صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الوجيز في تفسير الكتاب العزيز |
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)
{ بسم الله الرحمن الرحيم } ؛ أَيْ : ابدؤوا أوِ افتتحوا بتسمية الله تيمُّناً وتبرُّكاً ، و " الله " : اسمٌ تفرَّد الباري به سبحانه ، يجري في وصفه مجرى أسماء الأعلام ، لا يُعرف له اشتقاق . وقيل : معناه : ذو العبادة التي بها يُقصد . { الرَّحمن الرَّحيم } : صفتان لله تعالى معناهما : ذو الرَّحمة ، [ أَي : الرَّحمة لازمةٌ له ] ، وهي إرادة الخير ، ولا فرق بينهما ، مثل : ندمانٍ ونديم . (1/1)
{ الحمدُ لله } هو الثَّناء لله ، والشُّكرُ له بإنعامه . { ربِّ العالمين } : مالك المخلوقات كلِّها .
{ مالك يوم الدِّين } [ مأخوذٌ من المِلْك ، والمِلْك مأخوذٌ من المُلْك ، أَيْ ] : قاضي يوم الجزاء والحساب؛ لأنَّه متفرِّدٌ في ذلك اليوم بالحكم .
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)
{ إيَّاك نعبدُ } أَيْ : نخصُّك ونقصدك بالعبادة ، وهي الطَّاعة مع الخضوع . { وإيَّاك نستعين } : ومنك نطلب المعونة . (1/2)
{ اهدنا الصراط المستقيم } ، أَيْ : دُلَّنا عليه ، واسلكْ بنا فيه ، وثبِّتنا عليه .
{ صراط الذين أنعمتَ عليهم } بالهداية ، وهم قومُ موسى وعيسى عليهما السَّلام قبل أن يُغيِّروا نعمَ الله عزَّ وجلَّ . وقيل : هم الذين ذكرهم الله عزَّ وجلَّ في قوله تعالى : { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم . . . . . } الآية . { غير المغضوب عليهم } ، أَيْ : غير الذين غضبتَ عليهم ، وهم اليهود ، ومعنى الغضب من الله تعالى : إرادةُ العقوبة . { ولا الضَّالين } ، أَيْ : ولا الذين ضلُّوا ، وهم النَّصارى ، فكأنَّ المسلمين سألوا الله تعالى أن يهديهم طريق الذين أنعم عليهم ولم يغضب عليهم ، كما غضب على اليهود ، ولم يضلُّوا عن الحقِّ كما ضلَّت النَّصارى .
الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)
{ الم } أنا الله أعلم . (1/3)
{ ذلك الكتاب } أَيْ : هذا الكتاب ، يعني : القرآن . { لا ريبَ فيه } أَيْ : لا شكَّ فيه ، [ أَيْ ] : إنَّه صدقٌ وحقٌّ . [ وقيل : لفظه لفظ خبرٍ ، ويُراد به النهي عن الارتياب . قال : { فلا رفث ولا فسوق } ولا ريب فيه أنَّه ] { هدىً } : بيانٌ ودلالةٌ { للمتقين } : للمؤمنين الذين يتَّقون الشِّرْك . [ في تخصيصه كتابه بالهدى للمتقين دلالةٌ على أنَّه ليس بهدىً لغيرهم ، وقد قال : { والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر . . . . } الآية ] .
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)
{ الذين يؤمنون } : يُصدِّقون { بالغيب } : بما غاب عنهم من الجنَّة والنَّار والبعث . { ويقيمون الصَّلاة } : يُديمونها ويحافظون عليها ، { وممَّا رزقناهم } : أعطيناهم ممّا ينتفعون به . { ينفقون } : يُخرجونه في طاعة الله تعالى . (1/4)
{ والذين يؤمنون بما أُنزل إليك } نزلت في [ مؤمني ] أهل الكتاب يؤمنون بالقرآن ، { وما أنزل من قبلك } يعني : التَّوراة ، { وبالآخرة } يعني : وبالدَّار الآخرة { هم يوقنون } : يعلمونها علماً باستدلالٍ .
{ أولئك } يعني : الموصوفين بهذه الصِّفات . { على هدىً } : بيانٍ وبصيرةٍ { من ربِّهم } أَيْ : من عند ربِّهم ، { وأولئك هم المفلحون } : الباقون في النَّعيم المقيم .
{ إنَّ الذين كفروا } : ستروا ما أنعم الله عزَّ وجلَّ به عليهم من الهدى والآيات فجحدوها ، وتركوا توحيد الله تعالى { سواء عليهم } : معتدلٌ ومتساوٍ عندهم { أأنذرتهم } : أعلمتهم وخوَّفتهم [ { أم لم تنذرهم } ] أم تركت ذلك { لا يؤمنون } نزلت في أبي جهلٍ وخمسةٍ من أهل بيته ، ثمَّ ذكر سبب تركهم الإيمان ، فقال :
{ ختم اللَّهُ على قلوبهم } [ أَيْ : طبع الله على قلوبهم ] واستوثق منها حتى لا يدخلها الإيمان ، { وعلى سمعهم } [ أَيْ : مسامعهم حتى لا ينتفعوا بما يسمعون ، { وعلى أبصارهم } : ] على أعينهم { غشاوة } غطاءٌ فلا يبصرون الحقَّ ، { ولهم عذابٌ عظيمٌ } مُتواصل لا تتخلَّله فُرجةٌ .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)
{ ومنْ الناسِ مَن يقولُ آمنا بالله وباليوم الآخر . . . . } الآية ، نزلت في المنافقين حين أظهروا كلمة الإيمان ، وأسرُّوا الكفر ، فنفى الله سبحانه عنهم الإِيمان بقوله : { وما هم بمؤمنين } فدلَّ أنَّ حقيقة الإيمان ليس الإِقرار فقط . (1/5)
{ يخادعون الله والذين آمنوا } أَيْ : يعملون عمل المخادع بإظهار غير ما هم عليه؛ ليدفعوا عنهم أحكام الكفر ، { وما يخدعون إلاَّ أنفسهم } لأنَّ وبال خداعهم عاد عليهم بإطلاع الله تعالى نبيَّه [ عليه السَّلام والمؤمنين ] على أسرارهم وافتضاحهم ، { وما يشعرون } : وما يعلمون ذلك .
{ في قلوبهم مرضٌ } شكٌ ونفاقٌ ، { فزادهم الله مرضاً } أَيْ : بما أنزل من القرآن فشكُّوا فيه كما شكُّوا في الذي قبله ، { ولهم عذابٌ أليم } : مؤلمٌ { بما كانوا يكذبون } بتكذيبهم آيات الله عزَّ وجلَّ ونبيَّه صلى الله عليه وسلم . [ ومَنْ قرأ : " يُكذِّبون " فمعناه : يكذبهم في ادّعائهم الإيمان ] .
{ وإذا قيل لهم } [ لهؤلاء ] المنافقين : { لا تفسدوا في الأرض } بالكفر وتعويق النَّاس عن الإيمان { قالوا إنما نحن مصلحون } أَي : الذين نحن عليه هو صلاحٌ عند أنفسنا ، فردَّ الله تعالى عليهم ذلك ، فقال :
{ ألا إنَّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون } : لا يعلمون أنَّهم مُفسدون .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)
{ وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن النَّاس } هم أصحاب محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم { قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء } أَيْ : لا نفعل كما فعلوا ، وهذا القول كانوا يقولونه فيما بينهم ، فأخبر الله تعالى به عنهم . (1/6)
{ وإذا لقوا الذين آمنوا } إذا اجتمعوا مع المؤمنين ، ورأوهم { قالوا آمنَّا } { وإذا خلوا } من المؤمنين وانصرفوا { إلى شياطينهم } : كبرائِهم وقادتهم { قالوا إنَّا معكم } [ أَيْ : على دينكم ] { إنَّما نحن مستهزئون } : مُظهرون غير ما نضمره .
{ اللَّهُ يستهزىءُ بهم } : يجازيهم جزاء استهزائهم { ويمدُّهم } : يُمهلهم ويطوِّل أعمارهم { في طغيانهم } : في إسرافهم ومجاوزتهم القدر في الكفر { يعمهون } يتردَّدون مُتحيِّرين .
{ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } : أخذوا الضَّلالة وتركوا الهدى { فما ربحت تجارتُهم } فما ربحوا في تجارتهم ، [ وإضافة الرِّبح إلى التجارة على طريق الاتساع ، كإضافة الإيضاء إلى النار ] . { وما كانوا مهتدين } فيما فعلوا .
{ مثلُهم كمثل الذي استوقد ناراً } أَيْ : حالهم في نفاقهم وإبطانهم الكفر كحالِ مَنْ أَوقد ناراً فاستضاء بها ، وأضاءت النَّار ما حوله ممَّا يخاف ويحذر وأمن ، فبينما هو كذلك إذ طُفئت ناره فبقي مُظلماً خائفاً مُتحيِّراً ، فذلك قوله تعالى : { ذهب الله بنورهم . . . } الآية ، كذلك المنافقون لمَّا أظهروا كلمة الإيمان اغترُّوا بها وأَمِنُوا ، فلمَّا ماتوا عادوا إلى الخوف والعذاب .
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19)
{ صمٌّ } لتركهم قبول ما يسمعون { بُكْمٌ } لتركهم القول بالخير { عُمْيٌ } لتركهم ما يُبصرون من الهداية { فهم لا يرجعون } عن الجهل والعمى إلى الإسلام ، ثمَّ ذكر تمثيلاً آخر فقال : (1/7)
{ أو كصيِّبٍ } أو كأصحاب مطرٍ شديدٍ { من السَّماء } : من السَّحاب { فيه } : في ذلك السَّحاب { ظلماتٌ ورعدٌ } وهو صوت مَلَكٍ مُوكَّلٍ بالسَّحاب { وبرق } وهي النَّار التي تخرج منه . { يجعلون أصابعهم في آذانهم } يعني : أهل هذا المطر { من الصواعق } من شدَّة صوت الرَّعد يسدُّون آذانهم بأصابعهم كيلا يموتوا بشدَّة ما يسمعون من الصَّوت ، فالمطر مَثَلٌ للقرآن لما فيه من حياة القلوب ، والظُّلماتُ مَثَلٌ لما خُوِّفوا به من الوعيد وذكر النَّار ، والبرقُ مثلٌ لحجج القرآن وما فيه من البيان ، وجعل الأصابع في الآذان حذر الموت مثَلٌ لجعل المنافقين أصابعهم في آذانهم كيلا يسمعوا القرآن مخافةَ ميل القلب إلى القرآن ، فيؤدِّي ذلك إلى الإيمان بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، وذلك عندهم كفرٌ ، والكفر موتٌ . { واللَّهُ محيطٌ بالكافرين } مُهلكهم وجامعهم في النَّار .
يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)
{ يكاد البرقُ يخطف أبصارهم } هذا تمثيلٌ آخر ، يقول : يكاد ما في القرآن من الحجج يخطف قلوبهم من شدَّة إزعاجها إلى النَّظر في أمر دينهم { كلما أضاءَ لهم مشوا فيه } : كُلَّما سمعوا شيئاً ممَّا يُحبّون صدَّقوا ، وإذا سمعوا ما يكرهون وقفوا ، وذلك قولُه عزَّ وجلَّ : { وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم } أَيْ : بأسماعهم الظَّاهرة ، وأبصارهم الظَّاهرة ، كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة حتى صاروا صُمَّاً عُمياً ، فليحذروا عاجل عقوبة الله سبحانه وآجلها ، ف { إنَّ الله على كل شيء قديرٌ } من ذلك . (1/8)
{ يا أيُّها النَّاس } يعني : أهل مكَّة { اعبدوا ربَّكم } : اخضعوا له بالطَّاعة { الذي خلقكم } : ابتدأكم ولم تكونوا شيئاً { والذين من قبلكم } [ آباءكم ] [ وخلق الذين من قبلكم ] . أي : إنَّ عبادة الخالق أولى من عبادة المخلوق وهو الصَّنم { لعلَّكم تتقون } لكي تتقوا بعبادته عقوبته أن تحلَّ بكم .
{ الذي جعل لكم الأرض فراشاً } بساطاً ، لم يجعلها حَزْنةً غليظةً لا يمكن الاستقرار عليها { والسماء بناءً } سقفاً { وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات } يعني : حمل الأشجار جميع ما ينتفع به ممَّا يخرج من الأرض { فلا تجعلوا لله أنداداً } : أمثالاً من الأصنام التي تعبدونها { وأنتم تعلمون } أنَّهم لا يخلقون ، والله هو الخالق ، وهذا احتجاجٌ عليهم في إثبات التَّوحيد ، ثمَّ احتجَّ عليهم في إثبات نبوَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم به ، فقال :
{ وإنْ كنتم في ريب مما نزلنا } [ أي : وإن كنتم ] في شكٍّ من صدق هذا الكتاب الذي أنزلناه على محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، وقلتم : لا ندري هل هو من عند الله أم لا { فأتوا بسورة } من مثل هذا القرآن في الإِعجاز ، وحسن النَّظم ، والإِخبار عمَّا كان وما يكون ، { وادعوا شهداءكم } واستعينوا بآلهتكم التي تدعونها { من دون الله إن كنتم صادقين } أنَّ محمداً تقوَّله من نفسه .
