صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : النكت والعيون |
{ بل يريد الإنسان ليَفْجُرَ أمامَه } فيه أربعة تأويلات : (4/355)
أحدها : معناه أن يقدم الذنب ويؤخر التوبة ، قاله القاسم بن الوليد .
الثاني : يمضي أمامه قدُماً لا ينزع عن فجور ، قاله الحسن .
الثالث : بل يريد أن يرتكب الآثام في الدنيا لقوة أمله ، ولا يذكر الموت ، قاله الضحاك .
الرابع : بل يريد أن يكذب بالقيامة ولا يعاقب بالنار ، وهو معنى قول ابن زيد .
ويحتمل وجهاً خامساً : بل يريد أن يكذب بما في الآخرة كما كذب بما في الدنيا ، ثم وجدت ابن قتيبة قد ذكره وقال إن الفجور التكذيب واستشهد بأن أعرابياً قصد عمر بن الخطاب وشكا إليه نقب إبله ودبرها ، وسأله أن يحمله على غيرها ، فلم يحمله ، فقال الأعرابي :
أقسم بالله أبو حفصٍ عُمَرْ ... ما مسّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرْ
فاغفر له اللهم إنْ كان فجَرْ ... يعني إن كان كذبني بما ذكرت .
{ فإذا بَرِقَ البصرُ } فيه قراءتان :
إحداهما : بفتح الراء ، وقرأ بها أبان عن عاصم ، وفي تأويلها وجهان :
أحدهما : يعني خفت وانكسر عند الموت ، قاله عبد الله بن أبي إسحاق .
الثاني : شخص وفتح عينه عند معاينة ملك الموت فزعاً ، وأنشد الفراء :
فنْفسَكَ فَانْعَ ولا تْنعَني ... وداوِ الكُلومَ ولا تَبْرَقِ .
أي ولا تفزع من هول الجراح .
الثانية : بكسر الراء وقرأ بها الباقون ، وفي تأويلها وجهان :
أحدهما : عشى عينيه البرق يوم القيامة ، قاله أشهب العقيلي ، قال الأعشى :
وكنتُ أرى في وجه مَيّةَ لمحةً ... فأبرِق مَغْشيّاً عليّ مكانيا .
الثاني : شق البصر ، قاله أبو عبيدة وأنشد قول الكلابي :
لما أتاني ابن عمير راغباً ... أعطيتُه عيساً صِهاباً فبرق .
{ وخَسَفَ القمرُ } أي ذهب ضوؤه ، حتى كأنّ نوره ذهب في خسفٍ من الأرض .
{ وجُمِعَ الشمسُ والقمرُ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنه جمع بينهما في طلوعهما من المغرب [ أسودين مكورين ] مظلمين مقرنين .
الثاني : جمع بينهما في ذهاب ضوئهما بالخسوف لتكامل إظلام الأرض على أهلها ، حكاه ابن شجرة .
الثالث : جمع بينهما في البحر حتى صارا نار الله الكبرى .
{ يقولُ الإنسانُ يومئذٍ أين المفرُّ } أي أين المهرب ، قال الشاعر :
أين أفِرّ والكباشُ تنتطحْ ... وأيّ كبشٍ حاد عنها يفتضحْ .
ويحتمل وجهين :
أحدهما : « أين المفر » من الله استحياء منه .
الثاني : « أين المفر » من جهنم حذراً منها .
ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين :
أحدهما : أن يكون من الكافر خاصة من عرصة القيامة دون المؤمن ، ثقة المؤمن ببشرى ربه .
الثاني : أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوه منها .
ويحتمل هذا القول وجهين : (4/356)
أحدهما : من قول الله للإنسان إذا قاله « أين المفر » قال الله له « كلاّ لا وَزَرَ » الثاني : من قول الإنسان إذا علم أنه ليس له مفر قال لنفسه « كلا لا وَزَرَ » { كلاّ لا وَزَرَ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : أي لا ملجأ من النار ، قاله ابن عباس .
الثاني : لا حصن ، قاله ابن مسعود .
الثالث : لا جبل ، [ قاله الحسن ] .
الرابع : لا محيص ، قاله ابن جبير .
{ إلى ربِّك يومئذٍ المُسْتَقَرُّ } فيه وجهان :
أحدهما : أن المستقر المنتهى ، قاله قتادة .
الثاني : أنه استقرار أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، قاله ابن زيد .
{ يُنَبّأ الإنسان يوميئذٍ بما قدَّمَ وأَخّرَ } يعني يوم القيامة وفي « بما قدم وأخر » خمسة تأويلات :
أحدها : ما قدم قبل موته من خير أو شر يعلم به بعد موته ، قاله ابن عباس وابن مسعود .
الثاني : ما قدم من معصية ، وأخر من طاعة ، قاله قتادة .
الثالث : بأول عمله وآخره ، قاله مجاهد .
الرابع : بما قدم من الشر وأخر من الخير ، قال عكرمة .
الخامس : بما قدم من فرض وأخر من فرض ، قاله الضحاك .
ويحتمل سادساً : ما قدم لدنياه ، وما أخر لعقباه .
{ بل الإنسانُ على نَفْسِه بَصيرةٌ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنه شاهد على نفسه بما تقدم به الحجة عليه ، كما قال تعالى : { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً } .
الثاني : أن جوارحه شاهدة عليه بعمله ، قاله ابن عباس ، كما قال تعالى : { اليوم نَخْتِمُ على أفواههم وتُكَلِّمنا أيْديهم وتشْهدُ أرجُلُهم بما كانوا يكْسِبون } .
الثالث : معناه بصير بعيوب الناس غافل عن عيب نفسه فيما يستحقه لها وعليها من ثواب وعقاب .
والهاء في « بصيرة » للمبالغة .
{ ولو أَلْقَى معاذيرَه } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : معناه لو اعتذر يومئذ لم يقبل منه ، قاله قتادة .
الثاني : يعني لو ألقى معاذيره أي لو تجرد من ثيابه ، قاله ابن عباس .
الثالث : لو أظهر حجته ، قاله السدي وقال النابغة :
لدىّ إذا ألقى البخيلُ معاذِرَه . ... الرابع : معناه ولو أرخى ستوره ، والستر بلغة اليمن معذار ، قاله الضحاك ، قال الشاعر :
ولكنّها ضَنّتْ بمنزلِ ساعةٍ ... علينا وأطّت فوقها بالمعاذرِ
ويحتمل خامساً : أنه لو ترك الاعتذار واستسلم لم يُترك .
لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)
{ لا تُحرِّكْ به لسانَكَ لِتعْجَلَ به } فيه وجهان : (4/357)
أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه القرآن حرك به لسان يستذكره . مخافة أن ينساه ، وكان ناله منه شدة ، فنهاه الله تعالى عن ذلك وقال : { إنّ علينا جَمْعَه وقرآنه } ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه كان يعجل بذكره إذا نزل عليه من حبه له وحلاوته في لسانه ، فنهي عن ذلك حتى يجتمع ، لأن بعضه مرتبط ببعض ، قاله عامر الشعبي .
{ إنّ علينا جَمْعَهُ وقُرْآنَه } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : إن علينا جمعه في قلبك لتقرأه بلسانك ، قاله ابن عباس .
الثاني : عيلنا حفظه وتأليفه ، قاله قتادة .
الثالث : عيلنا أن نجمعه لك حتى تثبته في قلبك ، قاله الضحاك .
{ فإذا قرأناه فاتّبعْ قُرْآنَه } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : فإذا بيّناه فاعمل بما فيه ، قاله ابن عباس .
الثاني : فإذا أنزلناه فاستمع قرآنه ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً .
الثالث : فإذا تلي عليك فاتبع شرائعه وأحكامه ، قاله قتادة .
{ ثم إنْ علينا بَيانَه } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : بيان ما فيه من أحكام وحلال وحرام ، قاله قتادة .
الثاني : علينا بيانه بلسانك إذا نزل به جبريل حتى تقرأه كما أقرأك ، قاله ابن عباس .
الثالث : علينا أن نجزي يوم القيامة بما فيه من وعد أو وعيد ، قاله الحسن .
{ كلاّ بل تُحِبُّونَ العاجلةَ * وتذَرُونَ الآخِرَة } فيه وجهان :
أحدهما : تحبون ثواب الدنيا وتذرون ثواب الآخرة ، قاله مقاتل .
الثاني : تحبون عمل الدنيا وتذرون عمل الآخرة .
{ وُجوهٌ يومئذٍ ناضِرةٌ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : يعني حسنة ، قاله الحسن .
الثاني : مستبشرة ، قاله مجاهد .
الثالث : ناعمة ، قاله ابن عباس .
الرابع : مسرورة ، قاله عكرمة .
{ إلى رَبِّها ناظرةٌ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : تنظر إلى ربها في القيامة ، قاله الحسن وعطية العوفي .
الثاني : إلى ثواب ربها ، قاله ابن عمر ومجاهد .
الثالث : تنتظر أمر ربها ، قاله عكرمة .
{ ووجوهُ يومئذٍ باسرةٌ } فيه وجهان :
أحدهما : كالحة ، قاله قتادة .
الثاني : متغيرة ، قاله السدي .
{ تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بها فاقِرةٌ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : أن الفاقرة الداهية ، قاله مجاهد .
الثاني : الشر ، قاله قتادة .
الثالث : الهلاك ، قاله السدي .
الرابع : دخول النار ، قاله ابن زيد .
كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (35) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)
{ كلا إذا بَلَغَتِ التّراقِيَ } يعني بلوغ الروح عند موته إلى التراقي ، وهي أعلى الصدر ، واحدها ترقوه . (4/358)
{ وقيلَ مَنْ راقٍ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : قال أَهْله : من راقٍ يرقيه بالرُّقى وأسماء الله الحسنى ، قاله ابن عباس .
الثاني : مَنْ طبيبٌ شافٍ ، قاله أبو قلابة ، قال الشاعر :
هل للفتى مِن بنات الدهرِ من واقى ... أم هل له من حمامِ الموتِ من راقي
الثالث : قال الملائكة : مَن راقٍ يرقى بروحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب ، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس .
{ وظَنَّ أنّه الفِراق } أي تيقن أنه مفارق الدنيا .
{ والْتَفّتِ الساقُ بالساقِ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : اتصال الدنيا بالآخرة ، قاله ابن عباس .
الثاني : الشدة بالشدة والبلاء بالبلاءِ ، وهو شدة كرب الموت بشدة هول المطلع ، قاله عكرمة ومجاهد ، ومنه قول حذيفة بن أنس الهذلي :
أخو الحرب إن عضّت به الحربُ عضّها ... وإن شمّرتْ عن ساقها الحرب شمّرا .
الثالث : التفّت ساقاه عند الموت ، وحكى ابن قتيبة عن بعض المفسرين أن التفاف الساق بالساق عند الميثاق ، قال الحسن :
ماتت رجلاه فلم تحملاه وقد كان عليهما جوّالاً .
الرابع : أنه اجتمع أمران شديدان عليه : الناس يجهزون جسده ، والملائكة يجهزون روحه ، قاله ابن زيد .
{ إلى ربِّك يومئذٍ المساقُ } فيه وجهان :
أحدهما : المنطلق ، قاله خارجة .
الثاني : المستقر ، قاله مقاتل .
{ فلا صَدَّقَ ولا صَلَّى } هذا في أبي جهل ، وفيه وجهان :
أحدهما : فلا صدّق بكتاب الله ولا صلّى للَّه ، قاله قتادة .
الثاني : فلا صدّق بالرسالة ولا آمن بالمرسل ، وهو معنى قول الكلبي .
ويحتمل ثالثاً : فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه .
{ ولكن كَذَّبَ وتَوَلَّى } فيه وجهان :
أحدهما : كذب الرسول وتولى عن المرسل .
الثاني : كذب بالقرآن وتولى عن الطاعة .
{ ثم ذَهَبَ إلى أَهْلِه يَتَمَطَّى } يعني أبا جهل ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يختال في نفسه ، قاله ابن عباس .
الثاني : يتبختر في مشيته ، قال زيد بن أسلم وهي مشية بني مخزوم .
الثالث : أن يلوي مطاه ، والمطا : الظهر ، وجاء النهي عن مشية المطيطاء وذلك أن الرجل يلقي يديه مع الكفين في مشيه .
{ أوْلَى لك فأوْلَى * ثم أوْلَى لك فأوْلَى } حكى الكلبي ومقاتل : أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أبا جهل ببطحاء مكة وهو يتبختر في مشيته ، فدفع في صدره وهمزه بيده وقال :
« أوْلى لك فأولى » فقال أبو جهل :
إليك عني أوعدني يا ابن أبي كبشة ما تستطيع أنت ولا ربك الذي أرسلك شيئاً ، فنزلت هذه الآية .
وفيه وجهان :
أحدهما : وليك الشر ، قال قتادة ، وهذا وعيد على وعيد .
الثاني : ويل لك ، قالت الخنساء : (4/359)
هَممْتُ بنفسي بعض الهموم ... فأوْلى لنَفْسيَ أوْلَى لها .
سأحْمِلُ نَفْسي على آلةٍ ... فإمّا عليها وإمّا لها .
الآلة : الحالة ، والآلة : السرير أيضاً الذي يحمل عليه الموتى .
{ أيَحْسَبُ الإنسانُ أنْ يُتْرَك سُدىً } فيه أربعة أوجه :
أحدها : فهل لا يفترض عليه عمل ، قاله ابن زيد .
الثاني : يظن ألا يبعث ، قاله السدي .
الثالث : ملغى لا يؤمر ولا ينهى ، قاله مجاهد .
الرابع : عبث لا يحاسب ولا يعاقب ، قال الشاعر :
فأُقسِم باللَّه جهدَ اليمين ... ما ترك اللَّه شيئاً سُدى
{ ألمْ يكُ نُطْفةً مِنْ مَنيٍّ يُمْنَى } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن معنى يُمنى يراق ، ولذلك سميت منى لإراقة الدماء فيها .
الثاني : بمعنى ينشأ ويخلق ، ومنه قول يزيد بن عامر :
فاسلك طريقك تمشي غير مختشعٍ ... حتى تلاقيَ ما يُمني لك الماني .
الثالث : أنه بمعنى يشترك أي اشتراك ماء الرجل بماء المرأة .
{ ثم كان عَلَقَةً } يعني أنه كان بعد النطفة علقة .
{ فخَلَقَ فسوَّى } يحتمل وجهين .
أحدهما : خلق من الأرحام قبل الولادة وسوي بعدها عند استكمال القوة وتمام الحركة .
الثاني : خلق الأجسام وسواها للأفعال ، فجعل لكل جارحة عملاً ، والله أعلم .
هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)
قال ابن عباس ومقاتل والكلبي ويحيى بن سلام : هي مكية ، وقال آخرون فيها مكي من قوله تعالى : { إنا نحن نزّلنا عليك القرآنَ تنزيلاً } إلى آخرها وما تقدم مدني . (4/360)
قوله تعالى : { هلْ أتَى على الإنسان حينٌ من الدهْرِ لم يكُنْ شيئاً مذكوراً } في قوله « هل » وجهان :
أحدهما : أنها في هذا الموضع بمعنى قد ، وتقدير الكلام : « قد أتى على الإنسان » الآية ، على معنى الخبر ، قاله الفراء وأبو عبيدة .
الثاني : أنه بمعنى « أتى على الإنسان » الآية ، على وجه الاستفهام ، حكاه ابن عيسى .
وفي هذا « الإنسان » قولان :
أحدهما : أنه آدم ، قاله قتادة والسدي وعكرمة ، وقيل إنه خلقه بعد خلق السموات والأرض ، وما بينهما في آخر اليوم السادس وهو آخر يوم الجمعة .
الثاني : أنه كل إنسان ، قاله ابن عباس وابن جريج .
وفي قوله تعالى : { حينٌ من الدهر } ثلاثة أقاويل :
أحدهأ : أنه أربعون سنة مرت قبل أن ينفخ فيه الروح ، وهو ملقى بين مكة والطائف ، قاله ابن عباس في رواية أبي صالح عنه .
