صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : النكت والعيون |
الثاني : ما رواه صفوان بن سليم عن عائشة قالت : سئل رسول الله عن الذي يحاسب حساباً يسيراً ، فقال : « يعرف عمله ثم يتجاوز عنه ، ولكن من نوقش الحساب فذلك هو الهالك » . (4/400)
الثالث : أنه العرض ، روى ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها : أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله : { فسوف يحاسب حساباً يسيراً } فقال : « ذلك العرض يا عائشة ، من نوقش في الحساب يهلك » .
{ وَيَنقَلِبُ إلى أهْلِه مَسْروراً } قال قتادة : إلى أهله الذين قد أعدهم الله له في الجنة .
ويحتمل وجهاً ثانياً : أن يريد أهله الذين كانوا له في الدنيا ليخبرهم بخلاصه وسلامته .
{ إنَّه ظَنَّ أن لن يَحُورَ } أي لن يرجع حياً مبعوثاً فيحاسب ثم يثاب أو يعاقب ، يقال : حار يحور ، إذا رجع ، ومنه الحديث : « أعوذ بالله من الحْور بعد الكْور » ، يعني من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة ، وروي : « بعد الكوْن » ، ومعناه انتشار الأمر بعد تمامه .
وسئل معمر عن الحور بعد الكْون فقال : الرجل يكون صالحاً ثم يتحول امرء سوء .
وقال ابن الأعرابي : الكُنْنّي : هو الذي يقول : كنت شاباً وكنت شجاعاً ، والكاني : هو الذي يقول : كان لي مال وكنت أهب وكان لي خيل وكنت أركب ، وأصل الحور الرجوع ، قال لبيد :
وما المرءُ إلا كالشهاب وضوئه ... يَحُورُ رماداً بَعْد إذ هو ساطعُ .
وقال عكرمة وداود بن أبي هند : يحور كلمة بالحبشية ، ومعناها يرجع وقيل للقصار حواري لأن الثياب ترجع بعمله إلى البياض .
{ بلى إنّ ربّه كان به بَصيراً } يحتمل وجهين :
أحدهما : مشاهداً لما كان عليه .
الثاني : خبيراً بما يصير إليه .
فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (19) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)
{ فلا أُقْسِمُ بالشّفَقِ } فيه أربعة أقاويل : (4/401)
أحدها : أنه شفق الليل وهو الحمرة ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه بقية ضوء الشمس ، قاله مجاهد .
الثالث : أنه ما بقي من النهار ، قاله عكرمة .
الرابع : أنه النهار ، رواه ابن ابي نجيح .
{ واللّيلِ وما وَسقَ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : وماجمع ، قاله مجاهد ، قال الراجز :
إن لنا قلائصاً حقائقا ... مستوسقات أو يجدن سائقا
الثاني : وما جَنّ وستر ، قاله ابن عباس .
الثالث : وما ساق ، لأن ظلمة الليل تسوق كل شيء إلى مأواه ، قاله عكرمة . الرابع : وما عمل فيه ، قاله ابن جبير ، وقال الشاعر :
ويوماً ترانا صالحين وتارةً ... تقوم بنا كالواسق المتَلَبّبِ
أي كالعامل .
{ والقَمَرِ إذا اتّسَق } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : إذا استوى ، قاله ابن عباس ، وقولهم اتسق الأمر إذا انتظم واستوى .
قال الضحاك : ليلة أربع عشرة هي ليلة السواء .
الثاني : والقمر إذا استدار ، قاله عكرمة .
الثالث : إذا اجتمع ، قاله مجاهد ، ومعانيها متقاربة .
ويحتمل رابعاً : إذا طلع مضيئاً .
{ لَتَرْكَبُنَّ طُبقاً عَنِ طَبَقٍ } فيه سبعة تأويلات :
أحدها : سماء بعد سماء ، قاله ابن مسعود والشعبي .
الثاني : حالاً بعد حال ، فطيماً بعد رضيع وشيخاً بعد شاب ، قاله عكرمة ، ومنه قول الشاعر :
كذلك المرءُ إن يُنْسَأ له أجَلٌ ... يَرْكبْ على طَبَقٍ مِن بَعْده طَبَقٌ
الثالث : أمراً بعد أمر ، رخاء بعد شدة ، وشدة بعد رخاء ، وغنى بعد فقر ، وفقراً بعد غنى ، وصحة بعد سقم ، وسقماً بعد صحة ، قاله الحسن .
الرابع : منزلة بعد منزلة ، قوم كانوا في الدنيا متضعين فارتفعوا في الآخرة ، وقوم كانوا مرتفعين في الدنيا فاتضعوافي الآخرة ، قاله سعيد بن جبير .
الخامس : عملاً بعد عمل ، يعمل الآخر عمل الأول ، قاله السدي .
السادس : الآخرة بعد الأولى ، قاله ابن زيد .
السابع : شدة بعد شدة ، حياة ثم موت ثم بعث ثم جزاء ، وفي كل حال من هذه شدة ، وقد روى معناه جابر مرفوعاً .
{ واللهُ أعْلَمُ بما يُوعُونَ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : بما يُسِرون في قلوبهم ، قاله ابن عباس .
الثاني : بما يكتمون من أفعالهم ، قاله مجاهد .
الثالث : بما يجمعون من سيئاتهم ، مأخوذ من الوعاء الذي يجمع ما فيه وهو معنى قول ابن زيد .
{ فلهم أَجْرٌ غيرُ ممنون } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : غير محسوب ، قاله مجاهد .
الثاني : غير منقوص ، قاله السدي .
الثالث : غير مقطوع ، قاله ابن عباس .
الرابع : غير مكدّر بالمن والأذى ، وهو معنى قول الحسن .
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10)
قوله تعالى { والسماءِ ذاتِ البُروجِ } هذا قَسَمٌ ، وفي البروج أربعة أقاويل : (4/402)
أحدها : ذات النجوم ، قاله الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك .
الثاني : ذات القصور ، قاله ابن عباس .
الثالث : ذات الخلْق الحسن ، قاله المنهال بن عمرو .
الرابع : ذات المنازل ، قاله يحيى بن سلام وهي اثنا عشر برجاً رصدتها العرب والعجم ، وهي منازل الشمس والقمر .
{ واليومِ الموْعُودِ } روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يوم القيامة ، وسمي بذلك لأنهم وعدوا فيه بالجزاء بعد البعث .
{ وشاهدٍ ومَشْهودٍ } فيه خمسة أقاويل :
أحدها : أن الشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة ، روى ذلك أبو عرفة ، روى ذلك أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
الثاني : أن الشاهد يوم النحر ، والمشهود يوم عرفة ، قاله إبراهيم .
الثالث : أن الشاهد الملائكة ، والمشهود الإنسان ، قاله سهل بن عبد الله .
الرابع : أن الشاهد الجوارح ، والمشهود النفس ، وهو محتمل .
الخامس : أن المشهود يوم القيامة .
وفي الشاهد على هذا التأويل خمسة أقاويل :
أحدها : هو الله تعالى ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : هو آدم عليه السلام ، قاله مجاهد .
الثالث : هو عيسى ابن مريم ، رواه ابن أبي نجيح .
الرابع : هو محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله الحسن بن علي وابن عمر وابن الزبير ، لقوله تعالى : { فكيفَ إذا جِئْنا من كلِّ أمَّةٍ بشهيد وجئْنَا بِك على هؤلاءِ شَهيداً } .
الخامس : هو الإنسان ، قاله ابن عباس .
{ قُتِل أصحابُ الأُخْدُودِ } قال الفراء : هذا جواب القسم ، وقال غيره : الجواب { إنّ بَطْشَ ربِّكَ لَشديدٌ } والأخدود : الشق العظيم في الأرض ، وجمعه أخاديد ، ومنه الخد لمجاري الدموع فيه ، والمخدّة لأن الخد يوضع عليها ، وهي حفائر شقت في الأرض وأوقدت ناراً وألقي فيها مؤمنون امتنعوا من الكفر .
واختلف فيهم ، فقال عليّ : إنهم من الحبشة ، وقال مجاهد : كانوا من أهل نجران ، وقال عكرمة كانوا نبطاً ، وقال ابن عباس : كانوا من بني إسرائيل ، وقال عطية العوفي : هم دانيال وأصحابه ، وقال الحسن : هم قوم من أهل اليمن ، وقال عبد الرحمن بن الزبير : هم قوم من النصارى كانوا بالقسطنطينية زمان قسطنطين ، وقال الضحاك : هم قوم من النصارى كانوا باليمن قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة ، أخذهم يوسف بن شراحيل بن تُبَّع الحميري وكانوا نيفاً وثمانين رجلاً ، وحفر لهم أخدوداً أحرقهم فيه ، وقال السدي : الأخدود ثلاثة : واحد بالشام وواحد بالعراق ، وواحد باليمن .
وفي قوله : { قُتِل أصحابُ الأُخْدُودِ } وجهان :
أحدهما : أُهلك المؤمنون .
الثاني : لُعن الكافرون الفاعلون ، وقيل إن النار صعدت إليهم وهم شهود عليها فأحرقتهم ، فلذلك قوله تعالى : { فلهُم عذابُ جهنَّمَ ولهْم عذابُ الحريق } يعني في الدنيا .
{ وهُمْ على ما يَفْعلونَ بالمؤمنينَ شُهودٌ } فيه وجهان :
أحدهما : أن أصحاب الأخدود هم على عذاب المؤمنين فيها شهود ، وهو ظاهر من قول قتادة .
الثاني : أنهم شهود على المؤمنين بالضلال ، قاله مقاتل .
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)
{ إنه هو يُبْدِىءُ ويُعيدُ } فيه أربعة تأويلات : (4/403)
أحدها : يحيى ويميت ، قاله ابن زيد .
الثاني : يميت ثم يحيى ، قاله السدي .
الثالث : يخلق ثم يبعث ، قاله يحيى بن سلام .
الرابع : يبدىء العذاب ويعيده ، قاله ابن عباس .
ويحتمل خامساً : يبدىء ما كلف من أوامره ونواهيه ، ويعيد ما جزى عليه من ثواب وعقاب .
{ وهو الغَفورٌ الوَدُودُ } في الغفور وجهان :
أحدهما : الساتر للعيوب .
الثاني : العافي عن الذنوب .
وفي الودود وجهان :
أحدهما : المحب .
الثاني : الرحيم .
وفيه ثالث : حكاه المبرد عن اسماعيل بن إسحاق القاضي أن الودود هو الذي لا ولد له ، وأنشد قول الشاعر :
وأرْكبُ في الرّوْع عُريانةً ... ذلول الجناح لقاحاً وَدُوداً
أي لا ولد لها تحن إليه ، ويكون معنى الآية أنه يغفر لعباده ، وليس ولد يغفر لهم من أجله ، ليكون بالمغفرة متفضلاً من غير جزاء .
{ ذو العَرْشِ المجيدُ } فيه وجهان :
أحدهما : الكريم ، قاله ابن عباس .
الثاني : العالي ، ومنه المجد لعلوه وشرفه .
ثم فيه وجهان :
أحدهما : أنه من صفات الله تعالى ، وهو قول من قرأ بالرفع .
الثاني : أنه من صفة العرش ، وهو قول من قرأ بالكسر .
ويحتمل إن كان صفة للعرش وجهاً ثالثاً : أنه المحكم .
{ بل هو قُرآنٌ مَجِيْدٌ في لَوْحٍ مَّحفوظٍ } فيه وجهان :
أحدهما : أن اللوح هو المحفوظ عند الله تعالى ، وهو تأويل من قرأ بالخفض .
الثاني : أن القرآن هو المحفوظ ، وهو تأويل من قرأ بالرفع وفيما هو محفوظ منه وجهان :
أحدهما : من الشياطين .
الثاني : من التغيير والتبديل .
وقال بعض المفسرين : إن اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرؤونه .
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10)
قوله تعالى { والسماءِ والطارقِ } هما قسمَان : « والسماءِ » قَسَمٌ ، « والطارقِ » قَسَمٌ . (4/404)
« الطارق » نجم ، وقد بيّنه الله تعالى بقوله : { وما أدْراكَ ما الطارقُ * النجْمُ الثّاقبُ } ومنه قول هند بنت عتبة :
نحْنُ بنات طارِق ... نمْشي على النمارق
تقول : نحن بنات النجم افتخاراً بشرفها ، وإنما سمي النجم طارقاً لاختصاصه بالليل ، والعرب تسمي كل قاصد في الليل طارقاً ، قال الشاعر :
ألا طَرَقَتْ بالليلِ ما هجَعوا هندُ ... وهندٌ أَتى مِن ، دُونها النأيُ والصَّدّ
وأصل الطرق الدق ، ومنه سميت المطرقة ، فسمي قاصد الليل طارقاً لاحتياجه في الوصول إلى الدق .
وفي قوله « النجم الثاقب » ستة أوجه :
أحدها : المضيء ، قاله ابن عباس .
الثاني : المتوهج ، قاله مجاهد .
الثالث : المنقصّ ، قاله عكرمة .
الرابع : أن الثاقب الذي قد ارتفع على النجوم كلها ، قاله الفراء .
الخامس : الثاقب : الشياطين حين ترمى ، قاله السدي .
السادس : الثاقب في مسيره ومجراه ، قاله الضحاك .
وفي هذا النجم الثاقب قولان :
أحدهما : أنه زُحل ، قاله عليّ .
الثاني : الثريّا ، قاله ابن زيد .
{ إن كُلُّ نفْسٍ لّما عليها حافِظٌ } فيه وجهان :
أحدهما : « لّما » بمعنى إلاّ ، وتقديره : إنْ كل نفس إلاَّ عليها حافظ ، قاله قتادة .
الثاني : أن « ما » التي بعد اللام صله زائدة ، وتقديره : إن كل نفس لعليها حافظ ، قاله الأخفش .
وفي الحافظ قولان :
أحدهما : حافظ من الله يحفظ عليه أجله ورزقه ، قاله ابن جبير .
الثاني : من الملائكة يحفظون عليه عمله من خير أو شر ، قاله قتادة .
ويحتمل ثالثاً : أن يكون الحافظ الذي عليه عقله ، لأنه يرشده إلى مصالحه ، ويكفّه عن مضاره .
{ يَخْرُجُ مِنْ بَيْن الصُّلْبِ والتّرائِب } فيه قولان :
أحدهما : من بين صلب الرجل وترائبه ، قاله الحسن وقتادة .
الثاني : بمعنى أصلاب الرجال وترائب النساء .
وفي الترائب ستة أقاويل :
أحدها : أنه الصدر ، قاله ابن عياض ، ومنه قول دريد بن الصمة .
فإنَّ تُدْبروا نأخذكُم في ظهوركم ... وإنْ تُقْبِلُوا نأخذكُم في الترائب
الثاني : ما بين المنكبين إلى الصدر ، قاله مجاهد .
الثالث : موضع القلادة ، قاله ابن عباس ، قال الشاعر :
والزعفران على ترائبها ... شرق به اللّباتُ والنحْرُ
الرابع : أنها أربعة أضلاع من الجانب الأسفل ، قاله ابن جبير ، وحكى الزجاج أن الترائب أربعة أضلاع من يمنة الصدر وأربعة أضلاع من يسرة الصدر .
الخامس : أنها بين اليدين والرجلين والعينين ، قاله الضحاك .
السادس : هي عصارة القلب ، قاله معمر بن أبي حبيبة .
{ إنّه على رَجْعِهِ لقادرٌ } فيه خمسة أوجه :
أحدها : على أن يرد المني في الإحليل ، قاله مجاهد .
الثاني : على أن يرد الماء في الصلب ، قاله عكرمة .
الثالث : على أن يرد الإنسان من الكبر إلى الشباب ، ومن الشباب إلى الصبا ، ومن الصبا إلى النطفة ، قاله الضحاك .
الرابع : على أن يعيده حيّاً بعد موته ، قاله الحسن وعكرمة وقتادة . (4/405)
الخامس : على أن يحبس الماء فلا يخرج .
ويحتمل سادساً : على أن يعيده إلى الدنيا بعد بعثه في الآخرة لأن الكفار يسألون الله فيها الرجعة .
{ يومَ تُبْلَى السّرائرُ } أي تَظْهَر .
ويحتمل ثانياً : أن تبتلى بظهور السرائر في الآخرة بعد استتارها في الدنيا .
وفيها قولان :
أحدهما : كل ما استتر به الإنسان من خير وشر ، وأضمره من إيمان أو كفر ، كما قال الأحوص :
ستُبلَى لكم في مُضْمَرِ السِّرِّ والحشَا ... سَريرةُ ودٍّ يومَ تُبلَى السرائرُ .
الثاني : هو ما رواه خالد عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الأمانات ثلاث : الصلاة والصوم والجنابة ، استأمن الله ابن آدم على الصلاة ، فإن شاء قال : قد صليت ولم يُصلّ ، استأمن الله ابن آدم على الصوم ، فإن شاء قال : قد صمت ولم يصم ، استأمن الله ابن آدم على الجنابة ، فإن شاء قال : قد اغتسلت ولم يغتسل ، اقرؤوا إن شئتم : » يوم تُبْلى السّرائرُ « .
