صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
المؤلف : علي بن أحمد الواحدي أبو الحسن
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)

{ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها } يعني : أنَّ جلودهم إذا نضجت واحترقت جُدِّدت ، بأن تُردَّ إلى الحال التي كانت عليها غير محترقة { ليذوقوا العذاب } ليقاسوه وينالوه { إنَّ الله كان عزيزاً } قوياً لا يغلبه شيء { حكيماً } فيما دبَّر ، وقوله :
{ وندخلهم ظلاً ظليلاً } يعني : ظلَّ هواء الجنَّة ، وهو ظليلٌ ، أَيْ : دائمٌ لا تنسخه الشَّمس .
{ إنَّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } نزلت في ردِّ مفتاح الكعبة على عثمان بن طلحة الحجبيِّ حين أُخذ منه قسراً يوم فتح مكة ، فأمره الله تعالى بردِّه عليه ، ثمَّ هذه الآية عامَّةٌ في ردِّ الأمانات إلى أصحابها كيف ما كانوا { إنَّ الله نِعِمَّا يعظكم به } أَيْ : نِعمَ شيئاً يعظكم به ، وهو القرآن { إنَّ الله كان سميعاً } لمقالتكم في الأمانة والحكم { بصيراً } بما تعملون فيها ، قال أبو روق : " قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعثمان : أعطني المفتاح ، فقال : هاكَ بأمانة الله ، ودفعه إليه ، فأراد عليه السَّلام أن يدفعه إلى العباس ، فنزلت هذه الآية ، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لعثمان : هاك [ بأمانة الله ] ، خالدةً تالدةً ، لا ينزعها عنكم إلاَّ ظالم ، ثمَّ إنَّ عثمان هاجر ودفع إلى أخيه شيبة ، فهو في ولده إلى اليوم " .

(1/127)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64)

{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } وهم العلماء والفقهاء . وقيل : الأمراء والسَّلاطين ، وتجب طاعتهم فيما وافق الحقَّ . { فإن تنازعتم } اختلفتم وتجادلتم وقال كلُّ فريق : القولُ قولي : فَرُدُّوا الأمر في ذلك إلى كتاب الله وسنَّة رسوله { ذلك خيرٌ } أََيْ : ردُّكُمُ ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة ، وردُّك التجادل { وأحسن تأويلاً } وأحمدُ عاقبةً .
{ ألم تر إلى الذين يزعمون . . . } الآية . وقع نزاعٌ بين يهوديِّ ومنافق ، فقال اليهوديُّ : بيننا أبو القاسم ، وقال المنافق : لا بل نُحكِّم بيننا كعب بن الأشرف ، فنزلت هذه الآية . وهو قوله : { يريدون أنْ يتحاكموا إلى الطاغوت } ومعناه : ذو الطُّغيان { وقد أمروا أن يكفروا به } أَيْ : أُمروا أن لا يوالوا غير أهل دينهم { ويريد الشيطان أن يضلَّهم ضلالاً بعيداً } لا يرجعون عنه إلى دين الله أبداً ، وهذا تعجيبٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم من جهل مَنْ يعدل عن حكم الله إلى حكم الطَّاغوت مع زعمه بأنَّه يؤمن بالله ورسوله .
{ وإذا قيل لهم } أَيْ : للمنافقين { تعالوا إلى ما أنزل الله } أَيْ : في القرآن من الحكم { وإلى الرسول } وإلى حكم الرَّسول { رأيت المنافقين يَصُدُّون عنك صدوداً } يُعرضون عنك إعراضاً إلى غيرك عداوةً للدِّين .
{ فكيف } أَيْ : فكيف يصنعون ويحتالون { إذا أصابتهم مصيبة } مجازاةً لهم على ما صنعوا ، وهو قوله : { بما قدَّمت أيديهم } وتمَّ الكلام ههنا ، ثمَّ عطف على معنى ما سبق فقال : { ثم جاؤوك يحلفون بالله } أَيْ : تحاكموا إلى الطَّاغوت ، وصدُّوا عنك ، ثمَّ جاؤوك يحلفون ، وذلك أنَّ المنافقين أتوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، وحلفوا أنَّهم ما أرادوا بالعدول عنه في المحاكمة إلاَّ توفيقاً بين الخصوم ، أَيْ : جمعاً وتأليفاً ، وإحساناً بالتَّقريب في الحكم دون الحمل على مُرِّ الحقِّ ، وكلُّ ذلك كذبٌ منهم؛ لأنَّ الله تعالى قال :
{ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم } أَيْ : من الشِّرك والنِّفاق { فأعرض عنهم } أيْ : اصفح عنهم { وعظهم } بلسانك { وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً } أَيْ : خوِّفهم بالله ، وازجرهم عمَّا هم عليه بأبلغ الزَّجر كيلا يستسِرُّوا الكفر .
{ وما أرسلنا من رسولٍ إلاَّ ليطاع } فيما يأمرُ به ويحكم ، لا ليُعصى ويُطلب الحكم من غيره ، وقوله : { بإذن الله } أَيْ : لأنَّ الله أذن في ذلك ، وأمر بطاعته { ولو أنهم } أَيْ : المنافقين { إذ ظلموا أنفسهم } بالتَّحاكم إلى الكفَّار { جاؤوك فاستغفروا الله } فزعوا وتابوا إلى الله .

(1/128)


فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)

{ فلا } أَيْ : ليس الأمر كما يزعمون أنَّهم آمنوا وهم يخالفون حكمك { وربك لا يؤمنون } حقيقة الإِيمان { حتَّى يحكموك فيما شجر } اختلف واختلط { بينهم ثمَّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً } ضيقاً وشكَّاً { ممَّا قضيت } أَيْ : أوجبتَ { ويسلموا } الأمر إلى الله وإلى رسوله من غير معارضةٍ بشيءٍ .
{ ولو أنَّا كتبنا عليهم } أَيْ : على هؤلاء المنافقين [ من اليهود ] { أن اقتلوا أنفسكم } كما كتبنا ذلك على بني إسرائيل { أو اخرجوا من دياركم } كما كتبنا على المهاجرين { ما فعلوه إلاَّ قليلٌ منهم } للمشقَّة فيه مع أنَّه كان ينبغي أن يفعلوه { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } ما يُؤمرون به من أحكام القرآن { لكان خيراً لهم } في معاشهم وفي ثوابهم { وأشدَّ تثبيتاً } منهم لأنفسهم في الدِّين ، وتصديقاً بأمر الله .
{ وإذاً لآتيناهم من لدنَّا } أَيْ : ممَّا لا يقدر عليه غيرنا { أجراً عظيماً } أَيْ : الجنَّة .
{ ولهديناهم } أرشدناهم { صراطاً مستقيماً } [ إلى دينٍ مستقيمٍ ] وهو دين الحنيفيَّة لا دين اليهوديَّة .
{ ومَن يطع الله . . . } الآية . قال المسلمون للنبيِّ صلى الله عليه وسلم : ما لنا منك إلاَّ الدُّنيا ، فإذا كانت الآخرة رُفِعَت في الأعلى ، فحزن وحزنوا ، فنزلت { ومَنْ يطع الله } في الفرائض { والرسول } في السُّنن { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النَّبيين } أَيْ : إنَّه يستمتع برؤيتهم وزيارتهم ، فلا يتوهمنَّ أنَّه لا يراهم { والصديقين } أفاضل أصحاب الأنبياء { والشهداء } القتلى في سبيل الله { والصالحين } أَيْ : أهل الجنَّة من سائر المسلمين { وحسن أولئك } الأنبياء وهؤلاء { رفيقاً } أَيْ : أصحاباً ورفقاء .

(1/129)


ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)

{ ذلك } أَيْ : ذلك الثَّواب ، وهو الكون مع النَّبييِّن { الفضل من الله } تفضَّل به على مَنْ أطاعه { وكفى بالله عليماً } بخلقه ، أَيْ : إنَّه علامٌ لا يخفى عليه شيء ، ولا يضيع عنده عمل ، ثمَّ حثَّ عباده المؤمنين على الجهاد ، فقال :
{ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم } سلاحكم عند لقاء العدوِّ { فانفروا } أَيْ : فانهضوا إلى لقاء العدوِّ { ثباتٍ } جماعاتٍ مُتفرِّقين إذا لم يكن معكم الرَّسول { أو انفروا جميعاً } إذا خرج الرَّسول إلى الجهاد .
{ وإنَّ منكم لَمَنْ ليُبطئنَّ } أَيْ : ليتخلفنَّ ويتثاقلنَّ عن الجهاد ، وهم المنافقون ، وجعلهم من المؤمنين من حيث إنَّهم أظهروا كلمة الإِسلام ، فدخلوا تحت حكمهم في الظَّاهر { فإن أصابتكم مصيبةٌ } من العدوِّ ، وجهدٌ من العيش { قال قد أنعم الله عليَّ } بالقعود حيث لم أحضر فيصيبني ما أصابكم .
{ ولئن أصابكم فضلٌ من الله } فتحٌ وغنيمة { ليقولنَّ } هذا المنافق قولَ نادمٍ حاسدٍ : { يا ليتني كنتُ معهم فأفوز فوزاً عظيماً } أَيْ : لأسعدَ مثل ما سعدوا به من الغنيمة ، وقوله : { كأن لم تكن بينكم وبينه مودَّة } متصلٌ في المعنى بقوله : { قد أنعم الله عليَّ إذا لم أكن معهم } ، { كأن لم تكن بينكم وبينه مودَّة } . أَيْ : كأنْ لم يعاقدكم على الإِسلام ويعاضدكم على قتال عدوٍّكم ، ولم يكن بينكم وبينه مودة في الظَّاهر ، ثمَّ أمر المؤمنين بالقتال فقال :
{ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون } أَيْ : يبيعون { الحياة الدُّنيا بالآخرة } أَيْ : بالجنَّة ، أَيْ : يختارون الجنَّة على البقاء في الدُّنيا { ومَنْ يُقاتل في سبيل الله فيقتل } فيستشهد { أو يغلب } فيظفر ، فكلاهما سواءٌ ، وهو معنى قوله : { فسوف نؤتيه أجراً عظيماً } ثواباً لا صفة له ، ثمَّ حضَّ المؤمنين على الجهاد في سبيله لاستنقاذ ضعفة المؤمنين من أيدي المشركين ، فقال :
{ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوِلدان } وهم قومٌ بمكَّة استُضعفوا فَحُبسوا وعُذِّبوا { الذين يقولون ربنا أخرجنا } إلى دار الهجرة { من هذه القرية } مكَّة { الظالم أهلها } أَيْ : جعلوا لله شركاء { واجعل لنا من لَدُنْكَ ولياً } أَيْ : ولِّ علينا رجلاً من المؤمنين يوالينا { واجعل لنا من لدنك نصيراً } ينصرنا على عدوِّك ، فاستجاب الله دعاءَهم ، وولَّى عليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عتَّابَ بن أسيد ، وأعانهم [ الله ] به ، فكانوا أعزَّ بها من الظَّلمة قبل ذلك .
{ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله } في طاعة الله { والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت } أَيْ : في طاعة الشَّيطان { فقاتلوا أولياء الشيطان } عبدة الأصنام { إنَّ كيد الشيطان كان ضعيفاً } يعني : خذلانه إيَّاهم يوم قُتلوا ببدرٍ .