{ فإنْ لم تفعلوا } هذا فيما مضى ، { ولن تفعلوا } هُ أيضاً فيما يُستقبل أبداً { فاتقوا } فاحذروا أن تصلوا { النَّار التي وقودها } ما يُوقد به { الناسُ والحجارة } يعني حجارة الكبريت ، وهي أشدُّ لاتِّقادها { أعدَّت } [ خُلقت وهُيِّئت ] جزاءً { للكافرين } بتكذيبهم ، ثمَّ ذكر جزاء المؤمنين فقال :
{ وبشِّر الذين آمنوا } أَيْ : أخبرهم خبراً يظهر به أثر السُّرور على بشرتهم { وعملوا الصالحات } أَي : الأعمال الصَّالحات ، يعني الطَّاعات فيما بينهم وبين ربِّهم { أنَّ لهم } : بأنَّ لهم { جناتٍ } : حدائق ذات الشِّجر { تجري من تحتها } من تحت أشجارها ومساكنها { الأنهار } { كلما رزقوا } : أُطعموا من تلك الجنَّات ثمرةً { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } لتشابه منا يُؤتون به ، وأرادوا : هذا من نوع ما رُزقنا من قبل { وأتوا به متشابهاً } في اللَّون والصُّورة ، مختلفاً في الطَّعم ، وذلك أبلغ في باب الإِعجاب { ولهم فيها أزواجٌ } : من الحور العين والآدميات { مطهرةٌ } عن كلِّ أذىً وقذرٍ ممَّا في نساء الدُّنيا ، ومن مساوىء الأخلاق ، وآفات الشَّيب والهرم { وهم فيها خالدون } لأنَّ تمام النِّعمة بالخلود .
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)
{ إنَّ الله لا يَسْتَحْيِ . . . } الآية . لمَّا ضرب الله سبحانه المَثل للمشركين بالذُّباب والعنكبوت في كتابه ضحكت اليهود ، وقالوا : ما يشبه هذا كلام الله سبحانه ، فأنزل الله تعالى : { إنَّ الله لا يَسْتَحْيِ } لا يترك ولا يخشى { أن يضرب مثلاً } أَنْ يُبيِّنَ شبهاً { ما بعوضةً } " ما " زايدةٌ مؤكِّدة ، والبعوض : صغار البق ، الواحدة : بعوضة . { فما فوقها } يعني : فما هو أكبر منها ، والمعنى : إنَّ الله تعالى لا يترك ضرب المثل ببعوضةٍ فما فوقها إذا علم أنَّ فيه عبرةُ لمن اعتبر ، وحجَّةً على مَنْ جحد [ واستكبر ] { فأمَّا الذين آمنوا فيعلمون } أنَّ المثل وقع في حقِّه ، { وأَمَّا الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً } أَيْ : أَيُّ شيءٍ أراد الله بهذا من الأمثال؟ والمعنى أنَّهم يقولون : أَيُّ فائدةٍ في ضرب الله المثل بهذا؟ فأجابهم الله سبحانه فقال : { يضلُّ به كثيراًً } أَيْ : أراد الله بهذا المثل أن يضلَّ به كثيراً من الكافرين ، وذلك أنَّهم يُنكرونه ويُكذِّبونه { ويهدي به كثيراً } من المؤمنين ، لأنَّهم يعرفونه ويصدِّقونه { وما يضلُّ به إلاَّ الفاسقين } الكافرين الخارجين عن طاعته . (1/9)
{ الذين ينقضون } يهدمون ويفسدون { عهدَ الله } : وصيته وأمره في الكتب المتقدِّمة بالإِيمان بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم { من بعد ميثاقه } من بعد توكيده عليهم بإيجابه ذلك { ويقطعون ما أمرَ الله به أَنْ يوصل } يعني : الرَّحم ، وذلك أنَّ قريشاً قطعوا رحم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالمعاداة معه { ويفسدون في الأرض } بالمعاصي وتعويق النَّاس عن الإيمان بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم { أولئك هم الخاسرون } [ مغبونون ] بفوت المثوبة ، والمصيرِ إلى العقوبة .
{ كيف تكفرون بالله } معنى " كيف " ها هنا استفهامٌ في معنى التَّعجُّب للخلقِ ، أَي : اعجبوا من هؤلاء كيف يكفرون بالله وحالُهم أنَّهم كانوا تراباً فأحياهم ، بأَنْ خلق فيهم الحياة ، فالخطاب للكفَّار ، والتَّعجب للمؤمنين ، وقوله تعالى : { ثم يميتكم } أَيْ : في الدُّنيا { ثمَّ يُحييكم } [ في الآخرة ] للبعث { ثمَّ إليه ترجعون } تردُّون فيفعل بكم ما يشاء ، فاستعظم المشركون أمر البعث والإعادة ، فاحتجَّ الله سبحانه عليهم بخلق السَّموات والأرض ، فقال :
{ هو الذي خلق لكم } لأجلكم { ما في الأرض جميعاً } بعضها للانتفاع ، وبعضها للاعتبار ، { ثمَّ استوى إلى السَّماء } : أقبل على خلقها ، وقصد إليها { فسوَّاهنَّ سبع سموات } فجعلهنَّ سبع سمواتٍ مُستوياتٍ لا شقوق فيها ولا فطور ولا تفاوت { وهو بكلِّ شيءٍ عليم } إذ بالعلم يصحُّ الفعل المحكم .
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)
{ وإذ قال ربك } واذكر لهم يا محمَّدُ إذ قال ربُّك { للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة } يعني : آدم ، جعله خليفةً عن الملائكة الذين كانوا سكَّان الأرض بعد الجنِّ ، والمراد بذكر هذه القصَّة ذكرُ بدءِ خلق النَّاس . { قالوا أتجعل فيها مَنْ يفسد فيها } كما فعل بنو الجانِّ ، قاسوا [ الشَّاهد ] على الغائب { ونحن نسبح بحمدك } نُبرِّئُك من كلِّ سوءٍ ، ونقول : سبحان الله وبحمده ، { ونقدِّسُ لك } ونُنزِّهك عمَّا لا يليق بك { قال إني أعلم ما لا تعلمون } من إضمار إبليس العزم على المعصية ، فلمَّا قال الله تعالى هذا للملائكة قالوا فيما بينهم : لن يخلق ربُّنا خلقاً هو أعلمُ منَّا ، ففضَّل الله تعالى عليهم آدم بالعلم ، وعلَّمه اسم كلِّ شيء حتى القصعة [ والقصيعة ] والمِغْرفة ، وذلك قوله تعالى : (1/10)
{ وعلَّم آدم الأسماءَ كلَّها } أَيْ : خلق في قلبه علماً بالأسماء على سبيل الابتداء { ثمَّ عرَضهم } أَيْ : عرض المسمَّيات بالأسماء من الحيوان والجماد وغير ذلك { على الملائكة فقال أنبئوني } أخبروني { بأسماء هؤلاء } وهذا أمرُ تعجيزٍ ، أراد الله تعالى أن يُبيِّن عجزهم عن علم ما يرون ويُعاينون { إن كنتم صادقين } أنِّي لا أخلق خلقاً أعلمَ منكم ، فقالت الملائكة إقراراً بالعجز واعتذاراً :
{ سبحانك } تنزيهاً لك عن الاعتراض عليك في حكمك { لا علم لنا إلاَّ ما علمتنا } اعترفوا بالعجز عن علم ما لم يُعلَّموه { إنَّك أنت العليم } العالم { الحكيم } الحاكم تحكم بالحقِّ وتقتضي به ، فلمَّا ظهر عجز الملائكة قال الله تعالى لآدم : { يا آدم أنبئهم بأسمائهم } .
قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)
{ يا آدم أنبئهم بأسمائهم } أخبرهم بتسمياتهم ، فسمَّى كلَّ شيءٍ باسمه ، وألحق كلَّ شيءٍ بجنسه { فلما أنبأهم بأسمائهم } : أخبرهم بمسمَّياتهم { قال } الله تعالى للملائكة : { ألم أقل لكم } وهذا استفهامٌ يتضمَّن التَّوبيخ لهم على قولهم : { أتجعل فيها مَنْ يفسد فيها } . { إني أعلم غيب السموات والأرض } أَيْ : ما غاب فيهما عنكم { وأعلم ما تبدون } : علانيتكم { وما كنتم تكتمون } : سرَّكم ، لا يخفى عليَّ شيءٌ من أموركم . (1/11)
{ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } سجود تعظيمٍ وتسليمٍ وتحيَّةٍ ، وكان ذلك انحناءاً يدلُّ على التَّواضع ، ولم يكن وضعَ الوجه على الأرض ، { فسجدوا إلاَّ إبليس أبى } امتنع { واستكبر وكان من الكافرين } في سابق علم الله عزَّ وجلَّ .
{ وقلنا يا آدم اسكنْ أنت وزوجك الجنَّة } اتَّخذاها مأوىً ومنزلاً { وكلا منها رغداً } واسعاً { حيث شئتما } ما شئتما [ كيف شئتما ] { ولا تقربا هذه الشجرة } لا تحوما حولها بالأكل منها ، يعني السُّنبلة { فتكونا } فتصيرا { من الظالمين } : العاصين الذين وضعوا أمر الله عزَّ وجلَّ غير موضعه .
{ فأزلَّهما الشيطان } نحَّاهما وبعَّدهما { عنها فأخرجهما ممَّا كانا فيه } من الرُّتبة ولين العيش { وقلنا } لآدم وحواء وإبليس والحيَّة : { اهبطوا } أي : انزلوا إلى الأرض { بعضكم لبعض عدو } يعني : العداوة التي بين آدم وحواء والحيَّة . وبين ذرية آدم عليه السَّلام من المؤمنين وبين إبليس لعنه الله ، { ولكم في الأرض مستقر } موضع قرارٍ { ومتاع إلى حين } ما تتمتَّعون به ممَّا تُنبته الأرض إلى حين الموت .
فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)
{ فتلقى آدم من ربه } أخذ وتلقَّن { كلماتٍ } وهو أنَّ الله تعالى ألهم آدم عليه السَّلام حين اعترف بذنبه وقال : { ربنا ظلمنا أنفسنا } الآية { فتاب عليه } فعاد عليه بالمغفرة حين اعترف بالذَّنب واعتذر { إنَّه هو التواب } يتوب على عبده بفضله إذا تاب إليه من ذنبه . (1/12)
{ قلنا اهبطوا منها جميعاً } كرَّر الأمر بالهبوط للتَّأكيد { فإمَّا يأتينَّكم مني هدىً } أَيْ : فإنْ يأتكم مني شريعةٌ ورسولٌ وبيانٌ ودعوةٌ { فمن تبع هداي } أَيْ : قَبِل أمري ، واتَّبع ما آمره به { فلا خوف عليهم } في الآخرة ولا حزن ، والخطاب لآدم وحوَّاء ، وذرِّيتهما ، أعلمهم الله تعالى أنَّه يبتليهم بالطَّاعة ، ويجازيهم بالجنَّة عليها ، ويعاقبهم بالنَّار على تركها ، وهو قوله تعالى :
{ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا } أَيْ : بأدلتنا وكتبنا { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } .
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)
{ يا بني إسرائيل } أولاد يعقوب عليه السَّلام { اذكروا } اشكروا ، وذكر النِّعمة هو شكرها { نعمتي } يعني : نعمي { التي أنعمت عليكم } يعني : فلق البحر ، والإِنجاء من فرعون ، وتظليل الغمام ، إلى سائر ما أنعم الله تعالى به عليهم ، والمراد بقوله تعالى : { عليكم } أَيْ : على آبائكم ، والنِّعمة على آبائهم نعمةٌ عليهم ، وشكر هذه النِّعم طاعتُه في الإِيمان بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ صرَّح بذلك ، فقال : { وأوفوا بعهدي } أَيْ : في محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم { أُوف بعهدكم } أدخلكم الجنَّة { وإيَّاي فارهبون } فخافوني في نقض العهد . (1/13)
{ وآمنوا بما أنزلت } يعني : القرآن { مصدقاً لما معكم } موافقاً للتَّوراة في التَّوحيد والنُّبوَّة { ولا تكونوا أوَّل كافر به } أَيْ : أوَّل مَنْ يكفر به من أهل الكتاب؛ لأنَّكم إذا كفرتم كفر أتباعكم ، فتكونوا أئمةً في الضَّلالة ، والخطابُ لعلماء اليهود . { ولا تشتروا } ولا تستبدلوا { بآياتي } ببيان صفة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ونعته { ثمناً قليلاً } عوضاً يسيراً من الدُّنيا ، يعني : ما كانوا يُصيبونه من سفلتهم ، فخافوا إنْ هم بيَّنوا صفة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَنْ تفوتهم تلك المآكل والرِّياسة ، { وإيايَّ فاتقون } فاخشوني في أمر محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لا ما يفوتكم من الرِّياسة .
{ ولا تلبسوا الحق بالباطل } أَيْ : لا تخلطوا الحقَّ الذي أنزلتُ عليكم من صفة محمَّدٍ عليه السَّلام بالباطل الذي تكتبونه بأيديكم من تغيير صفته ، وتبديل نعته ، { وتكتموا الحق } أَيْ : ولا تكتموا الحقَّ ، فهو جزمٌ عُطِفَ على النَّهي ، { وأنتم تعلمون } أنَّه نبيٌّ مرسلٌ قد أُنزل عليكم ذكره في كتابكم ، فجحدتم نبوَّته مع العلم به .
{ وأقيموا الصلاة } المفروضة { وآتوا الزكاة } الواجبة في المال { واركعوا مع الراكعين } وصلُّوا مع المصلِّين محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جماعةٍ .
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)
{ أتأمرون الناس بالبرِّ } كانت اليهود تقول لأقربائهم من المسلمين : اثبتوا على ما أنتم عليه ، ولا يؤمنون به ، فأنزل الله تعالى توبيخاً لهم : { أتأمرون الناس بالبر } بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم { وتنسون } وتتركون { أنفسكم } فلا تأمرونها بذلك { وأنتم تتلون الكتاب } تقرؤون التَّوراة وفيها صفة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ونعته { أفلا تعقلون } أنَّه حقٌّ فتتَّبعونه؟! ثمَّ أمرهم الله تعالى بالصَّوم والصَّلاة؛ لأنَّهم إنَّما كان يمنعهم عن الإسلام الشَّره ، وخوف ذَهاب مأكلتهم ، وحب الرِّياسة ، فأُمروا بالصَّوم الذي يُذهب الشَّرَه ، وبالصًَّلاة التي تُورث الخشوع ، وتَنفي الكبر ، وأُريدَ بالصَّلاةِ الصَّلاةُ التي معها الإيمان بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فقال : (1/14)
{ واستعينوا بالصبر } يعني بالصَّوم ، { والصلاة } لأنَّها تنهى عن الفحشاء والمنكر { وإنها لكبيرةٌ } لثقيلةٌ [ يعني : وإنَّ الإستعانةَ بالصبر والصلاة لثقيلةٌ ] { إلاَّ على الخاشعين } السَّاكنين إلى الطَّاعة . وقال بعضهم : رجع بهذا القول إلى خطاب المسلمين ، فأمرهم أَنْ يستعينوا على ما يطلبونه من رضاءِ الله تعالى ونيل جنَّتِهِ بالصَّبر على أداء فرائضه [ وهو الصَّوم ] والصَّلاة .
