صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
المؤلف : علي بن أحمد الواحدي أبو الحسن
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)

{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } يعني صيام شهر رمضان { كما كتب } يعني : كما أُوجب { على الذين من قبلكم } أَيْ : أنتم مُتَعَبِّدون بالصَّيام كما تُعبِّد مَنْ قبلكم { لعلكم تتقون } لكي تتقوا الأكل والشُّرب والجماع في وقت وجوب الصَّوم .
{ أياماً معدودات } يعني : شهر رمضان { فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ } فأفطر { فعدَّةٌ } أَيْ : فعليه عدَّةٌ ، أَيْ : صوم عدَّةٍ ، يعني : بعدد ما أفطر { من أيام أُخر } سوى أيَّام مرضه وسفره { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } هذا كان في ابتداء الإسلام؛ مَنْ أطاق الصوم جاز له أن يُفطر ، ويُطعم لكلِّ يومٍ مسكيناً مُدَّاً من طعام ، فَنُسِخ بقوله : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } { فمن تطوع خيراً } زاد في الفدية على مُدٍّ واحدٍ { فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم } أيْ : والصَّوم خيرٌ لكم من الإِفطار والفدية ، وهذا [ إنَّما ] كان قبل النَّسخ .
{ شهر رمضان } أَيْ : هي شهر رمضان . يعني : تلك الأيام المعدودات شهر رمضان { الذي أُنزل فيه القرآن } أُنزل جملةً واحدً من اللَّوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان ، فوضع في بيت العزَّة في سماء الدُّنيا ، ثمَّ نزل به جبريل عليه السَّلام على محمد صلى الله عليه وسلم نجوماً نجوماً عشرين سنةً { هدىً للناس } هادياً للنَّاس { وبينات من الهدى } وآياتٍ واضحاتٍ من الحلال والحرام ، والحدود والأحكام { والفرقان } الفرق بين الحقِّ والباطل { فمن شهد منكم الشهر } فمَنْ حضر منكم بلده في الشَّهر { فليصمه } { ومَنْ كان مريضاً أو على سفرٍ فعدَّةٌ من أيام أخر } أعاد هاهنا تخيير المريض والمسافر؛ لأنَّ الآية الأولى وردت في التَّخيير للمريض والمسافر والمقيم ، وفي هذه الآية نُسخ تخيير المقيم ، فأُعيد ذكر تخيير المريض والمسافر ليعلم أنَّه باقٍ على ما كان { يريد الله بكم اليسر } بالرُّخصة للمسافر والمريض { ولا يريد بكم العسر } لأنَّه لم يشدِّد ولم يُضيِّق عليكم { ولتكملوا } [ عطف على محذوف ] والمعنى : يريد الله بكم اليسر ، ولا يريد بكم العسر لِيَسْهُلَ عليكم { ولتكملوا العدَّة } أَيْ : ولتكملوا عدَّة ما أفطرتم بالقضاء إذا أقمتم وبرأتم { ولتكبروا الله } يعني التَّكبير ليلة الفطر إذا رُئي هلال شوال { على ما هداكم } أرشدكم من شرائع الدِّين .

(1/48)


وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)

{ وإذا سألك عبادي عني . . . } الآية . سأل بعض الصَّحابة النبيَّ صلى الله عليه وسلم : أقريبٌ ربُّنا فنناجيَه ، أم بعيدٌ فنناديَه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقوله تعالى : { فإني قريبٌ } يعني : قربه بالعلم { أجيب } أسمع { دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي } أَيْ : فليجيبوني بالطَّاعة وتصديق الرُّسل { وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } ليكونوا على رجاءٍ من إصابة الرُّشد .
{ أحلَّ لكم ليلة الصيام . . . } الآية . كان في ابتداء الإسلام لا تحلُّ المجامعة في ليالي الصَّوم ، ولا الأكل ولا الشُّرب بعد العشاء الآخرة ، فأحلَّ الله تعالى ذلك كلَّه إلى طلوع الفجر ، وقوله : { الرفث إلى نسائكم } يعني : الإِفضاء إليهنَّ بالجماع { هنَّ لباسٌ لكم } أَيْ : فراشٌ { وأنتم لباس } لحافٌ { لهنَّ } عند الجماع { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } تخونون أنفسكم بالجماع ليالي رمضان ، وذلك أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره فعلوا ذلك ، ثمَّ أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه ، فنزلت الرُّخصة { فتاب عليكم } فعاد عليكم بالترخيص { وعفا عنكم } ما فعلتم قبل الرُّخصة { فالآن باشروهنَّ } جامعوهنَّ { وابتغوا } واطلبوا { ما كتب الله لكم } ما قضى الله سبحانه لكم من الولد { وكلوا واشربوا } اللَّيل كلَّه { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض } يعني : بياض الصُّبح { من الخيط الأسود } من سواد اللَّيل { من الفجر } بيانُ أنَّ هذا الخيط الأبيض من الفجر لا من غيره { ثمَّ أتموا الصيام إلى الليل } بالامتناع من هذه الأشياء { ولا تباشروهنَّ وأنتم عاكفون في المساجد } نهيٌ للمعتكف عن الجماع؛ لأنه يُفسده ، { تلك } أَيْ : هذه الأحكام التي ذكرها { حدود الله } ممنوعاته { فلا تقربوها } فلا تأتوها { كذلك } أَيْ : مثل هذا البيان : { يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } المحارم .
{ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } أَيْ : لا يأكل بعضكم مال بعضٍ بما لا يحلُّ في الشَّرع ، من الخيانة والغصب ، والسَّرقة والقمار ، وغير ذلك { وتُدْلُوا بها إلى الحكام } ولا تصانعوا [ أَيْ : لا ترشوا ] بأموالكم الحكَّام لِتقتطعوا حقَّاً لغيركم { لتأكلوا فريقاً } طائفةً { من أموال الناس بالإِثم } بأن ترشوا الحاكم ليقضي لكم { وأنتم تعلمون } أنَّكم مُبطلون ، وأنَّه لا يحلُّ لكم ، والأصل في الإِدلاء : الإِرسال ، من قولهم : أدليتُ الدَّلو .

(1/49)


يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)

{ يسألونك عن الأهلَّة } يسأل معاذ بن جبلٍ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن زيادة القمر ونقصانه ، فأنزل الله تعالى : { يسألونك عن الأهلة } وهي جمع هلال { قل هي مواقيت للناس والحج } أخبر الله عنه أنَّ الحكمة في زيادته ونقصانه زوال الالتباس عن أوقات النَّاس في حجِّهم ومَحِلِّ دُيونِهم ، وعِدَدِ نسائهم ، وأجور أُجرائهم ، ومُدَد حواملهم ، وغير ذلك { وليس البرُّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها } كان الرَّجل في الجاهليَّة إذا أحرم نقب من بيته نقباً من مؤخره يدخل فيه ويخرج ، فأمرهم الله بترك سنَّة الجاهليَّة ، وأعلمهم أنَّ ذلك ليس ببرٍّ { ولكن البرَّ } برُّ { من اتقى } مخالفةَ الله { وأتوا البيوت من أبوابها . . . } الآية .
{ وقاتلوا في سبيل الله . . . } الآية . نزلت هذه الآية في صلح الحديبية ، وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا انصرف من الحديبية إلى المدينة المنورة حين صدَّه المشركون عن البيت ، صالحهم على أن يرجع عامة القابل ويُخَلُّوا له مكَّة ثلاثة أيَّام ، فلمَّا كان العام القابل تجهزَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرة القضاء ، وخافوا أن لا تفي لهم قريشٌ وأن يصدُّوهم عن البيت ويقاتلوهم ، وكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالهم في الشَّهر الحرام في الحرم ، فأنزل الله تعالى : { وقاتلوا في سبيل الله } أَيْ : في دين الله وطاعته { الذين يقاتلونكم } يعني : قريشاً { ولا تعتدوا } ولا تظلموا فتبدؤوا في الحرم بالقتال .
{ واقتلوهم حيث ثقفتموهم } وجدتموهم وأخذتموهم { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } يعني : من مكَّة { والفتنة أشدّ من القتل } يعني : وشركُهم بالله تعالى أعظمُ من قتلكم إيَّاهم في الحرم { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه } نُهوا عن ابتدائهم بقتلٍ أو قتالٍ حتى يبتدىء المشركون { فإن قاتلوكم فاقتلوهم } أَيْ : إن ابتدؤوا بقتالكم عند المسجد الحرام فلكم القتال على سبيل المكافأة ، ثم بيَّن أنهم إن انتهوا ، أَيْ : كفُّوا عن الشِّرك والكفر والقتال وأسلموا { فإنَّ الله غفور رحيم } أَيْ : يغفر لهم كفرهم وقتالهم من قبل ، وهو منعمٌ عليهم بقبول توبتهم وإيمانهم بعد كفرهم وقتالهم .
{ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } أَيْ : شركٌ . يعني : قاتلوهم حتى يُسلموا ، وليس يُقبل من المشرك الوثنيِّ جزيةٌ { ويكون الدين } أَيْ : الطَّاعة والعبادة { لله } وحده فلا يُعبد دونه شيءٌ { فإن انتهوا } عن الكفر { فلا عدوان } أَيْ : فلا قتل ولا نهب { إلاَّ على الظالمين } والكافرين .
{ الشهر الحرام بالشهر الحرام } أَيْ : إن قاتلوكم في الشَّهر الحرام فقاتلوهم في مثله { والحرمات قصاص } أَي : إن انتهكوا لكم حرمةً فانتهكوا منهم مثل ذلك ، أَعلمَ الله سبحانه أنَّه لا يكون للمسلمين أنْ ينتهكوها على سبيل الابتداء ، ولكن على سبيل القصاص ، وهو معنى قوله : { فمن اعتدى عليكم . . . } الآية . { وأنفقوا في سبيل الله } في طاعة الله تعالى من الجهاد وغيره { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ولا تُمسكوا عن الإِنفاق في الجهاد { وأحسنوا } أَيْ : الظنَّ بالله تعالى في الثَّواب والإِخلاف عليكم .

(1/50)


وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)

{ وأتموا الحج والعمرة لله } بمناسكهما وحدودهما وسننهما ، وتأدية كلِّ ما فيهما { فإن أحصرتم } حُبستم ومُنعتم دون تمامهما { فما استيسر } فواجبٌ عليكم ما تيسَّر { من الهدي } وهو ما يُهدى إلى بيت الله سبحانه ، أعلاه بدنةٌ ، وأوسطه بقرة ، وأدناه شاةٌ ، فعليه ما تيسَّر من هذه الأجناس { ولا تحلقوا رؤوسكم } أَيْ : لا تَحِلُّوا من إحرامكم { حتى يبلغ الهدي محلَّه } حتى يُنحر الهدي بمكَّة في بعض الأقوال ، وهو مذهب أهل العراق ، وفي قول غيرهم : مَحِلُّه حيث يَحِلُّ ذبحه ونحره ، وهو حيث أُحصر ، وهو مذهب الشَّافعي { فمن كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه } [ يعني الهوام تقع في الشَّعر وتكثر ] فحلق { ففديةٌ من صيامٍ } وهو صيام ثلاثة أيَّام { أو صدقة } وهي إطعام ستة مساكين . لكلِّ مسكينٍ مُدَّان { أو نسك } ذبيحةٍ { فإذا أمنتم } أَيْ : من العدوِّ ، أو كان حجٌّ ليس فيه خوفٌ من عدوٍّ { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } أيْ : قدم مكَّة مُحرماً واعتمر في أشهر الحجِّ ، وأقام حلالاً بمكَّة حتى يُنشىء منها الحجَّ عامَه ذلك ، واستمتع بمحظورات الإحرام؛ لأنَّه حلَّ بالعمرة ، فمن فعل هذا { ف } عليه { ما استيسر من الهدي فمن لم يجد } ثمن الهدي { فصيام ثلاثة أيام في } أشهر { الحج وسبعة إذا رجعتم } أَيْ : بعد الفراغ من الحجِّ { تلك عشرة كاملة ذلك } أَيْ : ذلك الفرض الذي أُمرنا به من الهدي أو الصِّيام { لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } أَيْ : لمَنْ لم يكن من أهل مكَّة .

(1/51)


الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)

{ الحج أشهر } أًيْ : أشهرُ الحجِّ أشهرٌ { معلوماتٌ } مُوقَّتةٌ معيَّنةٌ ، وهي شوال وذو القعدة وتسعُ من ذي الحجَّة { فمن فرض } أوجب على نفسه { فيهنَّ الحجَّ } بالإحرام والتَّلبية { فلا رفث } فلا جِماعَ { ولا فسوق } ولا معاصي { ولا جدال } وهو أَنْ يُجادلَ صاحبه حتى يُغضبه ، والمعنى : لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا { في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله } أَيْ : يُجازيكم به الله العالم { وتزوَّدوا } نزلت في قومٍ كانوا يحجُّون بلا زادٍ ويقولون : نحن متوكِّلون ، ثمَّ كانوا يسألون النَّاس وربَّما ظلموهم وغصبوهم ، فأمرهم الله أَنْ يتزوَّدوا فقال : { وتزوَّدوا } ما تتبلَّغون به { فإن خير الزاد التقوى } يعني : ما تكفُّون به وجوهكم عن السُّؤال وأنفسكم عن الظُّلم .
{ ليس عليكم جناح . . . } الآية . كان قومٌ يزعمون أنَّه لا حَجَّ لتاجرٍ ولا جَمَّالٍ ، فأعلمَ اللَّهُ تعالى أنه لا حرج في ابتغاء الرِّزق بقوله : { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم } أَيْ : رزقاً بالتجِّارة في الحجِّ { فإذا أفضتم } أَيْ : دفعتم وانصرفتم من { عرفات فاذكروا الله } بالدُّعاء والتَّلبية { عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم } أَيْ : ذكراً مثلَ هدايته إيَّاكم ، أَيْ : يكون جزاءً لهدايته إيَّاكم { وإن كنتم من قبله } أَيْ : وما كنتم من قبل هُدَاه إلاَّ ضالِّين .