(1/130)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81)

{ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم } عن قتال المشركين ، وأَدُّوا ما فُرض عليكم من الصَّلاة والزَّكاة . نزلت في قوم من المؤمنين استأذنوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهم بمكَّة في قتال المشركين ، فلم يأذن لهم { فلما كتب عليهم القتال } بالمدينة { إذا فريقٌ منهم يخشون الناس } أَيْ : عذاب النَّاس بالقتل { كخشية الله } كما يخشى عذاب الله { أو أشدَّ } أكبرَ { خشية } وهذه الخشية إنَّما كانت لهم من حيث طبع البشريَّة ، لا على كراهية أمر الله بالقتال { وقالوا } جزعاً من الموت ، وحرصاً على الحياة : { ربنا لمَ كتبت } فرضتَ { علينا القتال لولا } هلاًّ { أخرتنا إلى أجل قريب } وهو الموت ، أَيْ : هلاَّ تركتنا حتى نموت بآجالنا ، وعافيتنا من القتل ، { قل } لهم يا محمَّدُ : { متاع الدنيا قليل } أجل الدُّنيا قريبٌ ، وعيشها قليلٌ { والآخرة } الجنَّةُ { خيرٌ لمن اتقى } ولم يُشرك به شيئاً { ولا تظلمون فتيلاً } أَيْ : لا تُنقصون من ثواب أعمالكم مثل فتيل النَّواة ، ثمَّ أعلمهم أنَّ آجالهم لا تخطئهم ولو تمنَّعوا بأمنع الحصون ، فقال :
{ أينما تكونوا يردككم الموت ولو كنتم في بروج } حصونٍ وقصور { مشيدة } مطوَّلة مرفوعة . [ وقيل : بروج السَّماء ] { وإن تصبهم } يعني : المنافقين [ واليهود ] { حسنة } خصب ورخص سعر { يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة } جدبٌ وغلاءٌ { يقولوا هذه من عندك } من شؤم محمد ، وذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا قدم المدينة وكفرت اليهود أمسك الله عنهم ما كان قد بسط عليهم ، فقالوا : ما رأينا أعظم شؤماً من هذا ، نقصت ثمارنا ، وغلت أسعارنا منذ قدم علينا ، فقال الله تعالى : { قل كلٌّ } أًي : الخصب والجدب { من عند الله } من قِبَل الله { فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً } لا يفهمون القرآن .
{ ما أصابك } يا ابن آدم { من حسنة } فتح وغنيمةٍ وخصبٍ فمن تفضُّل الله { وما أصابك من سيئة } من جدبٍ وهزيمةٍ وأمرٍ تكرهه { فمن نفسك } فبذنبك يا ابن آدم { وأرسلناك } يا محمدُ { للناس رسولاً وكفى بالله شهيداً } على رسالتك .
{ من يطع الرسول فقد أطاع الله } يعني : إنَّ طاعتكم لمحمد طاعةٌ لله { ومَنْ تولى } أعرض عن طاعته { فما أرسلناك عليهم حفيظاً } أَيْ : حافظاً لهم من المعاصي حتى لا تقع ، أَيْ : ليس عليك بأسٌ لتولِّيه؛ لأنَّك لم ترسل عليهم حفيظاً من المعاصي .
{ ويقولون } أَي : المنافقون { طاعةٌ } أَيْ : طاعةٌ لأمرك { فإذا برزوا } خرجوا { من عندك بيَّت } قدَّر وأضمر { طائفة منهم غير الذي تقول } لك من الطَّاعة أَيْ : أضمروا خلاف ما أظهروا ، وقدَّروا ليلاً خلاف ما أعطوك نهاراً { واللَّهُ يكتب ما يبيِّتون } أَيْ : يحفظ عليهم ليُجَازَوا به { فأعرض عنهم } أَيْ : فاصفح عنهم ، وذلك أنه نُهي عن قتل المنافقين في ابتداء الإِسلام ، ثمَّ نُسخ ذلك بقوله : { جاهِد الكفَّار والمنافقين . }

(1/131)


أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87)

{ أفلا يتدبرون القرآن } أَي : المنافقون ، [ أفلا ] يتأمَّلون ويتفكرون فيه { ولو كان } القرآن { من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } بالتَّناقض والكذب ، والباطل ، وتفاوت الألفاظ .
{ وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن . . . } الآية . نزلت في أصحاب الأراجيف ، وهم قومٌ من المنافقين كانوا يُرجفون بسرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويُخبرون بما وقع بها قبل أن يُخبرَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَيُضعفون قلوب المؤمنين بذلك ، ويُؤذون النبيَّ عليه السَّلام بسبقهم إيَّاه بالإِخبار ، وقوله : { أمرٌ من الأمن } حديثٌ فيه أمنٌ { أو الخوف } يعني : الهزيمة { أذاعوا به } أَيْ : أفشوه { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم } ولو سكتوا عنه حتى يكون الرَّسول هو الذي يُفشيه ، وأولوا الأمر مثل أبي بكر وعمر وعليٍّ رضي الله عنهم . وقيل : أمراء السَّرايا { لعلمه الذين يستنبطونه } يتبعونه ويطلبون علمَ ذلك . { منهم } من الرسول وأولي الأمر { ولولا فضلُ الله } أي : الإِسلام { ورحمته } القرآن { لاتبعتم الشيطان إلاَّ قليلاً } ممَّن عصم الله ، كالذين اهتدوا بعقولهم لترك عبادة الأوثان بغير رسولٍ ولا كتابٍ ، نحو زيد بن عمرو ، وورقة بن نوفل ، وطُلاَّب الدِّين ، وهذا تذكيرٌ للمؤمنين بنعمة الله عليهم حتى سلموا من النِّفاق ، وما ذُمَّ به المنافقون .
{ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلاَّ نفسك } أَيْ : إلاَّ فعلَ نفسك ، على معنى : أنَّه لا ضرر عليك في فعل غيرك ، فلا تهتمَّ بتخلُّف مَنْ يتخلَّف عن الجهاد { وحرِّض المؤمنين } حُضَّهم على القتال { عسى الله } واجبٌ من الله { أن يكفَّ } يصرف ويمنع { بأس الذين كفروا } شدَّتهم وشوكتهم { واللَّهُ أشدُّ بأساً } عذاباً { وأشدُّ تنكيلاً } عقوبة .
{ مَنْ يشفع شفاعة حسنةً } هي كلُّ شفاعة تجوز في الدِّين { يكن له نصيبٌ منها } كان له فيها أجر { ومَنْ يشفع شفاعة سيئة } أَيْ : ما لا يجوز في الدين أن يشفع فيه { يكن له كفلٌ منها } أيْ : نصيبٌ من الوِزر والإِثم { وكان الله على كلِّ شيءٍ مقيتاً } مقتدراً .
{ وإذا حييتم بتحيَّةٍ } أَيْ : إذا سُلِّم عليكم بسلامٍ { فحيوا بأحسن منها } أَيْ : أجيبوا بزيادةٍ على التحيَّة إذا كان المُسَلِّم من أهل الإِسلام { أو ردُّوها } إذا كان من أهل الكتاب . [ فقولوا : عليكم ، ولا تزيدوا على ذلك ] . { إنَّ الله كان على كلِّ شيء حسيباً } [ حفيظاً ] مجازياً .
{ الله لا إله إلاَّ هو ليجمعنَّكم } أَيْ : واللَّهِ ليجمعنَّكم في القبور { إلى يوم القيامة لا ريبَ فيه } [ لا شكَّ فيه ] { ومَنْ أصدقُ من الله حديثاً } أَيْ : قولاً وخبراً ، يريد : أنَّه لا خُلفَ لوعده .

(1/132)


فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91)

{ فما لكم في المنافقين فئتين } نزلت في قومٍ قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأقاموا ما شاء الله ، ثمَّ قالوا : إنَّا اجتوينا المدينة ، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم أَنْ يخرجوا ، فلمَّا خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلةً مرحلةً ، حتى لحقوا بالمشركين ، فاختلف المؤمنون فيهم ، فقال بعضهم : إنَّهم كفار مرتدُّون ، وقال آخرون : هم مسلمون حتى نعلم أنَّهم بدَّلوا ، فبيَّن الله كفرهم في هذه الآية ، والمعنى ما لكم مختلفين في هؤلاء المنافقين على فئتين ، على فرقتين { والله أركسهم } ردَّهم إلى حكم الكفَّار من الذُّلِّ والصَّغار ، والسَّبي والقتل { بما كسبوا } بما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النِّفاق { أتريدون } أيُّها المؤمنون { أن تهدوا } أَيْ : ترشدوا { مَنْ أضلَّ الله } لم يرشده الله ، أَيْ : يقولون : هؤلاء مهتدون ، والله قد أضلَّهم { ومَنْ يضلل الله فلن تجد له سبيلاً } أَيْ : ديناً وطريقاً إلى الحجَّة .
{ ودُّوا } أَيْ : هؤلاء { لو تكفرون كما كفروا فتكونون } أنتم وهم { سواءً فلا تتخذوا منهم أولياء } أَيْ : لا تُوالوهم ولا تُباطنوهم { حتى يهاجروا في سبيل الله } حتى يرجعوا إلى رسول الله { فإن تولوا } عن الهجرة وأقاموا على ما هم عليه { فخذوهم } بالأسر { ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً } أيْ : لا تتولوهم ولا تستنصروا بهم على عدوِّكم .
{ إلاَّ الذين يصلون } أَيْ : فاقتلوهم حيث وجدتموهم إلاَّ الذين يتصلون ويلتجئون { إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق } فيدخلون فيهم بالحلف والجوار { أو جاؤوكم حصرت صدورهم } يعني : أو يتصلون بقوم جاؤوكم وقد ضاقت صدورهم بقتالكم ، وهم بنو مدلجٍ كانوا صلحاً للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وهذا بيان أنَّ مَن انضمَّ إلى قومٍ ذوي عهدٍ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم فله مثلُ حكمهم في حقن الدم والمال ، ثمَّ نُسخ هذا كلُّه بآية السَّيف ، ثمَّ ذكر الله تعالى مِنَّته بكفِّ بأس المعاهدين فقال : { ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم } يعني : إنَّ ضيق صدورهم عن قتالكم إنَّما هو لقذف الله تعالى الرُّعب في قلوبهم ، ولو قوَّى الله تعالى قلوبهم على قتالكم لقاتلوكم ، { فإن اعتزلوكم } أَيْ : في الحرب { وألقوا إليكم السلم } أَي : الصُّلح { فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً } في قتالهم وسفك دمائهم ، ثمَّ أمره بقتال مَنْ لم يكن على مثل سبيل هؤلاء ، فقال :
{ ستجدون آخرين . . } الآية . هؤلاء قومٌ كانوا يظهرون الموافقة لقومهم من الكفَّار ، ويظهرون الإِسلام للنبيِّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، يريدون بذلك الأمن في الفريقين ، فأطلع الله نبيَّه عليه السَّلام على نفاقهم ، [ وهو قوله : { يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم } وقوله : { كلما رُدُّوا إلى الفتنة أركسوا فيها } كلَّما دُعوا إلى الشِّرك رجعوا فيه { وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً } أَيْ : حجَّة بيِّنةً في قتالهم؛ لأنَّهم غَدَرةٌ لا يُوفون لكم بعهدٍ .