{ فما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصَرٍ } فيه قولان :
أحدهما : أن القوة العشيرة ، والناصر : الحليف ، قاله سفيان .
الثاني : فما له من قوة في بدنه ، ولا ناصر من غيره يمتنع به من الله ، أو ينتصر به على الله ، وهو معنى قول قتادة .
ويحتمل ثالثاً : فما له من قوة في الامتناع ، ولا ناصر في الاحتجاج .
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)
{ والسماءِ ذاتِ الّرجْعِ } فيه أربعة أقاويل : (4/406)
أحدها : ذات المطر ، لأنه يرجع في كل عام ، قاله ابن عباس .
الثاني ذات السحاب ، لأنه يرجع بالمطر .
الثالث : ذات الرجوع إلى ما كانت ، قاله عكرمة .
الرابع : ذات النجوم الراجعة ، قاله ابن زيد .
ويحتمل خامساً : ذات الملائكة لرجوعهم إليها بأعمال العباد ، وهذا قَسَمٌ .
{ والأرضِ ذاتِ الصّدْعِ } فيها أربعة أقاويل :
أحدها : ذات النبات لانصداع الأرض عنه ، قاله ابن عباس .
الثاني : ذات الأودية ، لأن الأرض قد انصدعت بها ، قاله ابن جريج .
الثالث : ذات الطرق التي تصدعها المشاة ، قاله مجاهد .
الرابع : ذات الحرث لأنه يصدعها .
ويحتمل خامساً : ذات الأموات ، لانصداعها عنهم للنشور وهذان قسمان :
{ إنّهُ لَقَولٌ فَصْلٌ } على هذا وقع القَسَمُ ، وفي المراد بأنه قول فصل قولان :
أحدهما : ما قدّمه عن الوعيد من قوله تعالى : « إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر » الآية . تحقيقاً لوعيده ، فعلى هذا في تأويل قوله « فَصْل » وجهان :
أحدها : حد ، قاله ابن جبير .
الثاني : عدل ، قاله الضحاك .
القول : ان المراد بالفصل القرآن تصديقاً لكتابه ، فعلى هذا في تاويل قوله « فصل » وجهان :
أحدهما : حق ، قاله ابن عباس .
الثاني : ما رواه الحارث عن عليّ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « كتابِ الله فيه خير ما قبلكم ، وحكم ما بعدكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، مَنْ تركه مِن جبّار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله » .
{ وما هو بالهزْلِ } وهذا تمام ما وقع عليه القسم ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : باللعب ، قاله ابن عباس ومجاهد .
الثاني : بالباطل ، قاله وكيع والضحاك .
الثالث : بالكذب ، قاله السدي .
{ إنّهم يَكِيدُونَ كيْداً } يعني أهل مكة حين اجتمعوا في دار الندوة على المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى : { وإذ يمْكَرُ بك الذين كَفَروا لِيُثْبِتوكَ أو يَقْتلوكَ أو يُخْرِجوكَ } فقال ها هنا : « إنهم يكيدون كيداً » أي يمكرون مكراً .
{ وأكيدُ كيْداً } يعني بالانتقام في الآخرة بالنار ، وفي الدنيا بالسيف .
{ فمهّلِ الكافرين أَمْهِلْهم رُوَيْداً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : قريباً ، قاله ابن عباس .
الثاني : انتظاراً ، ومنه قول الشاعر :
رُويْدك حتى تنطوي ثم تنجلي ... عمايةُ هذا العارضِ المتألّقِ
الثالث : قليلاً ، قاله قتادة .
قال الضحاك : فقتلوا يوم بدر .
وفي « مهّل » « وأمْهل » وجهان :
أحدهما : أنهما لغتان معناهما واحد .
الثاني : معناهما مختلف ، فمهّل الكف عنهم ، وأمْهِل انتظار العذاب لهم .
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (13)
قوله تعالى { سَبِّح اسمَ رَبِّكَ الأعْلَى } فيه أربعة أقاويل : (4/407)
أحدها : عظّم ربك الأعلى ، قاله ابن عباس والسدي ، والاسم صلة قصد بها تعظيم المسّمى ، كما قال لبيد :
إلى الحْولِ ثم اسم السلام عليكما ... ومَنْ يَبْكِ حَوْلاً كاملاً فقد اعتذر
الثاني : نزّه اسم ربك عن أن يسمى به أحد سواه ، ذكره الطبري .
الثالث : معناه ارفع صوتك بذكر ربك ، قال جرير :
قَبَحَ الإلهُ وَجوه تَغْلبَ كلّما ... سَبَحَ الحجيجُ وكبّروا تكبيرا
الرابع : صلّ لربك ، فعلى هذا في قوله « اسم ربك » ثلاثة أوجه :
أحدها : بأمر ربك .
الثاني : بذكر ربك أن تفتتح به الصلاة .
الثالث : أن تكون ذاكراً لربك بقلبك في نيتك للصلاة .
وروي أن عليّاً وابن عباس وابن عمر كانوا إذا افتتحوا قراءة هذه السورة قالوا : « سبحان ربي الأعلى » امتثالاً لأمره تعالى في ابتدائها ، فصار الاقتداء بهم في قراءتها ، وقيل إنها في قراءة أُبيّ : « سبحان ربي الأعلى » وكان ابن عمر يقرؤها كذلك .
{ الذي خَلَقَ فَسَوَّى } يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني أنشأ خلقهم ثم سوّاهم فأكملهم .
الثاني : خلقهم خلقاً كاملاً وسوّى لكل جارحة مثلاً .
الثالث : خلقهم بإنعامه وسوّى بينهم في أحكامه ، قال الضحاك :
خلق آدم فَسوّى خلقه .
ويحتمل رابعاَ : خلق في أصلاب الرجال ، وسوّى في أرحام الأمهات .
ويحتمل خامساً : خلق الأجساد فسّوى الأفهام .
{ والذي قَدَّرَ فَهَدَى } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : قدّر الشقاوة والسعادة ، وهداه للرشد والضلالة ، قاله مجاهد .
الثاني : قدر أرزاقهم وأقواتهم ، وهداهم لمعاشهم إن كانوا إنساً ، ولمراعيهم إن كانوا وحشاً .
الثالث : قدرهم ذكوراً وإناثاً ، وهدى الذكر كيف يأتى الأنثى ، قاله السدي .
ويحتمل رابعاً : قدر خلقهم في الأرحام ، وهداهم الخروج للتمام .
ويحتمل خامساً : خلقهم للجزاء ، وهداهم للعمل .
{ والذي أَخْرَجَ المْرعى } يعني النبات ، لأن البهائم ترعاه ، قال الشاعر :
وقد يَنْبُتُ المرعى على دِمَنِ الثّرَى ... وتَبْقَى حَزازاتُ النفوسِ كما هِيا
{ فَجَعَلهُ غُثاءً أَحْوَى } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الغثاء ما يبس من النبات حتى صار هشيماً تذروه الرياح .
الأحوى : الأسود ، قال ذي الرمة :
لمياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ ... وفي اللّثاتِ وفي أنْيابها شَنَبُ
وهذا معنى قول مجاهد .
الثاني : أن الغثاء ما احتمل السيل من النبات ، والأحوى : المتغير ، وهذا معنى قول السدي .
الثالث : أن في الكلام تقديماً وتأخيراً ، ومعناه أحوى فصار غثاء ، والأحوى : ألوان النبات الحي من أخضر وأحمر وأصفر وأبيض ، ويعبر عن جميعه بالسواد كما سمي به سواد العراق ، وقال امرؤ القيس :
وغيثٍ دائمِ التهْتا ... نِ حاوي النبتِ أدْهم
والغثاء : الميت اليابس ، قال قتادة : وهو مثل ضربه الله تعالى للكفار لذهاب الدنيا بعد نضارتها .
{ سنُقْرئك فلا تَنسَى } فيه وجهان :
أحدهما : أن معنى قوله : فلا تنسى ، أي فلا تترك العمل إلا ما شاء الله أن يترخص لك فيه ، فعلى هذا التأويل يكون هذا نهياً عن الشرك .
والوجه الثاني : أنه إخبار من الله تعالى أنه لا ينسى ما يقرئه من القرآن ، حكى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالوحي يقرؤه خيفة أن ينساه ، فأنزل الله تعالى : (4/408)
« سنقرئك فلا تنسى » يعني القرآن .
{ إلا ما شاءَ اللهُ } فيه وجهان :
أحدهما : إلا ما شاء الله أن ينسخه فتنساه ، قاله الحسن وقتادة .
الثاني : إلا ما شاء الله أن يؤخر إنزاله عليك فلا تقرؤه ، حكاه ابن عيسى .
{ إنهُ يَعْلَمُ الجهْرَ وما يَخْفَى } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أن الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك ، وما يخفى هو ما نسخ من حفظك .
الثاني : أن الجهر ما علمه ، وما يخفى ما سيتعلمه من بعد ، قاله ابن عباس .
الثالث : أن الجهر ما قد أظهره ، وما يخفى ما تركه من الطاعات .
{ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : نيسرك لأن تعمل خيراً ، قاله ابن عباس .
الثاني : للجنة ، قاله ابن مسعود .
الثالث : للدين واليسر وليس بالعسر ، قاله الضحاك .
{ فذكّرْ إن نَّفَعتِ الذِّكْرَى } وفيما يذكر به وجهان :
أحدهما : بالقرآن ، قاله مجاهد .
الثاني : بالله رغبة ورهبة ، قاله ابن شجرة .
وفي قوله : { إنْ نَفَعَتِ الذّكْرى } وجهان :
أحدهما : يعني إن قبلت الذكرى وهو معنى قول يحيى بن سلام .
الثاني : يعني ما نفعت الذكرى ، فتكون « إنْ » بمعنى ما الشرط ، لأن الذكرى نافعة بكل حال ، قاله ابن شجرة .
{ سَيّذَّكَرُ مَن يَخْشى } يعني يخشى الله ، وقد يتذكر من يرجوه ، إلا أن تذكرة الخاشي أبلغ من تذكرة الراجي فلذلك علقها بالخشية دون الرجاء ، وإن تعلقت بالخشية والرجاء .
{ وَيَتَجَنَّبُها الأشْقَى } يعني يتجنب التذكرة الكافر الذي قد صار بكفره شقياً . { الذي يَصْلَى النّارَ الكُبْرىَ } فيه وجهان :
أحدهما : هي نار جهنم ، والصغرى نار الدنيا ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : الكبرى نار الكفار في الطبقة السفلى من جهنم ، والصغرى نار المذنبين في الطبقة العليا من جهنم ، وهو معنى قول الفراء .
{ ثم لا يَمُوتُ فيها ولا يَحْيَا } فيه وجهان :
أحدهما : لا يموت ولا يجد روح الحياة ، ذكره ابن عيسى .
الثاني : أنه يعذب لا يستريح ولا ينتفع بالحياة ، كما قال الشاعر :
ألا ما لنفسٍ لا تموتُ فَيَنْقَضِي ... عَناها ولا تحْيا حياةً لها طَعمْ .
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)
{ قد أفْلَحَ من تَزَكّى } فيه أربعة تأويلات : (4/409)
أحدها : من تطهّر من الشرك بالإيمان ، قاله ابن عباس .
الثاني : من كان صالح عمله زكياً نامياً ، قاله الحسن والربيع .
لم يذكر الثالث راجع التعليق ص . 44 .
الرابع : أنه عنى زكاة الأموال كلها ، قاله ابو الأحوص .
ويحتمل خامساً : أنه من ازداد خيراً وصلاحاً .
{ وذكَرَ اسمَ ربِّه فَصَلّى } فيه ستة أوجه :
أحدها : أن يوحد الله ، قاله ابن عباس .
الثاني : أن يدعوه ويرغب إليه .
الثالث : أن يستغفروه ويتوب إليه .
الرابع : أن يذكره بقلبه عند صلاته فيخاف عقابه ويرجو ثوابه ، ليكون استيفاؤه لها وخشوعه فيها بحسب خوفه ورجائه .
الخامس : أن يذكر اسم ربه بلسانه عند إحرامه بصلاته ، لأنها لا تنعقد إلا بذكره . السادس : أن يفتتح كل سورة ببسم الله الرحمن الرحيم .
وفي قوله « فصلّى » ثلاثة أقاويل :
أحدها : الصلوات الخمس ، قاله ابن عباس .
الثاني : صلاة العيد ، قاله أبو سعيد الخدري .
الثالث : هو أن يتطوع بصلاة بعد زكاة ، قاله أبو الأحوص .
وذكر الضحاك أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
{ بل تُؤْثرون الحياةَ الدُّنْيا } فيه وجهان :
أحدهما : أن المراد بها الكفار ، فيكون تأويلها : بل تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة .
الثاني : أن المراد بها المسلمون ، فيكون تأويلها : يؤثرون الاستكثار من الدنيا للاستكثار من الثواب .
{ والآخِرةُ خَيْرٌ وأَبْقَى } فيه وجهان :
أحدهما : خير للمؤمن من الدنيا ، وأبقى للجزاء .
الثاني : ما قاله قتادة خير في الخير وأبقى في البقاء .
ويحتمل به وجهاً ثالثاً : يتحرر به الوجهان : والآخرة خير لأهل الطاعة وأبقى على أهل الجنة .
{ إنّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يعني أن الآخرة خير وأبقى في الصحف الأولى ، قاله قتادة .
الثاني : أن ما قصَّهُ الله في هذه السورة هو من الصحف الأولى .
الثالث : هي كتب الله كلها ، وحكى وهب بن منبه في المبتدإ أن جميع الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه مائة صحيفة وخمس صحف وأربعة كتب ، منها خمسة وثلاثون صحيفة أنزلها على شيث بن آدم وخمسون صحيفة أنزلها على إدريس ، وعشرون صحيفة أنزلها على إبراهيم ، وأنزل التوراة على موسى ، والزبور على داود ، والإنجيل على عيسى ، والفرقان على محمد عليهم السلام .
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7)
قوله تعالى { هلْ أتاكَ حديثُ الغاشِيةِ } فيها قولان : (4/410)
أحدهما أنها القيامة تغشى الناس بالأهوال ، قاله ابن عباس والضحاك .
الثاني : أنها النار تغشى وجوه الكفار ، قاله ابن جبير .
ويحتمل ثالثاً : أنها في هذا الموضع النفخة الثانية للبعث لأنها تغشى جميع الخلق .
و « هل » فيها وجهان :
أحدهما : أنها في موضع قد ، وتقدير الكلام قد أتاك حديث الغاشية ، قاله قطرب .
الثاني : أنها خرجت مخرج الاستفهام لرسوله ، ومعناه ألم يكن قد أتاك حديث الغاشية ، فقد أتاك ، وهو معنى قول الكلبي .
{ وُجوهٌ يومئذٍ خاشِعَةٌ } في الوجوه ها هنا قولان :
أحدهما : عنى وجوه الكفار كلهم ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : أنها وجوه اليهود والنصارى ، قاله ابن عباس .
وفي قوله « يومئذٍ » وجهان :
أحدهما : يعني يوم القيامة ، قاله سعيد بن جبير .
الثاني : في النار ، قاله قتادة .
« خاشعة » فيه وجهان :
أحدهما : يعني ذليلة بمعاصيها ، قاله قتادة .
الثاني : أنها تخشع بعد ذل من عذاب الله فلا تتنعم ، قاله سعيد بن جبير .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : أن تكون خاشعة لتظاهرها بطاعته بعد اعترافها بمعصيته . { عامِلةٌ نَّاصِبَةٌ } في « عاملة » وجهان :
أحدهما : في الدنيا عاملة بالمعاصي ، قاله عكرمة .
الثاني : أنها تكبرت في الدنيا عن طاعة الله تعالى ، فأعملها في النار بالانتقال من عذاب إلى عذاب ، قاله قتادة .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : أي باذلة للعمل بطاعته إن ردّت .
وفي قوله « ناصبة » وجهان :
أحدهما : ناصبة في أعمال المعاصي .
الثاني : ناصبة في النار ، قاله قتادة .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : أي ناصبة بين يديه تعالى مستجيرة بعفوه .
{ تَصْلَى ناراً حاميةً } فإن قيل فما معنى صفتها بالحماء وهي لا تكون إلا حامية وهو أقل أحوالها ، فما وجه المبالغة بهذه الصفة الناقصة؟ قيل قد اختلف في المراد بالحامية ها هنا على أربعة أوجه :
أحدها : أن المراد بذلك أنها دائمة الحمى وليست كنار الدنيا التي ينقطع حميها بانطفائها .
الثاني : أن المراد بالحامية أنها حمى يمنع من ارتكاب المحظورات وانتهاك المحارم ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « وإن لكل ملك حمى ، وإن حمى الله محارمه ، ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه » .
الثالث : معناه أنها تحمي نفسها عن أن تطاق ملامستها أو ترام مماستها كما يحي الأسد عرينه ، ومثله قول النابغة :
تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقي صولة المستأسد الحامي .
الرابع : أنها حامية مما غيظ وغضب ، مبالغة في شدة الانتقام ، وقد بيّن الله ذلك بقوله { تكاد تميّز من الغيظ } .
{ تُسْقَى مِن عَيْنٍ آنِيةٍ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : قاله ابن زيد .
الثاني : حاضرة .
الثالث : قد بلغت إناها وحان شربها ، قاله مجاهد .
الرابع : يعني قد أنى حرها فانتهى واشتد ، قاله ابن عباس . (4/411)
{ ليس لَهُمْ طعامٌ إلاّ مِن ضَريعٍ } فيه ستة أقاويل :
أحدها : أنها شجرة تسميها قريش الشبرق ، كثيرة الشوك ، قاله ابن عباس ، قال قتادة وإذا يبس في الصيف فهو ضريع ، قال الشاعر :
رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى ... وعاد ضريعاً نازعته النحائص
الثاني : السّلم ، قال أبو الجوزاء : كيف يسمن من يأكل الشوك .
الثالث : أنها الحجارة ، قاله ابن جبير .
الرابع : أنه النوى المحرق ، حكاه يوسف بن يعقوب عن بعض الأعراب .
الخامس : أنه شجر من نار ، قاله ابن زيد .
السادس : أن الضريع بمعنى المضروع ، أي الذي يضرعون عنده طلباً للخلاص منه ، قاله ابن بحر .
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)
{ في جَنّةٍ عاليةٍ } فيها وجهان : (4/412)
أحدهما : أن الجنة أعلى من النار فسميت لذلك عالية ، قاله الضحاك .
الثاني : أعالي الجنة وغرقها ، لأنها منازل العلو والارتفاع .
فعلى هذا في ارتفاعهم فيها وجهان :
أحدهما : ليلتذوا بالعو والارتفاع .
الثاني : ليشاهدوا ما أعد الله لهم فيها من نعيم .
{ لا تسْمَعُ فيها لاغيةً } قال الفراء والأخفش : أي لا تسمع فيها كلمة لغو وفي المراد بها سبعة أقاويل :
أحدها : يعني كذباً ، قاله ابن عباس .
الثاني : الإثم ، قاله قتادة .
الثالث : أنه الشتم ، قاله مجاهد .
الرابع : الباطل ، قاله يحيى بن سلام .
الخامس : المعصية ، قاله الحسن .
السادس : الحلف فلا تسمع في الجنة حالف يمين برة ولا فاجرة ، قاله الكلبي .
السابع : لا يسمع في كلامهم كلمة تلغى ، لأن أهل الجنة لا يتكلمون إلا بالحكمة وحمد الله على ما رزقهم ، قاله الفراء .
{ فيها سُرُرٌ مرفوعةٌ } والسرر جمع سرير ، وهو مشتق من السرور وفي وصفها بأنها مرفوعة ثلاثة أوجه :
أحدها : لأن بعضها مرفوع فوق بعض .
الثاني : مرفوعة في أنفسهم لجلالتها وحبهم لها ، قاله الفراء .
الثالث : أنها مرفوعة المكان لارتفاعها وعلوها .
فعلى هذا في وصفها بالعلو والارتفاع وجهان :
أحدهما : ليلتذ أهلها بارتفاعها ، قاله ابن شجرة .
الثاني : ليشاهدوا بارتفاعهم ما أُعطوه من مُلك وأُوتوه من نعيم ، قاله ابن عيسى .
فأما قوله { وأكوابٌ موضوعةٌ } فالأكواب : الأواني ، وقد مضى القول في تفسيرها .
وفي قوله « موضوعة » وجهان :
أحدهما : في أيديهم للاستمتاع بالنظر إليها لأنها من ذهب وفضة .
الثاني : يعني أنها مستعملة على الدوام ، لاستدامة شربهم منها ، قاله المفضل .
{ ونمارقُ مَصْفوفَةٌ } فيه وجهان :
أحدهما : الوسائد ، واحدها نمرقة ، قاله قتادة .
الثاني : المرافق ، قاله ابن أبي طلحة ، قال الشاعر :
وريم أحمّ المقلتين محبّب ... زرابيُّه مبثوثةٌ ونمارِقُه
{ وزرابيُّ مْبْثوثةٌ } فيها وجهان :
أحدهما : هي البسط الفاخرة ، قاله ابن عيسى .
الثاني : هي الطنافس المخملة ، قاله الكلبي والفراء .
وفي « المبثوثة » أربعة أوجه :
أحدها : مبسوطة ، قاله قتادة .
الثاني : بعضها فوق بعض ، قاله عكرمة .
الثالث : الكثيرة ، قاله الفراء .
الرابع : المتفرقة ، قاله ابن قتيبة .
أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)
{ أفلا يَنظُرونَ إلى الإبلِ كيف خُلِقت } الآيات ، وفي ذكره لهذه ثلاثة أوجه : (4/413)
أحدها : ليستدلوا بما فيها من العبر على قدره الله تعالى ووحدانيته .
الثاني : ليعلموا بقدرته على هذه الأمور أنه قادر على بعثهم يوم القيامة ، قاله يحيى بن سلام .
الثالث : أن الله تعالى لما نعت لهم ما في الجنة عجب منه أهل الضلالة ، فذكر لهم ذلك مع ما فيه من العجاب ليزول تعجبهم ، قاله قتادة .
وفي « الإبل » ها هنا وجهان :
أحدهما : وهو أظهرهما وأشهرهما : أنها الإبل من النَعَم .
الثاني : أنها السحاب ، فإن كان المراد بها السحاب فلما فيها من الآيات الدالة على قدرة الله والمنافع العامة لجميع خلقه .
وإن كان المراد بها من النَعَم فإن الإبل أجمع للمنافع من سائر الحيوانات ، لأن ضروبه أربعة :
حلوبة ، وركوبة ، وأكولة ، وحمولة والإبل تجمع هذه الخلال الأربع ، فكانت النعمة بها أعم ، وظهور القدرة فيها أتم .
ثم قال تعالى بعد ذلك « { فَذَكِّرْ إنّما أنت مُذكِّر } فيه وجهان :
أحدهما : إنما أنت واعظ .
الثاني : ذكّرهم النعم ليخافوا النقم .
{ لَسْتَ عليهم بِمُسْيْطِر } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : لست عليهم بمسلط ، قاله الضحاك .
الثاني : بجبار ، قاله ابن عباس .
الثالث : برب ، قاله الحسن ، ومعنى الكلام لست عليهم بمسيطر أن تكرههم على الإيمان .
ثم قال : { إلاّ مَن تَولّى وكَفَر } فلست له بمذكر ، لأنه لا يقبل تذكيرك ، قاله السدي .
الثاني : إلا من تولى وكفر فكِلْه غلى الله تعالى ، وهذا قبل القتال ، ثم أمر بقتالهم ، قاله الحسن .
وفي » تولَّى وكفر « وجهان :
أحدهما : تولى عن الحق وكفر بالنعمة .
الثاني : تولى عن الرسول وكفر بالله تعالى ، قاله الضحاك .
{ فيُعذِّبه الله العذَابَ الأكْبَر } يعني جهنم .
ويحتمل أن يريد الخلود فيها ، لأنه يصير بالاستدامة أكبر من المنقطع . { إنّ إليْنا إيابَهُمْ } أي مرجعهم .
{ ثم إنّ علينا حِسابَهم } يعني جزاءَهم على أعمالهم ، فيكون ذلك جامعاً بين الوعد والوعيد ثواباً على الطاعات وعقاباً على المعاصي .
وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)
قوله تعالى { والفَجْر } قسم أقسم الله تعالى به ، وهو انفجار الصبح من أفق المشرق ، وهما فجران : فالأول منهما مستطيل كذنب السرحان يبدو كعمود نور لا عرض له ، ثم يغيب لظلام يتخلله ، ويسمى هذا الفجر المبشر للصبح ، وبعضهم يسميه الكاذب لأنه كذب بالصبح . (4/414)
وهو من جملة الليل لا تأثير له في صلاة ولا صوم .
وأما الثاني فهو مستطيل النور منتشر في الأفق ويسمى الفجر الصادق لأنه صدقك عن الصبح ، قال الشاعر :
شعب الكلاب الضاريات فزاده ... ناراً بذي الصبح المصدق يخفق
وبه يتعلق حكم الصلاة والصوم ، وقد ذكرنا ذلك من قبل .
وفي قسم الله بالفجر أربعة أقاويل :
أحدها : أنه عنى به النهار وعبر عنه بالفجر لأنه أوله ، قاله ابن عباس .
الثاني : أن الفجر الصبح الذي يبدأ به النهار من كل يوم ، قاله علّي رضي الله عنه .
الثالث : أنه عنى به صلاة الصبح ، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً .
الرابع : أنه أراد به فجر يوم النحر خاصة ، قاله مجاهد .
وفي { وليالٍ عشْرٍ } - وهي قسم ثان - أربعة أقاويل :
أحدها : هي عشر ذي الحجة ، قاله ابن عباس ، وقد روى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « » والفجر وليال عشر « ، قال : عشر الأضحى » .
الثاني : هي عشر من أول المحرم ، حكاه الطبري .
الثالث : هي العشر الأواخر من شهر رمضان ، وهذا مروي عن ابن عباس .
الرابع : هي عشر موسى عليه السلام التي أتمها الله سبحانه له ، قاله مجاهد .
{ والشّفْعِ والوَتْرِ } وهذا قسم ثالث ، وفيهما تسعة أقاويل :
أحدها : أنها الصلاة ، فياه شفع وفيها وتر ، رواه عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم .
الثاني : هي صلاة المغرب ، الشفع منها ركعتان ، والوتر الثالثة ، قاله الربيع بن أنس وأبو العالية .
الثالث : أن الشفع يوم النحر ، والوتر يوم عرفة ، رواه ابن الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم .
الرابع : أن الشفع يوما منى الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة ، والوتر الثالث بعدهما ، قاله ابن الزبير .
الخامس : أن الشفع عشر ذي الحجة ، والوتر أيام منى الثلاثة ، قاله الضحاك .
السادس : أن الشفع الخلق من كل شيء ، والوتر هو آدم وحواء ، لأن آدم كان فرداً فشفع بزوجته حواء فصار شفعاً بعد وتر ، رواه ابن نجيح .
التاسع : أنه العدد لأن جميعه شفع ووتر ، قاله الحسن .
ويحتمل حادي عشر : أن الشفع ما يَنْمى ، والوتر مالا يَنْمى .
{ واللّيْلِ إذا يَسْرِ } وهذا قسم رابع ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : هي ليلة القدر لسراية الرحمة فيها واختصاصها بزيادة الثواب فيها .
الثاني : هي ليلة المزدلفة خاصة لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله ، وسئل محمد بن كعب عن قوله تعالى { والليل إذا يَسْرِ } فقال أسْر يا ساري ، ولا تبيتنّ إلا بجمع ، يعني بمزدلفة .
الثالث : أنه أراد عموم الليل كله . (4/415)
وفي قوله { إذا يسرِ } ثلاثة أوجه :
أحدها : إذا أظلم ، قاله ابن عباس .
الثاني : إذا سار ، لأن الليل يسير بمسير الشمس والفلك فينتقل من أفق إلى أفق ، ومنه قولهم جاء الليل وذهب النهار .
الثالث : إذا سار فيه أهله ، لأن السرى سير الليل .
{ هل في ذلك قَسَمٌ لذي حجْرٍ } وفي ذي الحجر لأهل التأويل خمسة أقاويل :
أحدها : لذي عقل ، قاله ابن عباس .
الثاني : لذي حلم ، قاله الحسن .
الثالث : لذي دين ، قاله محمد بن كعب .
الرابع : لذي ستر ، قاله أبو مالك .
الخامس : لذي علم ، قاله أبو رجاء .
والحجر : المنع ، ومنه اشتق اسم الحجر لامتناعه بصلابته ، ولذلك سميت الحجرة لامتناع ما فيها بها ، ومنه سمي حجر المَولَّى عليه لما فيه من منعه عن التصرف ، فجاز أن يحمل معناه على كل واحد من هذه التأويلات لما يضمنه من المنع .
وقال مقاتل « هل » ها هنا في موضع إنّ ، وتقدير الكلام : إن في ذلك قسماً لِذي حِجْر .
{ ألم تَرَ كيف فَعَل ربُّك بعادٍ * إرَمَ } فيه سبعة أقاويل :
أحدها : أن إرم هي الأرض ، قاله قتادة .
الثاني : دمشق ، قاله عكرمة .
الثالث : الإسكندرية ، قاله محمد بن كعب .
الرابع : أن إرم أُمة من الأمم ، قاله مجاهد ، قال الشاعر :
كما سخرت به إرم فأضحوا ... مثل أحلام النيام .
الخامس : أنه اسم قبيلة من عاد ، قاله قتادة .
السادس : أن إرم اسم جد عاد ، قاله محمد بن إسحاق ، وحكى عنه أنه أبوه ، وأنه عاد بن إرم بن عوض بن سام بن نوح .
السابع : أن معنى إرم القديمة ، رواه ابن أبي نجيح .
الثامن : أنه الهلاك ، يقال : أرم بنو فلان ، أي هلكوا ، قاله الضحاك .
التاسع : أن الله تعالى رمّهم رّماً فجعلهم رميماً ، فلذلك سماهم ، قاله السدي .
{ ذاتِ العمادِ } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : ذات الطُّول ، قال ابن عباس مأخوذ من قولهم رجل معمّد ، إذا كان طويلاً ، وزعم قتادة . أنه كان طول الرجل منهم اثني عشر ذراعاً .
الثاني : ذات العماد لأنهم كانوا أهل خيام وأعمدة ، ينتجعون الغيوث ، قاله مجاهد .
الثالث : ذات القوة والشدة ، مأخوذ من قوة الأعمدة ، قاله الضحاك ، وحكى ثور بن يزيد أنه قال : أنا شداد بن عاد ، وأنا الذي رفعت العماد ، وأنا الذي شددت بذراعي بطن السواد ، وأنا الذي كنزت كنزاً على سبعة أذرع لا تخرجه إلا أمة محمد .
الرابع : ذات العماد المحكم بالعماد ، قاله ابن زيد .
{ التي لم يُخْلَقْ مِثْلُها في البلادِ } فيه وجهان :
أحدهما : لم يخلق مثل مدينتهم ذات العماد في البلاد ، قاله عكرمة .
الثاني : لم يخلق مثل قوم عاد في البلاد ، لطولهم وشدتهم ، قاله الحسن . (4/416)
{ وثمودَ الذين جابُوا الصّخْرَ بالوادِ } فيه وجهان :
أحدهما : يعني قطعوا الصخر ونقبوه ونحتوه حتى جعلوه بيوتاً ، كما قال تعالى :
{ وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين } قال الشاعر :
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطِلٌ ... وكلُّ نعيمِ لا مَحالةَ زائلُ
وقال آخر :
وهم ضربوا في كل صماءَ صعدة ... بأيدٍ شديد من شداد السواعد .
الثاني : معناه طافوا لأخذ الصخر بالوادي ، كما قال الشاعر :
ولا رأَيْت قلوصاً قبْلها حَمَلَتْ ... ستين وسقاً ولا جابَتْ به بَلَدا
وأما « الواد » فقد زعم محمد بن إسحاق أنه وادي القرى ، وروى أبو الأشهب عن أبي نضرة قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة تبوك على وادي ثمود ، وهو على فرس أشقر ، فقال : أسرعوا السير فإنكم في واد ملعون .
{ وفرعونَ ذِي الأوْتادِ } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أن الأوتاد الجنود ، فلذلك سمي بذي الأوتاد لكثرة جنوده ، قاله ابن عباس .
الثاني : لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد يشدها في أيديهم ، قاله الحسن ، ومجاهد ، قال الكلبي : بمثل ذلك عذب فرعون زوجته آسية بنت مزاحم عندما آمنت حتى ماتت .
الثالث : أن الأوتاد البنيان فسمي بذي الأوتاد لكثرة بنائه ، قاله الضحاك .
الرابع : لأنه كانت له فطال وملاعب على أوتاد وحبال يلعب له تحتها ، قاله قتادة .
ويحتمل خامساً : أنه ذو الأوتاد لكثرة نخلة وشجرة ، لأنها كالأوتاد في الأرض .
{ فَصَبَّ عليهم ربُّك سَوْطَ عذابٍ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : قسط عذاب كالعذاب بالسوط ، قاله ابن عيسى .
الثاني : خلط عذاب ، لأنه أنواع ومنه قول الشاعر :
أحارثُ إنّا لو تُساطُ دماؤنا ... تَزَيّلْنَ حتى لا يَمسَّ دَمٌ دَمَا
الثالث : أنه وجع من العذاب ، قاله السدي .
الرابع : أنه كل شيء عذب الله به فهو سوط عذاب ، قاله قتادة .