(1/52)


ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)

{ ثمَّ أفيضوا من حيث أفاض الناس } يعني : العرب وعامِّة النَّاس إلاَّ قريشاً ، وذلك أنَّهم كانوا لا يقفون بعرفات وإنَّما يقفون بالمزدلفة ويقولون : نحن أهل حرم الله ، فلا نخرج منه ، فأمرهم الله أن يقفوا بعرفاتٍ ، كما يقف سائر النَّاس حتى تكون الإفاضة معهم منها . { فإذا قضيتم مناسككم } أَيْ : فرغتم من عباداتكم التي أمرتم بها في الحجِّ { فاذكروا الله كذكركم آباءَكم } كانت العرب إذا فرغوا من حجِّهم ذكروا مفاخر آبائهم ، فأمرهم الله عزَّ وجلَّ بذكره { أو أشدَّ ذكراً } يعني : وأشدَّ ذكراً { فمن الناس . . . } الآية ، وهم المشركون كانوا يسألون المال والإبل والغنم ، ولا يسألون حظَّاً في الآخرة؛ لأَنهم لم يكونوا مؤمنين بها ، والمسلون يسألون الحظَّ في الدُّنيا والآخرة ، وهو قوله :
{ ومنهم مَنْ يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة . . . } الآية . [ ومعنى : { في الدنيا حسنة } : العمل بما يرضي الله ، { وفي الآخرة حسنة } : الجنة ] .
{ أولئك لهم نصيبٌ مما كسبوا } أَيْ : ثوابُ ما عملوا { والله سريعُ الحساب } مع هؤلاء؛ لأنَّه يغفر سيئاتهم ويضاعف حسناتهم .

(1/53)


وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)

{ واذكروا الله في أيام معدودات } يعني : التَّكبير أدبار الصَّلوات في أيام التَّشريق { فمن تعجَّل في يومين } من أيام التَّشريق فنفر في اليوم الثّاني من مِنىً { فلا إثم عليه } في تعجُّله ، { ومن تأخر } عن النَّفر إلى اليوم الثالث { فلا إثم عليه } في تأخُّره { لمن اتقى } أَيْ : طرحُ المأثم يكون لمن اتَّقى في حجِّه تضييعَ شيءٍ ممَّا حدَّه الله تعالى .
{ ومن الناس مَن يعجبك قوله . . . } الآية . يعني : الأخنس بن شريق ، وكان منافقاً حلو الكلام ، حسن العلانيَة سيِّىء السَّريرة ، وقوله : { في الحياة الدنيا } لأنَّ قوله إنَّما يعجب النَّاس في الحياة الدُّنيا ، ولا ثواب له عليه في الآخرة { ويشهد الله على ما في قلبه } لأنَّه كان يقول للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : واللَّهِ ، إنِّي بك لمؤمنٌ ، ولك محبٌّ { وهو ألدُّ الخصام } أَيْ : شديد الخصومة ، وكان جَدِلاً بالباطل .
{ وإذا تولى سعى في الأرض . . . } الآية ، وذلك أنَّه رجع إلى مكَّة ، فمرَّ بزرعٍ وحُمُرٍ للمسلمين ، فأحرق الزَّرع وعقر الحُمُر ، فهو قوله : { ويهلك الحرث والنسل } أَيْ : نسل الدَّوابِّ .
{ وإذا قيل له اتق الله } وإذا قيل له : مهلاً مهلاً { أخذته العزَّةُ بالإِثم } حملته الأنفة وحميَّة الجاهليَّة على الفعل بالإِثم { فحسبه جهنم } كافيه الجحيم جزاءً له { ولبئس المهاد } ولبئس المقرُّ جهنَّم .

(1/54)


وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)

{ ومن الناس مَنْ يشري } أَيْ : يبيع { نفسه } يعني : يبذلها لأوامر الله تعالى { ابتغاء مرضاة الله } لطلب رضا الله . نزلت في صهيب الرُّوميِّ .
{ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السِّلْمِ } أَيْ : في الإسلام { كافة } أيْ : جميعاً ، أيْ : في جميع شرائعه . نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه ، وذلك أنَّهم بعدما دخلوا في الإِسلام عظَّموا السَّبت ، وكرهوا لُحمان الإِبل فأُمروا بترك ذلك ، وإنَّه ليس من شرائع الإِسلام تحريم السَّبت وكراهة لحوم الإبل { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أيْ : آثاره ونزغاته { إنه لكم عدوٌّ مبين } .
{ فإن زللتم } تنحَّيتم عن القصد بتحريم السَّبْت ولحوم الإِبل { من بعد ما جاءتكم البينات } أَيْ : القرآن { فاعلموا أنَّ الله عزيز } في نقمته لا تعجزونه ولا يُعجزه شيءٌ { حكيم } فيما شرع لكم من دينه .
{ هل ينظرون } أَيْ : هل ينتظرون . يعني : التَّاركين الدُّخول في الإِسلام ، و " هل " استفهامٌ معناه النَّفي ، أيْ : ما ينتظر هؤلاء في الآخرة { إلاَّ أن يأتيهم } عذاب { اللَّهُ في ظلل من الغمام } والظُّلَل جمع : ظُلَّة ، وهي كلُّ ما أظلَّك ، والمعنى : إنَّ العذاب يأتي فيها ، ويكون أهول { والملائكة } أَيْ : الملائكةُ الذين وُكِّلوا بتعذيبهم { وقضي الأمر } فُرغ لهم ممَّا يوعدون بأنْ قُدِّر ذلك عليهم { وإلى الله تُرجع الأمور } يعني : في الجزاء من الثَّواب والعقاب .
{ سل بني إسرائيل } سؤال توبيخ وتبكيتٍ وتقريعٍ [ كما يُقال : سله كم وعظته فلم يقبل ] { كم آتيناهم من آية بينةً } من فلق البحر ، وإنجائهم من عدوِّهم ، وإنزال المنِّ والسًّلوى ، وغير ذلك { ومَنْ يُبدِّل نعمة الله من بعد ما جاءته } يعني : ما أنعم الله به عليهم من العلم بشأن محمِّدٍ عليه السَّلام ، فبدَّلوه وغيَّروه .
{ زين للذين كفروا } أَيْ : رؤساء اليهود { الحياة الدُّنيا } فهي هِمَّتهم وطِلبتهم ، فهم لا يريدون غيرها { ويسخرون من الذين آمنوا } أَيْ : فقراء المهاجرين { والذين اتقوا } الشِّرك وهم هؤلاء الفقراء { فوقهم يوم القيامة } لأنَّهم في الجنَّة ، وهي عاليةٌ ، والكافرين في النَّار ، وهي هاويةٌ { والله يرزق مَنْ يشاء بغير حساب } يريد : إِنَّ أموال قريظة والنَّضير تصيرُ إليهم بلا حسابٍ ولا قتالٍ ، بل بأسهل شيءٍ وأيسره .

(1/55)


كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)

{ كان الناس } على عهد إبراهيم عليه السَّلام { أمة واحدة } كفاراً كلَّهم { فبعث الله النبيين } إبراهيم وغيره { وأنزل معهم الكتاب } والكتابُ اسم الجنس { بالحق } بالعدل والصِّدق { ليحكم بين الناس } أَيْ : الكتابُ { فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلاَّ الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً } أَيْ : وما اختلفَ في أمر محمَّدٍ بعد وضوح الدّلالات لهم بغياً وحسداً إلاَّ اليهودُ الذين أوتوا الكتاب؛ لأنَّ المشركين - وإن اختلفوا في أمر محمَّد عليه السَّلام - فإنَّهم لم يفعلوا ذلك للبغي ، والحسد ، ولم تأتهم البيِّنات في شأن محمَّد عليه السَّلام ، كما أتت اليهود ، فاليهود مخصوصون من هذا الوجه { فهدى الله الذين آمنوا } { ل } معرفة { ما اختلفوا فيه من الحق بإذنه } بعلمه وإرادته فيهم .
{ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة . . . } الآية . نزلت في فقراء المهاجرين حين اشتدَّ الضُّرُّ عليهم؛ لأنَّهم خرجوا بلا مالٍ ، فقال الله لهم [ أَيْ لهؤلاء المهاجرين ] : أم حسبتم أن تدخلوا الجنَّة من غير بلاءٍ ولا مكروهٍ { ولما يأتكم } أَيْ : ولم يأتكم { مثل الذين خلوا } أَيْ : مثل محنة الذين مضوا { من قبلكم } أَيْ : ولم يُصبكم مثل الذي أصابهم ، فتصبروا كما صبروا { مَسَّتْهُم البأساء } الشدَّة { والضرَّاء } المرض والجوع { وزلزلوا } أَيْ : حُرِّكوا بأنواع البلاء { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله } أَيْ : حين استبطؤوا النَّصر ، فقال الله : { ألا إنَّ نصر الله قريب } أَيْ : أنا ناصر أوليائي لا محالة .
{ يسألونك ماذا ينفقون } نزلت في عمرو بن الجموح ، وكان شيخاً كبيراً وعنده مالٌ عظيمٌ ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ماذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعُها؟ فنزلت هذه الآية . قال كثيرٌ من المفسرين : هذا كان قبل فرض الزكاة ، فلمَّا فُرضت الزَّكاة نسخت الزَّكاة هذه الآية .

(1/56)


كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)

{ كتب عليكم القتال } فُرض وأوجب عليكم الجهاد { وهو كرهٌ لكم } أَيْ : مشقَّةٌ عليكم لما يدخل منه على النَّفس والمال { وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم } لأنَّ في الغزو إحدى الحسنيين؛ إمَّا الظفر والغنيمة؛ وإمَّا الشَّهادة والجنَّة { وعسى أن تحبُّوا شيئاً } أَيْ : القعود عن الغزو { وهو شرٌّ لكم } لما فيه من الذُّل والفقر ، وحرمان الغنيمة والأجر { والله يعلم } ما فيه مصالحكم ، فبادروا إلى ما يأمركم به وإنْ شقَّ عليكم .
{ يسألونك عن الشهر الحرام } نزلت في سريةٍ بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلوا المشركين وقد أهلَّ هلال رجب وهم لا يعلمون ذلك ، فاستعظم المشركون سفك الدِّماء في رجب ، فأنزل الله تعالى : { يسألونك } يعني : المشركين . وقيل : هم المسلمون { عن الشهر الحرام قتالٍ فيه } أَيْ : وعن قتالٍ فيه { قل قتالٌ فيه كبير } ثمَّ ابتدأ فقال : { وصد } ومنعٌ { عن سبيل الله } أَيْ : طاعته . يعني : صدَّ المشركين رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت الحرام عام الحديبية { وكفر به } بالله { والمسجد الحرام } أَيْ : وصدٌّ عن المسجد الحرام { وإخراج أهله } أَيْ : أهل المسجد . يعني : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين أُخرجوا من مكَّة { منه أكبرُ } وأعظم وِزْراً { عند الله والفتنة } أَيْ : والشِّرك { أكبر من القتل } يعني : قتل السِّرية المشركين في رجب { ولا يزالون } يعني : المشركين { يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم } إلى الكفر { إن استطاعوا ومن يَرْتَدِدْ منكم عن دينه } الإِسلام ، أَيْ : يرجع فيموت على الكفر { فأولئك حبطت أعمالهم . . . } الآية . [ بطلت أعمالهم ] . فقال هؤلاء السَّرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أصبنا القوم في رجب ، أنرجو أن يكون لنا أجر المجاهدين في سبيل الله؟ فأنزل الله تعالى :
{ إنَّ الذين آمنوا والذين هاجروا } فارقوا عشائرهم وأوطانهم { وجاهدوا } المشركين { في سبيل الله } في نصرة دين الله { أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم } غفر لهؤلاء السِّرية ما لم يعلموا ورحمهم ، والإِجماعُ اليوم منعقدٌ على أنَّ قتال المشركين يجوز في جميع الأشهر حلالها وحرامها .
{ يسألونك عن الخمر والميسر } نزلت في عُمَر ، ومعاذٍ ، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أفتنا في الخمر والميسر؛ فإنَّهما مَذْهَبةٌ للعقل ، مَسْلَبةٌ للمال ، فنزلت قوله عزَّ وجلَّ { يسألونك عن الخمر } وهو كلُّ مسكرٍ مخالطٍ للعقل مُغطٍّ عليه { والميسر } : القمار { قل فيهما إثم كبير } يعني : الإِثم بسببهما لما فيهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزُّور وغير ذلك { ومنافع للناس } ما كانوا يصيبونه من المال في بيع الخمر والتِّجارة فيها ، واللَّذَّة عند شربها ، ومنفعةُ الميسر ما يُصاب من القمار ، ويرتفق به الفقراء ، ثمَّ بيَّن أنَّ ما يحصل بسببهما من الإِثم أكبر من نفعهما ، فقال { وإثمهما أكبر من نفعهما } ، وليست هذه الآيةُ المُحرِّمةَ للخمر والميسر ، إنَّما المُحرِّمةُ التي في سورة المائدة ، وهذه الآية نزلت قبل تحريمها .

