صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
المؤلف : علي بن أحمد الواحدي أبو الحسن
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52)

{ قالوا اطيرنا بك } تشاءمنا بك { وبمن معك } وذلك إنَّهم قُحطوا بتكذيبهم ، فقالوا : أصابنا القحط بشؤمك وشؤم أصحابك ، فقال صالح عليه السَّلام : { طائركم عند الله } أَيْ : ما أصابكم من خيرٍ وشرٍّ فمن الله { بل أنتم قوم تفتنون } تختبرون بالخير والشرِّ .
{ وكان في المدينة } مدينة ثمود { تسعة رهط } كانو عتاةَ قومِ صالحٍ .
{ قالوا : تقاسموا } احلفوا { بالله لنبيتنَّه وأهله } لنأتينَّ صالحاً ليلاً ، ولنقتلنَّه وأهله { ثم لنقولنَّ } لوليِّ دمه : { ما شهدنا مهلك أهله } ما حضرنا إهلاكهم { وإنا لصادقون } في قولنا .
{ ومكروا مكراً } لتبييت صالحٍ { ومكرنا مكراً } جازيناهم على ذلك . وقوله :
{ إنَّا دمرناهم } وذلك أنَّهم لمَّا خرجوا ليلاً لإِهلاك صالحٍ دَمَغتهم الملائكة بالحجارة من حيث لا يرونهم فقتلوهم ، وقوله : { وقومهم أجميعن } إهلاك قوم ثمود بالصَّيحة .
{ فتلك بيوتهم } مساكنهم { خاوية } ساقطةً خاليةً { بما ظلموا } بكفرهم بالله سبحانه .

(1/659)


وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54)

{ أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون } تعلمون أنَّها فاحشة ، فهو أعظم لذنوبكم .

(1/660)


فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62)

{ إنَّهم أناس يتطهرون } يتنزَّهون عن أدبار الرِّجال ، يقولونه استهزاءً . وقوله :
{ قدرناها من الغابرين } أَيْ : قضينا عليها أنَّها من الباقين في العذاب .
{ وأمطرنا عليهم } على شُذَّاذهم ومَنْ كان منهم في الأسفار { مطراً } وهو الحجارة .
{ قل } لهم يا محمد : { الحمد لله } أَيْ : على إهلاك الكفَّار من الأمم الخالية { وسلامٌ على عباده الذين اصطفى } اصطفاهم لرسالته { آلله خير أم ما يشركون } به من الأصنام ، وقوله :
{ حدائق ذات بهجة } أَيْ : بساتين ذات حسنٍ { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } أَيْ : ما قدرتم عليه { بل هم قومٌ يعدلون } يشركون .
{ أم من جعل الأرض قراراً } لا تتحرَّك { وجعل خلالها أنهاراً } وسطها أنهاراً جاريةً { وجعل لها رواسي } جبالاً ثوابت { وجعل بين البحرين } العذب والمالح { حاجزاً } مانعاً من قدرته حتى لا يختلطا .
{ أم من يجيب المضطر } المجهود ذا الضرورة { ويكشف السوء } الضُّرَّ { ويجعلكم خلفاء الأرض } سكَّانها بإهلاك مَنْ قبلكم .

(1/661)


أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64)

{ ومن يرزقكم من السماء } المطر { و } من { الأرض } النَّبات .

(1/662)


بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66)

{ بل أدرك علمهم في الآخرة } أَيْ : لحقهم علمهم بأنَّ السَّاعة والبعث حقٌّ في الآخرة حين لا ينفعهم ذلك ، ومَنْ قرأ : { ادَّارك } فمعناه : تدارك ، أَيْ : تكامل علمهم يوم القيامة؛ لأنَّهم يبعثون ويشاهدون ما وعدوا . { بل هم في شك منها } في الدُّنيا { بل هم منها } من علمها { عمون } جاهلون .

(1/663)


وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (71) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72)

{ ولا تحزن عليهم } أَيْ : على تكذيبهم وإعراضهم عنك { ولا تكن في ضيق مما يمكرون } ولا تضيّق قلبك بمكرهم .
{ ويقولون متى هذا الوعد } أَيْ : وعد العذاب { إن كنتم صادقين } أنَّ العذاب نازلٌ بالمكذِّب .
{ قل عسى أن يكون ردف لكم } أَي : ردفكم ، والمعنى : تبعكم ودنا منكم { بعض الذي تستعجلون } من العذاب ، وكان ذلك يوم بدرٍ .

(1/664)


وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75) إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76)

{ وما من غائبة } أَيْ : جملةٍ غائبةٍ عن الخلق { إلاَّ في كتاب مبين } وهو اللَّوح المحفوظ .
{ إنَّ هذا القرآن يقصُّ على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون } وذلك أنَّ بني إسرائيل اختلفوا حتى لعن بعضهم بعضاً ، فقال الله سبحانه : إنَّ هذا القرآن ليقصُّ عليهم الهدى ممَّا اختلفوا فيه لو أخذوا به .

(1/665)


إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78)

{ إنَّ ربك يقضي بينهم } بين المختلفين في الدِّين { بحكمه } يوم القيامة { وهو العزيز } القويُّ فلا يردُّ له أمرٌ { العليم } بأحوالهم .

(1/666)


إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86)

{ إنك لا تسمع الموتى } الكفَّار { ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين } يعني : الكفَّار الذين هم بمنزلة الصُّمِّ لا يسمعون النِّداء إذا أعرضوا .
{ وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم } يريد : إنَّه أعماهم حتى لا يهتدوا ، فكيف يهدي النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن ضلالتهم قوماً عمياً . { إن تُسمع } ما تُسمع سماع إفهام { إلاَّ مَنْ يؤمن بآياتنا } بأدلَّتنا { فهم مسلمون } في علم الله سبحانه .
{ وإذا وقع القول عليهم } وجب العذاب والسُّخط عليهم ، وذلك حين لا يقبل الله سبحانه من كافرٍ وإيمانه ، ولم يبق إلاَّ مَنْ يموت كافراً في علم الله سبحانه { أخرجنا لهم دابة من الأرض } وخروجها من أوَّل أشراط القيامة { تكلمهم } تُحدِّثهم بما يسوءهم { أنَّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } تخبر الدَّابَّة مَنْ رآها أنَّ أهل مكَّة كانوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن لا يوقنون ، ومَنْ كسر { إنَّ النَّاس } كان المعنى : تقول لهم : إنَّ الناس .
{ ويوم نحشر } نجمع { من كلِّ أمة فوجاً } جماعةً { ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون } يحبس أوَّلهم على آخرهم ليجتمعوا .
{ حتى إذا جاؤوا قال } الله تعالى لهم : { أكذَّبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً } ولم تعرفوها حقَّ معرفتها ، وهذا توبيخٌ لهم { أم ماذا كنتم تعملون } حين لم تتفكَّروا فيها .
{ ووقع القول } وجبت الحُجَّة { عليهم بما ظلموا } بإشراكهم { فهم لا ينطقون } بحجَّةٍ وعذرٍ ، ثمَّ ذكر الدَّليل على قدرته وإلهيتَّه سبحانه وتعالى ، فقال :
{ ألم يروا أنا جعلنا اليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً إنَّ في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } .

(1/667)


وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ (89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90) إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)

{ إلاَّ مَنْ شاء الله } يعني : الشّهداء { وكلٌّ أتوه } يأتون الله سبحانه { داخرين } صاغرين .
{ وترى الجبال تحسبها جامدة } واقفةً مُستقرَّةً { وهي تمرُّ مرَّ السحاب } وذلك أنَّ كلَّ شيءٍ عظيمٌ ، وكلَّ جمع كثيرٌ يقصر عنه الطَّرف لكثرته فهو في حسبان النَّاظر واقفٌ وهو يسير { صنع الله } أَيْ : صنع الله ذلك صنعه { الذي أتقن } أحكم { كلَّ شيء } .
{ من جاء بالحسنة } وهي كلمة لا إله إلاَّ الله { فله خيرٌ منها } فمنها يصل إليه الخير { ومَنْ جاء بالسيئة } الشِّرك { فَكُبَّت } أُلقيت وطُرحت { وجوههم في النار } وقيل لهم : { هل تجزون إلاَّ ما كنتم } بما كنتم { تعملون } .
قل يا محمَّد : { إنما أمرت أن أعبد ربَّ هذه البلدة } يعني : مكَّة { الذي حرَّمها } جعلها حرماً آمناً { وله كلُّ شيء } مِلكاً وخلقاً . وقوله :
{ ومن ضلَّ فقل إنما أنا من المنذرين } أَيْ : ليس عليَّ إلاَّ البلاغ .
{ وقل الحمد لله سيريكم آياته } أيُّها المشركون . يعني : يوم بدر { فتعرفونها وما ربك بغافل بما تعملون } .

(1/668)


طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10)

{ طسم } .
{ تلك آيات الكتاب المبين } يعني : القرآن ، وهو مبينٌ للأحكام .
{ تتلو } نقصُّ { عليك من نبأ موسى } خبر موسى { وفرعون بالحق } بالصِّدق الذي لا شكَّ فيه { لقوم يؤمنون } يُصدِّقون أنَّ ما يأتيهم به صدقٌ .
{ إنَّ فرعون علا } استكبر وتعظَّم { في الأرض } أرض مصر { وجعل أهلها شيعاً } فرقاً تتبع بعض تلك الفرق بعضاً في خدمته { يستضعف طائفة منهم } وهم بنو إسرائيل .
{ ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض } ننعم على بني إسرائيل { ونجعلهم أئمّة } قادةً في الخير { ونجعلهم الوارثين } يرثون ملك فرعون وقومه . وقوله :
{ ونمكن لهم في الأرض } أرض مصر والشَّام حتى يغلبوا عليها من غير مُنازعٍ { ونُرِيَ فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } وذلك أنَّهم كانوا قد أُخبروا أنَّ هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل ، فكانوا على وجلٍ منهم .
{ وأوحينا إلى أم موسى } قيل : إنَّه وحي إلهام . وقيل : وحي إعلام .
{ فالتقطه } أخذه { آل فرعون } عن الماء { ليكون لهم عدواً وحزناً } أَيْ : ليصير الأمر إلى ذلك { إنَّ فروعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين } أَيْ : عاصين آثمين .
{ وقالت امرأة فرعون قرة عين } أَيْ : هو قرَّة عين لي { ولك لا تقتلوه } فإنَّه أتانا به الماء من أرضٍ أخرى ، وليس هو من بني إسرائيل { وهم لا يشعرون } بما هو كائنٌ من أمرهم وأمره .
{ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً } خالياً عن كلِّ شيء إلاَّ عن ذكر موسى وهمِّه { إن كادت لتبدي به } بأنَّه ابنها { لولا أن ربطنا على قلبها } قوَّينا قلبها وألهمناها الصَّبر { لتكون من المؤمنين } المُصدِّقين بوعد الله سبحانه .