الثاني : أنه خلق من طين فأقام أربعين سنة ، ثم من حمأ مسنون أربعين سنة ، ثم من صلصال أربعين سنة ، فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة ، ثم نفخ فيه الروح ، وهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك .
الثالث : أن الحين المذكور ها هنا وقت غير مقدر وزمان غير محدود ، قاله ابن عباس أيضاً .
وفي قوله { لم يكن شيئاً مذكوراً } وجهان :
أحدهما : لم يكن شيئاً مذكوراً في الخلق ، وإن كان عند الله شيئاً مذكوراً ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : أي كان جسداً مصوّراً تراباً وطيناً ، لا يذكر ولا يعرف ، ولا يدري ما اسمه ، ولا ما يراد به ، ثم نفخ فيه الروح فصار مذكوراً ، قاله الفراء ، وقطرب وثعلب .
وقال مقاتل : في الكلام تقديم وتأخير ، وتقديره : هل أتى حين من الدهر لم يكن الإنسان شيئاً مذكوراً ، لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله ولم يخلق بعده حيواناً .
{ إنّا خلقْنا الإنسانَ من نُطْفَةٍ أمْشاجٍ } يعني بالإنسان في هذا الموضع كل إنسان من بني آدم في قول جميع المفسرين .
وفي النطفة قولان :
أحدهما : ماء الرجل وماء المرأة إذا اختلطا فهما نطفة ، قاله السدي .
الثاني : أن النطفة ماء الرجل ، فإذا اختلط في الرحم وماء المرأة صارا أمشاجاً .
وفي الأمشاج أربعة أقاويل :
أحدها : أنه الأخلاط ، وهو أن يختلط ماء الرجل بماء المرأة ، قاله الحسن وعكرمة ، ومنه قول رؤبة بن العجاج :
يطرحن كل مُعْجَل نشاجِ ... لم يُكْسَ جلداً في دم أمشاج .
الثاني : أن الأمشاج الألوان ، قاله ابن عباس ، وقال مجاهد : (4/361)
نطفة الرجل بيضاء وحمراء ، ونطفة المرأة خضراء وصفراء .
روى سعيد عن قتادة عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ماء الرجل غليظ أبيض ، وماء المرأة رقيق أصفر فأيهما سبق أو علا فمنه يكون الشبه » .
الثالث : أن الأمشاج : الأطوار ، وهو أن الخلق يكون طوراً نطفة ، وطوراً علقة ، وطوراً مضغة ، ثم طوراً عظماً ، ثم يكسى العظم لحماً ، قاله قتادة .
الرابع : أن الأمشاج العروق التي تكون في النطفة ، قاله ابن مسعود .
وفي قوله { نَبْتَلِيه } وجهان :
أحدهما : نختبره .
الثاني : نكلفه بالعمل .
فإن كان معناه الاختبار ففيما يختبر به وجهان :
أحدهما : نختبره بالخير والشر ، قاله الكلبي .
الثاني : نختبر شكره في السراء ، وصبره في الضراء ، قاله الحسن .
ومن جعل معناه التكليف ففيما كلفه وجهان :
أحدهما : العمل بعد الخلق ، قاله مقاتل .
الثاني : الدين ، ليكون مأموراً بالطاعة ، ومنهياً عن المعاصي .
{ فَجَعَلْناه سميعاً بصيراً } ويحتمل وجهين :
أحدهما : أي يسمع بالأذنين ويبصر بالعينين أمتناناً بالنعمة عليه .
الثاني : ذا عقل وتمييز ليكون أعظم في الامتنان حيث يميزه من جميع الحيوان .
وقال الفراء ومقاتل : في الآية تقديم وتأخير أي فجعلناه سميعاً بصيراً أن نبتليه ، فعلى هذا التقديم في الكلام اختلفوا في ابتلائه على قولين :
أحدهما : ما قدمناه من جعله اختباراً أو تكليفاً .
الثاني : لنبتليه بالسمع والبصر ، قاله ابن قتيبة .
{ إنّا هَدَيْناه السّبيلَ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : سبيل الخير والشر ، قاله عطية .
الثاني : الهدى من الضلالة ، قاله عكرمة .
الثالث : سبيل الشقاء والسعادة ، قاله مجاهد .
الرابع : خروجه من الرحم ، قاله أبو صالح والضحاك والسدي .
ويحتمل خامساً : سبيل منافِعِه ومضارِّه التي يهتدي إليها بطبعه ، وقيل : كمال عقله .
{ إمّا شاكراً وإمّا كَفوراً } فيه وجهان :
أحدهما : إما مؤمناً وإما كافراً ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : إما شكوراً للنعمة وإما كفوراً بها ، قاله قتادة .
وجمع بين الشاكر والكفور ولم يجمع بين الشكور والكفور - مع إجتماعهما في معنى المبالغة - نفياً للمبالغة في الشكر وإثباتاً لها في الكفر ، لأن شكر الله تعالى لا يُؤدَّى فانتفت عنه المبالغة ، ولم تنتف عن الكفر المبالغة ، فقل شكره لكثرة النعم عليه ، وكثر كفره وإن قل مع الإحسان إليه .
إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12)
{ إن الإبرار يَشْربونَ } في الأبرار قولان : (4/362)
أحدهما : أنهم الصادقون ، قاله الكلبي .
الثاني : المطيعون ، قاله مقاتل .
وفيما سُمّوا أبراراً ثلاثة أقاويل :
أحدها : سمّوا بذلك لأنهم برّوا الآباء والأبناء ، قاله ابن عمر .
الثاني : لأنهم كفوا الأذى ، قاله الحسن .
الثالث : لأنهم يؤدون حق الله ويوفون بالنذر ، قاله قتادة .
وقوله { مِن كأسٍ } يعني الخمر ، قال الضحاك : كل كأس في القرآن فإنما عنى به الخمر .
وفي وقوله { كان مِزاجها كافوراً } قولان :
أحدهما : أن كافوراً عين في الجنة اسمها كافور ، قاله الكلبي .
الثاني : أنه الكافور من الطيب فعلى هذا في المقصود منه في مزاج الكأس به ثلاثة أقاويل :
أحدها : برده ، قال الحسن : ببرد الكافور وطعم الزنجبيل .
الثاني : بريحه ، قاله قتادة : مزج بالكافور وختم بالمسك .
الثالث : طعمه ، قال السدي : كأن طعمه طعم الكافور .
{ عَينْاً يَشْرَبُ بها عبادُ اللَّهِ } يعني أولياء اللَّه ، لأن الكافر لا يشرب منها شيئاً وإن كان من عباد الله ، وفيه وجهان :
أحدهما : ينتفع بها عباد الله ، قاله الفراء .
الثاني : يشربها عباد الله .
قال مقاتل : هي التسنيم ، وهي أشرف شراب لاجنة ، يشرب بها المقربون صِرفاً ، وتمزج لسائر أهل الجنة بالخمر واللبن والعسل .
{ يُفَجِّرونَها تفْجيراً } فيه وجهان :
أحدهما : يقودونها إلى حيث شاءوا من الجنة ، قاله مجاهد .
الثاني : يمزجونها بما شاءوا ، قاله مقاتل .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : أن يستخرجوه من حيث شاءوا من الجنة .
وفي قوله « تفجيراً » وجهان :
أحدهما : أنه مصدر قصد به التكثير .
الثاني : أنهم يفجرونه من تلك العيون عيوناً لتكون أمتع وأوسع .
{ يُوفُونَ بالنّذْرِ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : يوفون بما افترض الله عليهم من عبادته ، قاله قتادة .
الثاني : يوفون بما عقدوه على أنفسهم من حق الله ، قاله مجاهد .
الثالث : يوفون بالعهد لمن عاهدوه ، قاله الكلبي .
الرابع : يوفون بالإيمان إذا حلفوا بها ، قاله مقاتل .
ويحتمل خامساً : أنهم يوفون بما أُنذِروا به من وعيده .
{ ويَخافون يوْماً كان شَرُّه مُسْتَطيراً } قال الكلبي عذاب يوم كان شره مستطيراً ، وفيه وجهان :
أحدهما : فاشياً ، قاله ابن عباس والأخفش .
الثاني : ممتداً ، قاله الفراء ، ومنه قول الأعشى :
فبانتْ وقد أَوْرَثَتْ في الفؤادِ ... صَدْعاً على نأيها مُستطيرا
أي ممتداً .
ويحتمل وجهاً ثالثاً يعني سريعاً .
{ ويُطْعمونَ الطعامَ على حُبِّهِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : على حب الطعام ، قاله مقاتل .
الثاني : على شهوته ، قاله الكلبي .
الثالث : على قلته ، قاله قطرب .
{ مسكيناً ويتيماً وأسيراً } في الأسير ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه المسجون المسلم ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه العبد ، قاله عكرمة . (4/363)
الثالث : أسير المشركين ، قاله الحسن وسعيد بن جبير .
قال سعيد بن جبير : ثم نسخ أسير المشركين بالسيف ، وقال غيره بل هو ثابت الحكم في الأسير بإطعامه ، إلا أن يرى الإمام قتله .
ويحتمل وجهاً رابعاً : أن يريد بالأسير الناقص العقل ، لأنه في أسر خبله وجنونه ، وإن أسر المشركين انتقام يقف على رأي الإمام وهذا بر وإحسان .
{ إنّما نُطْعِمُكم لوجْهِ اللهِ } قال مجاهد : إنهم لم يقولوا ذلك ، لكن علمه الله منهم فأثنى عليهم ليرغب في ذلك راغب .
{ لا نُريدُ منكم جزاءً ولا شُكوراً } جزاء بالفعال ، وشكوراً بالمقال وقيل إن هذه الآية نزلت فيمن تكفل بأسرى بدر ، وهم سبعة من المهاجرين أبو بكر وعمر وعلي والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعيد وأبو عبيدة .
{ إنّا نخافُ من ربِّنا يوماً عَبوساً قمْطريراً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن العبوس الذي يعبس الوجوه من شره ، والقمطرير الشديد ، قاله ابن زيد .
الثاني : أن العبوس الضيق ، والقمطرير الطويل ، قاله ابن عباس ، قال الشاعر :
شديداً عبوساً قمطريراً تخالهُ ... تزول الضحى فيه قرون المناكب .
الثالث : أن العُبوس بالشفتين ، والقمطرير بالجبهة والحاجبين ، فجعلها من صفات الوجه المتغير من شدائد ذلك اليوم ، قاله مجاهد ، وأنشد ابن الأعرابي :
يَغْدو على الصّيْدِ يَعودُ مُنكَسِرْ ... ويَقْمَطُّر ساعةً ويكْفَهِرّ .
{ فَوَقاهمُ الله شَرَّ ذلك اليومِ ولَقّاهُمْ نَضْرةً وسُروراً } قال الحسن النضرة من الوجوه ، والسرور في القلوب .
وفي النضرة ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها البياض والنقاء ، قاله الضحاك .
الثاني : أنها الحسن والبهاء ، قاله ابن جبير .
الثالث : أنها أثر النعمة ، قاله ابن زيد .
{ وجَزاهم بما صَبروا } يحتمل وجهين :
أحدهما : بما صبروا على طاعة الله .
الثاني : بما صبروا على الوفاء بالنذر .
{ جَنَّةً وحريراً } فيه وجهان :
أحدهما : جنة يسكنونها ، وحريراً يلبسونه .
الثاني : أن الجنة المأوى ، والحرير أبد العيش في الجنة ، ومنه لبس الحرير ليلبسون من لذة العيش .
واختلف فيمن نزلت هذه الآية على قولين :
أحدهما : ما حكاه الضحاك عن جابر أنها نزلت في مطعم بن ورقاء الأنصاري نذر نذراً فوفاه .
الثاني : ما حكاه عمرو عن الحسن أنها نزلت في علي وفاطمة . . . رضي الله عنهما - وذلك أن علياً وفاطمة نذرا صوماً فقضياه ، وخبزت فاطمة ثلاثة أقراص من شعير ليفطر علّي على أحدها وتفطر هي على الآخر ، ويأكل الحسن والحسين الثالث ، فسألها مسكين فتصدقت عليه بأحدها ، ثم سألها يتيم فتصدقت عيله بالآخر ، ثم سألها أسير فتصدقت عليه بالثالث ، وباتوا طاوين .
مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22)
{ مُتّكِئينَ فيها على الأرائِك } وفيها مع ما قدّمناه من تفسيرها قولان : (4/364)
أحدهما : أنها الأسرّة ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنها كل ما يتكأ عليه ، قاله الزجاج .
{ لا يَرَوْنَ فيها شمْساً ولا زَمْهَريراً } أما المراد بالشمس ففيه وجهان :
أحدهما : أنهم في ضياء مستديم لا يحتاجون فيه إلى ضياء ، فيكون عدم الشمس مبالغة في وصف الضياء .
الثاني : أنهم لا يرون فيها شمساً فيتأذون بحرها ، فيكون عدمها نفياً لأذاها .
وفي الزمهرير ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه البرد الشديد ، قال عكرمة لأنهم لا يرون في الجنة حراً ولا برداً .
الثاني : أنه لون في العذاب ، قاله ابن مسعود .
الثالث : أنه من هذا الموضع القمر ، قاله ثعلب وأنشد :
وليلةٍ ظلامُها قد اعتكَرْ ... قطْعتها والزمهريرُ ما ظَهَرْ
وروي ما زهر ، ومعناه أنهم في ضياء مستديم لا ليل فيه ولا نهار ، لأن ضوء النهار بالشمس ، وضوء الليل بالقمر .
{ . . . وذُلِّلّتْ قُطوفُها تذْليلاً } فيه وجهان :
أحدهما : أنه لا يرد أيديهم عنها شوك ولا بعد ، قاله قتادة .
الثاني : أنه إذا قام ارتفعت ، وإذا قعد نزلت ، قاله مجاهد .
ويحتمل ثالثاً : أن يكون تذليل قطوفها أن تبرز لهم من أكمامها وتخلص من نواها .
{ . . . وأَكْوابٍ كانت قَواريرَا * قواريرَا من فِضّةٍ } أما الأكواب فقد ذكرنا ما هي من جملة الأواني .
وفي قوله تعالى : « قوارير من فضة » وجهان :
أحدهما : أنها من فضة من صفاء القوارير ، قاله الشعبي .
الثاني : أنها من قوارير في بياض الفضة ، قاله أبو صالح .
وقال ابن عباس : قوارير كل أرض من تربتها ، وأرض الجنة الفضة فلذلك كانت قواريرها فضة .
{ قَدَّرُوها تقْديراً } فيه خمسة أقاويل :
أحدها : أنهم قدروها في أنفسهم فجاءت على ما قدروها ، قاله الحسن .
الثاني : على قدر ملء الكف ، قاله الضحاك .
الثالث : على مقدار لا تزيد فتفيض ، ولا تنقص فتغيض ، قاله مجاهد .
الرابع : على قدر ريهم وكفايتهم ، لأنه ألذ وأشهى ، قاله الكلبي .
الخامس : قدرت لهم وقدروا لها سواء ، قاله الشعبي .
{ ويُسْقَونَ فيها كأساً كان مِزاجُها زَنْجبيلاً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : تمزج بالزنجبيل ، وهو مما تستطيبه العرب لأنه يحذو اللسان ويهضم المأكول ، قاله السدي وابن أبي نجيح .
الثاني : أن الزنجبيل اسم للعين التي فيها مزاج شراب الأبرار ، قاله مجاهد .
الثالث : أن الزنجبيل طعم من طعوم الخمر يعقب الشرب منه لذة ، حكاه ابن شجرة ، ومنه قول الشاعر :
وكأن طعْمَ الزنجبيلِ به ... اذْ ذُقْتُه وسُلافَةَ الخمْرِ
{ عْيناً فيها تُسَمّى سَلْسَبيلاً } فيه ستة أقاويل :
أحدها : أنه اسم لها ، قاله عكرمة .
الثاني : معناه سلْ سبيلاً إليها ، قاله علّي رضي الله عنه .
الثالث : يعني سلسلة السبيل ، قاله مجاهد . (4/365)
الرابع : سلسلة يصرفونها حيث شاءوا ، قاله قتادة .
الخامس : أنها تنسلّ في حلوقهم انسلالاً ، قاله ابن عباس .