وقال قتادة : كان سوط عذاب هو الغرق .
{ إنّ ربك لبالمرصاد } فيه وجهان :
أحدهما : بالطريق .
الثاني : بالانتظار ، كما قال طرفة :
أعاذلُ إنّ الجهْلَ من لَذِةِ الفتى ... وإنّ المنايا للرجال بمرصَد .
فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)
{ وتأكُلون التُّراثَ أكْلاً لمّاً } والتراث : الميراث ، وفي قوله « لمّاً » أربعة تأويلات : (4/417)
أحدها : يعني شديداً ، قاله السدي .
الثاني : يعني جمعاً ، من قولهم لممت الطعام لَمّاً ، إذا أكلته جمعاً ، قاله الحسن .
الثالث : معناه سفه سفاً ، قاله مجاهد .
الرابع : هو أنه إذا أكل مال نفسه ألمّ بمال غيره فأكله ، ولا يتفكر فيما أكل من خبيث وطيب ، قاله ابن زيد .
ويحتمل خامساً : أنه ألمّ بما حرم عليه ومنع منه .
{ وتُحِبُّونَ المالَ حُبّاً جَمّاً } فيه تأويلان :
أحدهما : يعني كثيراً ، قاله ابن عباس ، والجمّ الكثير ، قال الشاعر :
إنْ تَغْفِر اللهم تغْفِرْ جَمّا ... وأيُّ عبدٍ لك لا أَلَمّاً
الثاني : فاحشاً تجمعون حلاله إلى حرامه ، قاله الحسن :
ويحتمل ثالثاً : أنه يحب المال حب إجمام له واستبقاء فلا ينتفع به في دين ولا دنيا وهو أسوأ أحوال ذي المال .
كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)
{ يومئذٍ يَتذكّرُ الإنسانُ وأنَّى له الذِّكْرَى } فيه تأويلان : (4/418)
أحدهما : يتوب وكيف له بالتوبة ، لأن التوبة بالقيامة لا تنفع ، قاله الضحاك .
الثاني : يتذكر ما عمل في دنياه وما قدم لآخرته ، وأنى له الذكرى في الآخرة ، وإنما ينتفع في الدنيا ، قاله ابن شجرة .
{ يقولُ يا ليتني قَدَّمْتُ لحياتي } فيه وجهان :
أحدهما : قدمت من دنياي لحياتي في الآخرة ، قاله الضحاك .
الثاني : قدمت من حياتي لمعادي في الآخرة ذكره ابن عباس .
{ فيومئذٍ لا يُعَذِّب عذابَه أَحَدٌ * ولا يُوثِقُ وثاقهَ أَحَدٌ } قرأ الكسائي لا يعذَّب ولا يوثق بفتح الذال والثاء وتأويلها على قراءته لا يعذَّب عذاب الكافر الذي يقول « يا ليتني قدمت لحياتي » أحدٌ ، وقرأ الباقون بكسر الذال والثاء وتأويلها أنه لا يعَذِّب عذابَ الله أحدٌ غَفَر الله له ، قاله ابن عباس والحسن ، فيكون تأويله على القراءة الأولى محمولاً على الآخرة ، وعلى القراءة الثانية محمولاً على الدنيا .
{ يا أيّتُها النّفْسُ المطْمئِنّةُ } فيه سبعة تأويلات :
أحدها : يعني المؤمنة ، قاله ابن عباس .
الثاني : المجيبة ، قاله مجاهد .
الثالث : المؤمنة بما وعد الله ، قاله قتادة .
الرابع : الآمنة ، وهو في حرف أُبيّ بن كعب يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة . الخامس : الراضية ، قاله مقاتل .
السادس : ما قاله بعض أصحاب الخواطر : المطمئنة إلى الدنيا ، ارجعي إلى ربك في تركها .
السابع : ما قاله الحسن أن الله تعالى إذا أراد أن يقبض روح عبده المؤمن اطمأنت النفس إلى الله عز وجل ، واطمأن الله إليها .
{ ارْجِعي إلى ربِّكِ } فيه وجهان :
أحدهما : إلى جسدك عند البعث في القيامة ، قاله ابن عباس .
الثاني : إلى ربك عند الموت في الدنيا ، قاله أبو صالح .
ويحتمل تأويلاً ثالثاً : إلى ثواب ربك في الآخرة .
{ راضيةً مَرْضِيّةً } فيه وجهان :
أحدهما : رضيت عن الله ورضي عنها ، قاله الحسن .
الثاني : رضيت بثواب الله ورضي بعملها ، قاله ابن عباس .
{ فادْخُلي في عِبادي } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : في عبدي ، وهو في حرف أُبيّ بن كعب : فادخلي في عبدي .
الثاني : في طاعتي ، قاله الضحاك .
الثالث : معناه فادخلي مع عبادي ، قاله السدي .
{ وادْخُلي جَنَتي } فيه قولان :
أحدهما : في رحمتي ، قاله الضحاك .
الثاني : الجنة التي هي دار الخلود ومسكن الأبرار ، وهو قول الجمهور .
وقال أسامة بن زيد : بشرت النفس المطمئنة بالجنة عند الموت ، وعند البعث وفي الجنة .
واختلف فيمن نزلت فيه هذه الآية على أربعة أقاويل :
أحدها : أنها نزلت في أبي بكر ، فروى ابن عباس أنها نزلت وأبو بكر جالس فقال : يا رسول الله ما أَحسن هذا ، فقال صلى الله عليه وسلم : « أما أنه سيقال لك هذا » .
الثاني : أنها نزلت في عثمان حين وقف بئر رومة ، قاله الضحاك .
الثالث : أنها نزلت في حمزة ، قاله بريدة الأسلمي .
الرابع : أنها عامة في كل المؤمنين ، رواه عكرمة والفراء .
لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)
قوله تعالى { لا أُقْسِمُ بهذا البَلَد } ومعناه على أصح الوجوه : (4/419)
أُقْسِم بهذا البلد ، وفي « البلد » قولان :
أحدهما : مكة ، قاله ابن عباس .
الثاني : الحرم كله ، قاله مجاهد .
{ وأنتَ حلٌّ بهذا البَلَدِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : حل لك ما صنعته في هذا البلد من قتال أو غيره ، قاله ابن عباس ومجاهد .
الثاني : أنت مُحِل في هذا البد غير مُحْرِم في دخولك عام الفتح ، قاله الحسن وعطاء .
الثالث : أن يستحل المشركون فيه حرمتك وحرمة من اتبعك توبيخاً للمشركين . ويحتمل رابعاً : وأنت حالٌّ أي نازل في هذا البلد ، لأنها نزلت عليه وهو بمكة لم يفرض عليه الإحرام ولم يؤْذن له في القتال ، وكانت حرمة مكة فيها أعظم ، والقسم بها أفخم .
{ ووالدٍ وما وَلَدَ } فيه أربعة أوجه .
أحدها : آدم وما ولد ، قاله مجاهد وقتادة والحسن والضحاك .
الثاني : أن الوالد إبراهيم وما ولد ، قاله ابو عمران الجوني .
الثالث : أن الوالد هو الذي يلد ، وما ولد هو العاقر الذي لا يلد ، قاله ابن عباس .
الرابع : أن الوالد العاقر ، وما ولد التي تلد ، قاله عكرمة .
ويحتمل خامساً : أن الوالد النبي صلى الله عليه وسلم ، لتقدم ذكره ، وما ولد أُمتّه ، لقوله عليه السلام إنما أنا لكم مثل الوالد أعلّمكم ، فأقسم به وبأمّته بعد أن أقسم ببلده مبالغة في تشريفه .
{ لقد خَلقنا الإنسانَ في كَبَدٍ } إلى هاهنا انتهى القسم وهذا جوابه . وفي قوله « في كَبَد » سبعة أقاويل :
أحدها : في انتصاب في بطن أُمّه وبعد ولادته ، خص الإنسان بذلك تشريفاً ، ولم يخلق غيره من الحيوان منتصباً ، قاله ابن عباس وعكرمة .
الثاني : في اعتدال ، لما بيّنه بعد من قوله { ألم نَجْعَلْ له عَيْنَين } الآيات ، حكاه ابن شجرة .
الثالث : يعني من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ، يتكبد في الخلق مأخوذ من تكبد الدم وهو غلظه ، ومنه أخذ أسم الكبد لأنه دم قد غلظ ، وهو معنى قول مجاهد .
الرابع : في شدة لأنها حملته كرهاً ووضعته كرهاً ، مأخوذ من المكابدة ، ومنه قول لبيد :
يا عين هلاّ بكيْتِ أَرْبَدَ إذ ... قُمْنا وقامَ الخصومُ في كَبَدِ .
رواه ابن أبي نجيح .
الخامس : لأنه يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة ، قاله الحسن .
السادس : لأنه خلق آدم في كبد السماء ، قاله ابن زيد .
السابع : لأنه يكابد الشكر على السّراء والصبر على الضّراء ، لأنه لا يخلو من أحدهما ، رواه ابن عمر .
ويحتمل ثامناً : يريد به أنه ذو نفور وحميّة ، مأخوذ من قولهم لفلان كبَد ، إذا كان شديد النفور والحمية .
وفيمن اريد بالإنسان ها هنا قولان :
أحدهما : جميع الناس .
الثاني : الكافر يكابد شبهات . (4/420)
{ أيَحْسَب أنْ لَنْ يَقْدِر عليه أحَدٌ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أيحسب الإنسان أن لن يقدر عليه الله أن يبعثه بعد الموت ، قاله السدي .
الثاني : أيحسب الإنسان أن لن يقدر عليه أحد بأخذ ماله ، قاله الحسن .
الثالث : أيحسب أن لن يذله أحد ، لأن القدرة عليه ذل له .
{ يقولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً } فيه وجهان :
أحدهما : يعني كثيراً .
الثاني : مجتمعاً بعضه على بعض ، ومنه سمي اللّبْد لاجتماعه وتلبيد بعضه على بعض .
ويحتمل ثالثاً : يعني مالاً قديماً ، لاشتقاقه من الأبد ، أو للمبالغة في قدمه من عهد لَبِد ، لأن العرب تضرب المثل في القدم بلبد ، وذكر قدمه لطول بقائه وشدة ضَنِّه به .
وقيل إن هذا القائل أبو الشد الجمحي ، أنفق مالا كثيراً في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصد عن سبيل الله ، وقيل بل هو النضر بن الحارث .
وهذا القول يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون استطالة بما أنفق فيكون طغياناً منه .
الثاني : أن يكون أسفاً عليه ، فيكون ندماً منه .
{ أيحْسَبُ أن لم يَرَهُ أَحَدٌ } فيه وجهان :
أحدهما : أن لم يره الله ، قاله مجاهد .
الثاني : أن لم يره أحد من الناس فيما أنفقه ، قاله ابن شجرة .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : أيحسب أن لم يظهر ما فعله أن لا يؤاخذ به ، على وجه التهديد ، كما يقول الإنسان لمن ينكر عليه فعله ، قد رأيت ما صنعت ، تهديداً له فيكون الكلام على هذا الوجه وعيداً ، وعلى ما تقدم تكذيباً .
{ وهَدَيْناه النَّجْدَيْنِ } فيهما أربعة تأويلات :
أحدها : سبيل الخير والشر ، قاله علي رضي الله عنه والحسن .
الثاني : سبيل الهدى والضلالة ، قاله ابن عباس .
الثالث : سبيل الشقاء والسعادة ، قاله مجاهد .
الرابع : الثديين ليتغذى بهما ، قاله قتادة والربيع بن خثيم .
قال قطرب : والنجد هو الطريق المرتفع ، فأرض نجد هي المرتفعة ، وأرض تهامة هي المنخفضة .
ويحتمل على هذا الاشتقاق خامساً : أنهما الجنة والنار ، لارتفاعهما عن الأرض .
فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)
{ فلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ } فيها خمسة أقاويل : (4/421)
أحدها : أنها طريق النجاة ، قاله ابن زيد .
الثاني : أنها جبل في جهنم ، قاله ابن عمر .
الثالث : أنها نار دون الحشر ، قاله قتادة .
الرابع : أنها الصراط يضرب على جهنم كحد السيف ، قاله الضحاك ، قال الكلبي : صعوداً وهبوطاً .
الخامس : أن يحاسب نفسه وهواه وعدوّه الشيطان ، قاله الحسن .
قال الحسن : عقبة والله شديدة .
ويحتمل سادساً : اقتحام العقبة خالصة من الغرض .
وفي معنى الكلام وجهان :
أحدهما : اقتحام العقبة فك رقبة ، قاله الزجاج .
الثاني : معناه فلم يقتحم العقبة إلا مَنْ فكَّ رقبة أو أطعم ، قاله الأخفش .
ثم قال : { وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ } وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ليعلمه اقتحام العقبة .
ثم بين تعالى ما تقتحم به العقبة .
فقال : { فَكُّ رَقَبَةٍ } فيه وجهان :
أحدهما : إخلاصها من الأسر .
الثاني : عتقها من الرق ، وسمي المرقوق رقبة لأنه بالرق كالأسير المربوط من رقبته ، وسمي عتقاً فكها لأنه كفك الأسير من الأسر ، قال حسان بن ثابت :
كم مِن أسيرٍ فككناه بلا ثَمنٍ ... وجَزّ ناصية كُنّأ مَواليها
وروى عقبة بن عامر الجهني أن النبي عليه السلام قال : من أعتق مؤمنة فهي فداؤه من النار .
ويحتمل ثالثاً : أنه أرد فك رقبته وخلاص نفسه باجتناب المعاصي وفعل الطاعات ، لا يمنع الخبر من هذا التأويل ، وهو أشبه الصواب .
ثم قال تعالى : { أو إطعامٌ في يومٍ ذي مَسْغَبَةٍ } أي مجاعة ، لقحط أو غلاء .
{ يتيماً ذا مَقْرَبةٍ } ويحتمل أن يريد ذا جوار .
{ أو مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ } فيه سبعة أوجه :
أحدها : أن ذا المتربة هو المطروح على الطريق لا بيت له ، قاله ابن عباس ، الثاني : هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره ، قاله مجاهد .
الثالث : أنه ذو العيال ، قاله قتادة .
الرابع : أنه المديون ، قاله عكرمة .
الخامس : أنه ذو زمانة ، قاله ابو سنان .
السادس : أنه الذي ليس له أحد ، قاله ابن جبير .
السابع : أن ذا المتربة : البعيد التربة ، يعني الغريب البعيد عن وطنه ، رواه عكرمة عن ابن عباس .
{ ثُمَّ كانَ مِنَ الذين آمَنوا وَتَوَاصَوْا بالصَّبْر } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : بالصبر على طاعة الله ، قاله الحسن .
الثاني : بالصبر على ما افترض الله عليه ، قاله هشام بن حسان .
الثالث : بالصبر على ما أصابهم ، قاله سفيان .
ويحتمل رابعاً : بالصبر على الدنيا وعن شهواتها .
{ وتَواصَوْا بالمَرْحَمَةِ } أي بالتراحم فيما بينهم ، فرحموا الناس كلهم ويحتمل ثانياً : وتواصوا بالآخرة لأنها دار الرحمة ، فيتواصوا بترك الدنيا وطلب الآخرة .
{ أولئك أصحابُ المَيْمَنَةِ } يعني الجنة ، وفي تسميتهم أصحاب الميمنة أربعة أوجه :
أحدها : لأنهم أُخذوا من شق آدم الأيمن ، قاله زيد بن أسلم .
الثاني : لأنهم أوتوا كتابهم بأيمانهم ، قاله محمد بن كعب . (4/422)
الثالث : لأنهم ميامين على أنفسهم ، قاله يحيى بن سلام .
الرابع : لأنه منزلهم على اليمين ، قاله ميمون .
{ والّذِين كَفَروا بآياتِنا } فيه وجهان :
أحدهما : بالقرآن ، قاله ابن جبير .
الثاني : هي جميع دلائل الله وحُججه ، قاله ابن كامل .
{ هُمْ أصحابُ المشْأَمةٍ } يعني جهنم ، وفي تسميتهم بذلك أربعة أوجه :
أحدها : لأنهم أُخذوا من شق آدم الأيسر ، قاله زيد بن أسلم .
الثاني : لأنهم أُوتوا كتابهم بشمالهم ، قاله محمد بن كعب .
الثالث : لأنهم مشائيم على أنفسهم ، قاله يحيى بن سلام .
الرابع : لأن منزلهم عن اليسار ، وهو مقتضى قول ميمون .
{ عليهم نارٌ مُّؤصَدَةٌ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : المؤصدة المطبقة ، قاله ابن عباس وأبو هريرة وقتادة .
الثاني : مسدودة ، قاله مجاهد .
الثالث : لها حائط لا باب له ، قاله الضحاك .
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)
مكية عند جميعهم (4/423)
قوله تعالى { والشّمْسِ وضُحاها } هذان قسمان :
قَسَمٌ بالشمس ، وقَسَم بضحاها ، وفي ضحاها أربعة أوجه :
أحدها : هو إشراقها ، قاله مجاهد .
