لا يسمع الكفَّار .
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)
{ ومن الجبال جدد بيض وحمر } أَيْ : طرائق تكون في الجبال كالعروق بيض وحمر ، { وغرابيب سود } وهي الجبال ذات الصُّخور السُّود . (1/755)
{ ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك } أَيْ : كاختلاف الجبال والثَّمرات في اختلاف الألوان . { إنما يخشى الله من عباده العلماء } أَيْ : مَنْ كان عالماً بالله اشتدَّت خشيته . وقوله :
{ يرجون تجارة لن تبور } يعني : لن تكسد ولن تفسد .
{ إنه غفور } لذنوبهم { شكور } لحسناتهم .
{ ثمَّ أورثنا } أعطينا بعد هلاك الأمم { الكتاب } القرآن ل { الذين اصطفينا من عبادنا } وهم أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ ذكر أصنافهم فقال : { فمنهم ظالم لنفسه } وهو الذي زادت سيئاته على حسناته { ومنهم مقتصد } وهو الذي استوت حسناته وسيِّئاته { ومنهم سابق الخيرات } وهو الذي رجحت حسناته { بإذن الله } بقضائه وإرادته . { ذلك هو الفضل الكبير } يعني : إيتاء الكتاب .
وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37)
{ الحمد له الذي أذهب عنا الحَزَنَ } يعني : كلَّ ما يحزن له الإنسان من أمر المعاش والمعاد . (1/756)
{ الذي أحلنا } أنزلنا { دار المقامة } دار الخلود { من فضله } أَيْ : ذلك بتفضُّله لا بأعمالنا { لا يمسنا فيها نصب } تعبٌ { ولا يمسنا فيها لغوب } إعياءٌ .
{ والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا } .
{ وهم يصطرخون } يستغيثون . وقوله : { أولم نعمركم ما يتذكَّر فيه مَنْ تذكَّر } أَيْ : العمر الذي يتَّعظ فيه ، يرجع فيه إلى الله مَنْ يتَّعظ ، وهو ستون سنةً { وجاءكم النذير } يعني : الرَّسول ، وقيل : الشَّيب .
هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (39) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (40) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43)
{ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } أَيْ : جعلكم أُمَّةً خلقت مَنْ قبلها من الأمم . (1/757)
{ قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني } أخبروني عنهم { ماذا خلقوا من الأرض } . أَيْ : بأيِّ شيءٍ أوجبتم لهم الشِّركة مع الله ، أَلخلقٍ خلقوه من الأرض { أم لهم شرك في } خلق { السموات أم آتيناهم } أعطينا المشركين { كتاباً } بما يدَّعونه من الشِّرك { فهم على بيَّنةٍ } من ذلك الكتاب { بل إن يعد الظالمون } ما يعد بعض الظالمين بعضاً { إلاَّ غروراً } أباطيل .
{ إنَّ الله يمسك السموات والأرض أن تزولا } لئلا تزولا وتتحرَّكا { ولئن زالتا } ولو زالتا { إن أمسكهما } ما أمسكهما { من أحدٍ من بعده } سوى الله تعالى .
{ وأقسموا بالله جهد إيمانهم } يعني : المشركين ، كانوا يقولون قبل بعثه محمد صلى الله عليه وسلم لئن أتانا رسولٌ { ليكونن أهدى من إحدى الأمم } أَيْ : من اليهود والنَّصارى والمجوس { فلما جاءهم نذير } هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم { ما زادهم } مجئيه { إلاَّ نفوراً } عن الحقِّ .
{ استكباراً في الأرض } أَيْ : استكبروا عن الإيمان استكباراً ، { ومكر السَّيِّىء } ومكروا المكر السَّيِّىءَ ، وهو مكرهم بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ليقتلوه { ولا يحيق } أَيْ : يحيط { المكرُ السيِّىء إلاَّ بأهله } فحاق بهم مكرهم يوم بدرٍ . { فهل ينظرون } بعد تكذيبك { إلاَّ سنة الأولين } يعني : العذاب .
وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)
{ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا } من الجرائم { ما ترك على ظهرها } على ظهر الأرض { من دابة } من الإنس والجنِّ وكلِّ ما يعقل { ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمَّىً فإذا جاء أجلهم فإنَّ الله كان بعباده بصيراً } . (1/758)
يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)
{ يس } يا إنسان . (1/759)
{ والقرآن الحكيم } أقسم الله تعالى بالقرآن المحكم أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم من المرسلين ، وهو قوله :
{ إنك لمن المرسلين } .
{ على صراط مستقيم } على طريق الأنبياء الذين تقدَّموك .
{ تنزيل } أَيْ : القرآن تنزيل { العزيز الرحيم } .
{ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم } في الفترة { فهم غافلون } عن الإيمان والرُّشد .
{ لقد حقَّ القول } وجبت عليهم كلمة العذاب { فهم لا يؤمنون } ثمَّ بيَّن سبب تركهم الإيمان .
إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14)
{ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً } أراد : في أعناقهم وأيديهم؛ لأنَّ الغلَّ لا يكون في العنق دون اليد { فهي إلى الأذقان } أَيْ : فأيديهم مجموعةٌ إلى أذقانهم؛ لأنَّ الغلَّ يجعل في اليد ممَّا يلي الذقن { فهم مقمحون } رافعو رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق؛ لأنَّ مَنْ غُلَّت يده إلى ذقنه ارتفع رأسه ، وهذا مَثَلٌ معناه : أمسكنا أيديهم عن النَّفقة في سبيل الله بموانعَ كالأغلال . (1/760)
{ وجعلنا من بين أيديهم سدَّاً ومن خلفهم سداً } هذا وصف إضلال الله تعالى إيَّاهم ، فهو بمنزلة مَنْ سُدَّ طريقه من بين يديه ومن خلفه . يريد : إنَّهم لا يستطيعون أن يخرجوا من ضلالهم { فأغشيناهم } فأعميناهم عن الهدى { فهم لا يُبصرون } ه ثم ذكر أنَّ هؤلاء لا ينفعهم الإِنذار فقال :
{ وسواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } .
{ إنما تنذر من اتبع الذكر } إنما ينفع إنذارك من اتَّبع القرآن فعمل به { وخشي الرحمن بالغيب } خاف الله تعالى ولم يره .
{ إنا نحن نُحْيِ الموتى } عند البعث { ونكتب ما قدَّموا } من الأعمال { وآثارهم } ما استُنَّ به بعدهم . وقيل : خطاهم إلى المساجد { وكلَّ شيء أحصيناه } عددناه وبيَّناه { في إمام مبين } وهو اللَّوح المحفوظ .
{ واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية } وهي أنطاكية { إذ جاءها المرسلون } رسل عيسى عليه السَّلام .
{ إذْ أرسلنا إليهم اثنين } من الحوارييِّن { فكذبوهما فَعَزَّزْنا بثالث } قوَّينا الرِّسالة برسولٍ ثالثٍ .
قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24)
{ إنّا تطيرنا بكم } أَيْ : تشاءمنا ، وذلك أنَّهم حُبس عنهم المطر ، فقالوا : هذا بشؤمكم { لئن لم تنتهوا لَنَرْجُمَنَّكم } لنقتلنَّكم رجماً بالحجارة . (1/761)
{ قالوا طائركم معكم } شؤمكم معكم بكفركم { أَإِنْ ذكرتم } وُعظتم وخُوِّفتم تطيَّرتم { بل أنتم قوم مسرفون } مُجاوزون الحدّ بشرككم .
{ وجاء من أقصى المدينة رجل } وهو حبيب النَّجار ، كان قد آمن بالرُّسل ، وكان منزله في أقصى البلد ، فلمَّا سمع أنَّ القوم كذَّبوهم وهمُّوا بقتلهم أتاهم يأمرهم بالإيمان ، فقال : { يا قوم اتبعوا المرسلين } .
{ اتبعوا مَنْ لا يسألكم أَجْراً } على أداء النُّصح وتبليغ الرِّسالة { وهم مهتدون } يعني : الرُّسل ، فقيل له : أنت على دين هؤلاء؟ فقال :
{ ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون } .
{ أأتخذ من دونه إلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغنِ عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون } .
{ إني إذاً لفي ضلال مبين } .
إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32) وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)
{ إني آمنت بربكم فاسمعون } فلمَّا قال ذلك وثبوا إليه فقتلوه ، فأدخله الله تعالى الجنَّة ، فذلك قوله تعالى : (1/762)
{ قيل ادخل الجنَّة } فلمَّا شاهدها قال : { يا ليت قومي يعلمون } .
{ بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين } أَيْ : بمغفرة ربِّي .
{ وما أنزلنا على قومه } يعني : على قوم حبيب { من جند من السماء } لنصرة الرُّسل الذين كذَّبوهم . يريد : لم نحتج في إهلاكهم إلى إرسال جند .
{ إن كانت } ما كانت عقوبتهم { إلاَّ صيحة واحدة } صاح بهم جبريل عليه السَّلام ، فماتوا عن آخرهم ، وهو قوله : { فإذا هم خامدون } ساكنون قد ماتوا .
{ يا حسرة على العباد } يعني : هؤلاء حين استهزؤوا بالرُّسل ، فتحسَّروا عند العقوبة .
{ ألم يروا } يعني : أهل مكَّة { كم أهلكنا قبلهم من القرون أنَّهم إليهم لا يرجعون } يعني : ألم يروا أنَّ الذين أهلكناهم قبلهم لا يرجعون إليهم .
{ وإن كل } وما كلُّ مَنْ خُلق مِن الخلق إلاَّ { جميع لدينا محضرون } عند البعث يوم القيامة يحضرهم ليقفوا على ما عملوا .
{ وآية لهم } على البعث { الأرض الميتة أحييناها } .
لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36) وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41)
{ وما عملته أيديهم } أَيْ : لم تعمله ولا صنع لهم في ذلك . (1/763)
{ سبحان الذي خلق الأزواج كلها } أَيْ : الأجناس من النَّبات والحيوان { وممَّا لا يعلمون } ممَّا خلق الله سبحانه من جميع الأنواع والأشباه .
{ وآية لهم } ودلالةٌ لهم على توحيد الله سبحانه وقدرته { الليل نسلخ } نُخرج { منه النهار } إخراجاً لا يبقى معه شيء من ضوء النَّهار ، والمعنى : ننزع النَّهار فنذهب به ، ونأتي باللَّيل { فإذا هم مظلمون } داخلون في الظَّلام .
{ والشمس } أَيْ : وآيةٌ لهم الشَّمس { تجري لمستقرٍ لها } عند انقضاء الدُّنيا .
{ والقمر قدرنا منازل } ذا منازلٍ { حتى عاد } في آخر منزله { كالعرجون القديم } وهو عود الشِّمراخ إذا يبس اعوجَّ .
{ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر } فيجتمعا معاً { ولا الليل سابق النهار } يسبقه فيأتي قبل انقضاء النَّهار { وكلٌّ } من الشَّمس والقمر والنُّجوم { في فلك يسبحون } . [ يسيرون ] .
{ وآية لهم أنا حملنا ذريتهم } أباهم { في الفلك المشحون } يعني : سفينة نوحٍ عليه السَّلام .
وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49)
{ وخلقنا لهم من مثله } من مثل جنس سفينة نوح { ما يركبون } في البحر . (1/764)
{ وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم } فلا مُغيث لهم { ولا هم يُنقذون } يُنجون .
{ إلاَّ رحمةً منا ومتاعاً إلى حين } أَيْ : إلا أن نَرحمهم ونُمتِّعهم إلى انقضاء آجالهم .
{ وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم } العذاب الذي عُذِّب به الأمم قبلكم { وما خلفكم } يعني : عذاب الآخرة { لعلكم ترحمون } لكي تكونوا على رجاء الرَّحمة ، وجواب { إذا } محذوف تقديره : وإذا قيل لهم هذا أعرضوا ، ودلَّ على هذا قوله تعالى :
{ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلاَّ كانوا عنها معرضين } .
{ وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله } كان فقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون للمشركين : أعطونا من أموالكم ما زعمتم أنَّها لله تعالى ، فكانوا يقولون استهزاءً : { أنطعم مَن لو يشاء الله أطعمه } فقال الله تعالى : { إن أنتم إلاَّ في ضلال مبين } .
{ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } أنَّا نُبعث .
{ ما ينظرون } ما ينتظرون { إلاَّ صيحة واحدة } وهي نفخة إسرافيل { تأخذهم وهم يخصمون } يختصمون ، يُخاصم بعضهم بعضاً . يعني : يوم تقوم الساعة وهم في غفلةٍ عنها .
فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53)
{ فلا يستطيعون } بعد ذلك أن يُوصوا في أمورهم بشيءٍ { ولا إلى أهلهم يرجعون } لا ينقلبون إلى أهليهم من الأسواق ، ويموتون في مكانهم . (1/765)
{ ونفخ في الصور } يعني : نفخة البعث { فإذا هم من الأجداث } القبور { إلى ربهم ينسلون } يخرجون بسرعة .
{ قالوا : يا وليا مَنْ بعثنا من مرقدنا } أَيْ : منامنا ، وذلك أنَّهم كانوا قد رُفع عنهم العذاب فيما بين النَّفختين ، فيرقدون ثم يقولون : { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } أقرُّوا حين لم ينفعهم .
{ إن كانت إلاَّ صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون } يريد : إنَّ بعثهم وإحياءهم كان بصيحة تُصاح بهم ، وهو قول إسرافيل عليه السَّلام : أيَّتها العظام البالية .
إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55)
{ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل } بافتضاض الأبكار { فاكهون } ناعمون فرحون مُعجبون . (1/766)
لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60)
{ ولهم ما يدعون } يتمنَّون . (1/767)
{ سلام } أَيْ : لهم سلامٌ { قولاً } يقوله الله عزَّ وجلَّ قولاً .