{ الذين يظنون } يستيقنون { أنهم ملاقو ربِّهم } أنَّهم مبعوثون وأنَّهم محاسبون وأنَّهم راجعون إلى الله تعالى ، أَيْ : يُصدِّقون بالبعث والحساب .
{ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } مضى تفسيره ، { وأني فضلتكم } أعطيتكم الزِّيادة { على العالمين } : على عالمي زمانكم ، وهو ما ذكره في قوله تعالى : { إذ جعل فيكم أنبياء . . . } الآية ، والمراد بهذا التَّفضيل سلفهم ، ولكن تفضيل الآباء شرف الأبناء .
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)
{ واتقوا يوماً } واحذروا واجتنبوا عقاب يومٍ { لا تجزي } لا تقضي ولا تُغني { نفسٌ عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة } أَيْ : لا يكون شفاعةٌ فيكون لها قبول ، وذلك أنَّ اليهود كانوا يقولون : يشفع لنا آباؤنا الأنبياء ، فآيسهم الله تعالى عن ذلك { ولا يؤخذ منها عدل } فِداءٌ { ولا هم ينصرون } يُمنعون من عذاب الله تعالى . (1/15)
{ وإذ نجيناكم } واذكروا ذلك { من آل فرعون } أتباعه ومَنْ كان على دينه { يسومونكم } : يُكلِّفونكم { سوء العذاب } شديد العذاب ، وهو قوله تعالى : { يذبحون } : يُقتِّلون { أبناءكم ويستحيون نساءكم } يستبقونهنَّ أحياءً [ لقول بعض الكهنة له : إنَّ مولوداً يُولد في بني إسرائيل يكون سبباً له ذهابُ ملكك ] . { وفي ذلكم } الذي كانوا يفعلونه بكم { بلاءٌ } : ابتلاءٌ واختبارٌ وامتحانٌ { من ربكم عظيم } وقيل : وفي تنجيتكم من هذه المحن نعمةٌ عظيمة ، والبلاء : النِّعمة ، والبلاء : الشِّدَّة .
{ وإذ فرقنا بكم البحر } فجعلناه اثني عشر طريقاً حتى خاض فيه بنو إسرائيل . { فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون } إلى انطباق البحر عليهم وإنجائكم منهم .
وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)
{ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة } أَي : انقضاءَها وتمامَها للتَّكلُّم معه { ثمَّ اتخذتم العجل } معبوداً وآلهاً { من بعده } من بعد خروجه عنكم للميقات { وأنتم ظالمون } واضعون العبادةَ في غير موضعها ، وهذا تنبيه على أنَّ كفرهم بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ليس بأعجب من كفرهم وعبادتهم العجل في زمن موسى عليه السَّلام . (1/16)
{ ثمَّ عفونا } محونا ذنوبكم { عنكم من بعد ذلك } من بعد عبادة العجل { لعلكم تشكرون } لكي تشكروا نعمتي بالعفو .
{ وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان } [ عطف تفسيري ] يعني : التَّوراة الفارق بين [ الحق والباطل ] والحلال والحرام { لعلكم تهتدون } لكي تهتدوا بذلك الكتاب [ من الضلال ] .
{ وإذ قال موسى لقومه } الذين عبدوا العجل { يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل } إلهاً { فتوبوا إلى بارئكم } يعني : خالقكم . قالوا : كيف نتوب؟ قال : { فاقتلوا أنفسكم } أَيْ : ليقتلِ البريءُ منكم المجرمَ { ذلكم } أَي : التَّوبة { خيرٌ لكم عند بارئكم } من إقامتكم على عبادة العجل ، ثم فعلتم ما أُمرتم به { فتاب عليكم } [ : قبل توبتكم . { إنَّه هو التواب الرحيم } ] .
{ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك } يعني : الذين اختارهم موسى عليه السَّلام ليعتذروا إلى الله سبحانه من عبادة العجل ، فلمَّا سمعوا كلام الله تعالى ، وفرغ موسى من مناجاة الله عزَّ وجلَّ قالوا له : [ { لن نؤمن لك } ] لن نصدِّقك { حتى نرى الله جهرةً } أَيْ : عِياناً لا يستره عنا شيءٌ { فأخذتكم الصاعقة } وهي نارٌ جاءت من السَّماء فأحرقتهم جميعاً { وأنتم تنظرون } إليها حين نزلت ، وإنَّما أخذتهم الصَّاعقة؛ لأنَّهم امتنعوا من الإِيمان بموسى عليه السَّلام بعد ظهور معجزته حتى يُريهم ربَّهم جهرةً ، والإيمانُ بالأنبياء واجبٌ بعد ظهور معجزتهم ، ولا يجوز اقتراح المعجزات عليه ، فلهذا عاقبهم الله تعالى ، وهذه الآية توبيخٌ لهم على مخالفة الرَّسول صلى الله عليه وسلم مع قيام معجزته ، كما خالف أسلافهم موسى مع ما أَتى به من الآيات الباهرة .
{ ثم بعثناكم } نشرناكم وأَعدْناكم أَحياءً { من بعد موتكم لعلكم تشكرون } نعمة البعث .
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)
{ وظللنا عليكم الغمام } سترناكم عن الشَّمس في التِّيه بالسَّحاب الرَّقيق { وأنزلنا عليكم المنَّ } الطُّرَنْجبين كان يقع على أشجارهم بالأسحار { والسَّلوى } وهي طير أمثال السُّمانى ، وقلنا لهم : { كلوا من طيبات } من حلالات { ما رزقناكم وما ظلمونا } بإبائهم على موسى عليه السَّلام دخول قرية الجبَّارين ، ولكنَّهم ظلموا أنفسهم حين تركوا أمرنا فحبسناهم في التِّيه ، فلمَّا انقضت مدَّة حبسهم وخرجوا من التِّيه قال الله تعالى لهم : (1/17)
{ ادخلوا هذه القرية } وهي أريحا { وادخلوا الباب } يعني : باباً من أبوابها { سجداً } منحنين متواضعين { وقولوا حطة } وذلك أنَّهم أصابوا خطيئةً بإبائهم على موسى عليه السَّلام دخول القرية ، فأراد الله تعالى أَنْ يغفرها لهم فقال لهم : قولوا حطَّةٌ ، أَيْ : مسألتنا حطَّةٌ ، وهو أن تحط عنا ذنوبنا ، { وسنزيد المحسنين } الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطيئة إحساناً وثواباً .
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)
{ فبدَّل الذين ظلموا قولاً } منهم { غير الذي قيل لهم } أَيْ : غيَّروا تلك الكلمة التي أُمروا بها ، وقالوا : حنطةٌ { فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً } ظلمةً وطاعوناً ، فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفاً جزاءً لفسقهم بتبديل ما أُمروا به من الكلمة . (1/18)
{ وإذ استسقى موسى لقومه } في التِّيه { فقلنا اضرب بعصاك الحجر } وكان حجراً خفيفاً مربَّعاً مثل رأس الرَّجل { فانفجرت } أيْ : فضربَ ، فانفجرت ، يعني : فانشقَّت { منه اثنتا عشرة عيناً } فكان يأتي كلُّ سبط عينَهم التي كانوا يشربون منها ، فذلك قوله تعالى : { قد علم كلُّ أناسٍ مشربهم } وقلنا لهم : { كلوا } من المنِّ والسَّلوى { واشربوا } من الماء ، فهذا كلُّه { من رزق الله } { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } أَيْ : لا تسعوا فيها بالفساد ، فَمَلُّوا ذلك العيش ، وذكروا عيشاً كان لهم بمصر .
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63)
فقالوا : { يا موسى لن نصبر على طعام واحد } يعني : المنَّ الذي كانوا يأكلونه والسَّلوى ، فكانا طعاماً واحداً { فادع لنا ربك } سله وقل له : أَخرِجْ { يُخرجْ لنا مما تنبت الأرض من بقلها } وهو كلُّ نباتٍ لا يبقى له ساقٌ { وقثائها } وهو نوعٌ من الخضروات { وفومها } وهو الحنطة ، فقال لهم موسى عليه السَّلام : { أتستبدلون الذي هو أدنى } أَيْ : أخسُّ وأوضع { بالذي هو خيرٌ } أَي : أرفع وأجلُّ؟ فدعا موسى عليه السَّلام فاستجبنا له وقلنا لهم : { اهبطوا مصراً } : أنزلوا بلدةً من البلدان { فإنَّ [ لكم ما سألتم } أَيْ : فإنَّ ] الذي سألتم لا يكون إلاَّ في القرى والأمصار { وضُربت عليهم } أَيْ : على اليهود الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم { الذلَّة } يعني : الجزيةَ وزيَّ اليهوديَّة ، ومعنى ضرب الذِّلة : إلزامهم إيَّاها إلزاماً لا يبرح { والمسكنة } زي الفقر وأثر البؤس { وباؤوا } احتملوا وانصرفوا { بغضب من الله ذلك } أَيْ : ذلك الضَّرب والغضب { بأنّهم كانوا يكفرون بآيات الله } التي أُنزلت على محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم { ويقتلون النَّبيين } أَيْ : يتولَّون أولئك الذين فعلوا ذلك { بغير حق } أَيْ : قتلاً بغير حقٍّ ، يعني : بالظُّلم { ذلك } الكفر والقتل بشؤم ركوبهم المعاصي وتجاوزهم أمر الله تعالى . (1/19)
{ إن الذين آمنوا } أَيْ : بالأنبياء الماضين ولم يؤمنوا بك { والذين هادوا } دخلوا في دين اليهوديَّة { والنصارى والصابئين } الخارجين من دين إلى دين ، وهم قومٌ يعبدون النُّجوم { مَنْ آمن } من هؤلاء { بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً } بالإيمان بمحمَّدٍ عليه السَّلام؛ لأنَّ الدليل قد قام أنَّ مَنْ لم يؤمن به لا يكون عمله صالحاً { فلهم أجرهم عند ربِّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون } .
{ وإذ أخذنا ميثاقكم } بالطَّاعة لله تعالى والإيمان بمحمَّدٍ عليه السَّلام في حال رفع الطُّور فوقكم ، يعني : الجبل ، وذلك لأنَّهم أبوا قبول شريعة التَّوراة ، فأمر الله سبحانه جبلاً فانقلع من اصله حتى قام على رؤوسهم ، فقبلوا خوفاً من أن يُرضخوا على رؤوسهم بالجبل ، وقلنا لكم : { خذوا ما آتيناكم } اعملوا بما أُمرتم به { بقوَّةٍ } بجدٍّ ومواظبةٍ على طاعة الله عزَّ وجلَّ { واذكروا ما فيه } من الثَّواب والعقاب { لعلكم تتقون } .
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)
{ ثمَّ توليتم بعد ذلك } أعرضتم عن أمر الله تعالى وطاعته من بعد أخذ الميثاق { فلولا فضل الله عليكم ورحمته } بتأخير العذاب عنكم { لكنتم من الخاسرين } الهالكين في العذاب . (1/20)
{ ولقد علمتم } عرفتم حال { الذين اعتدوا } جاوزوا ما حُدَّ لهم من ترك الصَّيد في السَّبت { فقلنا لهم كونوا } بتكويننا إيَّاكم { قردةً خاسئين } مطرودين مبعدين .
{ فجعلناها } أَيْ : تلك العقوبة والمسخة { نكالاً } عبرةً { لما بين يديها } للأمم التي ترى الفرقة الممسوخة { وما خلفها } من الأمم التي تأتي بعدها { وموعظة } عبرةً { للمتقين } للمؤمنين [ الذين يتقون ] من هذه الأمَّة .
{ وإذ قال موسى لقومه إنَّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } وذلك أنَّه وُجد قتيلٌ في بني إسرائيل ولم يدروا قاتله ، فسألوا موسى عليه السَّلام أن يدعو الله تعالى ليبيِّن لهم ذلك ، فسأل موسى ربَّه فأمرهم بذبح بقرةٍ ، فقال لهم موسى عليه السَّلام : إنَّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة { قالوا أتتخذنا هزواً } أتستهزىء بنا حين نسألك عن القتيل فتأمرنا بذبح البقرة؟! { قال أعوذ بالله } أمتنع به أن أكون من المستهزئين بالمؤمنين ، فلمَّا علموا أنَّ ذلك عزمٌ من الله عزَّ وجلَّ سألوه الوصف ، فقالوا :
{ ادع لنا ربك } أَيْ : سله بدعائك إيَّأه { يبين ما هي } ما تلك البقرة ، وكيف هي ، وكم سنُّها؟ وهذا تشديدٌ منهم على أنفسهم { قال إنَّه يقولُ : إنها بقرةٌ لا فارضٌ } مُسِنَّةٌ كبيرةٌ { ولا بكرٌ } فتيةٌ صغيرةٌ { عوانٌ } نَصَفٌ بين السِّنَّينِ { فافعلوا ما تؤمرون } [ فيه تنبيهٌ على منعهم ] .
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)
{ فاقعٌ لونها } أَيْ : شديد الصُّفرة { تسرُّ الناظرين } تعجبهم بحسنها . (1/21)
{ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } أَسائمةٌ أم عاملةٌ؟ { إنَّ البقر } جنس البقر { تشابه } اشتبه وأشكل { علينا وإنَّا إنْ شاء الله لمهتدون } إلى وصفها . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وايمُ اللَّهِ ، لو لم يستثنوا لما بُيِّنت لهم آخر الأبد .