(1/133)


وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94) لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)

{ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً } ألْبَتَّةَ { إلاَّ خطأ } إلاَّ أنَّه قد يخطىء المؤمن بالقتل { ومَنْ قتل مؤمناً خطأ } مثل أن يقصد بالرَّمي غيره فأصابه { فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله } إلى جميع ورثته { إلاَّ أن يصدقوا } أَيْ : يعفوا ويتركوا الدية { فإن كان } المقتول { من قوم } حربٍ لكم وكان مؤمناً { فتحرير رقبة مؤمنة } كفارةً للقتل ، ولا دية ، لأنَّ عصبته وأهله كفَّار فلا يرثون ديته { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } كأهل الذِّمة فتجب فيه الدِّية والكفَّارة { فمن لم يجد } الرَّقبة { فصيام شهرين متتابعين توبة من الله } أَيْ : ليقبل الله توبة القاتل حيث لم يبحث عن المقتول وحاله ، وحيث لم يجتهد حتى لا يخطىء .
{ ومَنْ يقتل مؤمناً متعمداً . . . } الآية . غلَّظ الله وعيد قاتل المؤمن عمداً للمبالغة في الرَّدع والزَّجر .
{ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم } أَيْ : سرتم { في الأرض فتبيَّنوا } أَيْ : تأنَّوا وتثَّبتوا . نزلت في رجلٍ كان قد انحاز بغنمٍ له إلى جبلٍ ، فلقي سريةً من المسلمين عليهم أسامة بن زيد ، فأتاهم وقال : السَّلام عليكم ، لا إله إلاَّ الله ، محمد رسول الله ، وكان قد أسلم ، فقتله أسامة واستاقوا غنمه ، فنزلت نهياً عن سفك دم مَنْ هو على مثل هذه الحالة ، وذلك أنَّ أسامة قال : إنَّما قالها مُتعوِّذاً ، فقال الله : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام } أَيْ : حيَّاكم بهذه التَّحيَّة { لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا } أَيْ : متاعها من الغنائم { فعند الله مغانم كثيرة } يعني : ثواباً كبيراً لمَنْ ترك قتل مَنْ ألقى إليه السَّلام . { كذلك كنتم من قبل } كُفَّاراً ضُلالاً كما كان هذا المقتول قبل إسلامِهِ ، ثمَّ منَّ الله عليكم بالإِسلام كما منَّ على المقتول ، أَيْ : إنَّ كلَّ مَنْ أسلم ممَّن كان كافراً فبمنزلة هذا الذي تعوَّذ بالإِسلام قُبِلَ منه ظاهرُ الإِسلام ، ثمَّ أعاد الأمر بالتبيُّن فقال : { فتبينوا إنَّ الله كان بما تعملون خبيراً } أَي : علم أنَّكم قتلتموه على ماله ، ثمَّ حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله ، وردَّ عليهم غنمه ، واستغفر لأسامة ، وأمره بعتق رقبةٍ .
{ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غيرُ أولي الضرر } أي : الأصحَّاء الذين لا علَّة بهم تضرُّهم وتقطعهم عن الجهاد . لا يستوي هؤلاء { والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين } من أهل العذر { درجةً } ؛ لأنَّ المجاهدين باشروا الطَّاعة ، والقاعدين من أهل العذر قصدوها ، وإن كانوا في الهمَّة والنيَّة على قصد الجهاد ، فمباشرة الطَّاعة فوق قصدها بالنِّيّة { وكلاً } من المجاهدين والقاعدين المعذورين { وعد الله الحسنى } الجنَّة { وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين } من غير عذرٍ { أجراً عظيماً } .
{ درجاتٍ منه } أَيْ : منازلَ بعضُها فوقَ بعضٍ ، من منازل الكرامة .

(1/134)


إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101)

{ إنَّ الذين توفاهم الملائكة } أَيْ : قبضت أرواحهم . نزلت في قومٍ كانوا قد أسلموا ولم يهاجروا حتى خرج المشركون إلى بدر ، فخرجوا معهم فقتلوا يوم بدرٍ ، فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم ، وقوله : { ظالمي أنفسهم } بالمقام في دار الشِّرك والخروج مع المشركين لقتال المسلمين { قالوا : فيم كنتم } أَيْ : قالت الملائكة لهؤلاء سؤال توبيخٍ وتقريع : أكنتم في المشركين أم كنتم في المسلمين؟ فاعتذروا بالضَّعف عن مقاومة أهل الشِّرك في دارهم ف { قالوا كنا مستضعفين في الأرض } أَيْ : في مكة ، فحاجَّتهم الملائكة بالهجرة إلى غير دارهم و { قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً } أخبر الله تعالى أنَّ هؤلاء من أهل النَّار ، ثمَّ استثنى من صدق في أنَّه مستضعفٌ فقال : { إلاَّ المستضعفين } أي : الذين يوجدون ضعفاء { لا يستطيعون حيلة } لا يقدرون على حيلةٍ ولا نفقةٍ ولا قوَّةٍ للخروج { ولا يهتدون سبيلاً } لا يعرفون طريقاً إلى المدينة .
{ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً } أَيْ : مهاجراً ومتحوَّلاً { كثيراً وسعة } في الرِّزق { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله . . . } الآية . نزلت في حبيب بن ضمرة اللَّيثي ، وكان شيخاً كبيراً خرج متوجِّهاً إلى المدينة فمات في الطَّريق ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو وافى المدينة لكان أتمَّ أجراً ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وأخبر أنَّ مَنْ قصد طاعةً ، ثمَّ أعجزه العذر عن تمامها كتب الله ثواب تمام تلك الطَّاعة ، ومعنى { وقع أجره على الله } وجب ذلك بإيجابه .
{ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا . . . } الآية . نزلت في إباحة قصر الصَّلاة في السَّفر ، وظاهر القرآن يدل على أنَّ القصر يستباح بالسَّفر والخوف ، لقوله : { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } أَيْ : يقتلكم ، والإِجماع منعقدٌ على أنَّ القصر يجوز في السَّفر من غير خوف ، وثبتت السنَّة بهذا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، ولكن ذكر الخوف في الآية ، على حال غالب أسفارهم في ذلك الوقت ، ثمَّ ذكر صلاة الخوف فقال : { وإذا كنت فيهم } .

(1/135)


وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107)

{ وإذا كنت فيهم } أَيْ : إذا كنت أيُّها النبيُّ مع المؤمنين في غزواتهم وخوفهم { فأقمت لهم الصلاة } أَي : ابتدأت بها إماماً لهم { فلتقم طائفة منهم معك } نصفهم يصلُّون معك { وليأخذوا } أَيْ : وليأخذ الباقون أسلحتهم { فإذا سجدوا } فإذا سجدت الطَّائفة التي قامت معك { فليكونوا من ورائكم } أَي : الذين أمروا بأخذ السِّلاح { ولتأت طائفة أخرى } أَي : الذين كانوا من ورائهم يحرسونهم { لم يصلوا } [ معك الركعة الأولى ] { فليصلوا معك } [ الركعة الثانية ] { وليأخذوا حذرهم } [ من عدوهم ] { وأسلحتهم } [ سلاحهم معهم ] . يعني الذين صلَّوا أولَّ مرَّةٍ { وذّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم } في صلاتكم { فيميلون عليكم ميلة واحدة } بالقتال { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذىً من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم } ترخيصٌ لهم في ترك حمل السِّلاح في الصَّلاة ، وحملُه فرضٌ عند بعضهم ، وسنة مؤكدة عند بعضهم ، فرخص الله لهم في تركه لعذر المطر والمرض؛ لأنَّ السِّلاح يثقل على المريض ، ويفسد في المطر { وخذوا حذركم } أَيْ : كونوا على حذرٍ في الصَّلاة كيلا يتغفَّلكم العدوُّ .
{ فإذا قضيتُمُ الصلاة } فرغتم من صلاة الخوف { فاذكروا الله } بتوحيده وشكره في جميع أحوالكم { فإذا اطمأننتم } رجعتم إلى أهلكم وأقمتم { فأقيموا الصلاة } أتمُّوهها { إنَّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً } مفروضاً موقَّتاً فرضه .
{ ولا تهنوا } أَيْ : لا تضعفوا { في ابتغاء القوم } يعني : أبا سفيان ومَنْ معه حين انصرفوا من أُحدٍ . أمر الله تعالى نبيَّه عليه السَّلام أن يسير في آثارهم بعد الوقعة بأيَّام ، فاشتكى أصحابه ما بهم من الجراحات ، فقال الله تعالى : { إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون } أَيْ : إنْ ألمتم من جراحكم فهم أيضاً في مثل حالتكم من ألم الجراح { وترجون من الله } من نصر الله إيَّاكم ، وإظهار دينكم [ في الدنيا ] ، وثوابه في العقبى { ما لا يرجون } هم { وكان الله عليماً } بخلقه { حكيماً } فيما حكم .
{ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق } هذه الآية وما بعدها نزلت في قصة طعمة بن أُبيرق؛ سرق درعاً ، ثمَّ رمى بها يهودياً ، فلما طُلبت منه الدِّرع أحال على اليهوديِّ ، ورماه بالسَّرقة ، فاجتمع قوم طعمة وقوم اليهوديِّ ، وأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأل قوم طعمة النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنْ يجادل عن صاحبهم ، وأن يُبرِّيَه ، وقالوا : إنك إنْ لم تفعل افتضح صاحبنا وبرىء اليهوديُّ ، فهمَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يفعل ، فنزل قوله تعالى : { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق } في الحكم لا بالتَّعدي فيه { لتحكم بين الناس بما أراك الله } أَيْ : فيما علَّمك الله { ولا تكن للخائنين } طعمة وقومه { خصيماً } مخاصماً عنهم .
{ واستغفر الله } من جدالك عن طعمة ، وهمِّك بقطع اليهوديِّ .
{ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } يخونونها بالمعصية؛ لأنَّ وبال خيانتهم راجعٌ عليه . يعني : طعمة وقومه { إنَّ الله لا يحبُّ مَنْ كان خوَّاناً أثيماً } أَيْ : طعمة ، لأنَّه خان في الدِّرع ، وأَثِم في رميه اليهوديَّ .

(1/136)


يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)

{ يستخفون } يستترون بخيانتهم { من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم } عالم بما يخفون { إذ يبيِّتون } يُهيِّئون ويُقدِّرون ليلاً { ما لا يرضى من القول } وهو أنَّ طعمة قال : أرمي اليهوديَّ بأنَّه سارق الدِّرع ، وأحلف أنِّي لم أسرق فيقبل يميني؛ لأنِّي على دينهم { وكان الله بما يعملون محيطاً } عالماً ، ثمَّ خاطب قوم طعمة فقال : { ها أنتم هؤلاء جادلتم } خاصمتم { عنهم } عن طعمة وذويه { في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة } أَيْ : لا أحد يفعل ذلك ، ولا يكون في ذلك اليوم عليهم وكيلٌ يقوم بأمرهم ويخاصم عنهم ، ثمَّ عرض التَّوبة على طعمة وقومه بقوله : { ومَنْ يعمل سوءاً } معصيةً كما عمل قوم طعمة { أو يظلم نفسه } بذنبٍ كفعل طعمة { ثم يستغفر الله . . . } الآية . ثمَّ ذكر أنَّ ضرر المعصية إنَّما يلحق العاصي ، ولا يلحق الله من معصيته ضررٌ ، فقال : { ومَنْ يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليماً } بالسَّارق { حكيماً } حكم بالقطع على طعمة .
{ ومَنْ يكسب خطيئةً } ذنباً بينه وبين الله تعالى . يعني : يمينه الكاذبة أنَّه ما سرق { أو إثماً } ذنباً بينه وبين النَّاس . يعني : سرقته { ثمَّ يرمِ به } أَيْ : بإثمه { بريئاً } كما فعل طعمة حين رمى اليهوديَّ بالسَّرقة { فقد احتمل بهتاناً } برمي البريء { وإثماً مبيناً } باليمين الكاذبة والسَّرقة .
{ ولولا فضلُ الله عليك ورحمته } بالنبوَّة والعصمة { لهمَّت } لقد همَّت { طائفة منهم } من قوم طعمة { أن يضلوك } أَيْ : يُخطِّئوك في الحكم ، وذلك أنَّهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجادل عنهم ويقطع اليهوديَّ { وما يضلون إلاَّ أنفسهم } بتعاونهم على الإِثم والعدوان وشهادتهم الزُّور والبهتان { وما يضرونك من شيء } لأنَّ الضَّرر على مَنْ شهد بغير حقٍّ ، ثمَّ منَّ الله عليه فقال : { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة } أَي : القضاء بالوحي ، وبيَّن لك ما فيه الحكمة ، فلمَّا بان أنَّ السَّارق طعمة تناجى قومه في شأنه ، فأنزل الله تعالى : { لا خير في كثير من نجواهم } أَيْ : مسارَّتهم { إلاَّ مَنْ أمر } أَيْ : إلاَّ في نجوى من أمر { بصدقةٍ } وقال مجاهد : هذه الآية عامَّةٌ للناس . يريد : أنَّه لا خير فيما يتناجى فيه النَّاس ، ويخوضون فيه من الحديث إلاَّ ما كان من أعمال البرِّ ، ثمَّ بيَّن أنَّ ذلك ينفع مَن ابتغى به ما عند الله ، فقال : { ومَنْ يفعل ذلك . . . } الآية . ثمَّ حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على طعمة بالقطع ، فخاف على نفسه الفضيحة ، فهرب إلى مكة ولحق بالمشركين .

