صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : النكت والعيون
المؤلف : أبوالحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (52)

{ فاصْبِرْ لحُكمِ ربّك } فيه وجهان :
أحدهما : لقضاء ربك .
الثاني : لنصر ربك ، قاله ابن بحر .
{ ولا تكُن كصاحِبِ الحُوتِ } قال قتادة : إن اللَّه تعالى يعزي نبيّه ويأمره بالصبر ، وأن لا يعجل كما عجل صاحب الحوت وهو يونس بن متى .
{ إذ نادى وهو مكظوم } أما نداؤه فقوله : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين .
وفي مكظوم أربعة أوجه :
أحدها : مغموم ، قاله ابن عباس ومجاهد .
الثاني : مكروب ، قاله عطاء وأبو مالك ، والفرق بينهما أن الغم في القلب ، والكرب في الأنفاس .
الثالث : محبوس ، والكظم الحبس ، ومنه قولهم : فلان كظم غيظه أي حبس غضبه ، قاله ابن بحر .
الرابع : أنه المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس ، قاله المبرد .
{ لولا أن تَدارَكه نِعْمةٌ مِن ربِّه } فيه أربعة أوجه :
أحدها : النبوة ، قاله الضحاك .
الثاني : عبادته التي سلفت ، قاله ابن جبير .
الثالث : نداؤه لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، قاله ابن زيد .
الرابع : أن نعمة اللَّه عليه إخراجه من بطن الحوت ، قاله ابن بحر .
{ لنُبِذَ بالعراء } فيه وجهان :
أحدهما : لألقي بالأرض الفضاء ، قاله السدي ، قال قتادة : بأرض اليمن .
الثاني : أنه عراء يوم القيامة وأرض المحشر ، قاله ابن جرير .
{ وهو مذموم } فيه وجهان :
أحدهما : بمعنى مليم .
الثاني : مذنب ، قاله بكر بن عبد الله ، ومعناه أن ندعه مذموماً .
{ وإن يكادُ الذين كَفَروا ليُزْلِقونك بأَبَصارهم } الآية . فيه ستة أوجه :
أحدها : معناه ليصرعونك ، قاله الكلبي .
الثاني : ليرمقونك ، قاله قتادة .
الثالث : ليزهقونك ، قاله ابن عباس ، وكان يقرؤها كذلك .
الرابع : لينفذونك ، قاله مجاهد .
الخامس : ليمسونك بأبصارهم من شدة نظرهم إليك ، قاله السدي .
السادس : ليعتانونك ، أي لينظرونك بأعينهم ، قاله الفراء .
وحكي أنهم قالوا : ما رأينا مثل حجمه ونظروا إليه ليعينوه ، أي ليصيبوه بالعين ، وقد كانت العرب إذا أراد أحدهم أن يصيب أحداً بعين في نفسه أو ماله تجوّع ثلاثاً ثم يتعرض لنفسه أو ماله فيقول : تاللَّه ما رأيت أقوى منه ولا أشجع ولا أكثر مالاً منه ولا أحسن ، فيصيبه بعينه فيهلك هو وماله ، فأنزل اللَّه هذه الآية .
{ لّما سَمِعوا الذكْرَ } فيه وجهان :
أحدهما : محمد .
الثاني : القرآن .
{ وما هو إلا ذِكْرٌ للعالمين } فيه وجهان :
أحدهما : شرف للعالمين ، كما قال تعالى { وإنه لذكر لك ولقومك } [ الزخرف : 44 ] .
الثاني : يذكرهم وعد الجنة ووعيد النار .
وفي العالمين وجهان :
أحدهما : الجن والإنس ، قاله ابن عباس .
الثاني : كل أمة من أمم الخلق ممن يُعرف ولا يُعرف .

(4/313)


الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12)

قوله تعالى { الحاقّةُ ما الحاقّةُ } فيه قولان :
أحدهما : أنه ما حقّ من الوعد والوعيد بحلوله ، وهو معنى قول ابن بحر .
الثاني : أنه القيامة التي يستحق فيها الوعد والوعيد ، قاله الجمهور وفي تسميتها بالحاقة ثلاثة أقاويل :
أحدها : ما ذكرنا من استحقاق الوعد والوعيد بالجزاء على الطاعات والمعاصي ، وهو معنى قول قتادة ويحيى بن سلام .
الثاني : لأن فيها حقائق الأمور ، قاله الكلبي .
الثالث : لأن حقاً على المؤمن أن يخافها .
وقوله « ما الحاقة » تفخيماً لأمرها وتعظيماً لشأنها .
{ وما أدْراكَ ما الحاقّة } قال يحيى بن سلام : بلغني أن كل شىء في القرآن فيه « وما أدراك » فقد أدراه إياه وعلّمه إياه ، وكل شيء قال فيه « وما يدريك » فهو ما لم يعلمه إياه .
وفيه وجهان :
أحدهما : وما أدراك ما هذا الاسم ، لأنه لم يكن في كلامه ولا كلام قومه ، قاله الأصم .
الثاني : وما أدراك ما يكون في الحاقة .
{ كذّبَتْ ثمودُ وعادٌ بالقارعةِ } أما ثمود فقوم صالح كانت منازلهم في الحجر فيما بين الشام والحجاز ، قاله محمد بن إسحاق : وهو وادي القرى ، وكانوا عرباً .
وأما عاد فقوم هود ، وكانت منازلهم بالأحقاف ، والأحقاف الرمل بين عُمان إلى حضرموت واليمن كله ، وكانوا عرباً ذوي خَلق وبَسطة ، ذكره محمد بن إسحاق .
وأما « القارعة » ففيها قولان :
أحدهما : أنها قرعت بصوت كالصيحة ، وبضرب كالعذاب ، ويجوز أن يكون في الدنيا ، ويجوز أن يكون في الآخرة .
الثاني : أن القارعة هي القيامة كالحاقة ، وهما اسمان لما كذبت بها ثمود وعاد .
وفي تسميتها بالقارعة قولان :
أحدهما : لأنها تقرع بهولها وشدائدها .
الثاني : أنها مأخوذة من القرعة في رفع قوم وحط آخرين ، قاله المبرد .
{ فأمّا ثمودُ فأهلِكوا بالطاغية } فيها خمسة أقاويل :
أحدها : بالصيحة ، قاله قتادة .
الثاني : بالصاعقة ، قاله الكلبي .
الثالث : بالذنوب ، قاله مجاهد .
الرابع : بطغيانهم ، قاله الحسن .
الخامس : أن الطاغية عاقر الناقة ، قاله ابن زيد .
{ وأمّا عادٌ فأهْلِكوا بريحٍ صَرْصَرٍ عاتيةٍ } روى مجاهد عن ابن عباس قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « نُصِرْتُ بالصَّبا وأُهلِكتْ عاد بالدَّبور » .
فأما صرصر ففيها قولان :
أحدهما : أنها الريح الباردة ، قاله الضحاك والحسن ، مأخوذ من الصر وهو البرد .
الثاني : أنها الشديدة الصوت ، قاله مجاهد .
وأما العاتية ففيها ثلاثة أوجه :
أحدها : القاهرة ، قاله ابن زيد .
الثاني : المجاوزة لحدها .
الثالث : التي لا تبقى ولا ترقب .
وفي تسميتها عاتية وجهان :
أحدهما : لأنها عتت على القوم بلا رحمة ولا رأفة ، قاله ابن عباس .

(4/314)


الثاني : لأنها عتت على خزانها بإذن اللَّه .
{ سَخّرها عليهم سَبْعَ ليالٍ وثمانيةَ أيام حُسوماً } اختلف في أولها على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنّ أولها غداة يوم الأحد ، قاله السدي .
الثاني : غداة يوم الأربعاء ، قاله يحيى بن سلام .
الثالث : غداة يوم الجمعة ، قاله الربيع بن أنس .
وفي قوله { حُسُوماً } أربعة تأويلات :
أحدها : متتابعات ، قاله ابن عباس وابن مسعود ومجاهد والفراء ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت :
وكم يحيى بها من فرط عام ... وهذا الدهر مقتبل حسوم .
الثاني : مشائيم ، قاله عكرمة والربيع .
الثالث : أنها حسمت الليالي والأيام حتى استوفتها ، لأنها بدأت طلوع الشمس من أول يوم ، وانقطعت مع غروب الشمس من آخر يوم ، قاله الضحاك .
الرابع : لأنها حسمتهم ولم تبق منهم أحداً ، قاله ابن زيد ، وفي ذلك يقول الشاعر :
ومن مؤمن قوم هود ... فأرسل ريحاً دَبوراً عقيماً
توالتْ عليهم فكانت حُسوماً ... { فترى القوم فيها صرعى كأنّهم أعجازُ نخلٍ خاويةٍ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : البالية ، قاله أبو الطفيل .
الثاني : الخالية الأجواف ، قاله ابن كامل .
الثالث : ساقطة الأبدان ، خاوية الأصول ، قاله السدي .
وفي تشبيههم بالنخل الخاوية ثلاثة أوجه :
أحدها : أن أبدانهم خوت من أرواحهم مثل النخل الخاوية ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : أن الريح كانت تدخل في أجوافهم من الخيشوم ، وتخرج من أدبارهم ، فصاروا كالنخل الخاوية ، حكاه ابن شجرة .
الثالث : لأن الريح قطعت رؤوسهم عن أجسادهم ، فصاروا بقطعها كالنخل الخاوية .
{ وجاءَ فرعونُ ومَن قَبْلَهُ } فيه وجهان :
أحدهما : ومن معه من قومه وهو تأويل من قرأ « ومن قِبلَهُ » بكسر القاف وفتح الباء .
والثاني : ومن تقدمه ، وهو تأويل من قرأ « ومن قَبْلَهُ » بفتح القاف وتسكين الباء .
{ والمؤتفِكاتُ بالخاطئة } في المؤتفكات قولان :
أحدهما : أنها المقلوبات بالخسف .
الثاني : أنها الأفكات وهي الاسم من الآفكة ، أي الكاذبة .
والخاطئة : هي ذات الذنوب والخطايا ، وفيهم قولان :
أحدهما : أنهم قوم لوط .
الثاني : قارون وقومه ، لأن اللَّه خسف بهم .
{ فعصَوْا رسولَ ربِّهم } فيه وجهان :
أحدهما : فعصوا رسول الله إليهم بالتكذيب .
الثاني : فعصوا رسالة اللَّه إليهم بالمخالفة ، وقد يعبر عن الرسالة بالرسول ، قال الشاعر :
لقد كذَبَ الواشون ما بُحْت عندهم ... بسرٍّ ولا أرسلتهم برسول .
{ فَأَخَذَهُمْ أَخذةً رابيةً } فيه خمسة أوجه :
أحدها : شديدة ، قاله مجاهد .
الثاني : مُهلكة ، قاله السدي .
الثالث : تربوبهم في عذاب اللَّه أبداً ، قاله أبو عمران الجوني .
الرابع : مرتفعة ، قاله الضحاك .
الخامس : رابية للشر ، قاله ابن زيد .
{ إنا لما طَغَى الماءُ حَمَلْناكم في الجاريةِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : ظَهَر ، رواه ابن أبي نجيح .