الثاني : هو إنبساطها ، قاله اليزيدي .
الثالث : حرها ، قاله السدي .
الرابع : هذا النهار ، قاله قتادة .
ويحتمل خامساً : أنه ما ظهر بها من كل مخلوق ، فيكون القسم بها وبالمخلوقات كلها .
{ والقَمَرِ إذا تَلاها } ففيه وجهان :
أحدهما : إذا ساواها ، قاله مجاهد .
الثاني : إذا تبعها ، قاله ابن عباس .
وفي اتباعه لها ثلاثة أوجه :
أحدها : أول ليلة من الشهر إذا سقطت الشمس يرى القمر عند سقوطها ، قاله قتادة .
الثاني : الخامس عشر من الشهر يطلع القمر مع غروب الشمس ، قاله الطبري .
الثالث : في الشهر كله فهو في النصف الأول يتلوها ، وتكون أمامه وهو وراءها ، وإذا كان في النصف الأخير كان هو أمامها وهي وراءه ، قاله ابن زيد .
ويحتمل رابعاً : أنه خلفها في الليل ، فكان له مثل ما لها في النهار لأن تأثير كل واحد منهما في زمانه ، فللشمس النهار . وللقمر الليل .
{ والنّهارِ إذا جَلاَها } فيه وجهان :
أحدهما : أضاءها ، يعني الشمس لأن ضوءها بالنهار يجلي ظلمة الليل ، قاله مجاهد .
الثاني : أظهرها ، لأن ظهور الشمس بالنهار ، ومنه قول قيس بن الخطيم :
تجلب لنا كالشمس بين غمامةٍ ... بدا حاجبٌ منها وضنّتْ بحاجب
ويحتمل ثالثاً : أن النهار جلّى ما في الأرض من حيوانها حتى ظهر لاستتاره ليلاً وانتشاره نهاراً .
{ والليل إذا يَغْشاها } فيه وجهان :
أحدهما : أظلمها ، يعني الشمس ، وهو مقتضى قول مجاهد .
الثاني : يسترها ، ومنه قول الخنساء :
أرْعَى النجومَ وما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها ... وتارةً أتغشى فَضْلَ أطْماري
{ والسّماءِ وما بَناها } فيه وجهان :
أحدهما : والسماء وبنائها ، قاله قتادة .
الثاني : معناه ومن بناها وهو الله تعالى ، قاله مجاهد والحسن .
ويحتمل ثالثاً : والسماء وما في بنائها ، يعني من الملائكة والنجوم ، فيكون هذا قسَماً بما في السماءِ ، ويكون ما تقدمه قسَماً بما في الأرض .
{ والأرْضِ وما طَحَاهَا } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه بَسطها ، قاله سفيان وأبو صالح .
الثاني : معناه قسَمها ، قاله ابن عباس .
الثالث : يعني ما خلق فيها ، قاله عطية العوفي ، ويكون طحاها بمعنى خلقها ، قال الشاعر :
وما تَدري جذيمةُ مَنْ طحاها ... ولا من ساكنُ العَرْشِ الرّفيع
ويحتمل رابعاً : أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز ، لأنه حياة لما خلق عليها .
{ ونَفْسٍ وما سَوَّاها } في النفس قولان :
أحدهما : آدم ، ومن سواها : الله تعالى ، قاله الحسن .
الثاني : أنها كل نفس .
وفي معنى سواها على هذا القول وجهان :
أحدهما : سوى بينهم في الصحة ، وسوى بينهم في العذاب جميعاً ، قاله ابن جريج .
الثاني : سوى خلقها وعدل خلقها ، قاله مجاهد . (4/424)
ويحتمل ثالثاً : سوّاها بالعقل الذي فضّلها به على جميع الحيوانات .
{ فأَلْهَمَهَا فجُورَها وتَقْواها } في « ألهمها » تأويلان :
أحدهما : أعلمها ، قاله مجاهد .
الثاني : ألزمها ، قاله ابن جبير .
وفي « فجورها وتقواها » ثلاثة تأويلات :
أحدها : الشقاء والسعادة ، قاله مجاهد .
الثاني : الشر والخير ، قاله ابن عباس .
الثالث : الطاعة والمعصية ، قاله الضحاك .
ويحتمل رابعاً : الرهبة والرغبة لأنهما داعيا الفجور والتقوى .
وروى جوبير عن الضحاك عن ابن عباس أن النبي عليه السلام كان إذا قرأ هذه الآية « فألهمها فجورها وتقواها » رفع صوته : اللهم آتِ نفسي تقواها ، أنت وليها ومولاها ، وأنت خير من زكّاها .
{ قد أفْلَحَ مَن زكّاها } على هذا وقع القسم ، قال ابن عباس : فيها أحد عشر قسماً .
وفيه وجهان : أحدهما : قد افلح من زكى الله نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال .
الثاني : قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال .
وفي زكاها وجهان :
أحدهما : طهّرها ، وهو قول مجاهد .
الثاني : أصلحها ، وهو قول سعيد بن جبير .
{ وقد خابَ من دَسّاها } فيه وجهان :
أحدهما : على ما قضى وقد خاب من دسّى الله نفسه .
الثاني : من دسّى نفسه .
وفي « دسّاها » سبعة تأويلات :
أحدها : أغواها وأضلها ، قاله مجاهد وسعيد بن جبير ، لأنه دسّى نفسه في المعاصي ، ومنه قول الشاعر :
وأنت الذي دَسْيت عَمْراً فأصْبَحَتْ ... حلائلهم فيهم أراملَ ضُيّعاً
الثاني : إثمنها وفجورها ، قاله قتادة .
الثالث : خسرها ، قاله عكرمة .
الرابع : كذبها ، قاله ابن عباس .
الخامس : أشقاها ، قاله ابن سلام .
السادس : جنبها في الخير ، وهذا قول الضحاك .
السابع : أخفاها وأخملها بالبخل ، حكاه ابن عيسى .
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)
{ كذّبَتْ ثمودُ بِطَغْواها } فيه ثلاثة تأويلات : (4/425)
أحدها : بطغيانها ومعصيتها ، قاله مجاهد وقتادة .
الثاني : بأجمعها ، قاله محمد بن كعب .
الثالث : بعذابها ، قاله ابن عباس .
قالوا كان اسم العذاب الذي جاءها الطّغوى .
{ فدمْدم عليهم ربهم بذَنْبِهم } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه فغضب عليهم .
الثاني : معناه فأطبق عليهم .
الثالث : معناه فدمّر عليهم ، وهو مثل دمدم ، كلمة بالحبشية نطقت بها العرب .
{ فسوّاها } فيه وجهان :
أحدهما : فسوى بينهم في الهلاك ، قاله السدي ويحيى بن سلام .
الثاني : فسوّى بهم الأرض ، ذكره ابن شجرة .
ويحتمل ثالثاً : فسوّى مَن بعدهم مِنَ الأمم .
{ ولا يخافُ عُقباها } فيه وجهان :
أحدهما : ولا يخاف الله عقبى ما صنع بهم من الهلاك ، قاله ابن عباس .
الثاني : لا يخاف الذي عقرها عقبى ما صنع من عقرها ، قاله الحسن .
ويحتمل ثالثاً : ولا يخاف صالح عقبى عقرها ، لأنه قد أنذرهم ونجاه الله تعالى حين أهلكهم .
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11)
قوله تعالى { واللّيلِ إذا يَغْشَى } فيه ثلاثة أوجه : (4/426)
أحدها : إذا أظلم ، قاله مجاهد .
الثاني : غطى وستر ، قاله ابن جبير .
الثالث : إذا غشى الخلائق فعّمهم وملأهم ، قاله قتادة ، وهذا قَسَم .
{ والنّهارِ إذا تَجَلّى } فيه وجهان :
أحدهما : إذا أضاء ، قاله مجاهد .
الثاني : إذا ظهر ، وهو مقتضى قول ابن جبير .
ويحتمل ثالثاً : إذا أظهر ما فيه من الخلق ، وهذا قسم ثانٍ .
{ وما خَلَقَ الذّكّرّ والأُنثى } قال الحسن : معناه والذي خلق الذكر والأنثى فيكون هذا قسماً بنفسه تعالى .
ويحتمل ثانياً : وهو أشبه من قول الحسن أن يكون معناه وما خلق من الذكر والأنثى ، فتكون « من » مضمرة المعنى محذوفة اللفظ ، وميزهم بخلقهم من ذكر وأنثى عن الملائكة الذين لم يخلقوا من ذكر وأنثى ، ويكون القسم بأهل طاعته من أوليائه وأنبيائه ، ويكون قسمه بهم تكرمة لهم وتشريفاً .
وفي المراد بالذكر والأنثى قولان :
أحدهما : آدم وحواء ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : من كل ذكر وأنثى .
فإن حمل على قول الحسن فكل ذكر وأنثى من آدمي وبهيمة ، لأن الله خلق جميعهم .
وإن حمل على التخريج الذي ذكرت أنه أظهر ، فكل ذكر وأنثى من الآدميين دون البهائم لاختصاصهم بولاية الله وطاعته ، وهذا قسم ثالث :
{ إنّ سَعْيَكم لشَتّى } أي مختلف ، وفيه وجهان :
أحدهما : لمختلف الجزاء ، فمنكم مثاب بالجنة ، ومنكم معاقب بالنار .
الثاني : لمختلف الأفعال ، منكم مؤمن وكافر ، وبر وفاجر ، ومطيع وعاص .
ويحتمل ثالثاً : لمختلف الأخلاق ، فمنكم راحم وقاس ، وحليم وطائش ، وجواد وبخيل ، وعلى هذا وقع القسم .
وروى ابن مسعود أن هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه ، وفي أمية وأبّي ابني خلف حين عذّبا بلالاً على إسلامه ، فاشتراه أبو بكر ، ووفي ثمنه بردةً وعشر أوراقٍ ، وأعتقه للَّه تعالى ، فنزل ذلك فيه .
{ فأمّا من أَعْطَى واتّقَى } قال ابن مسعود يعني أبا بكر .
وفي قوله « أعطى » ثلاثة أوجه :
أحدها : من بذل ماله ، قاله ابن عباس .
الثاني : اتقى محارم الله التي نهى عنها ، قال قتادة .
الثالث : اتقى البخل ، قاله مجاهد .
{ وصَدَّق بالحُسْنَى } فيه سبعة تأويلات :
أحدها : بتوحيد الله ، وهو قول لا إله إلا الله ، قاله الضحاك .
الثاني : بموعود الله ، قاله قتادة .
الثالث : بالجنة ، قاله مجاهد .
الرابع : بالثواب ، قاله خصيف .
الخامس : بالصلاة والزكاة والصوم ، قاله زيد بن أسلم .
السادس : بما أنعم الله عليه ، قاله عطاء .
السابع : بالخلف من عطائه ، قاله الحسن ، ومعاني أكثرها متقاربة .
{ فَسَنُيَسِّرُهُ لليُسْرىَ } فيه تأويلان :
أحدهما : للخير ، قاله ابن عباس .
الثاني : للجنة ، قاله زيد بن أسلم .
ويحتمل ثالثاً : فسنيسر له أسباب الخير والصلاح حتى يسهل عليه فعلها .
{ وأمّا مَنْ بَخِلَ واسْتَغنَى } قال ابن مسعود : يعني بذلك أُمية وأبيّاً ابني خلف . وفي قوله « بخل » وجهان : (4/427)
أحدهما : بخل بماله الذي لا يبقى ، قاله ابن عباس والحسن .
الثاني : بخل بحق الله تعالى ، قاله قتادة .
« واستغنى » فيه وجهان :
أحدهما : بماله ، قاله الحسن .
الثاني : عن ربه ، قاله ابن عباس .
{ وكَذَّبَ بالحُسْنَى } فيه التأويلات السبعة .
{ فَسنُيَسِّرُهُ للعُسْرَى } فيه وجهان :
أحدهما : للشر من الله تعالى ، قاله ابن عباس .
الثاني : للنار ، قاله ابن مسعود .
ويحتمل ثالثاً : فسنعسر عليه أسباب الخير والصلاح حتى يصعب عليه فعلها فعند نزول هاتين الآيتين يروي قتادة عن خليد عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما من يوم طلعت فيه شمسه إلا وملكان يناديان : اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً » ، ثم قرأ { فأما من أعطى واتقى } .
الآية والتي بعدها .
{ وما يُغْنِي عنه ماله إذا تَرَدَّى } فيه وجهان :
أحدهما : إذا تردّى في النار ، قاله أبو صالح وزيد بن أسلم .
الثاني : إذا مات فتردى في قبره ، قاله مجاهد وقتادة .
ويحتمل ثالثاً : إذا تردى في ضلاله وهوى في معاصيه .
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)
{ إنّ علينا لَلْهُدَى } فيه وجهان : (4/428)
أحدهما : أن نبيّن سبل الهدى والضلالة قاله يحيى بن سلام .
الثاني : بيان الحلال والحرام ، قاله قتادة .
ويحتمل ثالثاً : علينا ثواب هداه الذي هدينا .
{ وإنَّ لنا لَلآخِرةَ والأُولى } فيه وجهان :
أحدهما : ثواب الدنيا والآخرة ، قاله الكلبي والفراء .
الثاني : ملك الدنيا وملك الآخرة ، قاله مقاتل .
ويحتمل ثالثاً : الله المُجازي في الدنيا والآخرة .
{ فأنذَرْتُكم ناراً تَلَظَّى } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه تتغيظ ، قاله الكلبي .
الثاني : تشتعل ، قاله مقاتل .
الثالث : تتوهج ، قاله مجاهد ، وأنشد لعلّي رضي الله عنه :
كأن الملح خالطه إذا ما ... تلظّى كالعقيقة في الظلال
{ لا يَصلاها إلا الأشْقَى } أي الشقّي .
{ والذي كذّب وتولّى } فيه وجهان :
أحدهما : كذّب بكتاب الله وتولّى عن طاعة الله ، قاله قتادة .
الثاني : كذّب الرسولَ وتولّى عن طاعته .
{ وما لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمةٍ تُجْزَى * إلا ابتغاءَ وجهِ ربِّه الأَعْلَى } فيه وجهان :
أحدهما : وما لأحد عند الله تعالى من نعمة يجازيه بها إلا أن يفعلها ابتغاء وجه ربه فيستحق عليها الجزاء والثواب ، قاله قتادة .
الثاني : وما لبلال عند أبي بكر حين اشتراه فأعتقه من الرق وخلّصه من العذاب نعمةٌ سلفت جازاه عليها بذلك إلا ابتغاء وجه ربه وعتقه ، قاله ابن عباس وابن مسعود { ولَسوفَ يَرْضَى } يحتمل وجهين :
أحدهما : يرضى بما أعطيه لسعته .
الثاني : يرضى بما أعطيه لقناعته ، لأن من قنع بغير عطاء كان أطوع لله .
وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)
قوله تعالى { والضُّحَى } هو قَسَمٌ ، وفيه أربعة أوجه : (4/429)
أحدها : أنه أول ساعة من النهار إذا ترحلت الشمس ، قاله السدي .
الثاني : أنه صدر النهار ، قاله قتادة .
الثالث : هو طلوع الشمس ، قاله قطرب .
الرابع : هو ضوء النهار في اليوم كله ، مأخوذ من قولهم ضحى فلان الشمس ، إذا ظهر لها ، قاله مجاهد ، والاشتقاق لعلي بن عيسى .
{ والليلِ إذا سَجى } وهو قَسَم ثان ، وفيه خمسة تأويلات :
أحدها : إذا أقبل ، قاله سعيد بن جبير .
الثاني : إذا أظلم ، قاله ابن عباس .
الثالث : إذا استوى ، قاله مجاهد .
الرابع : إذا ذهب ، قاله ابن حنطلة عن ابن عباس .
الخامس : إذا سكن الخلق فيه ، قاله عكرمة وعطاء وابن زيد ، مأخوذ من قولهم سجى البحر إذا سكن ، وقال الراجز :
يا حبذا القمراءُ والليلِ الساج ... وطُرُقٌ مِثْلُ ملاءِ النسّاج
{ ما ودَّعَكَ ربُّكَ وما قَلَى } اختلف في سبب نزولها ، فروى الأسود بن قيس عن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رُمي بحجر في إصبعه فدميت ، فقال :
هل أنت إلاّ أصبعٌ دَميتِ ... وفي سبيل اللَّه ما لَقِيتِ
قال فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقوم ، فقالت له امرأة يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك ، فنزل عليه : { ما ودعك ربك وما قلى } . وروى هشام عن عروة عن أبيه قال : أبطأ جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم فجزع لذلك جزعاً شديداً ، قالت عائشة : فقال كفار قريش : إنا نرى ربك قد قلاك ، مما رأوا من جزعه ، فنزلت : { ما ودعك ربك وما قلى } ، وروى ابن جريج أن جبريل لبث عن النبي صلى الله عليه وسلم اثنا عشرة ليلة فقال المشركون : لقد ودع محمداً ربُّه ، فنزلت : { ما ودعك ربك وما قلى } .