(1/137)


وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119)

{ ومَنْ يشاقق الرسول } أَيْ : يخالفه { من بعد ما تبيَّن له الهدى } الإِيمان بالله ورسوله ، وذلك أنَّه ظهر له من الآية ما فيه بلاغ بما أطلع الله سبحانه على أمره ، فعادى النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعد وضوح الحجَّة وقيام الدليل { ويتبع غير سبيل المؤمنين } غير دين الموحِّدين { نوله ما تولى } ندعه وما اختار لنفسه { ونصله جهنم } ندخله إيَّاها ونلزمه النَّار ، ثمَّ أشرك بالله طعمة فكان يعبد صنماً إلى أن مات ، فأنزل الله فيه :
{ إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به . . . } الآية . ثمَّ نزل في أهل مكة :
{ إن يدعون من دونه } أَيْ : ما يعبدون من دون الله { إلاَّ إناثاً } أَيْ : أصنامهم اللاَّت والعزَّى ومناة { وإن يدعون إلاَّ شيطاناً مريداً } ما يعبدون بعبادتهم لها إلاَّ شيطاناً خارجاً عن طاعة الله تعالى . يعني : إبليس؛ لأنَّهم أطاعوه فيما سوَّل لهم من عبادتها .
{ لعنه الله } دحره وأخرجه من الجنَّة { وقال } يعني إبليس : { لأتخذنَّ من عبادك } بإغوائي وإضلالي { نصيباً مفروضاً } معلوماً ، أَيْ : مَن اتَّبعه وأطاعه .
{ ولأُضلنَّهم } عن الحقِّ { ولأمنينَّهم } أن لا جنَّة ولا نار . وقيل : ركوب الأهواء . { ولآمرنَّهم فليبتكنَّ آذان الأنعام } [ أي : فليقطعنَّها ] يعني : البحائر ، وسيأتي بيان ذلك فيما بعد [ في سورة المائدة ] . { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } أَيْ : دينه . يكفرون ويحرِّمون الحلال ، ويحلون الحرام { ومَنْ يتخذ الشيطان ولياً من دون الله } أيْ : [ مَنْ ] يُطعه فيما يدعو إليه من الضَّلال { فقد خسر خسراناً مبيناً } خسر الجنَّة ونعيمها .

(1/138)


يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)

{ يعدهم } طول العمر في الدُّنيا { ويمنيهم } نيل المراد منها { وما يعدهم الشيطان إلاَّ غروراً } أَيْ : إلاَّ ما يغرُّهم من إيهام النَّفع فيما فيه الضِّرر .
{ أولئك } أَي : الذين اتَّخذوا الشَّيطان وليَّاً { مأواهم } مرجعهم ومصيرهم { جهنم ولا يجدون عنها محيصاً } معدلاً .
{ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار . . . } الآية .
{ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب } نزلت في كفَّار قريش واليهود . قالت قريش : لا نُبعث ولا نُحاسب ، وقالت اليهود : { لن تمسَّنَا النَّارُ إلاَّ إيَّاماً معدودةً } فنزلت هذه الآية . أَيْ : ليس الأمر بأمانيِّ اليهود والكفَّار { مَنْ يعمل سوءاً } كفراً وشركاً { يُجزَ به ولا يجد له من دون الله ولياً } يمنعه { ولا نصيراً } ينصره ، ثمَّ بيَّن فضيلة المؤمنين على غيرهم بقوله :
{ ومن يعمل من الصالحات . . . } الآية . وبقوله :
{ ومَنْ أحسن ديناً ممَّن أسلم وجهه } أَيْ : توجَّه بعبادته إلى الله خاضعاً له { وهو محسنٌ } مُوَحِّدٌ { واتَّبع ملَّة إبراهيم حنيفاً } ملَّةُ إبراهيم داخلةٌ في ملَّة محمد عليهما السَّلام ، فمَنْ أقرَّ بملَّة محمَّدٍ فقد اتَّبع ملَّة إبراهيم عليه السَّلام { واتخذ الله إبراهيم خليلاً } صفيَّاً بالرِّسالة والنُّبوَّة ، مُحبَّاً له خالص الحبِّ .

(1/139)


وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127) وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134)

{ ويستفتونك } يطلبون منك الفتوى { في النساء } في توريثهنَّ : كانت العرب لا تورث النِّساء والصِّبيان شيئاً من الميراث { قل الله يفتيكم فيهنَّ وما يتلى عليكم } أَي : القرآن يُفتيكم أيضاً . يعني : آية المواريث في أوَّل هذه السورة { في } ميراث { يتامى النساء } ؛ لأنَّها نزلت في قصَّة أم كجَّة ، وكانت لها بنات { اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهنَّ } أَيْ : فُرض لهن من الميراث { وترغبون } عن { أن تنكحوهنَّ } لدمامتهنَّ . قالت عائشة رضي الله عنها : نزلت في اليتيمة يرغب وليها عن نكاحها ، ولا يُنكحها فيعضلها طمعاً في ميراثها ، فنُهي عن ذلك { والمستضعفين من الولدان } أَيْ : يُفتيكم في الصِّغار من الغلمان والجواري أن تعطوهنَّ حقهنَّ { وأن تقوموا } أَيْ : وفي أن تقوموا { لليتامى بالقسط } أَي : بالعدل في مهورهنَّ ومواريثهنَّ { وما تفعلوا من خير } من حسنٍ فيما أمرتكم به { فإنَّ الله كان به عليماً } يجازيكم عليه .
{ وإن امرأة خافت } علمت { من بعلها } زوجها { نشوزاً } ترفُّعاً عليها لبغضها ، وهو أن يترك مجامعتها { أو إعراضاً } بوجهه عنها { فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحاً } في القسمة والنَّفقة ، وهي أن ترضى هي بدون حقِّها ، أو تترك من مهرها شيئاً ليسوِّي الزَّوج بينها وبين ضرَّتها في القسمة ، وهذا إذا رضيت بذلك لكراهة فراق زوجها ، ولا تجبر على هذا لأنَّها إنْ لم ترض بدون حقِّها كان الواجب على الزَّوج أن يوفيها حقَّها من النَّفقة والمبيت { والصلحُ خيرٌ } من النُّشوز والإِعراض . أَيْ : إنْ يتصالحا على شيءٍ خيرٌ من أن يُقيما على النُّشوز والكراهة بينهما { وأحضرت الأنفس الشح } أَيْ : شحَّت المرأة بنصيبها من زوجها ، وشحَّ الرَّجل على المرأة بنفسه إذا كان غيرها أحبَّ إليه منها { وإن تحسنوا } العشرة والصُّحبة { وتتقوا } الجور والميل { فإنَّ الله كان بما تعملون خبيراً } لا يضيع عنده شيء .
{ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم } لن تقدروا على التَّسوية بينهنَّ في المحبَّة ولو اجتهدتم { فلا تميلوا كلَّ الميل } إلى التي تحبُّون في النَّفقة والقسمة { فتذروها كالمعلقة } فتدعوا الأخرى كأنَّها معلَّقةٌ لا أيِّماً ولا ذات بعل { وإن تصلحوا } بالعدل في القسم { وتتقوا } الجور { فإنَّ الله كان غفوراً رحيماً } لما ملت إلى التي تحبُّها بقلبك ، ولمَّا ذكر جواز الصُّلح بينهما إنْ أحبَّا أن يجتمعا ذكر بعده الافتراق ، فقال :
{ وإن يتفرقا } أَيْ : إنْ أبت المرأة الكبيرة الصُّلْح ، وأبت إلاَّ التَّسوية بينها وبين الشَّابَّة فتفرَّقا بالطَّلاق ، فقد وعد الله لهما أن يُغني كلَّ واحدٍ منهما عن صاحبه بعد الطَّلاق من فضله الواسع بقوله : { يغن الله كُلاً من سعته وكان الله واسعاً } لجميع خلقه في الرِّزق والفضل { حكيماً } فيما حكم ووعظ .
{ إنْ يشأ يذهبكم أيها الناس } يعني : المشركين والمنافقين { ويأت بآخرين } أمثل وأطوع لله منكم .
{ مَنْ كان يريد ثواب الدنيا } أَيْ : متاعها { فعند الله ثواب الدنيا والآخرة } أَيْ : خير الدُّنيا والآخرة عنده ، فليطلب ذلك منه ، وهذا تعريضٌ بالكفَّار الذين كانوا لا يؤمنون بالبعث ، وكانوا يقولون : ربنا آتنا في الدنيا ، وما لهم في الآخرة من خَلاق .

(1/140)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137)

{ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط } قائمين بالعدل { شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين } أَي : اشهدوا لله بالحقِّ ، وإن كان الحقُّ على نفس الشَّاهد ، أو على والديه ، أو أقربيه { إن يكن } المشهود عليه { غنياً أو فقيراً } فلا تحابوا غنياً لغناه ، ولا تحيفوا على الفقير لفقره { فالله أولى بهما } أَيْ : أعلمُ بهما منكم؛ لأنَّه يتولَّى علم أحوالهما { فلا تتبعوا الهوى } في الشَّهادة ، واتقوا { إن تعدلوا } أَيْ : تميلوا وتجوروا { وإنْ تلووا } أَيْ : تدّافعوا الشَّهادة { أو تعرضوا } تجحدوها وتكتموها { فإن الله كان بما تعملون خبيراً } فيجازي المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته .
{ يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله } أَي : اثبتوا على الإِيمان { والكتاب الذي نزَّل على رسوله } القرآن { والكتاب الذي أنزل من قبل } أَيْ : كلِّ كتاب أنزل على نبيٍّ قبل القرآن .
{ إنَّ الذين آمنوا } أَي : اليهود آمنوا بالتَّوراة { ثمَّ كفروا } بمخالفتها { ثم آمنوا } بالإِنجيل { ثمَّ كفروا } بمخالفته { ثم ازدادوا كفراً } بمحمدٍ { لم يكن الله ليغفر لهم } ما أقاموا على ما هم عليه { ولا ليهديهم سبيلاً } سبيل هدى ، ثمَّ ألحق المنافقين بهم؛ لأنَّهم كانوا يتولَّونهم .

(1/141)


بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142)

{ بشر المنافقين بأنَّ لهم عذاباً أليماً } .
{ الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } هذه الآية من صفة المنافقين ، وكانوا يُوالون اليهود مخالفةً للمسلمين يتوهَّمون أنَّ لهم القوَّة والمنعة ، وهو معنى قوله : { أيبتغون عندهم العزَّة } أَي : القوَّة بالظهور على محمدٍ صلى الله عليه وسلم { فإنَّ العزة } أَي : الغلبة والقوَّة { لله جميعاً } .
{ وقد نزل عليكم } أيها المؤمنون { في الكتاب } في القرآن { أنْ إذا سمعتم } الكفر بآيات الله والاستهزاء بها { فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديثٍ } غير الكفر والاستهزاء . يعني : قوله في سورة الأنعام { وإذا رأيتَ الذين يخوضون في آياتنا . . . } الآية . هذه كانت مما نزل عليهم في الكتاب ، وقوله : { إنكم إذاً مثلهم } يعني : إنْ قعدتم معهم راضين بما يأتون من الكفر بالقرآن والاستهزاء به ، وذلك أنَّ المنافقين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود ، فيسخرون من القرآن ، فنهى الله سبحانه المسلمين عن مجالستهم { إنَّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً } يريد : أنَّهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بالآيات يجتمعون في جهنَّم على العذاب .
{ الذين يتربصون بكم } يعني : المنافقين ينتظرون بكم الدَّوائر { فإن كان لكم فتحٌ من الله } ظهورٌ على اليهود { قالوا ألم نكن معكم } فأعطونا من الغنيمة { وإن كان للكافرين نصيبٌ } من الظَّفر على المسلمين { قالوا } لهم : { ألم نستحوذ } [ نغلب ] { عليكم } نمنعكم عن الدُّخول في جملة المؤمنين { ونمنعكم من المؤمنين } بتخذيلهم عنكم ، ومراسلتنا إيَّاكم بأخبارهم { فالله يحكم بينكم } يعني : بين المؤمنين والمنافقين { يوم القيامة } يعني : أنَّه أخَّر عقابهم إلى ذلك اليوم ، ورفع عنهم السَّيف [ في الدُّنيا ] ، { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً } أَيْ : حجَّةً يوم القيامة؛ لأنَّه يفردهم بالنَّعيم ، وما لا يشاركونهم فيه من الكرامات بخلاف الدُّنيا .
{ إنَّ المنافقين يخادعون الله } أَيْ : يعملون عمل المخادع بما يظهرونه ، ويبطنون خلافه . { وهو خادعهم } مجازيهم جزاءَ خداعهم ، وذلك أنَّهم يُعطون نوراً كما يُعطى المؤمنون ، فإذا مضوا قليلاً أطفىء نورهم ، وبقوا في الظُّلمة { وإذا قاموا إلى الصلاة } مع النَّاس { قاموا كسالى } متثاقلين { يراؤون الناس } ليرى ذلك النَّاس ، لا لاتِّباع أمر الله . يعني : ليراهم النَّاس مُصلِّين لا يريدون وجه الله { ولا يذكرون الله إلاَّ قليلاً } لأنَّهم يعملونه رياءً وسمعةً ، ولو أرادوا به وجه الله لكان كثيراً .