(1/57)


{ ويسألونك ماذا ينفقون } نزلت في سؤال عمرو بن الجموح لمَّا نزل قوله : { فللوالدين والأقربين } في سؤاله أعاد السّؤال ، وسأل عن مقدار ما ينفق؟ فنزل قوله : { قل العفو } أَيْ : ما فضل من المال عن العيال ، وكان الرَّجل بعد نزول هذه الآية يأخذ من كسبه ما يكفيه ، وينفق باقيه إلى أن فُرضت الزَّكاة ، فنسخت آية الزَّكاة التي في براءة هذه الآية وكلَّ صدقةٍ أُمروا بها قبل الزَّكاة { كذلك } أَيْ : كبيانه في الخمر والميسر ، أو في الإِنفاق { يبين الله لكم الآيات } لتتفكَّروا في أمر الدُّنيا والآخرة ، فتعرفوا فضل الآخرة على الدُّنيا .

(1/58)


فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)

{ ويسألونك عن اليتامى } كانت العرب في الجاهليَّة يُشدِّدون في أمر اليتيم ولا يُؤاكلونه ، وكانوا يتشاءمون بملابسة أموالهم ، فلمَّا جاء الإِسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقوله : { قل إصلاح لهم خير } يعني : الإِصلاح لأموالهم من غير أجرةٍ خيرٌ وأعظم أجراً { وإن تخالطوهم } تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم فتصيبوا من أموالهم عوضاً عن قيامكم بأمورهم { فإخوانكم } أَيْ : فهم إخوانكم ، والإِخوانُ يُعين بعضهم بعضاً ، ويُصيب بعضهم من مال بعضٍ ، { والله يعلم المفسد } لأموالهم { من المصلح } لها ، فاتقَّوا الله في مال اليتيم ، ولا تجعلوا مخالطتكم إيَّاهم ذريعةً إلى إفساد أموالهم وأكلها بغير حقٍّ { ولو شاء الله لأعنتكم } لضيَّق عليكم وآثمكم في مخالطتكم . ومعناه : التَّذكير بالنِّعمة في التَّوسعة { إنَّ الله عزيزٌ } في ملكه { حكيم } فيما أمر به .
{ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ } نزلت في أبي مرثد الغنويِّ ، كانت له خليلةٌ مشركةٌ ، فلمَّا أسلم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيحلُّ له أن يتزوَّج بها؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمشركات ها هنا عامَّة في كلِّ مَنْ كفرت بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم . حرَّم الله تعالى بهذه الآية نكاحهنَّ ، ثمَّ استثنى الحرائر الكتابيات بالآية التي في المائدة ، فبقي نكاح الأَمَة الكتابية على التَّحريم { ولأَمةٌ مؤمنةٌ } نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أَمَةٌ مؤمنةٌ فأعتقها وتزوَّجها ، فطعن عليه ناسٌ ، وعرضوا عليه حُرَّةً مشركةً ، فنزلت هذه الآية ، وقوله : { ولو أعجبتكم } المشركة بمالها وجمالها { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } لا يجوز تزويج المسلمة من المشرك بحالٍ { أولئك } أَي : المشركون { يدعون إلى النَّار } أَي : الأعمال الموجبة للنَّار { والله يدعو إلى الجنة والمغفرة } أَيْ : العمل الموجب للجنَّة والمغفرة { بإذنه } بأمره . يعني : إنَّه بأوامره يدعوكم .

(1/59)


وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)

{ ويسألونك عن المحيض } [ ذكر المفسرون أنَّ العرب كانت إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ، ولم يَسَّاكَنُوا معها في بيت ، كفعل المجوس ] فسأل أبو الدَّحداح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، كيف نصنع بالنِّساء إذا حضن؟ فنزلت هذه الآية ، والمحيض : الحيض { قل هو أذىً } أَيْ : قذرٌ ودمٌ { فاعتزلوا النساء في المحيض } أَيْ : مجامعتهنَّ إذا حضن { ولا تقربوهنَّ } أَيْ : ولا تجامعوهنَّ { حتى يَطَّهَّرْنَ } أي : يغتسلن ، ومَنْ قرأ : { يَطْهُرْنَ } بالتَّخفيف ، أَيْ : ينقطع عنهنَّ الدَّم ، أَيْ : توجد الطَّهارة وهي الغسل { فإذا تطهَّرن } اغتسلن { فأتوهنَّ } أَيْ : جامعوهنَّ { من حيث أمركم الله } بتجنُّبه في الحيض - وهو الفرج - { إنَّ الله يحب التوابين } من الذُّنوب و { المتطهرين } بالماء من الأحداث والجنابات .
{ نساؤكم حرثٌ لكم } أَيْ : مزرعٌ ومنبتٌ للولد { فأتوا حرثكم أنى شئتم } أَيْ : كيف شئتم ومن أين شئتم بعد أن يكون في صِمام واحدٍ ، فنزلت هذه الآية تكذيباً لليهود ، وذلك أنَّ المسلمين قالوا : إِنَّا نأتي النِّساء باركاتٍ وقائماتٍ ومستلقياتٍ ، ومن بين أيديهنَّ ، ومن خلفهنَّ بعد أن يكون المأتي واحداً ، فقالت اليهود : ما أنتم إلاَّ أمثال البهائم ، لكنَّا نأتيهنَّ على هيئةٍ واحدةٍ ، وإنَّا لنجد في التَّوراة أنَّ كلَّ إِتيانٍ يؤتى النِّساء غير الاستلقاء دنسٌ عند الله ، فأكذب الله تعالى اليهود { وقدموا لأنفسكم } أَي : العمل لله بما يحبُّ ويرضى { واتقوا الله } فيما حدَّ لكم من الجماع وأمرِ الحائض { واعلموا أنكم ملاقوه } أَيْ : راجعون إليه { وبشر المؤمنين } الذين خافوه وحذروا معصيته .
{ ولا تجعلوا الله عرضةٌ لأيمانكم } أَيْ : لا تجعلوا اليمين بالله سبحانه علَّةً مانعةً من البرِّ والتَّقوى من حيث تتعمَّدون اليمين لتعتلُّوا بها . نزلت في عبد الله بن رواحة حلف أن لا يُكلِّم ختنه ، ولا يدخل بينه وبين خصم له ، جعل يقول : قد حلفتُ أَنْ لا أفعل فلا يحلُّ لي ، وقوله : { أن تبروا } أَي : في أَنْ لا تبرُّوا ، أو لدفع أن تبرُّوا ، ويجوز أن يكون قوله : { أن تبروا } ابتداءً ، وخبره محذوف على تقدير : أن تبرُّوا وتتقوا وتصلحوا بين النَّاس أولى ، أَي : البرُّ والتُّقى أولى . { والله سيمعٌ عليمٌ } يسمع أيمانكم ، ويعلم ما تقصدون بها .
{ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } أَيْ : ما يسبق به اللِّسان من غير عقدٍ ولا قصدٍ ، ويكون كالصِّلة للكلام ، وهو مِثلُ قول القائل : لا والله ، وبلى واللَّهِ . وقيل : لغو اليمين : اليمينُ المكفَّرة ، سمِّيت لغواً لأنَّ الكفَّارة تُسقط الإِثم منه { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } أَيْ : عزمتم وقصدتم ، وعلى القول الثاني في لغو اليمين معناه : ولكن يؤاخذكم بعزمكم على ألا تبرُّوا وتعتلُّوا في ذلك بأيمانكم بأنَّكم حلفتم { والله غفورٌ حليم } يؤخِّر العقوبة عن الكفَّار والعُصاة .
{ للذين يؤلون من نسائهم } أَيْ : يحلفون أن لا يطؤوهنَّ { تربص أربعة أشهر } جعل الله تعالى الأجل في ذلك أربعة أشهر ، فإذا مضت هذه المدَّة فإمَّا أن يُطلِّق أو يطأ ، فإن أباهما جميعاً طلَّق عليه الحاكم { فإن فاؤوا } رجعوا عمَّا حلفوا عليه ، أَيْ : بالجماع { فإنَّ الله غفورٌ رحيم } يغفر له ما قد فعل ، [ ولزمته كفَّارة اليمين ] .
{ وإن عزموا الطلاق } أَيْ : طلَّقوا ولم يفيؤوا بالوطء { فإنَّ الله سميع } لما يقوله { عليمٌ } بما يفعله .

(1/60)


وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)

{ والمطلقات } أَيْ : المُخلَّيات من حبال الأزواج . يعني : البالغات المدخول بهنَّ غير الحوامل؛ لأنَّ في الآية بيان عدتهنَّ { يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } أَيْ : ثلاثة أطهار ، يعني : ينتظرن انقضاء مدة ثلاثة أطهارٍ حتى تمرَّ عليهن ثلاثة أطهارٍ ، وقيل : ثلاث حيضٍ . { ولا يحلُّ لهنَّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنَّ } يعني : الولد؛ ليبطلن حقَّ الزوج من الرَّجعة { إن كنَّ يؤمنَّ بالله واليوم الآخر } وهذا تغليظٌ عليهنَّ في إِظهار ذلك { وبعولتهن } أَيْ : أزواجهنَّ { أحقُّ بردهنَّ } بمراجعتهنَّ { في ذلك } في الأجل الذي أُمرْنَ أن يتربصن فيه { إن أرادوا إصلاحاً } لا إضراراً { ولهنَّ مثل الذي عليهن بالمعروف } أَيْ : للنِّساء على الرَّجال مثلُ الذي للرِّجال عليهنَّ من الحقِّ بالمعروف ، أَيْ : بما أمر الله من حقِّ الرَّجل على المرأة { وللرجال عليهن درجة } يعني : بما ساقوا من المهر ، وأنفقوا من المال { والله عزيز حكيم } يأمر كما أراد ويمتحن كما أحبَّ .
{ الطلاق مرتان } كان طلاقُ الجاهلية غير محصورٍ بعددٍ ، فحصر الله الطلاق بثلاثٍ ، فذكر في هذه الآية طلقتين ، وذكر الثَّالثة في الآية الأخرى ، وهي قوله : { فإن طلقها فلا تحلُّ له من بعد . . . } الآية ، وقيل : المعنى في الآية : الطَّلاق الذي يُملك فيه الرَّجعة مرَّتان .
{ فإمساك بمعروف } يعني : إذا راجعها بعد الطَّلقتين فعليه إمساكٌ بما أمر الله تعالى { أو تسريحٌ بإحسان } وهو أَنْ يتركها حتى تَبِينَ بانقضاء العِدَّة ، ولا يراجعها ضراراً { ولا يحلُّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً } لا يجوز للزَّوج أن يأخذ من امرأته شيئاً ممَّا أعطاها من المهر ليطلِّقها إلاَّ في الخُلع ، وهو قوله : { إلاَّ أن يخافا } أيْ : يعلما { ألا يُقيما حدود الله } والمعنى : إنَّ المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها بُغضاً له ، وخاف الزَّوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها حلَّ له أن يأخذ الفدية منها إذا دعت إلى ذلك { فإنْ خفتم } أيُّها الولاة والحكَّام { ألا يقيما حدود الله } يعني : الزَّوجين { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } المرأة ، لا جُناح عليها فيما أعطته ، ولا على الرَّجل فيام أخذ { تلك حدود الله } يعني : ما حدَّه من شرائع الدِّين .
{ فإن طلقها } يعني : الزوج المُطلِّق اثنتين { فلا تحلُّ له } المطلَّقة ثلاثاً { من بعد } أَيْ : من بعد التَّطليقة الثَّالثة { حتى تنكح زوجاً غيره } غير المُطلِّق [ ويجامعها ] { فإن طلقها } أَيْ : الزَّوج الثَّاني { فلا جناح عليهما أن يتراجعا } بنكاحٍ جديدٍ { إن ظنا } أَيْ : علما وأيقنا { أن يقيما حدود الله } ما بيَّن الله من حقِّ أحدهما على الآخر .