السادس : أنها الحديدة الجري ، قاله مجاهد أيضاً ، ومنه قول حسان بن ثابت :
يَسْقُون من وَرَدَ البريصَ عليهم ... كأساً تُصَفِّقُ بالرحيق السِّلْسَل
وقال مقاتل : إنما سميت السلسبيل لأنها تنسل عليهم في مجالسهم وغرفهم وطرقهم .
{ ويَطوفُ عليهم وِلْدانٌ مُخَلّدونَ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : مخلدون لا يموتون ، قاله قتادة .
الثاني : صغار لا يكبرون وشبابٌ لا يهرمون ، قاله الضحاك والحسن .
الثالث : أي مُسَوَّرون ، قاله ابن عباس ، قال الشاعر :
ومُخَلّداتٍ باللُّجَيْنِ كأنما ... أعْجازُهنّ أقاوزُ الكُثْبانِ .
{ إذا رَأَيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤاً مَنْثوراً } فيه قولان :
أحدها : أنهم مشبهون باللؤلؤ المنثور لكثرتهم ، قاله قتادة .
الثاني : لصفاء ألوانهم وحسن منظرهم وهو معنى قول سفيان .
{ وإذا رأَيْتَ ثمَّ } يعني الجنة .
{ رأَيْتَ نَعيماً } فيه وجهان :
أحدهما : يريد كثرة النعمة .
الثاني : كثرة النعيم .
{ ومُلْكاً كبيراً } فيه وجهان :
أحدهما : لسعته وكثرته .
الثاني : لاستئذان الملائكة عليهم وتحيتهم بالسلام .
ويحتمل ثالثاً : أنهم لا يريدون شيئاً إلا قدروا عليه .
{ وسقاهم ربُّهم شَراباً طَهوراً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه وصفه بذلك لأنهم لا يبولون منه ولا يُحْدِثون عنه ، قاله عطية ، قال إبراهيم التميمي : هو عَرَق يفيض من أعضائهم مثل ريح المسك .
الثاني : لأن خمر الجنة طاهرة ، وخمر الدنيا نجسة ، فلذلك وصفه الله تعالى بالطهور ، قاله ابن شجرة .
الثالث : أن أنهار الجنة ليس فيها نجس كما يكون في أنهار الدنيا وأرضها حكاه ابن عيسى .
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)
{ ولا تُطِعْ منهم آثِماً أو كَفوراً } قيل إنه عنى أبا جهل ، يريد بالآثم المرتكب للمعاصي ، وبالكفور الجاحد للنعم . (4/366)
{ واذكُر اسمَ رَبِّك بُكرَةً وأصيلاً } يعني في أول النهار وآخره ، ففي أوله صلاة الصبح ، وفي آخره صلاة الظهر والعصر .
{ ومِنَ الليلِ فاسْجدْ له } يعني صلاة المغرب والعشاء الآخرة .
{ وسَبِّحْهُ ليلاً طويلاً } يعني التطوع من الليل .
قال ابن عباس وسفيان : كل تسبيح في القرآن هو صلاة .
{ إنّ هؤلاءِ يُحِبّونَ العاجلةَ } يحتمل في المراد بهم قولين :
أحدهما : أنه أراد بهم اليهود وما كتموه من صفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحة نبوّته . الثاني : أنه أراد المنافقين لاستبطانهم الكفر .
ويحتمل قوله { يحبون العاجلة } وجهين :
أحدهما : أخذ الرشا على ما كتموه إذا قيل إنهم اليهود .
الثاني : طلب الدنيا إذا قيل إنهم المنافقون .
{ ويَذَرُونَ وراءَهم يوماً ثقيلاً } يحتمل وجهين :
أحدهما : ما يحل بهم من القتل والجلاء إذا قيل إنهم اليهود .
الثاني : يوم القيامة إذا قيل إنهم المنافقون .
فعلى هذا يحتمل قوله « ثقيلاً » وجهين :
أحدهما : شدائده وأحواله .
الثاني : للقِصاص من عباده .
{ نحن خَلقْناهم وشَدَدْنا أَسْرَهم } في أسرهم ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني مفاصلهم ، قاله أبو هريرة .
الثاني : خلقهم ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة قال لبيد :
ساهم الوجه شديد أسْرُه ... مشرف الحارك محبوك الكفل .
الثالث : أنه القوة ، قاله ابن زيد ، قال ابن أحمر في وصف فرس :
يمشي لأوظفةٍ شدادٍ أسْرُها ... صُمِّ السنابِك لاتقى بالجَدْجَدِ .
ويحتمل هذا القول منه تعالى وجهين :
أحدهما : امتناناً عليهم بالنعم حين قابلوها بالمعصية .
الثاني : تخويفاً لهمن بسلب النعم .
{ وإذا شئنا بدّلْنا أمثالَهم تبديلاً } يحتمل وجهين :
أحدهما : أمثال من كفر بالنعم وشكرها .
الثاني : من كفر بالرسل بمن يؤمن بها .
{ إنّ هذه تَذْكِرةٌ } يحتمل بالمراد ب « هذه » وجهين :
أحدهما : هذه السورة .
الثاني : هذه الخلقة التي خلق الإنسان عليها .
ويحتمل قوله « تذكرة » وجهين :
أحدهما : إذكار ما غفلت عنه عقولهم .
الثاني : موعظة بما تؤول إليه أمورهم .
{ فَمَنْ شاءَ اتَخَذَ إلى ربِّه سَبيلاً } يحتمل وجهين :
أحدهما : طريقاً إلى خلاصه .
الثاني : وسيلة إلى جنته .
وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15)
قوله تعالى : { والمرسلات عُرْفاً } فيه ثلاثة أقاويل : (4/367)
أحدها : الملائكة ترسل بالمعروف ، قاله أبو هريرة وابن مسعود .
الثاني : أنهم الرسل يرسلون بما يُعرفون به من المعجزات ، وهذا قول أبي صالح .
الثالث : أنها الرياح ترسل بما عرفها الله تعالى .
ويحتمل رابعاً : أنها السحب لما فيها من نعمة ونقمة عارفة بما أرسلت فيه ، ومن أرسلت إليه .
ويحتمل خامساً : أنها الزواجر والمواعظ .
وفي قوله « عُرْفاً » على هذا التأويل ثلاثة أوجه :
أحدها : متتابعات كعُرف الفرس ، قاله ابن مسعود .
الثاني : جاريات ، قاله الحسن يعني القلوب .
الثالث : معروفات في العقول .
{ فالعاصِفاتِ عَصْفاً } فيه قولان :
أحدهما : أنها الرياح العواصف ، قاله ابن مسعود .
الثاني : الملائكة ، قاله مسلم بن صبيح .
ويحتمل قولاً ثالثاً : أنها الآيات المهلكة كالزلازل والخسوف .
وفي قوله « عصفاً » وجهان :
أحدهما : ما تذروه في جريها .
الثاني : ما تهلكه بشدتها .
{ والنَّاشِراتِ نَشْراً } فيه خمسة أوجه :
أحدها : أنها الرياح تنشر السحاب ، قاله ابن مسعود .
الثاني : أنها الملائكة تنشر الكتب ، قاله أبو صالح أيضاً .
الثالث : أنه المطر ينشر النبات ، قاله ابو صالح أيضاً .
الرابع : أنه البعث للقيامة تُنشر فيه الأرواح ، قاله الربيع .
الخامس : أنها الصحف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد ، قاله الضحاك .
{ فالفارِقات فَرقاً } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : الملائكة التي تفرق بين الحق والباطل ، قاله ابن عباس .
الثاني : الرسل الذين يفرقون بين الحلال والحرام ، قاله أبو صالح .
الثالث : أنها الرياح ، قاله مجاهد .
الرابع : القرآن .
وفي تأويل قوله « فَرْقاً » على هذا القول وجهان :
أحدهما : فرقه آية آية ، قاله الربيع .
الثاني : فرق فيه بين الحق والباطل ، قاله قتادة .
{ فالمُلْقِياتِ ذِكْراً } فيه قولان :
أحدهما : الملائكة تلقي ما حملت من الوحي والقرآن إلى من أرسلت إليه من الأنبياء ، قاله الكلبي .
الثاني : الرسل يلقون على أممهم ما أنزل إليهم ، قاله قطرب .
ويحتمل ثالثاً : أنها النفوس تلقي في الأجساد ما تريد من الأعمال .
{ عُذْراً أو نُذْراً } يعني عذراً من الله إلى عباده ، ونُذْراً إليهم من عذابه .
ويحتمل ثانياً : عذراً من الله بالتمكن ، ونذراً بالتحذير .
وفي ما جعله عذراً أو نذراً ثلاثة أقاويل :
أحدها : الملائكة ، قاله ابن عباس .
الثاني : الرسل ، قاله أبو صالح .
الثالث : القرآن ، قاله السدي .
{ إنما تُوعَدُونَ لَواقعٌ } هذا جواب ما تقدم من القسم ، لأن في أول السورة قسم ، أقسم الله تعالى إنما توعدون على لسان الرسول من القرآن في أن البعث والجزاء واقع بكم ونازل عليكم .
ثم بيّن وقت وقوعه فقال :
{ فإذا النجومُ طُمِسَتْ } أي ذهب ضوؤها ومحي نورها كطمس الكتاب .
{ وإذا السماءُ فُرِجَتْ } أي فتحت وشققت .
{ وإذا الجبالُ نُسِفَتْ } أي ذهبت ، وقال الكلبي : سويت بالأرض .
{ وإذا الرّسُلُ أُقِّتَتْ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني أُودت ، قاله إبراهيم .
الثاني : أُجلت ، قاله مجاهد .
الثالث : جمعت ، قاله ابن عباس .
وقرأ أبو عمرو « وقتت » ومعناها عرفت ثوابها في ذلك اليوم ، وتحتمل هذه القراءة وجهاً آخر أنها دعيت للشهادة على أممها .
أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (19) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (24) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (27) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (28)
{ ألم نُهلِكِ الأوَّلينِ } يعني من العصاة ، وفيمن أريد بهم وجهان : (4/368)
أحدهما : قوم نوح عليه السلام لعموم هلاكهم بالطوفان لأن هلاكهم أشهر وأعم .
الثاني : أنه قوم كل نبي استؤصلوا ، لأنه في خصوص الأمم أندر .
{ ثُمّ نُتْبِعُهُم الآخِرينَ } يعني في هلاكهم بالمعصية كالأولين ، إما بالسيف وإما بالهلاك .
{ كذلك نَفْعَلُ بالمْجرمين } يحتمل وجهين :
أحدهمأ : أنه تهويل لهلاكهم في الدنيا اعتباراً .
الثاني : أنه إخبار بعذابهم في الآخرة استحقاقاً .
{ أَلمْ نَخْلُقْكُم مِنْ ماءٍ مَهينٍ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : من صفوة الماء ، قاله ابن عباس .
الثاني : من ماء ضعيف ، قاله مجاهد وقتادة .
الثالث : من مني سائل ، قاله ابن كامل .
{ فَجَعَلْناه في قرارٍ مَكينٍ } فيه وجهان :
أحدهما : قاله وهب بن منبّه في رحم أُمّه لا يؤذيه حَرّ ولا برد .
الثاني : مكين حريز لا يعود فيخرج ولا يبث في الجسد فيدوم ، قاله الكلبي .
{ إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍِ } إلى يوم ولادته .
{ فقدرنا فنِعْم القادِرون } في قراءة نافع مشددة ، وقرأ الباقون مخففة ، فمن قرأ بالتخفيف فتأويلها : فملكنا فنعم المالكون . ومن قرأ بالتشديد فتأويلها :
فقضينا فنعم القاضون ، وقال الفراء : هما لغتان ومعناهما واحد .
{ ألمْ نجْعَلِ الأرضَ كِفاتاً } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : يعني كِنّاً ، قاله ابن عباس .
الثاني : غطاء ، قاله مجاهد .
الثالث : مجمعاً ، قاله المفضل .
الرابع : وعاء قال الصمصامة بن الطرماح :
فأنت اليومَ فوق الأرض حيٌّ ... وأنت غداً تَضُمُّكَ من كِفات .
{ أحْياءً وأَمْواتاً } فيه وجهان :
أحدهما : أن الأرض تجمع الناس أحياء على ظهرها وأمواتاً في بطنها ، قاله قتادة والشعبي .
الثاني : أن من الأرض أحياء بالعمارة والنبات ، وأمواتاً بالجدب والجفاف ، وهو أحد قولي مجاهد .
انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (34) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (37) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (40)
{ انْطَلِقوا إلى ظِلٍّ ذي ثلاثِ شُعَبٍ } قيل إن الشعبة تكون فوقه ، والشعبة عن يمينه ، والشعبة عن شماله ، فتحيط به ، قاله مجاهد . (4/369)
الثاني : أن الشعب الثلاث الضريع والزقوم والغسلين ، قاله الضحاك .
ويحتمل ثالثاً : أن الثلاث الشعب : اللهب والشرر والدخان ، لأنه ثلاثة أحوال هي غاية أوصاف النار إذا اضطرمت واشتدت .
{ لا ظَليلٍ } في دفع الأذى عنه .
{ ولا يُغْني مِن اللّهَب } واللهب ما يعلو عن النار إذا اضطرمت من أحمر وأصفر وأخضر .
{ إنها تَرْمي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ } والشرر ما تطاير من قطع النار ، وفي قوله « كالقصر » خمسة أوجه .
أحدها : أنه أصول الشجر العظام ، قاله الضحاك .
الثاني : كالجبل ، قاله مقاتل .
الثالث : القصر من البناء وهو واحد القصور ، قاله ابن مسعود .
الرابع : أنها خشبة كان أهل الجاهلية يقصدونها ، نحو ثلاثة أذرع ، يسمونها القصر ، قاله ابن عباس .
الخامس : أنها أعناق الدواب ، قاله قتادة .
ويحتمل وجهاً سادساً : أن يكون ذلك وصفاً من صفات التعظيم ، كنى عنه باسم القصر ، لما في النفوس من استعظامه ، وإن لم يُردْ به مسمى بعينه .
{ كأنّه جِمالةٌ صُفْرٌ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني جِمالاً صُفراً وأراد بالصفر السود ، سميت صفراً لأن سوادها يضرب إلى الصفرة ، وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة ، قال الشاعر :
تلك خَيْلي منه وتلك رِكابي ... هُنّ صُفْرٌ أولادُها كالزبيبِ .
الثاني : أنها قلوس السفن ، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير .
الثالث : أنها قطع النحاس ، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً .
وفي تسميتها بالجمالات الصفر وجهان :
أحدهما : لسرعة سيرها .
الثاني : لمتابعة بعضها لبعض .
{ فإنْ كانَ لكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ } فيه وجهان :
أحدهما : إن كان لكم حيلة فاحتالوا لأنفسكم ، قاله مقاتل .
الثاني : إن استطعتم أن تمتنعوا عني فامتنعوا ، وهو معنى قول الكلبي .
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (45) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (47) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)
{ وإذا قِيلَ لهم ارْكَعوا لا يَرْكَعون } أي صلّوا لا يصلّون ، قال مقاتل . (4/370)
نزلت في ثقيف امتنعوا عن الصلاة فنزل ذلك فيهم ، وقيل إنه قال ذلك لأهل الآخرة تقريعاً لهم .
{ فبأيِّ حديثٍ بَعْدَه يُؤْمنُون } أي فبأي كتاب بعد القرآن يصدّقون .
عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)
قوله تعالى { عَمَّ يتساءَلونَ عن النبإ العَظيمِ } يعني عن أي شيء يتساءل المشركون؟ لأن قريشاً حيث بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت تجادل وتَختصم في الذي دعا إليه . (4/371)
وفي { النبأ العظيم } أربعة أقاويل :
أحدها : القرآن ، قاله مجاهد .
الثاني : يوم القيامة ، قاله ابن زيد .
الثالث : البعث بعد الموت ، قاله قتادة .
الرابع : عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم .
{ الذي هُمْ فيه مُختَلِفَونَ } هو البعث ، فأما الموت فلم يختلفوا فيه ، وفيه قولان :
أحدهما : أنه اختلف فيه المشركون من بين مصدق منهم ومكذب ، قاله قتادة .