{ قال إنَّه يقول إنها بقرةٌ لا ذلولٌ } مُذلَّلةٌ بالعمل { تثير الأرض } تُقلبها للزراعة ، أَيْ : ليستْ تقلِّب؛ لأنَّها ليست ذلولاً { ولا تسقي الحرث } الأرض المهيَّأة للزِّراعة { مسلَّمة } من العيوب وآثار العمل { لاشية فيها } لا لون فيها يُفارق سائر لونها { قالوا الآن جئت بالحقّ } بالوصف التّام الذي تتميَّز به من أجناسها ، فطلبوها فوجدوها { فذبحوها وما كادوا يفعلون } لغلاء ثمنها .
{ وإذ قتلتم نفساً } هذا أوَّل القصَّة ، ولكنَّه مؤخرَّ في الكلام { فادَّارأتم } فاختلفتم وتدافعتم { والله مخرجٌ } مُظهرٌ { ما كنتم تكتمون } من أمر القتيل .
{ فقلنا اضربوه ببعضها } بلسانها فيحيى ، فَضرب فحييَ { كذلك يُحْيِ الله الموتى } أَيْ : كما أحيا هذا القتيل { ويريكم آياته } آيات قدرته في خلق الحياة في الأموات ، [ كما خلق في عاميل ] .
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)
{ ثم قست قلوبكم } يا معشر اليهود ، أَي : اشتدَّت وصلبت { من بعد ذلك } من بعد هذه الآيات التي تقدَّمت من المسخ ورفع الجبل فوقهم ، وانبجاس الماء من الحجرِ ، وإحياء الميت بضرب عضوٍ ، وهذه الآيات ممَّا يصدِّقون بها { فهي كالحجارة } في القسوة وعدم المنفعة؛ بل { أشد قسوة } وإنَّما عنى بهذه القسوة تركهم الإِيمان بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بعد ما عرفوا صدقه ، وقدرةَ الله تعالى على عقابهم بتكذيبهم إيَّاه ، ثمَّ عذر الحجارة وفضَّلها على قلوبهم فقال : { وإنَّ من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإنَّ منها لما يشقَّق فيخرج منه الماء وإنَّ منها لما يهبط } ينزل من علوٍ إلى أسفلٍ { من خشية الله } . قال مجاهدٌ : كلُّ حجرٍ تفجَّر منه الماء ، أو تشقَّق عن ماء ] ، أو تردَّى من رأس جبلٍ فهو من خشية الله تعالى ، نزل به القرآن . ثمَّ أوعدهم فقال : { وما الله بغافلٍ عمَّا تعملون } ثمَّ خاطب النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، فقطع طمعهم عن إيمانهم ، فقال : (1/22)
{ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } وحالهم أنَّ طائفةً منهم كانوا { يسمعون كلام الله } يعني التَّوراة { ثم يحرفونه } يُغيِّرونه عن وجهه . يعني : الذين غيَّروا أحكام التَّوراة ، وغيَّروا آية الرَّجم ، وصفة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم { من بعد ما عقلوه } أَيْ : لم يفعلوا ذلك عن نسيانٍ وخطأٍ ، بل فعلوه عن تعمُّدٍ { وهم يعلمون } أنَّ ذلك مَكْسَبةٌ للأوزار .
{ وإذا لقوا الذين آمنوا } يعني : منافقي اليهود { قالوا آمنا } بمحمَّدٍ ، وهو نبيٌّ صادقٌ نجده في كتبنا { وإذا خلا بعضهم إلى بعض } يعني : إذا رجع هؤلاء المنافقون إلى رؤسائهم لاموهم فقالوا : { أتحدثونهم } أتخبرون أصحاب محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - { بما فتح الله عليكم } من صفة النَّبيِّ المُبشَّر به { ليحاجُّوكم } ليجادلوكم ويخاصموكم { به } بما قلتم لهم { عند ربكم } في الآخرة ، يقولون : كفرتم به بعد أن وقفتم على صدقة { أفلا تعقلون } أفليس لكم ذهن الإنسانيَّة؟ فقال الله تعالى :
{ أولا يعلمون أنَّ الله يعلم ما يسرون } من التَّكذيب ، يعني : هؤلاء المنافقين { وما يعلنون } من التَّصديق .
{ ومنهم } ومن اليهود { أميُّون } لا يكتبون ولا يقرؤون { لا يعلمون الكتاب إلاَّ أمانيّ } إلاَّ أكاذيب وأحاديثَ مُفتعلةً يسمعونها من كبرائهم { وإن هم إلاَّ يظنون } أَيْ : إلاَّ ظانِّين ظنَّاً وتوهُّماً ، فيجحدون نُبُوَّتَكَ بالظَّنِّ .
{ فويلٌ } فشدَّةُ عذابٍ { للذين يكتبون الكتاب بأيديهم } أَيْ : من قِبَلِ أنفسهم من غير أن يكون قد أُنزل { ثم يقولون هذا من عند الله } الآية . يعني اليهود ، عمدوا إلى صفة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وكتبوا صفته على غير ما كانت في التَّوراة ، وأخذوا عليه الأموال فذلك قوله تعالى : { وويلٌ لهم ممَّا يكسبون } [ من حُطَام الدُّنيا ] فلمَّا أوعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنَّار عند تكذيبهم إيَّاه .
وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)
قالوا : { لن تمسنا النَّارُ إلاَّ أياماً معدودةً } قليلةً ، ويعنون الأيَّام التي عبد آباؤهم فيها العجل ، فكذَّبهم الله سبحانه فقال : قل لهم يا محمَّدُ : { أَتَّخَذْتُمْ عند الله عهداً } أخذتم بما تقولون من الله ميثاقاً؟ [ { فلن يخلف الله عهده } ] والله لا ينقض ميثاقه { أم تقولون على الله } الباطلَ جهلاً منكم ، ثمَّ ردَّ على اليهود قولهم : لن تمسَّنا النَّار ، فقال : { بلى } أُعذِّب . (1/23)
{ مَنْ كسب سيئة } وهي الشِّرك { وأحاطت به خطيئته } : سدَّت عليه مسالك النَّجاة ، وهو أّنْ يموت على الشِّرك { فأولئك [ أصحاب النار هم فيها خالدون ] } الذين يُخلَّدون في النَّار . ثمَّ أخبر عن أخذ الميثاق عليهم بتبيين نعت محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فقال : { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل } أَيْ : في التَّوراة { لا تعبدون } أَيْ : بأن لا تعبدوا { إلاَّ الله وبالوالدين إحساناً } أَيْ : ووصَّيناهم بالوالدين إحساناً { وذي القربى } أَي : القرابة في الرَّحم [ { واليتامى } يعني : الذين مات أبوهم قبل البلوغ ] { وقولوا للناس حسناً } أَيْ : صدقاً وحقَّاً في شأن محمَّدٍ عليه السَّلام ، وهو خطابٌ لليهود ، { ثم توليتم } أعرضتم عن العهد والميثاق ، يعني : أوائلهم { إلاَّ قليلاً منكم } يعني : مَنْ كان ثابتاً على دينه ، ثمَّ آمن بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم { وأنتم معرضون } عمَّا عُهد إليكم كأوائلكم .
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)
{ وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم } بأن لا يقتل بعضكم بعضاً ، ولا يُخرج بعضكم بعضاً من داره ولا يغلبه عليها ، { ثم أقررتم } أَيْ : قبلتم ذلك { وأنتم } اليوم { تشهدون } على إقرار أوائلكم ، ثمَّ أخبر أنَّهم نقضوا هذا الميثاق فقال : (1/24)
{ ثم أنتم هؤلاء } [ أراد : يا هؤلاء ] { تقتلون أنفسكم } يقتل بعضكم بعضاً . { وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم } تتعاونون على أهل ملَّتكم [ { بالإثم والعدوان } ] : بالمعصية والظُّلم { وإن يأتوكم أسارى } مأسورين يطلبون الفداء فديتموهم { وهو محرَّم عليكم إخراجهم } أَيْ : وإخراجهم عن ديارهم محَّرمٌ عليكم { أفتؤمنون ببعض الكتاب } يعني : فداء الأسير { وتكفرون ببعض } يعني : القتل والإخراج والمظاهرة على وجه الإباحة؟ قال السُّدِّيُّ : أخذ الله تعالى عليهم أربعة عهودٍ : تركَ القتل ، وترك الإِخراج ، وترك المظاهرة ، وفداء أُسرائهم فأعرضوا عن كلِّ ما أُمروا به إلاَّ الفداء . { فما جزاء مَنْ يفعل ذلك منكم إلا خزيٌ } فضيحةٌ وهوانٌ { في الحياة الدنيا } ، وقوله :
{ فلا يخفف عنهم العذاب } معناه : في الدُّنيا والآخرة ، وقيل : هذه الحالة مختصَّةٌ بالآخرة .
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92)
{ ولقد آتينا موسى الكتاب وقفَّينا من بعده الرسل } أَيْ : وأرسلنا رسولاً بعد رسول { وآتينا عيسى ابن مريم البينات } يعني : ما أُوتي من المعجزة { وأيدناه } وقوَّيناه { بِرُوحِ القدس } بجبريل عليه السَّلام ، وذلك أنَّه كان قرينه يسير معه حيث سار ، يقول : فعلنا بكم كلَّ هذا فما استقمتم؛ لأنَّكم { كلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم } ثمَّ تعظَّمتم عن الإِيمان به { ففريقاً كذَّبتم } مثل عيسى ومحمَّدٍ عليهما السَّلام { وفريقاً تقتلون } مثل يحيى وزكريا عليهما السَّلام . (1/25)
{ وقالوا قلوبنا غلفٌ } هو أنَّ اليهود قالوا استهزاءً وإنكاراً لما أتى به محمد عليه السَّلام : قلوبنا غلفٌ عليها غشاوةٌ ، فهي لا تعي ولا تفقه ما تقول ، وكلُّ شيءٍ في غلافٍ فهو أغلف ، وجمعه : غُلْف ، ثمَّ أكذبهم الله تعالى فقال : { بل لعنهم الله } أَيْ : أبعدهم من رحمته فطردهم { فقليلاً ما يؤمنون } أَيْ : فبقليلٍ يؤمنون بما في أيديهم . وقال قتادة : " فقليلاً ما يؤمنون " ، أَيْ : ما يؤمن منهم إلاَّ قليلٌ ، كعبد الله بن سلام .
{ ولما جاءهم كتاب } يعني : القرآن { مصدِّق } موافقٌ { لما معهم } { وكانوا } يعني : اليهود { من قبل } نزول الكتاب { يستفتحون } يستنصرون { على الذين كفروا } بمحمد عليه السَّلام وكتابه ، ويقولون : اللَّهم انصرنا بالنَّبيِّ المبعوث في آخر الزَّمان { فلما جاءهم ما عرفوا } يعني : الكتاب وبعثة النبيّ { كفروا } ثمَّ ذمَّ صنيعهم فقال :
{ بئس ما اشتروا به أنفسهم } أَيْ : بئس ما باعوا به حظَّ أنفسهم من الثَّواب بالكفر بالقرآن { بغياً } أَيْ : حسداً { أن ينزل الله } أَيْ : إنزال الله { من فضله على من يشاء من عباده } وذلك أنَّ كفر اليهود لم يكن من شكٍّ والا اشتباهٍ ، وإنَّما كان حسداً حيث صارت النُّبوَّة في ولد إسماعيل عليه السَّلام { فباؤوا } فانصرفوا واحتملوا { بغضب } من الله عليهم لأجل تضييعهم التَّوراة { على غضب } لكفرهم بالنَّبي محمَّد صلى الله عليه وسلم والقرآن .
{ وإذا قيل } لليهود { آمنوا بما أنزل الله } بالقرآن { قالوا نؤمن بما أنزل علينا } يعني : التَّوراة { ويكفرون بما وراءه } بما سواه { وهو الحقُّ } يعني : القرآن { مصدِّقاً لما معهم } موافقاً للتَّوراة ، ثمَّ كذَّبَهم الله تعالى في قولهم : نؤمن بما أنزل علينا بقوله : { فلمَ تقتلون أنبياء الله } أَيْ : أيُّ كتابٍ جُوِّز فيه قتلُ نبيٍّ؟! [ { إن كنتم مؤمنين } شرطٌ ، وجوابه ما قبله ] ، ثمَّ ذكر أنَّهم كفروا بالله تعالى مع وضوح الآيات في زمن موسى عليه السَّلام فقال :
{ ولقد جاءكم موسى بالبينات } يعني : العصا واليد وفلق البحر { ثمَّ اتخذتم العجل من بعده } إلهاً { وأنتم ظالمون } .
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97)
{ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوَّة واسمعوا } مضى تفسيره ، ومعنى : واسمعوا ، أَيْ : [ اقبلوا ] ما فيه من حلاله وحرامه وأطيعوا { قالوا : سمعنا } ما فيه { وعصينا } ما أُمرنا به { وأُشربوا في قلوبهم العجل } وسُقوا حبَّ العجل وخُلطوا بحبِّ العجل حتى اختلط بهم ، والمعنى : حُبَّب إليهم العجل { بكفرهم } باعتقادهم التَّشبيه ، لأنَّهم طلبوا ما يُتَصَوَّرُ في أنفسهم { قل بئس ما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين } هذا تكذيبٌ لهم في قولهم : نؤمن بما أنزل علينا ، وذلك أنَّ آباءَهم ادَّعوا الإِيمان ، ثمَّ عبدوا العجل ، فقيل لهم : بئس الإيمان إيمانٌ يأمركم بالكفر ، والمعنى : لو كنتم مؤمنين ما عبدتم العجل ، يعني : آباءهم ، كذلك أنتم لو كنتم مؤمنين بما أُنزل عليكم ما كذَّبتم محمَّداً . (1/26)
{ قل إنْ كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إنْ كنتم صادقين } كانت اليهود تقول : لن يدخل الجنَّة إلاَّ مَنْ كان هوداً ، فقيل لهم : إن كنتم صادقين فتمنَّوا الموت ، فإنَّ مَنْ كان لا يشكُّ في أنَّه صائر إلى الجنَّةِ ، فالجنَّةُ آثرُ عنده .