(4/315)


الثاني : زادَ وكثر ، قاله عطاء .
الثالث : أنه طغى على خزانه من الملائكة ، غضباً لربه فلم يقدروا على حبسه ، قاله عليّ رضي الله عنه .
قال قتادة : زاد على كل شيء خمسة عشر ذراعاً .
وروي عن ابن عباس أنه قال : ما أرسل من ريح قط إلا بمكيال .
وما أنزل الله من قطرة قط إلا بمثقال ، إلا يوم نوح وعاد ، فإن الماء يوم نوح طغى على خزانه فلم يكن لهم عيله سبيل ، ثم قرأ : « إنا لما طغى الماء » الآية . وإن الريح طغت على خزانها يوم عاد فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ . « بريح صرصر عاتية سخرها عليهم » الآية .
{ حملناكم في الجارية } يعني سفينة نوح ، سميت بذلك لأنها جارية على الماء .
وفي قوله حملناكم وجهان :
أحدهما : حملنا آباءكم الذين أنتم من ذريتهم .
الثاني : أنهم في ظهور آبائهم المحمولين ، فصاروا معهم ، وقد قال العباس بن عبد المطلب ما يدل على هذا الوجه وهو قوله في مدح النبي صلى الله عليه وسلم :
من قبلها طِبتَ في الظلال وفي ... مُستودع حيث يُخْصَفُ الورقُ .
ثم هبطتَ البلادَ لا بشرٌ ... أنت ولا مُضْغةٌ ولا عَلَقُ .
بل نطفةٌ تركب السَّفينَ وقد ... ألجَمَ نَسراً وأهلَه الغرقُ .
{ لنجْعلهَا لكم تذكِرةً } يعني سفينة نوح جعلها اللَّه لكم تذكرة وعظة لهذه الأمة حتى أدركها أوائلهم في قول قتادة ، وقال ابن جريج : كانت ألواحها على الجودي .
{ وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيةٌ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : سامعة ، قاله ابن عباس .
الثاني : مؤمنة ، قاله ابن جريج .
الثالث : حافظة ، وهذا قول ابن عباس أيضاً .
قال الزجاج : يقال وعيت لما حفظته في نفسك ، وأوعيت لما حفظته في غيرك .
وروى مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند نزول هذه الآية : « سألت ربي أن يجلعها أُذُنَ عليٍّ » قال مكحول : فكان عليٌّ رضي اللَّه عنه يقول : ما سمعت من رسول الله شيئاً قط نسيته إلا وحفظته .
الرابع : [ أنالأذن الواعية ] أُذن عقلت عن اللَّه وانتفعت بما سمعت من كتاب اللَّه ، قاله قتادة .

(4/316)


فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)

{ فيومئذٍ وقَعَتِ الواقعةُ } فيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : القيامة .
الثاني : الصيحة .
الثالث : أنها الساعة التي يفنى فيها الخلق .
{ وانْشَقّت السماءُ فهِي يومئذٍ واهيةٌ } في انشقاقها وجهان :
أحدهما : أنها فتحت أبوابها ، قاله ابن جريج .
الثاني : أنها تنشق من المجرة ، قاله عليّ رضي الله عنه .
وفي قوله « واهية » وجهان :
أحدهما : متخرقة ، قاله ابن شجرة ، مأخوذ من قولهم وَهَى السقاءُ إذا انخرق ، ومن أمثالهم :
خَلِّ سبيلَ مَنْ وَهَى سِقاؤه ... ومَن هُريق بالفلاةِ ماؤهُ
أي من كان ضعيف العقل لا يحفظ نفسه .
الثاني : ضعيفه ، قاله يحيى بن سلام .
{ والملَكُ على أَرجائها } فيه وجهان :
أحدهما : على أرجاء السماء ، ولعله قول مجاهد وقتادة .
الثاني : على أرجاء الدنيا ، قاله سعيد بن جبير .
وفي « أرجائها » أربعة أوجه :
أحدها : على جوانبها ، قاله سعيد بن جبير .
الثاني : على نواحيها ، قاله الضحاك .
الثالث : أبوابها ، قاله الحسن .
الرابع : ما استدق منها ، قاله الربيع بن أنس .
ووقوف الملائكة على أرجائها لما يؤمرون به فيهم من جنة أو نار .
{ ويَحْمِلُ عَرْشَ ربِّك فوقهم يَومئذٍ ثمانيةُ } يعني أن العرش فوق الثمانية وفيهم ثلاثة أقاويل :
أحدها : ثمانية أملاك من الملائكة ، قاله العباس بن عبد المطلب .
الثاني : ثمانية صفوف من الملائكة ، قاله ابن جبير .
الثالث : ثمانية أجزاء من تسعة ، وهم الكروبيون ، قاله ابن عباس ، وروى أبو هريرة قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : « يحمله اليوم أربعة ، وهم يوم القيامة ثمانية » .
وفي قوله { فوقهم } ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم يحملون العرش فوق رؤوسهم .
الثاني : أن حملة العرش فوق الملائكة الذين على أرجائها .
الثالث : أنهم فوق أهل القيامة .
{ يومئذٍ تُعْرَضونَ } يعني يوم القيامة ، روى الحسن عن أبي موسى قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات ، أما عرضتان فجدال ومعاذير ، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف من الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله »
{ لا تَخْفَى منكم خافيةٌ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : لا يخفى المؤمن من الكافر ، ولا البر من الفاجر ، قاله عبد اللَّه بن عمرو بن العاص .
الثاني : لا تستتر منكم عورة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « يحشر الناس حفاة عراة »
الثالث : أن خافية بمعنى خفيّة كانوا يخفونها من أعمالهم حكاه ابن شجرة .

(4/317)


فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)

{ فأمّا مَنْ أُوتي كتابَه بيمينه } لأن إعطاء الكتاب باليمين دليل على النجاة .
{ فيقول هاؤم اقْرَؤوا كِتابيهْ } ثقة بسلامته وسروراً بنجاته ، لأن اليمين عند العرب من دلائل الفرج ، والشمال من دلائل الغم ، قال الشاعر :
أبيني أفي يُمْنَى يديكِ جَعَلْتِني ... فأفرح أم صيرتني من شِمالِك
وفي قوله « هاؤمُ » ثلاثة أوجه :
أحدها : بمعنى هاكم اقرؤوا كتابيه فأبدلت الهمزة من الكاف ، قاله ابن قتيبة .
الثاني : أنه بمعنى هلموا اقرؤوا كتابيه ، قال الكسائي : العرب تقول للواحد هاءَ وللاثنين هاؤما وللثلاثة هاؤم .
الثالث : أنها كلمة وضعت لإجابة الداعي عند النشاط والفرح روي أن أعرابياً نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوت عالٍ فأجابه هاؤم بطول صوته .
والهاء من « كتابيه » ونظائرها موضوعة للمبالغة ، وذكر الضحاك أنها نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد .
{ إني ظننتُ أني مُلاقٍ حِسابِيَهْ } فيه وجهان :
أحدهما : أي علمت ، قال الضحاك : كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين ، ومن الكافر فهو شك ، وقال مجاهد : ظن الآخرة يقين ، وظن الدنيا شك .
الثاني : ما قاله الحسن في هذه الآية ، أن المؤمن أحْسن بربه الظن ، فأحسن العمل ، وأن المنافق أساء بربه الظن فأساء العمل .
وفي الحساب ها هنا وجهان :
أحدهما : في البعث .
الثاني : في الجزاء .
{ فهو في عِيشَةٍ راضيةٍ } بمعنى مَرْضيّة ، قال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري يرفعانه : إنهم يعيشون فلا يموتون أبداً ، ويصحّون فلا يمرضون أبداً ، ويتنعمون فلا يرون بؤساً أبداً ، ويشبّون فلا يهرمون أبداً .
{ في جنة عالية } يحتمل وجهين :
أحدهما : رفيعة المكان .
الثاني : عظيمة في النفوس .
{ قطوفها دانيةٌ } يحتمل وجهين :
أحدهما : دانية من الأيدي يتناولها القائم والقاعد .
الثاني : دانية الإدراك لا يتأخر حملها ولا نضجها .

(4/318)


وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37)

{ وأمّا من أُوتي كتابه بشماله } يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه كان يقول ذلك راجياً .
الثاني : أنه كان مستوراً فافتضح ، ومن عادة العرب أن تفرق بين القبول والرد وبين الكرامة والهوان ، باليمين والشمال ، فتجعل اليمين بشيراً بالقبول والكرامة ، وتجعل الشمال نذيراً بالرد والهوان .
{ ولم أَدْرِ ما حِسابِيَهْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : لما شاهد من كثرة سيئاته وكان يظنها قليلة ، لأنه أحصاه اللَّه ونسوه .
الثاني : لما رأى فيه من عظيم عذابه وأليم عقابه .
{ يَا لَيْتَها كانت القاضيةَ } فيه وجهان :
أحدهما : يعني موتاً لا حياة فيه بعدها ، قاله الضحاك .
الثاني : أنه تمنى أن يموت في الحال ، ولم يكن في الدنيا أكره إليه من الموت ، قاله قتادة .
{ ما أغْنَى عَنيِّ مالِيَهْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن كثرة ماله في الدنيا لم يمنع عنه في الآخرة .
الثاني : لأن رغبته في زينة الدنيا وكثرة المال هو الذي ألهاه عن الآخرة . { هَلَكَ عني سُلْطانِيَهْ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه ضللت عن حُجّتي ، قاله مجاهد وعكرمة والسدي والضحاك .
الثاني : سلطانه الذي تسلط به على بدنه حتى أقدم به على معصيته ، وهذا معنى قول قتادة .
الثالث : أنه كان في الدنيا مطاعاً في أتباعه ، عزيزاً في امتناعه ، وهذا معنى قول الربيع بن أنس .
وحكي أن هذا في أبي جهل بن هشام ، وذكر الضحاك أنها نزلت في الأسود ابن عبد الأسد .
{ فليس له اليومَ ها هنا حَميمٌ } الحميم : القريب ، ومعناه ليس له قريب ينفعه ويدفع عنه كما كان يفعل معه في الدنيا .
{ ولا طعامٌ إلا مِنْ غِسْلين } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه غسالة أطرافهم ، قاله يحيى بن سلام ، قال الأخفش :
هو فعلين من الغسل .
الثاني : أنه صديد أهل النار ، قاله ابن عباس .
الثالث : أنه شجرة في النار هي أخبث طعامهم ، قاله الربيع بن أنس .
الرابع : أنه الحار الذي قد اشتد نضجه ، بلغة أزد شنوءة .