(1/61)


وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232) وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234)

{ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنَّ } أَيْ : قاربن انقضاء عدتهنَّ { فأمسكوهنَّ بمعروف } أَيْ : راجعوهنّ بإشهادٍ على الرَّجعة وعقد لها لا بالوَطْء كما يقول أبو حنيفة { أو سرحوهنَّ بمعروف } أَي : اتركوهنَّ حتى تنقضي عدتهنَّ ويكنَّ أملك بأنفسهنَّ { ولا تمسكوهنَّ ضراراً } أَيْ : لا تُراجعوهنَّ مضارَّةً وأنتم لا حاجة بكم إليهنَّ { لتعتدوا } عليهنَّ بتطويل العِدَّة { ومن يفعل ذلك } الاعتداء { فقد ظلم نفسه } ضرَّها وأثم فيما بينه وبين الله عزَّ وجلَّ { ولا تتخذوا آيات الله هزواً } كان الرَّجل يُطلِّق في الجاهليَّة ويقول : إنَّما طلَّقت وأنا لاعبٌ ، فيرجع فيها ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . { واذكروا نعمة الله عليكم } بالإِسلام { وما أنزل عليكم من الكتاب } يعني : القرآن { والحكمة } مواعظ القرآن .
{ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنَّ } انقضت عدتهنَّ { فلا تعضلوهنَّ } لا تمنعوهنَّ { أن ينكحن أزواجهنَّ } بنكاحٍ جديدٍ ، أَي : الذين كانوا أزواجاً لهنَّ . نزلت في أخت معقل بن يسار طلَّقها زوجها ، فلمَّا انقضت عدَّتها جاء يخطبها ، فأبى معقلٌ أن يُزوِّجها ومنعها بحقِّ الولاية { إذا تراضوا بينهم بالمعروف } بعقدٍ حلالٍ ومهرٍ جائزٍ { ذلك } أَيْ : أَمْرُ اللَّهِ بتَرْكِ العضل { يوعظ به مَنْ كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى } أَيْ : ترك العضل خير { لكم } وأفضلُ { وأطهر } لقلوبكم من الرِّيبة ، وذلك أنَّهما إذا كان في قلب كلِّ واحدٍ منهما علاقةُ حبِّ لم يُؤمن عليهما { والله يعلم } ما لكم فيه من الصَّلاح .
{ والوالداتُ يرضعن أولادهن } لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر ، وهو أمر استحبابٍ لا أمر إيجابٍ . يريد : إنهنَّ أحقُّ بالإِرضاع من غيرهنَّ إذا أردن ذلك { حولين } سنتين { كاملين } تامين ، وهذا تحديدٌ لقطع التَّنازع بين الزَّوجين إذا اشتجرا في مدَّة الرَّضاع . يدلُّ على هذا قوله : { لمن أراد } أَيْ : هذا التَّقدير والبيان { لمن أراد أن يتمَّ الرضاعة } ، { وعلى المولود له } أَي : الأب { رزقهن وكسوتهنَّ } رزق الوالدات ولباسهنَّ . قال المفسرون : وعلى الزَّوج رزق المرأة المُطلَّقة وكسوتها إذا أرضعت الولد { بالمعروف } بما يعرفون أنَّه عدلٌ على قدر الإِمكان ، وهو معنى قوله : { لا تكلف نفس إلاَّ وسعها } لا تلزم نفسٌ إلاَّ ما يسعها { لا تضار والدة بولدها } لا ينزع الولد منها إلى غيرها بعد أَنْ رضيت بإرضاعه ، وألفها الصَّبيُّ ، ولا تُلقيه هي إلى أبيه بعدما عرفها تُضَارُّه بذلك ، وهو قوله : { ولا مولودةٌ له بولده } ، { وعلى الوارث مثل ذلك } هذا نسقٌ على قوله : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهنَّ } بمعنى : على وارث الصبيِّ - الذي لو مات الصبيُّ وله مالٌ ورثه - مثل الذي كان على أبيه في حياته ، وأراد بالوارث مَنْ كان من عصبته كائناً من كان من الرِّجال { فإن أرادا } يعني : الأبوين { فصالاً } فطاماً للولد { عن تراضٍ منهما } قبل الحولين { وتشاور } بينهما { فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم } مراضع غير الوالدة { فلا جناح عليكم } فلا إثم عليكم { إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف } أَيْ : إذا سلَّمتم إلى الأُمِّ أجرتها بمقدار ما أرضعت .

(1/62)


{ والذين يتوفون منكم } أَيْ : يموتون { ويذرون } ويتركون [ ويُخَلِّفُون ] { أزواجاً } نساءً { يتربصن بأنفسهنَّ } خبرٌ في معنى الأمر { أربعة أشهر وعشرا } هذه المدَّة عدَّة المُتوفَّى عنها زوجها إلاَّ أن تكون حاملاً { فإذا بلغن أجلهنَّ } انقضت عدَّتهنَّ { فلا جناح عليكم } أيُّها الأولياء { فيما فعلن في أنفسهنَّ بالمعروف } أَيْ : مِنْ تزوُّج الأكفاء بإذن الأولياء . هذا تفسير المعروف ها هنا ، لأنَّ التي تُزَوِّج نفسها سمَّاها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم زانية ، وهذه الآية ناسخةٌ لقوله تعالى : { متاعاً إلى الحول غير إخراج } الآية .

(1/63)


وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)

{ ولا جناح عليكم فيما عرَّضتم به } أَيْ : تكلَّمتم به من غير تصريح ، وهو أن يُضمِّن الكلام دلالةً على ما يريد { من خطبة النساء } أَي : التماس نكاحهنَّ في العدَّة . يعني : المتوفَّى عنها الزَّوج يجوز التعريض بخطبتها في العدَّة ، وهو أن يقول لها وهي في العدَّة : إنَّك لجميلةٌ ، وإنَّك لنافقةٌ ، وإنَّك لصالحةٌ ، وإنَّ من عزمي أَنْ أتزوَّج ، وما اشبه ذلك { أو أَكْنَنْتُمْ } أسررتم وأضمرتم { في أنفسكم } من خطبتهنَّ ونكاحهنَّ { علم الله أنكم ستذكرونهنَّ } يعني : الخطبة { ولكن لا تواعدوهن سراً } أَيْ : لا تأخذوا ميثاقهنَّ أن لا ينكحن غيركم { إلاَّ أن تقولوا قولاً معروفاً } أَي : التَّعرض بالخطبة كما ذكرنا { ولا تعزموا عقدة النكاح } أيْ : لا تصححوا عقدة النِّكاح { حتى يبلغ الكتاب أجله } حتى تنقضي العدَّة المفروضة { واعلموا أنَّ الله يعلم ما في أنفسكم } أَيْ : مُطَّلعٌ على ما في ضمائركم . { فاحذروه } فخافوه .

(1/64)


لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242)

{ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنَّ } نزلت في رجلٍ من الأنصار تزوَّج امرأة ولم يسمِّ لها مهراً ، ثمَّ طلَّقها قبل أن يمسَّها ، فأعلم الله تعالى أنَّ عقد التَّزويج بغير مهرٍ جائز ، ومعناه : لا سبيل للنِّساء عليكم إنْ طلقتموهنَّ من قبل المسيس والفرض بصداقٍ ولا نفقة ، وقوله : { أو تفرضوا لهنَّ فريضة } أَيْ : تُوجبوا لهنَّ صداقاً { ومتعوهنَّ } أَيْ : زوِّدوهنَّ وأعطوهنَّ من ما لكم ما يتمتَّعْنَ به ، فالمرأة إذا طُلِّقت قبل تسمية المهر وقبل المسيس فإنَّها تستحق المتعة بإجماع العلماء ، ولا مهرَ لها و { على الموسع } أَي : الغنيِّ الذي يكون في سعةٍ من غناه { قدره } أَيْ : قدر إمكانه { وعلى المقتر } الذي في ضيق من فقره قدر إمكانه . أعلاها خادم ، وأوسطها ثوب ، وأقلُّها أقلُّ ماله ثمن . قال الشافعيُّ : وحسنٌ ثلاثون درهماً . { متاعاً } أَيْ : متعوهنَّ متاعاً { بالمعروف } بما تعرفون أنَّه القصد وقدر الإِمكان { حقاً } واجباً { على المحسنين } .
{ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهنَّ } هذا في المُطلَّقة بعد التَّسمية وقبل الدُّخول ، حكم الله تعالى لها بنصف المهر ، وهو قوله : { فنصف ما فرضتم } أَيْ : فالواجبُ نصف ما فرضتم { إلاَّ أن يعفون } أَي : النِّساء ، أَيْ : إلاَّ أَنْ يتركن ذلك النِّصف ، فلا يُطالبن الأزواج به { أو يعفو الذي بيده عقده النكاح } أَي : الزَّوج لا يرجع في شيءٍ من المهر ، فيدع لها المهر الذي وفَّاه عملاً { وأن تعفو } خطابٌ للرِّجال والنِّساء { أقرب للتقوى } أَيْ : أدعى إلى اتِّقاء معاصي الله؛ لأنَّ هذا العفو ندبٌ ، فإذا انتدب المرء له عُلم إنَّه - لما كان فرضاً - أشدُّ استعمالاً { ولا تنسوا الفضل بينكم } لا تتركوا أن يتفضَّل بعضكم على بعض . هذا أمرٌ للزَّوج والمرأة بالفضل والإِحسان .
{ حافظوا على الصلوات } بأدائها في أوقاتها { والصلاة الوسطى } أَيْ : صلاة الفجر ، [ لأنَّها بين صلاتي ليلٍ وصلاتي نهارٍ ] أفردها بالذِّكر تخصيصاً { وقوموا لله قانتين } مُطيعين .
{ فإن خفتم فرجالاً } أَيْ : إن لم يمكنكم أن تصلُّوا موفِّين للصَّلاة حقًَّها فصلُّوا مُشاةً على أرجلكم { أو ركباناً } على ظهور دوابِّكم ، وهذا في المطاردة والمسايفة { فإذا أمنتم فاذكروا الله } أَيْ : فصلُّوا الصَّلوات الخمس تامَّةً بحقوقها { كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون } كما افترض عليكم في مواقيتها .
{ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية } فعليهم وصيةٌ { لأزواجهم } لنسائهم ، وهذا كان في ابتداء الإِسلام لم يكن للمرأة ميراثٌ من زوجها ، وكان على الزَّوج أن يُوصي لها بنفقة حولٍ ، فكان الورثة ينفقون عليها حولاً ، وكان الحول عزيمةً عليها في الصَّبر عن التَّزوُّج ، وكانت مُخيَّرة في أن تعتدَّ إن شاءت في بيت الزَّوج ، وإن شاءت خرجت قبل الحول وتسقط نفقتها ، فذلك قوله : { متاعاً إلى الحول } أَيْ : متعوهنَّ متاعاً .

(1/65)


يعني : النَّفقة { غير إخراجٍ } أَيْ : من غير إخراج الورثة إيَّاها { فإن خرجن فلا جناح عليكم } يا أولياء الميِّت في قطع النَّفقة عنهنَّ ، وترك منعها عن التَّشوف للنَّكاح والتَّصنُّع للأزواج ، وذلك قوله : { فيما فعلن في أنفسهنَّ من معروف } وهذا كلُّه منسوخٌ بآية المواريث وعدَّةِ المتوفى عنها زوجها .
{ وللمطلقات متاعٌ بالمعروف حقاً على المتقين } لمَّا ذكر الله تعالى متعة المُطلَّقة في قوله : { حقاً على المحسنين } قال رجلٌ من المسلمين : إنْ أحسنتُ فعلتُ ، وإن لم أُرد ذلك لم أفعل ، فأوجبها الله تعالى على المتقين . الذين يتَّقون الشِّرك .
{ كذلك يبين الله لكم آياته } شبّه اللَّهُ البيانَ الذي يأتي بالبيان الذي مضى في الأحكام التي ذكرها .

(1/66)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)

{ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } ألم تعلم ، ألم ينته علمك إلى هؤلاء ، وهم قومٌ من بني إسرائيل خرجوا من بلدتهم هاربين من الطَّاعون ، حتى نزلوا وداياً فأماتهم الله جميعاً ، فذلك قوله : { حذر الموت } أَيْ : لحذر الموت { فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم } مقتهم الله على فرارهم من الموت ، فأماتهم عقوبةً لهم ثمَّ بعثهم ليستوفوا بقيَّة آجالهم { إنَّ الله لذو فضل على الناس } أَيْ : تفضُّلٍ عليهم بأَنْ أحياهم بعد موتهم .
{ وقاتلوا في سبيل الله } يحرِّض المؤمنين على القتال { واعلموا أنَّ الله سميعٌ } لما يقوله المُتعلِّل { عليمٌ } بما يضمره ، فإيَّاكم والتَّعلُّلَ .
{ مَنْ ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً } أَيْ : مَنْ ذا الذي يعمل عمل المُقرض ، بأن يقدِّم من ماله فيأخذ أضعاف ما قدَّم ، وهذا استدعاءٌ من الله تعالى إلى أعمال البرِّ { والله يقبض } أَيْ : يُمسك الرِّزق على مَنْ يشاء { ويبسط } أي : ويوسِّع على من يشاء .
{ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل } أَي : إلى الجماعة { إذ قالوا لنبيٍّ لهم ابعث لنا ملكاً } سألوا نبيَّهم أشمويل عليه السَّلام ملكاً تنتظم به كلمتهم ، ويستقيم حالهم في جهاد عدوِّهم ، وهو قوله : { نقاتل في سبيل الله } { فقال } لهم ذلك النَّبيُّ : { هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا } أَيْ : لعلَّكم أَنْ تجبنوا عن القتال { قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله } أَيْ : وما يمنعنا عن ذلك؟ { وقد أخرجنا من ديارنا } { و } أُفردنا من { أبنائنا } بالسِّبي والقتل . يعنون : إذا بلغ الأمر منَّا هذا فلا بدَّ من الجهاد . قال الله تعالى : { فلما كتب عليهم القتال تولوا إلاَّ قليلاً منهم } وهم الذين عبروا النَّهر ، ويأتي ذكرهم .
{ وقال لهم نبيُّهم إنَّ الله قد بعث لكم طالوت ملكاً } أَيْ : قد أجابكم إلى ما سألتم من بعث الملك { قالوا } كيف يملك علينا؟ وكان من أدنى بيوت بني إسرائيل ، ولم يكن من سبط المملكة ، فأنكروا ملكه وقالوا : { ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } أَيْ : لم يُؤت ما يتملَّك به الملوك { قال } النبيُّ : { إنَّ الله اصطفاه عليكم } [ اختاره ] بالملك { وزاده بسطة في العلم والجسم } كان طالوت يومئذٍ أعلم رجلٍ في بني إسرائيل وأجمله وأتمَّه . والبسطة : الزِّيادة في كلِّ شيء { والله يؤتي ملكه من يشاء } ليس بالوراثة { والله واسع } أَيْ : واسع الفضل والرِّزق والرَّحمة ، فسألوا نبيَّهم على تمليك طالوت آيةً .