{ ولن يتمنوه أبداً } لأنَّهم عرفوا أنَّهم كفرةٌ ، ولا نصيب لهم في الجنَّة ، وهو قوله تعالى : { بما قدَّمت أيديهم } أيْ : بما عملوا من كتمان أمر محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، وتغيير نعته { واللَّهُ عليم بالظالمين } فيه معنى التَّهديد .
{ ولتجدنهم } يا محمَّدُ ، يعني : علماءَ اليهود { أحرص الناس على حياةٍ } لأنَّهم علموا أنَّهم صائرون إلى النَّار إذا ماتوا؛ لما أتوا به في أمر محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم { ومن الذين أشركوا } أَيْ : وأحرص من منكري البعث ، ومَنْ أنكر البعث أحبَّ طول العمر؛ لأنَّه لا يرجو بعثاً ، فاليهود أحرص منهم؛ لأنَّهم علموا ما جنوا فهم يخافون النَّار { يودُّ أحدهم } أَيْ : أحد اليهود { لو يعمَّرُ ألف سنة } لأنَّه يعلم أنَّ آخرته قد فَسَدَتْ عليه { وما هو } أَيْ : وما أحدهم { بمزحزحه } بِمُبْعِدِهِ من { العذاب أن يعمَّر } تعميره .
{ قل مَنْ كان عدواً لجبريل } سألت اليهود نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم عن مَنْ يأتيه من الملائكة؟ فقال : جبريل ، فقالوا : هو عدوُّنا ، ولو أتاك ميكائيل آمنَّا بك ، فأنزل الله هذه الآية ، والمعنى : قل مَنْ كان عدوَّاً لجبريل فليمت غيظاً { فإنه نزله } أَيْ : نزَّل القرآن { على قلبك بإذن الله } بأمر الله { مصدقاً } موافقاً لما قبله من الكتب { وهدىًَ وبشرى للمؤمنين } ردٌّ على اليهود حين قالوا : إنَّ جبريل ينزل بالحرب والشِّدَّة ، فقيل : إنَّه - وإنْ كان ينزل بالحرب والشدَّة على الكافرين - فإنه ينزل بالهدى والبشرى للمؤمنين .
مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)
{ مَنْ كان عدوَّاً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإنَّ الله عدو للكافرين } أَيْ : مَنْ كان عدوّاً لأحد هؤلاء ، فإن اللَّهَ عدوٌّ له؛ لأن عدوَّ الواحدِ عدوُّ الجميع ، وعدوُّ محمَّدٍ عدوُّ الله ، والواو هاهنا بمعنى " أو " كقوله : { ومَن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله } الآية . لأنَّ الكافر بالواحد كافرٌ بالكلِّ ، وقوله { فإنَّ الله عدوٌ للكافرين } أَيْ : إنَّه تولَّى تلك العداوة بنفسه ، وكفى ملائكته ورسله أمر مَنْ عاداهم . (1/27)
{ ولقد أنزلنا إليك آيات بيّنات } دلالاتٍ واضحاتٍ ، وهذا جوابٌ لابن صوريا حين قال : يا محمد ، ما أُنزل عليك من آيةٍ بيِّنةٍ فَنَتَّبعكَ بها { وما يكفر بها إلاَّ الفاسقون } الخارجون عن أديانهم ، واليهود خرجت بالكفر بمحمَّد صلى الله عليه وسلم عن شريعة موسى عليه السَّلام ، ولمَّا ذكر محمدٌ صلى الله عليه وسلم لهم ما أخذ الله تعالى عليهم من العهد فيه قال مالك بن الصَّيف : والله ما عُهد إلينا في محمدٍ عهدٌ ولا ميثاق ، فأنزل الله تعالى .
{ أَوَكُلَّما عاهدوا عهداً } الآية ، وقوله : { نبذة فريق منهم } يعني : الذين نقضوه من علمائهم { بل أكثرهم لا يؤمنون } لأنهم من بين ناقضٍ للعهد ، وجاحدٍ لنبوَّته معاندٍ له ، وقوله :
{ نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب } يعني : علماء اليهود { كتاب الله } يعني التَّوراة { وراء ظهورهم } أَيْ : تركوا العمل به حين كفروا بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم والقرآن { كأنهم لا يعلمون } أنَّه حقٌّ ، وأنَّ ما أتى به صدقٌ ، وهذا إخبارٌ عن عنادهم ، ثمَّ أخبر أنَّهم رفضوا كتابة واتَّبعوا السِّحر فقال : { واتبعوا } يعني : علماء اليهود .
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)
{ ما تتلوا الشياطين } أَيْ : ما كانت الشَّياطين تُحدِّث وتقصُّ من السِّحر { على ملك سليمان } في عهده وزمان مُلْكه ، وذلك أنَّ سليمان عليه السَّلام لما نُزع ملكه دفنت الشَّياطين في خزانته سحراً ونيرنجات ، فلمَّأ مات سليمان دلَّت الشياطين عليها النَّاس حتى استخرجوها ، وقالوا للنَّاس : إنَّما مَلَكَكُم سليمان بهذا فتعلَّموه ، فأقبل بنو إسرائيل على تعلُّمها ، ورفضوا كتب أنبيائهم ، فبرَّأ الله سليمان عليه السَّلام فقال : { وما كفر سليمان } أَيْ : لم يكن كافراً ساحراً يسحر { ولكنَّ الشياطين كفروا } بالله { يعلمون الناس السحر } يريد : ما كتب لهم الشَّياطين من كُتب السِّحر { وما أنزل على الملكين } أَيْ : ويُعلِّمونهم ما أُنزل عليهما ، أَيْ : ما عُلِّما وأُلْهِمَا ، وقُذِف في قلوبهما من علم التَّفرقة ، وهو رقيةٌ وليس بسحرٍ ، وقوله : { وما يعلِّمان } يعني : المَلَكَيْن السِّحر { من أحدٍ } أحداً { حتى يقولا إنما نحن فتنة } ابتلاءٌ واختبارٌ { فلا تكفر } وذلك أنَّ الله عزَّ وجلَّ امتحن النَّاس بالملكين في ذلك الوقت ، وجعل المحنة في الكفر والإيمان أن يقبل القابلُ تعلُّم السِّحر ، فيكفر بتعلُّمه ويؤمن بتركه ، ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء ، وهذا معنى قوله : { إنما نحن فتنة فلا تكفر } أَيْ : محنةٌ من الله نخبرك أنَّ عمل السِّحر كفرٌ بالله ، وننهاك عنه ، فإنْ أطعتنا نجوت وإن عصيتنا هلكت ، وقوله تعالى { فيتعلمون } أَيْ : فيأتون فيتعلَّمون من الملكين { ما يفرّقون به بين المرء وزوجه } وهو أن يؤخذ كلُّ واحدٍ منهما عن صاحبه ويُبغَّض كلُّ واحدٍ منهما إلى الآخر { وما هم } أَيْ : السَّحَرة الذين يتعلَّمون السِّحر { بضارين به } بالسِّحر { من أحدٍ } أحداً { إلاَّ بإذن الله } بإرادته كون ذلك ، أَيْ : لا يضرُّون بالسِّحر إلاَّ مَنْ أراد الله أن يلحقه ذلك الضَّرر { ويتعلمون ما يضرُّهم } في الآخرة { ولا ينفعهم } [ في الدُّنيا ] { ولقد علموا } يعني : اليهود { لمن اشتراه } من اختار السِّحر { ما له في الآخرة من خلاقٍ } من نصيب [ في الجنة ] ، ثمَّ ذمَّ صنيعهم فقال : { ولبئس ما شروا به أنفسهم } أَيْ : بئس شيءٌ باعوا به حظَّ أنفسهم حيث اختاروا السِّحر ونبذوا كتاب الله { لو كانوا يعلمون } كُنه ما يصير إليه مَنْ يخسر الآخرة من العقاب . (1/28)
{ ولو أنَّهم آمنوا } بمحمَّدٍ عليه السَّلام والقرآن { واتقوا } اليهوديَّة والسِّحر ، لأثيبوا ما هو خيرٌ لهم من الكسب بالسِّحر ، وهو قوله تعالى : { لمثوبةٌ من عند الله خيرٌ لو كانوا يعلمون } .
{ يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا } كان المسلمون يقولون للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : راعنا سمعك ، وكان هذا بلسان اليهوديَّة سبَّاً قبيحاً ، فلمَّا سمعوا هذه الكلمة يقولونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعجبتهم ، فكانوا يأتونه ويقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم ، فنهى الله تعالى المؤمنين عن ذلك ، وأنزل هذه الآية ، وأمرهم أن يقولوا بدل راعنا { انظرنا } أَيْ : انظر إلينا حتى نُفهمك ما نقول { واسمعوا } أيْ : أطيعوا واتركوا هذه الكلمة؛ لأنَّ الطَّاعة تجب بالسَّمع { ما يودُّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خيرٍ من ربكم } أَيْ : خيرٌ من عند ربكم .
{ والله يختص برحمته } يخصُّ بنبوَّته { مَنْ يشاء والله ذو الفضل العظيم } .
مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)
{ ما نَنْسَخْ من آية أو نُنْسِها } أَيْ : ما نرفع آيةً من جهة النَّسخ بأن نُبطل حكمها ، أو بالإِنساءِ لها بأنْ نمحوها عن القلوب { نأت بخير منها } أَيْ : أصلح لمن تُعبِّد بها ، وأنفع لهم وأسهل عليهم ، وأكثر لأجرهم { أو مثلها } في المنفعة والمثوبة { ألم تعلم أنَّ الله على كلِّ شيءٍ } من النِّسخِ والتَّبديل وغيرهما { قدير } : نزلت هذه الآية حين قال المشركون : إنَّ محمداً يأمر أصحابه بأمرٍ ، ثمَّ ينهاهم عنه ، ويأمرهم بخلافه ، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً . ما هذا القرآن إلاَّ كلام محمد ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقولَهُ : { وإذا بدَّلنا آية مكان آيةٍ . . . } الآية . (1/29)
{ ألم تعلم أنَّ الله له ملك السموات والأرض } يعمل فيهما ما يشاء ، وهو أعلم بوجه الصَّلاح فيما يتعبَّدهم به من ناسخٍ ومنسوخٍ { ومالكم من دون الله من ولي } أَيْ : والٍ يلي أمركم ويقوم به { ولا نصير } ينصركم ، وفي هذا تحذيرٌ من عذابه إذ لا مانع منه .
{ أم تريدون } أَيْ : بل أتريدون { أن تسألوا رسولكم } محمداً صلى الله عليه وسلم { كما سئل موسى من قبل } وذلك أنَّ قريشاً قالوا : يا محمَّدُ ، اجعل لنا الصَّفا ذهباً ، ووسِّعْ لنا أرض مكَّة ، فَنُهوا أن يقترحوا عليه الآيات كما اقترح قوم موسى عليه السَّلام حين قالوا : { أرنا الله جهرة } وذلك أنَّ السُّؤال بعد قيام البراهين كفرٌ ، ولذلك قال : { ومن يتبدل الكفر بالإِيمان فقد ضلَّ سواء السبيل } قصده ووسطه .
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)
{ ودَّ كثيرٌ من أهل الكتاب . . . } الآية . نزلت حيت قالت اليهود للمسلمين بعد وقعة أُحدٍ : ألم تروا إلى ما أصابكم ، ولو كنتم على الحقِّ ما هُزمتهم فارجعوا إلى ديننا ، فذلك قوله تعالى : { لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم } أَيْ : في حكمهم وتديّنهم ما لم يؤمروا به { من بعد ما تبين لهم الحق } في التَّوراة أنَّ قول محمَّدٍ صدقٌ ودينه حقٌّ { فاعفوا واصفحوا } وأعرضوا عن مساوىء أخلاقهم وكلامهم وغلِّ قلوبهم { حتى يأتي الله بأمره } بالقتال . (1/30)
{ وقالوا لن يدخل الجنة . . . } الآية ، أَيْ : قالت اليهود : لن يدخل الجنَّة { إلاَّ مَنْ كان هوداً } وقالت النَّصارى : لن يدخلها إلاَّ النَّصارى { تلك أمانيهم } التي تمنَّوها على الله سبحانه باطلاً { قل هاتوا برهانكم } قرِّبوا حجَّتكم على ما تقولون ، ثمَّ بيَّن مَنْ يدخلها فقال :
{ بلى } يدخلها { مَنْ أسلم وجهه لله } انقاد لأمره وبذلك له وجهه في السُّجود { وهو محسن } مؤمنٌ مصدقٌ بالقرآن .
وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)
{ وقالت اليهود ليست النصارى على شيء } لمَّا قدم وفد نجران فتنازعوا مع اليهود ، وكفَّر كلُّ واحدٍ من الفريقين الآخر ، وقوله تعالى : { وهم يتلون الكتاب } يعني : إنَّ الفريقين يتلون التَّوراة وقد وقع بينهما هذا الاختلاف وكتابهم واحد ، فدلَّ بهذا على ضلالتهم { كذلك قال الذين لا يعلمون } يعني : كفَّار الأمم الماضية ، وكفَّار هذه الأمَّة { مثل قولهم } في تكذيب الأنبياء والاختلاف عليهم ، فسبيل هؤلاء الذين يتلون الكتاب كسبيل مَنْ لا يعلم الكتاب [ أنَّه من الله تعالى ] من المشركين في الإنكار لدين الله سبحانه { فالله يحكم بينهم . . . } الآية : أَيْ : يُريهم عياناً مَنْ يدخل الجنَّة ومَنْ يدخل النَّار . (1/31)
{ ومن أظلم ممن منع مساجد الله } يعني : بيت المقدس ومحاريبه . نزلت في أهل الرُّوم حين خرَّبوا بيت المقدس { أولئك } يعني : أهل الرُّوم { ما كان لهم أن يدخلوها إلاَّ خائفين } لم يدخل بيت المقدس بعد أن عمره المسلمون روميٌّ إلاَّ خائفاً لو عُلم به قُتل { لهم في الدنيا خزيٌ } يعني : القتل للحربيِّ ، والجزية للذميِّ .