وفي « وَدَّعَك » قراءتان :
أحدهما : قراءة الجمهور ودّعك ، بالتشديد ، ومعناها : ما انقطع الوحي عنك توديعاً لك .
والثانية : بالتخفيف ، ومعناها : ما تركك إعراضاً عنك .
« وما قلى » أي ما أبغضك ، قال الأخطل :
المهْديات لمن هوين نسيئةً ... والمحْسِنات لمن قَلَيْنَ مقيلاً
{ ولَلآخرةُ خير لك مِنَ الأُولى } روى ابن عباس قال : عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته من بعده ، فسُرّ بذلك ، فأنزل الله تعالى : « وللآخرة خير لك من الأُولى » الآية .
وفي قوله { وللآخرة خير لك من الأولى } وجهان :
أحدهما : وللآخرة خير لك مما أعجبك في الدنيا ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : أن مآلك في مرجعك إلى الله تعالى أعظم مما أعطاك من كرامة الدنيا ، قاله ابن شجرة .
{ ولسوف يُعْطيك ربُّك فَتَرْضَى } يحتمل وجهين :
أحدهما : يعطيك من النصر في الدنيا ، وما يرضيك من إظهار الدين .
الثاني : يعطيك المنزلة في الآخرة ، وما يرضيك من الكرامة .
{ ألمْ يَجِدْك يتيماً فآوَى } واليتيم بموت الأب ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أبويه وهو صغير ، فكفله جده عبد المطلب ، ثم مات فكفله عمه أبو طالب ، وفيه وجهان : (4/430)
أحدهما : أنه أراد يتم الأبوة بموت من فقده من أبويه ، فعلى هذا في قوله تعالى « فآوى » وجهان :
أحدهما : أي جعل لك مأوى لتربيتك ، وقيمّاً يحنو عليك ويكفلك وهو أبو طالب بعد موت عبد الله وعبد المطلب ، قاله مقاتل .
الثاني : أي جعل لك مأوى نفسك ، وأغناك عن كفالة أبي طالب ، قاله الكلبي .
والوجه الثاني : أنه أراد باليتيم الذي لا مثيل له ولا نظير ، من قولهم درة يتيمة ، إذا لم يكن لها مثيل ، فعلى هذا في قوله « فآوى » وجهان :
أحدهما : فآواك إلى نفسه واختصك برسالته .
الثاني : أن جعلك مأوى الأيتام بعد أن كنت يتيماً ، وكفيل الأنام بعد أن كنت مكفولاً ، تذكيراً بنعمه عليه ، وهو محتمل .
{ وَوَجَدَكَ ضالاًّ فَهَدَى } فيه تسعة تأويلات :
أحدها : وجدك لا تعرف الحق فهداك إليه ، قاله ابن عيسى .
الثاني : ووجدك ضالاً عن النبوة فهداك إليها ، قاله الطبري .
الثالث : ووجد قومك في ضلال فهداك إلى إرشادهم ، وهذا معنى قول السدي .
الرابع : ووجدك ضالاً عن الهجرة فهداك إليها .
الخامس : ووجدك ناسياً فأذكرك ، كما قال تعالى : { أن تَضِل إحداهما } .
السادس : ووجدك طالباً القبلة فهداك إليها ، ويكون الضلال بمعنى الطلب ، لأن الضال طالب .
السابع : ووجدك متحيراً في بيان من نزل عليك فهداك إليه ، فيكون الضلال بمعنى التحير ، لأن الضال متحير .
الثامن : ووجدك ضائعاً في قومك فهداك إليه ، ويكون الضلال بمعنى الضياع ، لأن الضال ضائع .
التاسع : ووجدك محباً للهداية فهداك إليها ، ويكون الضلال بمعنى المحبة ، ومنه قوله تعالى : { قالوا تاللَّه إنك لفي ضلالك القديم } أي في محبتك ، قال الشاعر :
هذا الضلال أشاب مِنّي المفرقا ... والعارِضَيْن ولم أكنْ مُتْحقّقاً
عَجَباً لَعِزّةَ في اختيارِ قطيعتي ... بعد الضّلالِ فحبْلُها قد أخْلقاً
وقرأ الحسن : ووجدَك ضالٌّ فهُدِي ، أي وجَدَك الضالُّ فاهتدى بك ، { ووجَدَك عائلاً فأَغْنَى } فيه أربعة أوجه :
أحدها : وجدك ذا عيال فكفاك ، قاله الأخفش ، ومنه قول جرير :
الله أنْزَلَ في الكتابِ فَرِيضةً ... لابن السبيل وللفقير العائلِ
الثاني : فقيراً فيسَّر لك ، قاله الفراء ، قال الشاعر :
وما يَدْري الفقيرُ متى غناه ... وما يَدْري الغنيُّ متى يَعيِلُ
أي متى يفتقر .
الثالث : أي وجدك فقيراً من الحُجج والبراهين ، فأغناك بها .
الرابع : ووجدك العائلُ الفقير فأغناه الله بك ، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بصوته الأعلى ثلاث مرات : « يَمُنّ ربي عليّ وهو أهلُ المَنّ »
{ فأمّا اليتيمَ فلا تَقْهَرْ } فيه خمسة أوجه :
أحدها : فلا تحقر ، قاله مجاهد .
الثاني : فلا تظلم ، رواه سفيان .
الثالث : فلا تستذل ، حكاه ابن سلام . (4/431)
الرابع : فلا تمنعه حقه الذي في يدك ، قاله الفراء .
الخامس : ما قاله قتادة : كن لليتيم كالأب الرحيم ، وهي في قراءة ابن مسعود : فلا تكْهَر ، قاله أبو الحجاج : الكهر الزجر .
روى أبو عمران الجوني عن أبي هريره أن رجلاً شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه ، فقال : « إن أردت أن يلين قلبك فامسح رأس اليتيم وأطْعِم المسكينَ »
{ وأَمّا السائلَ فلا تَنْهَر } في رده إن منعته ، ورُدّه برحمة ولين ، قاله قتادة .
الثاني : السائل عن الدين فلا تنهره بالغلظة والجفوة ، وأجِبْهُ برفق ولين ، قاله سفيان .
{ وأمّا بِنَعْمِة ربِّكَ فحدِّثْ } في هذه النعمة ثلاثة تأويلات :
أحدها : النبوة ، قاله ابن شجرة ، ويكون تأويل قوله فحدث أي ادعُ قومك .
الثاني : أنه القرآن ، قاله مجاهد ، ويكون قوله : فحدث أي فبلّغ أمتك .
الثالث : ما أصاب من خير أو شر ، قاله الحسن .
« فحدث » فيه على هذا وجهان :
أحدهما : فحدّث به الثقة من إخوانك ، قاله الحسن .
الثاني : فحدِّث به نفسك ، وندب إلى ذلك ليكون ذِكرها شكراً .
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)
قوله تعالى { أَلمْ نَشْرَحْ لك صَدْرَكَ } وهذا تقرير من الله تعالى لرسول صلى الله عليه وسلم عند انشراح صدره لما حمله من نبوّته . (4/432)
وفي « نشرح » وجهان :
أحدهما : أي أزال همك منك حتى تخلو لما أُمِرت به .
الثاني : أي نفتح لك صدرك ليتسع لما حملته عنه فلا يضيق ، ومنه تشريح اللحم لأنه فتحه لتقديده .
وفيما شرح صدره ثلاثة أقاويل :
أحدها : الإسلام ، قاله ابن عباس .
الثاني : بأن ملىء حكمة وعلماً ، قاله الحسن .
الثالث : بما منّ عليه من الصبر والاحتمال ، قاله عطاء .
ويحتمل رابعاً : بحفظ القرآن وحقوق النبوّة .
{ ووَضَعْنا عنك وِزْرَكَ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : وغفرنا لك ذنبك ، قاله مجاهد ، وقال قتادة : كان للنبي ذنوب أثقلته فغفرها الله تعالى له .
الثاني : وحططنا عنك ثقلك ، قاله السدي . وهي في قراءة ابن مسعود ، وحللنا عنك وِقرك .
الثالث : وحفظناك قبل النبوة في الأربعين من الأدناس حتى نزل عليك الوحيُ وأنت مطهر من الأدناس .
ويحتمل رابعاً : أي أسقطنا عنك تكليف ما لم تُطِقْه ، لأن الأنبياء وإن حملوا من أثقال النبوة على ما يعجز عنه غيرهم من الأمة فقد أعطوا من فضل القوة ما يستعينون به على ثقل النبوة ، فصار ما عجز عنه غيرهم ليس بمطاق .
{ الذي أنقَضَ ظَهْرَكَ } أي أثقل ظهرك ، قاله ابن زيد كما ينقض البعير من الحمل الثقيل حتى يصير نِقْضاً .
وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أثقل ظهره بالذنوب حتى غفرها .
الثاني : أثقل ظهره بالرسالة حتى بلّغها .
الثالث : أثقل ظهره بالنعم حتى شكرها .
{ ورَفَعْنا لك ذِكْرَكَ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : ورفعنا لك ذكرك بالنبوة ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : ورفعنا لك ذكرك في الآخرة كما رفعناه في الدنيا .
الثالث : أن تذكر معي إذا ذكرت ، روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أتاني جبريل عليه السلام فقال : إن الله تعالى يقول أتدري كيف رفعْت ذكرك؟ فقال : الله أعلم ، فقال : إذا ذُكرتُ ذُكِرْتَ » قاله قتادة : رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة ، فليس خطيب يخطب ولا يتشهد ، ولا صاحب صلاة إلا ينادي :
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله .
{ فإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً } فيه وجهان :
أحدهما : إن مع اجتهاد الدنيا خير الآخرة .
الثاني : إن مع الشدة رخاء ، ومع الصبر سعة ، ومع الشقاوة سعادة ، ومع الحزونة سهولة .
ويحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : أن مع العسر يسراً عند الله ليفعل منهما ما شاء .
الثاني : إن مع العسر في الدنيا يسراً في الآخرة .
الثالث : إن مع العسر لمن بُلي يسراً لمن صبر واحتسب بما يوفق له من القناعة أو بما يعطى من السعة .
قال ابن مسعود : والذي نفسي بيده لو كان العسر في حَجَرٍ لطلبه اليسر حتى يدخل عليه « ولن يغلب عسْرٌ يُسْرَين » . (4/433)
وإنما كان العسر في الموضعين واحداً ، واليسر اثنين ، لدخول الألف واللام على العسر وحذفها من اليسر .
وفي تكرار « مع العسر يسرا » وجهان : أحدهما : ما ذكرنا من إفراد العسر وتثنية اليسر ، ليكون أقوى للأمل وأبعث على الصبر ، قاله ثعلب .
الثاني : للإطناب والمبالغة ، كما قالوا في تكرار الجواب فيقال بلى بلى ، لا لا ، قاله الفراء وقال الشاعر :
هممتُ بِنْفسيَ بَعْضَ الهُموم ... فأَوْلَى لنفْسِيَ أولى لها .
{ فإذا فَرَغتَ فانَصَبْ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : فإذا فرغت من الفرائض فانصب من قيام الليل ، قاله ابن مسعود .
الثاني : فإذا فرغت من صلاتك فانصب في دعائك ، قاله الضحاك .
الثالث : فإذا فرغت من جهادك عدوك فانصب لعبادة ربك ، قاله الحسن وقتادة .
الرابع : فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عمل آخرتك ، قاله مجاهد .
ويحتمل تأويلاً خامساً : فإذا فرغت من إبلاغ الرسالة فانصب لجهاد عدّوك .
{ وإلى ربِّكَ فارْغَبْ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : فارغب إليه في دعائك قاله ابن مسعود .
الثاني : في معونتك .
الثالث : في إخلاص نيتك ، قاله مجاهد .
ويحتمل رابعاً : فارغب إليه في نصرك على أعدائك .
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)
مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر ، وقال ابن عباس وقتادة : هي مدنية . (4/434)
قوله تعالى { والتّينِ والزَّيْتُونِ } هما قَسَمان ، وفيهما ثمانية تأويلات :
أحدها : أنهما التين والزيتون المأكولان ، قاله الحسن وعكرمة ومجاهد .
الثاني : أن التين دمشق ، والزيتون بيت المقدس ، قاله كعب الأحبار وابن زيد .
الرابع : أن التين مسجد دمشق ، والزيتون مسجد بيت المقدس ، قاله الحارث وابن زيد .
الخامس : الجبل الذي عليه التين ، والجبل الذي عليه الزيتون ، قاله ابن قتيبة ، وهما جبلان بالشام يقال لأحدهما طور زيتا ، وللآخر طور تيناً ، وهوتأويل الربيع .
وحكى ابن الأنباري أنهما جبلان بين حلوان وهمدان ، وهو بعيد .
السادس : أن التين مسجد أصحاب الكهف ، والزيتون مسجد ايليا ، قاله محمد بن كعب .
السابع : أن التين مسجد نوح عليه السلام الذي بني على الجودي ، والزيتون مسجد بيت المقدس ، قاله ابن عباس .
الثامن : أنه أراد بهما نعم الله تعالى على عباده التي منها التين والزيتون ، لأن التين طعام ، والزيتون إدام .
{ وطورِ سِينينَ } وهو قَسَم ثالث وفيه قولان :
أحدهما : أنه جبل بالشام ، قاله قتادة .
الثاني : أنه الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام ، قاله كعب الأحبار .
وفي قوله « سينين » أربعة أوجه :
أحدها : أنه الحسن بلغة الحبشة ، ونطقت به العرب ، قاله الحسن وعكرمة .
الثاني : أنه المبارك ، قاله قتادة .
الثالث : أنه اسم البحر ، حكاه ابن شجرة .
الرابع : أنه اسم للشجر الذي حوله ، قاله عطية .
{ وهذا البلدِ الأَمينِ } يعني بالبلد مكة وحرمها ، وفي الأمين وجهان :
أحدهما : الآمن أهله من سبي أو قتل ، لأن العرب كانت تكف عنه في الجاهلية أن تسبي فيه أحداً أو تسفك فيه دماً .
الثاني : يعني المأمون على ما أودعه الله تعالى فيه من معالم الدين ، وهذا قَسَم رابع .
{ لقد خَلَقْنا الإنسانَ } وفي المراد بالإنسان ها هنا قولان :
أحدهما : أنه أراد عموم الناس ، وذكر الإنسان على وجه التكثير لأنه وصفه بما يعم لجميع الناس .
الثاني : أنه أراد إنساناً بعينه عناه بهذه الصفة ، وإن كان صفة الناس .
واختلف فيمن أراده الله تعالى ، على خمسة أوجه :
أحدها : أنه عنى كلدة بن أسيد ، قاله ابن عباس .
الثاني : أبا جهل ، قاله مقاتل .
الخامس : أنه عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفي قوله { في أَحْسَنِ تقْويمٍ } أربعة أقاويل :
أحدها : في أعدل خلق ، قاله ابن عباس .
الثاني : في أحسن صورة ، قاله أبو العالية .
الثالث : في شباب وقوة ، قاله عكرمة .
الرابع : منتصب القامة ، لأن سائر الحيوان مُنْكَبٌّ غير الإنسان ، فإنه منتصب ، وهو مروي عن ابن عباس .
ويحتمل خامساً : أي في أكمل عقل ، لأن تقويم الإنسان بعقله ، وعلى هذا وقع القَسَم .
{ ثم ردَدْناهُ أسْفَلَ سافِلينَ } فيه قولان : (4/435)
أحدهما : إلى الهرم بعد الشباب ، والضعف بعد القوة ، قاله الضحاك والكلبي ، ويكون أسفل بمعنى بعد التمام .
الثاني : بعد الكفر ، قاله مجاهد وأبو العالية ، ويكون أسفل السافلين محمولاً على الدرك الأسفل من النار .
ويحتمل ثالثاً : إلى ضعف التمييز بعد قوّته .
{ فلهم أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنونٍ } فيه ستة أوجه :
أحدها : غير منقوص ، قاله ابن عباس ، وقال الشاعر :
يا عين جودي بدمع غير ممنون ... . . . . . . . . . . . . . . .
الثاني : غير محسوب ، قاله مجاهد .
الثالث : غير مكدر بالمنّ والأذى ، قاله الحسن .
الرابع : غير مقطوع ، قاله ابن عيسى .
الخامس : أجر بغير عمل ، قاله الضحاك .
وحكي أن من بلغ الهرم كتب له أجر ما عجز عنه من العمل الصالح .
السادس : أن لا يضر كل أحد منهم ما عمله في كبره ، قاله ابن مسعود .
{ فما يُكذِّبُكَ بَعْدُ بالدِّينِ } فيه وجهان :
أحدهما : حكم الله تعالى ، قاله ابن عباس .