(4/319)


فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43)

{ فلا أُقْسِمُ بما تُبصِرون } قال مقاتل : سبب ذلك أن الوليد بن المغيرة قال :
إن محمداً ساحر ، وقال أبو جهل : إنه شاعر ، وقال عقبة بن معيط : إنه كاهن فقال اللَّه تعالى قسماً على كذبهم « فلا أُقْسِم » أي أقسم ، و « لا » صلة زائدة .
{ وَما لا تُبْصِرونَ } فيه وجهان :
أحدهما : بما تبصرون من الخلق وما لا تبصرون من الخلق ، قاله مقاتل .
الثاني : أنه رد لكلام سبق أي ليس الأمر كما يقوله المشركون .
ويحتمل ثالثاً : بما تعلمون وما لا تعلمون ، مبالغة في عموم القسم .
{ إنه لَقْولُ رسولٍ كريمٍ } فيه قولان :
أحدهما : جبريل ، قاله الكلبي ومقاتل .
الثاني : رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، قال ابن قتيبة : وليس القرآن من قول الرسول ، إنما هو من قول اللَّه وإبلاغ الرسول ، فاكتفى بفحوى الكلام عن ذكره .

(4/320)


وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)

{ ولو تَقوَّل علينا بَعْضَ الأقاويل } أي تكلّف علينا بعض الأكاذيب ، حكاه عن كفار قريش أنهم قالوا ذلك في النبي صلى الله عليه وسلم .
{ لأخْذنا منه باليمين } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : لأخذنا منه قوّته كلها ، قاله الربيع .
الثاني : لأخذنا منه بالحق ، قاله السدي والحكم ، ومنه قول الشاعر :
إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لمجدٍ ... تَلَقّاها عَرابةُ باليَمينِ
أي بالاستحقاق .
الثالث : لأخذنا منه بالقدرة ، قاله مجاهد .
الرابع : لقطعنا يده اليمنى ، قاله الحسن .
الخامس : معناه لأخذنا بيمينه إذلالاً له واستخفافاً به ، كما يقال لما يراد به الهوان ، خذوا بيده ، حكاه أبو جعفر الطبري .
{ ثم لَقَطَعْنا مِنه الوَتينَ } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه نياط القلب ويسمى حبل القلب ، وهو الذي القلب معلق به ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه القلب ومراقّه وما يليه ، قاله محمد بن كعب .
الثالث : أنه الحبل الذي في الظهر ، قاله مجاهد .
الرابع : أنه عرق بين العلباء والحلقوم ، قاله الكلبي .
وفي الإشارة إلى قطع ذلك وجهان :
أحدهما : إرادة لقتله وتلفه ، كما قال الشاعر :
إذا بَلَّغْتِني وَحَمَلْتِ رحْلي ... عرابة فاشربي بدَمِ الوَتينِ
الثاني : ما قاله عكرمة أن الوَتين إذا قطع لا إن جاع عَرَق ، ولا إن شبع عَرَقَ .
{ وإنه لتَذْكرةٌ للمُتّقِينَ } يعني القرآن ، وفي التذكرة أربعة أوجه :
أحدها : رحمة .
الثاني : ثَبات .
الثالث : موعظة .
الرابع : نجاة .
{ وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ منكم مُكذِّبينَ } قال الربيع : يعني بالقرآن .
{ وإنّه } يعني القرآن .
{ لَحسْرةٌ على الكافرين } يعني ندامة يوم القيامة .
ويحتمل وجهاً ثانياً : أن يزيد حسرتهم في الدنيا حين لم يقدروا على معارضته عند تحدّيهم أن يأتوا بمثله .
{ وإنّه لَحقُّ اليقينِ } فيه وجهان :
أحدهما : أي حقاً ويقيناً ليكونن الكفر حسرة على الكافرين يوم القيامة ، قاله الكلبي .
الثاني : يعني القرآن عند جميع الخلق أنه حق ، قال قتادة : إلا أن المؤمن أيقن به في الدنيا فنفعه ، والكافر أيقن به في الآخرة فلم ينفعه .
{ فَسَبِّحْ باسْمِ ربِّكَ العظيم } فيه وجهان :
أحدهما : فصلِّ لربك ، قاله ابن عباس .
الثاني : فنزهه بلسانك عن كل قبيح .

(4/321)


سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7)

قوله تعالى : { سأَل سائلٌ } قرأه الجمهور بهذين الحرفين في سأل سائل ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه استخبر مستخبر عن العذاب متى يقع ، على التكذيب .
الثاني : دعا داع أن يقع البلاء بهم على وجه الاستهزاء ، قاله مجاهد .
الثالث : طلب طالب .
{ بعذابٍ واقعٍ } وفي هذا الطالب ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهالنضر بن الحارث ، وكان صاحب لواء المشركين يوم بدر ، وقد سأل ذلك في قوله { اللهم إن كان هذا هو الحقَ من عندك فأمطِرْ علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } [ الأنفال : 32 ] قاله ابن عباس ومجاهد .
الثاني : أنه أبو جهل : وهو القائل لذلك ، قاله ربيع بن أبي حمزة .
الثالث : أنه قول جماعة من قريش .
وفي هذا العذاب قولان :
أحدهما : أنه العذاب في الآخرة ، قاله مجاهد .
الثاني : أنها نزلت بمكة وعذابه يوم بدر بالقتل والأسر ، قاله السدي .
وقرأ نافع وزيد بن أسلم وابنه « سأل سايل » غير مهموز ، وسايل واد في جهنم ، وسمي بذلك لأنه يسيل بالعذاب .
{ مِن اللَّهِ ذي المعارج } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : ذي الدرجات ، قاله ابن عباس .
الثاني : ذي الفواضل والنعم ، قاله قتادة .
الثالث : ذي العظمة والعلاء .
الرابع : ذي الملائكة ، لأنهم كانوا يعرجون إليه ، قاله قتيبة .
الخامس : أنها معارج السماء ، قاله مجاهد .
{ تَعْرُجُ الملائكةُ والروحُ إليه } أي تصعد ، وفي الروح ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه روح الميت حين يقبض ، قاله قَبيصة بن ذؤيب ، يرفعه .
الثاني : أنه جبريل ، كما قال تعالى : « نزل به الروح الأمين » .
الثالث : أنه خلق من خلق اللَّه كهيئة الناس وليس بالناس ، قاله أبو صالح .
{ في يوم كان مِقدارُه خمسينَ ألْفَ سنةٍ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه يوم القيامة ، قاله محمد بن كعب والحسن .
الثاني : أنها مدة الدنيا ، مقدار خمسين ألف سنة ، لا يدري أحد كم مضى وكم بقي إلا اللَّه ، قاله عكرمة .
الثالث : أنه مقدار مدة الحساب في عرف الخلق أنه لو تولى بعضهم محاسبة بعض لكان مدة حسابهم خمسين ألف سنة ، إلا أن اللَّه تعالى يتولاه في أسرع مدة .
وروى معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « يحاسبهم اللَّه بمقدار ما بين الصلاتين ولذلك سمى نفسه سريع الحساب ، وأسرع الحاسبين » .
{ فاصْبِرْ صَبْراً جَميلاً } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أنه الصبر الذي ليس فيه جزع ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه الصبر الذي لا بث فيه ولا شكوى .
الثالث : أنه الانتظار من غير استعجال ، قاله ابن بحر .
الرابع : أنه المجاملة في الظاهر ، قاله الحسن .
وفيما أُمر بالصبر عليه قولان :
أحدهما : أُمر بالصبر على ما قذفه المشركون من أنه مجنون وأنه ساحر وأنه شاعر ، قاله الحسن .
الثاني : أنه أُمر بالصبر على كفرهم ، وذلك قبل أن يفرض جهادهم ، قاله ابن زيد .
{ إنهم يَرَوْنه بعيداً } فيه قولان :
أحدهما : أنه البعث في القيامة .
الثاني : عذاب النار .
وفي المراد بالبعيد وجهان :
أحدهما : مستحيل غير كائن .
الثاني : استبعاد منهم للآخرة .
{ ونراه قريباً } أي كائناً ، لأن ما هو كائن قريب .