الثاني : اختلف فيه المسلمون والمشركون ، فصدّق به المسلمون وكذّب به المشركون ، قاله يحيى بن سلام .
{ كَلاَّ سيعْلَمون ثم كلا سيعلمون } فيه قولان :
أحدهما : أنه وعيد بعد وعيد للكفار ، قاله الحسن ، فالأول : كلا سيعلمون ما ينالهم من العذاب في القيامة ، والثاني : كلا سيعلمون ما ينالهم من العذاب في جهنم .
القول الثاني : أن الأول للكفار فيما ينالهم من العذاب في النار ، والثاني للمؤمنين فيما ينالهم من الثواب في الجنة ، قاله الضحاك .
{ وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتاً } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : نعاساً ، قاله السدي .
الثاني : سكناً ، قاله قتادة .
الثالث : راحة ودعة ، ولذلك سمي يوم السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة ، قال أبو جعفر الطبري : يقال سبت الرجل إذا استراح .
الرابع : سُباتا أي قطعاً لأعمالهم ، لأن أصل السبات القطع ومنه قولهم سبت الرجل شعره إذا قطعه ، قال الأنباري : وسمي يوم السبت لانقطاع الأعمال فيه .
ويحتمل خامساً : أن السبات ما قرت فيه الحواس حتى لم تدرك بها الحس .
{ وجَعَلْنا اللّيلَ لِباساً } فيه وجهان :
أحدهما : سكناً ، قاله سعيد بن جبير والسدي .
الثاني : غطاء ، لأنه يغطي سواده كما يغطى الثوب لابسه ، قاله أبو جعفر الطبري .
{ وجَعَلنا النهارَ مَعاشاً } يعني وقت اكتساب ، وهو معاش لأنه يعاش فيه .
ويحتمل ثانياً : أنه زمان العيش واللذة .
{ وجَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً } يعني بالسراج الشمس ، وفي الوهّاج أربعة أقاويل :
أحدها : المنير ، قاله ابن عباس .
الثاني : المتلألىء ، قاله مجاهد .
الثالث : أنه من وهج الحر ، قاله الحسن .
الرابع : أنه الوقّاد ، الذي يجمع بين الضياء والجمال .
{ وأَنْزَلْنا من المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : ان المعصرات الرياح ، قاله ابن عباس وعكرمة ، قال زيد بن أسلم هي الجنوب .
الثاني : أنها السحاب ، قاله سفيان والربيع .
الثالث : أن المعصرات السماء ، قاله الحسن وقتادة .
وفي الثجاج قولان :
أحدهما : الكثير قاله ابن زيد .
الثاني : المنصبّ ، قاله ابن عباس ، وقال عبيد بن الأبرص :
فثجّ أعلاه ثم ارتج أسفلُه ... وضاق ذَرْعاً بحمل الماء مُنْصاحِ
{ لنُخرج به حبّاً ونَباتاً } فيه قولان : (4/372)
أحدهما : ان الحب ما كان في كمام الزرع الذي يحصد ، والنبات : الكلأ الذي يرعى ، وهذا معنى قول الضحاك .
الثاني : أن الحب اللؤلؤ ، والنبات : العشب ، قال عكرمة : ما أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبتت في الأرض عشبة أو في البحر لؤلؤة .
ويحتمل ثالثاً : أن الحب ما بذره الآدميّون ، والنبات ما لم يبذروه .
{ وجنّاتٍ أَلْفافاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها الزرع المجتمع بعضه إلى جنب بعض ، قاله عكرمة .
الثاني : أنه الشجرالملتف بالثمر ، قاله السدي .
الثالث : أنها ذات الألوان ، قاله الكلبي .
ويحتمل رابعاً : أنها التي يلف الزرع أرضها والشجر أعاليها ، فيجتمع فيها الزرع والشجر ملتفات .
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30)
{ إنّ يومَ الفصلِ } يعني يوم القيامة ، سمي بذلك لأنه يفصل فيه الحكم بين الأولين والآخرين والمثابين والمعاقبين . (4/373)
{ كانَ مِيقاتاً } فيه وجهان :
أحدهما : ميعاداً للإجتماع .
والثاني : وقتاً للثواب والعقاب .
{ وسُيِّرتِ الجبالُ فكانتْ سَراباً } فيه وجهان :
أحدهما : سُيّرت أي أزيلت عن مواضعها .
الثاني : نسفت من أصولها .
« فكانت سراباً » فيه وجهان :
أحدهما : فكانت هباءً .
الثاني : كالسراب لا يحصل منه شيء كالذي يرى السراب يظنه ماء وليس بماء .
{ إنّ جهنّمَ كانت مِرْصاداً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يعني أنها راصدة فجازتهم بأعمالهم ، قاله أبو سنان .
الثاني : أن على النار رصداً ، لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز عليه ، فمن جاء بجواز جاز ، ومن لم يجىء بجواز لم يجز ، قاله الحسن .
الثالث : أن المرصاد وعيد أوعد الله به الكفار ، قاله قتادة .
{ للطّاغينَ مَآباً } فيه قولان :
أحدهما : مرجعاً ومنقلباً ، قاله السدي .
الثاني : مأولى ومنزلاً ، قاله قتادة .
والمراد بالطاغين من طغى في دينه بالكفر أو في دنياه بالظلم .
{ لابِثينَ فيها أَحْقاباً } يعني كلما مضى حقب جاء حقب وكذلك إلى الأبد واختلفوا في مدة الحقب على سبعة أقاويل :
أحدها : ثمانون سنة ، قاله أبو هريرة .
الثاني : أربعون سنة ، قاله ابن عمر .
الثالث : سبعون سنة ، قاله السدي .
الرابع : أنه ألف شهر ، رواه أبو أمامة مرفوعاً .
الخامس : ثلاثمائة سنة ، قاله بشير بن كعب .
السادس : سبعون ألف سنة ، قاله الحسن .
السابع : أنه دهر طويل غير محدود ، قاله قطرب .
وفي تعليق لبثهم بالأحقاب قولان :
أحدهما : أنه على وجه التكثير ، كلما مضت أحقاب جاءَت بعدها أحقاب ، وليس ذلك بحد لخلودهم في النار .
الثاني : أن ذلك حد لعذابهم بالحميم والغسّاق ، فإذا انقضت الأحقاب عذبوا بغير ذلك من العذاب .
{ لا يَذُوقونَ فيها بَرداً ولا شَراباً } في البرد ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه برد الماء ، وبرد الهواء ، وهو قول كثير من المفسرين .
الثاني : أنه الراحة ، قاله قتادة .
الثالث : أنه النوم ، قاله مجاهد والسدي وأبو عبيدة .
وأنشد قول الكندي :
بَرَدَتْ مَراشِفُها علىَّ فَصَدَّني ... عنها وعن تَقْبيلِها البَرْدُ
يعني النوم .
والشراب ها هنا : العذاب .
ويحتمل أن يريد بالشراب الري ، لأن الشراب يروي وهم فيها عطاش أبداً .
{ إلاّ حَميماً وغَسّاقاً } أما الحميم ففيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه الحارّ الذي يحرق ، قاله ابن عباس .
الثاني : دموع أعينهم في النار تجتمع في حياض في النار فيُسقونْه ، قاله ابن زيد .
الثالث : أنه نوع من الشراب لأهل النار ، قاله السدي . وأما الغسّاق ففيه أربعة أقاويل :
أحدهاك أنه القيح الغليظ ، قاله ابن عمر .
الثاني : أنه الزمهرير البارد الذي يحرق من برده ، قاله ابن عباس . (4/374)
الثالث : أنه صديد أهل النار ، قاله قتادة .
الرابع : أنه المنتن باللغة الطحاوية ، قاله ابن زيد .
{ جزاءً وِفاقاً } وهو جمع وفق ، قال أهل التأويل : وافق سوءُ الجزاء سوءَ العمل .
{ إنهم كانوا لا يَرْجُونَ حِساباً } فيه وجهان :
أحدهما : لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً ، قاله ابن عباس .
الثاني : لا يخافون وعيد الله بحسابهم ومجازاتهم ، وهذا معنى قول قتادة .
{ وكذّبوا بآياتِنا كِذّاباً } يعني بآيات القرآن ، وفي « كِذّاباً » وجهان :
أحدهما : أنه الكذب الكثير .
الثاني : تكذيب بعضهم لبعض ، ومنه قول الشاعر :
فَصَدَقْتُها وَكَذَبْتُها ... والمرءُ يَنْفعُهُ كِذابُهْ
وهي لغة يمانية .
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36)
{ إنّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً } فيه وجهان : (4/375)
أحدهما : نجاة من شرها ، قاله ابن عباس .
الثاني : فازوا بأن نجوا من النار بالجنة ، ومن العذاب بالرحمة ، قاله قتادة ، وتحقيق هذا التأويل أنه الخلاص من الهلاك ، ولذلك قيل للفلاة إذا قل ماؤها مفازة تفاؤلاً بالخلاص منها .
{ وكَواعِبَ أَتْراباً } في الكواعب قولان :
أحدهما : النواهد ، قاله ابن عباس .
الثاني : العذارى ، قاله الضحاك ، ومنه قول قيس بن عاصم :
وكم مِن حَصانٍ قد حَويْنا كريمةٍ ... ومِن كاعبٍ لم تَدْرِ ما البؤسُ مُعْصر
وفي الاتراب أربعة أقاويل :
أحدها : الأقران ، قاله ابن عباس .
الثاني : الأمثال ، قاله مجاهد .
الثالث : المتصافيات ، قاله عكرمة .
الرابع : المتآخيات ، قاله السدي .
{ وكأساً دِهاقاً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : مملوءة ، قاله ابن عباس ، ومنه قول الشاعر :
أتانا عامرٌ يَبْغي قِرانا ... فأَتْرَعنا له كأساً دِهاقاً
الثاني : متتابعة يتبع بعضها بعضاً ، قاله عكرمة .
الثالث : صافية ، رواه عمر بن عطاء ، قال الشاعر :
لأنْتِ آلى الفؤادِ أَحَبُّ قُرْباً ... مِن الصّادي إلى كأسٍ دِهَاقِ .
{ لا يَسْمعونَ فيها لَغْواً ولا كِذّاباً } في اللغو ها هنا أربعة أقاويل :
أحدها الباطل ، قاله ابن عباس .
الثاني : الحلف عند شربها ، قاله السدي .
الثالث : الشتم ، قاله مجاهد .
الرابع : المعصية ، قاله الحسن .
وفي « كِذّاباً » ثلاثة أقاويل :
أحدهاك لا يكذب بعضهم بعضاً ، قاله سعيد بن جبير .
الثاني : أنه الخصومة ، قاله الحسن .
الثالث : أنه المأثم ، قاله قتادة .
وفي قوله { لا يَسْمَعونَ فيها } وجهان :
أحدهما : في الجنة ، قاله مجاهد .
الثاني : في شرب الخمر ، قاله يحيى بن سلام .
{ جزاءً من ربكَ عَطاءً حِساباً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : كافياً ، قاله الكلبي .
الثاني : كثيراً ، قاله قتادة .
الثالث : حساباً لما عملوا ، فالحساب بمعنى العد .
رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا (39) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (40)
{ يومَ يقومُ والرُّوحُ الملائكةُ صَفّاً } في الروح ها هنا ثمانية أقاويل : (4/376)
أحدها : الروح خلق من خلق الله كهيئة الناس وليسوا أناساً ، وهم جند للَّه سبحانه ، قاله أبو صالح .
الثاني : أنهم أشرف الملائكة ، قاله مقاتل بن حيان .
الثالث : أنهم حفظة على الملائكة ، قاله ابن أبي نجيح .
الثالث : أنهم حفظة على الملائكة خلقاً ، قاله ابن عباس .
الرابع : أنه ملك من أعظم الملائكة خلقاً ، قاله ابن عباس .
الخامس : هو جبريل عليه السلام ، قاله سعيد بن جبير .
السادس : أنهم بنو آدم ، قاله قتادة .
السابع : أنهم بنو آدم ، قاله قتادة .
الثامن : أنه القرآن ، قاله زيد بن أسلم .
{ لا يتكلمونَ إلا مَنْ أَذِنَ له الرحمنُ } فيه قولان :
أحدهما : لا يشفعون إلا من أذن له الرحمن في الشفاعة ، قاله الحسن .
الثاني : لا يتكلمون في شيء إلا من أذن له الرحمن شهادة أن لا إله إلا الله ، قاله ابن عباس .
{ وقالَ صَواباً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يعني حقاً ، قاله الضحاك .
الثاني : قول لا إله إلا الله ، قاله أبو صالح .
الثالث : أن الروح يقول يوم القيامة : لا تُدخل الجنة إلا بالرحمة ، ولا النار إلا بالعمل ، فهو معنى قوله « وقال صواباًَ » قاله الحسن .
ويحتمل رابعاً : أنه سؤال الطالب وجواب المطلوب ، لأن كلام الخلق في القيامة مقصور على السؤال والجواب .
{ ذلك اليومُ الحقُّ } يعني يوم القيامة ، وفي تسميته الحق وجهان :
أحدهما : لأن مجئيه حق وقد كانوا على شك .
الثاني : أنّ الله تعالى يحكم فيه بالحق بالثواب والعقاب .
{ فمن شاءَ اتّخَذ إلى ربِّه مآباً } فيه وجهان :
أحدهما : سبيلاً ، قاله قتادة .
الثاني : مرجعاً ، قاله ابن عيسى .
ويحتمل ثالثاً : اتخذ ثواباً لاستحقاقه بالعمل لأن المرجع يستحق على المؤمن والكافر .
{ إنّا أنذْرْناكم عَذاباَ قريباً } فيه وجهان :
أحدهما : عقوبة الدنيا ، لأنه أقرب العذابين ، قاله قتادة ، وقاله مقاتل : هو قتل قريش ببدر .
الثاني : عذاب يوم القيامة ، لأنه آت وكل آت قريب ، وهو معنى قول الكلبي .
{ يومَ ينظُرُ المْرءُ ما قدَّمَتْ يَداهُ } يعني يوم ينظر المرء ما قدّم من عمل خير ، قال الحسن : قدَّم فقَدِم على ما قَدَّم . ويحتمل أن يكون عامّاً في نظر المؤمن إلى ما قدّم من خير ، ونظر الكافر إلى ما قدّم من شر .
{ ويقولُ الكافرُ يا لَيْتني كنتُ تُراباً } قال مجاهد يبعث الحيوان فيقاد للمنقورة من الناقرة ، وللمركوضة من الراكضة ، وللمنطوحة من الناطحة ، ثم يقول الرب تعالى : كونوا تراباً بلا جنة ولا نار ، فيقول الكافر حينئذ : يا ليتني كنت تراباً وفي قوله ذلك وجهان :
أحدهما : يا ليتني صرت اليوم مثلها تراباً بلا جنة ولا نار ، قاله مجاهد . الثاني : يا ليتني كنت مثل هذا الحيوان في الدنيا وأكون اليوم تراباً ، قاله أبو هريرة : وهذه من الأماني الكاذبة كما قال الشاعر :
ألا يا ليتني والمْرءُ مَيْتُ ... وما يُغْني من الحدثانِ لَيْت .
قال مقاتل : نزل قوله تعالى : { يوم ينظر المرء ما قدّمت يداهُ } في أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي ، ونزل قوله تعالى : { ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً } في أخيه الأسود بن عبد الأسد .
وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14)
قوله تعالى { والنَّأزِعاتِ غَرْقاً } فيه ستة أقاويل : (4/377)
أحدها : هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم ، قاله ابن مسعود ومسروق .
الثاني : هو الموت ينزع النفوس ، قاله مجاهد .
الثالث : هي النفوس حين تنزع ، قاله السدي .
الرابع : هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق ، ومن المشرق إلى المغرب ، قاله الحسن وقتادة .
والخامس : هي القسيّ تنزع بالسهم ، قاله عطاء .
السادس : هي الوحش تنزع من الكلأ وتنفر ، حكاه يحيى بن سلام ، ومعنى « غرقاً » أي إبعاداً في النزع .