(1/67)


وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)

{ قال لهم نبيُّهم إنَّ آية ملكه أن يأتيكم التابوت } وكان تابوتاً أنزله الله تعالى على آدم عليه السَّلام فيه صور الأنبياء عليهم السَّلام ، كانت بنو إسرائيل يستفتحون به على عدوِّهم ، فغلبتهم العمالقة على التَّابوت ، فلمَّا سألوا نبيَّهم البيِّنة على ملك طالوت قال : إنَّ آية ملكه أن يردَّ الله تعالى التَّابوت عليكم ، فحملت الملائكة التَّابوت حتى وضعته في دار طالوت ، وقوله : { فيه سكينة من ربكم } أَيْ : طمأنينةٌ . كانت قلوبهم تطمئنُّ بذلك ، ففي أيِّ مكانٍ كان التَّابوت سكنوا هناك ، وكان ذلك من أمر الله تعالى { وبقيةٌ ممَّا ترك آل موسى وآل هارون } أَيْ : تركاه هما ، وكانت البقيَّة نعلي موسى وعصاه وعمامة هارون ، وقفيزاً من المنِّ الذي كان ينزل عليهم { تحمله الملائكة } أَي : التَّابوت . { إنَّ في ذلك لآية } أَيْ : في رجوع التَّابوت إليكم علامة أنَّ الله قد ملَّك طالوت عليكم { إن كنتم مؤمنين } أَيْ : مصدِّقين .
{ فلما فصل طالوت بالجنود } أَيْ : خرج بهم من الموضع الذي كانوا فيه إلى جهاد العدوِّ { قال } لهم طالوت : { إنَّ الله مبتليكم } أَيْ : مُختبركم ومُعاملكم مُعاملة المختبر { بنهرٍ } أَيْ : بنهر فلسطين ليتميِّز المحقِّق ومَنْ له نيَّةٌ في الجهاد من المُعذِّر { فمن شرب منه } أَيْ : من مائه { فليس مني } أَيْ : من أهل ديني { ومن لم يطعمه } لم يذقه { فإنَّه مني إلاَّ مَن اغترف غرفة بيده } أَيْ : مرَّةً واحدةً ، أَيْ : أخذ منه بجرَّةٍ أو قِربةٍ وما أشبه ذلك مرَّةً واحدةً ، قال لهم طالوت : مَنْ شرب من النَّهر وأكثر فقد عصى الله ، ومن اغترف غرفة بيده أقنعته ، فهجموا على النَّهر بعد عطشٍ شديدٍ ، ووقع أكثرهم في النَّهر وأكثروا الشُّرب ، فهؤلاء جَبُنوا عن لقاء العدو ، وأطاع قومٌ قليلٌ عددهم فلم يزيدوا على الاغتراف ، فقويت قلوبهم وعبروا النَّهر ، فذلك قوله : { فشربوا منه إلاَّ قليلاً منهم } وكانوا ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً { فلما جاوزه } أَي : النَّهر { هو والذين آمنوا معه قالوا } يعني : الذين شربوا وخالفوا أمر الله تعالى : { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال } يعني : القليل الذين اغترفوا وهم { الذين يظنون } أَيْ : يعلمون { أنهم ملاقو الله } أَيْ : راجعون إليه : { كم مِنْ فئة قليلة } أَيْ : جماعةٍ قليلةٍ { غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } بالمعونة والنَّصر .
{ ولما برزوا } أَيْ : خرجوا { لجالوت وجنوده } أَيْ : لقتالهم { قالوا ربنا أفرغ } أصببْ { علينا صبراً وثبت أقدامنا } بتقوية قلوبنا .
{ فهزموهم } فردُّوهم وكسروهم { بإذن الله } بقضائه وقدره { وقتل داود } النَّبيُّ ، وكان في عسكر بني إسرائيل { جالوت } الكافر { وآتاه الله الملك } [ أعطى الله داود ملك بني إسرائيل ] { والحكمة } أَيْ : جمع له الملك والنُّبوَّة { وعلَّمه مما يشاء } صنعة الدُّروع ومنطق الطَّير { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } لولا دفع الله بجنود المسلمين لغلب المشركون على الأرض ، فقتلوا المؤمنين وخرَّبوا البلاد والمساجد .
{ تلك آيات الله } أَيْ : هذه الآيات التي أخبرتك بها آيات الله ، أَيْ : علامات توحيده { وإنك لمن المرسلين } أَيْ : أنت من هؤلاء الذين قصصتُ عليك آياتهم .

(1/68)


تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)

{ تلك الرسل } أَيْ : جماعة الرُّسل { فضلنا بعضهم على بعض } أَيْ : لم نجعلهم سواءً في الفضيلة وإن استووا في القيام بالرِّسالة { منهم مَنْ كلَّم الله } وهو موسى عليه السَّلام { ورفع بعضهم درجات } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم أُرسل إلى النَّاس كافَّةً { وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس } مضى تفسيره ، { ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم } أَيْ : من بعد الرُّسل { من بعد ما جاءتهم البينات } من بعد ما وضحت لهم البراهين { ولكن اختلفوا فمنهم مَنْ آمن } ثبت على إيمانه { ومنهم مَنْ كفر } كالنَّصارى بعد المسيح اختلفوا فصاروا فِرقاً ، ثمَّ تحاربوا { ولو شاء الله ما اقتتلوا } كرَّر ذكر المشيئة باقتتالهم تكذيباً لمن زعم أنَّهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم ، لم يجرِ به قضاءٌ من الله { ولكنَّ الله يفعل ما يريد } فيوفِّقُ مَنْ يشاء فضلاً ، ويخذل من يشاء عدلاً .
{ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا ممَّا رزقناكم } أَي : الزَّكاة المفروضة ، وقيل : أراد النَّفقة في الجهاد { من قبل أن يأتي يومٌ لا بيع فيه } يعني : يوم القيامة . يعني : لا يؤخذ في ذلك اليوم بدَلٌ ولا فداءٌ { ولا خلة } ولا صداقةٌ { ولا شفاعة } عمَّ نفي الشَّفاعة لأنَّه عنى الكافرين بأنَّ هذه الأشياء لا تنفعهم ، ألا ترى أنَّه قال : { والكافرون هم الظالمون } أَيْ : هم الذين وضعوا أمر الله في غير موضعه .
{ الله لا إله إلاَّ هو الحي } الدَّائم البقاء { القيوم } القائم بتدبير أمر الخلق في إنشائهم وأرزاقهم { لا تأخذه سنة } وهي أوَّل النُّعاس { ولا نوم } وهو الغشية الثَّقيلة { له ما في السموات وما في الأرض } مِلكاً وخلقاً { مَنْ ذا الذي يشفع عنده إلاَّ بإذنه } أَيْ : لا يشفع عنده أحدٌ إلاَّ بأمره ، إبطالاً لزعم الكفَّار أنَّ الأصنام تشفع لهم { يعلم ما بين أيديهم } من أمر الدُّنيا { وما خلفهم } من أمر الآخرة . { ولا يحيطون بشيء من علمه } أَيْ : لا يعلمون شيئاً من معلوم الله تعالى : { إلاَّ بما شاء } إلاَّ بما أنبأ الله به الأنبياء وأطلعهم عليه { وسع كرسيه السموات والأرض } أي : احتملهما وأطاقهما . يعني : ملكه وسلطانه . وقيل : هو الكرسيُّ بعينه ، وهو مشتمل بعظمته على السَّموات والأرض . وروي عن ابن عباس أنَّ كرسيه علمه . { ولا يَؤُوْدُهُ } أَيْ : لا يُجهده ولا يُثقله { حفظهما } أَيْ : حفظ السَّموات والأرض { وهو العليُّ } بالقدرة ونفوذ السُّلطان عن الأشباه والأمثال { العظيم } عظيم الشَّأن .

(1/69)


لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)

{ لا إكراه في الدِّين } بعد إسلام العرب؛ لأنهم أُكرهوا على الإِسلام فلم يُقبل منهم الجزية؛ لأنَّهم كانوا مشركين ، فلمَّا أسلموا أنزل الله تعالى هذه الآية . { قد تبين الرشد من الغي } ظهر الإِيمان من الكفر ، والهدى من الضَّلالة بكثرة الحجج { فمن يكفر بالطاغوت } بالشَّيطان والأصنام { ويؤمن بالله } واليوم الآخر { فقد استمسك } أَيْ : تمسَّك { بالعروة الوثقى } عقد لنفسه عقداً وثيقاً ، وهو الإِيمان وكلمة الشَّهادتين { لا انفصام لها } أي : لا انقطاع لها { والله سميع } لدعائك يا محمَّدُ أيَّايَ بإسلام أهل الكتاب ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّ إسلام أهل الكتاب الذين حول المدينة ، ويسأل الله ذلك { عليم } بحرصك واجتهادك .
{ والله وليُّ الذين آمنوا } أَيْ : ناصرهم ومتولِّي أمورهم { يخرجهم من الظلمات } من الكفر والضَّلالة إلى الإِيمان والهداية { والذين كفروا } أي : اليهود { أولياؤهم الطاغوت } يعني : رؤساءهم كعب بن الأشرف وحُيي بن أخطب { يخرجونهم من النور } يعني : ممَّا كانوا عليه من الإِيمان بمحمدٍ عليه السَّلام قبل بعثه { إلى الظلمات } إلى الكفر به بعد بعثه .
{ ألم تر إلى الذي حاجَّ } جادل وخاصم { إبراهيم في ربه } حين قال له : مَنْ ربُّك؟ { أن آتاه الله الملك } أي : الملك الذي آتاه الله . يريد : بطرُ الملك حمله على ذلك ، وهو نمروذ بن كنعان { إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت } فقال عدو الله : { أنا أحيي وأميت } فعارضه بالاشتراك في العبارة من غير فعل حياةٍ ولا موتٍ ، فلما لبَّس في الحجَّة بأنْ قال : أنا أفعل ذلك احتجَّ إبراهيم عليه بحجَّةٍ لا يمكنه فيها أن يقول : أنا أفعل ذلك ، وهو قوله : { قال إبراهيم فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر } أي : انقطع وسكت .

(1/70)


أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)

{ أو كالذي مرَّ على قرية } [ عطفٌ على المعنى لا على اللفظ ، كأنه قال : أرأيت الذي حاجَّ ، أو كالذي مرَّ ] وهو عزيرٌ { على قرية } وهي إيليا { وهي خاوية } ساقطةٌ مُتهدِّمةٌ { على عروشها } أي : سقوفها { قال : أنى يحيي هذه الله } أَيْ : من أين يُحيي هذه الله { بعد موتها } يعمرها بعد خرابها؟! استبعد أَنْ يفعل الله ذلك ، فأحبَّ الله أن يُريه آيةً في نفسه في إحياء القرية { فأماته الله مائة عام } وذلك أنه مرَّ بهذه القرية على حمارٍ ومعه ركوة عصيرٍ ، وسلةُ تينٍ ، فربط حماره ، وألقى الله عزَّ وجلَّ عليه النَّوم ، فلمَّا نام نزع الله عزَّ وجلَّ روحه مائة سنةٍ ، فلمَّا مضت مائة سنةٍ أحياه الله تعالى ، وذلك قوله : { ثمَّ بعثه } { قال كم لبثت } كم أقمت ومكثت ها هنا؟ { قال : لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك } أَي : التِّين { و } إلى { شرابك } أي : العصير { لم يتسنَّه } أَيْ : لم يتغيَّر ولم ينتن بعد مائة سنةٍ ، وأراه علامة مكثه مائة سنةٍ . ببلى عظام حماره ، فقال : { وانظر إلى حمارك } فرأى حماره ميتاً ، عظامه بيضٌ تلوح { ولنجعلك آية للناس } الواو زائدة ، والمعنى : لبثتَ مائة عامٍ لنجعلك آيةً للنَّاس ، وكونه آيةً أَنْ بعثه شابّاً أسود الرَّأس واللِّحية ، وبنو بنيه شِيبٌ { وانظر إلى العظام } أَيْ : عظام حماره { كيف نُنْشِزُها } أَيْ : نحييها ، يقال : أَنشرَ اللَّهُ الموتى ، وقرىء : { ننشزها } أَيْ : نرفعها من الأرض ، ونشوز كلِّ شيءٍ : ارتفاعه { ثم نكسوها لحماً فلما تبيَّن له } شاهدَ ذلك { قال : أعلم أنَّ الله على كلِّ شيء قدير } أَيْ : أعلم العلم الذي لا يعترض عليه الإِشكال ، وتأويله : إنِّي قد علمت مُشاهدةً ما كنت أعلمه غيباً . { وإذ قال إبراهيم ربِّ أرني كيف تحيي الموتى } وذلك أنَّه رأى جيفةً ساحل البحر يتناولها سباع الطير والوحش ودوابُّ البحر ، ففكَّر كيف يجتمع ما قد تفرَّق منها ، وأحبَّ أن يرى ذلك ، فسأل الله تعالى أن يُريه إحياء الموتى ، فقال الله تعالى : { أو لم تؤمن } ألست آمنت بذلك؟ { قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } بالمُعاينة بعد الإِيمان بالغيب { قال : فخذ أربعة من الطير } طاوُساً ونسراً وغراباً وديكاً { فصرهنَّ إليك } أَيْ : قطِّعهنَّ ، كأنَّه قال : خذ إليك أربعة من الطَّير فقطعهنَّ { ثمَّ اجعل على كلِّ جبلٍ منهنَّ جزءاً } ثمَّ أُمر أن يخلط ريشها ولحومها ، ثمَّ يفرِّق أجزاءها بأن يجعلها على أربعة أجبلٍ ففعل ذلك إبراهيم ، وأمسك رؤوسهنَّ عنده ، ثمَّ دعاهنَّ فقال : تعالين بإذن الله ، فجعلت أجزاء الطُّيور يطير بعضها إلى بعض حتى تكاملت أجزاؤها ، ثمَّ أقبلن على رؤوسهنّ فذلك قوله : { ثم ادعهنَّ يأتينك سعياً واعلم أنّ الله عزيز } لا يمتنع عليه ما يريد { حكيم } فيما يدبِّر ، فلمَّا ذكر الدَّلالة على توحيده بما أتى الرُّسل من البيِّنات حثٍّ على الجهاد والإِنفاق فيه .