الثاني : الجزاء ، ومنه قول الشاعر :
دِنّا تميماً كما كانت أوائلُنا ... دانَتْ أوائلَهم في سالفِ الزَّمَنِ
{ أليْسَ اللهُ بأحْكَمِ الحاكِمينَ } وهذا تقرير لمن اعترف من الكفار بصانع قديم ، وفيه وجهان :
أحدهما : بأحكم الحاكمين صنعاً وتدبيراً ، قاله ابن عيسى .
الثاني : أحكم الحاكمين قضاء بالحق وعدلاً بين الخلق وفيه مضمر محذوف ، وتقديره : فلِمَ ينكرون مع هذه الحال البعث والجزاء .
وكان عليّ رضي الله عنه إذا قرأ { أليس الله بأحكم الحاكمين } قال : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ، ونختار ذلك .
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)
قوله : { اقرأ باسْمِ ربِّك الذي خَلَقَ } روي عن عبيد بن عمير قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أول ما أتاه بنمط فغطّه فقال : اقرأ ، فقال : والله ما أنا بقارىء ، فغطّه ثم قال : اقرأ ، فقال : والله ما أنا بقارىء فغطّه غطاً شديداً ثم قال : { اقرأ باسم ربك الذي خَلَقَ } أي استفتح قراءتك باسم ربك الذي خلق وإنما قال الذي خلق لأن قريشاً كانت تعبد آلهة ليس فيهم خالق غيره تعالى ، فميّز نفسه بذلك ليزول عنه الالتباس . (4/436)
روت عائشة رضي الله عنها أنها أول سورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعدها « نون والقلم » ثم بعدها « يا أيها المدثر » ثم بعدها « والضحى » .
{ خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ } يريد بالإنسان جنس الناس كلهم ، خلقوا من علق بعد النطفة ، والعلق جمع علقة ، والعلقة قطعة من دم رطب سميت بذلك لأنها تعلق لرطوبتها بما تمر عليه ، فإذا جفت لم تكن علقة ، قال الشاعر :
تركْناه يخرُّ على يديْه ... يَمُجُّ عليهما عَلَقَ الوتين
ويحتمل مراده بذلك وجهين :
أحدهما : أن يبين قدر نعمته على الإنسان بأن خلقه من علقة مهيئة حتى صار بشراً سوياً وعاقلاً متميزاً .
الثاني : أنه كما نقل الإنسان من حال إلى حال حتى استكمل ، كذلك نقلك من الجهالة إلى النبوة حتى تستكمل محلها .
{ اقْرَأ وربُّكَ الأكْرَمُ } أي الكريم .
ويحتمل ثانياً : اقرأ بأن ربك هو الأكرم ، لأنه لما ذكر ما تقدم من نعمه دل بها على نعمة كرمه . قال إبراهيم بن عيسى اليشكري : من كرمه أن يرزق عبده وهو يعبد غيره .
{ الذي علّمَ بالقَلَمِ } أي عَلّم الكاتب أن يكتب بالقلم ، وسمي قلماً لأنى يقلم أي يقطع ، ومنه تقليم الظفر .
وروى مجاهد عن ابن عمر قال : خلق الله تعالى أربعة أشياء بيده ثم قال لسائر الخلق : كن ، فكان ، القلم والعرش وجنة عدن وآدم .
وفيمن علمه بالقلم ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه أراد آدم عليه السلام ، لأنه أول من كتب ، قاله كعب الأحبار .
الثاني : إدريس وهو أول من كتب ، قاله الضحاك .
الثالث : أنه أراد كل من كتب بالقلم لأنه ما علم إلا بتعليم الله له ، وجمع بذلك بين نعمته تعالى عليه في خلقه وبين نعمته تعالى عليه في تعليمه استكمالاً للنعمة عليه .
{ علَّمَ الإنسانَ مالم يَعْلَمْ } فيه وجهان :
أحدهما : الخط بالقلم ، قاله قتادة وابن زيد .
الثاني : علمه كل صنعه علمها فتعلم ، قاله ابن شجرة .
ويحتمل ثالثاً : علمه من حاله في ابتداء خلقه ما يستدل به على خلقه وأن ينقله من بعد على إرادته .
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)
{ كلا إنّ الإنسانَ لَيطْغَى } في « كلا » ها هنا وجهان : (4/437)
أحدهما : أنه ردّ وتكذيب ، قاله الفراء .
الثاني : أنه بمعنى إلا ، وكذلك { كلا سوف يعلمون } ، قاله أبو حاتم السجستاني .
وفي قوله « ليطغى » أربعة أوجه :
الثاني : ليبطر ، قاله الكلبي .
الثالث : ليرتفع من منزلة إلى منزلة ، قاله السدي .
الرابع : ليتجاوزه قدره ، ومنه قوله تعالى { إنّا لما طَغَى الماءُ } قاله ابن شجرة .
{ أَن رآه اسْتَغْنَى } أي عن ربه ، قاله ابن عباس .
ويحتمل ثانياً : استغنى بماله وثروته ، وقال الكلبي : نزلت في أبي جهل .
{ إنّ إلى ربِّك الرُّجْعَى } فيه وجهان :
أحدهما : المنتهى ، قاله الضحاك .
الثاني : المرجع في القيامة .
ويحتمل ثالثاً : يرجعه الله إلى النقصان بعد الكمال ، وإلى الموت بعد الحياة .
{ أَرَأَيْتَ الذي يَنْهَى عَبْداً إذا صَلَّى } نزلت في أبي جهل ، روى أبو هريرة أن أبا جهل قال : واللات والعزّى لئن رأيت محمداً يصلّي بين أظهركم لأطأن رقبته ولأعفرن وجهه في التراب ، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ رقبته ، فما فجأه منه إلا وهو ينكص ، أي يرجع على عقبيه ، فقيل له : ما لك؟ فقال : إن بيني وبينه خندقاً من نار وهواء وأجنحة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً » .
وروى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إنّ لكل أمة فرعون ، وفرعون هذه الأمة أبو جهل » .
وكانت الصلاة التي قصد فيها أبو جهل رسول الله صلاة الظهر . وحكى جعفر بن محمد أن أول صلاة جماعة جمعت في الإسلام ، يوشك أن تكون التي أنكرها أبو جهل ، صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عليّ رضي الله عنه فمرّ به أبو طالب ومعه ابنه جعفر فقال : صل جناح ابن عمك ، وانصرف مسروراً يقول :
إنَّ عليّاً وجعفرا ثقتي ... عند مُلِمِّ الزمان والكُرَبِ
والله لا أخذل النبيّ ولا ... يخذله من كان ذا حَسَبِ
لا تخذلا وانصرا ابن عمكما ... أخي لأمي من بنيهم وأبي
فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك .
{ أرأيْتَ إن كان على الهُدَى أو أمَرَ بالتّقْوَى } فيه قولان :
أحدهما : يعني أبا جهل ، ويكون فيه إضمار ، وتقديره : ألم يكن خيراً له . الثاني : هو النبي صلى الله عليه وسلم كان على الهدى في نفسه ، وأمر بالتقوى في طاعة ربه . وفي قوله « أرأيْتَ » احتمال الوجهين :
أحدهما : أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم .
الثاني : خطاب عام له ولأمته ، والمراد به على الوجهين هدايته ، ويكون في الكلام محذوف ، وتقديره : هكذا كان يفعل به .
{ أرأَيْتَ إن كَذَّبَ وَتَوَلّى } يعني أبا جهل ، وفيه وجهان :
أحدهما : كذب بالله وتولى عن طاعته .
الثاني : كذب بالقرآن وتولى عن الإيمان . (4/438)
ويحتمل ثالثاً : كذب بالرسول وتولى عن القبول .
{ ألم يَعْلَمْ بأنَّ الله يَرَى } يعني أبا جهل ، وفيه وجهان :
أحدهما : ألم تعلم يا محمد أن الله يرى أبا جهل؟
الثاني : ألم تعلم يا أبا جهل أن الله يراك؟
وفيه وجهان :
أحدهما : يرى عمله ويسمع قوله .
الثاني : يراك في صلاتك حين نهاك أبو جهل عنها .
ويحتمل ثالثاً : يرى ما همّ به أبو جهل فلا يمكنه من رسوله .
{ كلا لئِن لم يَنْتَهِ لنسفعاً بالنّاصِيةِ } يعني أبا جهل ، وفيه وجهان :
أحدهما : يعني لنأخذن بناصيته ، قاله ابن عباس ، وهو عند العرب أبلغ في الاستذلال والهوان ، ومنه قول الخنساء :
جززنا نواصي فرسانهم ... وكانوا يظنّون أنْ لن تُجَزَّا
الثاني : معناه تسويد الوجوه وتشويه الخلقة بالسفعة السوداء ، مأخوذ من قولهم قد سفعته النار أو الشمس إذا غيرت وجهه إلى حالة تشويه ، وقال الشاعر :
أثافيَّ سُفْعاً مُعَرَّس مِرَجلٍ ... ونُؤْياً كجِذم الحوضِ لم يَتَثَلّمِ
والناصية شعر مقدم الرأس ، وقد يعبّر بها عن جملة الإنسان ، كما يقال هذه ناصية مباركة إشارة إلى جميع الإنسان .
ثم قال : { ناصيةٍ كاذبةٍ خاطئةٍ } يعني ناصية أبي جهل كاذبة في قولها ، خاطئة في فعلها .
{ فلْيَدْعُ نادِيَةُ } يعني أبا جهل ، والنادي مجلس أهل الندى والجود ومعنى « فليدع نادية » أي فليدع أهل ناديه من عشيرة أو نصير .
{ سَنَدْعُ الزّبانِيةَ } والزبانية هم الملائكة من خزنة جهنم ، وهم أعظم الملائكة خلقاً وأشدهم بطشاً ، والعرب تطلق هذا الإسم على من اشتد بطشه ، قال الشاعر :
مَطاعيمُ في القُصْوى مَطاعينُ في الوَغى ... زبانيةٌ غُلْبٌ عِظَامٌ حُلومها
{ كلا لا تُطِعْهُ } قال أبو هريرة : كلا لا تطع أبا جهل في أمره .
ويحتمل نهيه عن طاعته وجهين :
أحدهما : لا تقبل قوله إن دارك ولا رأيه إن قاربك .
الثاني : لا تجبه عن قوله ، ولا تقابله على فعله ، ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « اللهم لا تطع فينا مسافراً » أي لا تجب دعاءه لأن المسافر يدعو بانقطاع المطر فلو أجيبت دعوته لهلك الناس .
{ واسْجُدْ واقْتَرِبْ } فيه وجهان :
أحدهما : اسجد أنت يا محمد مصلياً ، واقترب أنت يا أبا جهل من النار ، قاله زيد بن أسلم .
الثاني : اسجد أنت يا محمد في صلاتك لتقرب من ربك ، فإن أقرب ما يكون العبد إلى الله تعالى إذا سجد له .
وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال : أنزل في أبي جهل أربع وثمانون آية ، وأنزل في الوليد بن المغيرة مائة وأربع آيات ، وأنزل في النضر بن الحارث اثنتان وثلاثون آية .
وإذا كانت هذه أول سورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الأكثرين فقد روي في ترتيب السور بمكة والمدينة أحاديث ، أوفاها ما رواه آدم ابن أبي أناس عن أبي شيبة شعيب بن زريق عن عطاء الخراساني قال : بلغنا أن هذا ما نزل من القرآن بمكة والمدينة الأول فالأول ، فكان أول ما نزل فيما بلغنا : « اقرأ باسم ربك » ثم « ن والقلم ، المزمل ، المدثر ، تبّت ، إذا الشمس كورت ، سبّح اسم ربك ، الليل ، الفجر ، الضحى ، ألم نشرح ، العصر ، العاديات ، الكوثر ، ألهاكم ، أرأيت ، الكافرون ، الفيل ، الفلق ، الإخلاص ، النجم ، عبس ، القدر ، والشمس ، البروج ، التين ، لإيلاف ، القارعة ، القيامة ، الهُمزة ، المرسلات ، ق ، البلد ، الطارق ، القمر ، ص ، الأعراف ، قل أوحى ، يس ، الفرقان ، الملائكة ، مريم ، طه ، الواقعة ، الشعراء ، النمل ، القصص ، بنو إسرائيل ، يونس ، هود ، يوسف ، الحجر ، الأنعام ، الصافات ، لقمان ، سبأ ، الزمر ، المؤمن ، حم السجدة ، عسق ، الزخرف ، الدخان ، الجاثية ، الأحقاف ، الذاريات ، الغاشية ، الكهف ، النحل ، نوح ، إبراهيم ، الأنبياء ، قد أفلح ، السجدة ، الطور ، الملك ، الحاقة ، سأل سائل ، النبأ ، النازعات ، الانفطار ، الانشقاق ، الروم ، العنكبوت ، المطففين .
فهذه خمس وثمانون سورة نزلت بمكة . (4/439)
وكان فيما نزل بالمدينة البقرة ، ثم الأنفال ، آل عمران ، الأحزاب ، الممتحنة ، النساء ، الزلزلة ، الحديد ، سورة محمد ، الرعد ، الرحمن ، هل أتى ، الطلاق ، لم يكن ، الحشر ، النصر ، النور ، الحج ، المنافقون ، المجادلة ، الحجرات ، التحريم ، الجمعة ، الصف ، الفتح ، المائدة ، براءة .
فهذه سبع وعشرون سورة نزلت بالمدينة .
ولم تكن الفاتحة والله أعلم ضمن ما ذكره ، وقد اختلف الناس في نزول السور اختلافاً كثيراً ، لكن وجدت هذا الحديث أوفى وأشفى فذكرته .
إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)
قوله تعالى { إنا أنزلناه في ليلة القدر } فيه وجهان : (4/440)
أحدهما : يعني جبريل ، أنزله الله في ليلة القدر بما نزل به من الوحي .
الثاني : يعني القرآن؛ وفيه قولان :
أحدهما : ما روى ابن عباس قال : نزل القرآن في رمضان وفي ليلة القدر في ليلة مباركة جملة واحدة من عند الله تعالى في اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا ، فنجمته السفرة على جبريل في عشرين ليلة ، ونجمه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة ، وكان ينزل على مواقع النجوم أرسالاً في الشهور والأيام .
القول الثاني : أن الله تعالى ابتدأ بإنزاله في ليلة القدر ، قاله الشعبي .
واختلف في ليلة القدر مع اتفاقهم أنها في العشر الأواخر من رمضان ، وأنها في وتر العشر أوجد ، إلا ابن عمر فإنه زعم أنها في الشهر كله .
فذهب الشافعي رحمه الله إلى أنها في إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين لحديث أبي سعيد الخدري ، وذهب أبيّ بن كعب وابن عباس إلى أنها في ليلة سبع وعشرين .
واختلف في الدليل ، فاستدل أبيّ بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من علامتها أن تصبح الشمس لا شعاع لها » ، قال : وقد رأيت ذلك في صبيحة سبع وعشرين ، واستدل ابن عباس بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سورة القدر ثلاثون كلمة فهي في قوله « سلام » و « هي » الكلمة السابعة والعشرون ، فدل أنها فيها .
وقال آخرون : هي في ليلة أربع وعشرين للخبر المروي في تنزيل الصحف ، وقال آخرون : إن الله تعالى ينقلها في كل عام من ليلة إلى أخرى ليكون الناس في جميع العشر مجتهدين ، ولرؤيتها متوقعين .
وفي تسميتها ليلة القدر أربعة أوجه :
أحدها : لأن الله تعالى قدر فيها إنزال القرآن .
الثاني : لأن الله تعالى يقدر فيها أمور السنة ، أي يقضيها ، وهو معنى قول مجاهد .
الثالث : لعظم قدرها وجلالة خطرها ، من قولهم رجل له قدر ، ذكره ابن عيسى .
الرابع : لأن للطاعات فيها قدراً عظيماً وثواباً جزيلاً .
{ وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ } تنبيهاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم على فضلها ، وحثّاً على العمل فياه ، قال الشعبي : وليلتها كيومها ، ويومها كليلتها .
قال الفراء : كل ما في القرآن من قوله تعالى : « وما أدراك » فقد أدراه ، وما كان من قوله « وما يدريك » فلم يدره .
قال الضحاك : لا يقدر الله في ليلة القدر إلا السعادة والنعم ، ويقدر في غيرها البلايا والنقم ، وقال عكرمة : كان ابن عباس يسمي ليلة القدر ليلة التعظيم ، وليلة النصف من شعبان ليلة البراءة ، وليلتي العيدين ليلة الجائزة .
{ ليلةُ القدْرِ خيرٌ من أَلْفِ شَهْرٍ } فيه ستة أقاويل :
أحدها : ليلة القدر خير من عمر ألف شهر ، قاله الربيع .
الثاني : أن العمل في ليلة القدر خير من العمل في غيرها ألف شهر ، قاله مجاهد . (4/441)
الثالث : أن ليلة القدر خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر ، قاله قتادة .
الرابع : أنه كان رجل في بني إسرائيل يقوم الليل حتى يصبح ثم يجاهد العدوّ حتى يمسي ، ففعل ذلك ألف شهر ، فأخبر الله تعالى أن قيام ليلة القدر خير من عمل ذلك الرجل ألف شهر ، رواه ابن أبي نجيح ومجاهد .