(4/322)


يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18)

{ يومَ تكونُ السّماءُ كالمُهْلِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : كدرديّ الزيت ، قاله ابن عباس .
الثاني : كمذاب الرصاص والنحاس والفضلة ، قاله ابن مسعود .
الثالث : كقيح من دم ، قاله مجاهد .
{ وتكونُ الجبالُ كالعِهْنِ } يعني كالصوف المصبوغ ، والمعنى أنها تلين بعد الشدة ، وتتفرق بعد الاجتماع .
{ يُبْصّرُونَهم } فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنه يبصر بعضهم بعضاً فيتعارفون ، قاله قتادة .
الثاني : أن المؤمنين يبصرون الكافرين ، قاله مجاهد .
الثالث : أن الكافرين يبصرون الذين أضلوهم في النار ، قاله ابن زيد .
الرابع : أنه يبصر المظلوم ظالمه ، والمقتول قاتله .
{ يَوَدّ المجْرِمُ } فيه وجهان :
أحدهما : يحب .
الثاني : يتمنى ، والمجرم هو الكافر .
{ لو يَفْتَدِي مِن عَذابِ يومِئذ } يعني يفتدي من عذاب جهنم بأعز من كان عليه في الدنيا من أقاربه ، فلا يقدر .
ثم ذكرهم فقال : { ببنيه } .
{ وصاحبته } يعني زوجته : { وأخيه } .
{ وفصيلته } فيه وجهان :
أحدهما : عشيرته التي تنصره ، قاله ابن زيد .
الثاني : أنها أمه التي تربيه ، قاله مالك ، وقال أبو عبيدة : الفصيلة دون القبيلة .
{ التي تؤويه } فيه وجهان :
أحدهما : التي يأوي إليها في نسبه ، قاله الضحاك .
الثاني : يأوي إليها في خوفه .
{ كلا إنها لَظَى } فيه وجهان :
أحدهما : أنها اسم من أسماء جهنم ، سميت بذلك لأنها التي تتلظى ، وهو اشتداد حرها .
الثاني : أنه اسم الدرك الثامن في جهنم ، قاله الضحاك .
{ نَزّاعة للشّوَى } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : أنها أطراف اليدين والرجلين ، قاله أبو صالح ، قال الشاعر :
إذا نَظَرْتَ عَرَفْت الفخر منها ... وعَيْنيها ولم تعْرِفْ شَواها .
الثاني : قال الضحاك : هي جهنم تفري اللحم والجلد عن العظم ، وقال مجاهد : جلدة الرأس ومنه قول الأعشى :
قالت قُتَيْلَةُ ما لَه ... قد جُلِّلَتْ شيْباً شَواتهُ .
الثالث : أنه العصب والعقب ، قاله ابن جبير .
الرابع : أنه مكارم وجهه ، قاله الحسن .
الخامس : أنه اللحم والجلد الذي على العظم ، لأن النار تشويه ، قاله الضحاك .
{ تَدْعو مَنْ أَدْبَرَ وتَوَلّى } وفي دعائها ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها تدعوهم بأسمائهم فتقول للكافر : يا كافر إليّ ، وللمنافق : يا منافق إليّ ، قاله الفراء .
الثاني : أن مصير من أدبر وتولى إليها ، فكأنها الداعية لهم ، ومثله قول الشاعر :
ولقد هَبَطْنا الوادِيَيْن فوادياً ... يَدْعو الأنيسَ به العَضيضُ الأبكمُ .
العضيض الأبكم : الذباب ، وهو لا يدعو وإنما طنينه ينبه عليه ، فدعا إليه .
الثالث : الداعي خزنة جهنم أضيف دعاؤهم إليها ، لأنهم يدعون إليها .
وفي ما { أدبر وتولى } عنه أربعة أوجه :
أحدها : أدبر عن الطاعة وتولى عن الحق ، قاله مجاهد .
الثاني : أدبر عن الإيمان وتولى إلى الكفر ، قاله مقاتل .
الثالث : أدبر عن أمر اللَّه وتولى عن كتاب اللَّه ، قاله قتادة .
الرابع : أدبر عن القبول وتولى عن العمل .
{ وجَمَع فأوْعَى } يعني الذي أدبر وتولى جمع المال فأوعى ، بأن جعله في وعاء حفظاً له ومنعاً لحق اللَّه منه ، قال قتادة : فكان جموعاً منوعاً .

(4/323)


إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35)

{ إنّ الإنسانَ خُلِقَ هَلُوعاً } قال الضحاك والكلبي : يعني الكافر . وفي الهلوع ستة أوجه :
أحدها : أنه البخيل ، قاله الحسن .
الثاني : الحريص ، قاله عكرمة .
الثالث : الضجور ، قاله قتادة .
الرابع : الضعيف ، رواه أبو الغياث .
الخامس : أنه الشديد الجزع ، قاله مجاهد .
السادس : أنه الذي قاله الله تعالى فيه : { إذا مسّه الشرُّ . . . } الآية ، قاله ابن ابن عباس .
وفيه وجهان :
أحدهما : إذا مسه الخير لم يشكر ، وإذا مسه الشر لم يصبر ، وهو معنى قول عطية .
الثاني : إذا استغنى منع حق اللَّه وشح ، وإذا افتقر سأل وألح ، وهو معنى قول يحيى بن سلام .
{ الذين هُمْ على صَلاتِهم دائمونَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يحافظون على مواقيت الفرض منها ، قاله ابن مسعود .
الثاني : يكثرون فعل التطوع منها ، قاله ابن جريج .
الثالث : لا يلتفتون فيها ، قاله عقبة بن عامر .
{ والذين هم لأماناتِهم وعَهْدِهم راعُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : أن الأمانة ما ائتمنه الناس عليه أن يؤديه إليهم ، والعهد : ما عاهد الناس عليه أن يَفيَ لهم به ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : أن الأمانة الزكاة أن يؤديها ، والعهد : الجنابة أن يغتسل منها وهو معنى قول الكلبي .
ويحتمل ثالثاً : أن الأمانة ما نهي عنه من المحظورات ، والعهد ما أمر به من المفروضات .
{ والذين هُم بشهاداتِهم قائمونَ } فيه وجهان :
أحدهما : أنها شهادتهم على أنبيائهم بالبلاغ ، وعلى أممهم بالقبول أو الامتناع .
الثاني : أنها الشهادات في حفظ الحقوق بالدخول فيها عند التحمل ، والقيام بها عند الأداء .
ويحتمل ثالثاً : أنهم إذا شاهدوا أمراً أقاموا الحق للَّه تعالى فيه ، من معروف يفعلونه ويأمرون به ، ومنكر يجتنبونه وينهون عنه .

(4/324)


فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (39) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44)

{ فما للذين كَفَروا قِبلَكَ مُهْطِعينَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : مسرعين ، قاله الأخفش ، قال الشاعر :
بمكةَ دارُهم ولقد أراهم ... بمكةَ مُهطِعين إلى السماع
الثاني : معرضين ، قاله عطية العوفي .
الثالث : ناظرين إليك تعجباً ، قاله الكلبي .
{ عن اليمين وعن الشِّمال عِزِينَ } فيه خمسة أوجه :
أحدها : متفرقين ، قاله الحسن ، قال الراعي :
أخليفةَ الرحمنِ إن عشيرتي ... أمسى سَراتُهُمُ إليك عِزينا .
الثاني : محتبين ، قال مجاهد .
الثالث : أنهم الرفقاء والخلطاء ، قاله الضحاك .
الرابع : أنهم الجماعة القليلة ، قاله ابن أسلم .
الخامس : أن يكونوا حِلقاً وفرقاً .
روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم حِلَق فقال : « ما لي أراكم عزين » قال الشاعر :
ترانا عنده والليل داج ... على أبوابه حِلقاً عِزينا .
{ يوم يَخْرجون من الأجداثِ سِراعاً } يعني من القبور .
{ كأنهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ } في « نصب » قراءتان : إحداهما بتسكين الصاد ، والأخرى بضمها .
وفي اختلافهما وجهان :
أحدهما : معناهما واحد ، قاله المفضل وطائفة ، فعلى هذا في تأويله أربعة أوجه :
أحدها : معناه إلى علم يستبقون ، قاله قتادة .
الثاني : إلى غايات يستبقون ، قاله أبو العالية .
الثالث : إلى أصنامهم يسرعون ، قاله ابن زيد ، وقيل إنها حجارة طوال كانوا يعبدونها .
الرابع : إلى صخرة بيت المقدس يسرعون .
والوجه الثاني من الأصل أن معنى القراءتين مختلف ، فعلى هذا في اختلافهما وجهان :
أحدهما : أن النُّصْب بالتسكين الغاية التي تنصب إليها بصرك ، والنُّصُب بالضم واحد الأنصاب ، وهي الأصنام ، قاله أبو عبيدة ومعنى « يوفضون » يسرعون ، والإيفاض الإسراع ، ومنه قول رؤبة :
يمشين بنا الجد على الإيفاض ... بقطع أجواز الفلا انفضاض .

(4/325)


إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4)

قوله عز وجل : { إنا أَرْسَلْنا نُوحاً إلى قَوْمِه } روى قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أول نبي أُرسل نوح » قال قتادة : بعث من الجزيرة .
واختلف في سنه حين بعث :
قال ابن عباس : بعث وهو ابن أربعين سنة .
وقال عبد اللَّه بن شداد : بعث وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة .
وقال إبراهيم بن زيد : إنما سمي نوحاً لأنه كان ينوح على نفسه في الدنيا .
{ أنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أن يأتيَهم عَذابٌ أَليمٌ } فيه وجهان :
أحدهما : يعني عذاب النار في الآخرة ، قاله ابن عباس .
الثاني : عذاب الدنيا ، وهو ما ينزل عليهم بعد ذلك من الطوفان ، قاله الكلبي ، وكان يدعو قومه وينذرهم فلا يرى منهم مجيباً ، وكانوا يضربونه حتى يغشى عليه ، فيقول : رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .
{ يَغْفِرْ لكم مِن ذُنوبكم } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن « من » صلة زائدة ، ومعنى الكلام يغفر ذنوبكم ، قاله السدي .
الثاني : أنها ليست صلة ، ومعناه يخرجكم من ذنوبكم ، قاله زيد بن أسلم .
الثالث : معناه يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها ، قاله ابن شجرة .
{ ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسمى } يعني إلى موتكم وأجلكم الذي خط لكم ، فيكون موتكم بغير عذاب إن آمنتم .
{ إنّ أَجَلَ اللَّه إذا جاءَ لا يُؤخَّرُ لو كنتم تَعْلَمونَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني بأجل اللَّه الذي لا يؤخر يوم القيامة ، جعله اللَّه أجلاً للبعث ، قاله الحسن .
الثاني : يعني أجل الموت إذا جاء لم يؤخر ، قاله مجاهد .
الثالث : يعني أجل العذاب إذا جاء لا يؤخر ، قاله السدي .
وفي قوله : « لو كنتم تعلمون » وجهان :
أحدهما : أن ذلك بمعنى إن كنتم تعلمون .
الثاني : لو كنتم تعلمون لعلمتم أن أجل اللَّه إذا جاء لا يؤخر ، قاله الحسن .