(1/71)


مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)

{ مثلُ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله . . . } الآية ، أَيْ : مَثلُ صدقاتهم وإنفاقهم { كمثل حبَّةٍ أنبتت سبع سنابل . . . } الآية ، يريد أنَّه يضاعف الواحد بسبع مائةٍ ، وجعله كالحبَّة تنبت سبع مائة حبَّةٍ ، ولا يشترط وجود هذا؛ لأنَّ هذا على ضرب المثل .
{ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منَّاً . . . } الآية ، وهو أن يقول : أحسنتُ إلى فلانٍ ونعشته ، وجبرت خلله ، يمنُّ بما فعل { ولا أذىً } وهو أن يذكر إحسانه لمن لا يحبُّ الذي أُحسن إليه وقوفه عليه .
{ قول معروفٌ } كلامٌ حسنٌ وردٌّ على السَّائل جميل { ومغفرة } أَيْ : تجاوزٌ عن السَّائل إذا استطال عليه عند ردِّه { خيرٌ من صدقةٍ يتبعها أذى } أَيْ : مَنٌّ وتعييرٌ للسَّائل بالسُّؤال ، { والله غنيٌّ } عن صدقة العباد { حليم } إذ لم يعجِّل بالعقوبة على مَنْ يمنُّ .
{ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم } أَيْ : ثوابها { بالمنِّ } وهو أنْ يمنَّ بما أعطى { والأذى } وهو أن يوبِّخ المُعطي المُعطى له { كالذي ينفق } أَيْ : كإبطاله رياء النَّاس ، وهو المُنافق يعطي ليوهم أنَّه مؤمنٌ { فمثله } أَيْ : مَثلُ هذا المنافق { كمثل صفوانٍ } وهو الحجر الأملس { عليه ترابٌ فأصابه وابل } مطرٌ شديدٌ { فتركه صلداً } برَّاقاً أملس . وهذا مَثلٌ ضربه الله تعالى للمانِّ والمنافق ، يعني : إنَّ النَّاس يرون في الظَّاهر أنَّ لهؤلاء أعمالاً كما يُرى التُّراب على هذا الحجر ، فإذا كان يوم القيامة اضمحلَّ كلُّه وبطل ، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان ، فلا يقدر أحدٌ من الخلق على ذلك التُّراب ، كذلك هؤلاء إذا قدموا على ربِّهم لم يجدوا شيئاً ، وهو قوله جلَّ وعزَّ : { لا يقدرون على شيء } أَيْ : على ثواب شيءٍ { مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين } لا يجعل جزاءهم على كفرهم أن يهديهم ، [ ثمَّ ضرب مثلاً لمن ينفق يريد ما عند الله ولا يمنُّ ولا يؤذي فقال ] :
{ ومَثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً } أَيْ : يقيناً وتصديقاً { من أنفسهم } بالثَّواب لا كالمنافق الذي لا يؤمن بالثَّواب { كمثل جنة بربوةٍ } وهي ما ارتفع من الأرض ، وهي أكثر ريعاً من المستفل { أصابها وابلٌ } وهو أشدُّ المطر { فآتت } أعطت { أكلها } ما يؤكل منها { ضِعْفَيْن } أَيْ : حملت في سنة من الرَّيع ما يحمل غيرها في سنتين { فإن لم يصبها وابلٌ } وهو أشدُّ المطر ، وأصابها طلٌّ وهو المطر الضعيف ، فتلك حالها في البركة ، يقول : كما أنَّ هذه الجنَّة تُثمر في كلِّ حالٍ ولا يخيب صاحبها قلَّ المطر أو كَثُر ، كذلك يضعف الله ثواب صدقة المؤمن قلَّت نفقته أم كثرت ، ثمَّ قرَّر مَثَل المُرائي في النَّفقة والمُفرِّط في الطَّاعة إلى أَنْ يموت .

(1/72)


أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)

{ أيودُّ أحدكم . . . } الآية ، يقول : مثلُهم كمثل رجلٍ كانت له جنَّةٌ فيها من كلِّ الثمرات { وأصابه الكبر } فضعف عن الكسب ، وله أطفال لا يجدون عليه ولا ينفعونه { فأصابها إعصار } وهي ريحٌ شديدةٌ { فيه نارٌ فاحترقت } ففقدها أحوج ما كان إليها عند كبر السِّنِّ وكثرة العيال وطفولة الولد ، فبقي هو وأولاده عجزةً مُتحيِّرين { لا يقدرون على } حيلةٍ ، كذلك يُبطل الله عمل المنافق والمرائي حتى لا توبة لهما ولا إقالة من ذنوبهما { كذلك يبين الله } كمثل بيان هذه الأقاصيص { يبين الله لكم الآيات } في أمر توحيده .
{ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم } نزلت في قومٍ كانوا يتصدَّقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم ، والمراد بالطَّيِّبات ها هنا الجياد الخيار ممَّا كسبتم ، أَيْ : التِّجارة { وممَّا أخرجنا لكم من الأرض } يعني : الحبوب التي يجب فيها الزَّكاة { ولا تيمموا } أَيْ : لا تقصدوا { الخبيث منه تنفقون } أَيْ : تنفقونه { ولستم بآخذيه إلاَّ أن تغمضوا } أَيْ : بآخذي ذلك الخبيث لو أُعطيتم في حقٍّ لكم إلاَّ بالإِغماض والتَّساهل ، وفي هذا بيانُ أنَّ الفقراء شركاء ربِّ المال ، والشَّريك لا يأخذ الرَّديء من الجيِّد إلاَّ بالتَّساهل .
{ الشيطانُ يعدكم الفقر } أَيْ : يُخوِّفكم به . يقول : أَمسك مالك؛ فإنَّك إنْ تصدَّقت افتقرت { ويأمركم بالفحشاء } بالبخل ومنه الزَّكاة { والله يعدكم } أَنْ يجازيكم على صدقتكم { مغفرة } لذنوبكم وأَنْ يُخلف عليكم .
{ يؤتي الحكمة } علم القرآن والفهم فيه . وقيل : هي النُّبوَّة { من يشاء } . { وما يذكر إلاَّ أولوا الألباب } أَيْ : وما يتَّعظ إلاَّ ذوو العقول .

(1/73)


وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)

{ وما أنفقتم من نفقة } أدَّيتم من زكاة { أو نذرتم من نذر } في صدقة التَّطوُّع ، أَيْ : نويتم أن تصَّدَّقوا بصدقة { فإن الله يعلمه } يجازي عليه { وما للظالمين من أنصار } وعيدٌ لمَنْ أنفق في غير الوجه الذي يجوز له من رياءٍ أو معصيةٍ ، أو من مال مغصوبٍ .
{ إنْ تبدوا الصدقات . . . } الآية . سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : صدقة السرِّ أفضلُ أم صدقة العلانيَة؟ فنزلت هذه الآية ، والمفسرون على أنَّ هذه الآية في التَّطوُّع لا في الفرض ، فإِنَّ الفرضَ إظهاره أفضل ، وعند بعضهم الآية عامَّةٌ في كلِّ صدقةٍ ، وقوله : { ويكفر عنكم من سيئاتكم } أَيْ : يغفرها لكم ، و " مِنْ " للصلة والتأكيد .
{ ليس عليك هداهم } نزلت حين سألت قُتيلة أمُّ أسماء بنت أبي بكر ابنتها أن تعطيها شيئاً وهي مشركةٌ ، فأبت وقالت : حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية . والمعنى : ليس عليك هُدى مَن خالفك فمنعهم الصَّدقة ليدخلوا في الإسلام { وما تنفقوا من خيرٍ } أَيْ : مالٍ : { فلأنفسكم } ثوابه { وما تنفقون إلاَّ ابتغاء وجه الله } خبرٌ والمراد به الأمر . وقيل : هو خاصٌّ في المؤمنين ، أَي : قد علم الله ذلك منكم { وما تنفقوا من خيرٍ } [ من مالٍ على فقراء أصحاب الصُّفَّة ] . { يوفَّ لكم } أًيْ : يوفَّر لكم جزاؤه { وأنتم لا تظلمون } أَيْ : لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً .

(1/74)


لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)

{ للفقراء } أَيْ : هذه الصَّدقات والإِنفاق التي تقدَّم ذكرها { للفقراء الذين أحصروا } أَيْ : حُبسوا ، أَيْ : هم فعلوا ذلك . حبسوا أنفسهم { في سبيل الله } في الجهاد . يعني : فقراء المهاجرين { لا يستطيعون ضرباً } أَيْ : سيراً { في الأرض } لا يتفرَّغُون إلى طلب المعاش؛ لأنهم قد ألزموا أنفسهم أمر الجهاد ، فمنعهم ذلك من التَّصرُّف ، حثَّ الله تعالى المؤمنين على الإِنفاق عليهم { يحسبهم الجاهل } يخالهم { أغنياء من التعفف } عن السُّؤال { تعرفهم بسيماهم } بعلامتهم ، التَّخشُّع والتَّواضع وأثر الجهد { لا يسألون الناس إلحافاً } أَيْ : إلحاحاًً . إذا كان عندهم غداءٌ لم يسألوا عشاءً ، وإذا كان عندهم عَشاءٌ لم يسألوا غداءً .
{ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار . . . } الآية . نزلت في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كان عنده أربعة دراهم لا يملك غيرها ، فَتَصدَّق بدرهمٍ سرَّاً ، ودرهمٍ علانيةً ، ودرهمٍ ليلاً ، ودرهمٍ نهاراً .
{ الذين يأكلون الربا } أيْ : يُعاملون به ، فَنَبَّه بالأكل على غيره { لا يقومون } من قبورهم يوم القيامة { إلاَّ كما يقوم الذي يتخبَّطه الشيطان } يصيبه بجنونٍ { من المس } من الجنون ، وذلك أنَّ آكل الرِّبا يُبعث يوم القيامة مجنوناً { ذلك } أَيْ : ذلك الذي نزل بهم { بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا } وهو أنَّ المشركين قالوا : الزِّيادة على رأس المال بعد مَحِلِّ الدَّين كالزِّيادة بالرِّبح في أوَّل البيع ، فكذَّبهم الله تعالى فقال : { وأحلَّ الله البيع وحرَّم الربا فمن جاءه موعظة من ربه } أَيْ : وُعظ { فانتهى } عن أكل الرِّبا { فله ما سلف } أَّيْ : ما أكل من الرِّبا ، ليس عليه ردُّ ما أخذ قبل النَّهي { وأمره إلى الله } والله وليُّ أمره { ومَنْ عاد } إلى استحلال الرِّبا { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } .
{ يمحق الله الربا } أَيْ : ينقصه ويذهب بركته وإن كان كثيراً ، كما يمحق القمر { ويربي الصدقات } يربيها لصاحبها كما يُربي أحدكم فصيله { والله لا يحبُّ كل كفار } بتحريم الرِّبا مستحلٍّ له { أثيم } فاجر بأكله [ مُصِرٍّ عليه ] .

(1/75)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)

{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا } نزلت في العباس وعثمان رضي الله عنهما طلباً رباً لهما كانا قد أسلفا قبل نزول التَّحريم ، فلمَّا نزلت هذه الآية سمعا وأطاعا ، وأخذا رؤوس أموالهما ، ومعنى الآية : تحريم ما بقي ديناً من الرِّبا ، وإيجاب أخذ رأس المال دون الزِّيادة على جهة الرِّبا ، وقوله : { إن كنتم مؤمنين } أَيْ : إنَّ مَنْ كان مؤمناً فهذا حكمه .
{ فإن لم تفعلوا } فإن لم تذروا ما بقي من الرِّبا { فأذنوا } فاعلموا { بحرب من الله ورسوله } أَيْ : فأيقنوا أنَّكم في امتناعكم من وضع ذلك حربٌ لله ورسوله { وإن تبتم } عن الرِّبا { فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون } بطلب الزِّيادة { ولا تُظلمون } بالنُّقصان عن رأس المال .
{ وإنْ كان ذو عسرة } أَيْ : وإن وقع غريم ذو عسرة ] { فنظرةٌ } أَيْ : فعليكم نظرةٌ ، أَيْ : تأخيرٌ { إلى ميسرة } إلى غنىً ووجود المال { وأن تصدقوا } على المعسرين برأس المال { خيرٌ لكم } .
{ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله } يعني : يوم القيامة تُرَدُّون فيه إلى الله { ثمَّ توفى كلُّ نفسٍ ما كسبت } أَيْ : جزاء ما كسبت من الأعمال { وهم لا يظلمون } لا ينقصون شيئاً ، فلمَّا حرَّم الله تعالى الرِّبا أباح السِّلَم فقال :
{ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مُسمَّىً } أَيْ : تبايعتم بدين { فاكتبوه } أمرَ الله تعالى في الحقوق المؤجَّلة بالكتابة والإِشهاد في قوله : { واشهدوا إذا تبايعتم } حفظاً منه للأموال ثمَّ نسخ ذلك بقوله : { فإن أمن بعضكم بعضاً . . . } الآية . { وليكتب بينكم } بين المُستدين والمدين { كاتب بالعدل } بالحقِّ والإِنصاف ، ولا يزيد في المال والأجل ولا ينقص منهما : { ولا يَأْبَ كاتبٌ أن يكتب } أي : لا يمتنع من ذلك إذا أُمر وكانت هذه عزيمةً من الله واجبة على الكاتب والشَّاهد ، فنسخها قوله : { ولا يضارَّ كاتب ولا شهيدٌ } ثمَّ قال : { كما علَّمه الله فليكتب } أَيْ : كما فضَّله الله بالكتابة { وليملل الذي عليه الحق } أَيْ : الذي عليه الدِّين يملي؛ لأنَّه المشهود عليه فيقرُّ على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه { ولا يَبْخَسْ منه شيئاً } أُمِرَ أَنْ يُقِرَّ بمبلغ المال من غير نقصان { فإن كان الذي عليه الحقُّ } [ أي : الدَّين ] { سفيهاً } طفلاً { أو ضعيفاً } عاجزاً أحمق { أو لا يستطيع أن يملَّ هو } لخرسٍ أو لعيٍّ { فليملل وليه } وارثه أو مَنْ يقوم مقامه { بالعدل } بالصدق والحقِّ { واستشهدوا } وأشهدوا { شهيدين من رجالكم } أَيْ : من أهل ملَّتكم من الأحرار البالغين ، وقوله : { ممن ترضون من الشهداء } أَيْ : من أهل الفضل والدِّين { أن تضلّ أحداهما } تنسى إحداهما { فتذكر إحداهما الأخرى } الشَّهادة { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } لتحمُّل الشَّهادة وأدائها { ولا تسأموا أن تكتبوه } لا يمنعكم الضَّجر والملالة أن تكتبوا ما أشهدتم عليه من الحقِّ { صغيراً أو كبيراً إلى أجله } إلى أجل الحقِّ { ذلكم } أَيْ : الكتابة { أقسط } أعدل { عند الله } في حمكه { وأقوم } أبلغ في الاستقامة { للشهادة } لأنَّ الكتاب يُذكِّر الشُّهود ، فتكون شهادتهم أقوم { وأدنى ألا ترتابوا } أيْ : أقرب إلى أن لا تشكُّوا في مبلغ الحقِّ والأجل { إلاَّ أن تكون } تقع { تجارة حاضرة } أَيْ : متجرٌ فيه حاضر من العروض وغيرها ممَّا يتقابض ، وهو معنى قوله : { تديرونها بينكم } وذلك أنَّ ما يُخاف في النَّساء والتأجيل يؤمن في البيع يداً بيدٍ ، وذلك قوله : { فليس عليكم جناحٌ إلاَّ تكتبوها وأَشْهِدوا إذا تبايعتم } قد ذكرنا أنَّ هذا منسوخ الحكم فلا يجب ذلك { ولا يضارَّ كاتب ولا شهيد } نهى الله تعالى الكاتب والشَّاهد عن الضِّرار ، وهو أن يزيد الكاتب أو ينقص أو يحرِّف ، وأن يشهد الشَّاهد بما لم يُستشهد عليه ، أو يمتنع من إقامة الشَّهادة { وإنْ تفعلوا } شيئاً من هذا { فإنه فسوق بكم } .