{ ولله المشرقُ والمغرب } أَيْ : إنَّه خالقهما . نزلت في قوم من الصَّحابة سافروا فأصابهم الضَّباب فتحرَّوا القِبلة وصلَّوا إلى أنحاءٍ مختلفةٍ ، فلمَّا ذهب الضَّباب استبان أنَّهم لم يصيبوا ، فلمَّا قدموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك . وقوله تعالى : { فأينما تولوا } أَيْ : تصرفوا وجوهكم { فثمَّ وجه الله } أَيْ : فهناك قِبلة الله وجهته التي تعبَّدكم الله بالتوجُّه إليها { إنَّ الله واسعٌ عليم } أَيْ : واسع الشَّريعة يُوسِّع على عباده في دينهم . [ اختلف العلماء في حكم هذه الآية ، فمنهم مَنْ قال : هي منسوخة الحكم بقوله : { فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام } ؛ومنهم مَنْ قال : حكمها ثابت غير أنها مخصوصة بالنَّوافل في السفر . وقيل : إنها نزلت في شأن النجاشي حين صلَّى عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وقولهم له : كيف تُصلِّي على رجل صلَّى إلى غير قبلتنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وبيَّن أنَّ النجاشي وإنْ صلَّى إلى المشرق أو المغرب فإنَّما قصد بذلك وجه الله وعبادته ، ومعنى { فثمَّ وجه الله } أَيْ : فَثَمَّ رضا الله وأمره ، كما قال : { إنَّما نُطعمكم لوجه الله } والوجهُ والجِهةُ والوِجهةُ : القِبلةُ ] .
وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)
{ وقالوا اتخذ الله ولداً } يعني : اليهود في قولهم : { عزيز ابنُ الله } والنصارى في قولهم : { والمسيح ابنُ الله } والمشركين في قولهم : الملائكة بناتُ الله ، ثمَّ نزَّه نفسه عن الولد فقال : { سبحانه بل } ليس الأمر كذلك { له ما في السموات والأرض } عبيداً وملكاً . { كلٌّ له قانتون } مطيعون : يعني : أهل طاعته دون النَّاس أجمعين . (1/32)
{ بديع السموات والأرض } خالقهما وموجدهما لا على مثالٍ سبق . { وإذا قضى أمراً } قدَّره وأراد خلقه { فإنما يقول له كن فيكون } أَيْ : إنما يُكوِّنه فيكون ، وشرطه أن يتعلَّق به أمره . [ وقال الأستاذ أبو الحسن : يُكوِّنه بقدرته فيكون على ما أراد ] .
{ وقال الذين لا يعلمون } يعني : مشركي العرب قالوا لمحمَّدٍ : لن نؤمن لك حتى { يكلّمنا الله } أنَّك رسوله { أو تأتينا آية } يعني : ما سألوا من الآيات الأربع في قوله تعالى : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا . . . } الآيات . ومعنى { لولا يكلِّمنا الله } أَيْ : هلاَّ يُكلِّمنا الله أنَّك رسوله . { كذلك قال الذين من قبلهم } يعني : كفَّار الأمم الماضية كفروا بالتَّعنُّتِ بطلب الآيات كهؤلاء { تشابهت قلوبهم } أشبه بعضها بعضاً في الكفر والقسوة ومسألة المحال { قد بيَّنا الآيات لقوم يوقنون } أَيْ : مَنْ أيقن وطلب الحقَّ فقد أتته الآيات؛ لأنَّ القرآن برهانٌ شافٍ .
{ إنا أرسلناك بالحق } بالقرآن والإسلام ، أَيْ : مع الحقِّ { بشيراً } مُبشِّراً للمؤمنين { ونذيراً } مُخوِّفاً ومُحذِّراً للكافرين { ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم } أَيْ : لست بمسؤولٍ عنهم ، وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لو أنَّ الله عزَّ وجلَّ أنزل بأسه باليهود لآمنوا " ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، أَيْ : ليس عليك من شأنهم عُهدةٌ ولا تبعة .
{ ولن ترضى عنك اليهود . . . } الآية نزلت في تحويل القبلة ، وذلك أنَّ اليهود والنَّصارى كانوا يرجون أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم يرجع إلى دينهم ، فلمَّا صرف الله تعالى القِبلة إلى الكعبة شقَّ عليهم ، وأيسوا منه أن يوافقهم على دينهم ، فأنزل الله تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } يعني : دينهم وتصلِّي إلى قبلتهم { قل إنَّ هدى الله هو الهدى } أَي : الصِّراط الذي دعا إليه ، وهدى إليه هو طريق الحقِّ { ولَئِنِ اتبعت أهواءهم } يعني : ما كانوا يدعونه إليه من المهادنة والإِمهال { بعد الذي جاءك من العلم } أَي : البيان بأنَّ دين الله عزَّ وجلَّ هو الإسلام وأنَّهم على الضَّلالة { مالك من الله من وليٍّ ولا نصير } .
الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)
{ الذين آتيناهم الكتاب } يعني : مؤمني اليهود { يتلونه حق تلاوته } يقرؤونه كما أُنزل ولا يُحرِّفونه ، ويتَّبعونه حقَّ اتِّباعه . (1/33)
وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)
{ وإذا ابتلى إبراهيم ربُّه } اختبره : أَيْ : عامله معاملة المُختبِر { بكلماتٍ } هي عشر خصالٍ : خمسٌ في الرأس ، وهي : الفرق ، والمضمضة ، والاستنشاق ، والسِّواك ، وقصُّ الشَّارب ، وخمسٌ في الجسد ، وهي : تقليم الأظفار ، وحلق العانة ، والختان ، والاستنجاء ، ونتف الرُّفغين { فأتمهنَّ } أدَّاهنَّ تامَّاتٍ غير ناقصات { قال } الله تعالى : { إني جاعلك للناس إماماً } يقتدي بك الصَّالحون . فقال إبراهيم : { ومِنْ ذريتي } أَيْ : ومن أولادي أيضاً فاجعل أئمةً يُقتدى بهم ، فقال الله عزَّ وجلَّ { لا ينال عهدي الظالمين } يريد : مَنْ كان من ولدك ظالماً لا يكون إماماً ، ومعنى : { عهدي } أَيْ : نُبوَّتي . (1/34)
{ وإذ جعلنا البيت } يعني : الكعبة { مثابةً للناس } معاداً يعودون إليه لا يقضون منه وطراً ، كلَّما انصرفوا اشتاقوا إليه { وأَمْناً } أَيْ : مؤمناً ، وكانت العرب يرى الرَّجل منهم قاتل أبيه في الحرم فلا يتعرَّض له ، وأمَّا اليوم فلا يُهاج الجاني إذا التجأ إليه عند أهل العراق ، وعند الشافعيِّ : الأولى أن لا يُهاج ، فإنْ أُخيف بإقامة الحدِّ عليه جاز . وقد قال كثيرٌ من المفسرين : مَنْ شاء آمن ، ومَنْ شاء لم يُؤمن ، كما أنَّه لمَّا جعله مثابةً ، مَنْ شاء ثاب ، ومَنْ شاء لم يثب . { واتَّخذوا } أَيْ : النَّاس { من مقام إبراهيم } وهو الحجر الذي يُعرف بمقام إبراهيم ، وهو موضع قدميه { مصلَّى } وهو أنَّه تُسنُّ الصَّلاة خلف المقام ، قُرىء على هذا الوجه على الخبر ، وقرىء بالكسر على الأمر . { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل } أمرناهما وأوصينا إليهما { أنْ طهِّرا بيتي } من الأوثان والرِّيَب [ { للطائفين } حوله ، وهم النزائع إليه من آفاق الأرض { والعاكفين } أي : المقيمين فيه ، وهم سكان الحرم { والركع } جمع راكع و { السجود } جمع ساجد؛ مثله : قاعد وقعود ] .
{ وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا } أَيْ : هذا المكان وهذا الموضع { بلداً } مسكناً { آمناً } أَيْ : ذا أمنٍ لا يُصاد طيره ، ولا يُقطع شجره ولا يُقتل فيه أهله . { وارزق أهله من الثمرات } أنواع حمل الشَّجر { مَنْ آمن منهم بالله واليوم الآخر } خَصَّ إبراهيم عليه السلام بطلب الرزق المؤمنين . قال تعالى : { وَمَنْ كفر فأمتعه قليلاً } فسأرزقه إلى منتهى أجله { ثمَّ أضطره } أُلجئه في الآخرة { إلى عذاب النار وبئس المصير } هي .
{ وإذ يرفع إبراهيم القواعد } أصول الأساس { من البيت وإسماعيل } ويقولان : { ربنا تقبلْ منَّا } تقرُّبنا إليك ببناء هذا البيت { إنك أنت السميع } لدعائنا { العليمُ } بما في قلوبنا .
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)
{ ربنا واجعلنا مسلمين لك } مُطيعين مُنقادين لحكمك { ومن ذريتنا أمة } جماعةً { مسلمة لك } وهم المهاجرون والأنصار والتَّابعون بإحسان { وأرنا مناسكنا } عرّفنا مُتَعبَّداتنا . (1/35)
{ ربنا وابعث فيهم } في الأمَّة المسلمة { رسولاً منهم } يريد : محمَّداً صلى الله عليه وسلم { يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة } أَي : القرآن { ويزكيهم } ويُطهِّرهم من الشِّرك { إنك أنت العزيز } الغالب القويُّ الذي لا يعجزه شيءٌ ، ومضى تفسير الحكيم .
{ ومَنْ يرغب عن ملة إبراهيم } أَيْ : وما يرغب عنها ولا يتركها { إلاَّ مَنْ سفه نفسه } أَيْ : جهلها بأَنْ لم يعلم أنَّها مخلوقةٌ لله تعالى يجب عليها عبادة خالقها { ولقد اصطفيناه في الدُّنيا } اخترناه للرِّسالة { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } أَيْ : من الأنبياء .
{ إذ قال له ربه أسلم } أخلص دينك لله سبحانه بالتَّوحيد ، وقيل : أسلم نفسك إلى الله { قال أسلمت } بقلبي ولساني وجوارحي { لرب العالمين } .
{ ووصَّى بها } أَيْ : أمر بالملَّة ، وقيل : بكلمة الإِخلاص { إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنيَّ } أراد : أَنْ يا بنيَّ { إنَّ الله اصطفى لكم الدين } أَي : الإِسلام دين الحَنيِفيَّة { فلا تموتن إلاَّ وأنتم مسلمون } أَي : الزموا الإِسلام حتى إذا أدرككم الموت صادفكم عليه .
أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139)
{ أم كنتم شهداء } ترك الكلام الأوَّل ، وعاد إلى مُخاطبة اليهود . المعنى : بل أكنتم شهداء ، أَيْ : حضوراً { إذ حضر يعقوب الموت } وذلك أنَّ اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : ألستَ تعلم أنَّ يعقوب يوم مات ما أوصى بنيه باليهوديَّة؟ فأكذبهم الله تعالى ، وقال : أكنتم حاضرين وصيته { إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي } . (1/36)
{ تلك أمة } يعني : إبراهيم وبنيه ، ويعقوب وبنيه { قد خلت } قد مضت { لها ما كسبت } من العمل { ولكم } يا معشر اليهود { ما كسبتم } أَيْ : حسابهم عليهم ، وإنَّما تُسألون عن أعمالكم .
{ وقالوا كونوا هوداً أو نصارى } نزلت في يهود المدينة ونصارى نجران ، قال كلُّ واحدٍ من الفريقين للمؤمنين : كونوا على ديننا فلا دين إلاَّ ذلك ، فقال الله تعالى : { قل بل ملَّة إبراهيم حنيفاً } يعني : بل نتبع ملَّة إبراهيم حنيفاً مائلاً عن الأديان كلِّها إلى دين الإسلام ، ثمَّ أمر المؤمنين أن يقولوا :
{ آمنا بالله وما أنزل إلينا } يعني : القرآن { وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } وهم أولاد يعقوب ، وكان فيهم أنبياء لذلك قال : وما أنزل إليهم . وقوله تعالى : { لا نفرِّق بين أحدٍ منهم } أَيْ : لا نكفر ببعضٍ ونؤمن ببعضٍ ، كما فعلت اليهود والنَّصارى .
{ فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به } أَيْ : إِنْ أتوا بتصديقٍ مثلِ تصديقكم ، وكان إيمانُهم كإيمانكم { فقد اهتدوا } فقد صاروا مسلمين { وإن تولوا } أعرضوا { فإنما هم في شقاق } في خلافٍ وعداوةٍ { فَسَيَكْفِيْكَهُمُ الله } ثمَّ فعل ذلك ، فكفاه أمر اليهود بالقتل والسَّبي في قريظة ، والجلاء والنَّفي في بني النَّضير ، الجِزية والذَّلَّة في نصارى نجران .
{ صبغة الله } أَي : الزموا دين الله { ومَنْ أحسن من الله صبغة } أي : ومَنْ أحسنُ من الله ديناُ؟ .
{ قل } يا محمَّدُ لليهود والنَّصارى : { أتحاجوننا في الله } أَتُخاصموننا في دين الله؟ وذلك أنَّهم قالوا : إنَّ ديننا هو الأقدم ، وكتابنا هو الأسبق ، ولو كنتَ نبيّاً لكنتَ منَّا { ولنا أعمالنا } نُجازى بحسنها وسيِّئها ، وأنتم في أعمالكم على مثل سبيلنا { ونحن له مخلصون } مُوحِّدون .