{ وامتازوا اليوم أيها المجرمون } أَيْ : انفردوا عن المؤمنين .
{ ألم أعهد إليكم } ألم آمركم { يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنَّه لكم عدوٌ مبين } .
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62)
{ ولقد أضل منكم جبلاً } خلقاً { كثيراً أفلم تكونوا تعقلون } عدوانه وإضلاله . (1/768)
اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64)
{ اصلوها اليوم } اُدخلوها وقاسوا حرَّها { بما كنتم تكفرون } بكفركم . (1/769)
وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (67) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70)
{ ولو نشاء لطمسنا على أعينهم } لأعميناهم وأذهبنا أبصارهم { فاستبقوا الصراط } فتبادروا إلى الطَّريق { فأنى } يبصرون حينئذٍ وقد طمسنا أعينهم؟ (1/770)
{ ولو نشاء لمسخناهم } حجارةً وقردةً وخنازير { على مكانتهم } في منازلهم { فما استطاعوا مُضيّاً ولا يرجعون } أَيْ : لم يقدروا على ذهابٍ ولا مجيءٍ .
{ ومَنْ نعمره ننكسه في الخلق } مَنْ أطلنا عمره نكَّسنا خلقه ، فصار بدل القوَّة صعفاً ، وبدل الشَّباب هرماً { أفلا تعقلون } أنَّا نفعل ذلك .
{ وما علمناه الشعر } لم نعلِّمْ محمداً صلى الله عليه وسلم قول الشِّعر { وما ينبغي له } وما يتسهَّل له ذلك { إن هو } أَيْ : لس الذي أتى به { إلاَّ ذكرٌ وقرآن مبين } .
{ لينذر مَنْ كان حيَّاً } عاقلاً ، فلا يغفل ما يُخاطب به؛ لأنَّ الكافر كالميِّت { ويحق القول على الكافرين } تجب الحُجَّة عليهم .
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72)
{ أَوَلَمْ يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً } أَيْ : عملناه من غير واسطةٍ ولا توكيلٍ ، ولا شريكٍ أعاننا { أنعاماً فهم لها مالكون } ضابطون . (1/771)
{ وذللناها } سخَّرناها { لهم فمنها ركوبهم } ما يركبون .
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)
{ واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون } يُمنعون من عذاب الله تعالى . (1/772)
{ لا يستطيعون نصرهم } لا تنصرهم آلهتهم { وهم لهم جند محضرون } . في النار؛ لأنَّ أوثانهم معهم فيها .
{ فلا يحزنك قولهم } فيك بالسُّوء والقبيح . { إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون } فنجازيهم بذلك .
{ أَوَلَمْ ير الإِنسان أنا خلقناه من نطفة } يعني : العاص بن وائل . وقيل : أُبيّ بن خلف { فإذا هو خصيم مبين } جَدِلٌ بالباطل ، خاصم النبيَّ صلى الله عليه وسلم في إنكار البعث ، وهو قوله :
{ وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه } وهو أنَّه قال : متى يُحيي الله العظيم البالي المتفتِّت؟ ونسي ابتداء خلقه؛ لأنَّه لو علم ذلك ما أنكر الإِعادة ، وهذا معنى قوله : { قال : مَنْ يُحْيِ العظام وهي رميم } أَيْ : باليةٌ .
{ قل : يحييها الذي أنشأها } خلقها { أول مرة وهو بكلّ خلق } من الابتداء والإِعادة { عليم } .
{ الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً } يعني : المرخ والعفار ، ومنهما زنود الأعراب { فإذا أنتم منه توقدون } تورون النَّار ، ثمَّ احتجَّ عليهم بخلق السَّموات والأرض ، فقال :
{ أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم } ثمَّ ذكر كمال قدرته فقال :
{ إنما أمره إذا أراد شيئاً } أَيْ : خلق شيءٍ { أن يقول له كن فيكون } ذلك الشَّىء .
{ فسبحان } تنزيهاً لله سبحانه من أن يُوصف بغير القدرة على الإعادة { الذي بيده ملكوت كلِّ شيء } أَيْ : القدرة على كلِّ شيء { وإليه ترجعون } تُردُّون في الآخرة .
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7)
{ والصافات صفاً } يعني : صفوف الملائكة في السَّماء . (1/773)
{ فالزاجرات زجراً } يعني : الملائكة تزجر السَّحاب وتسوقه .
{ فالتاليات ذكراً } جماعة قرَّاء القرآن .
{ إن إلهكم لواحد } أقسم الله سبحانه بهؤلاء أنَّ إلهكم لواحد .
{ وربّ المشارق } مطالع الشمس .
{ إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب } بضوئها ، { و } حفظناها .
{ حفظاً من كلِّ شيطان مارد } متمرِّدٍ خبيثٍ .
لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (11) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12)
{ لا يَسَّمَّعون إلى الملأ الأعلى } يعني : الملائكة . { ويقذفون من كلّ جانب } ويُرمون . (1/774)
{ دحوراً } يُدحرون دحوراً ، أَيْ : يُباعدون { ولهم عذاب واصب } دائم .
{ إلاَّ من خطف الخطفة } سمع الكلمة من الملائكة فأخذها بسرعةٍ { فأتبعه } لقحه { شهاب ثاقب } كوكبٌ مضيءٌ .
{ فاستفتهم } فسلهم . يعني : أهل مكَّة { أهم أشد خلقاً أم من خلقنا } من الأمم السَّالفة قبلهم ، وغيرهم من السَّموات والأرض { إنا خلقناهم من طين لازب } لاصقٍ لازمٍ .
{ بل عجبت } يا محمَّد من تكذيبهم إيَّاك { و } هم { يسخرون } من تعجُّبك .
وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (15)
{ وإذا رأوا آية } معجزةً سخروا . (1/775)
{ وقالوا إن هذا إلاَّ سحر مبين } .
قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (18) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29)
{ قل : نعم } تبعثون { وأنتم داخرون } صاغرون أذلاَّء . (1/776)
{ فإنما هي } يعني : القيامة { زجرة } صيحةٌ { واحدة فإذا هم } أحياءٌ { ينظرون } سوء أعمالهم . وقيل : ما كذَّبوا به .
{ وقالوا : يا ويلنا هذا يوم الدين } يوم نُجازى فيه بما عملنا .
{ هذا يوم الفصل } بين الحقِّ والباطل . { الذي كنتم به تكذبون } .
{ احشروا الذين ظلموا } كفروا { أزواجهم } قرناءهم من الشَّياطين وأوثانهم .
{ فاهدوهم } دلُّوهم إلى النار .
{ وقفوهم } احبسوهم { إنهم مسؤولون } عن أقوالهم وأفعالهم .
{ مالكم لا تناصرون } لا ينصر بعضكم بعضاً .
{ بل هم اليوم مستسلمون } مُنقادون .
{ وأقبل بعضهم على بعض } يعني : الأتباع والرُّؤساء { يتساءلون } يتخاصمون .
{ قالوا } يعني : الأتباع للرُّؤساء { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } تقهروننا بالقوَّة من قبل الدِّين ، فتضلُّونا عنه .