{ والناشِطات نَشْطاً } فيه ستة تأويلات :
أحدها : هي الملائكة تنشط أرواح المؤمنين بسرعة كنشط العقال ، قاله ابن عباس .
الثاني : النجوم التي تنشط من مطالعها إلى مغاربها ، قاله قتادة .
الثالث : هو الموت ينشط نفس الإنسان ، قاله مجاهد .
الرابع : هي النفس حيث نشطت بالموت ، قاله السدي .
الخامس : هي الأوهاق ، قاله عطاء .
السادس : هي الوحش تنشط من بلد إلى بلد ، كما أن الهموم تنشط الإنسان من بلد إلى بلد ، قاله أبو عبيدة ، وانشد قول همام بن قحافة :
أمْسَتْ همومي تنشط المناشِطا ... الشامَ بي طَوْراً وطَوْراً واسطاً .
{ والسّابحاتِ سَبْحاً } فيه خمسة أوجه :
أحدها : هي الملائكة سبحوا إلى طاعة الله من بني آدم ، قاله ابن مسعود والحسن .
الثاني : هي النجوم تسبح في فلكها ، قاله قتادة .
الثالث : هو الموت يسبح في نفس ابن آدم ، قاله مجاهد .
الرابع : هي السفن تسبح في الماء ، قاله عطاء .
الخامس : هي الخيل ، حكاه ابن شجرة ، كما قال عنترة :
والخيلُ تعْلم حين تس ... بَحُ في حياضِ المْوتِ سَبْحاً
ويحتمل سادساً : أن تكون السابحات الخوض في أهوال القيامة .
{ فالسّابقاتِ سَبْقاً } فيه خمسة تأويلات :
أحدها هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء ، قاله عليّ رضي الله عنه ومسروق .
وقال الحسن : سبقت إلى الايمان .
الثاني : هي النجوم يسبق بعضها بعضاً ، قاله قتادة .
الثالث : هوالموت يسبق إلى النفس ، قاله مجاهد .
الرابع : هي النفس تسبق بالخروج عند الموت ، قاله الربيع .
الخامس : هي الخيل ، قاله عطاء .
ويحتمل سادساً : أن تكون السابقات ما سبق من الأرواح قبل الأجساد إلى جنة أو نار .
{ فالمُدَبِّرات أمْراً } فيهم قولان :
أحدهما : هي الملائكة ، قاله الجمهور ، فعلى هذا في تدبيرها بالأمر وجهان :
أحدهما : تدبير ما أمرت به وأرسلت فيه .
الثاني : تدبير ما وكلت فيه من الرياح والأمطار .
الثاني : هي الكواكب السبعة ، حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل؛ وعلى هذا في تدبيرها للأمر وجهان .
أحدهما : تدبير طلوعها وأفولها .
الثاني : تدبير ما قضاه الله فيها من تقلب الأحوال .
ومن أول السورة إلى هذا الموضع قسم أقسم الله به ، وفيه وجهان :
أحدهما : أن ذكرها بخالقها .
الثاني : أنه أقسم بها وإن كانت مخلوقة لا يجوز لمخلوق أن يقسم بها ، لأن لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه . (4/378)
وجواب ما عقد له القسم ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه مضمر محذوف وتقديره لو أظْهر : لتُبْعَثُن ثم لُتحاسبُن ، فاستغنى بفحوى الكلام وفهم السامع عن إظهاره ، قاله الفراء .
الثاني : أنه مظهر ، وهو قوله تعالى : { إن في ذلك لعبرةً لمن يخشى } قاله مقاتل .
الثالث : هو قوله تعالى :
{ يومَ ترْجفُ الراجفةُ * تَتْبعُها الرادِفةُ } وفيهما ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الراجفة القيامة ، والرادفة البعث ، قاله ابن عباس .
الثاني : أن الراجفة النفخة الأولى تميت الأحياء ، والرادفة : النفخة الثانية تحيي الموتى ، قاله الحسن وقتادة .
وقال قتادة : ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « بينهما أربعون ، ما زادهم على ذلك ولا سألوه ، وكانوا يرون أنها أربعون سنة » .
وقال عكرمة : الأولى من الدنيا ، والثانية من الآخرة .
الثالث : أن الراجفة الزلزلة التي ترجف الأرض والجبال والرادفة إذا دكّتا دكة واحدة ، قاله مجاهد .
ويحتمل رابعاً : أن الراجفة أشراط الساعة ، والرادفة : قيامها .
{ قلوبٌ يومئذٍ واجِفَةٌ } فيه وجهان :
أحدهما : خائفة ، قاله ابن عباس .
الثاني : طائرة عن أماكنها ، قاله الضحاك .
{ أَبْصارُها خاشِعَة } فيه وجهان :
أحدهما : ذليلة ، قاله قتادة .
الثاني : خاضعة ، قاله الضحاك .
{ يقولون أئنا لَمْردودُونَ في الحافِرةِ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أن الحافرة الحياة بعد الموت ، قاله ابن عباس والسدي وعطية .
الثاني : أنها الأرض المحفورة ، قاله ابن عيسى .
الثالث : أنها النار ، قاله ابن زيد .
الرابع : أنها الرجوع إلى الحالة الأولى تَكذيباً بالبعث ، من قولهم رجع فلان على قومه إذا رجع من حيث جاء ، قاله قتادة ، قال الشاعر :
أحافرة على صَلَعٍ وشيْبٍ ... معاذَ اللَّه من جَهْلٍ وطَيْشِ
{ أَئِذا كْنَا عِظاماً نَخِرةً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : بالية ، قاله السدي .
الثاني : عفنة ، قاله ابن شجرة .
الثالث : خالية مجوفة تدخلها الرياح فتنخر ، أي تصوّت ، قاله عطاء والكلبي .
ومن قرأ « ناخرة » فإن الناخرة البالية ، والنخرة التي تنخر الريح فيها .
{ تلك إذاً كَرّةٌ خاسِرةٌ } فيه تأويلان :
أحدهما : باطلة لا يجيء منها شيء ، كالخسران ، وليست كاسبة ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : معناه لئن رجعنا أحياء بعد الموت لنخسرنّ بالنار ، قاله قتادة ومحمد بن كعب .
ويحتمل ثالثاً : إذا كنا ننتقل من نعيم الدنيا إلى عذاب الآخرة فهي كرة خاسرة .
{ فإنّما هي زجْرةٌ واحدةٌ } فيه تأويلان :
أحدهما : نفخة واحدة يحيا بها الجميع فإذا هم قيام ينظرون ، قاله الربيع بن أنس .
الثاني : الزجرة الغضب ، وهو غضب واحد ، قاله الحسن .
ويحتمل ثالثاً : أنه لأمر حتم لا رجعة فيه ولا مثنوية . (4/379)
{ فَإذَا هم بالسّاهرةِ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : وجه الأرض ، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد ، والعرب تسمي وجه الأرض ساهرة لأن فيها نوم الحيوان وسهره ، قال أمية بن أبي الصلت :
وفيها لحْمُ ساهرةٍ وبَحرٌ ... وما فاهوا به لهمُ مُقيم
وقال آخر يوم ذي قار لفرسه :
أَقْدِمْ مَحاجِ إنها الأساوِره ... ولا يهولنّك رِجْلٌ بادِرهْ
فإنما قَصْرُكَ تُرْبُ السّاهرهْ ... ثم تعودُ ، بَعْدها في الحافرهْ
من بَعْد ما صِرْتَ عظاماً ناخِرهْ ... الثاني : أنه اسم مكان من الأرض بعينه بالشام ، وهو الصقع الذي بين جبل أريحا وجبل حسّان ، يمده الله تعالى كيف يشاء ، قاله عثمان بن أبي العاتكة .
الثالث : أنها جبل بيت المقدس ، قاله وهب بن منبه .
الرابع : أنه جهنم ، قاله قتادة .
ويحتمل خامساً : أنها عرضة القيام لأنها أول مواقف الجزاء ، وهم في سهر لا نوم فيه .
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26)
{ هلْ أتاكَ حديثُ موسى * إذ ناداه ربه بالوادِ المقدَّسِ طُوَىً } فيه قولان : (4/380)
أحدهما : وهو قول مبشر بن عبيد هو واد بأيلة .
الثاني : وهو قول الحسن ، هو واد بفلسطين .
وفي « المقدَّس » تأويلان :
أحدهما : المبارك ، قاله ابن عباس .
الثاني : المطهر ، قاله الحسن : قدّس مرتين .
وفي « طُوَىً » أربعة أقاويل :
أحدها : أنه أسم الوادي المقدس ، قاله مجاهد وقتادة وعكرمة .
الثاني : لأنه مر بالوادي فطواه ، قاله ابن عباس .
الثالث : لأنه طوي بالبركة ، قاله الحسن .
الرابع : يعني طأ الوادي بقدمك ، قاله عكرمة ومجاهد .
ويحتمل خامساً؛ أنه ما تضاعف تقديسه حتى تطهّر من دنس المعاصي ، مأخوذ من طيّ الكتاب إذا ضوعف .
{ فَقُلْ هل لك إلى أن تَزَكّى } فيه قولان :
أحدهما : إلى أن تُسْلِم ، قال قتادة .
الثاني : إلى أن تعمل خيراً ، قاله الكلبي .
{ فأَراهُ الآيةَ الكُبْرَى } فيها قولان :
أحدهما : أنها عصاه ويده ، قاله الحسن وقتادة .
الثاني : أنها الجنة والنار ، قاله السدي .
ويحتمل ثالثاً : أنه كلامه من الشجرة .
قوله { فَحَشَرَ فنادَى } فيه وجهان :
أحدهما : حشر السحرة للمعارضة ، ونادى جنده للمحاربة .
الثاني : حشر الناس للحضور ونادى أي خطب فيهم .
{ فأخَذَهُ الله نَكالََ الآخرة والأُولى } فيها أربعة أقاويل :
أحدها : عقوبة الدنيا والآخرة ، قال قتادة : عذبه الله في الدنيا بالغرق وفي الآخرة بالنار .
الثاني : عذاب أول عُمرِه وآخره ، قاله مجاهد .
الثالث : الأولى قوله : « ما علمت لكم مِن إلهٍ غيري » والآخرة قوله « أنا ربكم الأعلى » ، قاله عكرمة ، قال ابن عباس : وكان بينهما أربعون سنة ، وقال مجاهد : ثلاثون سنة ، قال السدي : وهي الآخرة ثلاثون سنة .
الرابع : عذاب الأولى الإمهال ، والآخرة في النار ، من قوله تعالى : { النار يعرضون عليها } الآية ، قاله الربيع .
أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33)
{ وأَغْطَشَ لَيْلَها وأَخْرَجَ ضُحاها } معناه أظلم ليلها ، وشاهد الغطش أنه الظلمة قول الأعشى : (4/381)
عَقَرْتُ لهم مَوْهِنا ناقتي ... وغامِرُهُمْ مُدْلَهِمٌّ غَطِشْ
يعني يغمرهم ليلهم لأنه غمرهم بسواده .
وفي قوله : « وأخرج ضُحاها » وجهان :
أحدهما : أضاء نهارها وأضاف الليل والضحى إلى السماء لأن منهما الظلمة والضياء .
الثاني : قال ابن عباس أن أخرج ضحاها : الشمس .
{ والأرضَ بَعْد ذلك دَحاها } في قوله « بَعْد » وجهان :
أحدهما : مع وتقدير الكلام : والأرض مع ذلك دحاها ، لأنها مخلوقة قبل السماء ، قاله ابن عباس ومجاهد .
الثاني : أن « بعد » مستعملة على حقيقتها لأنه خلق الأرض قبل السماء ثم دحاها بعد السماء ، قاله ابن عمر وعكرمة . وفي « دحاها » ثلاثة أوجه :
أحدها : بسطها ، قاله ابن عباس ، قال أمية بن أبي الصلت :
وَبَثَّ الخلْق فيها إذْ دَحاها ... فَهُمْ قُطّانُها حتى التنادي
قال عطاء : من مكة دحيت الأرض ، وقال عبد الله بن عمر : من موضع الكعبة دحيت .
الثاني : حرثها وشقها ، قاله ابن زيد .
الثالث : سوّاها ، ومنه قول زيد بن عمرو :
وأسْلَمْتُ وجهي لمن أسْلَمتْ ... له الأرضُ تحمل صَخْراً ثِقالا
دحاها فلما اسْتَوتْ شدّها ... بأيْدٍ وأرْسَى عليها الجبالا
فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)
{ فإذا جاءت الطامّةُ الكُُبْرى } فيه أربعة أقاويل : (4/382)
أحدها : أنها النفخة الآخرة ، قاله الحسن .
الثاني : أنها الساعة طمت كل داهية ، والساعة أدهى وأمّر ، قاله الربيع .
الثالث : أنه اسم من أسماء القيامة يسمى الطامة ، قاله ابن عباس .
الرابع : أنها الطامة الكبرى إذا سيق أهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار ، قاله القاسم بن الوليد ، وهو معنى قول مجاهد .
وفي معنى « الطامّة » في اللغة ثلاثة وجوه :
أحدها : الغاشية .
الثاني : الغامرة .
الثالث : الهائلة ، ذكره ابن عيسى ، لأنها تطم على كل شيء أي تغطيه .
{ وأمّا مَنْ خاف مَقام رَبِّهِ ونَهَى النفْسَ عن الهَوى } فيه وجهان :
أحدهما : هو خوفه في الدنيا من الله عند مواقعة الذنب فيقلع ، قاله مجاهد .
الثاني : هو خوفه في الآخرة من وقوفة بين يدي الله للحساب ، قاله الربيع بن أنس ، ويكون معنى : خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ، قال الكلبي : وزجر النفس عن المعاصي والمحارم .
{ فإنّ الجنّةَ هي المأوَى } أي المنزل ، وذكر أنها نزلت في مصعب بن عمير .
{ يسألونَكَ عن الساعةِ أيّانَ مُرْساها } قال ابن عباس : متى زمانها ، قاله الربيع { فيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها } فيه وجهان :
أحدهما : فيم يسألك المشركون يا محمد عنها ولست ممن يعلمها ، وهو معنى قول ابن عباس .
الثاني : فيم تسأل يا محمد عنها وليس لك السؤال ، وهذا معنى قول عروة بن الزبير .
{ إلى ربِّك مُنْتَهاها } يعني منتهى علم الساعة : فكف النبي صلى الله عليه وسلم عن السؤال وقال : يا أهل مكة إن الله احتجب بخمس لم يُطْلع عيهن مَلَكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً فمن ادعى علمهن فقد كفر : { إن اللَّه عنده علم الساعة . . . } إلى آخر السورة .
{ إنّما أنْتَ } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم .
{ مَنْذِرُ مَنْ يَخْشَاها } يعني القيامة .
{ كأنّهم يومَ يَرَوْنَها } يعني الكفار يوم يرون الآخرة .
{ لَمْ يَلْبَثُوا } في الدنيا .
{ إلاَّ عَشيّةً } وهي ما بعد الزوال .
{ أو ضُحاها } وهو ما قبل الزوال ، لأن الدنيا تصاغرت عندهم وقلّت في أعينهم ، كما قال تعالى : { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعةً من نهارٍ } .
عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)
قوله تعالى { عَبَسَ وتَوَلّى أنْ جاءَه الأَعْمَى } روى سعيد عن قتادة أن ابن أم مكتوم ، وهو عبد الله بن زائدة من بني فهر ، وكان ضريراً ، أتى رسول الله رسول الله صلى الله عليه سلم يستقرئه وهو يناجي بعض عظماء قريش - وقد طمع في إسلامهم - قال قتادة : هو أمية بن خلف ، وقال مجاهد : هما عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم عن الأعمى وعبس في وجهه ، فعاتبه الله تعالى في إعراضه وتوليه فقال « عبس وتولّى » أي قطّب واعرض « أن جاءه الأعمى » يعني ابن ام مكتوم . (4/383)
{ وما يُدريك لعلّه يَزَّكى } فيه أربعة أوجه :
أحدها : يؤمن ، قاله عطاء .
الثاني : يتعبد بالأعمال الصالحة ، قاله ابن عيسى .