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140)
{ أم تقولون } إنَّ الأنبياء من قبل أن تنزَّل التَّوراة والإِنجيل { كانوا هوداً أو نصارى } { قل أأنتم أعلم أم الله } أَيْ : قد أخبرنا الله سبحانه أنَّ الأنبياء كان دينهم الإِسلام ، ولا أحدٌ أعلم منه { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله } هذا توبيخٌ لهم ، وهو أنَّ الله تعالى أشهدهم في التِّوراة والإِنجيل أنَّه باعثٌ فيهم محمداً صلى الله عليه وسلم من ذريَّة إبراهيم عليه السَّلام ، وأخذ مواثيقهم أَنْ يُبيِّنوه ولا يكتموه ، ثمَّ ذكر قصَّة تحويل القبلة . (1/37)
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)
{ سيقول السفهاء من الناس } يعني : مشركي مكَّة ويهود المدينة { ما ولاَّهم } ما صرفهم؟ يعنون النبيَّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين { عن قبلتهم التي كانوا عليها } وهي الصَّخرة { قل لله المشرق والمغرب } يأمر بالتَّوجُّه إلى أيٍّ جهةٍ شاء { يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } دينٍ مستقيمٍ . يريد : إنِّي رضيتُ هذه القِبلة لمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ مدح أمَّته فقال : (1/38)
{ وكذلك } أي : وكما هديناكم صراطاً مستقيماً { جعلناكم أمة وسطاً } عدولاً خياراً { لتكونوا شهداء على الناس } لتشهدوا على الأمم بتبليغ الأنبياء { ويكون الرسول عليكم } على صدقكم { شهيداً } وذلك أنَّ الله تعالى يسأل الأمم يوم القيامة ، فيقول : هل بلَّغكم الرُّسل الرِّسالة؟ فيقولون : ما بلَّغنا أحدٌ عنك شيئاً ، فيسأل الرُّسل فيقولون : بلَّغناهم رسالتك فعصوا ، فيقول : هل لكم شهيدٌ؟ فيقولون : نعم ، أُمَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، فيشهدون لهم بالتِّبليغ وتكذيب قومهم إيَّاهم ، فتقول الأمم : يا ربِّ ، بمَ عرفوا ذلك ، وكانوا بعدنا؟ فيقولون : أخبرنا بذلك نبيُّنا في كتابه ، ثمَّ يُزكِّيهم محمّدٌ صلى الله عليه وسلم . { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } أَي : التي أنتَ عليها اليوم ، وهي الكعبةُ ، قِبلةً { إلاَّ لنعلم } لنرى [ وقيل : معناه : لنميّز ] { مَنْ يتبع الرسول } في تصديقه بنسخ القِبلة { ممن ينقلب على عقبيه } يرتدُّ ويرجع إلى الكفر ، وذلك أنَّ الله تعالى جعل نسخ القِبلة على الصَّخرة إلى الكعبة ابتلاءً لعباده المؤمنين ، فمَنْ عصمه صدَّق الرَّسول في ذلك ، ومَنْ لم يعصمه شكَّ في دينه وتردَّد عليه أمره ، وظنَّ أنَّ محمداً عليه السَّلام في حيرةٍ من أمره ، فارتدَّ عن الإِسلام ، وهذا معنى قوله { وإن كانت لكبيرة } أَيْ : وقد كانت التَّولية إلى الكعبة لثقيلةً إلاَّ { على الذين هدى الله } عصمهم الله بالهداية ، فلمَّا حوِّلت القبلة قالت اليهود : فكيف بمَنْ مات منكم وهو يصلِّي على القبلة الأولى؟ لقد مات على الضَّلالة ، فأنزل الله تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أَيْ : [ صلاتكم التي صلَّيتم و ] تصديقكم بالقِبلة الأولى { إنَّ الله بالناس } يعني : بالمؤمنين { لرؤوف رحيم } والرَّأفة أشدُّ الرَّحمة .
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146)
{ قد نرى تقلُّب وجهك . . . } الآية . كانت الكعبة أحبَّ القبلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورأى أنَّ الصَّلاة إليها أدعى لقومه إلى الإسلام ، فقال لجبريل عليه السَّلام : وددتُ أنَّ الله صرفني عن قِبلة اليهود إلى غيرها ، فقال جبريل عليه السَّلام : إنَّما أنا عبدٌ مثلك ، وأنت كريم على ربِّك فسله ، ثمَّ ارتفع جبريل عليه السَّلام وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يُديم النَّظر إلى السَّماء رجاء أَنْ يأتيه جبريل عليه السَّلام بالذي سأل ، فأنزل الله تعالى : { قد نرى تقلب وجهك في السماء } أَيْ : في النَّظر إلى السَّماء { فَلَنُوَلِّيَنَّكَ } فلنُصَيِّرَنَّك تستقبل { قبلة ترضاها } تحبُّها وتهواها { فَوَلِّ وجهك } أَيْ : أَقبل بوجهك { شطر المسجد الحرام } نحوه وتلقاءه { وحيثما كنتم } في برٍّ أو بحرٍ وأردتم الصَّلاة { فولوا وجوهكم شطره } فلمَّا تحوَّلت القِبلة إِلى الكعبة قالت اليهود : يا محمد ما أُمرتَ بهذا ، وإنَّما هو شيءٌ تبتدعه من تلقاء نفسك ، فأنزل الله تعالى : { وإنَّ الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنَّه الحق } أنَّ المسجد الحرام قِبلة إبراهيم وأنَّه لحقٌّ { وما اللَّهُ بغافل عما تعملون } يا معشر المؤمنين مِنْ طلب مرضاتي . (1/39)
{ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب } يعني : اليهود والنَّصارى { بكلِّ آية } [ دلالةٍ ومعجزةٍ ] { ما تبعوا قبلتك } لأنَّهم مُعاندون جاحدون نبوَّتك مع العلم بها { وما أنت بتابعٍ قبلتهم } حسمَ بهذا أطماع اليهود في رجوع النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى قبلتهم؛ لأنَّهم كانوا يطمعون في ذلك { وما بعضهم بتابعٍ قبلة بعض } أخبر أنَّهم - وإنِ اتَّفقوا في التَّظاهر على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم - مُختلفون فيما بينهم ، فلا اليهود تتبع قِبلة النَّصارى ، ولا النَّصارى تتبع قِبلة اليهود { ولئن اتبعت أهواءهم } أَيْ : صلَّيت إلى قِبلتهم { بعد ما جاءك من العلم } أنَّ قِبلة الله الكعبة { إنك إذاً لمن الظالمين } أيْ : إِنَّك إذاً مثلُهم ، والخطابُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في الظَّاهر ، وهو في المعنى لأُمَّته .
{ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه } يعرفون محمَّداً صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته { كما يعرفون أبناءَهم وإنَّ فريقاً منهم ليكتمون الحق } من صفته في التَّوراة { وهم يعلمون } لأنَّ الله بيَّن ذلك في كتابهم .
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)
{ الحق من ربك } أَيْ : هذا الحقُّ من ربِّك { فلا تكوننَّ من الممترين } الشَّاكِّين في الجملة التي أخبرتك بها من أمر القِبلة ، وعناد اليهود وامتناعهم عن الإِيمان بك . (1/40)
{ ولكلٍّ } أَيْ : ولكلِّ أهل دينٍ { وجهةٌ } قِبلةٌ ومُتوجَّةٌ إليها في الصَّلاة { هو مُوَلِّيْها } وجهَه ، أَيْ : مستقبلها { فاستبقوا الخيرات } فبادروا إلى القبول من الله عزَّ وجل ، ووَلُّوا وجوهكم حيث أمركم الله تعالى { أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً } يجمعكم الله تعالى للحساب ، فيجزيكم بأعمالكم ، ثم أَكَّد استقبال القبلة أينما كان بآيتين ، وهما قوله تعالى .
{ ومن حيث خرجت . . . } الآية ، وقوله : { ومن حيث خرجت فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجَّةٌ } يعني : اليهود ، وذلك أنَّ اليهود كانوا يقولون : ما درى محمَّدٌ أين قِبلته حتى هديناه ، ويقولون : يخالفنا محمَّدٌ في ديننا ويتَّبِع قِبلتنا ، فهذا كان حجِّتهم التي كانوا يحتجُّون بها تمويهاً على الجُهَّال ، فلمَّا صُرفت القِبلة إلى الكعبة بطلت هذه الحجَّة ، ثمَّ قال تعالى : { إلاَّ الذين ظلموا منهم } من النَّاس ، وهم المشركون فإنَّهم قالوا : توجَّه محمدٌ إلى قِبلتنا ، وعلم أنَّا أهدى سبيلاً منه ، فهؤلاء يحتجُّون بالباطلِ ، ثمَّ قال : { فلا تخشوهم } يعني : المشركين في تظاهرهم عليكم في المُحاجَّة والمحاربة { واخشوني } في ترك القِبلة ومخالفتها ، { ولأُتمَّ نعمتي عليكم } أَيْ : ولكي أَتمَّ - عطفٌ على { لئلا يكون } - نعمتي عليكم بهدايتي إيّاكم إلى قِبلة إبراهيم ، فَتَتِمُّ لكم الملَّة الحنيفيَّة { ولعلكم تهتدون } ولكي تهتدوا إلى قِبلة إبراهيم .
{ كما أرسلنا فيكم } المعنى : ولأتمَّ نعمتي عليكم كإرسالي إليكم رسولاً ، أَيْ : أتمُّ هذه كما أتممت تلك بإرسالي { رسولاً منكم } تعرفون صدقه ونسبه { يتلو عليكم آياتنا } يعني : القرآن ، وهذا احتجاجٌ عليهم؛ لأنَّهم عرفوا أنَّه أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب ، فلمَّا قرأ عليهم القرآن تبيَّن لهم صدقه في النُّبوَّة { ويزكيكم } أَيْ : يُعرِّضكم لما تكونوا به أزكياء من الأمر بطاعة الله تعالى .
{ فاذكروني } بالطَّاعة { أذكركم } بالمغفرة { واشكروا لي } نعمتي { ولا تكفرون } أَيْ : لا تكفروا نعمتي .
{ يا أيها الذين آمنوا استعينوا } على طلب الآخرة { بالصبر } على الفرائض ، { والصلاة } وبالصَّلوات الخمس على تمحيص الذُّنوب { إنَّ الله مع الصابرين } أَيْ : إنِّي معكم أنصركم ولا أخذلكم .
وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162)
{ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات } نزلت في قتلى بدر من المسلمين ، وذلك أنَّهم كانوا يقولون لمَنْ يُقتل في سبيل الله : مات فلانٌ وذهب عنه نعيم الدُّنيا ، فقال الله تعالى : ولا تقولوا للمقتولين في سبيلي هم أمواتٌ { بل } هم { أحياء } لأنَّ أرواح الشُّهداء في أجواف طيرٍ خضرٍ تسرح في الجنَّة . { ولكن لا تشعرون } بما هم فيه من النَّعيم والكرامة . (1/41)
{ ولنبلونكم } ولنعاملنَّكم مُعاملة المبتلي { بشيء من الخوف } يعني : خوف العدوِّ { والجوع } يعني : القحط { ونقص من الأموال } يعني : الخسران والنُّقصان في المال وهلاك المواشي { والأنفس } يعني : الموت والقتل في الجهاد والمرض والشَّيب { والثمرات } يعني : الجوائح وموت الأولاد ، فمَنْ صبر على هذه الأشياء استحقَّ الثَّواب ، ومَنْ لم يصبر لم يستحق . يدلُّ على هذا قوله تعالى : { وبشر الصابرين } .
{ الذين إذا أصابتهم مصيبة } ممَّا ذُكر { قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون } أَيْ : أموالنا لله ، ونحن عبيدة يصنع بنا ما يشاء ، ثمَّ وعدهم على هذا القول المغفرة .
{ أولئك عليهم صلوات من ربهم } أَيْ : مغفرةٌ { ورحمة } ونعمةٌ { وأولئك هم المهتدون } إلى الجنَّة والثَّواب ، والحقِّ والصَّواب . وقيل : زيادة الهدى ، وقيل : هم المنتفعون بالهداية .
{ إنَّ الصفا والمروة } [ وهما جبلان معروفان بمكَّة ] { من شعائر الله } أَيْ : مُتعبَّداته { فمن حجَّ البيت } زاره معظِّماً له { أو اعتمر } قصد البيت للزِّيارة { فلا جناح عليه } فلا إثم عليه { إن يطوَّف بهما } بالجبلين ، وذلك أنَّ أهل الجاهليَّة كانوا يطوفون بينهما وعليهما صنمان يمسحونهما ، فكره المسلمون الطَّواف بينهما ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . { ومن تطوَّع خيراً } فعل غير المفترض عليه من طوافٍ ، وصلاةٍ ، وزكاةٍ ، وطاعةٍ { فإنَّ الله شاكر } مجازٍ له بعمله { عليم } بنيَّته .
{ إنَّ الذين يكتمون ما أنزلنا } يعني : علماء اليهود { من البينات } من الرَّجم والحدود والأحكام { والهدى } أمر محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ونعته { من بعد ما بيناه للناس } لبني إسرائيل { في الكتاب } في التَّوراة { أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون } كلُّ شيءٍ إلاَّ الجنَّ والإِنس .
{ إلاَّ الذين تابوا } رجعوا من بعد الكتمان { وأصلحوا } السَّريرة { وبيَّنوا } صفة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم { فأولئك أتوب عليهم } أعود عليهم بالمغفرة .
{ إنَّ الذين كفروا وماتوا وهم كفَّار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين } يعني : المؤمنين .
{ خالدين فيها لا يخففُ عنهم العذاب ولا هم ينظرون } أَيْ : ولا هم يُمهلون للرَّجعة والتَّوبة والمعذرة ، إذ قد زال التَّكليف .
وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)
{ وإلهكم إله واحدٌ } كان للمشركين ثلثمائةٍ وستون صمناً يعبدونها من دون الله سبحانه وتعالى ، فبيَّن الله سبحانه أنَّه إِلههم ، وأّنَّه واحدٌ ، فقال : { وإلهكم إله واحدٌ } أَيْ : ليس له في الإِلهيَّة شريكٌ ، ولا له في ذاته نظيرٌ { لا إله إلاَّ هو الرحمن الرحيم } كذَّبهم الله عزَّ وجلَّ في إشراكهم معه آلهةً ، فعجب المشركون من ذلك ، وقالوا : إنَّ محمداً يقول : { وإلهكم إله واحد } فليأتنا بآيةٍ إن كان من الصَّادقين ، فأنزل الله تعالى : (1/42)
{ إنَّ في خلق السموات والأرض } مع عظمهما وكثرة أجزائهما { واختلاف الليل والنهار } ذهابهما ومجئيهما { والفلك } السُّفن { التي تجري في البحر بما ينفع الناس } من التِّجارات { وما أنزل الله من السماء من ماء } من مطرٍ { فأحيا به الأرض } أخصبها بعد جدوبتها { وبثَّ } وفرَّق { فيها من كلِّ دابة وتصريف الرياح } تقليبها مرَّة جنوباً ومرَّة شمالاً ، وباردةً وحارَّة { والسحاب المسخَّر } المُذلَّل لأمر الله { بين السماء والأرض لآياتٍ } لدلالاتٍ على وحدانية الله { لقوم يعقلون } فعلَّمهم الله عزَّ وجلَّ بهذه الآية كيفية الاستدلال على الصَّانع وعلى توحيده ، وردَّهم إلى التًّفكُّر في آياته والنَّظر في مصنوعاته ، ثمَّ أعلم أنَّ قوماً بعد هذه الآيات والبيِّنات يتَّخذون الأنداد مع علمهم أنَّهم لا يأتون بشيءٍ ممَّا ذكر .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)
{ ومن النَّاس مَنْ يتخذ من دون الله أنداداً } يعني : الأصنام التي هي أندادٌ بعضها لبعضٍ ، أَيْ : امثال { يحبونهم كحب الله } أي : كحبِّ المؤمنين الله { والذين آمنوا أشد حباً لله } لأنَّ الكافر يُعرِضُ عن معبوده في وقت البلاء ، والمؤمن لا يُعرض عن الله في السِّراء والضَّراء ، والشِّدَّة والرَّخاء ، { ولو يرى الذين ظلموا } كفروا { إذ يرون العذاب } شدَّة عذاب الله تعالى وقوّته لعلموا مضرَّة اتِّخاذ الأنداد ، وجواب " لو " محذوفٌ ، وهو ما ذكرنا . (1/43)
{ إذ تبرَّأ الذين اتُّبعوا } هذه الآية تتصل بما قبلها؛ لأنَّ المعنى : وإنَّ الله شديد العذاب حين تبرَّأ المُتَّبَعُون في الشِّرك من أتباعهم عند رؤية العذاب ، يقولون : لم ندعُكم إلى الضَّلالة وإلى ما كنتم عليه { وتقطعت بهم } عنهم { الأسباب } الوصلات التي كانت بينهم في الدُّنيا من الأرحام والموَّدة ، وصارت مُخالَّتهم عداوةً .
{ وقال الذين اتبعوا } وهم الأتباع { لو أنَّ لنا كرَّةً } رجعةً إلى الدُّنيا تبرَّأنا منهم { كما تبرَّؤوا منا كذلك } أَيْ : كتبرُّىء بعضهم من بعضٍ { يريهم الله أعمالهم حسراتٍ عليهم } يعني : عبادتهم الأوثان رجاء أن تُقرِّبهم إلى الله تعالى ، فلمَّا عُذِّبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسَّروا .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)
{ يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً } نزلت هذه الآية في الذين حرَّموا على أنفسهم السَّوائب والوصائل والبحائر ، فأَعلمَ الله سبحانه أنَّها يَحلُّ أكْلُها ، وأنَّ تحريمها من عمل الشَّيطان ، فقال : { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أَيْ : سُبله وطرقه ، ثمَّ بيَّن عداوة الشَّيطان ، فقال : (1/44)
{ إنما يأمركم بالسوء } بالمعاصي { والفحشاء } البخل ، وقيل : كلُّ ذنبٍ فيه حدٌّ { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } من تحريم الأنعام والحرث .
{ وإذا قيل لهم } أي : لهؤلاء الذين حرَّموا من الحرث والأنعام أشياء { اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا } ما وجدنا { عليه آباءنا } فقال الله تعالى مُنكراً عليهم : { أَوَلَوْ كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون } يتَّبعونهم؟ والمعنى : أيتَّبعون آبائهم وإنْ كانوا جهَّالاً؟! ثمَّ ضرب للكفَّار مثلاً ، فقال :
{ ومثل الذين كفروا } في وعظهم ودعائهم إلى الله عزَّ وجلَّ { كمثل } الرَّاعي { الذي ينعق } يصيح بالغنم وهي لا تعقل شيئاً ، ومعنى يَنْعِق : يصيح ، وأراد { بما لا يسمع إلاَّ دعاءً ونداءً } البهائم التي لا تعقل ولا تفهم ما يقول الرَّاعي ، إنَّما تسمع صوتاً لا تدري ما تحته ، كذلك الذين كفروا يسمعون كلام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهم كالغنم؛ إذ كانوا لا يستعملون ما أمرهم به ، ومضى تفسير قوله : { صم بكم عمي } ، ثمَّ ذكر أنَّ ما حرَّمه المشركون حلالٌ .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)
{ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } أَيْ : حلالات ما رزقناكم من الحرث والنَّعم وما حرَّمه المشركون على أنفسهم منهما { واشكروا لله إنْ كنتم إياه تعبدون } أَيْ : إنْ كانت العبادة واجبةً عليكم بأنَّه إلهكم فالشُّكر له واجبٌ ، بأنه منعمٌ عليكم ، ثمَّ بيَّن المُحرَّم ما هو فقال : (1/45)
{ إنما حرَّم عليكم الميتة } وهي كلُّ ما فارقه الرُّوح من غير ذكاةٍ ممَّا يذبح { والدم } يعني : الدَّم السَّائل لقوله في موضع آخر : { أو دماً مسفوحاً } وقد دخل هذين الجنسين الخصوصُ بالسُّنَّةِ ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : " أُحلَّت لنا ميتتان ودمان " الحديث . وقوله تعالى : { ولحم الخنزير } يعني : الخنزير بجميع أجزائه ، وخصَّ اللَّحم لأنَّه المقصود بالأكل { وما أُهِلَّ به لغير الله } يعني : ما ذُبح للأصنام ، فذكر عليه غير اسم الله تعالى { فمن اضطر } أَيْ : أُحوج وأُلْجِىءَ في حال الضَّرورة . [ وقيل : مَنْ أكره على تناوله ، وأُجبر على تناوله كما يُجبر على التَّلفُّظ بالباطل ] { غير باغٍ } أَيْ : غير قاطعٍ للطَّريق مفارقٍ للأئمة مُشاقًّ للأمَّة { ولا عادٍ } ولا ظالم متعدٍّ ، فأكلَ { فلا إثم عليه } وهذا يدلُّ على أنَّ العاصي بسفره لا يستبيح أكل الميتة عند الضَّرورة { إنَّ الله غفور } للمعصية فلا يأخذ بما جعل فيه الرُّخصة { رحيمٌ } حيث رخَّص للمضطر .
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)
{ إنَّ الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب } يعني : رؤساء اليهود { ويشترون به } بما أنزل الله من نعت محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم في كتابهم { ثمناً قليلاً } يعني : ما يأخذون من الرُّشى على كتمان نعته { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلاَّ النار } إلاَّ ما هو عاقبته النَّار { ولا يكلمهم الله يوم القيامة } أَيْ : كلاماً يسرُّهم { ولا يزكيهم } ولا يُطهِّرهم من دنس ذنوبهم . (1/46)
{ أولئك الذين اشتروا الضلالة } استبدلوها { بالهدى والعذاب بالمغفرة } حين جحدوا أمر محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وكتموا نعته { فما أصبرهم } أَيْ : فأيُّ شيءٍ صبَّرهم على النَّار ، ودعاهم إليها حين تركوا الحقَّ واتبعوا الباطل؟! وهذا استفهامٌ معناه التَّوبيخ لهم . [ وقيل : ما أجرأهم على النار! ] .
{ ذلك } أَيْ : ذلك العذاب لهم { بأنَّ الله نزل الكتاب بالحق } يعني : القرآن فاختلفوا فيه { وإنَّ الذين اختلفوا في الكتاب } فقالوا : إنَّه رَجَزٌ ، وشِعرٌ ، وكهانةٌ ، وسحرٌ { لفي شقاق بعيد } لفي خلافٍ للحقِّ طويلٍ .
{ ليس البر . . } الآية . كان الرَّجل في ابتداء الإِسلام إذا شهد الشَّهادتين ، وصلَّى إلى أَيٍّ ناحيةٍ كانت ثمَّ مات على ذلك وجبت له الجنَّة ، فلمَّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الفرائض وصُرفت القِبلة إلى الكعبة أنزل الله تعالى هذه الآية ، فقال : { ليس البر } كلَّه أن تُصلُّوا ولا تعملوا غير ذلك { ولكنَّ البرَّ } أَيْ : ذا البرِّ { مَنْ آمن بالله واليومِ الآخر والملائكة والكتاب والنَّبيين وآتى المال على حبه } أَيْ : على حبِّ المال . [ وقيل : الضميرُ راجعٌ إلى الإِيتاء ] { ذوي القربى } قيل : عنى به قرابة النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : أراد به قرابة الميت ] { وابن السبيل } هو المنقطع يمرُّ بك ، والضَّيف ينزل بك { وفي الرِّقاب } أَيْ : وفي ثمنها . يعني : المكاتبين { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } اللَّهَ أو النَّاسَ { والصابرين في البأساء } الفقر { والضراء } المرض { وحين البأس } وقت القتال في سبيل الله { أولئك } أهل هذه الصفة هم { الذين صدقوا } في إيمانهم .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182)
{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } نزلت في حَيَّينِ من العرب أحدهما أشرف من الآخر ، فقتل الأوضع من الأشرف قتلى ، فقال الأشرف : لنقتلنَّ الحرَّ بالعبد ، والذَّكر بالأنثى ، ولَنُضاعِفَنَّ الجراح ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقوله : { كُتب } : أُوجب وفُرض { عليكم القصاص } اعتبار المماثلة والتَّساوي بين القتلى ، حتى لا يجوز أن يقتل حرٌّ بعبدٍ ، أو مسلمٌ بكافرٍ ، فاعتبارُ المماثلةِ واجبٌ ، وهو قوله : { الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبدِ والأنثى بالأنثى } ودلَّ قوله في سورة المائدة : { أنَّ النَّفس بالنَّفس } على أنَّ الذَّكر يُقتل بالأنثى فيقتل الحرُّ بالحرَّة { فمن عفي له } أَيْ : تُرك له { من } دم { أخيه } المقتول { شيءٌ } وهو أن يعفو بعض الأولياء فيسقط القود { فاتباع بالمعروف } أَيْ : فعلى العافي الذي هو ولي الدَّم أن يتبع القاتل بالمعروف ، وهو أن يطالبه بالمال من غير تشدُّد وأذىً ، وعلى المطلوب منه المال { أداءٌ } تأدية المال إلى العافي { بإحسانٍ } وهو ترك المطل والتَّسويف . { ذلك تخفيفٌ من ربكم ورحمة } هو أنَّ الله تعالى خَيَّرَ هذه الأمَّة بين القصاص والدية والعفو ، ولم يكن ذلك إلاَّ لهذه الأُمَّة { فمن اعتدى } أَيْ : ظلم بقتل القاتل بعد أخذ الدية { فله عذابٌ أليم } . (1/47)
{ ولكم في القصاص حياة } أَيْ : في إثباته حياةٌ ، وذلك أنَّ القاتل إذا قُتل ارتدع عن القتل كلُّ مَنْ يهمُّ بالقتل ، فكان القصاص سبباً لحياة الذي يُهَمُّ بقتله ، ولحياة الهامِّ أيضاً؛ لأنه إنْ قَتلَ قُتل { يا أولي الألباب } يا ذوي العقول { لعلكم تتقون } [ إراقة ] الدِّماء مخافة القصاص .
{ كتب عليكم . . . } الآية . كان أهل الجاهليَّة يُوصون بمالهم للبعداء رياءً وسُمعةً ، ويتركون أقاربهم [ فقراء ] ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . { كتب عليكم } فُرض عليكم وأُوجب { إذا حضر أحدكم الموت } أَيْ : أسبابه ومُقدِّماته { إنْ ترك خيراً } مالاً { الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف } يعني : لا يزيد على الثلث { حقاً } أي : حقَّ ذلك حقَّاً { على المتقين } الذين يتَّقون الشِّرك ، وهذه الآية مسنوخةٌ بآية المواريث ، ولا تجب الوصية على أحدٍ ، [ ولا تجوز الوصية للوارث ] .
{ فَمَنْ بدَّله بعد ما سمعه } أَيْ : بدَّل الإِيصاء وغيَّره من وصيٍّ ووليٍّ وشاهدٍ بعد ما سمعه عن الميت { فإنما إثمه } إثم التَّبديل { على الذين يبدلونه } وبَرِىءَ الميِّت { إن الله سميع } سمع ما قاله المُوصي { عليم } بنيَّته وما أراد ، فكانت الأولياء والأوصياء يمضون وصيه الميت بعد نزول هذه الآية وإن استغرقت المال ، فأنزل الله تعالى :
{ فمن خاف } أَيْ : علم { من موصٍ جنفاً } خطأً في الوصية من غير عمدٍ ، وهو أن يُوصي لبعض ورثته ، أو يوصي بماله كلِّه خطأً { أو إثماً } أَيْ : قصداً للميل ، فَخافَ في الوصية وفعل ما لا يجوز مُتعمِّداً { فأصلح } بعد موته بين ورثته وبين المُوصى لهم { فلا إثم عليه } أَيْ : إِنَّه ليس بمبدلٍ يأثم ، بل هو متوسطٌ للإِصلاح ، وليس عليه إثمٌ .