{ قالوا بل لم تكونوا مؤمنين } أَيْ : إنَّما الكفر من قِبَلِكم .
فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31)
{ فحق علينا } جميعاً { قول ربنا } كلمة العذاب . (1/777)
إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41)
{ إلاَّ عباد الله المخلصين } المؤمنين لكن عباد الله المخلصين . (1/778)
{ أولئك لهم رزق معلوم } بكرةً وعشياً .
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56)
{ بكأس من معين } خمرٍ تجري على وجه الأرض . (1/779)
{ بيضاء لذة للشَّاربين } ذات لذَّةٍ .
{ لا فيها غولٌ } داءٌ ولا وجعٌ { ولا هم عنها ينزفون } لا تذهب بعقولهم .
{ وعندهم قاصرات الطرف } نساء لا ينظرن إلى غير أزواجهنَّ { عين } نُجْل العيون .
{ كأنهن بيض } في صفاء لونها { مكنون } يستره ريش النَّعام .
{ فأقبل بعضهم } يعني : أهل الجنَّة { على بعض يتساءلون } عمَّا مرَّ بهم .
{ قال قائل منهم إني كان لي قرين } يعني : الذين قصَّ الله خبرهما في سورة الكهف ، كان يقول له قرينه :
{ أَإِنّك لمن المصدقين } ممَّن يصدِّق بالبعث والجزاء؟ وقوله :
{ أإنَّا لمدينون } أَيْ : مجزيون .
{ قال } الله سبحانه لأهل الجنَّة : { هل أنتم مطلعون } إلى النَّار .
{ فاطلع } المسلم فرأى قرينه الكافر { في سواء الجحيم } وسطه ، فقال له :
{ تالله إن كدت لَتُرِديْنَ } تهلكني وتضلُّني .
وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65)
{ ولولا نعمة ربي } عصمته ورحمته { لكنت من المحضرين } في النَّار . (1/780)
{ أفما نحن بميتين } . { إلاَّ موتتنا الأولى } يقوله أهل الجنَّة للملائكة حين يُذبح الموت ، فتقول الملائكة : لا ، فيقولون : { إنَّ هذا لهو الفوز العظيم } . { لمثل هذا فليعمل العاملون } .
{ أذلك } الذي ذكرتُ من نعيم أهل الجنَّة { خيرٌ نُزُلاً أم شجرة الزقوم } .
{ إنا جعلناها فتنة للظالمين } افتتنوا بها ، وكذَّبوا بكونها فصارت فتنةً لهم ، وذلك أنَّهم أنكروا أن يكون في النَّار شجرة . قال الله تعالى :
{ إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } أصلها في قعر جهنَّم .
{ طلعها } ثمرها { كأنَّه رؤوس الشياطين } في القبح وكراهية المنظر .
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68)
{ ثمَّ إنَّ لهم عليها } على شجرة الزَّقوم { لشوباً } خلطاً ومزاجاً { من حميم } ماءٍ حارٍ . (1/781)
{ ثم إنَّ مرجعهم } مرجع الكفَّار { لإِلى الجحيم } الذي يجمع هذه الأشياء .
فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70)
{ يهرعون } أَيْ : يزعجون إلى أتباعهم . (1/782)
وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79)
{ ولقد نادانا نوح } يعني : قوله : { إنِّي مغلوبٌ فانتصر } { فلنعم المجيبون } نحن . (1/783)
{ ونجيناه وأهله من الكرب العظيم } يعني : الغرق .
{ وجعلنا ذريته هم الباقين } لأنَّ الخلق كلَّهم أُهلكوا إلاَّ مَنْ كان معه في سفينته ، وكانوا من ذرِّيَّته .
{ وتركنا عليه في الآخرين } فيمن يأتي بعده ثناءً حسناً ، وهو أن يُصلَّى عليه ويُسلَّم ، وهو معنى قوله : { سلام على نوح في العالمين } .
وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84)
{ وإن من شيعته } أهل دينه وملَّته { لإِبراهيم } . (1/784)
{ إذ جاء ربه بقلب سليم } من الشِّرك .
فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91)
{ فما ظنكم برب العالمين } قال إبراهيم عليه السَّلام لقومه وهم يعبدون الأصنام : أَيُّ شيءٍ ظنُّكم بربِّ العالمين وأنتم تعبدون غيره؟ (1/785)
{ فنظر نظرة في النجوم } وذلك أنَّه كان لقومه من الغد عيدٌ يخرجون إليه ، ويضعون أطعمتهم بين يدي أصنامهم لتبرِّك عليها زعموا ، فقالوا لإِبراهيم : ألا تخرج معنا إلى عيدنا؟ فنظر إلى نجم وقال :
{ إني سقيم } وكانوا يتعاطون علم النُّجوم ، فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه ، واعتلَّ في التَّخلُّف من عيدهم بأنَّه يعتلُّ ، وتأوَّل في قوله : { سقيم } سأسقم .
{ فتولوا عنه مدبرين } أدبروا عنه إلى عيدهم وتركوه .
{ فراغ } فمال { إلى آلهتهم فقال } إظهاراً لضعفها وعجزها { ألا تأكلون } من هذه الأطعمة .
فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)
{ فراغ } فمال { عليهم } يضربهم { ضرباً باليمين } بيده اليمنى . (1/786)
{ فأقبلوا إليه } من عيدهم { يزفون } يسرعون . فقال لهم إبراهيم محتجاً .
{ أتعبدون ما تنحتون } . { والله خلقكم وما تعملون } من نحتكم وجميع أعمالكم .
{ قالوا ابنوا له بنياناً } حظيرة واملؤوه ناراً ، وألقوا إبراهيم في تلك النَّار .
{ فأرادوا به كيداً } حين قصدوا إحراقه بالنَّار { فجعلناهم الأسفلين } المقهورين ، لأنَّه علاهم بالحجَّة والنُّصرة .
{ وقال إني ذاهب إلى ربي } إلى المكان الذي أمرني بالهجرة إليه { سيهدين } يثبتني على الهدى .
{ رب هب لي } ولداً { من الصالحين } .
{ فبشرناه بغلام حليم } سيِّدٍ يُوصف بالحلم .
{ فلما بلغ } ذلك الغلام { معه السعي } أَيْ : أدرك معه العمل { قال : يا بنيَّ إني أرى في المنام أني أذبحك } وذلك أنَّه أُمر في المنام بذبح ولده { فانظر ماذا ترى } ما الذي تراه فيما أقول لك ، هل تستسلم له؟ فاستسلم الغلام و { قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين } .
{ فلما أسلما } انقادا لأمر الله { وتلَّه للجبين } صرعه على أحد جنبيه .
{ وناديناه أن يا إبراهيم } . { قد صدَّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين } .
{ إنّ هذا لهو البلاء المبين } الاختيار الظاهر . يعني : حين اختبره بذبح ولده ، فانقاد وأطاع .