(1/142)


مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151) وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152)

{ مذبذبين بين ذلك } مُردَّدين بين الكفر والإِيمان ، ليسوا بمؤمنين مخلصين ، ولا مشركين مصرِّحين بالشِّرك { لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } لا من الأنصار ، ولا من اليهود { ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً } من أضلَّه الله فلن تجد له ديناً .
{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين } يعني : الأنصار . يقول : لا توالوا اليهود من قريظة والنَّضير { أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً } حجَّة بيِّنة في عقابكم بموالاتكم اليهود ، أيْ : إنَّكم إذا فعلتم ذلك صارت الحجُّة عليكم في العقاب .
{ إنَّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار } أَيْ : في أسفل درج النَّار { ولن تجد لهم نصيراً } مانعاً يمنعهم من عذاب الله .
{ إلاَّ الذين تابوا } من النِّفاق { وأصلحوا } العمل { واعتصموا بالله } التجأوا إليه { وأخلصوا دينهم لله } من شائب الرِّياء { فأولئك مع المؤمنين } أَيْ : هم أدنى منهم بعد هذا كلِّه ، ثمَّ أوقع أجر المؤمنين في التَّسويف لانضمامهم إليهم فقال : { وسوف يُؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً } .
{ ما يفعل الله بعذابكم } بعذاب خلقه { إن شكرتم } اعترفتم بإحسانه { وآمنتم } بنبيِّه { وكان الله شاكراً } للقليل من أعمالكم { عليماً } بنيَّاتكم .
{ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول } نزلت ترخيصاً للمظلوم أنْ يجهر بشكوى الظَّالم ، وذلك أنَّ ضيفاً نزل بقوم فأساؤوا قِراه ، فاشتكاهم ، فنزلت هذه الآية . رخصةً في أن يشكوا ، وقوله : { إلاَّ من ظلم } لكن مَنْ ظُلم فإنَّه يجهر بالسُّوء من القول ، وله ذلك { وكان الله سميعاً } لقول المظلوم { عليماً } بما يضمره ، أَيْ : فليقل الحقِّ ، ولا يتعدَّ ما اُذن له فيه .
{ إن تبدوا خيراً } من أعمال البرِّ { أو تخفوه أو تعفوا عن سوء } يأتيك من أخيك المسلم { فإنَّ الله كان عفواً } لمَنْ عفا { قديراً } على ثوابه .
{ إنَّ الذين يكفرون بالله ورسله } هم اليهود كفروا بعيسى عليه السَّلام والإِنجيل ، ومحمدٍ عليه السَّلام والقرآن { ويريدون أن يفرِّقوا بين الله ورسله } بأن يؤمنوا بالله ويكفروا بالرُّسل { ويقولون نؤمن ببعض } الرّسل { ونكفر } ببعضهم { ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً } بين الإِيمان بالبعض ، والكفر بالبعض ديناً يدينون به .
{ أولئك هم الكافرون حقاً } أَيْ : إنَّ إيمانهم ببعض الرُّسل لا يُزيل عنهم اسم الكفر ، ثمَّ نزل في المؤمنين .
{ والذين آمنوا بالله ورسله . . } الآية .

(1/143)


يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160)

{ يسألك أهل الكتاب . . . } الآية . سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يأتيهم بكتابٍ جُمْلَةً من السَّماء ، كما أتى به موسى ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقوله : { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك } يعني : السَّبعين الذين ذكروا في قوله : { وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك . . . } الآية . { ثمَّ اتخذوا العجل } يعني : الذين خلَّفهم موسى مع هارون { من بعد ما جاءتهم البينات } العصا ، واليد ، وفلق البحر { فعفونا عن ذلك } لم نستأصل عبدة العجل { وآتينا موسى سلطاناً مبيناً } حجَّةً بيِّنةً قوي بها على مَنْ ناوأه .
{ ورفعنا فوقهم الطور } حين امتنعوا من قبول شريعة التَّوراة { بميثاقهم } أَيْ : بأخذ ميثاقهم { وقلنا لهم لا تعدوا في السبت } لا تعتدوا باقتناص السَّمك فيه { وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً } عهداً مؤكَّداً في النبيِّ صلى الله عليه وسلم . { فبما نقضهم ميثاقهم } أَيْ : فبنقضهم ، و " ما " زائدةٌ للتَّوكيد ، وقوله : { بل طبع اللَّهُ عليها بكفرهم } أَيْ : ختم الله على قلوبهم فلا تعي وَعْظاً ، مجازاةً لهم على كفرهم ، { فلا يؤمنون إلاَّ قليلاً } يعني : الذين آمنوا .
{ وبكفرهم } بالمسيح { وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً } حين رموها بالزِّنا .
{ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابنَ مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } أَيْ : ألقي لهم شبه عيسى على غيره حتى ظنُّوه لمَّا رأوه أنَّه المسيح { وإنَّ الذين اختلفوا فيه } أَيْ : في قتله ، وذلك أنَّهم لمَّا قتلوا الشَّخص المشَبَّه به كان الشَّبَه أُلقي على وجهه ، ولم يُلق على جسده شبهُ جسدِ عيسى ، فلمَّا قتلوه ونظروا إليه قالوا : الوجه وجه عيسى ، والجسد جسد غيره ، فاختلفوا ، فقال بعضهم : هذا عيسى ، وقال بعضهم : ليس بعيسى ، وهذا معنى قوله : { لفي شك منه } أَيْ : مِنْ قتله { ما لهم به } بعيسى { من علم } قُتِل أو لم يقتل { إلاَّ اتباع الظن } لكنَّهم يتَّبعون الظَّنَّ { وما قتلوه يقيناً } وما قتلوا المسيح على يقين من أنَّه المسيح .
{ بل رفعه الله إليه } أَيْ : إلى الموضع الذي لا يجري لأحدٍ سوى الله فيه حكمٌ وكان رفعُه إلى ذلك الموضع رفعاً إليه؛ لأنَّه رُفع عن أن يجري عليه حكم أحدٍ من العباد { وكان الله عزيزاً } في اقتداره على نجاة مَنْ يشاء من عباده { حكيماً } في تدبيره في النَّجاة .
{ وإن من أهل الكتاب إلاَّ ليؤمنن به } أَيْ : ما مِن أهل الكتاب أحدٌ إلاَّ ليؤمننَّ بعيسى { قبل موته } إذا عاين المَلَك ، ولا ينفعه حينئذٍ إيمانه ، ولا يموت يهوديٌّ حتى يؤمن بعيسى { ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً } على أنْ قد بلَّغ الرِّسالة ، وأقرَّ بالعبوديَّة على نفسه .
{ فبظلم من الذين هادوا . . . } الآية . عاقب الله اليهود على ظلمهم وبغيهم بتحريم اشياء عليهم ، وهي ما ذُكر في قوله : { وعلى الذين هادوا حرَّمنا كلَّ ذي ظُفرٍ . . . } الآية .

(1/144)


لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)

ثمَّ استثنى مؤمنيهم فقال : { لكن الراسخون } يعني : المبالغين في علم الكتاب منهم ، كعبد الله بن سلام وأصحابه { والمؤمنون } من أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم { يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً } ظاهرةً إلى قوله : { رسلاً مبشرين } .

(1/145)


رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170)

{ رسلاً مبشرين } أَيْ : بالثَّواب على الطَّاعة { ومنذرين } بالعقاب على المعصية { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } فيقولوا : ما أرسلت إلينا رسولاً يعلّمنا دينك ، فبعثنا الرُّسل قطعاً لعذرهم .
{ ولكن الله يشهد . . . } الآية . نزلت حين قالت اليهود - لما سُئلوا عن نبوَّة محمَّدٍ - : ما نشهد له بذلك ، فقال الله تعالى : { لكن الله يشهد } أَيْ : يبيِّن نبوَّتك { بما أنزل إليك } من القرآن ودلائله { أنزله بعلمه } أَيْ : وهو يعلم أنَّك أهلٌ لإِنزاله عليك لقيامك به { والملائكة يشهدون } لك بالنُّبوَّة إنْ جحدت اليهود ، وشهادة الملائكة إنَّما تُعرف بقيام المعجزة ، فمَنْ ظهرت معجزته شهدت الملائكة بصدقه { وكفى بالله شهيداً } أَيْ : كفى الله شهيداً .
{ إنَّ الذين كفروا } يعني اليهود { وظلموا } محمداً عليه السَّلام بكتمان نعته { لم يكن الله ليغفر لهم } هذا فيمن علم أنَّه يموت على الكفر { ولا ليهديهم طريقاً } ولا ليرشدهم إلى دين الإِسلام .
{ إلاَّ طريق جهنم } يعني : طريق اليهوديَّة ، وهو الطَّريق الذي يقودهم إلى جهنَّم { خالدين فيها أبداً وكان ذلك } أَيْ : خلودهم { على الله يسيراً } لأنَّه لا يتعذَّر عليه شيءٌ .
{ يا أيها الناس } يعني : المشركين { قد جاءكم الرسول بالحق } بالهدى والصِّدق { من ربكم فآمنوا خيراً لكم } أَيْ : ايتوا خيراً لكم من الكفر بالإِيمان به { وإنْ تكفروا } تُكذِّبوا محمداً وتكفروا نعمة الله عليكم به { فإنَّ لله ما في السموات والأرض } أَيْ : لا تضرُّون إلاَّ أنفسكم؛ لأنَّ الله غنيٌّ عنكم { وكان الله عليماً } بما تصيرون إليه من إيمان أو كفر { حكيماً } في تكليفه مع علمه بما يكون منكم .

(1/146)


يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172)

{ يا أهل الكتاب } يريد : النَّصارى { لا تغلوا } لا تتجاوزوا الحدَّ ولا تتشدَّدوا { في دينكم ولا تقولوا على الله إلاَّ الحق } فليس له ولدٌ ، ولا زوجة ، ولا شريك ، وقوله : { وكلمته ألقاها } يعني : أنَّه قال له : كن فيكون { وروحٌ منه } أَيْ : روحٌ مخلوقٌ من عنده { ولا تقولوا ثلاثة } أَيْ : لا تقولوا : آلهتنا ثلاثة . يعني قولهم : اللَّهُ ، وصاحبته ، وابنه [ تعالى الله عن ذلك ] . { انتهوا خيراً لكم } أَي : ائتوا بالانتهاء عن هذا خيراً لكم مما أنتم عليه .
{ لن يستنكف المسيح } لن يأنف الذي تزعمون أنَّه إِلهٌ { أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون } من كرامة الله تعالى ، وهم أكثرُ من البشر .