(1/76)


وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)

{ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً . . . } الآية ، أمر الله تعالى عند عدم الكاتب بأخذ الرَّهن ليكون وثيقةً بالأموال ، وذلك قوله : { فَرِهَانٌ مقبوضة } أَيْ : فالوثيقةُ رهنٌ مقبوضةٌ { فإن أَمن بعضكم بعضاً } أَيْ : لم يخف خيانته وجحوده الحقَّ { فليؤدّ الذي اؤتمن } أَيْ : أُمن عليه { أمانته وليتق الله ربه } بأداء الأمانة { ولا تكتموا الشهادة } إذا دُعيتم لإِقامتها { ومن يكتمها فإنه آثمٌ } فاجرٌ { قلبه } .
{ لله ما في السموات وما في الأرض } ملكاً ، فهو مالك أعيانه { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } " لمَّا نزل هذا جاء ناس من الصَّحابة إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالوا : كُلِّفنا من العمل ما لا نطيق ، إن أحدنا ليحدِّث نفسه بما لا يحبُّ أن يثبت في قلبه ، فنحن نحاسب بذلك؟ فقال النبيُّ : فلعلَّكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل : سمعنا وعصينا ، وقولوا : سمعنا وأطعنا فقالوا : سمعنا وأطعنا " ، فأنزل الله تعالى الفرج بقوله : { لا يكلِّف الله نفساً إلاَّ وسعها } فنسخت هذه الآية ما قبلها ، وقيل : إنَّ هذا في كتمان الشَّهادة وإقامتها ، ومعنى قوله : { يحاسبكم به الله } يخبركم به ويُعرِّفكم إيَّاه .
{ آمن الرسول . . . } الآية ، لمَّا ذكر الله تعالى في هذه السُّورة الأحكام والحدود ، وقصص الأنبياء وآيات قدرته ، ختم السورة بذكر تصديق نبيِّه عليه السَّلام والمؤمنين بجميع ذلك ، { لا نفرق بين أحد } أَيْ : يقولون : لا نفرِّق بين أحد من رسله كما فعل أهل الكتاب ، آمنوا ببعض الرُّسل وكفروا ببعض ، بل نجمع بينهم في الإِيمان بهم { وقالوا سمعنا } قوله { وأطعنا } أمره { غفرانك } أَيْ : اغفر غفرانك .
{ لا يكلف الله نفساً إلاَّ وسعها } ذكرنا أنَّ هذه الآية نسخت ما شكاه المؤمنون من المحاسبة بالوسوسة وحديث النَّفس { لها ما كسبت } [ من العمل بالطاعة ] { وعليها ما اكتسبت } [ من العمل بالإثم ] أَيْ : لا يُؤَاخَذ أحدٌ بذنب غيره { ربنا لا تؤاخذنا } أَيْ : قولوا ذلك على التَّعليم للدُّعاء ، ومعناه : لا تعاقبنا إن نسينا . كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئاً ممَّا شرع لهم عُجِّلت لهم العقوبة بذلك ، فأمر الله نبيَّه والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك { أو أَخْطأْنا } تركنا الصَّواب : { ربنا ولا تحمل علينا إصراً } أَيْ : ثقلاً ، والمعنى : لا تحمل علينا أمراً يثقل { كما حملته على الذين من قبلنا } نحو ما أُمر به بنو إسرائيل من الأثقال التي كانت عليهم { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } أَيْ : لا تعذِّبنا بالنَّار { أنت مولانا } [ ناصرنا ] والذي تلي علينا أمورنا { فانصرنا على القوم الكافرين } في إقامة حجَّتنا وغلبتنا إيَّاهم في حربه ، وسائر أمورهم حتى يظهر ديننا على الدِّين كلِّه كما وعدتنا .

(1/77)


الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)

{ الم } .
{ الله لا إله إلاَّ هو الحيُّ القيوم } .
{ نزل عليك الكتابَ } أي : القرآن { بالحق } بالصِّدق في إخباره { مصدقاً لما بين يديه } مُوافقاً لما تقدَّم الخبر به في سائر الكتب { وأنزل التوراة والإِنجيل } .
{ من قبل هدىً للناس وأنزل الفرقان } ما فرق به بين الحقِّ والباطل . يعني : جميع الكتب التي أنزلها . { إنَّ الذين كفروا بآيات الله لهم عذابٌ شديدٌ والله عزيز ذو انتقام } ذو عقوبة .
{ هو الذي يصوركم } يجعلكم على صورٍ في أرحام الأُمَّهات { كيف يشاء } ذكراً وأنثى ، قصيراً وطويلاً ، وأسود وأبيض .

(1/78)


هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)

{ هو الذي أنزل عليك الكتابَ منه آيات محكماتٌ } وهنَّ الثَّلاث الآيات في آخر سورة الأنعام : { قل تعالوا أتل } إلى آخر الآيات الثَّلاث { هنَّ أمُّ الكتاب } هنَّ أمُّ كلِّ كتاب أنزله الله تعالى على كلِّ نبيٍّ ، فيهنَّ كلُّ ما أحلَّ وحرَّم ، ومعناه : أنهنَّ أصل الكتاب الذي يُعمل عليه { وأخر } أَيْ : آياتٌ أُخر { متشابهات } يريد : التي تشابهت على اليهود ، وهي حروف التَّهجِّي في أوائل السُّور ، وذلك أنَّهم أوَّلوها على حساب الجُمَّل ، وطلبوا أن يستخرجوا منها مدَّة بقاء هذه الأُمَّة ، فاختلط عليهم واشتبه { فأمَّا الذين في قلوبهم زيغٌ } وهم اليهود الذين طالبوا علمَ أجل هذه الأمَّة من الحروف المقطَّعة { فيتبعون ما تشابه منه } من الكتاب . يعني : حروف التَّهجِّي { ابتغاء الفتنة } طلب اللَّبس ليضلُّوا به جُهَّالهم { وابتغاء تأويله } طلب أجل أمَّة محمّدٍ صلى الله عليه وسلم . { وما يعلم تأويله إلاَّ الله } يريد : ما يعلم انقضاء ملك أمَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إلاَّ الله ، لأنَّ انقضاء ملكهم مع قيامِ السَّاعة ، ولا يعلم ذلك أحد إلاَّ الله ، ثمَّ ابتدأ فقال : { والراسخون في العلم } أَي : الثَّابتون فيه . يعني : علماء مؤمني أهل الكتاب { يقولون آمنا به } أَيْ : بالمتشابه { كلٌّ من عند ربنا } المحكم والمتشابه ، وما علمناه ، وما لم نعلمه { وما يذكر إلاَّ أولوا الألباب } ما يتعَّظ بالقرآن إلاَّ ذوو العقول .
{ ربنا } أي : ويقول الرَّاسخون في العلم { ربنا لا تزغ قلوبنا } لا تُملها عن الهدى والقصد كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم زيغ { بعد إذ هديتنا } للإِيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك .
{ ربنا إنك جامع الناس } حاشرهم { ليوم } الجزاء في يومٍ { لا ريب فيه إنَّ الله لا يخلف الميعاد } للبعث والجزاء .
{ إنَّ الذين كفروا } يعني : يهود قريظة والنَّضير { لن تغني عنهم } [ أي : لن تنفع و ] لن تدفع عنهم { أموالهم } { ولا أولادهم } يعني : التي يتفاخرون بها { من الله } من عذاب الله { شيئاً وأولئك هم وقود النار } هم الذين تُوقد بهم النَّار .
{ كدأب آل فرعون } كصنيع آل فرعون وفعلهم في الكفر والتَّكذيب كفرت اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم .

(1/79)


قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14)

{ قل للذين كفروا } يعني : يهود المدينة ومشركي مكَّة { ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } بئس ما مُهِّد لكم .
{ قد كان لكم آية } علامة تدلُّ على صدق محمَّدٍ عليه السَّلام { في فئتين } يعني : المسلمين والمشركين { التقتا } اجتمعتا يوم بدرٍ للقتال { فئةٌ تقاتل في سبيل الله } وهم المسلمون { وأخرى كافرة يرونهم مثليهم } وهم كانوا ثلاثة أمثالهم ، ولكنَّ الله تعالى قلَّلهم في أعينهم ، وأراهم على قدر ما أعلمهم أنَّهم يغلبونهم لتقوى قلوبهم ، وذلك أنَّ الله عزَّ وجلَّ كان قد أعلم المسلمين أنَّ المائة منهم تغلب المائتين من الكفَّار { رأي العين } أَيْ : من حيث يقع عليهم البصر { والله يؤيد } يقوّي { بنصره } بالغلبة والحجَّة مَنْ يشاء { إنَّ في ذلك لعبرة } وهي الآية التي يُعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم { لأولي الأبصار } لذوي العقول .
{ زُيِّن للناس حبُّ الشهوات } جمع الشَّهوة ، وهي تَوَقَانُ النَّفس إلى الشَّيء { والقناطير المقنطرة } الأموال الكثيرة المجموعة { والخيل المسوَّمة } الرَّاعية ، وقيل : المُعلَّمة كالبلق وذوات الشِّياتِ ، وقيل : الحسان . والخيل : الأفراس { والأنعام } الإِبل والبقر والغنم [ { والحرث } وهو ما يُزرع ويغرس ] ، ثمَّ بيَّن أنَّ هذه الأشياء متاع الدُّنيا ، وهي فانيةٌ زائلةٌ { واللَّهُ عنده حسن المآب } المرجع ، ثمَّ أعلم أنَّ خيراً من ذلك كلِّه ما أعدَّه لأوليائه .

(1/80)


قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)

{ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } الذي ذكرت { للذين اتقوا } الشِّرك { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد } .
{ الصابرين } على دينهم وعلى ما أصابهم { والصادقين } في نيَّاتهم { والقانتين } المطيعين لله { والمنفقين } من الحلال في طاعة الله { والمستغفرين بالأسحار } المُصلِّين صلاة الصُّبح قيل : نزلت في المهاجرين والأنصار .
{ شهد الله } بيَّن وأظهر بما نصب من الأدلَّة على توحيده { أنَّه لا إله إلاَّ هو والملائكة } أَيْ : وشهدت الملائكة ، بمعنى : أقرَّت بتوحيد الله { وأولوا العلم } هم الأنبياء والعلماء من مؤمني أهل الكتاب والمسلمين { قائماً بالقسط } أَيْ : قائماً بالعدل ، يُجري التَّدبير على الاستقامة في جميع الأمور .
{ إنَّ الدين عند الله الإِسلام } افتخر المشركون بأديانهم ، فقال كلُّ فريقٍ : لا دين إلاَّ ديننا ، وهو دين الله ، فنزلت هذه الآية وكذَّبهم الله تعالى فقال : { إنَّ الدين عند الله الإِسلام } الذي جاء به محمَّدٌ عليه السَّلام { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب } أَي : اليهود ، لم يختلفوا في صدق نبوَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لما كانوا يجدونه في كتابهم { إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم } يعني : النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، سمِّي علماً لأنَّه كان معلوماً عندهم بنعته وصفته قبل بعثه ، فلمَّا جاءهم اختلفوا فيه؛ فآمن به بعضهم وكفر الآخرون { بغياً بينهم } طلباً للرِّياسة وحسداً له على النُّبوَّة { ومن يكفر بآيات الله فإنَّ الله سريع الحساب } أَي : المجازاة له على كفره .