(1/669)


وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)

{ وقالت لأخته } لأخت موسى { قصته } اتَّبعي أثره ، فاتَّبعته { فبصرت به عن جنب } أبصرته من بعيدٍ { وهم لا يشعرون } أنَّها أخته .
{ وحرَّمنا عليه المراضع } منعنا موسى أن يقبل ثدي مرضعةٍ { من قبل } أن نردَّه على أُمَّه { فقالت } أخته حين تعذَّر عليهم رضاعة : { هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم } يضمُّونه إليهم { وهم له ناصحون } مخلصون شفقته .
{ فرددناه إلى أمه } وذلك أنَّها دلَّتهم على أمِّ موسى ، فَدُفِعَ إليها تُربِّيه لهم . وقوله : { ولكن أكثرهم لا يعلمون } آل فرعون كانوا لا يعلمون أنَّ الله وعدها ردَّه عليها .
{ ولما بلغ أشدَّه } منتهى قوَّته ، وهو ما فوق الثَّلاثين { واستوى } وبلغ أربعين سنةً { آتيناه حكماً } عقلاً وفهماً { وعلماً } قبل النُّبوَّة .
{ ودخل المدينة } يعني : مدينةً بأرض مصر { على حين غفلة من أهلها } فيما بين المغرب والعشاء { فوجد فيها رجلين يقتتلان } أحدهما إسرائيليٌّ ، وهو الذي من شيعته ، والآخر قبطيٌّ ، وهو الذي من عدوه { فاستغاثه } الإِسرائيلي على الفرعونيِّ { فوكزه موسى } ضربه بجميع كفِّه { فقضى عليه } فقتله ولم يتعمَّد قتله ، فندم على ذلك لأنَّه لم يُؤمر بقتله ف { قال هذا من عمل الشيطان إنَّه عدوٌّ مضلٌّ مبين } ثمَّ استغفر فقال :
{ ربِّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم } .

(1/670)


قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)

{ قال رب بما أنعمت عليَّ } بالمغفرة { فلن أكون ظهيراً للمجرمين } لن أُعين بعدها على خطيئة .
{ فأصبح في } تلك { المدينة خائفاً } من قتله القبطيَّ { يترقب } ينتظر الأخبار { فإذا } الإسرائيليُّ { الذي استنصره بالأمس يستصرخه } يستغيثه . { قال له موسى : إنك لغويٌّ مبين } ظاهر الغواية ، قد قتلتُ بك بالأمس رجلاً ، وتدعوني إلى آخر ، وأقبل إليهما ، [ { فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدوٌّ لهما } أَيْ : بالقبطِيِّ ] ، فظنَّ الذي من شيعته أنَّه يريده ، فقال :
{ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريدإلا أن تكون جباراً في الأرض } تقتل ظلماً ، فلمَّا قال الإِسرائيلي هذا علم القبطيُّ أنَّه قاتل القبطيِّ بالأمس ، فأتى فرعون فأخبره بذلك ، فأمر فرعون بقتل موسى ، فأتاه رجلٌ فأخبره بذلك ، وهو قوله :
{ وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى } وهو مؤمن آل فرعون { قال يا موسى إنَّ الملأ يأتمرون بك } يأمر بعضهم بعضاً يتشاورون { ليقتلوك فاخرج } من هذه المدينة { إني لك من الناصحين } .
{ فخرج منها خائفاً يترقب } ينتظر الطَّلب { قال : ربّ نجني من القوم الظالمين } قوم فرعون .

(1/671)


وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25)

{ ولما توجَّه } قصد بوجهه { تلقاء مدين } نحوها { قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل } قصد الطَّريق ، وذلك أنَّه لم يكن يعرف الطَّريق .
{ ولما ورد ماء مدين } وهو بئرٌ لهم { وجد عليه أمة } جماعةً { من الناس يسقون } مواشيهم { ووجد من دُونِهمُ امرأتين تذودان } تحسبان غنمهما عن الماء حتى يصدر مواشي النَّاس { قال } موسى لهما : { ما خطبكما } ؟ ما شأنكما لا تسقيان مع النَّاس؟ { قالتا لا نسقي } مواشينا { حتى يصدر الرعاء } عن الماء ، لأنا لا نطيق أن نستقي وأن نُزاحم الرِّجال ، فإذا صدروا سقينا من فضل مواشيهم { وأبونا شيخ كبير } لا يمكنه أن يرد وأن يستقي .
{ فسقى لهما } أغنامهما من بئرٍ أخرى رفع عنها حجراً كان لا يرفعه إلاَّ عشرة أنفس { ثمَّ تولى إلى الظلّ } أَيْ : إلى ظلِّ شجرةٍ { فقال ربِّ إني لما أنزلت إليَّ من خير } طعامٍ { فقير } محتاجٌ ، وكان قد جاع فسأل الله تعالى ما يأكل ، فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بما فعل موسى ، فقال لإحداهما : اذهبي فادعيه ، فذلك قوله :
{ فجاءته إحداهما } أخذت { تمشي على استحياء } مُستترةً بكُمِّ درعها { قالت : إنَّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقصَّ عليه القصص } أخبره بأمره والسَّبب الذي أخرجه من أرضه { قال : لا تخف نجوت من القوم الظالمين } يعني : من فرعون وقومه؛ فإنَّه لا سلطان له بأرضنا .

(1/672)


قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28)

{ قالت إحداهما يا أبت استأجره } ليرعى أغنامنا { إنَّ خير من استأجرت القويُّ الأمين } وإنَّما قالت ذلك لأنَّها عرفت قوَّته برفع الحجر من رأس البئر ، وأمانته بأنَّ موسى قال لها لمَّا دعته إلى أبيها : امشي خلفي ، فإنَّا بني يعقوب لا ننظر إلى أعجاز النِّساء .
{ قال } عند ذلك الشِّيخ لموسى : { إني أريد أن أنكحك } أزوِّجك { إحدى ابنتيَّ هاتين على أن تأجرني } تكون أجيراً لي { ثماني حجج } سنين { فإن أتممت عشراً فمن عندك } وليس بواجبٍ عليك { وما أريد أن أشقَّ عليك } بأن اشترط العشر { ستجدني إن شاء الله من الصالحين } الوافين بالعهد .
{ قال } موسى : { ذلك } الذي وصفت { بيني وبينك } أَيْ : لك ما شرطتَ عليَّ ولي ما شرطتُ من تزويج إحداهما . { أيما الأجلين قضيت فلا عدوان عليَّ } لا ظلم عليَّ بأن أُطالب بأكثر منه { والله على ما نقول وكيل } والله شاهدنا على ما عقدنا .

(1/673)


فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)

{ فلما قضى موسى الأجل } مفسَّر فيما مضى إلى قوله : { أو جذوة من النار } قطعةٍ وشعلةٍ من النَّار .
{ فلما أتاها نودي من شاطىء } جانب { الوادي الأيمن } من يمين موسى { في البقعة } في القطعة من الأرض { المباركة } بتكليم الله سبحانه فيها موسى عليه السَّلام ، وإتيانه النُّبوَّة { من الشجرة } من جانب الشَّجرة { أن يا موسى إني أنا الله ربُّ العالمين } والباقي مفسَّرٌ فيما سبق .

(1/674)


اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32)

{ واضمم إليك جناحك } أَيْ : يدك { من الرهب } من الخوف ، والمعنى : سكِّن روعك واخفض عليك جنبيك ، وذلك أنه كان يرتعد خوفاً { فذانك } اليد والعصا { برهانان من ربك . . . } الآية .

(1/675)


وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35)

{ ردءاً } أَيْ : مُعيناً .
{ قال : سنشدُّ عضدك } أَيْ : نُقوِّيك { بأخيك ونجعل لكما سلطاناً } حُجَّةً بيِّنة { فلا يصلون إليكما } بسوءٍ ، { بآياتنا } العصا واليد ، وسائر ما أُعطيا .

(1/676)


وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)

{ وقال موسى } لمَّا كُذِّب ونُسب إلى السِّحر : { ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده } يعني : نفسه ، أَيْ : ربِّي أعلم بي أنَّ الذي جئتُ به من عنده { ومن تكون له عاقبة الدار } أَيْ : العقبى المحمودة في الدَّار الآخرة ، وقوله :
{ فأوقد لي يا هامان على الطين } أَيْ : اطبخ لي الآجر { فاجعل لي صرحاً } بناء طويلاً مشرفاً { لعلي أطلع إلى إله موسى } أنظر إليه وأقف عليه .

(1/677)


وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42)

{ وجعلناهم أئمة } قادةً ورؤساء { يدعون إلى النار } أَيْ : إلى الضَّلالة التي عاقبتها النَّار .
{ وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنةً } وذلك أنَّهم لمَّا هلكوا لُعنوا ، فهم يُعرضون على النار غدوةً وعشيةً إلى يوم القيامة { ويوم القيامة هم من المقبوحين } الممقوتين المهلكين .