(1/147)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)

{ يا أيها الناس قد جاءكم برهانٌ من ربكم } يعني : النبيَّ عليه السَّلام { وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً } وهو القرآن .
{ فأمَّا الذين آمنوا بالله واعتصموا به } أَي : امتنعوا بطاعته من زيغ الشَّيطان { فسيدخلهم في رحمة منه } يعني : الجنَّة { وفضل } يتفضَّل عليهم بما لم يخطر على قلوبهم { ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً } ديناً مستقيماً .
{ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } فيمن مات ولا ولد له ، ولا والد { إن امرؤٌ هلك ليس له ولد } أراد : ولا والد ، فاكتفى بذكر أحدهما ، لأنَّه الكلالة { وله أختٌ } يعني : من أبٍ وأمٍّ ، أو أبٍٍ؛ لأنَّ ذكر ولد الأم قد مضى في أوَّل السُّورة { فلها نصف ما ترك وهو يرثها } الأخ يرث الأخت جميع المال { إنْ لم يكن لها ولد فإن كانتا } أَيْ : الأختان ، [ { فلهما الثُّلثان ممَّا ترك وإن كانوا إخوة رجالاً ونساءً } من أب وأمّ أو من أبٍ { فللذكر مثل حظ الأنثيين } ] . وقوله : { يبيِّن الله لكم أن تضلوا } أي : أن لا تضلوا ، أو كراهة أن تضلوا [ { والله بكل شيء عليم } من قسمة المواريث ] .

(1/148)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)

{ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } يعني : بالعهود المؤكَّدة التي عاهدتموها مع الله والنَّاس ، ثمَّ ابتدأ كلاماً آخر ، فقال : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } قيل : هي الأنعام نفسها ، وهي الإِبلُ والبقر والغنم ، وقيل : بهيمة الأنعام : وحشِيُّها كالظِّباء ، وبقر الوحش ، وحمر الوحش { إلا ما يتلى عليها } [ أي : ما يقرأ عليكم في القرآن ] يعني : قوله : { حرِّمت عليكم الميتة . . . } الآية . { غير محلي الصيد } يعني : إلاَّ أن تحلُّوا الصَّيد في حال الإِحرام؛ فإنَّه لا يحلُّ لكم { إنَّ الله يحكم ما يريد } يحلُّ ما يشاء ، ويحرِّم ما يشاء .
{ يا أيها الذين آمنوا لا تُحِلُّوا شعائر الله } يعني : الهدايا المُعلَمة للذَّبح بمكة . نزلت هذه الآية في الحُطَم [ بن ضبيعة ] أغار على سرح المدينة ، فذهب به إلى اليمامة ، " فلمَّا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام القضية سمع تلبية حجَّاج اليمامة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا الحطم فدونكم ، وكان قد قلَّد ما نهب من سرح المدينة ، وأهداه إلى الكعبة " ، فلمَّا توجَّهوا في طلبه أنزل الله تعالى : { لا تحلوا شعائر الله } يريد : ما أُشعر لله ، أَيْ : أُعْلِمَ { ولا الشهر الحرام } بالقتال فيه { ولا الهدي } وهي كلُّ ما أُهدي إلى بيت الله من ناقةٍ ، وبقرةٍ وشاةٍ ، { ولا القلائد } يعني : الهدايا المقلَّدة من لحاء شجر الحرم { ولا آمِّين البيت الحرام } قاصديه من المشركين . قال المفسرون : كانت الحرب في الجاهليَّة قائمة بين العرب إلاَّ في الأشهر الحرم ، فمَن وُجد في غيرها أُصيب منه إلاَّ أنْ يكونَ مُشعراً بدنه ، أو سائقاً هدايا ، أو مُقلِّداً نفسه أو بعيره من لحاء شجر الحرم ، أو مُحرماً ، فلا يُتعرَّض لهؤلاء ، فأمر الله سبحانه تعالى المُسْلمين بإقرار هذه الأَمنة على ما كانت لضربِ من المصلحة إلى أنْ نسخها بقوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وقوله : { يبتغون فضلاً من ربهم } أَيْ : ربحاً بالتِّجارة { ورضواناً } بالحجِّ على زعمهم { وإذا حللتم } من الإحرام { فاصطادوا } أمرُ إباحةٍ { ولا يجرمنَّكم } ولا يحملنَّكم { شنآن قومٍ } بُغض قومٍ ، يعني : أهل مكَّة { أن صدوكم عن المسجد الحرام } يعني : عام الحدييبية { أن تعتدوا } على حُجَّاج اليمامة ، فتستحلُّوا منهم مُحرَّماً { وتعاونوا } لِيُعِنْ بعضكم بعضاً { على البر } وهو ما أمرتُ به { والتقوى } ترك ما نهيتُ عنه { ولا تعاونوا على الإثم } يعني : معاصي الله { والعدوان } التَّعدي في حدوده ، ثمَّ حذَّرهم فقال : { واتقوا الله } فلا تستحلوا محرَّماً { إنَّ الله شديد العقاب } إذا عاقب .

(1/149)


حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5)

{ حرِّمت عليكم الميتة } سبق تفسير هذه الاية في سورة البقرة ، إلى قوله : { والمنخنقة } وهي التي تختنق فتموت بأيِّ وجهٍ كان { والموقوذة } المقتولة ضرباً { والمتردية } التي تقع من أعلى إلى أسفل فتموت { والنطيحة } التي قُتلت نطحاً { ما أكل } منه { السبع } فالباقي منه حرامٌ ، ثمَّ استثنى ما يُدرك ذكاته من جميع هذه المحرَّمات فقال : { إلا ما ذكيتم } أَيْ : إلاَّ ما ذبحتم { وما ذبح على النصب } أَيْ : على اسم الأصنام فهو حرام { وأن تستقسموا بالأزلام } تطلبوا على ما قُسم لكم من الخير والشَّرِّ من الأزلام : القداح التي كان أهل الجاهليَّة يُجيلونها إذا أرادوا أمراً { ذلكم } أَيْ : الاستقسامُ من الأزلام { فسق } خروجٌ عن الحلال إلى الحرام { اليوم } يعني : يوم عرفة عام حجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح ، { يئس الذين كفروا } أن ترتدُّوا راجعين إلى دينهم { فلا تخشوهم } في مظاهرة محمد ، واتِّباع دينه { واخشون } في عبادة الأوثان { اليوم } يعني : يوم عرفة { أكملتُ لكم دينكم } أحكام دينكم ، فلم ينزل بعد هذه الآية حلالٌ ولا حرامٌ { وأتممت عليكم نعمتي } يعني : بدخول مكَّة آمنين كما وعدتكم { فمن اضطر } إلى ما حُرِّم ممَّا ذُكر في هذه الآية { في مخمصة } مجاعةٍ { غير متجانفٍ لإِثم } غير متعرِّضٍ لمعصيةٍ ، وهو أن يأكل فوق الشِّبع ، أو يكون عاصياً بسفره { فإنَّ الله غفورٌ } له ما أكل ممَّا حرَّم عليه { رحيم } بأوليائه حيث رخَّص لهم .
{ يسألونك ماذا أحلَّ لهم } سأل عديُّ بن حاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنَّا نصيد بالكلاب والبُزاة ، وقد حرَّم الله الميتة ، فماذا يحلُّ لنا منها؟ فنزلت هذه الآية . { قل أحلَّ لكم الطيبات } يعين : ما تستطيبه العرب ، وهذا هو الأصل في التَّحليل ، فكلُّ حيوانٍ استطابته العرب ، كالضِّباب ، واليرابيع ، والأرانب فهو حلال ، وما استخبثته العرب فهو حرام { وما علَّمتم } يعني : وصيد ما علَّمتم { من الجوارح } وهي الكواسب من الطَّير والكلاب والسِّباع { مكلِّبين } مُعلِّمين إيَّاها الصَّيد { تعلمونهن مما علمكم الله } تؤدبوهنَّ لطلب الصَّيد { فكلوا ممَّا أمسكن عليكم } هذه الجوارح وإنْ قتلن إذا لم يأكلن منه ، فإذا أكلن فالظَّاهر أنَّه حرام { واذكروا اسم الله عليه } عند إرسال الجوارح .
{ اليوم أحلَّ لكم الطيبات } التي سألتم عنها { وطعام الذين أوتوا الكتاب } وهو اسمٌ لجميع ما يؤكل { حلٌّ لكم وطعامكم حل لهم } أَيْ : حلٌّ لكم أن تطعموهم { والمحصنات } العفائف { من المؤمنات والمحصنات } الحرائر { من الذين أوتوا الكتاب } من أهل الكتاب { إذا آتيتموهنَّ أجورهنَّ } يعني : مهورهنَّ { محصنين } مُتزوِّجين { غير مسافحين } معالنين بالزِّنا { ولا متخذي أخذان } مُسرّين بالزِّنا بهنَّ { ومَنْ يكفر بالإِيمان } بالله الذي يجب الإِيمان به { فقد حبط عمله } إذا مات على ذلك { وهو في الآخرة من الخاسرين } ممَّنْ خسر الثَّواب .

(1/150)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)

{ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } أَيْ : إذا أردتم القيام إليها { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } يعني : مع المرفقين { وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } وهما النَّاشزان من جانبي القدم { وإن كنتم جنباً فاطَّهَروا } فاغتسلوا { وإن كنتم مرضى } مفسَّرٌ في سورة النِّساء غلى قوله : { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } من ضيقٍ في الدِّين ، ولكنْ جعله واسعاً بالرُّخصة في التَّيمُّم { ولكن يريد ليطهركم } من الأحداث والجنابات والذُّنوب؛ لأنَّ الوضوء يكفِّر الذُّنوب { وليتم نعمته عليكم } ببيان الشَّرائع و { لعلكم تشكرون } نعمتي فتطيعوا أمري .
{ واذكروا نعمة الله عليكم } بالإِسلام { وميثاقه الذي واثقكم به } يعني : حين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السَّمع والطَّاعة في كلِّ ما أمر ونهى ، وهو قوله : { إذ قلتم } [ حين قلتم ] { سمعنا وأطعنا واتقوا الله إنَّ الله عليم بذات الصدور } بخفيَّات القلوب .
{ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين لله } تقومون لله بكلِّ حقٍّ يلزمكم القيام به { شهداء بالقسط } تشهدون بالعدل { ولا يجرمنكم شنآن قوم } لا يحملنَّكم بغض قوم على ترك العدل { اعدلوا } في الوليِّ والعدوِّ { هو } أَيْ : العدل { أقرب للتقوى } أَيْ : لاتِّقاء النَّار .

(1/151)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)

{ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم . . . } الآية . يعني : ما أنعم الله على نبيِّه حين أتى اليهودَ هو وجماعة من أصحابه يستعينون بهم في دية ، فتآمروا بينهم أن يطرحوا عليهم رحىً ، فأعلمهم الله بذلك على لسان جبرائيل حتى خرجوا ، ثمَّ أخبر عن نقض بني إسرائيل عهد الله ، كما نقضت هذه الطَّبقة العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله حين همُّوا بالاغتيال به .

(1/152)


وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)

{ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل } على أن يعملوا بما في التَّوراة { وبعثنا } وأقمنا بذلك { منهم اثني عشر نقيباً } كفيلاً وضميناً ضمنوا عن قومهم الوفاء بالعهد { وقال الله } لهم : { إني معكم } بالعون والنُّصرة { لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم } أَيْ : وقَّرتموهم { وأقرضتم الله قرضاً حسناً } يريد : الصَّدقات للفقراء والمساكين { فمن كفر بعد ذلك } أَيْ : بعد هذا العهد والميثاق { فقد ضلَّ سواء السبيل } أخطأ قصد الطَّريق .
{ فبما نقضهم } فبنقضهم { ميثاقهم } وهو أنَّهم كذَّبوا الرُّسل بعد موسى فقتلوا الأنبياء ، وضيَّعوا كتاب الله { لعنَّاهم } أخرجناهم من رحمتنا { وجعلنا قلوبهم قاسية } يابسة عن الإِيمان { يحرفون الكلم } يغيِّرون كلام الله { عن مواضعه } من صفة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم في كتابهم وآية الرَّجم { ونسوا حظاً مما ذكروا به } وتركوا نصيباً ممَّا أمروا به في كتابهم من اتِّبَاع محمَّدٍ { ولا تزال } يا محمد { تطلع على خائنة } خيانة { منهم } مثل ما خانوك حين همُّوا بقتلك { إلاَّ قليلاً منهم } يعني : مَنْ أسلم { فاعفُ عنهم واصفح } منسوخٌ بآية السَّيف { إنَّ الله يحب المحسنين } المتجاوزين .
{ ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم } كما أخذنا ميثاق اليهود { فنسوا حظاً ممَّا ذكروا به } فتركوا ما أُمروا به من الإِيمان بمحمَّد صلى الله عليه وسلم { فأغرينا بينهم } فألقينا بين اليهود والنصارى { العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } وعيدٌ لهم ، ثمَّ دعاهم إلى الإِيمان بمحمَّدٍ عليه السَّلام .