(1/81)


فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)

{ فإن حاجوك } أَيْ : جادلوك { فقل أسلمتُ وجهي لله } أَيْ : أخلصت عملي لله وانقدت له { ومن اتبعني } يعني : المهاجرين والأنصار { وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين } يعني : العرب { أأسلمتم } استفهامٌ معناه الأمر : أَيْ : أسلموا ، وقوله : { عليك البلاغ } أَي : التَّبليغ وليس عليك هداهم { والله بصيرٌ بالعباد } أيْ : بمَنْ آمن بك وصدَّقك ، ومَنْ كفر بك وكذَّبك ، وكان هذا قبل أنْ أُمر بالقتال .
{ إنَّ الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق } قد مضى تفسيره في سورة البقرة ، وقوله { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قتلت بنو إسرائيل ثلاثةً وأربعين نبياً من أوَّل النَّهار في ساعةٍ واحدةٍ ، فقام مائةٌ واثنا عشر رجلاً من عبَّاد بني إسرائيل ، فأمروا مَنْ قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ، فَقُتلوا جميعاً من آخر النَّهار في ذلك اليوم ، فهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية " وهؤلاء الذين كانوا في عصر النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانوا يتولَّونهم ، فهم داخلون في جملتهم .
{ أولئك الذين حبطت أعمالهم } بطلت أعمالهم التي يدَّعونها من التَّمسُّك بالتَّوراة ، وإقامة شرع موسى عليه السَّلام { في الدنيا } لأنَّها لم تحقن دماءَهم وأموالهم { و } في { الآخرة } لأنَّهم لم يستحقوا بها ثواباً .
{ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب } يعني : اليهود { يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم } وذلك أنَّهم أنكروا آية الرَّجم من التَّوراة ، " وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حدِّ المحصنين إذا زنيا ، فحكم بالرَّجم فقالوا : جُرْتَ يا محمد ، فقال : بيني وبينكم التَّوراة ، ثمَّ أتوا بابن صوريا الأعور فقرأ التَّوراة ، فلمَّا أتى على آية الرَّجم سترها بكفِّه ، فقام ابن سلاَّم فرفع كفَه عنها ، وقرأها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى اليهود ، فغضبت اليهود لذلك غضباً شديداً وانصرفوا " ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . { ثمَّ يتولى فريق منهم } يعني : العلماء والرؤساء { وهم معرضون } .
{ ذلك } أَْيْ : ذلك الإِعراض عن حكمك بسبب اغترارهم حيث قالوا : { لن تمسنا النار إلاَّ أياماً معدودات وغرَّهم في دينهم ما كانوا يفترون } افتراؤهم ، وهو قوله : { لن تمسنا النار } وقد مضى هذا في سورة البقرة .

(1/82)


فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)

{ فكيف إذا جمعناهم } أَيْ : فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم { ل } جزاء { يومٍ لا ريبَ فيه ووفيت كلُّ نفس } جزاء { ما كسبت وهم لا يظلمون } بنقصان حسناتهم أو زيادة سيئاتهم .
{ قل اللهم مالك الملك . . . } الآية . " لمَّا فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكَّة ، ووعد أُمَّته ملك فارس والروم قالت المنافقون واليهود : هيهات هيهات ، [ الفارس والروم أعزُّ وأمنع من أن يُغلَّب على بلادهم ] " ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقوله : { تؤتي الملك مَنْ تشاء } محمداً وأصحابه { وتنزع الملك ممن تشاء } أبي جهلٍ وصناديد قريشٍ { وتعزُّ من تشاء } المهاجرين والأنصار { وتذلُّ مَنْ تشاء } أبا جهلٍ وأصحابه حتى حُزَّت رؤوسهم وأُلْقُوا في القليب { بيدك الخير } أَيْ : عزُّ الدُّنيا والآخرة ، وأراد : الخير والشَّرَّ ، فاكتفى بذكر الخير ، لأنَّ الرغبة إليه في فعل الخير بالعبد دون الشَّر .
{ تولج الليل في النهار } تُدخل اللَّيل في النَّهار ، أَيْ : تجعل ما نقص من أحدهما زيادةً في الآخر { وتخرج الحيَّ من الميت وتخرج الميت من الحيِّ } تخرج الحيوان من النُّطفة ، وتخرج النُّطفة من الحيوان ، وتخرج المؤمن من الكافر ، والكافر من المؤمن { وترزق من تشاء بغير حساب } بغير تقتيرٍ وتضييقٍ .

(1/83)


لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)

{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } أَيْ : أنصاراً وأعواناً من غير المؤمنين وسواهم ، نزلت في قومٍ من المؤمنين كانوا يُباطنون اليهود ، [ أي : يألفونهم ] ويوالونهم . { ومَنْ يفعل ذلك } الاتخِّاذ { فليس من الله في شيء } أَيْ : من دين الله ، أَيْ : قد برىء من الله وفارق دينه ، ثمَّ استثنى فقال : { إلاَّ أن تتقوا منهم تقاة } [ أَيْ : تقيَّة ] هذا في المؤمن إذا كان في قومٍ كفَّارٍ ، وخافهم على ماله ونفسه ، فله أن يُخالفهم ويُداريهم باللِّسان ، وقلبُه مطمئنٌّ ، بالإِيمان دفعاً عن نفسه . قال ابنُ عبَّاسٍ : يريد مدارةً ظاهرةً { ويحذركم الله نفسه } أَيْ : يُخَوِّفكم الله على موالاة الكفار عذاب نفسه ، [ يريد : عذابه ، وخصَّصه بنفسه تعظيماً له ] فلمَّا نهى عن ذلك خوَّف وحذَّر عن إبطان موالاتهم ، فقال :
{ قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه } من ضمائركم في موالاتهم وتركها { يعلمه الله ويعلم ما في السموات وما في الأرض } إتمامٌ للتَّحذير؛ لأنَّه إذا كان لا يخفى عليه شيء فيهما ، فكيف يخفى عليه الضَّمير؟ { واللَّهُ على كلِّ شيءٍ قدير } تحذيرٌ من عقاب مَنْ لا يعجزه شيء .

(1/84)


يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)

{ يوم تجد كلُّ نفسٍ } أَيْ : ويحذّركم الله عذاب نفسه يوم تجد ، أَيْ : في ذلك اليوم ، وقوله : { ما عملت من خير محضراً } أَيْ : جزاء ما عملت بما ترى من الثَّواب { وما عملت من سوء تودُّ لو أنَّ بينها وبينه أمداً بعيداً } غاية بعيدةً كما بين المشرق والمغرب .
{ قل } [ أي : للكفَّار ] { إن كنتم تحبون الله } . وقف النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على قريشٍ وهم يسجدون للأصنام ، فقال : يا معشر قريش ، واللَّهِ لقد خالفتم ملَّة أبيكم إبراهيم ، فقالت قريش : إنَّما نعبد هذه حبّاً لله ليقرِّبونا إلى الله ، فأنزل الله تعالى : { قل } يا محمد { إن كنتم تحبون الله } وتعبدون الأصنام لتقرِّبكم إليه { فاتبعوني يحببكم الله } فأنا رسوله إليكم ، وحجَّته عليكم ، ومعنى محبَّة العبد لله سبحانه إرادته طاعته وإيثاره أمره ، ومعنى محبَّة الله العبد إرادته لثوابه وعفوه عنه وإنعامه عليه .
{ قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا } عن الطَّاعة { فإنَّ الله لا يحب الكافرين } لا يغفر لهم ولا يثني عليهم .
{ إنَّ الله اصطفى آدم } بالنُّبوَّة والرِّسالة { ونوحاً وآل إبراهيم } يعني : إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط { وآل عمران } موسى وهارون { على العالمين } على عالمي زمانهم .

(1/85)


ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)

{ ذريةً } أَي : اصطفى ذريَّةً { بعضها من بعض } أَيْ : من ولد بعض؛ لأنَّ الجميع ذريَّة آدم ، ثمَّ ذريَّة نوح { والله سميع } لما تقوله الذُّريَّة المصطفاة { عليمٌ } بما تضمره ، فلذلك فضَّلها على غيرها .
{ إذ قالت امرأة عمران } وهي حنَّة أمُّ مريم : { إني نذرت لك ما في بطني } أيْ : أوجبتُ على نفسي أن أجعل ما في بطني { محرَّراً } عتيقاً خالصاً لله ، خادماً للكنيسة ، مفرَّغاً للعبادة ولخدمة الكنيسة ، وكان على أولادهم فرضاً أن يُطيعوهم في نذرهم ، فتصدَّقت بولدها على بيت المقدس .
{ فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى } اعتذرت ممَّا فعلت من النَّذر لمَّا ولدت أنثى { وليس الذكر كالأنثى } في خدمة الكنيسة لما يلحقها من الحيض والنِّفاس { وإني أعيذها بك } أَيْ : أمنعها وأجيرها { من الشيطان الرجيم } الملعون المطرود .
{ فتقبلها ربُّها بقبول حسن } أَيْ : رضيها مكان المحرَّر الذي نذرته { وأنبتها نباتاً حسناً } في صلاحٍ وعفَّةٍ ومعرفةٍ بالله وطاعةٍ له { وكفلها زكريا } ضمن القيام بأمرها ، فبنى لها محراباً في المسجد لا يرتقى إليه إلاَّ بسلَّم ، والمحراب : الغرفة ، وهو قوله : { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً } أَيْ : فاكهة الشِّتاء في الصَّيف ، وفاكهة الصَّيف في الشِّتاء تأتيها به الملائكة من الجنَّة ، فلمَّا رأى زكريا ما أُوتيت مريم من [ فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف ] على خلاف مجرى العادة طمع في رزق الولد من العاقر على خلاف العادة .

(1/86)


هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)

{ هنالك } أَيْ : عند ذلك { دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك } أَيْ : من عندك { ذريةً طيبةً } أَيْ : نسلاً مباركاً تقيّاً ، فأجاب الله دعوته وبعث إليه الملائكة مبشرين ، وهو قوله :
{ فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله } أَيْ : مُصدِّقاً بعيسى أنَّه روح الله وكلمته ، وسُمِّي عيسى كلمة الله؛ لأنَّه حدث عند قوله : { كُنْ } فوقع عليه اسم الكلمة؛ لأنَّه بها كان { وسيداً } وكريماً على ربِّه { وحصوراً } وهو الذي لا يأتي النِّساء ولا أرب له فيهنَّ .
{ قال } زكريا لمَّا بُشِّر بالولد : { ربِّ أنى يكون لي غلامٌ } أَيْ : على أيِّ حالٍ يكون ذلك؟ أَتردُّني إلى حال الشَّباب وامرأتي أَمْ مع حال الكبر؟ { وقد بلغني الكبر } أَيْ : بَلغْتُه؛ لأنَّه كان ذلك اليوم ابن عشرين ومائة سنةٍ { وامرأتي عاقر } لا تلد ، وكانت بنتَ ثمانٍ وتسعين سنةً . قيل له : { كذلك } أَيْ : مثل ذلك من الأمر ، وهو هبة الولد على الكبر يفعل الله ما يشاء ، فسبحان مَنْ لا يعجزه شيء ، فلمَّا بُشِّر بالولد سأل الله علامةً يعرف بها وقت حمل امرأته ، وذلك قوله :
{ قال رب اجعل لي آية } فقال الله تعالى : { آيتك ألاَّ تكلم الناس ثلاثة أيام } جعل الله تعالى علامة حمل امرأته أَنْ يُمسك لسانه فلا يقدر أنْ يُكلِّم النَّاس ثلاثة أيَّامٍ { إلاَّ رمزاً } أَيْ : إيماءً بالشَّفتين والحاجبين والعينين ، وكان مع ذلك يقدر على التَّسبيح وذكر الله ، وهو قوله : { واذكر ربك كثيراً وسبِّح } أَيْ : وصَلِّ { بالعشي } وهو آخر النَّهار { والإِبكار } ما بين طلوع الفجر إلى الضُّحى .
{ وإذ قالت الملائكة } أَيْ : جبريل عليه السَّلام وحده : { يا مريم إنّ الله اصطفاك } أَيْ : بما لطف لك حتى انقطعت إلى طاعته { وطهرك } من ملامسة الرِّجال والحيض { واصطفاك على نساء العالمين } على عالمي زمانك .
{ يا مريم اقنتي لربك } قومي للصَّلاة بين يدي ربكِّ ، فقامت حتى سالت قدماها قيحاً { واسجدي واركعي } أَي : ائتي بالرُّكوع والسُّجود ، والواو لا تقتضي الترتيب { مع الراكعين } أَي : افعلي كفعلهم ، وقال : { مع الراكعين } ولم يقل : مع الرَّاكعات؛ لأنَّه أعمُّ .
{ ذلك } أَيْ : ما قصصنا عليك من حديث زكريا ومريم { من أنباء الغيب } أَيْ : من أخباره { نوحيه إليك } أَيْ : نلقيه { وما كنت لديهم } فتعرف ذلك { إذ يلقون أقلامهم } وذلك أنَّ حنَّة لمَّا ولدت مريم أتت بها سدنة بيت المقدس ، وقالت لهم : دونكم هذه النَّذيرة ، فتنافس فيها الأحبار حتى اقترعوا عليها ، فخرجت القرعة لزكريا ، فذلك قوله : { إذ يلقون أقلامهم } أَيْ : قداحهم التي كانوا يقترعون بها لينظروا أيُّهم تجب له كفالة مريم .

(1/87)