(1/678)


وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53)

{ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس } أَيْ : مبيِّناً لهم .
{ وما كنت بجانبي الغربيّ } أَيْ : الجبل الغربيّ الذي هو في جانب الغرب { إذ قضينا إلى موسى الأمر } أحكمناه معه ، وعهدنا إليه بأمرنا ونهينا { وما كنت من الشاهدين } الحاضرين هناك .
{ ولكنا أنشأنا } أحدثنا وخلقنا { قروناً } أمماً { فتطاول عليهم العمر } فنسوا عهد الله وتركوا أمره . { وما كنت ثاوياً } مُقيماً { في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين } أرسلناك رسولاً وأنزلنا عليك هذه الأخبار ، ولولا ذلك ما علمتها .
{ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } موسى { ولكن } أوحينا إليك هذه القصص { رحمة من ربك } .
{ ولولا أن تصيبهم مصيبة } عقوبةٌ ونقمةٌ { بما قدَّمت أيديهم } وجواب " لولا " محذوف ، تقديره : لعاجلناهم بالعقوبة .
{ فلما جاءهم الحق } محمد صلى الله عليه وسلم { من عندنا قالوا : لولا أوتي } محمد { مثل ما أوتي موسى } كتاباً جملةً واحدةً { أَوَلَمْ يكفروا بما أوتي موسى من قبل } أَيْ : فقد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمَّد صلى الله عليه وسلم و { قالوا ساحران تظاهرا } وذلك حين سألوا اليهود عنه فأخبروهم أنَّهم يجدونه في كتابهم بنعته وصفته ، وقالوا : ساحران تظاهرا . يعنون : موسى ومحمداً عليهما السَّلام تعاونا على السِّحر { وقالوا إنَّا بكلٍّ } من موسى ومحمدٍ عليهما السَّلام { كافرون } .
{ قل } لهم : { فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما } من كتابيهما { أتبعه أن كنتم صادقين } أَنَّهما كانا ساحرين .
{ فإن لم يستجيبوا لك } أَيْ : لم يجيبوك إلى الإِتيان بالكتاب { فاعلم أنَّما يتبعون أهواءهم } أَيْ : يُؤثرون هواهم على الدِّين .
{ ولقد وصلنا لهم القول } أنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضاً { لعلهم يتذكرون } يتَّعظون ويعتبرون .
{ الذين آتيناهم الكتاب من قبله } من قبل محمد صلى الله عليه وسلم { هم به يؤمنون } يعني : مؤمني أهل الكتاب .
{ وإذا يُتلى عليهم } القرآن { قالوا آمنا به } صدَّقنا به { إنَّه الحقُّ من ربنا } وذلك أنَّهم عرفوا بما ذُكر في كتبهم من نعت النبيِّ صلى الله عليه وسلم وكتابه { إنَّا كنا من قبله } من قبل القرآن ، أو من قبل محمد صلى الله عليه وسلم { مسلمين } لأنَّا كنَّا نؤمن به وبكتابه .

(1/679)


أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59)

{ أولئك يؤتون أجرهم مرتين } مرَّةً بإيمانهم بكتابهم ، ومرَّةً بإيمانهم بالقرآن { بما صبروا } بصبرهم على ما أُوذوا { ويدرؤون بالحسنة السيئةَ } ويدفعون بما يعملون من الحسنات ما تقدَّم لهم من السَّيئات { ومما رزقناهم ينفقون } يتصدَّقون .
{ وإذا سمعوا اللغو } القبيح من القول { أعرضوا عنه } لم يلتفتوا إليه . يعني : إذا شتمهم الكفَّار لم يشتغلوا بمعارضتهم بالشَّتم { وقالوا : لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم } ليس هذا تسليم التحيَّة ، وإنَّما هو تسليم المُتاركة ، أَيْ : بيننا وبينكم المتاركة والتَّسليم ، وهذا قبل أن يُؤمر المسلمون بالقتال { لا نبتغي الجاهلين } لا نصحبهم .
{ إنك لا تهدي مَنْ أحببت } نزلت حين حرص النبيُّ صلى الله عليه وسلم على إيمان عمِّه عند موته ، فلم يؤمن ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمعنى : لا تهدي مَنْ أحببت هدايته { ولكنَّ الله يهدي من يشاء } هدايته { وهو أعلم بالمهتدين } بمن يهتدي في معلومه .
{ وقالوا } يعني : مشركي مكَّة : { إن نتبع الهدى معك } بالإِيمان بك { نُتخطف } نُسلب ونُؤخذ { من أرضنا } لإِجماع العرب على خلافنا ، فقال الله تعالى : { أَوَلَمْ نمكن لهم حرماً آمناً } أخبر سبحانه أنَّه آمنهم بحرمة البيت ، ومنع منهم العدوَّ ، فكيف يخافون أن تسحتلَّ العرب قتالهم فيه؟ { يجبى } يُجمع . { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أنَّ ذلك ممَّا تفضَّل الله به سبحانه عليهم .
{ وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } عاشوا في البطر وكفران النِّعمة { فتلك مساكنهم } خاويةً { لم تسكن من بعدهم إلاَّ قليلاً } لا يسكنها إلاَّ المسافر والمارُّ يوماً أو ساعةً .
{ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها } أعظمها ، الآية .

(1/680)


أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63)

{ أفمن وعدناه وعداً حسناً } يعني : الجنَّة { فهو لاقيه } مُدركه ومُصيبه { كمَنْ متعناه متاع الحياة الدنيا ثمَّ هو يوم القيامة من المحضرين } في النَّار . نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي جهل .
{ ويوم يناديهم } أَيْ : المشركين { فيقول : أين شركائي الذين كنتم تزعمون } في الدُّنيا أنَّهم شركائي .
{ قال الذين حقَّ عليهم القول } وجب عليهم العذاب يعني : الشَّياطين { ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون } كعادة الشَّيطان في التَّبَرُّؤِ ممَّن يطيعه إذا أورده الهلكة .

(1/681)


وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (66)

{ وقيل } للكفَّار : { ادعوا شركاءَكم } مَنْ كنتم تعبدون من دون الله { فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } لم يجيبوهم بشيءٍ ينفعهم { ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون } لما اتَّبعوهم ولما رأوا العذاب .
{ ويوم يناديهم فيقول : ماذا أجبتم المرسلين } .
{ فعميت عليهم الأنباء } عميت عليهم الحجج؛ لأنَّ الله تعالى قد أعذر إليهم في الدُّنيا ، فلا تكون لهم حُجَّةٌ يومئذٍ ، فسكتوا فذلك قوله : { فهم لا يتساءلون } أَيْ : لا يسأل بعضهم بعضاً عمَّا يحتجُّون به .

(1/682)


وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75) إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)

{ وربك يخلق ما يشاء } كما يشاء { ويختار } ممَّا يشاء ما يشاء ، فاختار من كلِّ ما خلق شيئاً { ما كان لهم الخيرة } ليس لهم أن يختاروا على الله تعالى ، وليس لهم الاختيار ، والمعنى : لا يرسل الرُّسل إليهم على اختيارهم ، والباقي ظاهرٌ إلى قوله :
{ ونزعنا من كلِّ أمة } أَيْ : أخرجنا { شهيداً } يعني : رسولهم الذي أُرسل إليهم { فقلنا هاتوا برهانكم } أَيْ : ما اعتقدتم به أنّه برهانٌ لكم في أنَّكم كنتم على الحقِّ { فعلموا أنَّ الحق لله } أنَّ الحقَّ ما دعا إليه الله سبحانه ، وأتاهم به الرَّسول صلى الله عليه وسلم { وضلَّ عنهم ماكانوا يفترون } لم ينتفعوا بما عبدوه من دون الله سبحانه .
{ إنَّ قارون كان من قوم موسى } كان ابن عمِّه . { فبغى عليهم } بالكبر والتجبُّر والبذخ وكثرة المال { وآتيناه من الكنوز ما إنَّ مفاتحه } جمع المفتح ، وهو ما يُفتح به { لتنوء بالعصبة } تُثقل الجماعة { أولي القوة } { إذ قال له قومه : لا تفرح } بكثرة المال ولا تأشر { إنَّ الله لا يحبُّ الفرحين } الأشرين البطرين .
{ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة } أَيْ : اطلبها بإنفاق مالك في رضا الله تعالى { ولا تنس نصيبك من الدنيا } لا تترك أن تعمل في دنياك لآخرتك { وأحسن } إلى الناس { كما أحسن الله إليك ولا تبغِ الفساد في الأرض } العمل بالمعاصي .
{ قال إنما أوتيته على علمٍ عندي } على فضل علمٍ عندي ، وكنت بذلك العلم مُسحقَّاً لفضل المال ، وكان أقرأ بني إسرائيل للتَّوراة . قال الله تعالى : { أو لم يعلم أنَّ الله قد أهلك من قبله من القرون مَنْ هو أشدُّ منه قوة وأكثر جمعاً } للمال منه { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } لأنَّهم يدخلون النَّار بغير حسابٍ .

(1/683)


فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)

{ فخرج على قومه في زينته } في ثيابٍ حمرٍ عليه وعلى دوابِّه ، والرُّكبان الذين معه { قال الذين يردون الحياة الدنيا } ظاهرٌ إلى قوله :
{ ولا يلقاها } أَيْ : ولا يُلقَّن ولا يُوفَّق لهذه الكلمة { إلاَّ الصابرون } عن زينة الدُّنيا .

(1/684)


وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)

{ وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس } صار الذين كانوا يقولون : " يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون " { يقولون : ويكأنَّ الله } ألم تر ألم تعلم أن { الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } يُوسِّع لن يشاء ويُضيِّق { لولا أنْ منَّ الله علينا } عصمنا عن مثل ما كان عليه قارون من البطر والبغي { لخسف بنا } كما خُسف به .
{ تلك الدار الآخرة } يعني : الجنَّة { نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض } تكبُّراً وتجبُّراً فيها { ولا فساداً } عملاً بالمعاصي وأخذاً للمال بغير حقٍّ { والعاقبة } المحمودة { للمتقين } .

(1/685)


إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (85) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آَيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)

{ إن الذي فرض عليك القرآن } أنزله . وقيل : فرض عليك العمل بما في القرآن { لرادُّك إلى معاد } إلى مكَّة ظاهراً عليها ، وذلك حين اشتاق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مولده .
{ وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلاَّ رحمة من ربك } لكن رحمك ربُّك ، فاختارك للنُّبوَّة ، وأنزل عليك الوحي .
{ ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك } وهذا حين دُعي إلى دين آبائه . وقوله :
{ كل شيء هالك إلاَّ وجهه } أَيْ : إلاَّ إيَّاه { له الحكم } يحكم بما يريد { وإليه ترجعون } .