(4/326)


قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20)

{ قال رَبِّ إنّي دَعَوْتُ قَوْمي ليلاً ونهاراً } فيه وجهان :
أحدهما : دعوتهم ليعبدوك ليلاً ونهاراً .
الثاني : دعوتهم ليلاً ونهاراً إلى عبادتك .
{ فلم يَزدْهم دُعائي إلاّ فِراراً } يحتمل وجهين :
أحدهما : إلا فراراً من طاعتك .
الثاني : فراراً من إجابتي إلى عبادتك .
قال قتادة : بلغنى أنه كان يذهب الرجل بابنه إلى نوح ، فيقول لابنه : احذر هذا لا يغرنك فإن أبي قد ذهب بي غليه وأنا مثلك ، فحذرني كما حذرتك .
{ وإنِّي كلما دَعَوْتُهم لِتَغَفِرَ لهم } يعني كلما دعوتهم إلى الإيمان لتغفر لهم ما تقدم من الشرك .
{ جعلوا أصابعهم في آذانهم } لئلا يسمعوا دعاءه ليؤيسوه من إجابة ما لم يسمعوه ، قال محمد بن إسحاق : كان حليماً صبوراً .
{ واستغْشَوا ثيابَهم } أي عطوا رؤسهم وتنكروا لئلا يعرفهم .
{ وأَصَرُّوا } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنه إقامتهم على الكفر ، قال قتادة : قدماً قدماً في معاصي اللَّه لالتهائهم عن مخافة اللَّه حتى جاءهم أمر اللَّه .
الثاني : الإصرار : أن يأتي الذنب عمداً ، قاله الحسن .
الثالث : معناه أنهم سكتوا على ذنوبهم فلم يستغفروا قاله السدي .
{ واستكْبَروا استكباراً } فيه وجهان :
أحدهما : أن ذلك كفرهم باللَّه وتكذيبهم لنوح ، قاله الضحاك .
الثاني : أن ذلك تركهم التوبة ، قاله ابن عباس ، وقوله « استبكارا » تفخيم .
{ ثم إنّي دَعْوتُهم جِهاراً } أي مجاهرة يرى بعضهم بعضاً .
{ ثم إني أعْلَنْتُ لهم } يعني الدعاء ، قال مجاهد : معناه صِحْتُ .
{ وأسَرَرْتُ لهم إسْراراً } الدعاء عن بعضهم من بعض ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه دعاهم في وقت سراً ، وفي وقت جهراً .
الثاني : دعا بعضهم سراً وبعضهم جهراً ، وكل هذا من نوح مبالغة في الدعاء وتلطفاً في الاستدعاء .
{ فقلتُ استغْفِروا ربّكم إنّه كان غَفّاراً } وهذا فيه ترغيب في التوبة ، وقد روى حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الاستغفار ممحاة للذنوب » .
وقال : الفضيل : يقول العبد استغفر اللَّه ، قال : وتفسيرها أقلني .
{ يُرْسِلِ السماءَ عليكم مِدْراراً } يعني غيثاً متتابعاً ، وقيل إنهم كانوا قد أجدبوا أربعين سنة ، حتى أذهب الجدب أموالهم وانقطع الولد عن نسائهم ، فقال ترغيباً في الإيمان .
{ ويُمْدِدْكم بأموالٍ وبنينَ ويَجْعَل لكم جَنّاتٍ ويَجْعَل لكم أنهاراً } قال قتادة :
علم نبي اللَّه نوح أنهم أهل حرص على الدنيا ، فقال هلموا إلى طاعة اللَّه فإن من طاعته درك الدنيا والآخرة .
{ ما لكم لا ترجون للَّه وقاراً } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : ما لكم لا تعرفون للَّه عظمة ، قاله مجاهد ، وعكرمة .
الثاني : لا تخشون للَّه عقاباً وترجون منه ثواباً ، قاله ابن عباس في رواية ابن جبير .

(4/327)


الثالث : لا تعرفون للَّه حقه ولا تشكرون له نعمه ، قاله الحسن .
الرابع : لا تؤدون للَّه طاعة ، قاله ابن زيد .
الخامس : أن الوقار الثبات ، ومنه قوله تعالى : { وقرن في بيوتكن } [ الأحزاب : 33 ] أي اثبتن ، ومعناه لا تثبتون وحدانية اللَّه وأنه إلهكم الذي لا إله لكم سواه ، قال ابن بحر : دلهم على ذلك فقال : { وقد خلقكم أطواراً } في وجهان :
أحدهما : يعني طوراً نطفة ، ثم طوراً علقة ، ثم طوراً مضغة ، ثم طوراً عظماً ، ثم كسونا العظام لحماً ، ثم أنشأناه خلقاً آخر أنبتنا له الشعر وكملت له الصورة ، قاله قتادة .
الثاني : أن الأطوار اختلافهم في الطول والقصر ، والقوة والضعف والهم والتصرف ، والغنى والفقر .
ويحتمل ثالثاً : أن الأطوار اختلافهم في الأخلاق والأفعال .
{ ألمْ تَروْا كيف خَلَق اللَّهُ سَبْعَ سمواتٍ طِباقاً } فيها قولان :
أحدهما : أنهن سبع سموات على سبع أرضين ، بين كل سماء وأرض خلق ، وهذا قول الحسن .
والثاني : أنهن سبع سموات طباقاً بعضهن فوق بعض ، كالقباب ، وهذا قول السدي .
{ وجَعَل القَمَرَ فيهنّ نُوراً } فيه قولان :
أحدهما : معناه وجعل القمر فيهن نوراً لأهل الأرض ، قاله السدي .
الثاني : أنه جعل القمر فيهن نوراً لأهل السماء والأرض ، قاله عطاء .
وقال ابن عباس : وجهه يضيء لأهل الأرض ، وظهره يضيء لأهل السماء .
{ وجَعَل الشّمْسَ سِراجاً } يعني مصباحاً لأهل الأرض ، وفي إضافته لأهل السماء القولان الأولان .
{ واللَّه أَنْبَتكُم مِنَ الأرضِ نَباتاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني آدم خلقه من أديم الأرض كلها ، قاله ابن جريج ، وقال خالد بن معدان : خلق الإنسان من طين ، فإنما تلين القلوب في الشتاء .
الثاني : أنبتهم من الأرض بالكبر بعد الصغر ، وبالطول بعد القصر ، قاله ابن بحر .
الثالث : أن جميع الخلق أنشأهم باغتذاء ما تنبته الأرض وبما فيها ، وهو محتمل .
{ ثم يُعيدُكم فيها } يعني أمواتاً في القبور .
{ ويُخْرِجُكم إخراجاً } لنشور بالبعث .
{ واللَّهُ جَعَل لكم الأرضَ بِساطاً } أي مبسوطة ، وفيه دليل على أنها مبسوطة .
{ لِتَسْلُكوا منها سُبُلاً فجاجاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : طرقاً مختلفة ، قاله ابن عباس .
الثاني : طرقاً واسعة ، قاله ابن كامل .
الثالث : طرقاًً أعلاماً ، قاله قتادة .

(4/328)


قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24)

{ قال نوحٌ ربِّ إنهم عَصَوْني } قال أهل التفسير : لبث فيهم ما أخبر الله به ألف سنة إلا خمسين عاماً داعياً لهم ، وهم على كفرهم وعصيانهم ، قال ابن عباس :
رجا نوح الأبناء بعد الآباء ، فيأتي بهم الولد بعد الولد حتى بلغوا سبعة قرون ، ثم دعا عليهم بعد الإياس منهم ، وعاش بعد الطوفان ستين سنة ، حتى كثر الناس وفشوا .
قال الحسن : كان قوم نوح يزرعون في الشهر مرتين .
{ واتّبَعوا مَنْ لم يَزِدْه مالُه ووَلدُه إلاّ خَساراً } قرىء ولده بفتح الواو وضمها ، وفيهما قولان :
أحدهما : أن الولد بالضم الجماعة من الأولاد ، والولد بالفتح واحد منهم ، قاله الأعمش ، قال الربيع بن زياد :
وإن تكَ حَرْبُكم أمست عواناً ... فإني لم أكُنْ مّمن جَناها
ولكن وُلْدُ سَوْدةَ أرَّثوها ... وحَشّوا نارها لمن اصطلاها
{ ومَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً } أي عظيماً ، والكبّار أشد مبالغة من كبير .
وفيه وجهان ، أحدهما : ما جعلوه للَّه من الصاحبة والولد ، قاله الكلبي .
الثاني : هو قول كبرائهم لأتباعهم : { وقالوا لا تَذَرُنَّ آلِهتكم ولا تَذَرُنَّ وَدّاً ولا سُواعاً } الآية ، قاله مقاتل .
وفي هذه الأصنام قولان :
أحدهما : أنها كانت للعرب لم يعبدها غيرهم ويكون معنى الكلام : كما قال قوم نوح لأتباعهم لا تذرن آلهتكم ، قالت العرب مثلهم لأولادهم وقومهم لا تذرنّ وداً ولا سُواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً ، ثم عاد الذكر بعد ذلك إلى قوم نوح .
واختلف في هذه الأسماء ، فقال عروة بن الزبير : اشتكى آدم وعنده بنوه ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر ، وكان ود أكبرهم وأبرهم به ، وقال غيره : إن هذه الأسماء كانت لرجال قبل قوم نوح ، فماتوا فحزن عليهم أبناؤهم حزناً شديداً ، فزين لهم الشيطان أن يصورهم لينظروا إليهم ففعلوا ، ثم عبدها أبناؤهم من بعدهم . وقال محمد بن كعب : كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح فحدث بعدهم من أخذ في العبادة مأخذهم ، فزين لهم إبليس أن يتصوروا صورهم ليتذكروا بها اجتهادهم ، ثم عبدها من بعدهم قوم نوح ، ثم انتقلت بعدهم إلى العرب فعبدها ولد إسماعيل .
فأما ود فهو أول صنم معبود ، سمي بذلك لودهم له ، وكان بعد قوم نوح لكلب بدومة الجندل من قول ابن عباس وعطاء ومقاتل ، وفيه يقول شاعرهم :
حيّاك ودٌّ فإنا لا يحل لنا ... لهْوُ النساءِ وإنّ الدينَ قد عزمَا .
وأما سواع فكان لهذيل بساحل البحر ، في قولهم ، وأما يغوث فكان لغطيف من مراد بالجوف من سبأ ، في قول قتادة ، وقال مقاتل : حي من نجران .
قال أبو عثمان النهدي : رأيت يغوث وكان من رصاص وكانوا يحملونه على جمل أجرد ، ويسيرون معه لا يهيجونه ، حتى يكون هو الذي يبرك فإذا برك نزلوا وقالوا : قد رضي لكم المنزل ، فيضربون عليه بناء وينزلون حوله .
وأما يعوق فكان لهمدان ببلخع ، في قول قتادة وعكرمة وعطاء .
وأما نسر فكان لذي الكلاع من حمير في قول عطاء ونحوه عن مقاتل .
{ وقد أَضَلّوُا كثيراً } فيه وجهان :
أحدهما : يريد أن هذه الأصنام قد ضل بها كثير من قومه .
الثاني : أن أكابر قومه قد أضلوا كثيراً من أصاغرهم وأتباعهم .
{ ولا تَزِدِ الظّالمينّ إلاَّ ضَلالاً } فيه وجهان :
أحدهما : إلا عذاباً ، قاله ابن بحر واستشهد بقوله تعالى :
{ إن المجرمين في ضَلالٍ وسُعُرٍ } [ القمر : 47 ] .
الثاني : إلا فتنة بالمال والولد ، وهو محتمل .