{ وفديناه بذبحٍ } بكبشٍ { عظيم } لأنَّه رعى في الجنَّة أربعين خريفاً ، وكان الكبش الذي تُقبِّل من ابن آدم عليه السَّلام .
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115)
{ ولقد مننا على موسى وهارون } بالنُّبوَّة . (1/787)
{ ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم } يعني : الغرق .
أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125)
{ أتدعون بعلاً } يعني : صنماً كان لهم . (1/788)
فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128)
{ فكذبوه فإنهم لمحضرون } في النَّار . (1/789)
{ إلاَّ عباد الله المخلصين } من قومه .
سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130)
{ سلام على إِلْ ياسين } يعني : إلياس عليه السَّلام . وقيل : يعني قومه ممَّن ينتسب إلى اتَّباعه . (1/790)
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148) فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (150)
{ إذ أبق } هرب { إلى الفلك المشحون } السَّفينة المملوءة حين ذهب مُغاضباً ، فوقفت السَّفينة ولم تجرِ ، فقارعه أهل السَّفينة فخرجت القرعة عليه ، فخرج منها وألقى نفسه في البحر ، فذلك قوله : (1/791)
{ فساهم } فقارع { فكان من المدحضين } المغلوبين بالقرعة .
{ فالتقمه } فابتلعه { الحوت وهم مليم } أتى بما يُلام عليه .
{ فلولا أنَّه كان من المسبحين } من المُصلِّين قبل ذلك .
{ للبث في بطنه } في بطن الحوت إلى يوم القيامة .
{ فنبذناه } طرحناه { بالعراء } وجه الأرض { وهو سقيم } عليلٌ كالفرخ الممعَّط .
{ وأنبتنا عليه } عنده { شجرة من يقطين } وهو القرع ليستظلَّ بها .
{ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } بل يزيدون .
{ فآمنوا فمتعناهم إلى حين } إلى انقضاء آجالهم .
{ فاستفتهم } فسل يا محمَّد أهلَ مكَّة { ألربك البنات ولهم البنون } وذلك أنَّهم كانوا يزعمون أنَّ الملائكة بنات الله .
{ أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون } حاضرون خلقنا إيَّاهم .
أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153)
{ أَصطفى البنات على البنين } أتَّخذ البنات دون البنين فاصطفاها ، وجعل لكم البنين؟ كقوله : { أفأصفاكم ربُّكم بالبنين واتَّخذَ من الملائكة إِناثاً . } (1/792)
أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158)
{ أم لكم سلطان } برهانٌ { مبين } على أنَّ لله ولداً . (1/793)
{ فأتوا بكتابكم } الذي فيه حُجَّتكم { إن كنتم صادقين } .
{ وجعلوا بينه وبين الجنة } يعني : الملائكة { نسباً } حين قالوا : إنَّهم بنات الله . { ولقد علمت الجنة } الملائكة { إنهم لمحضرون } أنَّ الذين قالوا هذا القول محضرون في النَّار .
إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (163) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (167)
{ إلاَّ عباد الله المخلصين } فإنهم ناجون من النَّار . (1/794)
{ فإنكم وما تعبدون } من الأصنام .
{ وما أنتم عليه بفاتنين } لا تفتنون أحداً على ما يعبدون ولا تضلونه .
{ إلاَّ مَنْ هو صال الجحيم } أَيْ : إلا مَنْ هو في معلوم الله أنَّه يدخل النَّار .
{ وما منا إلاَّ له } هذا من قول الملائكة ، والمعنى : ما منَّا مَلَكٌ إلاَّ له { مقام معلوم } من السَّماء يعبد الله سبحانه هناك .
{ وإنا لنحن الصافون } في الصَّلاة .
{ وإنا لنحن المسبحون } المُصلُّون .
{ وإن كانوا ليقولون } كان كفار مكَّة يقولون : لو جاءنا كتابٌ كما جاء غيرنا من الأوَّلين لأخلصنا عبادة الله سبحانه ، فلمَّا جاءهم كفروا به .
فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (177)
{ فسوف يعلمون } عاقبة كفرهم . (1/795)
{ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } .
{ إنهم لهم المنصورون } .
{ وإن جندنا لهم الغالبون } أَيْ : تقدَّم الوعد بنصرتهم ، وهو قوله : { كَتَبَ اللَّهُ لأغلبنَّ أنا ورسلي } { فَتَوَلَّ عنهم حتى حين } حتى تنقضي المدة التي أمهلوا فيها .
{ وأَبْصرْهم } انظر إليهم إذا عذِّبوا { فسوف يبصرون } ما أنكروا .
{ أفبعذابنا يستعجلون } وذلك أنَّهم كانوا يقولون : متى هذا الوعد؟
{ فإذا نزل } العذاب { بساحتهم } بِفِنائهم { فَسَاءَ صباح المنذرين } .
وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179)
{ وأبصر } انظر فبئس ما يصبحون عند ذلك . (1/796)
ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9)
{ ص } صدق الله { والقرآن ذي الذكر } ذي الشَّرف . (1/797)
{ بل الذين كفروا في عزَّة } امتناعٍ من الدِّين { وشقاق } خلافٍ وعداوةٍ .
{ كم أهلكنا } هذا جواب القسم ، اعترض بينهما قوله : { بل الذين كفروا } .
{ فنادوا } بالاستغاثة عند الهلاك { ولات حين مناص } وليس حين منجىً وفوت .
{ وعجبوا } يعني : أهل مكَّة { أن جاءهم منذر منهم } محمَّد صلى الله عليه وسلم .
{ أجعل الآلهة إلهاً واحداً } وذلك أنَّهم اجتمعوا عند أبي طالب يشكون إليه النبيَّ صلى الله عيله وسلم ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إني أدعوكم إلى كلمة التَّوحيد لا إله إلاَّ الله ، فقالوا : كيف يسع الخلق كلَّهم إلهٌ واحد؟ { إنَّ هذا } الذي يقوله { لشيء عجاب } عجيب .
{ وانطلق الملأ منهم } نهضوا من مجلسهم ذلك ، يقول بعضهم لبعض : { امشوا واصبروا على آلهتكم إنَّ هذا } الذي يقوله محمَّد { لشيءٌ يراد } أَيْ : لأَمرٌ يُراد . بنا ، ومكرٌ يمكر علينا .
{ ما سمعنا بهذا } الذي يقوله { في الملَّة الآخرة } فيما أدركنا عليه آباءنا { إن هذا إلاَّ اختلاق } زورٌ وكذب .
{ أَأنزل عليه الذكر من بيننا } كيف خُصَّ بالوحي من جملتنا؟ قالوا هذا حسداً له على النُّبوَّة . قال الله تعالى : { بل هم في شك من ذكري } أَيْ : وَحْيِي [ أَيْ : حين قالوا : اختلاق ] { بل لما يذوقوا عذاب } ولو ذاقوه لأيقنوا وصدَّقوا .
{ أم عندهم خزائن رحمة ربك } أَيْ : مفاتيح النُّبوَّة حتى يعطوا النُّبوَّة مَن اختاروا .