(1/686)


الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5)

{ الم } .
{ أحسب الناس أن يتركوا . . . } اية . نزلت في الذين جزعوا من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين . معناه : أحسبوا أن يُقنع منهم بأن يقولوا : إنَّا مؤمنون فقط ، ولا يُمتحنون بما يُبيِّن حقيقة إيمانهم .
{ ولقد فتنا الذين من قبلهم } اختبرنا وابتلينا { فليعلمنَّ الله } صِدقَ { الذين صدقوا } في قولهم : آمنَّا ، بوقوعه منهم ، وهو الصَّبر على البلاء { وليعلمنَّ } كذب { الكاذبين } في قولهم : آمنَّا ، بارتدادهم إلى الكفر عن الدِّين عند البلاء ، ومعنى العلم ها هنا العلم به موجوداً كائناً .
{ أم حسب الذين يعملون السيئات } الشِّرك { أن يسبقونا } يفوتونا { ساء ما يحكمون } بئس حكماً يحكمون لأنفهسم بهذا الظَّنِّ .
{ من كان يرجو لقاء الله } يخشى البعث { فإنَّ أجل الله } وعده بالثَّواب والعقاب { لآتٍ } لكائن .

(1/687)


وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13)

{ ولنجزينَّهم أحسن الذي كانوا يعملون } أَيْ : بأحسن أعمالهم ، وهو الطَّاعة .
{ ووصينا الإِنسان بوالديه حسناً } أمرناه أن يُحسن إليهما { وإن جاهداك } اجتهدا عليك { لتشرك بي ما ليس لك به علم } أنَّه لي شريك { فلا تطعهما } أُنزلت في سعد بن أبي وقَّاص لمَّا أسلم ، حلفت أمُّه أن لا تأكل ولا تشرب ، ولا يظلُّها سقف بيت حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ويرجع إلى ما كان عليه ، فأُمر أن يترضَّاها ويُحسن إليها ، ولا يُطيعها في الشِّرك . وقوله :
{ لندخلنَّهم في الصالحين } أَيْ : في زمرتهم وجملتهم ، ومعناه : لنحشرنَّهم معهم . وقوله :
{ جعل فتنة الناس } أَيْ : أذاهم وعذابهم { كعذاب الله } جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله ، ولا يصبر على الأذيَّة في الله . { ولئن جاء } المؤمنين { نصرٌ من ربك ليقولنَّ } هؤلاء الذين ارتدُّوا حين أُوذوا : { إنا كنَّا معكم } وهم كاذبون ، فقال الله تعالى : { أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين } يعني : إنَّه علامٌ بإيمان المؤمن وكفر الكافر .
{ وليعلمنَّ الله الذين آمنوا وليعلمنَّ المنافقين } هذا إخبارٌ عن الله تعالى أنَّه يعلم إيمان المؤمن ونفاق المنافق .
{ وقال الذين كفروا } من أهل مكَّة { للذين آمنوا : اتبعوا سبيلنا } الطَّريق الذي نسلكه في ديننا { ولنحمل خطاياكم } أَيْ : إن كان فيه إثمٌ فنحن نحمله ، قال الله تعالى : { وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء } يخفِّف عنهم العذاب { إنهم لكاذبون } في قولهم؛ لأنَّهم في القيامة لا يحملون عنهم خطاياهم ، ثمَّ أعلم الله عزَّ وجلَّ أنَّهم يحملون أوزار أنفسهم ، وأثقالاً أخرى بسبب إضلالهم مع أثقال أنفسهم؛ لأنَّ مَنْ دعا إلى ضلالةٍ فاتُّبع فعليه مثل أوزار الذين اتَّبعوه ، ثمَّ ذكر أنَّه يُوبِّخهم على ما قالوا فقال : { وليسألنَّ يوم القيامة عما كانوا يفترون } أَيْ : سؤال توبيخٍ .

(1/688)


إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17)

{ وتخلقون إفكاً } أَيْ : تقولون كذباً : إنَّ الأوثان شركاء الله .

(1/689)


أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)

{ أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده } كما بدأ ، وليس المعنى : على أو لم يروا كيف يعيده؛ لأنَّهم لم يروا الإِعادة .
{ قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق } يعني : الأمم الماضية ، كيف قدر الله سبحانه على خلقهم ابتداءً { ثمَّ الله ينشىء النشأة الآخرة } أيْ : يبعثهم ثانيةً بإنشائه إيَّاهم .

(1/690)


وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (22)

{ وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء } لو كنتم فيها ، ثمَّ عاد الكلام إلى قصَّة إبراهيم عليه السَّلام .

(1/691)


فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25) فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27)

{ فما كان جواب قومه } حين دعاهم إلى الله سبحانه { إلاَّ أن قالوا اقتلوه أو حرّقوه . . . } الآية .
{ وقال } لهم إبراهيم : { إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم } أَيْ : ليتوادُّوا بها ، فهي مودَّة بينكم ما دمتم في هذه الدَّنيا ، ثمَّ تنقطع ولا تنفع في الآخرة ، وهو قوله تعالى : { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض } تتبرَّأُ الأوثان من عابديها . وقوله تعالى :
{ فآمن له لوط } هو أوَّل مَنْ آمن بإبراهيم عليه السَّلام { وقال إني مهاجر إلى ربي } هاجر من سواد الكوفة إلى الشَّام .
{ وآتيناه أجره في الدنيا } قيل : هو الذِّكر الحسن . وقيل : هو الولد الصَّالح .

(1/692)


أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29)

{ وتقطعون السبيل } أَيْ : سبيل الولد . وقيل : يأخذون النَّاس من الطُّرق لطلب الفاحشة { وتأتون في ناديكم } مجلسكم { المنكر } كان بعضهم يُجامع بعضاً في مجالسهم { فما كان جواب قومه إلاَّ أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصَّادقين } أنًّه نازلٌ بنا .

(1/693)


وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35)

{ ولقد تركنا منها } من قرية قوم لوط { آية بينة } عبرةً ظاهرةً ، وهي خرابها وآثارها .

(1/694)


وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)

{ وكانوا مستبصرين } أَيْ : في ضلالتهم معجبين بها . وقيل : حسبوا أنَّهم على الهدى ، وهم علىالباطل . وقيل : أتوا ما أتوه وقد بيِّن لهم أنَّ عاقبته العذاب .

(1/695)


فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)

{ فكلاً } من الكفَّار { أخذنا } عاقبنا { بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً } وهم قوم لوط { ومنهم من أخذته الصيحة } قوم ثمود { ومنهم مَنْ خسفنا به الأرض } قارون وقومه { ومنهم من أغرقنا } قوم نوح وفرعون { وما كان الله ليظلمهم } لأنَّه قد بيَّن لهم بإرسال الرَّسول { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بكفرهم .
{ مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء } يعني : الأصنام في قلَّة غنائها عنهم { كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً } لا يدفع عنها حراً ولا برداً { وإنَّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت } وذلك أنَّه لا بيت أضعف منه فيما يتَّخذه الهوامُّ . { لو كانوا يعلمون } موضعَه عند قوله : مثلُ الذين اتخذوا من دونه أولياء لو كانوا يعلمون كمثل العنكبوت ، فهو مؤخَّر معناه التَّقديم .

(1/696)


اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49)

{ إنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } يعني : إنَّ في الصَّلاة منهاةً ومزدجراً عن معاصي الله تعالى ، فمن لم تنهه صلاته عن المنكر فليست صلاته بصلاةٍ { ولذكر الله أكبر } من كلِّ شيء في الدُّنيا وأفضل .
{ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاَّ بالتي هي أحسن } وهو الجميل من القول بالدُّعاء إلى الله عزَّ وجلَّ ، والتَّنبيه على الحجج { إلاَّ الذين ظلموا منهم } أَيْ : إلاَّ الذين ظلموكم بالقتال ومنع الجزية .
{ وكذلك } أَيْ : وكما آتيناهم الكتاب { أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به } بمحمد صلى الله عليه وسلم . يعني : مَنْ كانوا قبل عصره كانوا يؤمنون به لما يجدونه من نعته في كتابهم { ومن هؤلاء } الذين هو بين ظهرانيهم { مَنْ يؤمن به } .
{ وما كنت تتلو من قبله } من قبل هذا الكتاب الذي أنزلناه إليك { من كتابٍ ولا تخطُّه } ولا تكتبه { بيمينك إذاً لارتاب المبطلون } لشكُّوا فيك واتَّهموك لو كنت تكتب . وأراد بالمبطلين كفَّار قريش ، يعني : لقالوا : إنَّه كتبه وتعلَّمه من كتاب .
{ بل هو } يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم والعلم بأنَّه أُمِّيٌّ { آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } من أهل الكتاب ، قرؤوها من التَّوراة وحفظوها .

(1/697)


وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51)

{ وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربِّه } كما أُنزل على مَنْ قبله من الأنيباء { قل إنما الآيات عند الله } إذا شاء أرسلها ، وليست بيدي .
{ قل كفى بالله بيني وبينكم شهيداً } يشهد على صديقي وعلى تكذيبكم .

(1/698)


يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55) يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58)

{ ويقول : ذوقوا ما كنتم تعملون } أَيْ : جزاءه من العذاب .
{ يا عبادي الذين آمنوا إنَّ أرضي واسعة } نزلت في حثِّ مَنْ كانوا بمكَّة لا يقدرون على إظهار دينهم على الهجرة .
{ كلُّ نفس ذائقة الموت } أينما كانت ، فلا تُقيموا بدار الشِّرك . وقوله :
{ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ من الجنة غرفاً } أَيْ : ولننزلنَّهم منها قصوراً .

(1/699)


وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60)

{ وكأين } وكم { من دابَّة لا تحمل رزقها } فتخبئه لغدٍ { الله يرزقها } يوماً بيوم { وإياكم } وذلك أنَّ الذين كانوا بمكَّة من المؤمنين إذا قيل لهم اخرجوا إلى المدينة قالوا : فمَنْ يُطعمنا بها ، ولا مال لنا هنالك ، فأنزل الله تعالى : { الله يرزقها وإياكم } .