الخامس : أن ملك سليمان كان خمسمائة شهر ، وملك ذي القرنين كان خمسمائة شهر ، فصار ملكهما ألف شهر ، فجعل العمل في ليلة القدر خيراً من زمان ملكهما .
{ تَنَزَّلُ الملائكةُ والرُّوحُ فيها } قال أبو هريرة : الملائكة في ليلة القدر في الأرض أكثر من عدد الحصى .
وفي « الروح » ها هنا أربعة أقاويل :
أحدها : جبريل عليه السلام ، قاله سعيد بن جبير .
الثاني : حفظة الملائكة ، قاله ابن أبي نجيح .
الثالث : أنهم أشرف الملائكة وأقربهم من الله ، قاله مقاتل .
الرابع : أنهم جند من الله من غير الملائكة ، رواه مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً .
ويحتمل إن لم يثبت فيه نص قولاً خامساً : أن الروح والرحمة تنزل بها الملائكة على أهلها ، دليله قوله تعالى : { ينزّل الملائكة بالرُّوح من أمْره على من يشَاءُ من عباده } أي بالرحمة .
{ بإذْن ربِّهم } يعني بأمر ربهم .
{ مِن كل أمْرٍ } يعني يُقضى في تلك الليلة من رزق وأجل إلى مثلها من العام القابل .
وقرأ ابن عباس : من كل امرىء ، فتأولها الكلبي على أن جبريل ينزل فيها مع الملائكة فيسلمون على كل امرىء مسلم .
{ سلامٌ هي حتى مطلع الفَجْر } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن ليلة القدر هي ليلة سالمة من كل شر ، لا يحدث فيها حدث ولا يرسل فيها شيطان ، قاله مجاهد .
الثاني : أن ليلة القدر هي سلام وخير وبركة ، قاله قتادة .
الثالث : أن الملائكة تسلم على المؤمنين في ليلة القدر إلى مطلع الفجر ، قاله الكلبي .
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)
قوله تعالى { لم يَكُنِ الّذِينَ كَفَروا مِنْ أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكينَ مُنفَكِّينَ } معناه لم يكن الذين كفروا من اليهود والنصارى الذين هم أهل الكتاب ، ولم يكن المشركون الذين هم عبدة الأوثان من العرب ، وغيرهم الذين ليس لهم كتاب . . « منفكين » فيه أربعة تأويلات : (4/442)
أحدها : لم يكونوا منتهين عن الشرك { حتى تأتيهم البَيِّنَةُ } حتى يتبين لهم الحق . وهذا قول ثان : لم يزالوا مقيمين على الشرك والريبة حتى تأتيهم البينة ، يعنى الرسل ، قاله الربيع .
الثالث : لم يفترقوا ولم يختلفوا أن الله سيبعث إليهم رسولاً حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وتفرقوا ، فمنهم من آمن بربه ، ومنهم من كفر ، قاله ابن عيسى .
الرابع : لم يكونوا ليتركوا منفكين من حجج الله تعالى ، حتى تأتيهم البينة التي تقوم بها عليهم الحجة ، قال امرؤ القيس :
إذا قُلْتُ أَنْفَكَّ مِن حُبّها ... أبى عالقُ الحُبِّ إلا لُزوما
وفي « البيّنة » ها هنا ثلاثة أوجه :
أحدها : القرآن ، قاله قتادة .
الثاني : الرسول الذي بانت فيه دلائل النبوة .
الثالث : بيان الحق وظهور الحجج .
وفي قراءة أبيّ بن كعب : ما كان الذي كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين ، وفي قراءة ابن مسعود : لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين .
{ رسولٌ مِن الله } يعني محمداً .
{ يَتْلُواْ صُحُفاً مُطَهّرَةً } يعني القرآن .
ويحتمل ثانياً : يتعقب بنبوته نزول الصحف المطهرة على الأنبياء قبله . وفي { مطهرة } وجهان :
أحدهما : من الشرك ، قاله عكرمة .
الثاني : مطهرة الحكم بحسن الذكر والثناء ، قاله قتادة .
ويحتمل ثالثاً : لنزولها من عند الله .
{ فيها كُتُبٌ قَيِّمةٌ } فيه وجهان :
أحدهما : يعني كتب الله المستقيمة التي جاء القرآن بذكرها ، وثبت فيه صدقها ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : يعني فروض الله العادلة ، قاله السدي .
{ وما تَفَرَّقَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ } يعني اليهود والنصارى .
{ إلاّ مِن بَعْدِ ما جاءتْهم البْيِّنَةُ } فيه قولان :
احدهما : القرآن ، قاله أبو العالية .
الثاني : محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن شجرة .
ويحتمل ثالثاً : البينة ما في كتبهم من صحة نبوته .
{ وما أُمِروا إلاّ ليَعْبُدوا الله مُخْلِصينَ له الدِّينَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : مُقِرِّين له بالعبادة .
الثاني : ناوين بقلوبهم وجه الله تعالى في عبادتهم .
الثالث : إذا قال لا إله إلا الله أن يقول على أثرها « الحمد لله » ، قاله ابن جرير .
ويحتمل رابعاً : إلا ليخلصوا دينهم في الإقرار بنبوته .
{ حُنفاءَ } فيه ستة أوجه :
أحدها : متبعين .
الثاني : مستقيمين ، قاله محمد بن كعب .
الثالث : مخلصين ، قاله خصيف .
الرابع : مسلمين ، قاله الضحاك ، وقال الشاعر :
أخليفة الرحمنِ إنا مَعْشرٌ ... حُنفاءُ نسجُدُ بُكرةً وأصيلاً (4/443)
الخامس : يعني حجّاجاً ، قاله ابن عباس؛ وقال عطية العوفي : إذا اجتمع الحنيف والمسلم كان معنى الحنيف الحاج وإذا انفرد الحنيف كان معناه المسلم ، وقال سعيد بن جبير : لا تسمي العرب الحنيف إلا لمن حج واختتن .
السادس : أنهم المؤمنون بالرسل كلهم ، قاله أبو قلابة .
{ ويُقيموا الصّلاةَ ويُؤْتُوا الزّكاةَ وذلكَ دينُ القَيِّمَةِ } وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه وذلك دين الأمة المستقيمة .
الثاني : وذلك دين القضاء القيم ، قاله ابن عباس .
الثالث : وذلك الحساب المبين ، قاله مقاتل .
ويحتمل رابعاً : وذلك دين من قام لله بحقه .
{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أولئك هُمْ شَرُّ البرية * إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أولئك هُمْ خَيْرُ البرية * جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رِّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ }
إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)
قوله تعالى { إذا زُلزِلت الأرض زِلزالها } أي حركت الأرض حركتها ، والزلزلة شدة الحركة ، فيكون من زل يزل . (4/444)
وفي قوله { زِلزالها } وجهان :
أحدهما : لأنها غاية زلازلها المتوقعة .
الثاني : لأنها عامة في جميع الأرض ، بخلاف الزلازل المعهودة في بعض الأرض .
وهذا الخطاب لمن لا يؤمن بالبعث وعيد وتهديد ، ولمن يؤمن به إنذار وتحذير ، واختلف في هذه الزلزلة على قولين : أحدهما : أنها في الدنيا من أشراط الساعة ، وهو قول الأكثرين .
الثاني : أنها الزلزلة يوم القيامة ، قاله خارجة بن زيد وطائفة .
{ وأَخْرَجَتِ الأرضُ أَثْقَالَها } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : . . . . . . . . . . . .
الثاني : ما عليها من جميع الأثقال ، وهذا قول عكرمة .
ويحتمل قول الفريقين .
ويحتمل رابعاً : أخرجت أسرارها التي استودعتها ، قال أبو عبيدة : إذا كان الثقل في بطن الأرض فهو ثقل لها ، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها .
{ وقالَ الإنسانُ ما لَها } يحتمل وجهين :
أحدهما : ما لها زلزلت زلزالها .
الثاني : ما لها أخرجت أثقالها .
وفي المراد بهذا « الإنسان » قولان :
أحدهما : أن المراد جميع الناس من مؤمن وكافر ، وهذا قول من جعله في الدنيا من أشراط الساعة لأنهم لا يعلمون جميعأً أنها من أشراط الساعة في ابتداء أمرها حتى يتحققوا عمومها ، فلذلك سأل بعضهم بعضاً عنها .
الثاني : أنهم الكفار خاصة ، وهذا قول من جعلها زلزلة القيامة ، لأن المؤمن يعترف بها فهو لا يسأل عنها ، والكافر جاحد لها فلذلك يسأل عنها .
{ يومئذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : تحدث أخبارها بأعمال العباد على ظهرها ، قاله أبو هريرة ورواه مرفوعاً ، وهذا قول من زعم أنها زلزلة القيامة .
الثالث : تحدث بقيام الساعة إذا قال الإنسان ما لها ، قال ابن مسعود : فتخبر بأن أمر الدنيا قد انقضى ، وأن أمر الآخرة قد أتى ، فيكون ذلك منها جواباً عند سؤالهم ، وعيداً للكافر وإنذاراً للمؤمن .
وفي حديثها بأخبارها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الله تعالى يقلبها حيواناً ناطقاً فتتكلم بذلك .
الثاني : أن الله تعالى يُحدث الكلام فيها .
الثالث : يكون الكلام منها بياناً يقوم مقام الكلام .
{ بأنَّ ربّك أوْحَى لَهَا } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه أوحى إليها بأن ألهمها فأطاعت ، كما قال العجاج :
أَوْحى لها القَرَارَ فاسْتَقَرَّتِ ... وشَدَّها بالراسياتِ الثُّبّتِ
الثاني : يعني قال لها ، قاله السدي .
الثالث : أمرها ، قاله مجاهد .
وفيما أوحى لها وجهان :
أحدهما : أوحى لها بأن تحدث أخبارها .
الثاني : بأن تخرج أثقالها .
ويحتمل ثالثاً : أوحى لها بأن تزلزل زلزالها .
{ يومئذٍ يَصْدُرُ الناسُ أَشْتاتاً } فيه قولان :
أحدهما : أنه يوم القيامة يصدرون من بين يدي الله تعالى فرقاً فرقاً مختلفين في قدرهم وأعمالهم ، فبعضهم إلى الجنة وهم أصحاب الحسنات ، وبعضهم إلى النار وهم أصحاب السيئات ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : أنهم في الدنيا عند غلبة الأهواء يصدرون فرقاً ، فبعضهم مؤمن ، وبعضهم كافر ، وبعضهم محسن ، وبعضهم مسيء ، وبعضهم محق ، وبعضهم مبطل . (4/445)
{ ليُرَوْا أَعْمالَهم } يعني ثواب أعمالهم يوم القيامة .
ويحتمل ثالثاً : أنهم عند النشور يصدرون أشتاتاً من القبور على اختلافهم في الأمم والمعتقد بحسب ما كانوا عليه في الدنيا من اتفاق أو اختلاف ليروا أعمالهم في موقف العرض من خير أو شر فيجازون عليها بثواب أو عقاب ، والشتات : التفرق والاختلاف ، قال لبيد :
إنْ كُنْتِ تهْوينَ الفِراقَ ففارقي ... لا خيرَ في أمْر الشتات
{ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه } في هذه الآية ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن معنى يَرَه أي يعرفْهُ .
الثاني : أنه يرى صحيفة عمله .
الثالث : أن يرى خير عمله ويلقاه .
وفي ذلك قولان :
أحدهما : يلقى ذلك في الآخرة ، مؤمناً كان أو كافراً ، لأن الآخرة هي دار الجزاء .
الثاني : أنه إن كان مؤمناً رأى جزاء سيئاته في الدنيا ، وجزاء حسناته في الآخرة حتى يصير إليها وليس عليه سيئة .
وإن كان كافراً رأى جزاء حسناته في الدنيا ، وجزاء سيئاته في الآخرة حتى يصير إليها وليس له حسنة ، قاله طاووس .
ويحتمل ثالثاً : أنه جزاء ما يستحقه من ثواب وعقاب عند المعاينة في الدنيا ليوفاه في الآخرة .
ويحتمل المراد بهذه الآية وجهين :
أحدهما : إعلامهم أنه لا يخفى عليه صغير ولا كبير .
الثاني : إعلامهم أنه يجازي بكل قليل وكثير .
وحكى مقاتل بن سليمان أنها نزلت في ناس بالمدينة كانوا لا يتورعون من الذنب الصغير من نظرة أو غمزة أو غيبة أو لمسة ، ويقولون إنما وعد الله على الكبائر ، وفي ناس يستقلون الكسرة والجوزة والثمرة ولا يعطونها ، ويقولون إنما نجزى على ما تعطيه ونحن نحبه ، فنزل هذا فيهم .
وروي أن صعصعة بن ناجية جد الفرزدق أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستقرئه ، فقرأ عليه هذه الآية ، فقال صعصعة : حسبي حسبي إن عملت مثقال ذرة خيراً رأيته ، وإن عملت مثقال ذرة شراً رأيته .
وروى أبو أيوب الأنصاري : قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه يتغذيان إذا نزلت هذه السورة ، فقاما وأمسكا .
وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)
قوله تعالى : { والعادياتِ ضَبْحاً } في العاديات قولان : (4/446)
أحدهما : أنها الخيل في الجهاد ، قاله ابن عباس وأنس والحسن ، ومنه قول الشاعر :
وطعنةٍ ذاتِ رشاشٍ واهيهْ ... طعنْتُها عند صدور العاديْه
يعني الخيل .
الثاني : أنها الإبل في الحج ، قاله عليٌّ رضي الله عنه وابن مسعود ومنه قول صفية بنت عبد المطلب :
فلا والعاديات غَداة جَمْعٍ ... بأيديها إذا صدع الغبار
يعني الإبل ، وسميت العاديات لاشتقاقها من العدو ، وهو تباعد الرجل في سرعة المشي؛ وفي قوله « ضبحاً » وجهان :
أحدهما : أن الضبح حمحمة الخيل عند العدو ، قاله من زعم أن العاديات الخيل .
الثاني : أنه شدة النّفس عند سرعة السير ، قاله من زعم أنها الإبل ، وقيل إنه لا يضبح بالحمحمة في عدوه إلا الفرس والكلب ، وأما الإبل فضبحها بالنفَس؛ وقال ابن عباس : ضبحها : قول سائقها أج أج؛ وهذا قَسَمٌ ،
{ فالموريات قَدْحاً } فيه ستة أقاويل :
أحدها : أنها الخيل توري النار بحوافرها إذا جرت من شدة الوقع ، قاله عطاء .
الثاني : أنها نيران الحجيج بمزدلفة ، قاله محمد بن كعب .
الثالث : أنها نيران المجاهدين إذا اشتعلت فكثرت نيرانها إرهاباً ، قاله ابن عباس .
الرابع : أنها تهيج الحرب بينهم وبين عدوهم ، قاله قتادة .
الخامس : أنه مكر الرجال ، قاله مجاهد؛ يعني في الحروب .
السادس : أنها الألسنة إذا ظهرت بها الحجج وأقيمت بها الدلائل وأوضح بها الحق وفضح بها الباطل ، قاله عكرمة ، وهو قَسَمٌ ثانٍ .
{ فالمغيرات صُبْحاً } فيها قولان :
أحدهما : أنها الخيل تغير على العدو صبحاً ، أي علانية ، تشبيهاً بظهور الصبح ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنها الإبل حين تعدو صبحاً من مزدلفة إلى منى ، قاله عليّ رضي الله عنه .
{ فأثَرنَ به نَقْعاً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : فأثرن به غباراً ، والنقع الغبار ، قاله قتادة ، وقال عبد الله بن رواحة :
عدمت بُنَيّتي إن لم تَروْها ... تثير النقْعَ من كنفي كَداءِ
الثاني : النقع ما بين مزدلفة إلى منى ، قاله محمد بن كعب .
الثالث : أنه بطن الوادي ، فلعله يرجع إلى الغبار المثار من هذا الموضع .
{ فَوَسَطْنَ به جَمْعاً } فيه قولان :
أحدهما : جمع العدو حتى يلتقي الزخف ، قاله ابن عباس والحسن .
الثاني : أنها مزدلفة تسمى جمعاً لاجتماع الحاج لها وإثارة النقع في الدفع إلى منى ، قاله مكحول .
{ إنّ الإنسانَ لِربِّه لَكَنُودٌ } فيه سبعة أقاويل :
أحدها : لكفور قاله قتادة ، والضحاك ، وابن جبير ، ومنه قول الأعشى :
أَحْدِثْ لها تحدث لوصْلك إنها ... كُنُدٌ لوصْلِ الزائرِ المُعْتادِ
وقيل : إن الكنود هو الذي يكفر اليسير ولا يشكر الكثير .
الثاني : أنه اللوام لربه ، يذكر المصائب وينسى النعم ، قاله الحسن ، وهو قريب من المعنى الأول .