الثالث : يحفظ ما يتلوه عليه من القرآن ، قاله الضحاك .
الرابع : يتفقه في الدين ، قاله ابن شجرة .
{ أوْ يَذَّكّرُ فَتَنفَعَهُ الذّكْرَى } قال السدّي : لعله يزّكّى ويّذكرُ ، والألف صلة ، وفي الذكرى وجهان :
أحدها : الفقه .
الثاني : العظة .
قال ابن عباس : فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نظر إليه مقبلاً بسط له رداءه حتى يجلس عليه إكراماً له .
قال قتادة : واستخلفه على صلاة الناس بالمدينة في غزاتين من غزواته ، كل ذلك لما نزل فيه .
{ كلاّ إنّها تَذْكِرةٌ } فيه وجهان :
أحدهما : أن هذه السورة تذكرة ، قاله الفراء والكلبي .
الثاني : أن القرآن تذكرة ، قاله مقاتل .
{ فَمَن شَاءَ ذكَرَهُ } فيه وجهان :
أحدهما : فمن شاء الله ألهمه الذكر ، قاله مقاتل .
الثاني : فمن شاء أن يتذكر بالقرآن أذكره الله ، وهو معنى قول الكلبي .
{ في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : مكرمة عند الله ، قاله السدي .
الثاني : مكرمة في الدين لما فيها من الحكم والعلم ، قاله الطبري .
الثالث : لأنه نزل بها كرام الحفظة .
ويحتمل قولاً رابعاً : أنها نزلت من كريم ، لأن كرامة الكتاب من كرامة صاحبه .
{ مرفوعةٍ } فيه قولان :
أحدهما : مرفوعة في السماء ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : مرفوعة القدروالذكر ، قاله الطبري .
ويحتمل قولاً ثالثاً : مرفوعة عن الشُبه والتناقض .
{ مُطَهّرةٍ } فيه أربعة أقاويل :
أحدهأ : من الدنس ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : من الشرك ، قاله السدي .
الثالث : أنه لا يمسها إلا المطهرون ، قاله ابن زيد .
الرابع : مطهرة من أن تنزل على المشركين ، قاله الحسن .
ويحتمل خامساً : لأنها نزلت من طاهر مع طاهر على طاهر .
{ بأيْدِى سَفَرَةٍ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن السفرة الكتبة ، قاله ابن عباس ، قال المفضل : هو مأخوذ من سفر يسفر سفراً ، إذا كتب ، قال الزجاج : إنما قيل للكتاب سِفْر وللكاتب سافر من تبيين الشيء وإيضاحه ، كما يقال أسفر الصبح إذا وضح ضياؤه وظهر ، وسفرت المرأة إذا كشفت نقابها .
الثاني : أنهم القّراء ، قال قتادة لأنهم يقرؤون الأسفار . (4/384)
الثالث : هم الملائكة ، لأنهم السفرة بين يدي الله ورسله بالرحمة ، قال زيد ، كما يقال سَفَر بين القوم إذا بلغ صلاحاً ، وأنشد الفراء :
وما أدَعُ السِّفارةَ بين قوْمي ... وما أَمْشي بغِشٍ إنْ مَشَيْتُ
{ كِرام بَرَرةٍ } في الكرام ثلاثة أقاويل :
أحدها : كرام على ربهم ، قاله الكلبي .
الثاني : كرام عن المعاصي فهم يرفعون أنفسهم عنها ، قاله الحسن .
الثالث : يتكرمون على من باشر زوجته بالستر عليه دفاعاً عنه وصيانة له ، وهو معنى قول الضحاك .
ويحتمل رابعاً : أنهم يؤثرون منافع غيرهم على منافع أنفسهم .
وفي « بررة » ثلاثة أوجه :
أحدها : مطيعين ، قاله السدي .
الثاني : صادقين واصلين ، قاله الطبري .
الثالث : متقين مطهرين ، قاله ابن شجرة .
ويحتمل قولاً رابعاً : أن البررة مَن تعدى خيرهم إلى غيرهم ، والخيرة من كان خيرهم مقصوراً عليهم .
قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)
{ قُتِلَ الإنسانُ ما أكْفَرَه } في « قتل » وجهان : (4/385)
أحدهما : عُذِّب .
الثاني : لعن .
وفي « الإنسان » ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه إشارة إلى كل كافر ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه أمية بن خلف ، قاله الضحاك .
الثالث : أنه عتبة بن أبي لهب حين قال : إني كفرت برب النجم إذا هوى ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « اللَّهم سلّطْ عليه كلبك » فأخذه الأسد في طريق الشام ، قاله ابن جريج والكلبي .
وفي « ما أكْفَرَه » ثلاثة أوجه :
أحدها : أن « ما » تعجب ، وعادة العرب إذا تعجبوا من شيء قالوا قاتله الله ما أحسنه ، وأخزاه الله ما أظلمه ، والمعنى : أعجبوا من كفر الإنسان لجميع ما ذكرنا بعد هذا .
الثاني : أي شيء أكفره ، على وجه الاستفهام ، قاله السدي ويحيى بن سلام .
الثالث : ما ألعنه ، قاله قتادة .
{ ثم السبيلَ يَسّرَهُ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : خروجه من بطن أمه ، قاله عكرمة والضحاك .
الثاني : سبيل السعادة والشقاوة ، قاله مجاهد .
الثالث : سبيل الهدى والضلالة ، قاله الحسن .
ويحتمل رابعاً : سبيل منافعه ومضاره .
{ ثُمَّ أَماتَهُ فأَقْبَرَهُ } فيه قولان :
أحدهما : جعله ذا قبر يدفن فيه ، قاله الطبري ، قال الأعشى :
لو أسْنَدَتْ مَيْتاً إلى نَحْرِها ... عاشَ ولم يُنْقلْ إلى قابر
الثاني : جعل من يقبره ويواريه ، قاله يحيى بن سلام .
{ ثُمَّ إذا شاءَ أَنشَرَهُ } يعني أحياه ، قال الأعشى :
حتى يقولَ الناسُ مما رأوْا ... يا عجباً للميّت الناشِرِ
{ كلاّ لّما يَقْضِ ما أَمَرَهُ } فيه قولان :
أحدهما : أنه الكافر لم يفعل ما أمر به من الطاعة والإيمان ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : أنه على العموم في المسلم والكافر ، قال مجاهد : لا يقضي أحد أبداً ما افترض عليه ، وكلاّ ها هنا لتكرير النفي وهي موضوعة للرد .
ويحتمل وجه حمله على العموم أن الكافر لا يقضيه عمراً ، والمؤمن لا يقضيه شهراً .
{ فَلْيَنظُرِ الإنسانُ إلى طَعامِه } فيه وجهان :
أحدهما : إلى طعامه الذي يأكله وتحيا نفسه به ، من أي شيء كان ، قاله يحيى .
الثاني : ما يخرج منه أي شيء كان؟ ثم كيف صار بعد حفظ الحياة وموت الجسد .
قال الحسن : إن ملكاً يثني رقبة ابن آدم إذا جلس على الخلاء لينظر ما يخرج منه .
ويحتمل إغراؤه بالنظر إلى وجهين :
أحدهما : ليعلم أنه محل الأقذار فلا يطغى .
الثاني : ليستدل على استحالة الأجسام فلا ينسى .
{ أنّا صَبَبْنا الماءَ صبّاً } يعني المطر .
{ ثم شَقَقْنا الأرضَ شقّاً } يعني بالنبات .
{ فَأَنْبَتْنَا فيها حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً } والقضب : القت والعلق سمي بذلك لقضبه بعد ظهوره .
{ وزَيْتوناً ونخْلاً * وحدائقَ غُلْباً } فيه قولان : (4/386)
أحدهما : نخلاً كراماً ، قاله الحسن .
الثاني : الشجر الطوال الغلاظ ، قال الكلبي : الْغلب الغِلاط ، قال الفرزدق :
عَوَى فأَثارَ أغْلَبَ ضَيْغَميّاً ... فَوَيْلَ ابنِ المراغةِ ما استثار
وفي « الحدائق » ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها ما التف واجتمع ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه نبت الشجر كله .
الثالث : أنه ما أحيط عليه من النخل والشجر ، وما لم يحط عليه فليس بحديقة حكاه أبو صالح .
ويحتمل قولاً رابعاً : أن الحدائق ما تكامل شجرها واختلف ثمرها حتى عم خيرها .
ويحتمل الغُلْب أن يكون ما غلبت عليه ولم تغلب فكان هيناً .
{ وفاكهةً وأبّاً } فيه خمسة أقاويل :
أحدها : أن الأبّ ما ترعاه البهائم ، قاله ابن عباس : وما يأكله الآدميون الحصيدة ، قال الشاعر في مدح النبي صلى الله عليه وسلم :
له دعوة ميمونة ريحها الصبا ... بها يُنْبِتُ الله الحصيدة والأَبّا
الثاني : أنه كل شيء ينبت على وجه الأرض ، قاله الضحاك .
الثالث : أنه كل نبات سوى الفاكهة ، وهذا ظاهر قول الكلبي .
الرابع : أنه الثمار الرطبة ، قاله ابن أبي طلحة .
الخامس : أنه التبن خاصة ، وهو يحكي عن ابن عباس أيضاً ، قال الشاعر :
فما لَهم مَرْتعٌ للسّوا ... م والأبُّ عندهم يُقْدَرُ
ووجدت لبعض المتأخرين سادساً : أن رطب الثمار هو الفاكهة ، ويابسها الأبّ .
ويحتمل سابعاً : أن الأبّ ما أخلف مثل أصله كالحبوب ، والفاكهة ما لم يخلف مثل أصله من الشجر .
روي أن عمر بن الخطاب قرأ { عبس وتولّى } فلما بلغ إلى قوله تعالى : { وفاكهة وأبّا } قال : قد عرفنا الفاكهة ، فما الأبّ؟ ثم قال : لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا هو التكلف وألقى العصا من يده .
وهذا مثل ضربه الله تعالى لبعث الموتى من قبورهم فهم كنبات الزرع بعد دثوره ، وتضمن امتناناً عليهم بما أنعم .
فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)
{ فإذا جاءَتِ الصّاخّةُ } فيها قولان : (4/387)
أحدهما : أنها النفخة الثانية التي يصيخ الخلق لاستماعها ، قاله الحسن ، ومنه قول الشاعر :
يُصِيخُ للنْبأَة أَسْماعه ... إصاخَةَ الناشدِ للمُنْشِد
الثاني : أنه اسم من أسماء القيامة ، لإصاخة الخلق إليها من الفزع ، قاله ابن عباس .
{ يوم يَفِرُّ المرءُ مِن أخيه وأُمِّه وابيه وصاحِبتِه وبنيه } وفي فراره منهم ثلاثة أوجه :
أحدها : حذراً من مطالبتهم إياه للتبعات التي بينه وبينهم .
الثاني : حتى لا يروا عذابه .
الثالث : لاشتغاله بنفسه ، كما قال تعالى بعده :
{ لكل امرىء منهم يومئذ شأنٌ يُغْنِيهِ } أي يشغله عن غيره .
{ وجوهٌ يومئذٍ مُسفِرةٌ } فيه وجهان :
أحدهما : مشرقة .
الثاني : فرحة ، حكاه السدي .
{ ضَاحكةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ } يحتمل وجهين :
أحدهما : ضاحكة من مسرة القلب .
الثاني : ضاحكة من الكفار شماتة وغيظاً ، مستبشرة بأنفسها مسرة وفرحاً .
{ ووجوهٌ يومَئذٍ عليها غبرَةٌ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه غبار جعل شيناً لهم ليتميزوا به فيعرفوا .
الثاني : أنه كناية عن كمد وجوههم بالحزن حتى صارت كالغبرة .
{ ترْهقُها قَتَرةٌ } فيه خمسة أقاويل :
أحدها : تغشاها ذلة وشدة ، قاله ابن عباس .
الثاني : خزي ، قال مجاهد .
الثالث : سواد ، قاله عطاء .
الرابع : غبار ، قاله السدي ، وقال ابن زيد : القترة ما ارتفعت إلى السماء والغبرة : ما انحطت إلى الأرض .
الخامس : كسوف الوجه ، قاله الكلبي ومقاتل .
{ أولئك هم الكَفَرَةُ الفَجرَةُ } يحتمل جمعه بينهما وجهين :
أحدهما : أنهم الكفرة في حقوق الله ، الفجرة في حقوق العباد .
الثاني : لأنهم الكفرة في أديانهم ، الفجرة في أفعالهم .
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14)
قوله تعالى : { إذا الشمسُ كُوِّرَتْ } فيه خمسة تأويلات : (4/388)
أحدها : يعني ذهب نورها وأظلمت ، قاله ابن عباس .
الثاني : غُوِّرَت ، وهو بالفارسية كوبكرد ، قاله ابن جبير .
الثالث : اضمحلت ، قاله مجاهد .
الرابع : نكست ، قاله أبو صالح .
الخامس : جمعت فألقيت ، ومنه كارة الثياب لجمعها ، وهو قول الربيع بن خيثم .
{ وإذا النجوم انْكَدَرَتْ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : تناثرت ، قاله الربيع بن خيثم .
الثاني : تغيرت فلم يبق لها ضوء ، قاله ابن عباس .
الثالث : تساقطت ، قاله قتادة ، ومنه قول العجاج :
أبصَرَ خرْبان فضاء فانكَدَرْ ... تَقضِّيَ البازي إذا البازي كَسَر
ويحتمل رابعاً : أن يكون انكدارها طمس آثارها ، وسميت النجوم نجوماً لظهورها في السماء بضوئها .
{ وإذا الجبالُ سُيِّرتْ } يعني ذهبت عن أماكنها ، قال مقاتل : فسويت بالأرض كما خلقت أول مرة وليس عليها جبل ولا فيها واد .
{ وإذا العِشارُ عُطِّلتْ } والعشار : جمع عشراء وهي الناقة إذا صار لحملها عشرة أشهر ، وهي أنفس أموالهم عندهم ، قال الأعشى :
هو الواهبُ المائةَ المصْطفا ... ةَ إمّا مخاضاً وإمّا عِشاراً
فتعطل العشار لاشتغالهم بأنفسهم من شدة خوفهم .
وفي « عطلت » تأويلان :
أحدهما : أُهملت ، قاله الربيع .
الثاني : لم تحلب ولم تدر ، قاله يحيى بن سلام .
وقال بعضهم : العشار : السحاب تعطل فلا تمطر .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : أنها الأرض التي يعشر زرعها فتصير للواحد عُشراً ، تعطل فلا تزرع .
{ وإذا الوُحوشُ حُشِرتْ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : جمعت ، قاله الربيع .
الثاني : اختلطت ، قاله أبي بن كعب فصارت بين الناس .
الثالث : حشرت إلى القيامة للقضاء فيقتص للجمّاء من القرناء ، قاله السدي .
الرابع : أن حشرها بموتها ، قاله ابن عباس .
{ وإذا البحارُ سُجِّرتْ } فيه ثمانية تأويلات :
أحدها : فاضت ، قاله الربيع .
الثاني : يبست ، قاله الحسن .
الثالث : ملئت ، أرسل عذبها على مالحها ، ومالحها على عذبها حتى امتلأت ، قاله أبو الحجاج .
الرابع : فجرت فصارت بحراً واحداً ، قاله الضحاك .
الخامس : سيرت كما سيرت الجبال ، قاله السدي .
السادس : هو حمرة مائها حتى تصير كالدم ، مأخوذ من قولهم عين سجراء أي حمراء .
السابع : يعني أوقدت فانقلبت ناراً ، قاله عليّ رضي الله عنه وابن عباس وأُبي بن كعب .
الثامن : معناه أنه جعل ماؤها شراباً يعذب به أهل النار ، حكاه ابن عيسى .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف « سجرت » إخباراً عن حالها مرة واحدة ، وقرأ الباقون بالتشديد إخباراً عن حالها في تكرار ذلك منها مرة بعد أخرى .
{ وإذا النفوسُ زُوِّجَتْ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : يعني عُمل بهن عملٌ مثل عملها ، فيحشر العامل بالخير مع العامل بالخير إلى الجنة ، ويحشر العامل بالشر مع العامل بالشر إلى النار ، قاله عطية العوفي : حين يكون الناس أزواجاً ثلاثة .