(1/700)


وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (63) وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67)

{ ولئن سألتهم من نزل من السماء ماءً فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولنَّ الله قل الحمد لله } على إنزاله الماء لإِحياء الأرض { بل أكثرهم لا يعقلون } العقل الذي يعرفون به الحقَّ من الباطل .
{ وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب } لنفادها عن قريب { وإنَّ الدار الآخرة لهي الحيوان } الحياة الدَّائمة { لو كانوا يعلمون } أنَّها كذلك ، ولكنَّهم لا يعلمون .
{ فإذا ركبوا في الفلك } وخافوا الغرق { دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } .
{ ليكفروا بما آتيناهم } أَيْ : ليجحدوا بما أنعمنا عليهم من إنجائهم ، والظَّاهر أنَّ هذ لام الأمر ، أمر التَّهديد ، ويدلُّ عليه قوله تعالى : { وليتمتعوا فسوف يعلمون } .
{ أَوَلَمْ يروا } يعني : أهل مكَّة { أنا جعلنا حرماً آمناً } ذا أمنٍ لا يُغار على أهله { ويتخطف الناس من حولهم } بالقتل والنَّهب والسَّبي { أفبالباطل يؤمنون } يعني : الأصنام { وبنعمة الله } يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم والقرآن { يكفرون } .

(1/701)


وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)

{ والذين جاهدوا فينا } أعداء الدِّين والكفَّار { لنهدينَّهم سبلنا } سبل الشًّهادة والمغفرة . وقيل : من اجتهد في عملٍ لله زاده الله تعالى هدىً على هدايته { وإنَّ الله لمع المحسنين } بنصره إيَّاهم .

(1/702)


الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3)

{ الم } .
{ غلبت الروم } غلبتها فارس { في أدنى الأرض } أدنى أرض الشَّام من أرض العرب وفارس ، وهي أذرعات وعسكر . { وهم } والرُّوم { من بعد غلبهم } غلبة فارس إيَّاهم { سيغلبون } فارس .
{ في بضع سنين } البضع : ما بين الثّلاث إلى التِّسع . { لله الأمر من قبل } من قبل أن تغلب الرُّوم { ومن بعد } ما غلبت . { ويومئذٍ يفرح المؤمنون } يوم تغلب الرُّومُ فارسَ يفرح المؤمنون { بنصر اللَّهِ } الرُّوم؛ لأنَّهم أهل كتاب ، فهم أقرب إلى المؤمنين ، وفارس مجوس فكانوا أقرب إلى المشركين ، فالمؤمنون يفرحون بنصر الله الرُّوم على فارس ، والمشركون يحزنون لذلك .

(1/703)


وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (10)

{ وعد الله } وعد ذلك وعداً { ولكنَّ أكثر الناس } يعني : مشركي مكَّة { لا يعلمون } ذلك ، ثمَّ بيَّن مقدار ما يعلمون فقال :
{ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا } يعني : أمر معاشهم ، وذلك أنَّهم كانوا أهل تجارة تكسُّب بها .
{ أو لم يتفكروا في أنفسهم } فيعلموا { ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلاَّ بالحق } أَيْ : للحقِّ ، وهو الدّلالة على توحيده وقدرته { وأجل مسمى } ووقتٍ معلومٍ تفنى عنده . يعني : يوم القيامة . وقوله :
{ وأثاروا الأرض } أَيْ : قلبوها للزِّراعة { وعمروها أكثر مما عمروها } يعني : إنَّ الذين أُهلكوا من الأمم الخالية كانوا أكثر حرثاَ وعمارةً من أهل مكَّة .
{ ثم كان عاقبة الذين أساؤوا } أشركوا { السوأى } النَّار { أن كذَّبوا } بأن كذَّبوا .

(1/704)


وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (13) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15)

{ يبلس المجرمون } أَيْ : يسكتون لانقطاع حجَّتهم ، وليأسهم من الرَّحمة .
{ ولم يكن لهم من شركائهم } أوثانهم التي عبدوها رجاء الشَّفاعة { شفعاء وكانوا بعبادتهم كافرين } قالوا : ما عبدتمونا ، وقوله :
{ يؤمئذ يتفرَّقون } يعني : المؤمنين والكافرين ، ثمَّ بيَّن كيف ذلك التَّفرُّق فقال :
{ فأمَّا قال آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون } أَي : يسمعون في الجنَّة .

(1/705)


فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18)

{ فسبحان الله } فصلُّوا لله سبحانه { حين تمسون } يعني : صلاة المغرب والعشاء الآخرة { وحين تصبحون } صلاة الفجر { وعشياً } يعني : صلاة العصر { وحين تظهرون } يعني : صلاة الظُّهر .

(1/706)


وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22)

{ ومن آياته أن خلقكم من تراب } يعني : أباكم آدم { ثم إذا أنتم بشر تنتشرون } يعني : ذريته .
{ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم } : من جنسكم { أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } يعني : الأُلفة بين الزَّوجين .
{ ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم } وأنتم بنو رجلٍ واحدٍ ، وامرأةٍ واحدةٍ .

(1/707)


وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31)

{ ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله } أَي : اللَّيل لتناموا فيه ، والنَّهار لتبتغوا فيه من فضله .
{ ومن آياته يريكم البرق خوفاً } للمسافر { وطعماً } للحاضر . وقوله :
{ ثمَّ إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } ثم إذا دعاكم دعوة ، إذا أنتم تخرجون من الأرض ، هكذا تقدير الآية على التَّقديم والتأخير . وقوله :
{ كلٌّ له قانتون } أَيْ : مُطيعون ، لا طاعة العبادة ولكن طاعة الإرادة ، خلقهم على ما أراد فكانوا على ما أراد ، لا يقدر أحدٌ أن يتغيَّر عمَّا خُلق عليه . وقوله :
{ وهو أهون عليه } أَيْ : هيِّنٌ عليه . وقيل : هو أهون عليه عندكم وفيما بينكم؛ لأَنَّ الإِعادة عندنا أيسر من الابتداء { وله المثل الأعلى } الصِّفة العليا ، وهو أنَّه لا إله إلاَّ هو ولا ربَّ غيره .
{ ضرب لكم مثلاً } بيَّن لكم شبهاً في اتِّخاذكم الأصنام شركاء مع الله سبحانه { من أنفسكم } ثمَّ بيَّن ذلك فقال : { هل لكم ممَّا ملكت أيمانكم } من العبيد والإِماء { من شركاء فيما رزقناكم } من المال والولد ، أّيْ : هل يشاركونكم فيما أعطاكم الله سبحانه حتى تكونوا أنتم وهم { فيه سواء تخافونهم } أن يرثوكم ، كما يخاف بعضكم بعضاً أن يرثه ماله ، والمعنى : كما لا يكون هذا فكيف يكون ما هو مخلوقٌ لله تعالى مثلَه حتى يُعبد كعبادته؟ فلمَّا لزمتهم الحجَّة بهذا ذكر أنَّهم يعبدونها باتَّباع الهوى فقال : { بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم } في عبادة الأصنام .
{ فأقم وجهك للدين حنيفاً } أَيْ : أقبل عليه ولا تُعرض عنه . { فطرة الله } أي : اتَّبع فطرة الله ، أَيْ : خِلقة الله التي خلق النَّاس عليها ، وذلك أنَّ كلَّ مولودٍ يُولد على ما فطره الله عليه من أنَّه لا ربَّ له غيره ، كما أقرَّ له لمَّا أُخرج من ظهر آدم عليه السَّلام { لا تبديل لخلق الله } لم يبدَّلِ الله سبحانه دينه ، فدينُه أنَّه لا ربَّ غيره . { ذلك الدين القيم } المستقيم .
{ منيبين إليه } راجعين إلى ما أمر به ، وهو حالٌ من قوله : { فأقم وجهك } ، والمعنى : فأقيموا وجوهكم؛ لأنَّ أمره أمرٌ لأمته .

(1/708)


مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36)

{ من الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعاً } مفسَّرٌ في سورة الأنعام { كلُّ حزب } كلُّ جماعةٍ من الذين فارقوا دينهم { بما لديهم فرحون } أَيْ : يظنون أنَّهم على الهدى ، ثمَّ ذكر أنَّهم مع شركهم لا يلتجئون في الشَّدائد إلى الأصنام ، فقال :
{ وإذا مسَّ الناس ضرٌّ دعوا ربهم منيبين إليه . . . } الآية . وقوله :
{ وليكفروا بما آتيناهم } مفسَّرٌ في سورة العنكبوت إلى قوله :
{ أم أنزلنا } أَيْ : أَأنزلنا { عليهم سلطاناً } كتاباً { فهو يتكلَّم بما كانوا به يشركون } ينطق بعذرهم في الإِشراك .
{ وإذا أذقْنا الناس رحمة فرحوا بها . . . } الآية . هذا من صفة الكافر يبطر عند النِّعمة ، ويقنط عند الشِّدَّة ، لا يشكر في الأُولى ، ولا يحتسب في الثَّانية .

(1/709)


وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39)

{ وما آتيتم من رباَ ليربوَ في أموال الناس } يعني : ما يعطونه من الهدية ليأخذوا أكثر منها ، وهو من الرِّبا الحلال { فلا يربو عند الله } لأنَّكم لم تريدوا بذلك وجه الله ، وقوله : { فأولئك هم المضعفون } أصحاب الإِضعاف ، يُضَاعِفُ لهم بالواحدة عشراً .

(1/710)


ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)

{ ظهر الفساد } القحط وذهاب البركة { في البر } القفاز { والبحر } القرى والرِّيف { بما كسبت أيدي الناس } بشؤم ذنوبهم { ليذيقهم بعض الذي عملوا } كان ذلك لِيُذَاقوا الشِّدَّة بذنوبهم في العاجل .

(1/711)


فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44)

{ فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يومٌ } القيامةُ ، فلا ينفع نفساً إيمانها { يومئذٍ يصدَّعون } يتفرَّقون؛ فريقٌ في الجنَّة ، وفريقٌ في السَّعير .
{ مَنْ كفر فعليه كفره } أي : وبال كفره وعذابه { ومَنْ عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون } يفرشون ويُسَوُّون المضاجع ، والمعنى : لأنفسهم يبغون الخير .