(4/329)


مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)

{ وقال نوحٌ ربِّ لا تَذَرْ على الأرضِ مِنَ الكافرين دَيّارا } اختلفوا في سبب دعاء نوح على قومه بهذا على قولين :
أحدهما : أنه لما نزلت عليه قوله تعالى : { لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن } [ هود : 36 ] دعا عليهم بهذا الدعاء ، قاله قتادة .
الثاني : أن رجلاً من قومه حمل ولده صغيراً على كتفه ، فمر بنوح ، فقال لابنه :
إحذر هذا فإنه يضلك فقال : يا أبت أنزلني فأنزله فرماه فشجّهُ ، فحينئذٍ غضب نوح ودعا عليهم .
وفي قوله { ديّاراً } وجهان :
أحدهما : أحداً ، قاله الضحاك .
الثاني : من يسكن الديار ، قاله السدي .
{ ربِّ اغْفِرْ لي ولوالدّيّ } فيه قولان :
أحدهما : أنه أراد أباه ، واسمه لمك ، وأمه واسمها منجل ، وكانا مؤمنين ، قاله الحسن .
الثاني : أنه أراد أباه وجده ، قاله سعيد بن جبير .
{ ولمن دَخَل بَيْتِيِ مُؤْمِناً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني صديقي الداخل إلى منزلي ، قاله ابن عباس .
الثاني : من دخل مسجدي ، قاله الضحاك .
الثالث : من دخل في ديني ، قاله جويبر .
{ وللمؤمنين والمؤمنات } فيه قولان :
أحدهما : أنه أراد من قومه .
الثاني : من جميع الخلق إلى قيام الساعة ، قاله الضحاك .
{ ولا تَزِدِ الظالمينَ } يعني الكافرين .
{ إلا تباراً } فيه وجهان :
أحدهما : هلاكاً .
الثاني : خساراً ، حكاهما السدي .

(4/330)


قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7)

قوله تعالى { قل أُوحِيَ إليَّ أنّه إسْتَمَعَ نَفَرٌ مِن الجنَّ } اختلف أهل التفسير في سبب حضور النفر من الجن إلى رسوله اللَّه صلى الله عليه وسلم لسماع القرآن على قولين :
أحدهما : أن الله تعالى صرفهم إليه بقوله : { وإذا صَرَفْنا إليك نفراً من الجن } [ الأحقاف : 29 ] ، قاله ابن مسعود والضحاك وطائفة .
الثاني : أنه كان للجن مقاعد في السماء الدنيا يستمعون منها ما يحدث فيها من أمور الدنيا ، فلما بعث اللًّه رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم حرست السماء الدنيا من الجن ورجموا بالشهب ، قال السدي : ولم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو أثر له ظاهر ، قال : فلما رأى أهل الطائف اختلاف الشهب في السماء قالوا : هلك أهل السماء فجعلوا يعتقون أرقاءهم ويسيبون مواشيهم ، فقال لهم عبد يا ليل بن عمرو : ويحكم أمسكوا عن أموالكم وانظروا إلى معالم النجوم ، فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها لم يهلك أهل السماء ، وإنما هذا من أجل ابن أبي كبشة يعني محمداً فلما رأوها مستقرة كفّواً .
وفزعت الجن والشياطين ، ففي رواية السدي أنهم أتوا إبليس فأخبروه بما كان من أمرهم ، فقال : ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمها فأتوها فشمها فقال : صاحبكم بمكة فبعث نفراً من الجن . .
وفي رواية ابن عباس : أنهم رجعوا إلى قومهم فقالوا : ما حال بيننا وبين السماء إلا أمر حدث في الأرض ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ، ففعلوا حتى أتوا تهامة ، فوجدوا محمداً صلى الله عليه وسلم يقرأ . ثم اختلفوا لاختلافهم في السبب ، هل شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الجن أم لا؟
فمن قال إنهم صرفوا إليه قال إنه رآهم وقرأ عليهم ودعاهم ، روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « قد أمرت أن أتلو القرآن على الجن فمن يذهب معي؟ فسكتوا ، ثم الثانية فسكتوا ، ثم الثالثة ، فقال ابن مسعود أنا أذهب معك ، فانطلق حتى جاء الحجون عند شعب أبي دُب ، فخط عليَّ خطاً ثم قال : لا تجاوزه ، ثم مضى إلى الحجون فانحدروا عليه أمثال الحجل حتى غشوة فلم أره » قال عكرمة : وكانوا اثني عشر ألفاً من جزيرة الموصل .
ومن قال إنهم صرفوا في مشارق الأرض ومغاربها لاستعلام ما حدث فيها ، قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرها .
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم علىلجن ولا رآهم ، وإنما انطلق في نفر من أصحابه إلى سوق عكاظ ، فأتوه وهو بنخلة عامداً ، إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن قالوا : هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء .

(4/331)


قال عكرمة : السورة التي كان يقرؤها { اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ } واختلف قائلوا هذا القول في عددهم ، فروى عاصم عن زر بن حبيش أنهم كانوا تسعة ، أحدهم زوبعة ، أتوه في بطن نخلة .
وروى ابن جريج عن مجاهد : أنهم كانوا سبعة ، ثلاثة من أهل حران ، وأربعة من أهل نصيبين ، وكانت أسماؤهم : حسى ومسى وماصر وشاصر والأرد وأتيان والأحقم .
وحكى جويبر عن الضحاك أنهم كانوا تسعة من أهل نصيبين قرية باليمن غير التي بالعراق ، وهم سليط وشاصر وماصر وحسا ومنشا ولحقم والأرقم والأرد وأتيان ، وهم الذين قالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً ، وكانوا قد أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخلة في صلاة الصبح فصلّوا معه : { فلما قضى ولّوْا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا أجيبوا داعي اللَّه وآمِنوا به } .
وقيل إن الجن تعرف الإنس كلها فلذلك توسوس إلى كلامهم .
واختلف في أصل الجن ، فروى إسماعيل عن الحسن البصري أن الجن ولد إبليس ، والإنس ولد آدم ، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون وهم شركاء في الثواب والعقاب فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمناً فهو ولي اللَّه ، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافراً فهو شيطان .
وروى الضحاك عن ابن عباس : أن الجن هم ولد الجان وليسوا شياطين وهم يموتون ، ومنهم المؤمن والكافر ، والشياطين هم ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس .
أصلهم ، فمن زعم أنهم من الجان لا من ذرية إبليس قال يدخلون الجنة بإيمانهم ، ومن قال هم من ذرية إبليس فلهم فيها قولان :
أحدهما : يدخلونها وهو قول الحسن .
الثاني : وهو رواية مجاهد ، لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار .
وفي قوله تعالى : { إنا سَمِعْنا قُرآنا عَجَباً } ثلاثة أوجه :
أحدها : عجباً في فصاحة كلامه .
الثاني : عجباً في بلاغة مواعظة .
الثالث : عجباً في عظم بركته .
{ يَهْدِي إلى الرُّشْدِ } فيه وجهان :
أحدهما : مراشد الأمور .
الثاني : إلى معرفة اللَّه .
{ وأنّه تَعالى جَدُّ ربّنا } فيه عشرة تأويلات :
أحدها : أمر ربنا ، قاله السدي .
الثاني : فعل ربنا ، قاله ابن عباس .
الثالث : ذكر ربنا ، وهو قول مجاهد .
الرابع : غنى ربنا ، قاله عكرمة .
الخامس : بلاء ربنا ، قاله الحسن .
السادس : مُلك ربنا وسلطانه ، قاله أبو عبيدة .
السابع : جلال ربنا وعظمته ، قاله قتادة .
الثامن : نعم ربنا على خلقه ، رواه الضحاك .
التاسع : تعالى جد ربنا أي تعالى ربُّنا ، قاله سعيد بن جبير .
العاشر : أنهم عنوا بذلك الجد الذي هو أبو الأب ، ويكون هذا من قول الجن عن [ جهالة ] .
{ وأنه كان يقولُ سَفيهُنا على اللَّهِ شَطَطاً } فيه قولان :
أحدهما : جاهلنا وهم العصاة منا ، قال قتادة : عصاه سفيه الجن كما عصاه سفيه الإنس .

(4/332)


الثاني : أنه إبليس ، قاله مجاهد وقتادة ورواه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ومن قوله : « شططاً » وجهان :
أحدهما : جوراً ، وهو قول أبي مالك .
الثاني : كذباً ، قاله الكلبي ، وأصل الشطط البعد ، فعبر به عن الجور لبعده من العدل ، وعن الكذب لبعده عن الصدق .
{ وأنّه كانَ رجالٌ من الإنسِ يَعُوذون برجالٍ من الجنِّ } قال ابن زيد : إنه كان الرجل في الجاهلية قبل الإسلام إذا نزل بواد قال : إني أعوذ بكبير هذا الوادي - يعني من الجن - من سفهاء قومه ، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم ، وهو معنى قوله : « وأنه كان رجال » .
وفي قوله : { فَزَادُوهم رَهقاً } ثمانية تأويلات :
أحدها : طغياناً ، قاله مجاهد .
الثاني : إثماً ، قاله ابن عباس وقتادة ، قال الأعشى :
لا شىءَ ينفعني مِن دُون رؤيتها ... هل يَشْتفي عاشقٌ ما لم يُصبْ رهَقاً .
يعني إثماً .
الثالث : خوفاً ، قاله أبو العالية والربيع وابن زيد .
الرابع : كفراً ، قاله سعيد بن جبير .
الخامس : أذى ، قاله السدي .
السادس : غيّاً ، قاله مقاتل .
السابع : عظمة ، قاله الكلبي .
الثامن : سفهاً ، حكاه ابن عيسى .