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12)
{ أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما } يعني : إنَّ ذلك لله عزَّ وجلَّ فيصطفي مَنْ يشاء { فليرتقوا في الأسباب } أَيْ : إن ادَّعوا شيئاً من ذلك فليصعدوا فيما يوصلهم إلى السَّماء ، وليأتوا منها بالوحي إلى مَنْ يختارون ، ثمَّ وعد نبيَّه النَّصر فقال : (1/798)
{ جند ما هنالك } أَيْ : هم جندٌ هنالك { مهزوم } مغلوبٌ { من الأحزاب } كالقرون الماضية الذين قُهروا وأُهلكوا ، وهذا إخبارٌ عن هزيمتهم ببدرٍ ، ثمَّ عزَّى نبيَّه عليه السَّلام فقال :
{ كذبت قبلهم قوم نوح وعادٌ وفرعون ذو الأوتاد } ذو الملك الشَّديد .
إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (15) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23)
{ إنْ كلٌّ } ما كلٌّ من هؤلاء { إلاَّ كذَّب الرسل فحقَّ } فوجب { عقاب } . (1/799)
{ وما ينظر هؤلاء } أَيْ : ما ينتظر هؤلاء كفار مكَّة { إلاَّ صيحة واحدة } وهي نفخة القيامة { ما لها من فواق } رجوعٌ ومردٌّ .
{ وقالوا ربنا عجِّلْ لنا قطنا } كتابنا وصحيفة أعمالنا { قبل يوم الحساب } وذلك لمَّا نزل قوله : { فأمَّا مَنْ أوتي كتابه بيمينه } { وأمَّا مَنْ أوتي كتابه بشماله } سألوا ذلك ، فنزلت هذه الآية . وقوله :
{ داود ذا الأيد } أي : ذا القوَّة في العباد { إنَّه أوَّابٌ } رجَّاع إلى الله سبحانه .
{ إنا سخرنا الجبال معه يسبحن } يجاوبنه بالتَّسبيح { بالعشي والإِشراق } يعني : الضُّحى .
{ والطير } أَيْ : وسخَّرنا الطَّير { محشورة } مجموعةً { كلٌّ له } لداود { أواب } مطيعٌ يأتيه ويسبِّح معه .
{ وشددنا ملكه } بالحرس ، وكانوا ثلاثةً وثلاثين ألف رجلٍ يحرسون كلَّ ليلةٍ محرابه . { وآتيناه الحكمة } الإِصابة في الأمور { وفصل الخطاب } بيان الكلام ، والبصر في القضاء ، وهو الفصل بين الحقِّ والباطل .
{ وهل أتاك نبأ الخصم } يعني : الملكين اللذين تصوَّرا في صورة خصمين من بني آدم { إذ تسوروا المحراب } علوا غرفة داود عليه السَّلام .
{ إذ دخلوا على داود ففزع منهم } لأنَّهما دخلا بغير إذنٍ في غير وقت دخول الخصوم { قالوا لا تخف خصمان } أَيْ : نحن خصمان { بغى بعضنا على بعض } أَيْ : ظلم بعضنا بعضاً { فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط } ولا تَجُرْ { واهدنا إلى سواء الصراط } إلى طريق الحقِّ .
{ إنَّ هذا أخي له تسعٌ وتسعون نعجة } يعني : امرأة { ولي نعجة واحدة } أَي : امرآةٌ { فقال : أكفلنيها } أَي : انزل عنها واجعلني أنا أكفلها { وعزَّني في الخطاب } غلبني في الاحتجاج لأنَّه أقوى مني . وأقدر على النُّطق ، وهذا القول من الملكين على التّمثيل لا على التَّحقيق ، كأنَّ القائل منهما قال : نحن كخصمين هذه حالهما ، فلمَّا قال هذا أحد الخصمين اعترف له الآخر .
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27)
{ قال } داود عليه السَّلام : { لقد ظلمك بسؤال نعجتك } أَيْ : بسؤاله إيَّاك نعجتك : امرأتك أن يضمَّها { إلى نعاجه ، وإن كثيراً من الخلطاء } الشُّركاء { ليبغي بعضهم على بعض إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليلٌ ما هم } [ وقليلٌ هم ] { وظنَّ داود } علم عند ذلك { إنّما فتناه } ابتليناه بتلك المرأة التي أحبَّ أن يتزوَّجها ، ثمَّ تزوَّجها بعد قتل زوجها { فاستغفر ربه } ممَّا فعل ، وهو محبَّته يتزوَّج امرأةَ مَنْ له امرأةٌ واحدةٌ ، وله تسع وتسعون امرأةً { وخرَّ راكعاً } سقط للسُّجود بعد ما كان راكعاً { وأناب } رجع إلى الله سبحانه بالتَّوبة . (1/800)
{ فغفرنا له ذلك وإنَّ له عندنا } بعد المغفرة { لزلفى } قربةً { وحسن مآب } مرجع .
{ يا داود إنَّا جعلناك خليفة في الأرض } أَيْ : عَنْ مَنْ قبلك من الأنبياء ، وقوله : { بما نسوا يوم الحساب } أَيْ : تركوا الإِيمان به والعمل له .
{ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً } إلاَّ لأمرٍ صحيحٍ ، وهو الدَّلالة على قدرة خالقهما وتوحيده وعبادته .
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39)
{ الصافناتُ الجياد } أي : الخيل القائمة . (1/801)
{ فقال : إني أحببت حبَّ الخير عن ذكر ربي } آثرت حبَّ الخير ، أي : الخيل ، على ذكر الله حتى فاتني في وقته { حتى توارت } الشَّمس { بالحجاب } أَيْ : غربت ، وقوله :
{ فطفق مسحاً بالسوق والأعناق } أَيْ : أقبل يقطع سوقها وأعناقها ، ولم يفعل ذلك إلاَّ لإِباحة الله عزَّ وجلَّ له ذلك ، وقوله :
{ ولقد فتنا سليمان } ابتليناه { وألقينا على كرسيِّه جسداً } شيطاناً تصوَّر في صورته ، وذلك أنَّه تزوَّج امرأة وهويها ، وعبدت الصَّنم في داره بغير علمه ، فنزع الله ملكه أيَّاماً ، وسلَّط شيطاناً على مملكته ، ثمَّ تاب سليمان وأعاد الله عليه ملكه ، فسأل الله أن يهب له ملكاً يدلُّ على أنَّه غفر له ، وردَّ عليه ما نزع منه ، وهو قوله :
{ وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي } . وقوله :
{ رخاءً } أي : ليِّنةً مُطيعةً سريعةً { حيث أصاب } أراد وقصد سليمان عليه السَّلام .
{ والشياطين } أَيْ : وسخَّرنا له { كلَّ بناء } من الشَّياطين مَنْ يبنون له { وغوَّاص } يغوصون في البحر ، فيستخرجون ما يريد .
{ وآخرين مقرنين في الأصفاد } وسخَّرنا له مردة الشَّياطين حتى قرنهم في السَّلاسل من الحديد ، وقلنا له :
{ هذا } الذي أعطيناك { عطاؤنا فامنن } أَيْ : أعطِ { أو أمسك بغير حساب } عليك في إعطائه ولا إمساكه ، وهذا مما خصَّ به .
وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46)
{ بنصب } أَيْ : بتعبٍ ومشقَّةٍ في بدني { وعذاب } في أهلي ومالي ، فقلنا له : (1/802)
{ اركض برجلك } أَيْ : دُسْ وحرِّك برجلك في الأرض ، فداس فنبعت عين ماءٍ ، فاغتسل به حتى ذهب الدّاء من ظاهره ، ثمَّ شرب منه فذهب الدَّاء من باطنه .
{ ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب } مُفسَّرةٌ في سورة الأنبياء عليهم السَّلام .
{ وخذ بيدك ضغثاً } حزمةً من الحشيش { فاضرب به } امرأتك { ولا تحنث } في يمينك . وقوله :
{ أولي الأيدي } أَيْ : ذوي القوَّة في العبادة { والأبصار } البصائر في الدِّين .
{ إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار } أَيْ : جعلناهم يُكثرون ذكر الدَّار الآخرة والرُّجوع إلى الله تعالى .
وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50)
{ من الأخيار } جمع خيِّر . (1/803)
{ هذا ذكر } شرفٌ وذكرٌ جميلٌ يُذكرون به أبداً { وإنَّ للمتقين } مع ذلك { لحسن مآب } مرجعٍ في الآخرة ، ثمَّ بيَّن ذلك المرجع فقال :
{ جنات عدن } .
وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52)
{ أتراب } [ أقرانٌ وأمثالٌ ] أسنانهنَّ واحدةٌ . (1/804)
هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ (55)
{ هذا وإنَّ للطاغين } أي : الأمر هذا الذي ذكرت . (1/805)
هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (59) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64)
{ هذا فليذوقوه حميمٌ وغساق } أَيْ : هذا حميمٌ وغسَّاقٌ فليذوقوه ، والغسَّاق : ما سال من جلود أهل النَّار . (1/806)
{ وآخر } أَيْ : وعذابٌ آخر { من شكله } من مثل ذلك الأوَّل { أزواج } أنواع فإذا دخلت الرُّؤساء النَّار ، ثمَّ دخل بعدهم الأتباع قالت الملائكة :
{ هذا فوج } جماعةٌ { مقتحمٌ معكم } داخلوا النَّار ، فقال الرُّؤساء : { لا مرحباً بهم إنهم صالوا النار } كما صليناها ، فقال الأتباع :
{ بل أنتم لا مرحباً بكم أنتم قدَّمتموه لنا } شرعتم وسنتتم الكفر لنا { فبئس القرار } قرارانا وقراراكم .
{ قالوا } أي : الأتباع { ربنا مَنْ قدَّم لنا هذا } شرعه وسنَّه { فزده عذاباً ضعفاً في النار } كقوله : { ربنا آتهم ضعفين من العذاب } { وقالوا } يعني : صناديد قريش : { ما لنا لا نرى رجالاَ كنَّا نعدُّهم من الأشرار } أي : فقراء المسلمين .
{ أتخذناهم سخرياً } كنَّا نسخر بهم في الدَّنيا ، أَمفقودون هم؟ { أم زاغت عنهم الأبصار } فلا نراهم ها هنا .
{ إن ذلك } الذي ذكرنا عن أهل النَّار { لحق } ثمَّ بيَّن ما هو فقال : { تخاصم أهل النار } .
قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67)
{ قل هو نبأٌ عظيم } أَي : القرآن الذي أنبأكم به وجئتكم فيه بما لا يُعلم إلاَّ بوحي . (1/807)
مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69)
{ ما كان لي من علم بالملأ الأعلى } وهم الملائكة { إذ يختصمون } في شأن آدم عليه السَّلام . يعني : قولهم : { أتجعل فيها مَنْ يفسد فيها . . . } الآية . (1/808)
قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75)
{ لما خلقت بيدي } أَيْ : تولَّيت خلقه ، وهذا اللَّفظ ذُكر تخصيصاً وتشريفاً لآدم عليه السَّلام ، وإن كان كلُّ شيءٍ يتولَّى الله خلقه دون غيره . (1/809)
قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)
{ قال فالحقُّ والحقَّ أقول } أَيْ : فبالحقِّ أقول ، وأقول الحقَّ [ قَسمٌ جوابه ] : { لأملأنَّ جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } . (1/810)
{ قل ما اسألكم عليه } على تبليغ الرِّسالة { من أجر وما أنا من المتكلفين } المُتقوِّلين للقرآن من تلقاء نفسي .
{ إن هو } ليس القرآن { إلاَّ ذكر } عظةٌ { للعالمين } .
{ ولتعلمنَّ } أنتم أيُّها المشركون { نبأه } ما أخبرتكم فيه من البعث والقيامة { بعد حين } بعد الموت .
تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)
{ تنزيل الكتاب } ابتداءٌ ، وخبرُه قوله : { من الله العزيز الحكيم } . وقوله : (1/811)
{ مخلصاَ له الدين } أَيْ : الطَّاعة ، والمعنى : اعبده مُوحِّداً لا إله إلاَّ هو .
{ ألا لله الدين الخالص } أَيْ : الطَّاعة لا يستحقُّها إلاَّ الله تعالى ، ثمَّ ذكر الذين يعبدون غيره فقال : { والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم } أَيْ : ويقولون : { ما نعبدهم إلاَّ ليُقَرِّبونا إلى الله زلفى } أَيْ : قربى { إنَّ الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون } من أمر الدِّين ، ثمَّ ذكر أنَّه لا يهدي هؤلاء ، فقال : { إنَّ الله لا يهدي مَنْ هو كاذب } في إضافة الولد إلى الله تعالى { كفار } يكفر نعمته بعبادة غيره ، ثمَّ ذكر براءته عن الولد فقال :
{ لو أراد الله أن يتخذ ولداً } كما يزعم هؤلاء { لاصطفى } لاختار { ممَّا يخلق ما يشاء ، سبحانه } تنزيهاً له عن الولد . وقوله :
{ يكور الليل على النهار } أَيْ : يدخل أحدهما على الآخر .
{ خلقكم من نفس واحدة } يعني : آدم عليه السَّلام { ثمَّ جعل منها زوجها } حوَّاء { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } مشروحٌ في سورة الأنعام ، وقوله : { خلقاً من بعد خلق } أَيْ : نطفةً ، ثمَّ علقةً ، ثمَّ مضغةً { في ظلمات ثلاث } ظلمة البطن ، وظلمة الرَّحم ، وظلمة المشيمة { فأنى تُصرفون } عن عبادته إلى عبادة غيره بعد هذا اليبان! وقوله :
{ ولا يرضى لعباده الكفر } أَيْ : المؤمنين المخلصين منهم ، كقوله : { عيناً يشرب بها عباد الله } . { وإن تشكروا } أَيْ : إن تطيعوا ربَّكم { يرضه لكم } يرض الشُّكر لكم ويُثبكم عليه .
وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12)
{ وإذا مسَّ الإنسان } يعني : الكافر { ضرٌّ دعا ربَّه منيباً إليه } راجعاً { ثمَّ إذا خَوَّلَهُ } أعطاه { نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل } نسي الله الذي كان يتضرَّع إليه من قبل النِّعمة ، وترك عبادته { قل } يا محمَّد عليه السَّلام لمن يفعل ذلك : { تمتع بكفرك قليلاًَ إنك من أصحاب النار } . وهذا تهديدٌ . (1/812)
{ أم مَنْ هو قانت } قائمٌ مطيعٌ لله { آناء الليل } أوقاته { يحذر } عذاب { الآخرة } كمَنْ هو عاص؟ ثمَّ ضرب لهما مثلاً فقال : { هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } أَيْ : هل يستوي العالم والجاهل؟ كذلك لا يستوي المطيع والعاصي . { إنما يتذكر أولوا الألباب } إنَّما يتَّعظ بوعظ الله ذوو العقول . وقوله :
{ للذين أحسنوا في هذه الدنيا } وحَّدوا الله تعالى وعملوا بطاعته { حسنة } وهي الجنَّة { وأرض الله واسعة } فهاجروا فيها ، واخرجوا من بين الكفَّار { إنما يوفى الصابرون } على طاعة الله تعالى وما يبتليهم به { أَجْرَهُمْ بغير حساب } بغير مكيالٍ ولا ميزان .
{ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين } أَيْ : مُوحِّداً .
{ وأمرت لأن أكون أول المسلمين } من هذه الأُمَّة .
فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (21) أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24)
{ قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم } بالتَّخليد في النَّار { وأهليهم } لأنَّهم لم يدخلوا مدخلِ المؤمنين الذين لهم أهل في الجنَّة . (1/813)
{ لهم من فوقهم ظللٌ } هذا كقوله { يوم يغشاهم العذاب من فوقهم . . . } الآية ، وكقوله : { لهم من جهنَّم مهادٌ ومن فوقهم غواشٍ } { ذلك } الذي وصفت من العذاب { يخوِّف الله به عباده } .
{ والذين اجتنبوا الطاغوت } أَيْ : الأوثان { أن يعبدوها وأنابوا إلى الله } رجعوا إليه بالَّطاعة { لهم البشرى } بالجنَّة { فبشر عباد } .
{ الذين يستمعون القول } القرآن وغيره { فيتبعون أحسنة } وهو القرآن .
{ أفمن حقَّ عليه كلمةُ العذاب أفأنت } يا محمَّدُ { تنقذ } ه ، أَيْ : تُخرجه من النَّار ، أيْ : إنَّه لا يقدر إلى هدايته ، وقوله :
{ لهم غرفٌ من فوقها غرفٌ مبنية } أَيْ : لهم منازل في الجنَّة رفيعةٌ ، وفوقها منازل أرفع منها .
{ ألم تر أنَّ الله أنزل من السماء ماءً فسلكه } أدخل ذلك الماء { ينابيع في الأرض } وهي المواضع التي ينبع منها الماء ، وكلُّ ماءٍ في الأرض فمن السَّماء نزل . { ثم يخرج به } بذلك الماء { زرعاً مختلفاً ألوانه } خضرةً ، وحمرةً ، وصفرةً { ثمَّ يهيج } ييبس { فتراه مصفراً ثم يجعله حطاماً } دُقاقاً فتاتاً { إنَّ في ذلك لذكرى لأولي الألباب } يذكرون ما لهم من الدَّلالة في هذا على توحيد الله تعالى وقدرته .
{ أفمن شرح الله صدره } وسَّعه { للإِسلام فهو على نور من ربه } أَيْ : فاهتدى إلى دين الإِسلام ، كمَنْ طبع على قلبه ، ويدل على هذا المحذوف قوله : { فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله } .
{ والله نزل أحسن الحديث } أي : القرآن { كتاباً متشابهاً } يشبه بعضه بعضاً من غير اختلافٍ ولا تناقضٍ { مثاني } يثني فيه الأخبار والقصص ، وذكر الثَّواب والعقاب { تقشعر } تضطرب وتتحرَّك بالخوف { منه جلود الذين يخشون ربهم } يعني : عند ذكر آية العذاب { ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } أَيْ : من آية الرَّحمة { ذلك هدى الله } أَيْ : ذلك الخشية من العذبا ورجاء الرَّحمة هدى الله .
{ أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب } وهو الكافر يُلقي في النَّار مغلولاً ، فلا يتهيَّأ له أن يتَّقي النَّار إلاَّ بوجهه ، ومعنى الآية : أَفَمن هذه حاله كمَن يدخل الجنَّة؟
قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33)
{ غير ذي عوج } أَيْ : ليس فيه اختلافٌ وتضادٌّ ، ثمَّ ضرب مثلاً للموحِّد والمشرك فقال : (1/814)
{ ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون } متنازعون سيِّئةٌ أخلاقهم ، وكلُّ واحدٍ يستخدمه بقدر نصيبه ، وهذا مَثَلُ المشرك الذي يعبد آلهةً شتى { ورجلاً سالماً } خالصاً لرجل وهو الذي يعبد الله وحده { هل يستويان مثلاً } أَيْ : هل يستوي مَثَل الموحِّد ومَثَل المشرك؟ { الحمد لله } وحده دون غيره من المعبودين { بل أكثرهم لا يعلمون } مفسَّر في سورة النَّحل . ثمَّ ذكر أنهم يموتون ويرجعون إلى الله فيختصمون عنده ، فقال :
{ إنك ميت وإنهم ميتون } { ثمَّ إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } يعني : المؤمن والكافر ، والمظلوم والظَّالم .
{ فمن أظلم ممن كذب على الله } وزعم أنَّ له ولداً وشريكاً { وكذَّب بالصدق } بالقرآن { إذ جاءه } على لسان الرَّسول . { أليس في جهنَّم مثوى } مقامٌ ومنزلٌ لهؤلاء .
{ والذي جاء بالصدق } يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم جاء بالقرآن { وصدَّق } أبو بكر رضي الله عنه ثمَّ المؤمنون بعده .
أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36)
{ أليس الله بكافٍ عبده } يعني : محمداً صلوات الله عليه ، ينصره ويكفيه أمر مَنْ يُعاديه { ويخوفونك بالذين من دونه } أَيْ : يُخوِّفونك بأوثانهم ، يقولون : إنَّك لتعيبها ، وإنَّها لتصيبنَّك بسوء ، ثمَّ بيَّن أنَّهم مع عبادتهم الأوثان يُقرُّون بأنَّ الخالق هو الله . (1/815)
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38)
{ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولنَّ الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله } الأوثان . { إن أرادني بضرٍّ } بلاءٍ وشدَّةٍ . هل يكشفنَ ذلك عني { أو أرادني برحمة } نعمةٍ . هل يمسكن ذلك عني؟ وهذا بيان أنَّها لا تنفع ولا تدفع . (1/816)