(1/712)


وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51) فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52)

{ ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات } بالمطر { وليذيقكم من رحمته } نعمته بالمطر يُرسلها { ولتجري الفلك بأمره } وذلك أنَّها تجري بالرِّياح { ولتبتغوا من فضله } بالتِّجارة في البحر ، وقوله :
{ فانتقمنا من الذين أجرموا } أَيْ : عاقبنا الذين اشركوا { وكان حقاً عليناً نصر المؤمنين } في العاقبة ، وكذلك ننصرك في العاقبة على مَنْ عاداك .
{ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً } تُزعجها وتُخرجها من أماكنها { فيبسطه } الله { في السماء كيف يشاء ويجعله كسفاً } قطعاً . يريد أنَّه مرَّةً يبسطه ، ومرَّةً يقطعه { فترى الودق } المطر { يخرج من خلاله } وسطه وشقوقه { فإذا أصاب به } بالودق { من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون } يفرحون .
{ وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم } المطر { من قبله } كرَّر " من قبل " للتَّأكيد { لمبلسين } آيسين .
{ فانظر إلى آثار رحمة الله } يعني : آثار المطر الذي هو رحمة الله تعالى { كيف يحيي الأرض } جعلها تنبت { بعد موتها } [ يُبسها ] { إنَّ ذلك } الذي فعل ذلك ، وهو الله عزَّ وجلَّ { لمحيي الموتى } .
{ ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً } رأوا النَّبت قد اصفرَّ وجفَّ { لظلُّوا من بعده يكفرون } يريد : إنَّ الكفَّار يستبشرون بالغيث ، فإذا جفَّ النَّبت ولم يحتاجوا إلى الغيث ظلُّوا يكفرون بنعمة الله عزَّ وجلَّ فلم يؤمنوا ، ولم يشكروا إنعامه بالمطر .
{ فإنك لا تسمع الموتى } مضت الاية في سورة الأنبياء ، والتي بعدها في سورة النمل .

(1/713)


اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (56) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآَيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (59) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (60)

{ الله الذي خلقكم من ضعف } من نطفةٍ . الآية .
{ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون } يحلف الكافرون { ما لبثوا } في قبورهم { غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون } أَيْ : كذَّبوا في هذا الوقت كما كانوا يُكذِّبون في الدُّنيا .
{ وقال الذين أوتوا العلم والإِيمان لقد لبثتم في كتاب الله } أَيْ : فيما بيَّن في كتابه ، وهو اللَّوح المحفوظ { إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون } أنَّه يكون . وقوله :
{ ولا هم يستعتبون } أَيْ : لا يُطلب منهم أن يرجعوا إلى ما يُرضي الله سبحانه .
{ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كلِّ مثل } بيَّنا لهم الأمثال للاعتبار { ولئن جئتهم بآية } لهم فيها بيانٌ واعتبارٌ { ليقولنَّ الذين كفروا إن أنتم إلاَّ مبطلون } ما أنتم إلاَّ أصحاب الأباطيل .
{ كذلك } كما طبع الله على قلوبهم حتى لم يفهموا { يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون } أدلَّة التَّوحيد .
{ فاصبر إنَّ وعد الله } في نصرك وتمكينك { حق ولا يستخفنَّك } لا يستفزنَّك عن دينك { الذين لا يوقنون } أي : الضُّلال الشَّاكُّون .

(1/714)


الم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6)

هذه السورة مفسَّرة فيما مضى إلى قوله :
{ ومن الناس من يشتري لهو الحديث } يعني : النَّضر بن الحارث ، كان يخرج تاجراً إلى فارس ، فيشتري أخبار الأعاجم ، ثمَّ يأتي بها فيقرؤها في أندية قريش ، فيستمحلونها ويتركون استماع القرآن ، وقوله : { ويتخذها هزواً } أَيْ : يتَّخذ آيات الكتاب هزواً .

(1/715)


وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)

{ ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله } أَيْ : وقلنا له : أن اشكر لله .

(1/716)


وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (22)

{ حملته أمه وهناً على وهن } أَيْ : لزمها بحملها إيَّاه أن تضعف مرَّةً بعد مرَّةً . { وفصاله } وفطامه { في عامين } لأنَّها ترضع الولد عامين { أن اشكر لي ولوالديك } المعنى : وصَّينا الإِنسان أن اشكر لي ولوالديك .
{ وإن جاهداك } مُفسَّرٌ فيما مضى ، وقوله : { وصاحبهما في الدنيا معروفاً } أَيْ : مُصَاحَباً معروفاً ، وهو المستحسن { واتبع سبيل من أناب } رجع { إليَّ } يعني : اسلك سبيل محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، نزلت في سعد بن أبي وقاص ، وقد مرَّ .
{ يا بني إنها إن تك مثقال } رُوي أنَّ ابنه قال له : إنْ عملتُ بالخطيئة حيث لا يراني أحدٌ كيف يعلمها الله عزَّ وجلَّ؟ فقال : { إنها } أي : الخطيئة { إن تك مثقال حبة من خردل } أو : السَّيِّئة ، ثمَّ كانت { في صخرة } أَيْ : في أخفى مكان { أو في السموات أو الأرض } أينما كانت أتى الله بها ولن تخفى عليه ، ومعنى { يأت بها الله } أَيْ : للجزاء عليها { إنَّ الله لطيف } باستخراجها { خبير } بمكانها . وقوله :
{ إنَّ ذلك من عزم الأمور } أي : الأمور الواجبة .
{ ولا تصعر خدِّك للناس } لا تُعرض عنهم تكبُّراً { ولا تمش في الأرض مرحاً } مُتَبختراً مختالاً .
{ واقصد في مشيك } ليكن مشيك قصداً ، لا بِخُيلاء ولا بإسراع { واغضض } واخفض { من صوتك إنَّ أنكر الأصوات } أقبحها { لصوت الحمير } .
{ ألم تروا أنَّ الله سخر لكم ما في السموات } من الشَّمس والقمر والنُّجوم لنتنفعوا بها { وما في الأرض } من البحار والأنهار والدَّوابِّ { وأسبغ } وأوسعَ وأتمَّ { عليكم نعمة ظاهرة } وهي حسن الصُّورة وامتداد القامة { وباطنة } وهي المعرفة ، والباقي قد مضى تفسيره . إلى قوله تعالى :
{ أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } أَيْ : موجباته ، فيتَّبعونه .
{ ومن يسلم وجهه إلى الله } يُقبل على طاعته وأوامره { وهو محسن } مؤمنٌ موحِّدٌ { فقد استمسك بالعروة الوثقى } بالطَّرفِ الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه { وإلى الله عاقبة الأمور } مرجعها .

(1/717)


نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25)

{ نمتعهم قليلاً } بالدُّنيا { ثمَّ نضطرهم } نُلجئهم { إلى عذاب غليظ } .
{ ولئن سالتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله } الذي خلقها { بل أكثرهم لا يعلمون } إذ أشركوا به بعد إقرارهم بأنَّه خالقهما .

(1/718)


وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آَيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)

{ ولو أنَّ ما في الأرض من شجرة أقلام . . . } الآية . وذلك أنَّ المشركين قالوا في القرآن : هذا كلامٌ سينفذ وينقطع ، فأعلم الله سبحانه أنَّ كلامَهُ لا ينفد { والبحر يمده } أَيْ : يزيد فيه ، ثمَّ كتبت به كلمات الله { ما نفدت } .
{ ما خلقكم ولا بعثكم إلاَّ كنفس واحدة } أَيْ : كخلق وكبعث نفسٍ واحدةٍ؛ لأنَّ قدرة الله سبحانه على بعث الخلق كقدرته على بعث نفسٍ واحدةٍ ، وقوله :
{ ألم تر أنَّ الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كلٌّ يجري إلى أجل مسمىً وأنَّ الله بما تعملون خبير } .
{ ذلك } أَيْ : فعل الله ذلك لتعلموا { بأن الله هو الحق } الذي لا إله غيره . وقوله :
{ إنَّ في ذلك لآيات لكلّ صبار شكور } أَيْ : لكلِّ مؤمنٍ بهذه الصِّفة .
{ وإذا غشيهم } علاهم { موج كالظلل } كالجبال . وقيل : كالسَّحاب . وقوله : { فمنهم مقتصد } أَيْ : مؤمنٌ مُوفٍ بما عاهد الله في البحر . وقوله : { كلُّ ختار } غدَّارٍ { كفور } جحودٍ . وقوله :
{ لا يجزي والد عن ولده } لا يكفي ولا يُغني عنه شيئاً ، و { الغَرُور } الشَّيطان .
{ إنَّ الله عنده علم الساعة } متى تقوم { وينزل الغيث } المطر { ويعلم ما في الأرحام } ذكراً أوأنثى .

(1/719)


يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5)

قوله :
{ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض } يعني : القضاء من السَّماء فينزله إلى الأرض مدَّة أيام الدُّنيا { ثمَّ يعرج إليه } أَيْ : يرجع الأمر والتَّدبير إلى السَّماء ، ويعود إليه بعد انقضاء الدُّنيا وفنائها { في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } وهو يوم القيامة ، وذلك اليوم يطول على قومٍ ويشتدُّ حتى يكون كخمسين ألف سنة ، ويقصر على قوم ، فلا آخر له معلوم .

(1/720)


الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8)

{ الذي أحسن كلَّ شيء خلقه } أَيْ : أتقنه وأحكمه { وبدأ خلق الإنسان من طين } آدم عليه السَّلام .
{ ثم جعل نسله } ذريَّته { من سلالةٍ } نطفةٍ { من ماء مهين } ضعيفٍ حقيرٍ .

(1/721)


وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14)

{ وقالوا } يعني : منكري البعث { أإذا ضللنا في الأرض } صرنا تراباً وبطلنا { أإنا لفي خلق جديد } نُخلق بعد ذلك خلقاً جديداً .
{ قل يتوفاكم } يقبض أرواحكم .
{ ولو ترى } يا محمد { إذ المجرمون } المشركون { ناكسو رؤوسهم } مُطأطئوها حياءً من ربِّهم عزَّ وجلَّ ، ويقولون : { ربنا أبصرنا } ما كنا به مُكذِّبين { وسمعنا } منك صدق ما أتت به الرُّسل { فارجعنا } فارددنا إلى الدُّنيا { نعمل صالحاً }
{ ولو شئنا لآتينا كلَّ نفس هداها } رشدها . الآية . ويقال لأهل النَّار .
{ فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا } أَيْ : تركتم الإِيمان به { إنا نسيناكم } تركناكم في النَّار .