الثاني : يزوج كل رجل نظيره من النساء فإن من أهل الجنة زوّج بامرأة من اهل الجنة ، وإن كان من أهل النار زوّج بامرأة من أهل النار ، قاله عمر بن الخطاب ، ثم قرأ :
{ احْشُروا الذين ظلموا وأزواجهم } الثالث : معناه ردّت الأرواح إلى الأجساد ، فزوجت بها أي صارت لها زوجاً ، قاله عكرمة والشعبي .
الرابع : أنه قرن كل غاو بمن أغواه من شيطان أو إنسان ، حكاه ابن عيسى . (4/389)
ويحتمل خامساً : زوجت بأن أضيف إلى كل نفس جزاء عملها ، فصار لاختصاصها به كالتزويج .
{ وإذا الموءوجة سُئِلَتْ } والموءودة المقتولة ، كان الرجل في الجاهلية إذا ولدت امرأته بنتاً دفنها حية ، إما خوفاً من السبي والاسترقاق ، وإما خشية الفقر والإملاق ، وكان ذوو الشرف منهم يمتنعون من هذا ويمنعون منه حتى افتخر الفرزدق فقال :
ومِنّا الذي مَنَعَ الوائداتِ ... فأحْيا والوئيدَ فلم تُوأَدِ
وسميت موءودة للثقل الذي عليها من التراب ، ومنه قوله تعالى : { ولا يئوده حفظهما } أي لا يثقله ، وقال متمم بن نويرة :
وموءودةٍ مقبورة في مفازةٍ ... بآمتها موسودة لم تُمهّدِ
فقال توبيخاً لقاتلها وزجراً لمن قتل مثلها { وإذا الموءودة سئلت } واختلف هل هي السائلة أو المسئولة ، على قولين :
أحدهما : وهو قول الأكثرين أنها هي المسئولة : { بأيِّ ذَنْبِ قُتِلَتْ } فتقول : لا ذنب لي ، فيكون ذلك أبلغ في توبيخ قاتلها وزجره .
الثاني : أنها هي السائلة لقاتلها لم قتلت ، فلا يكون له عذر ، قاله ابن عباس وكان يقرأ : وإذا الموءودة سألت .
قال قتادة : يقتل أحدهما بنته ويغذو كلبه ، فأبى الله سبحانه ذلك عليهم .
{ وإذا الصُّحُف نُشِرَتْ } يعني صحف الأعمال إذا كتب الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير وشر ، تطوى بالموت وتنشر في القيامة ، فيقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما فيها قيقول : « { ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحْصاها } .
وقرأ حمزة والكسائي بتشديد نشّرت على تكرار النشر ، وقرأ الباقون بالتخفيف على نشرها مرة واحدة ، فإن حمل على المرة الواحدة فلقيام الحجة بها ، وإن حمل على التكرار ففيه وجهان :
أحدهما : للمبالغة في تقريع العاصي وتبشير المطيع .
الثاني : لتكرير ذلك من الإنسان والملائكة الشهداء عليه .
{ وإذا السماءُ كُشِطَتْ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها يعني ذهبت ، قاله الضحاك .
الثاني : كسفت ، قاله السدي .
الثالث : طويت ، قاله يحيى بن سلام ، كما قال تعالى : { يوم نطوي السماء } الآية .
{ وإذا الجحيمُ سُعِّرَتْ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أحميت ، قاله السدي .
الثاني : أُوقدت ، قاله معمر عن قتادة .
الثالث : سعّرها غضب الله وخطايا بني آدم ، قاله سعيد عن قتادة .
{ وإذا الجنّةُ أُزْلِفَتْ } أي قرّبت ، قال الربيع : إلى هاتين الآيتين ما جرى الحديث فريق في الجنة وفريق في السعير .
{ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرتْ } يعني ما عملت من خير وشر . وهذا جواب { إذا الشمس كورت } وما بعدها ، قال عمر بن الخطاب : لهذا جرى الحديث ، وقال الحسن : { إذا الشمس كورت } قسم وقع على قوله { علمت نفسٌ ما أَحضَرَتْ } .
فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)
{ فلا أُقسِمُ بالخُنّسِ } فيه أربعة تأويلات : (4/390)
أحدها : النجوم التي تخنس بالنهار وإذا غربت ، قاله الحسن وقتادة .
الثاني : خمسة الأنجم وهي : زحل وعطارد والمشتري والمريخ والزهرة ، قاله عليّ .
وفي تخصيصها بالذكر وجهان :
أحدهما : لأنها لا تستقبل الشمس ، قاله بكر بن عبد الله المزني .
الثاني : لأنها تقطع المجرة ، قاله ابن عباس .
الثالث : أن الخنس بقر الوحش ، قاله ابن مسعود .
الرابع : أنها الظباء ، قاله ابن جبير .
ويحتمل تأويلاً خامساً : أنها الملائكة لأنها تخنس فلا تُرى ، وهذا قَسَمٌ مبتدأ ، و « لا » التي في قوله { فلا أقسم بالخنس } فيها الأوجه الثلاثة التي في { لا أقسم بيوم القيامة } .
{ الجوار الكُنّسِ } فيها التأويلات الخمسة :
أحدها : النجوم ، قاله الحسن ، سميت بالجواري الكنس لأنها تجري في مسيرها .
الثاني : أنها النجوم الخمسة ، وهو قول عليّ .
والكنّس ، الغيّب ، مأخوذ من الكناس وهو كناس الوحش التي تختفي فيه ، قال أوس بن حجر :
ألم تر أن الله أنزل مُزْنَهُ ... وعُفْرُ الظباءِ في الكِناس تَقَمّعُ
الثالث : أنها بقر الوحش لاختفائها في كناسها ، قاله ابن مسعود .
الرابع : الظباء ، قاله ابن جبير .
الخامس : هي الملائكة .
{ والليلِ إذا عَسْعَسَ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أظلم ، قاله ابن مسعود ومجاهد ، قال الشاعر :
حتى إذ ما لَيْلُهُنَّ عَسْعَسا ... رَكِبْنَ مِن حَدِّ الظّلامِ حِنْدساً
الثاني : إذا ولى ، قاله ابن عباس وابن زيد ، قال الشاعر :
حتى إذا الصبح لها تنفسا ... وانجاب عنها ليلها وعسعسا
الثالث : إذا أقبل ، قاله ابن جبير وقتادة ، وأصله العس وهو الامتلاء ، ومنه قيل للقدح الكبير عس لامتلائه بما فيه ، فانطلق على إقبال الليل لابتداء امتلائه ، وانطلق على ظلامه لاستكمال امتلائه ،
{ والصبحِ إذا تَنَفّسَ } فيه تأويلان :
أحدهما : طلوع الفجر ، قاله عليّ وقتادة .
الثاني : طلوع الشمس ، قاله الضحاك .
وفي « تنفّسَ » وجهان :
أحدهما : بان إقباله .
الثاني : زاد ضوؤه .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : أن يكون تنفس بمعنى طال ، مأخوذ من قولهم قد تنفس النهار إذا طال .
{ إنه لَقَوْلُ رسولٍ كريمٍ } وهو جواب القسم ، يعني القرآن .
وفي الرسول الكريم قولان :
أحدهما : جبريل ، قاله الحسن وقتادة والضحاك .
الثاني : النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن عيسى ، فإن كان المراد به جبريل فمعناه قول رسول للَّه كريم عن رب العاليمن لأن أصل القول الذي هو القرآن ليس من الرسول ، إنما الرسول فيه مبلغ على الوجه الأول ، ومبلغ إليه على الوجه الثاني .
{ مُطاعٍ ثَمَّ أمينٍ } هو جبريل في أصح القولين ، يعني مطاعاً فيمن نزل عليه من الأنبياء ، أميناً فيما نزل به من الكتب .
{ وما صاحبكم بمجنونٍ } يعني النبي صلى الله عليه وسلم .
{ ولقد رآه بالأفق المبين } وفي الذي رآه قولان : (4/391)
أحدهما : أنه رأى ربه بالأفق المبين ، وهو معنى قول ابن مسعود .
الثاني : رأى جبريل بالأفق المبين على صورته التي هو عليها ، وفيها قولان :
أحدهما : أنه رآه ببصره ، قاله ابن عباس وعائشة .
الثاني : بقلبه ، ولم يره ببصره ، قاله أبو ذر .
وفي « الأفق » قولان :
أحدهما : أنه مطلع الشمس .
الثاني : أقطار السماء ونواحيها ، قال الشاعر :
أخَذْنا بآفاقِ السماءِ عليكمُ ... لنا قَمَراها والنُّجومُ الطّوالعُ
فعلى هذا فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه رآه في أفق السماء الشرقي ، قاله سفيان .
والثاني : في أفق السماء الغربي ، حكاه ابن شجرة .
الثالث : أنه رآه نحو أجياد ، وهو مشرق مكة ، قاله مجاهد ، { وما هو على الغَيْبِ بضنين } قرأ بالظاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وفيه وجهان :
أحدهما : وما محمد على القرآن بمتهم أن يأتي بما لم ينزل عليه ، قاله ابن عباس .
الثاني : بضعيف عن تأديته ، قاله الفراء .
وقرأ الباقون بالضاد ، وفيه وجهان :
أحدهما : وما هو ببخيل أن يعلِّم كما تعلّم .
الثاني : وما هو بمتهم أن يؤدي ما لم يؤمر به .
{ فأيْنَ تَذْهَبون } فيه وجهان :
أحدهما : فإلى أين تعدلون عن كتاب الله تعالى وطاعته ، قاله قتادة .
الثاني : فأي طريق أهدى لكم وأرشد من كتاب الله ، حكاه ابن عيسى .
ويحتمل ثالثاً : فأين تذهبون عن عذابه وعقابه .
{ وما تشاؤون إلا أن يشاءَ اللهُ ربُّ العالَمين } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : وما تشاؤون الاستقامة على الحق إلا أن يشاء الله لكم .
الثاني : وما تشاؤون الهداية إلا أن يشاء الله بتوفيقه : وقيل إن سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل قوله تعالى :
{ لمن شاء منكم أن يستقيم } قال أبو جهل : ذلك إلينا إن شئنا استقمنا ، وإن شئنا لم نستقم ، فأنزل الله تعالى : { وما تشاءون إلا أن يشاء الله ربّ العالمين } .
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)
قوله تعالى : { إذا السماءُ انْفَطَرتْ } فيه وجهان : (4/392)
أحدهما : انشقت .
الثاني : سقطت ، قال الشاعر :
كانوا سعوداً سماءَ الناس فانفطرت ... فأصبح الشمل لم ترفع له عُمُد
{ وإذا الكواكب انتَثَرتْ } يعني تساقطت ، قال ابن عباس ، تسقط سوداء لا ضوء لها .
{ وإذا البحار فُجِّرَتْ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يبست ، قاله الحسن .
الثاني : خلطت فصارت بحراً واحداً ، وهذا معنى قول ابن عباس ، قال : وهو سبعة أبحر فتصير بحراً واحداً .
الثالث : فجر عذبها في مالحها : ومالحها في عذبها ، قاله قتادة .
ويحتمل رابعاً : أي فاضت .
{ وإذا القبور بُعْثِرتْ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : بحثت وثوّرت ، قاله ابن عباس وعكرمة ، وقال الفراء : فيخرج ما في بطنها من الذهب والفضة ، وذلك من أشراط الساعة أن تخرج الأرض ذهبها وفضتها ثم تخرج الموتى .
الثاني : حركت للبعث ، قاله السدي .
الثالث : بعث من فيها من الأموات ، قاله قتادة .
{ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قدَّمَتْ وأَخرَتْ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : ما عملت وما تركت ، قاله ابو رزين .
الثاني : ما قدمت من طاعة ، وأخرت من حق الله ، قاله ابن عباس .
الثالث : ما قدمت من الصدقات وما أخرت من الميراث .
ويحتمل ما قدمت من معصية وأخرت من طاعة ، لأنه خارج مخرج الوعيد ، وهذا جواب { إذا السماء انفطرت } لأنه خبر ، وجعلها الحسن قَسَماً وقعت على قوله { علمت نفس } الآية .
والأظهر ما عليه الجماعة من أنه خبر وليس بقسم .
{ يا أيها الإنسان ما غّرَّك بربِّكَ الكريم } في الإنسان ها هنا ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه إشارة إلى كل كافر .
الثاني : أنه أبي بن خلف ، قاله عكرمة .
الثاث : أنه أبو الأشد بن كلدة بن أسد الجمحي ، قاله ابن عباس .
وفي الذي غرَّه قولان :
أحدهما : عدوه الشيطان ، قاله قتادة .
الثاني : جهله ، وهو قول عمر بن الخطاب .
ويحتمل قولاً ثالثاً : إنه إمهاله .
« الكريم » الذي يتجاوز ويصفح ، وروى الحسن أن عمر بن الخطاب لما قرأ { يا أيها الإنسان } . . . . . الآية ، قال : حمقه وجهله .
{ الذي خَلَقَك فسَوَّاك فَعدَلك } يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : فسوى خلقك وعدل خلقتك .
الثاني : فسوَّى أعضاءك بحسب الحاجة وعدلها في المماثلة لا تفضل يد على يد ، ولا رجل على رجل .
الثالث : فسواك إنساناً كريماً وعدل بك عن أن يجعلك حيواناً بهيماً .
قال أصحاب الخواطر : سوّاك بالعقل وعدلك بالإيمان .
{ في أَيِّ صورَةٍ ما شاءَ رَكّبَكَ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : ما شاء ركبك من شبه أم أو أب أو خال أو عم ، قاله مجاهد .
الثاني : من حسن أو قبح أو طول أو قصر أو ذكر أو أنثى ، قاله ابن عيسى .
الثالث : في أي صورة من صور الخلق ركبك حتى صرت على صورتك التي أنت عليها أيها الإنسان لا يشبهك شيء من الحيوان .
وروى موسى بن علي بن رباح اللخمي عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجده : « ما ولِدَ لك؟ » قال : يا رسول الله وما عسى أن يولد لي إما غلام وإما جارية ، قال رسول الله : « ومن عسى أن يشبه؟ » قال : إما أباه وإما أمه ، فقال عليه السلام عندها : « مه لا تقولن هكذا ، إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم أما قرأت في كتاب الله : في أي صورة ما شاء ركبك . » (4/393)
{ كلاّ بَلْ تُكّذِّبونَ بالدِّين } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : بالحساب والجزاء ، قاله ابن عباس .
الثاني : بالعدل و القضاء ، قاله عكرمة .
الثالث : بالدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، حكاه ابن عيسى .
{ وإنَّ عليكم لحافِظِينَ } يعني الملائكة ، يحفظ كلَّ إنسان ملكان ، أحدهما عن يمينه يكتب الخير ، والآخر عن شماله يكتب الشر .
{ كِراماً كاتِبينَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : كراماً على الله ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : كراماً بالإيمان ، قاله السدي .
الثالث : لأنهم لا يفارقون ابن آدم إلا في موطنين عند الغائط وعند الجماع يعرضان عنه ويكتبان ما تكلم به ، فلذلك كره الكلام عند الغائط والجماع .
ويحتمل رابعاً : كراماً لأداء الأمانة فيما يكتبونه من عمله فلا يزيدون فيه ولا ينقصون منه .
إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)
وفي قوله تعالى : { إنّ الأبرارَ لفي نَعيم * وإن الفُجّارَ لقي جَحيمٍ } قولان : (4/394)
أحدهما : في الآخرة فيكون نعيم الأبرار في الجنة بالثواب ، وجحيم الفجار في النار بالعقاب .
والقول الثاني : أنه في الدنيا ، فعلى هذا فيه أربعة أوجه ذكرها أصحاب الخواطر .
أحدها : النعيم القناعة ، والجحيم الطمع .
الثاني : النعيم التوكل ، والجحيم الحرص .
الثالث : النعيم الرضا بالقضاء ، والجحيم السخط فيما قدر وقضى .
الرابع : النعيم بالطاعة ، والجحيم بالمعيصية .