(4/333)


وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10)

{ وأنا لَمسْنا السّماءَ } فيه وجهان :
أحدهما : طلبنا السماءَ ، والعرب تعبر عن الطلب باللمس تقول جئت ألمس الرزق وألتمس الرزق .
الثاني : قاربنا السماء ، فإن الملموس مقارَب .
{ فوَجدْناها } أي طرقها .
{ مُلئتْ حَرَساً شديداً } هم الملائكة الغلاظ الشداد .
{ وشُهُباً } جمع شهاب وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم عند استراق السمع ، واختلف في انقضاضها في الجاهلية قبل مبعث الرسول الله صلى الله عليه وسلم على قولين :
أحدهما : أنها كانت تنقض في الجاهلية ، وإنما زادت بمبعث الرسول إنذاراً بحاله ، قال أوس بن حجر ، وهو جاهلي :
فانقضّ كالدُّرِّيِّ يَتْبَعهُ ... نقعٌ يثورُ تخالُهُ طُنُباً
وهذا قول الأكثرين .
الثاني : أن الانقضاض لم يكن قبل المبعث وإنما أحدثه الله بعده ، قال الجاحظ : وكل شعر روي فيه فهو مصنوع .
{ وأنّا كُنّا نَقْعُدُ منها مَقَاعِدَ للسّمْعِ } يعني أن مردة الجن كانوا يقعدون من السماء الدنيا مقاعد للسمع يستمعون من الملائكة أخبار السماء حتى يُلقوها إلى الكهنة فتجري على ألسنتهم ، فحرسها اللَّه حين بعث رسوله بالشهب المحرقة ، فقالت الجن حينئذٍ :
{ فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رَصَداً } يعني بالشهاب الكوكب المحرق ، والرصد من الملائكة .
أما الوحي فلم تكن الجن تقدر على سماعه ، لأنهم كانوا مصروفين عنه من قبل .
{ وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌ أُريدَ بمن في الأرضِ أمْ أرادَ بهم ربُّهم رَشَداً } فيه وجهان :
أحدهما : أنهم لا يدرون هل بعث الله محمداً ليؤمنوا به ويكون ذلك منهم رشداً ولهم ثواباً ، أم يكفروا به فيكون ذلك منهم شراً وعليهم عقاباً ، وهذا معنى قول السدي وابن جريج .
الثاني : أنهم لا يدرون حراسة السماء بالشهب هل شر وعذاب أم رشد وثواب ، قاله ابن زيد .

(4/334)


وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (12) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17)

{ وأنّا مِنّا الصّالحونَ } يعني المؤمنين .
{ ومنّا دون ذلك } يعني المشركين .
ويحتمل أن يريد بالصالحين أهل الخير ، وب « دون ذلك » أهل الشر ومن بين الطرفين على تدريج ، وهو أشبه في حمله على الإيمان والشرك لأنه إخبار منهم عن تقدم حالهم قبل إيمانهم .
{ كُنّا طَرائقِ قِدَداً } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني فِرقاً شتى ، قاله السدي .
الثاني : أدياناً مختلفة ، قاله الضحاك .
الثالث : أهواء متباينة ، ومنه قول الراعي :
القابض الباسط الهادي بطاعته ... في فتنة الناس إذ أهواؤهم قِدَدُ
{ وأنّا لّما سَمِعْنا الهُدَى آمَنّا به } يعني القرآن سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا به وصدقوه على رسالته ، وقد كان رسول الله مبعوثاً إلى الجن والإنس .
قال الحسن : بعث اللَّه محمداً إلى الإنس والجن ولم يبعث الله تعالى رسولاً من الجن ولا من أهل البادية ولا من النساء ، وذلك قوله تعالى : { وما أرسَلْنا مِن قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى } .
{ فمن يؤمن بربّه فلا يخافُ بخساً ولا رَهقاً } قال ابن عباس :
لا يخاف نقصاً في حسناته ، ولا زيادة في سيئاته ، لأن البخس النقصان ، والرهق : العدوان ، وهذا قول حكاه الله عن الجن لقوة إيمانهم وصحة إسلامهم ، وقد روى عمار بن عبد الرحمن عن محمد بن كعب قال : بينما عمر بن الخطاب جالساً ذات يوم إذ مرّ به رجل ، فقيل له : أتعرف المارّ يا أمير المؤمنين؟ قال : ومن هو؟ قالوا : سواد بن قارب رجل من أهل اليمن له شرف ، وكان له رئيّ من الجن ، فأرسل إليه عمر فقال له : أنت سواد بن قارب؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : وأنت الذي أتاك رئيّ من الجن يظهر لك؟ قال : نعم بينما أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان إذ أتاني رئي من الجن فضربني برجله وقال : قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالي واعقل إن كنت تعقل ، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته ، ثم أنشأ يقول :
عجبْتُ للجنّ وتطلابها ... وشدِّها العِيسَ بأذْنابها .
تهوي إلى مكة تبغي الهُدَى ... ما صادقُ الجن ككذّابها .
فارْحَلْ إلى الصفوةِ من هاشمٍ ... فليس قد أتاها كاذباً بها .
فقلت دعني أنام فإني أمسيت ناعساً ، ولم أرفع بما قاله رأساً ، فلما كان الليلة الثانية أتاني فضربني برجله ، وقال : قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى اللَّه وإلى عبادته ، ثم أنشأ يقول :
عجبْتُ للجنّ وتخيارها ... وشدِّها العيس بأكوارها .
تهوي إلى مكة تبغي الهدي ... ما مؤمن الجن ككفّارِها
فارحلْ إلى الصفوةِ من هاشمٍ ... ما بين رابيها وأحجارها .

(4/335)


فقلت له دعني فإني أمسيت ناعساً ، ولم أرفع بما قال رأساً ، فلما كان الليلة الثالثة أتاني وضربني برجله ، وقال قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل ، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته ، ثم أنشأ يقول :
عجبت للجن وتحساسها ... وشدِّها العيسَ بأحْلاسها .
تهوي إلى مكة تبغي الهُدي ... ما خَيِّرُ الجنّ كأنجاسها .
فارحلْ إلى الصفوة من هاشم ... واسم بيديْك إلى رأسها .
قال : فأصبحت قد امتحن الله قلبي بالإسلام ، فرحلتُ ناقتي فأتيت المدينة ، فإذا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فقلت اسمع مقالتي يا رسول اللَّه ، قال : هات ، فأنشأت أقول :
أتاني نجيّ بين هدءٍ ورقْدةٍ ... ولم يك فيما قد تلوْتُ بكاذبِ
ثلاث ليال قوله كل ليلةٍ ... أتاك رسولٌ من لؤيّ بن غالب
فشمّرتُ من ذيلي الإزار ووسطت ... بي الذملُ الوجناء بين السباسِب
فأشهَدُ أن اللَّه لا شيءَ غيرهُ ... وأنك مأمولٌ على كل غالبِ .
وأنك أدني المرسلين وسيلةً ... إلى اللَّه يا بن الأكرمين الأطايب .
فمُرنْا بما يأتيك يا خيرَ من مشى ... وإن كانَ فيما جاءَ شيبُ الذوائب .
وكن لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعةٍ ... سِواك بمغنٍ عن سوادِ بن قارب .
ففرح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه فرحاً شديداً ، حتى رئي الفرح في وجوههم ، قال : فوثب عمر فالتزمه وقال : قد كنت أشتهي أن أسمع منك هذا الحديث ، فهل يأتيك رئيك من الجن اليوم؟ قال : [ أما ] وقد قرأت القرآن فلا ، ونعم العوض كتاب اللَّه عن الجن .
{ وأنّا مِنّا المسْلِمونَ ومِنّا القاسِطونَ } وهذا إخبار عن قول الجن بحال من فيهم من مؤمن وكافر ، والقاسط : الجائر ، لأنه عادل عن الحق ، ونظيره الترِب والمُتْرِب ، فالترِب الفقير ، لأن ذهاب ماله أقعده على التراب ، والمترب الغني لأن كثرة ماله قد صار كالتراب .
وفي المراد بالقاسطين ثلاثة أوجه :
أحدها : الخاسرون ، قاله قتادة .
الثاني : الفاجرون ، قاله ابن زيد .
الثالث : الناكثون ، قاله الضحاك .
{ وأن لو استقاموا على الطريقة } ذكر ابن بحر أن كل ما في هذه السورة من « إن » المكسورة المثقلة فهو حكاية لقول الجن الذين استمعوا القرآن فرجعوا إلى قومهم منذرين ، وكل ما فيها من « أن » المفتوحة المخففة أو المثقلة فهو من وحي الرسول .
وفي هذه الاستقامة قولان :
أحدهما : أنها الإقامة على طريق الكفر والضلالة ، قاله محمد بن كعب وأبو مجلز وغيرهما .
الثاني : الاستقامة على الهدى والطاعة ، قاله ابن عباس والسدي وقتادة ومجاهد فمن ذهب إلى أن المراد الإقامة على الكفر والضلال فلهم في قوله { لأَسْقَيْناهم ماءً غَدَقاً } وجهان :
أحدهما : بلوناهم بكثرة الماء الغدق حتى يهلكوا كما هلك قوم نوح بالغرق ، وهذا قول محمد بن كعب .