(1/722)


إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18)

{ إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها } أي : وُعظوا { خرُّوا سجداً } لله سبحانه خوفاً منه { وسبحوا بحمد ربهم } نزَّهوا الله تعالى بالحمد لله { وهم لا يستكبرون } عن الإيمان به والسُّجود له .
{ تتجافى جنوبهم } ترتفع أضلاعهم { عن المضاجع } الفرش ومواضع النَّوم { يدعون ربهم خوفاً } من النَّار { وطمعاً } في الجنَّة { ومما رزقناهم ينفقون } يصَّدَّقون .
{ فلا تعلم نفس } من هؤلاء { ما أخفي لهم } ما أُعدَّ لهم { من قرة أعين } ممَّا تقرُّ به عينه إذ رآه .
{ أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً } نزلت في أمير المرمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، والوليد بن عقبة بن أبي معيط .

(1/723)


وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27)

{ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } قيل : المصيبات في الدُّنيا ، وقيل : القتل ببدر . وقيل : عذاب القبر . وقيل : الجوع سبع سنين ، والأولى المُصيبات والجوع لقوله : { لعلهم يرجعون } . وقوله :
{ فلا تكن في مرية من لقائه } أَيْ : من لقاء موسى عليه السَّلام ليلة المعراج ، وعده الله تعالى أن يريه موسى عليه السَّلام ليلة الإِسراء به .
{ وجعلنا منهم } من بني إسرائيل { إئمة } قادة { يهدون } يدعون الخلق { بأمرنا لما صبروا } حين صبروا على الحقِّ .
{ إنَّ ربك هو يفصل } يحكم { بينهم يوم القيامة } بين المُكذِّبين بك { فيما كانوا فيه يختلفون } من أمرك .
{ أو لم يهد لهم } يتبيَّن لهم صدقك { كم أهلكنا } إهلاكنا مَنْ كذَّب الرُّسل منهم وهم { يمشون في مساكنهم } إذا سافروا ، فيرون خرابَ منازلهم { إنَّ في ذلك لآيات أفلا يسمعون } آيات الله وعظاته .
{ أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز } الغليظة التي لا نبأت فيها { فنخرج به زرعاً تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون } هذا فيعلموا أنَّا نقدر على إعادتهم .

(1/724)


وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)

{ ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين } وذلك أنَّ المؤمنين قالوا للكفَّار : إنَّ لنا يوماً يحكم الله بيننا وبينكم فيه ، يريدون يوم القيامة ، فقالوا : متى هذا الفتح؟ فقال الله تعالى : { قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون } يُمهلون للتَّوبة .
{ فأعرض عنهم } منسوخٌ بآية السَّيف { وانتظر } عذابهم { إنهم منتظرون } هلاكك [ في زعمهم الكاذب ] .

(1/725)


يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1)

{ يا أيها النبي اتق الله } اثبت على تقوى الله ، ودُمْ عليه { ولا تطع الكافرين والمنافقين } وذلك أنَّ الكافرين قالوا له : ارفض ذكر آلهتنا ، وقل : إنَّ لها شفاعةً ومنفعةً لمن عبدها ، ووازَرَهم المنافقون على ذلك { إنَّ الله كان عليماً } بما يكون قبل كونه { حكيماً } فيما يخلق .

(1/726)


مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5) النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (6) وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14)

{ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } هذا تكذيبٌ لبعض مَنْ قال من الكافرين : إنَّ لي قلبين أفهم بكلِّ واحدٍ منهما أكثر ممَّا يفهم محمد ، فأكذبه الله تعالى . قيل : إنَّه ابن خطل { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتهم } لم يجعل نساءكم اللائي تقولون : هنَّ علينا كظهور أمهاتنا في الحرام كما تقولون ، وكان هذا من طلاق الجاهليَّة ، فجعل الله في ذلك كفَّارة { وما جعل أدعياءكم } مَنْ تبنَّيتموه { أبناءكم } في الحقيقة كما تقولون { ذلكم قولكم بأفواهكم } قولٌ بالفم لا حقيقة له { والله يقول الحق } وهو أنَّ غير الابن لا يكون ابناً { وهو يهدي السبيل } أَيْ : السَّبيل المستقيم .
{ ادعوهم لآبائهم } أَيْ : انسبوهم إلى الذين ولدوهم { هو أقسط عند الله } أعدل عند الله { فإن لم تعلموا آباءهم } مَنْ هم { فإخوانكم في الدين } أي فهم إخوانكم في الدِّين { ومواليكم } وبنو عمّكم . وقيل : أولياؤكم في الدِّين { وليس عليكم جناج فيما أخطأتم به } وهو ن يقول لغير ابنه : يا بنيَّ من غير تَعَمُّدٍ أن يجريه مجرى الولد في الميراث ، وهو قوله : { ولكن ما تعمَّدت قلوبكم } يعني : ولكنَّ الجُناح في الذي تعمَّدت قلوبكم .
{ النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم } إذا دعاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى شيءٍ ، ودعتهم أنفسهم إلى شيءٍ كانت طاعة النبيِّ صلى الله عليه وسلم أولى . { وأزواجه أمهاتهم } في حرمة نكاحهنَّ عليهم { وأولوا الأرحام } والأقارب { بعضهم أولى ببعض } في الميراث { في كتاب الله } في حكمه { من المؤمنين والمهاجرين } وذلك أنَّهم كانوا في ابتداء الإِسلام يرثون بالإِيمان والهجرة { إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً } لكن إن يوصوا له بشيءٍ من الثُّلث فهو جائزٌ { كان ذلك في الكتاب مسطوراً } كان هذا الحكم في اللَّوح المحفوظ مكتوباً .
{ وإذا أخذنا } واذكر إذ أخذنا { من النبيّين ميثاقهم } على الوفاء بما حملوا ، وأن يُصدِّق بعضهم بعضاً .
{ ليسأل الصادقين عن صدقهم } المُبلِّغين من الرُّسل عن تبليغهم ، وفي تلك المسألة تبكيتٌ للكفَّار { وأعدَّ للكافرين } بالرُّسل { عذاباً أليماً } .
{ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود } يعني : الأحزاب ، وهم قريش وغطفان وقُريظة والنَّضير ، حاصروا المسلمين أيَّام الخندق { فأرسلنا عليهم ريحاً } [ وهي الصَّبا ] كفأت قدورهم ، وقلعت فساطيطهم { وجنوداً لم تروها } وهم الملائكة { وكان الله بما يعملون } من حفر الخندق { بصيراً } .
{ إذ جاؤوكم من فوقكم } من قبل المشرق ، يعني : قُريظة والنَّضير ، { ومن أسفل منكم } قريشٌ من ناحية مكَّة { وإذ زاغت الأبصار } مالت وشخصت ، وتحيَّرت لشدَّة الأمر وصعوبته عليكم { وبلغت القلوب الخناجر } ارتفعت إلى الحلوق لشدَّة الخوف { وتظنون به الظنونا } ظنَّ المنافقون أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه يُستأصلون ، وأيقن المؤمنون بنصر اللَّهِ .

(1/727)


{ هنالك } في تلك الحال { ابتلي المؤمنون } اختبروا ليتبيَّن المخلص من المنافق { وزلزلوا } وحرِّكوا وخُوِّفوا .
{ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض } شكٌّ ونفاقٌ : { ما وعدنا الله ورسوله إلاَّ غرورا } إذْ وعدنا أنَّ فارس والرُّوم يُفتحان علينا .
{ وإذ قالت طائفة منهم } من المنافقين : { يا أهل يثرب } يعني : المدينة { لا مقام لكم } لا مكان لكم تُقيمون فيه { فارجعوا } إلى منازلكم بالمدينة ، أمروهم بترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وخذلانه ، وذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان قد خرج من المدينة إلى سلع لقتال القوم { ويستأذن فريقٌ منهم } من المنافقين { النبيَّ } في الرُّجوع إلى منازلهم { يقولون : إنَّ بيوتنا عورة } ليست بحصينةٍ ، نخاف عليها العدوِّ ، قال الله تعالى : { وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً } من القتال .
{ ولو دخلت عليهم } لو دخل عليهم هؤلاء الذين يريدون قتالهم المدينة { من أقطارها } جوانبها { ثمَّ سئلوا الفتنة } سألتهم الشِّرك بالله { لأتوها } لأعطوا مرادهم { وما تلبثوا بها إلاَّ يسيراً } وما احتبسوا عن الشِّرك إلا يسيراً ، أَيْ : لأسرعوا الإجابة إليه .

(1/728)


وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16)

{ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل } عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل غزوة الخندق { لا يولون الأدبار } لا ينهزمون عن العدوِّ { وكان عهد الله مسؤولاً } والله تعالى يسألهم عن ذلك العهد يوم القيامة .
{ قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل } الذي كُتب عليكم { وإذاً لا تمتعون إلاَّ قليلاً } لا تبقون في الدُّنيا إلاَّ إلى آجالكم .