{ وما هُمْ عنها بغائبين } فيه وجهان :
أحدهما : عن القيامة تحقيق للبعث فعلى هذا يجوز أن يكون هذا الخطاب متوجهاً إلى الأبرار والفجار جميعاً .
الثاني : عن النار ، ويكون الخطاب متوجهاً إلى الفجار دون الأبرار ، والمراد بأنهم لا يغيبون عنها أمران :
أحدهما : تحقيق الوعيد .
الثاني : تخليد الفجار .
{ وما أدْراك ما يومُ الدِّين * ثُمَّ ما أدْراكَ ما يومُ الدِّين } يعني يوم الجزاء ، وهو يوم القيامة ، وفي تكراره وجهان :
أحدهما : تفخيماً لشأنه وتعظيماً لأمره .
الوجه الثاني : أن الأول خطاب للفجار والثاني خطاب للأبرار ترغيباً .
{ يومَ لا تَمْلِك نفسٌ لنَفْسٍ شيئاً } يعني لا يملك مخلوق لمخلوق نفعاً ولا ضراً .
{ والأمر يومئذٍ للَّهِ } فيه وجهان :
أحدهما : في الجزاء بالثواب والعقاب .
الثاني : في العقوبة والانتقام .
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)
قوله تعالى : { ويْلٌ للمطفّفين } قال ابن عباس : كان أهل المدينة من أخبث الناس كيلاً ، إلى أن أنزل الله تعالى : { ويل للطففين } فأحسنوا الكيل ، قال الفراء : فهم من أوفى الناس كيلاً إلى يومهم هذا . (4/395)
أعمض بعض المتعمقة فحمله على استيفاء العبادة بين الناس جهراً ، وفي النقصان سراً .
وفي « ويل » سبعة أقاويل :
أحدها : أنه واد في جهنم ، رواه أبو سعيد الخدري مرفوعاً .
الثاني : صديد أهل النار ، قاله ابن مسعود .
الثالث : أنه النار ، قاله عمر مولى عفرة .
الرابع : أنه الهلاك ، قاله بعض أهل اللغة .
الخامس : أنه أشق العذاب .
السادس : أنه النداء بالخسار والهلاك ، وقد تستعمله العرب في الحرب والسلب .
السابع : أن أصله ويْ لفلان ، أي الجور لفلان ، ثم كثر استعمال الحرفين فوصلا بلام الإضافة .
والمطفف : مأخوذ من الطفيف وهو القليل ، والمطفف هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن .
قال الزجاج : بل مأخوذ من طف الشيء وهي جهته .
{ الذين إذا اكْتالوا على الناسِ يَسْتوْفُونَ } أي من الناس ، ويريد بالاستيفاء الزيادة على ما استحق .
{ وإذا كالُوهم أو وَزَنُوهم يُخْسِرون } يعني كالوا لهم أو وزنوا لهم بحذف هذه الكلمة لما في الكلام من الدلالة عليها ، { يخسرون } ، ينقصون فكان المطفف يأخذ زائداً ويعطي ناقصاً .
{ يومَ يَقُومُ الناسُ لربِّ العَالَمِينَ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يوم يقومون من قبورهم ، قاله ابن جبير .
الثاني : يقومون بين يديه تعالى للقضاء ، قاله يزيد بن الرشك .
قال أبو هريرة : قال النبي صلى الله عليه وسلم لبشير الغفاري : « كيف أنت صانع يوم يقوم الناس فيه مقدار ثلاثمائة سنة لرب العالمين ، لا يأتيهم فيه خبر ولا يؤمر فيه بأمر ، » قال بشير : المستعان الله .
الثالث : أنه جبريل يقوم لرب العالمين ، قاله ابن جبير .
ويحتمل رابعاً : يقومون لرب العالمين في الآخرة بحقوق عباده في الدنيا .
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17)
{ كلاّ إنّ كتابَ الفُجّارِ لفي سِجِّينٍ } أما « كلا » ففيه وجهان : (4/396)
أحدهما : حقاً .
الثاني : أن كلا للزجر والتنبيه .
وأما « سجّين » ففيه ثمانية أقاويل :
أحدها : في سفال ، قاله الحسن .
الثاني : في خسار ، قاله عكرمة .
الثالث : تحت الأرض السابعة ، رواه البراء بن عازب مرفوعاً .
قال ابن أسلم : سجّين : الأرض السافلة ، وسجّيل : سماء الدنيا .
قال مجاهد : سجّين صخرة في الأرض السابعة ، فيجعل كتاب الفجار تحتها .
الرابع : هو جب في جهنم ، روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الفلق جُبٌّ في جهنم مغطّى ، وسجّين جب في جهنم مفتوح . »
الخامس : أنه تحت خد إبليس ، قاله كعب الأحبار .
السادس : أنه حجر أسود تحت الأرض تكتب فيه أرواح الكفار ، حكاه يحيى بن سلام .
السابع : أنه الشديد قاله أبو عبيدة وأنشد :
ضرباً تَواصَتْ به الأبطالُ سِجِّينا ... الثامن : أنه السجن ، وهو فِعّيل من سجنته ، وفيه مبالغة ، قاله الأخفش عليّ بن عيسى ، ولا يمتنع أن يكون هو الأصل واختلاف التأويلات في محله .
ويحتمل تاسعاً : لأنه يحل من الإعراض عنه والإبعاد له محل الزجر والهوان { كِتابٌ مَرْقومٌ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : مكتوب ، قاله أبو مالك .
الثاني : أنه مختوم ، وهو قول الضحاك .
الثالث : رُقِم له بَشَرٌ لا يزاد فيهم أحد ، ولا ينقص منهم أحد ، قاله محمد بن كعب وقتادة .
ويحتمل قولاً رابعاً ، إن المرقوم المعلوم .
{ كلاّ بل رانَ على قُلوبِهم ما كانوا يَكْسبونَ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أن « ران » : طبع على قلوبهم ، قاله الكلبي .
الثاني : غلب على قلوبهم ، قاله ابن زيد ، ومنه قول الشاعر :
وكم ران من ذنْب على قلب فاجر ... فتاب من الذنب الذي ران وانجلى
الثالث : ورود الذنب على الذنب حتى يعمى القلب ، قاله الحسن .
الرابع : أنه كالصدإ يغشى القلب كالغيم الرقيق ، وهذا قول الزجاج .
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28)
{ كلاّ إنّ كتابَ الأبرارِ لفِي علّيِّينَ } فيه خمسة أقاويل : (4/397)
أحدها : أن عليين الجنة ، قاله ابن عباس .
الثاني : السماء السابعة ، قاله ابن زيد ، قال قتادة : وفيها أرواح المؤمنين .
الثالث : قائمة العرش اليمنى ، قاله كعب .
الرابع : يعني في علو وصعود إلى الله تعالى ، قاله الحسن .
الخامس : سدرة المنتهى ، قاله الضحاك .
ويحتمل سادساً : أن يصفه بذلك لأنه يحل من القبول محلاً عالياً .
{ تَعْرِفُ في وُجوههم نَضْرَةَ النّعيم } فيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها الطراوة والغضارة ، قاله ابن شجرة .
الثاني : أنها البياض ، قاله الضحاك .
الثالث : أنها عين في الجنة يتوضؤون منها ويغتسلون فتجري عليهم نضرة النعيم ، قاله عليّ .
ويحتمل رابعاً : أنها استمرار البشرى بدوام النعمة .
{ يُسقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ } وفي الرحيق ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه عين في الجنة مشوب بمسك ، قاله الحسن .
الثاني : أنه شراب أبيض يختمون به شرابهم ، قاله ابن أبي الدرداء .
الثالث : أنه الخمر في قول الجمهور ، ومنه قول حسان :
يسقون من ورد البريص عليهم ... بَرَدَى يُصَفِّق بالرحيق السّلْسَلِ
لكن اختلفوا أي الخمر هي على أربعة أقاويل :
أحدها : أنها الصافية ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : أنها أصفى الخمر وأجوده ، قاله الخليل .
الثالث : أنها الخالصة من غش ، حكاه الأخفش .
الرابع : أنها العتيقة .
وفي « مختوم » ثلاثة أقاويل :
أحدها : ممزوج ، قاله ابن مسعود .
الثاني : مختوم في الإناء بالختم ، وهو الظاهر .
الثالث : ما روى أُبيّ بن كعب ، قال : قيل يا رسول الله ما الرحيق المختوم؟ قال : « غُدران الخمر . »
{ خِتامُه مِسْكٌ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : مزاجه مسك ، قاله مجاهد .
الثاني : عاقبته مسك ، ويكون ختامه آخره ، كما قال الشاعر :
صرف ترقرق في الحانوت باطنه ... بالفلفل الجون والرمان مختوما
قال قتادة : يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك .
الثالث : أن طعمه وريحه مسك ، رواه ابن أبي نجيح .
الرابع : أن ختمه الذي ختم به إناؤه مِسْك ، قاله ابن عباس .
{ وفي ذلك فلْيَتنافَسِ المُتنافِسونَ } فيه وجهان :
أحدهما : فليعمل العاملون ، قاله مجاهد .
الثاني : فليبادر المبادرون ، قاله أبو بكر بن عياش والكلبي .
وفيما أخذ منه التنافس والمنافسة وجهان :
أحدهمأ : أنه مأخوذ من الشيء النفيس ، قاله ابن جرير .
الثاني : أنه مأخوذ من الرغبة فيما تميل النفوس إليه ، قاله المفضل .
{ ومِزاجُهُ مِن تَسْنيمٍ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها أن التسنيم الماء ، قاله الضحاك .
الثاني : أنها عين في الجنة ، فيشربها المقربون صرفاً ، وتمزج لأصحاب اليمين ، قاله ابن مسعود .
وقال حذيفة بن اليمان : تسنيم عين في عدْن ، وعدْن دار الرحمن وأهل عدْن جيرانه .
الثالث : أنها خفايا أخفاها الله لأهل الجنة ، ليس لها شبه في الدنيا ولا يعرف مثلها .
وأصل التسنيم في اللغة أنها عين ماء تجري من علو إلى سفل ، ومنه سنام البعير لعلوه من بدنه ، وكذلك تسنيم القبور .
ويحتمل تأويلاً رابعاً : أن يكون المراد به لذة شربها في الآخرة أكثر من لذته في الدنيا ، لأن مزاج الخمر يلذ طعمها ، فصار مزاجها في الآخرة بفضل لذة مزاجها من تسنيم لعلو الآخرة على الدنيا .
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)
{ وإذا انقَلَبوا إلى أهْلِهم انقَلَبوا فَكِهينَ } قرأ عاصم في رواية حفص فكهين بغير ألف وقرأ غيره بألف ، وفي القراءتين أربعة تأويلات : (4/398)
أحدها : فرحين ، قاله السدي .
الثاني : معجبين ، قاله ابن عباس ، ومنه قول الشاعر :
وقد فكهت من الدنيا فقاتلوا ... يوم الخميس بِلا سلاح ظاهر
الثالث : لاهين .
الرابع : ناعمين ، حكى هذين التأويلين عليّ بن عيس .
وروى عوف عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « قال ربكم عز وجل : وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ، ولا أجمع له أمنين ، فإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة ، وإذا أمني في الدنيا أخفته يوم القيامة » .
{ هل ثوِّب الكفارُ ما كانوا يَفْعَلونَ } هذا سؤال المؤمنين في الجنة عن الكفار حين فارقوهم ، وفيه تأويلان :
أحدهما : معناه هل أثيب الكفار ما كانوا يعلمون في الكفر ، قاله قتادة .
الثاني : هل جوزي الكفار على ما كانوا يفعلون ، قاله مجاهد .
فيكون « ثُوِّب » مأخوذاً من إعطاء الثواب .
ويحتمل تأويلاً ثالثاً : أن يكون معناه هل رجع الكفار في الآخرة عن تكذيبهم في الدنيا على وجه التوبيخ ، ويكون مأخوذاً من المثابِ الذي هو الرجوع ، لا من الثواب الذي هو الجزاء ، كما قال تعالى : { وإذا جعَلْنا البيتَ مثابةً للناس } أي مرجعاً .
ويحتمل تأويلاً رابعاً : هل رجع من عذاب الكفار على ما كانوا يفعلون ، لأنهم قد علموا أنهم عذبوا ، وجاز أن يظنوا في كرم الله أنهم قد رحموا .
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15)
قوله عز وجل : { إذا السماءُ انشَقّتْ } وهذا من أشراط الساعة ، قال عليّ رضي الله عنه : تنشق السماء من المجرة ، وفيه ثلاثة أوجه : (4/399)
أحدها : أنه محذوف الجواب وتقديره : إذا السماء انشقت رأى الإنسان ما قدّم من خير وشر .
الثاني : أن جوابه { كادح إلى ربك كدحاً } .
الثالث : معناه أذكر إذا السماء انشقت .
{ وأَذِنَتْ لِرّبها وحُقّتْ } معنى أذنت لربها أي سمعت لربها ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ما أذن الله لشيء كإذانه لنبي يتغنى بالقرآن أي ما استمع الله لشيء ، وقال الشاعر :
صُمٌّ إذا سَمِعوا خيْراً ذُكِرتُ به ... وإنْ ذُكِرْتُ بسُوءٍ عندهم أَذِنوا
أي سمعوا .
{ وحُقّتْ } فيه وجهان :
أحدهما : أطاعت ، قاله الضحاك .
الثاني : معناه حق لها أن تفعل ذلك ، قاله قتادة ، ومنه قول كثيّر :
فإن تكُنْ العُتْبى فأهْلاً ومرحبا ... وحُقّتْ لها العُتبى لديْنَا وَقَلَّت .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : أنها جمعت ، مأخوذ من اجتماع الحق على نافيه وحكى ابن الانباري أن { أذنت لربها وحقت } جواب القسم ، والواو زائدة .
{ وإذا الأرضُ مُدَّتْ } فيها قولان :
أحدهما : أن البيت كان قبل الأرض بألفي عام ، فمدت الأرض من تحته ، قاله ابن عمر .
الثاني : أنها أرض القيامة ، قاله مجاهد ، وهو أشبه بسياق الكلام .
وفي { مُدَّتْ } وجهان :
أحدهما : سويت ، فدكّت الجبال ويبست البحار ، قاله السدي .
الثاني : بسطت ، قاله الضحاك ، وروى عليّ بن الحسين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مدّ الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدمه » .
{ وأَلقْتْ ما فيها وتَخلّتْ } فيه وجهان :
أحدهما : ألقت ما في بطنها من الموتى ، وتخلت عمن على ظهرها من الأحياء ، قاله ابن جبير .
الثاني : ألقت ما في بطنها من كنوزها ومعادنها وتخلت مما على ظهرها من جبالها وبحارها ، وهو معنى قول قتادة .
ويحتمل ثالثاً : هو أعم ، أنها ألقت ما استوعدت ، وتخلت مما استحفظت لأن الله استودعها عباده أحياء وأمواتاً ، واستحفظها بلاده مزارع وأقواتاً .
{ يا أيها الإنسانُ إنك كادحٌ إلى ربك كدْحاً فملاقيه } فيه قولان :
أحدهما : إنك ساعٍ إلى ربك سعياً حتى تلاقي ربك ، قاله يحيى بن سلام ، ومنه قول الشاعر :
ومَضَتْ بشاشةُ كلِّ عَيْشٍ صالحٍ ... وَبقيتُ أكْدَحُ للحياةِ وأَنْصَبُ
أي أعمل للحياة . ويحتمل قولاً ثالثاً : أن الكادح هو الذي يكدح نفسه في الطلب إن تيسّر أو تعسّر .
{ فأمّا مَنْ أَوتي كِتابَه بيمينه } روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
« يعرض الناس ثلاث عرضات ، فأما عرضتان فجدال ومعاذير ، وفي الثالثة تطير الكتب من الأيدي ، فبين آخذٍ كتابه بيمينه ، وبين آخذٍ كتابه بشماله » .
{ فسوف يُحاسَبُ حِساباً يَسيراً } وفي الحساب ثلاثة أقاويل :
أحدها : يجازى على الحسنات ويتجاوز له عن السيئات ، قاله الحسن .