(1/153)


يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20)

{ يا أهل الكتاب } يعني : اليهود والنَّصارى { قد جاءكم رسولنا } محمَّد { يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب } تكتمون ممَّا في التَّوراة والإِنجيل ، كآية الرَّجم ، وصفة محمَّد عليه السَّلام { ويعفو عن كثير } يتجاوز عن كثير فلا يخبركم بكتمانه { قد جاءكم من الله نور } يعني : النبيَّ { وكتاب مبين } القرآن فيه بيانٌ لكلِّ ما تختلفون فيه .
{ يهدي به الله } يعني : بالكتاب المبين { مَنِ اتبع رضوانه } اتَّبع ما رضيه الله من تصديق محمَّد عليه السَّلام { سُبُل السلام } طرق السَّلامة التي مَنْ سلكها سلم في دينه { ويخرجهم من الظُّلمات } الكفر { إلى النور } الإِيمان { بإذنه } بتوفيقه وإرادته { ويهديهم إلى صراط مستقيم } وهو الإِسلام .
{ لقد كفر الذين قالوا إنَّ الله هو المسيح ابن مريم } يعني : الذين اتَّخذوه إِلهاً { قل فمن يملك من الله شيئاً } فمَنْ يقدر أن يدفع من عذاب الله شيئاً { إن أراد أن يهلك المسيح } أَيْ : يُعذِّبه ، ولو كان إلهاً لقدر على دفع ذلك .
{ وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه } أَمَّا اليهود فإنّهم قالوا : إنَّ الله من حِنَّتِهِ وعطفه علينا كالأب الشفيق ، وأمَّا النَّصارى فإنَّهم تأوَّلوا قول عيسى : إذا صلَّيتم فقولوا : يا أبانا الذي في السَّماء تقدَّس اسمه ، وأراد أنَّه في برِّه ورحمته بعباده الصالحين كالأب الرحيم . وقيل : أرادوا نحن أبناء رسل الله ، وإنما قالوا هذا حين حذَّرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم عقوبة الله ، فقال الله : { قل فلمَ يعذِّبكم بذنوبكم } أَيْ : فلمَ عذَّب مَنْ قبلكم بذنوبهم ، كأصحاب السَّبت وغيرهم { بل أنتم بشرٌ ممَّن خلق } كسائر بني آدم { يغفر لمن يشاء } لَمنْ تاب من اليهودية { ويعذب من يشاء } مَنْ مات عليها ، وقوله :
{ على فترة من الرسل } على انقطاع من الأنبياء { أن تقولوا } لئلا تقولوا { ما جاءنا من بشير ولا نذير } وقوله :
{ وجعلكم ملوكاً } أَيْ : جعل لكم الخدم والحشم ، وهم أوَّل مَن ملك الخدم والحشم من بني آدم { وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين } من فلق البحر لكم ، وإغراق عدوِّكم ، والمنِّ والسَّلوى ، وغير ذلك .

(1/154)


يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)

{ يا قوم ادخلوا الأرض المقدَّسة } المطهَّرة . يعني : الشَّام ، وذلك أنَّها طُهِّرت من الشِّرك ، وجُعلت مسكناً للأنبياء { التي كتب الله لكم } أمركم الله بدخولها { ولا ترتدوا على أدباركم } لا ترجعوا إلى دينكم الشِّركِ بالله .
{ قالوا يا موسى إنَّ فيها قوماً جبارين } طوالاً ذوي قوَّة ، وكانوا من بقايا عادٍ يقال لهم العمالقة .
{ قال رجلان } هما يوشع بن نون ، وكالب بن يوفنا { من الذين يخافون } اللَّهَ في مخالفة أمره { أنعم الله عليهما } بالفضل واليقين { ادخلوا عليهم الباب . . . } الآية ، وإنَّما قالا ذلك تيقُّناً بنصر الله ، وإنجاز وعده لنبيِّه ، فخالفوا نبيَّهم وعصوا أمر الله ، وأتوا من القول بما فسقوا به ، وهو قوله :
{ قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } فقال موسى عند ذلك :
{ لا أملك إلاَّ نفسي وأخي } يقول : لم يُطعني منهم إلاَّ نفسي وأخي { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } فاقض بيننا وبين القوم العاصين ، فحرَّم الله على الذين عصوا دخول القرية ، وحبسهم في التِّيه أربعين سنةً حتى ماتوا ، ولم يدخلها أحدٌ من هؤلاء ، وإنَّما دخلها أولادهم ، وهو قوله :
{ فإنها محرَّمة عليهم . . . } الآية . وقوله : { يتيهون في الأرض } يتحيَّرون فلا يهتدون للخروج منها { فلا تأس على القوم الفاسقين } لا تحزن على عذابهم .

(1/155)


وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)

{ واتل عليهم } يعني : على قومك { نبأ } خبر { ابني آدم } هابيل وقابيل { إذ قرَّبا قرباناً } تقرَّب إلى الله هابيل بخيرِ كبشٍ في غنمه ، فنزلت من السَّماء نارٌ فاحتملته ، فهو الكبش الذي فُدي به إسماعيل ، وتقرَّب إلى الله قابيل بأردأ ما كان عنده من القمح ، وكان صاحب زرع ، فلم تحمل النَّار قربانه ، والقربان : اسمٌ لكلِّ ما يُتقرَّب به إلى الله ، فقال الذي لم يُتقبَّلْْ منه : { لأقتلنك } حسداً له ، فقال هابيل : { إنما يتقبل الله من المتقين } للمعاصي [ لا من العاصين ] .
{ لئن بَسَطتَ إليَّ يدك } لئن بدأتني بالقتل فما أنا بالذي أبدؤك بالقتل { إني أخاف الله } في قتلك .
{ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } أَنْ تحتمل إثم قتلي وإثم الذي كان منك قبل قتلي .
{ فَطَوَّعَتْ له نفسه قتل أخيه } سهَّلته وزيَّنت له ذلك { فقتله فأصبح من الخاسرين } خسر دنياه بإسخاط والديه ، وآخرته بسخط الله عليه ، فلمَّا قتله لم يدرِ ما يصنع به؛ لأنَّه كان أوَّل ميِّت على وجه الأرض من بني آدم ، فحمله في جرابٍ على ظهره .
{ فبعث الله غراباً يبحث في الأرض } يثير التُّراب من الأرض على غرابٍ ميِّتٍ { ليريه كيف يواري } يستر { سوءة } جيفة { أخيه } فلمَّا رأى ذلك قال : { يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فَأُوَارِيَ سوءة أخي فأصبح من النادمين } على حمله والتَّطوف به .
{ من أجل ذلك } من سبب ذلك الذي فعل قابيل { كتبنا } فرضنا { على بني إسرائيل أنَّه مَنْ قتل نفساً بغير نفسٍ } بغير قَوَدٍ { أو فسادٍ } شركٍ { في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً } يُقتل كما لو قتلهم جميعاً ، ويصلى النَّار كما يصلاها لو قتلهم { ومَن أحياها } حرَّمها وتورَّع عن قتلها { فكأنما أحيا الناس جميعاً } لسلامتهم منه؛ لأنَّه لا يستحلُّ دماءهم { ولقد جاءتهم } يعني : بني إسرائيل { رسلنا بالبينات } بأنَّ لهم صدق ما جاؤوهم به { ثم إنَّ كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون } أَيْ : مجاوزون حدَّ الحقِّ .

(1/156)


إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)

{ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } أَيْ : يعصونهما ولا يطيعونهما . يعني : الخارجين على الإِمام وعلى الأمَّة بالسَّيف . نزلت هذه الآية في قصة العُرَنيين ، وهي معروفةٌ ، تعليماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم عقوبة مَن فعل مثل فعلهم ، وقوله : { ويسعون في الأرض فساداً } بالقتل وأخذ الأموال { أن يقتلوا أو يصلبوا أن تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض } معنى " أو " ها هنا الإِباحة ، فاللإِمام أن يفعل ما أراد من هذه الأشياء ، ومعنى النَّفي من الأرض الحبسُ في السِّجن؛ لأنَّ المسجون بمنزلة المُخرج من الدُّنيا { ذلك لهم خزي } هوانٌ وفضيحةٌ { في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم } وهذا للكفَّار الذين نزلت فيهم الآية؛ لأنَّ العُرنيين ارتدُّوا عن الدِّين ، والمسلم إذا عوقب في الدُّنيا بجنايته صارت مكفَّرةً عنه .
{ إلاَّ الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } آمنوا من قبل أن تعاقبوهم فالله غفورٌ رحيمٌ لهم . هذا في المشرك المحارب إذا آمن قبل القدرة عليه سقط عنه جميع الحدود ، فأمَّا المسلم المحارب إذا تاب واستأمن قبل القدرة عليه سقط عنه حدود الله ، ولا تسقط حقوق بني آدم .
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا } عقاب { الله } بالطَّاعة { وابتغوا إليه الوسيلة } تقرَّبوا إليه بطاعته { وجاهدوا } العدوَّ { في سبيله } في طاعته { لعلكم تفلحون } كي تسعدوا وتبقوا في الجنَّة .
{ إنَّ الذين كفروا . . . } الآية . ظاهرة .
{ يريدون } يتمنَّون بقلوبهم { أن يخرجوا من النار } .
{ والسارق والسارقةُ فاقطعوا أيديهما } يمينَ هذا ويمين هذه ، فجمع { جَزَاءً بما كسبا } أَيْ : بجزاء فعلهما { نكالاً } عقوبةً { من الله والله عزيز } في انتقامه { حكيم } فيما أوجب من القطع .
{ فمن تاب من بعد ظلمه } النَّاس { وأصلح } العمل بعد السَّرقة { فإنَّ الله يتوب عليه } يعود عليه بالرَّحمة .
{ ألم تعلم أنَّ الله له ملك السموات والأرض يعذب مَنْ يشاء } على الذَّنب الصَّغير { ويغفر لمن يشاء } الذَّنب العظيم .

(1/157)


يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)

{ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } إذ كنت موعودَ النَّصر عليهم ، وهم المنافقون ، وبان لهم ذلك بقوله : { من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون } أَيْ : فريقٌ سمَّاعون { للكذب } يسمعون منك ليكذبوا عليك ، فيقولون : سمعنا منه كذا وكذا لما لمْ يسمعوا { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } أَيْ : هم عيونٌ لأولئك الغُيَّب ينقلون إليهم أخبارك { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } من بعد أن وضعه الله مواضعه . يعني : آية الرَّجم . { يقولون : إن أوتيتم هذا فخذوه } يعني : يهود خيبر بالجلد ، وهم الذين ذكروا في قوله : { لقوم آخرين لم يأتوك } وذلك أنَّهم بعثوا إلى قريظة ليستفتوا محمداً صلى الله عليه وسلم في الزَّانيين المحصنين ، وقالوا لهم : إنْ أفتى بالجلد فاقبلوا ، وإن أفتى بالرَّجم فلا تقبلوا ، فذلك قوله : { إن أوتيتم هذا } يعني : الجلد { فخذوه } فاقبلوه { وإن لم تؤتوه فاحذروا } أن تعملوا به { ومن يرد الله فتنته } ضلالته وكفره { فلن تملك له من الله شيئاً } لن تدفع عنه عذاب الله { أولئك الذين } أَيْ : مَنْ أراد الله فتنته فهم الذين { لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } أن يُخلِّص نيَّاتهم { لهم في الدنيا خزيٌ } بهتك ستورهم { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } وهو النَّار .
{ سماعون للكذب أكالون للسحت } وهو الرِّشوة في الحكم . يعني : حكَّام اليهود ، يسمعون الكذب ممَّنْ يأتيهم مُبطلاً ، ويأخذون الرِّشوة منه فيأكلونها { فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } خيَّر الله نبيَّه في الحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه ، ثمَّ نسخ ذلك بقوله : { وأن احكم بينهم . . . } الآية .
{ وكيف يحكمونك } عجَّب الله نبيَّه عليه السَّلام من تحكيم اليهود إيَّاه بعد علمهم بما في التَّوراة من حكم الزَّاني وحدِّه ، وقوله : { فيها حكم الله } يعني : الرَّجم { ثمَّ يتولون من بعد ذلك } التَّحكيم فلا يقبلون حكمك بالرَّجم { وما أولئك } الذين يُعرِضون عن الرَّجم { بالمؤمنين } .