(1/729)


قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (20) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (27) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)

{ قد يعلم الله المعوقين منكم } الذين يُعوِّقون النَّاس عن نصرة محمَّد عليه السَّلام ، { والقائلين لإِخوانهم هلمَّ إلينا } يقولون لهم : خلُّوا محمداً صلى الله عليه وسلم فإنَّه مغرورٌ وتعالوا إلينا { ولا يأتون البأس إلاَّ قليلاً } لا يحضرون الحرب مع [ أصحاب ] النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلاّ تعذيراً وتقصيراً ، [ يرى أنَّ له عذراً ولا عذر له ] ، يوهمونهم أنَّهم معهم .
{ أشحة عليكم } بخلاء عليكم بالخير والنَّفقة { فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليكم تدور أعينهم } في رؤوسهم من الخوف كدوران عين الذي { يُغشى عليه من الموت } قَرُبَ أن يموت فانقلبت عيناه { فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد } آذوكم بالكلام وجادلوكم في الغنيمة { أشحة } بخلاء { على الخير } الغنيمة .
{ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } لجبنهم وشدَّة خوفهم يظنون أنَّهم بعد انهزامهم لم ينصرفوا بعد { وإن يأت الأحزاب } يرجعوا كرَّةً ثانية { يودوا لو أنَّهم بادون في الأعراب } خارجون من المدينة إلى البادية في الأعراب { يسألون عن أنبائكم } أَيْ : يودوا لو أنَّهم غائبون عنكم يسمعون أخباركم بسؤالهم عنها من غير مشاهدة . قال الله تعالى : { ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلاَّ قليلاً } رياءً من غير حِسْبَةٍ ، ولمَّا وصف الله تعالى حال المنافقين في الحرب وصف حال المؤمنين فقال :
{ لقد كان لكم } أيُّها المؤمنون { في رسول الله أسوة حسنة } سنَّةٌ صالحةٌ ، واقتداءٌ حسنٌ حيث لم يخذلوه ولم يتولَّوا عنه ، كما فعل هو صلى الله عليه وسلم يوم أُحدٍ شُجَّ حاجبه ، وكُسرت رباعيته ، فوقف صلى الله عليه وسلم ولم ينهزم ، ثمَّ بيَّن لمَنْ كان هذا الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : { لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } أَيْ : يخافهما .
{ ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا } تصديقاً لوعد الله تعالى : { هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله } ووعدُ الله تعالى إيَّاهم في قوله : { أمْ حسبْتُم أن تدخلوا الجنَّة ولمَّا يأتكم مثَلُ الذين خلوا مِنْ قبلِكم مسًّتهم البأساءُ والضَّراء وزُلزلوا حتَّى يقولَ الرَّسول والذين آمنوا معه : متى نصر الله؟ ألا إِنَّ نصر الله قريبٌ } فعلموا بهذه الآية أنَّهم يُبتلون ، فلمَّا ابتلوا بالأحزاب علموا أنَّ الجنَّة والنَّصر قد وجبا لهم إن سلَّموا وصبروا ، وذلك قوله : { وما زادهم إلاَّ إيماناً } وتصديقاً بالله ورسوله { وتسليماً } لله أمره .
{ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله } كانوا صادقين في عهودهم بنصرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم { فمنهم من قضى نحبه } فرغٍ من نذره واستُشهد . يعني : الذين قُتلوا بأُحدٍ { ومنهم مَنْ ينتظر } أن يقتل شهيداً { وما بدلوا تبديلاً } عهدهم ، ثمَّ ذكر جزاء الفريقين فقال :
{ ليجزي الله الصادقين بصدقهم . . . } الآية .
{ وردَّ الله الذين كفروا } قريشاً والأحزاب { بغيظهم } على ما فيهم من الغيظ { ولم ينالوا خيراً } لم يظفروا بالمسلمين { وكفى الله المؤمنين القتال } بالرِّيح والملائكة .

(1/730)


{ وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب } الذين عاونوا الأحزاب من قريظة { من صياصيهم } حصونهم ، وذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حاصرهم ، واشتدَّ ذلك عليهم حتى نزلوا على حكمه ، وذلك قوله تعالى : { وقذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون } يعني : الرِّجال { وتأسرون فريقاً } يعني : النِّساء والذُّريَّة . وقوله :
{ وأرضاً لم تطؤوها } يعني : خيبر ، ولم يكونوا نالوها ، فوعدهم الله تعالى إيَّاها .
{ يا أيها النبيُّ قل لأزواجك . . } الآية . نزلت حين سألت نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من عرض الدُّنيا ، وآذْينَهُ بزيادة النَّفقة ، فأنزل الله سبحانه هذه الآيات ، وأمره أن يُخيِّرهنَّ بين الإِقامة معه على طلب ما عند الله ، أو السِّراح إن أردْنَ الدُّنيا ، وهو قوله : { إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكنَّ } متعة الطَّلاق ، فقرأ عليهنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآيات ، فاخترن الآخرة على الدُّنيا ، والجنَّة على الزِّينة ، فرفع الله سبحانه درجتهنَّ على سائر النِّساء بقوله :
{ يا نساء النبيّ مَنْ يأت منكنَّ بفاحشة مبيِّنة } بمعصيةٍ ظاهرةٍ { يضاعف لها العذاب ضعفين } ضعفي عذاب غيرها من النِّساء .

(1/731)


وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32)

{ ومن يقنت } يطع { نؤتها أجرها مرَّتين } مثلي ثواب غيرها من النِّساء { وأَعتدنا لها رزقاً كريماً } يعني : الجنَّة . وقوله :
{ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض } أَيْ : لا تقلن قولاَ يجد منافقٌ به سبيلاً إلى أن يطمع في موافقتكنَّ له . وقوله : { وقلن قولاً معروفاً } أَيْ : قلن بما يوجبه الدِّين والإِسلام بغير خضوعٍ فيه بل بتصريحٍ .

(1/732)


وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34) إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)

{ وقرن في بيوتكن } أمرٌ لهنَّ من الوقار والقرار جميعاً { ولا تبرجن } ولا تُظهرن المحاسن كما كان يفعله أهل الجاهليَّة ، وهو ما بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما . { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس } وهو كلُّ مُستَنكرٍ ومُستقذَرٍ من عملٍ { أهل البيت } يعني : نساء النبيِّ صلى الله عليه وسلم ورجال أهل بيته .
{ واذكرن ما يتلى في بيوتكنَّ من آيات الله } يعني : القرآن { والحكمة } يعني : السُّنَّة .
{ إنَّ المسلمين والمسلمات . . . } الآية . قالت النِّساء : ذكر الله تعالى الرِّجال بخيرٍ في القرآن ، ولم يذكر النِّساء بخيرٍ ، فما فينا خيرٌ يُذكر ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
{ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة . . . } الآية . نزلت في عبد الله بن جحش وأخته زينب ، خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم على مولاه زيد بن حارثة ، وظنَّت أنَّه خطبها لنفسه ، فلمَّا علمت أنًّه يريدها لزيدٍ كرهت ذلك ، فأنزل الله تعالى : { وما كان لمؤمن } يعني : عبد الله بن جحش { ولا مؤمنة } يعني : أخته زينب { إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } أَيْ : الاختيار ، فأعلم أنَّه لا اختيار على ما قضاه الله ورسوله ، وزوَّجها من زيدٍ ، ومكثت عنده حيناً ، ثمَّ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى زيداً ذات يومٍ لحاجة ، فأبصرها قائمةً في درعٍ وخمارٍ ، فأعجبته وكأنَّها وقعت في نفسه ، وقال : سبحان الله مُقلِّب القلوب ، فلمَّا جاء زيدٌ أخبرته بذلك ، وأُلقي في نفس زيدٍ كراهتها ، فأراد فراقها ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني أريد أن أفارق صاحبتي؛ فإنَّها تؤذيني بلسانها .

(1/733)


وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38)

{ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه } بالإسلام ، يعني : زيداً { وأنعمت عليه } بالإِعتاق : { أمسك عليك زوجك واتق الله } فيها ، وكان صلى الله عليه وسلم يحبُّ أن يتزوَّج بها ، إلا أنَّه آثر ما يجب من الأمر بالمعروف ، وقوله : { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } أن لو فارقَها تزوَّجتها ، وذلك أنَّ الله تعالى كان قد قضى ذلك ، وأعلمه أنَّها ستكون من أزواجه ، وإأنَّ زيداً يُطلِّقها { وتخشى الناس } تكره قالة النَّاس لو قلت : طَلِّقْها ، فيقال أمر رجلاً بطلاق امرأته ، ثمَّ تزوَّجها { والله أحقُّ أن تخشاه } في كلِّ الأحوال ، ليس أنَّه لم يَخْشَ الله في شيءٍ من هذه القضيَّة ، ولكن ذكر الكلام ها هنا على الجملة . وقيل والله أحقُّ أن تستحيي منه ، فلا تأمر زيداً بإمساك زوجته بعد إعلام الله سبحانه إياك أنها ستكون زوجتك ، وأنت تستحيي من النَّاس وتقول : أمسك عليك زوجك . { فلما قضى زيد منها وطراً } حاجته من نكاحها { زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج . . . } الآية . لكيلا يظنَّ ظانٌّ أنَّ امرأة المتبنَّى لا تحلُّ للمتبنِّي ، وكانت العرب تظنُّ ذلك ، وقوله : { وكان أمر الله مفعولاً } كائناً لا محالة ، وكان قد قضى في زينب أن يتزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
{ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له } فيما أحلَّ له من النِّساء { سنة الله في الذين خلوا من قبل } يقول : هذه السُّنَّة قد مضت أيضاً لغيرك . يعني : كثرة أزواج داود وسليمان عليهما السَّلام ، والمعنى : سنَّ الله له سنَّةٌ واسعةً لا حرج عليه فيها { وكان أمر الله قدراً مقدوراً } قضاءً مقضياً .

(1/734)


الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (44) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)

{ الذين يبلغون رسالات الله } " الذين " نعت قوله : { في الذين خلوا من قبل } . { ويخشونه ولا يخشون أحداً إلاَّ الله } لا يخشون قالة النَّاس ولائمتهم فيما أحلَّ الله لهم { وكفى بالله حسيباً } حافظاً لأعمال خلقه .
{ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم } فتقولوا : إنَّه تزوجَّ امرأة ابنه ، يعني : زيداً ليس له بابنٍ وإن كان قد تبنَّاه { ولكن } كان { رسول الله وخاتم النبيين } لا نبيَّ بعده .
{ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً } وهو أن لا يُنسى على حالٍ .
{ وسبحوه } صلُّوا له { بكرة } صلاة الفجر { وأصيلاً } صلاة العصر والعشاءين .
{ هو الي يصلي عليكم } يغفر لكم ويرحمكم { وملائكته } يستغفرون لكم { ليخرجكم من الظلمات إلى النور } من ظلمات الجهل والكفر إلى نور اليقين والإسلام .
{ تحيتهم } تحيَّةُ الله للمؤمنين { يوم يلقونه } يرونه { سلام } يسلِّم عليهم { وأعدَّ لهم أجراً كريماً } وهو الجنَّة .
{ يا أيها النبيُّ إنا أرسلناك شاهداً } على أُمَّتك بإبلاغ الرِّسالة .
{ وداعياً إلى الله } إلى ما يُقرب منه من الطَّاعة والتَّوحيد { بإذنه } بأمره ، أَيْ : إنَّه أمرك بهذا لا أنَّك تفعله من قبلك { وسراجاً منيراً } يُستضاء به من ظلمات الكفر .

(1/735)