(1/158)


إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46)

{ إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً } بيان الحكم الذي جاؤوك يستفتونك فيه { ونور } بيانٌ إنَّ أمرك حَقٌّ { يحكم بها النبيون } من لدن موسى إلى عيسى ، وهم { الذين أسلموا } أَي : انقادوا لحكم التَّوراة { للذين هادوا } تابوا من الكفر ، وهم بنو إسرائيل إلى زمن عيسى { والربانيون } العلماء { والأحبار } الفقهاء { بما استحفظوا } استرعوا [ أَيْ : بما كُلِّفُوا حفظه من كتاب الله . وقيل : العمل بما فيه ، وذلك حفظه ] { من كتاب الله وكانوا عليه شهداء } أنَّه من عند الله ، ثمَّ خاطب اليهود فقال : { فلا تخشوا الناس } في إظهار صفة محمَّد صلى الله عليه وسلم والرَّجم { واخشون } في كتمان ذلك { ولا تشتروا بآياتي } بأحكامي وفرائضي { ثمناً قليلاً } يريد : متاع الدُّنيا { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } نزلت في مَنْ غيرَّ حكم الله من اليهود ، وليس في أهل الإسلام منها ومن اللتين بعدها شيءٌ .
{ وكتبنا عليهم فيها } وفرضنا عليهم في التَّوراة { أنَّ النفس } تُقتل { بالنفس ، والعين بالعين . . . } الآية . كلُّ شخصين جرى القصاص بينهما في النَّفس جرى القصاص بينهما في جميع الأعضاء والأطراف إذا تماثلا في السَّلامة ، وقوله : { والجروح قصاص } في كلِّ ما يمكن أن يُقتصَّ فيه ، مثل الشَّفتين ، والذَّكَر ، والأُنثيين ، والأليتين ، والقدمين ، واليدين ، وهذا تعميمٌ بعد التَّفصيل بقوله : { العين بالعين والأنف بالأنف } . { فمن تصدَّق به فهو كفارة له } مَنْ عفا وترك القصاص فهو مغفرةٌ له عند الله ، وثواب عظيم .
{ وقفينا على آثارهم بعيسى } أَيْ : جعلناه يقفو آثار النَّبيِّين . يعني : بعثناه بعدهم على آثارهم { مصدقاً لما بين يديه من التوراة } يُصدِّق أحكامها ويدعو إليها { وآتيناه الإِنجيل فيه هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدىً وموعظة } معناه : وهادياً وواعظاً .

(1/159)


وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)

{ وليحكم أهل الإِنجيل } أَيْ : وقلنا لهم : ليحكموا بهذا الكتاب في ذلك الوقت .
{ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه } أَيْ : شاهداً وأميناً ، [ وحفيظاً ورقيباً ] على الكتب التي قبله ، فما أخبر أهل الكتاب بأمرٍ؛ فإنْ كان في القرآن فصدِّقوا ، وإلأَّ فكذِّبوا { فاحكم بينهم } بين اليهود { بما أنزل الله } بالقرآن والرَّجم { ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق } يقول : لا تتَّبعهم عمَّا عندك من الحقِّ ، فتتركه وتتَّبعهم { لكلٍّ جعلنا منكم } من أُمَّة موسى وعيسى ومحمَّد صلَّى الله عليهم أجمعين { شرعة ومنهاجاً } سبيلاً وسنَّة ، فللتَّوراة شريعة ، وللإِنجيل شريعة ، وللقرآن شريعة { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } على أمرٍ واحدٍ ملَّة الإِسلام { ولكن ليبلوكم } ليختبركم { فيما آتاكم } أعطاكم من الكتاب والسُّنن { فاستبقوا الخيرات } سارعوا إلى الأعمال الصَّالحة [ الزَّاكية ] { إلى الله مرجعكم جميعاً } أنتم وأهل الكتاب { فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } من الدِّين والفرائض والسُّنن . يعني : إنَّ الأمر سيؤول إلى ما يزول معه الشُّكوك بما يحصل من اليقين .
{ واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } أَيْ : يَسْتَزِلُّوكَ عن الحقِّ إلى أهوائهم . نزلت حين قال رؤساء اليهود بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى محمد لعلَّنا نفتنه ، فنزدَّه عمَّا هو عليه ، فأتوه وقالوا له : قد علمت أنَّا إن اتَّبعناك اتَّبعك النَّاس ، ولنا خصومةٌ فاقض لنا على خصومنا إذا تحاكمنا إليك ، ونحن نؤمن بك ، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنزل الله هذه الآية : { فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم } [ أي : فإن أعرضوا عن الإِيمان ، والحكم بالقرآن فاعلم أنَّ ذلك من أجل أنَّ الله يريد أن يعجِّل لهم العقوبة في الدنيا ببعض ذنوبهم ] ويجازيهم في الآخرة بجميعها ، ثمَّ كان تعذيبهم في الدُّنيا الجلاء والنَّفي { وإنَّ كثيراً من الناس لفاسقون } يعني : اليهود .
{ أفحكم الجاهلية يبغون } أَيْ : أيطلب اليهود في الزَّانيين حكماً لم يأمر الله به ، وهم أهل كتاب ، كما فعل أهل الجاهليَّة؟! { ومَنْ أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون } أَي : مَنْ أيقن تبيَّن عدل الله في حكمه ، ثمَّ نهى المؤمنين عن موالاة اليهود ، وأوعد عليها بقوله :
{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء . . . } الآية .

(1/160)


فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)

{ فترى الذين في قلوبهم مرض } يعني : عبد الله بن أُبيٍّ وأصحابه { يسارعون فيهم } في مودَّة أهل الكتاب ومعاونتهم على المسلمين بإلقاء أخبارهم إليهم { يقولون : نخشى أن تصيبنا دائرة } أَيْ : يدور الأمر عن حاله التي يكون عليها . يعنون : الجدب فتنقطع عنا الميرة والقرض { فعسى الله أن يأتي بالفتح } يعني : لمحمدٍ على جميع مَنْ خالفه { أو أمرٍ من عنده } بقتل المنافقين ، وهتك سترهم { فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم } يعني : أهل النِّفاق على ما أضمروا من ولاية اليهود ، ودسِّ الأخبار إليهم { نادمين } .
{ ويقول الذين آمنوا } المؤمنون إذا هتك الله ستر المنافقين : { أهؤلاء } يعنون : المنافقين { الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم } حلفوا بأغلظ الأيمان { إنهم لمعكم } إنَّهم مؤمنون وأعوانكم على مَنْ خالفكم { حبطت أعمالهم } بطل كلُّ خيرٍ عملوه بكفرهم { فأصبحوا خاسرين } صاروا إلى النَّار ، وورث المؤمنون منازلهم من الجنَّة .
{ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه } علم الله تعالى أنَّ قوماً يرجعون عن الإِسلام بعد موت نبيِّهم صلى الله عليه وسلم ، فأخبرهم تعالى أنَّه س { يأتي اللَّهُ بقوم يحبهم ويحبونه } وهم أبو بكر رضي الله عنه وأصحابه الذين قاتلوا أهل الرِّدة { أذلة على المؤمنين } كالولد لوالده ، والعبد لسيِّده { أعزة على الكافرين } غلاظٍ عليهم ، كالسَّبع على فريسته { يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } كالمنافقين الذين كانوا يرقبون الكافرين ، ويخافون لومهم في نصرة الدِّين { ذلك فضل الله } أَيْ : محبَّتهم لله عزَّ وجلَّ ، ولين جانبهم للمسلمين ، وشدَّتهم على الكفَّار بفضلٍ من الله عليهم .

(1/161)


إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61)

{ إنما وليكم الله ورسوله } نزلت لمَّا هجر اليهود مَنْ أسلم منهم ، فقال عبد الله بن سلام : يا رسول الله ، إنَّ قومنا قد هجرونا ، وأقسموا ألا يجالسونا ، فنزلت هذه الآية ، فقال : رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء ، وقوله : { وهم راكعون } يعني : صلاة التَّطوع .
{ ومن يَتَوَلَّ الله ورسوله } يتولَّى القيام بطاعته ونصرة رسوله والمؤمنين { فإنَّ حزب الله } جند الله وأنصار دينه { هم الغالبون } غلبوا اليهود فأجلوهم من ديارهم ، وبقي عبد الله بن سلام وأصحابه الذين تولَّوا اللَّهَ ورسوله .
{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا . . . } الآية . نزلت في رجالٍ كانوا يوادُّون منافقي اليهود ، ومعنى قوله : { اتَّخذوا دينكم هزواً ولعباً } إظهارهم ذلك باللِّسان ، واستبطانهم الكفر تلاعباً واستهزاءً { والكفار } يعني : مشركي العرب وكفَّار مكَّة { واتقوا الله } فلا تتَّخذوا منهم أولياء { إن كنتم مؤمنين } بوعده ووعيده .
{ وإذا ناديتم إلى الصلاة } دعوتم النَّاس إليها بالأذان { اتخذوها هزواً ولعباً } تضاحكوا فيما بينهم وتغامزوا على طريق السُّخف والمجون تجهيلاً لأهلها { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } ما لهم في إجابتها لو أجابوا إليها ، وما عليهم في استهزائهم بها .
{ قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا . . . } الآية . [ أي : هل تنكرون وتكرهون ] . أتي نفرٌ من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عمَّن يُؤمن به من الرُّسل؟ فقال : " أؤمنُ بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرِّق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون " ، فلمَّا ذكر عيسى جحدوا نبوَّته ، وقالوا : ما نعلم ديناً شرَّاً من دينكم ، فأنزل الله تعالى : { هل تنقمون } أَي : هل تكرهون وتنكرون منا إلاَّ إيماننا وفسقكم ، أَيْ : إنَّما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أننا على حقٍّ ، لأنَّكم قد فسقتم ، بأن أقمتم على دينكم لمحبَّتكم الرِّئاسة ، وكسبكم بها الأموال ، وتقدير قوله : { وأنًّ أكثركم فاسقون } ولأنَّ أكثركم ، والواو زائدةٌ ، والمعنى : لفسقكم نقمتم علينا الإِيمان ، قوله :
{ قل هل أنبئكم } أخبركم ، جوابٌ لقول اليهود : ما نعرف أهل دين شراً منكم ، فقال الله : { هل أنبئكم } أخبركم { بشرٍّ من } ذلكم المسلمين الذين طعنتم عليهم { مثوبة } جزاءً وثواباً { عند الله؟ مَنْ لعنه الله } أَيْ : هو مَنْ لعنه الله : أبعده عن رحمته { وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير } يعني : أصحاب السَّبت { وعبد الطاغوت } [ نسقٌ على { لعنه الله } وعبد الطاغوت : ] أطاع الشَّيطان فيما سوَّله له . { أولئك شر مكاناً } لأنَّ مكانهم سَقَر { وأضل عن سواء السبيل } قصد الطَّريق ، وهو دين الحنيفيَّة ، فلمَّا نزلت هذه الآية عيَّر المسلمون اليهود ، وقالوا : يا إخوان القردة والخنازير ، فسكتوا وافتضحوا .
{ وإذا جاؤوكم قالوا آمنا } يعني : منافقي اليهود { وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به } أَيْ : دخلوا وخرجوا كافرين ، والكفر معهم في كِلْتي حالهم .

(1/162)