(4/336)


الثاني : لأسقيناهم ماء غدق ينبت به زرعهم ويكثر مالهم .
{ لِنَفْتِنَهم فيه } فيكون زيادة في البلوى ، حكى السدي عن عمر في قوله « لأسقيناهم ماء غدقاً » أنه قال : حيثما كان الماء كان المال ، وحيثما كان المال كانت الفتنة ، فاحتملت الفتنة ها هنا وجهين :
أحدهما : افتننان أنفسهم .
الثاني : وقوع الفتنة والشر من أجله .
وأما من ذهب إلى أن المراد الاستقامة على الهدى والطاعة فلهم في تأويل قوله « لأسقيناهم ماءً غدقاً » أربعة أوجه :
أحدها : معناه لهديناهم الصراط المستقيم ، قاله ابن عباس .
الثاني : لأوسعنا عليهم في الدنيا ، قاله قتادة .
الثالث : لأعطيناهم عيشاً رغداً ، قاله أبو العالية .
الرابع : أنه المال الواسع ، لما فيه من النعم عليهم بحياة النفوس وخصب الزروع ، قاله أبو مالك والضحاك وابن زيد .
وفي الغدق وجهان :
أحدهما : أنه العذب المعين ، قاله ابن عباس ، قاله أمية بن أبي الصلت :
مِزاجُها سلسبيلٌ ماؤها غَدَقٌ ... عَذْبُ المذاقةِ لا مِلْحٌ ولا كدرٌ
الثاني : أنه الواسع الكثير ، قاله مجاهد ، ومنه قول كثير :
وهبتُ لسُعْدَى ماءه ونباته ... فما كل ذي وُدٍّ لمن وَدَّ واهبُ .
لتروى به سُعدى ويروى محلّها ... وتغْدقَ أعداد به ومشارب
فعلى هذا فيه وجهان :
أحدهما : أنه إخبار عن حالهم في الدنيا .
الثاني : أنه إخبار عن حالهم في الآخرة لنفتنهم فيه .
فإن قيل إن هذا وارد في أهل الكفر والضلال كان في تأويله ثلاثة أوجه :
أحدها : افتتان أنفسهم بزينة الدنيا .
الثاني : وقوع الفتنة والاختلاف بينهم بكثرة المال .
الثالث : وقوع العذاب بهم كما قال تعالى : { يوم هم على النار يُفْتًنون } [ الذاريات : 13 ] أي يعذبون .
وإن قيل إنه وارد في أهل الهدى والطاعة فهو على ما قدمنا من الوجهين .
وهل هو اختبارهم في الدنيا ففي تأويله ثلاثة أوجه :
أحدها : لنختبرهم به ، قاله ابن زيد .
الثاني : لنطهرهم من دنس الكفر .
الثالث : لنخرجهم به من الشدة والجدب إلى السعة والخصب .
فإن قيل إنه إخبار عمّا لهم في الآخرة ففي تأويله وجهان :
أحدهما : لنخلصهم وننجيهم ، مأخوذ من فَتَن الذهب إذا خلّصه مِن غشه بالنار كما قال تعالى لموسى عليه السلام : { وفَتَنّاك فُتوناً } [ طه : 40 ] أي خلصناك من فرعون . الثاني : معناه لنصرفنهم عن النار ، كما قال تعالى { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أَوْحَينْا إليك لتفْتري علينا غيره } [ الإسراء : 73 ] أي ليصرفونك { ومَنْ يُعْرِضْ عن ذِكْرِ ربِّه } قال ابن زيد : يعني القرآن وفي إعراضه عنه وجهان :
أحدهما : عن القبول ، إن قيل إنها من أهل الكفر .
الثاني : عن العمل ، إن قيل إنها من المؤمنين .
{ يَسْلُكْهُ عذاباً صَعَداً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه جب في النار ، قاله أبو سعيد .
الثاني : جبل في النار إذا وضع يده عليه ذابت ، وإذا رفعها عادت ، وهو مأثور ، وهذان الوجهان من عذاب أهل الضلال .
والوجه الثالث : أنه مشقة من العذاب يتصعد ، قاله مجاهد .

(4/337)


وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (24)

{ وأنَّ المساجدَ للَّهِ } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : يعني الصلوات للَّه ، قاله ابن شجرة .
الثاني : أنها الأعضاء التي يسجد عليها للَّه ، قاله الربيع .
الثالث : أنها المساجد التي هي بيوت اللَّه للصلوات ، قاله ابن عباس .
الرابع : أنه كل موضع صلى فيه الإنسان ، فإنه لأجل السجود فيه يسمى مسجداً .
{ فلا تَدْعُوا مع اللَّهِ أحَداً } أي فلا تعبدوا معه غيره ، وفي سببه ثلاثة أقاويل :
أحدها : ما حكاه الأعمش أن الجن قالت : يا رسول الله ائذن لنا نشهد معك الصلاة في مسجدك ، فنزلت هذه الآية .
الثاني : ما حكاه أبو جعفر محمد بن علّي أن الحمس من مشركي أهل مكة وهم كنانة وعامر وقريش كانوا يُلبّون حول البيت : لبيّك اللهم لبيّك ، لبيّك لا شريك لك ، إلا شريكاً هو لك ، تملكه وما ملك ، فأنزل اللَّه هذه الآية نهياً أن يجعل للَّه شريكاً ، وروى الضحاك عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المسجد قدّم رجله اليمنى وقال : « وأن المساجد للَّه فلا تدعوا مع اللَّه أحداً » اللهم أنا عبدك وزائرك ، وعلى كل مزور حق وأنت خير مزور فأسألك برحمتك أن تفك رقبتي من النار « وإذا خرج من المسجد قدم رجله اليسرى وقال : » اللهم صُبَّ الخير صبّاً ولا تنزع عني صالح ما أعطيتني أبداً ولا تجعل معيشتي كدّاً واجعل لي في الخير جداً « .
{ وأنه لما قام عبدُ اللَّهِ يدعوه } يعني محمداً ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه قام إلى الصلاة يدعو ربه فيها ، وقام أصحابه خلفه مؤتمين ، فعجبت الجن من طواعية أصحابه له ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه قام إلى اليهود داعياً لهم إلى اللَّه ، رواه ابن جريج .
{ كادوا يكونون عليه لِبَداً } فيه وجهان :
أحدهما : يعني أعواناً ، قاله ابن عباس .
الثاني : جماعات بعضها فوق بعض ، وهو معنى قول مجاهد ، ومنه اللبد لاجتماع الصوف بعضه على بعض ، وقال ذو الرمة :
ومنهلٍ آجنٍ قفرٍ مواردهُ ... خُضْرٍ كواكبُه مِن عَرْمَصٍ لَبِدِ .
وفي كونهم عليه لبداً ثلاثة أوجه :
أحدها : أنهم المسلمون في اجتماعهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ابن جبير . الثاني : أنهم الجن حين استمعوا من رسول اللَّه قراءته ، قاله الزبير بن العوام . الثالث : أنهم الجن والإنس في تعاونهم على رسول اللَّه في الشرك ، قاله قتادة .
{ قلْ إني لا أَمْلِكُ لكم ضَرّاً ولا رَشَداً } يعني ضراً لمن آمن ولا رشداً لمن كفر ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : عذاباً ولا نعيماً .
الثاني : موتاً ولا حياة .
الثالث : ضلالاً ولا هدى .
{ قل إني لن يُجيرَني مِنَ اللَّهِ أَحدٌ } روى أبو الجوزاء عن ابن مسعود قال : انطلقتُ مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليلة الجن حتى أتى الحجون فخط خطاً ثم تقدم عليهم فازدحموا عليه ، فقال سيد لهم يقال له وردان : أنا أزجلهم عنك ، فقال :

(4/338)


« إني لن يجيرني من اللَّه أحد »
ويحتمل وجهين :
أحدهما : لن يجيرني مع إجارة اللَّه لي أحد .
الثاني : لن يجيرني مما قدره الله علي أحد .
{ ولن أجدَ مِن دُونهِ مَلْتَحداً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني ملجأ ولا حرزاً ، قاله قتادة .
الثاني : ولياً ولا مولى ، رواه أبو سعيد .
الثالث : مذهباً ولا مسلكاً ، حكاه ابن شَجرة ، ومنه قول الشاعر :
يا لهفَ نفْسي ولهفي غيرُ مُجْديةٍ ... عني وما مِن قضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ .
{ إلا بلاغاً مِن اللَّه ورسالاتِه } فيه وجهان :
أحدهما : لا أملك ضراً ولا رشداً إلا أن أبلغكم رسالات اللَّه ، قاله الكلبي .
الثاني : لن يجيرني من الله أحد إن لم أبلغ رسالات اللَّه ، قاله مقاتل .
روى مكحول عن ابن مسعود : أن الجن بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة ، وكانوا سبعين ألفاً ، وفرغوا من بيعته عند انشقاق الفجر .

(4/339)


قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)

{ عالِمُ الغيْب } فيه أربعة أوجه :
أحدها : عالم السر ، قاله ابن عباس .
الثاني : ما لم تروه مما غاب عنكم ، قاله الحسن .
الثالث : أن الغيب القرآن ، قاله ابن زيد .
الرابع : أن الغيب القيامة وما يكون فيها ، حكاه ابن أبي حاتم .
{ فلا يُظْهِرُ على غيْبه أَحَداً ، إلا من ارتضى من رسول } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : إلا من ارتضى من رسول الله هو جبريل ، قاله ابن جبير .
الثاني : إلا من ارتضى من نبي فيما يطلعه عليه من غيب ، قاله قتادة .
{ فإنه يَسْلُكُ مِن بَيْن يَدَيْه ومِنْ خَلْفه رَصَداً } فيه قولان :
أحدهما : الطريق ، ويكون معناه فإنه يجعل له إلى علم بعض ما كان قبله وما يكون بعده طريقاً ، قاله ابن بحر .
الثاني : أن الرصد الملائكة ، وفيهم ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم حفظة يحفظون النبي صلى الله عليه وسلم من الجن والشياطين من أمامه وورائه ، قاله ابن عباس وابن زيد ، قال قتادة : هم أربعة .
الثاني : أنهم يحفظون الوحي فما جاء من الله قالوا إنه من عند الله ، وما ألقاه الشيطان قالوا إنه من الشيطان ، قاله السدي .
الثالث : يحفظون جبريل إذا نزل بالوحي من السماء أن يسمعه الجن إذا استرقوا السمع ليلقوه إلى كهنتهم قبل أن يبلغه الرسول إلى أمته ، قاله الفراء .
{ ليعْلَمَ أنْ قد أبْلَغوا رسالاتِ ربِّهم } فيه خمسة أوجه :
أحدها : ليعلم محمد أن قد بلغ جبريل إليه رسالات ربه ، قاله ابن جبير ، وقال : ما نزل جبريل بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة من الملائكة .
الثاني : ليعلم محمد أن الرسل قبله قد بلغت رسالات الله وحفظت ، قاله قتادة .
الثالث : ليعلم من كذب الرسل أن الرسل قد بلغت عن ربها ما أمرت به ، قاله مجاهد .
الرابع : ليعلم الجن أن الرسل قد بلغوا ما أنزل الله عليهم ، ولم يكونوا هم المبلغين باستراق السمع عليهم ، قاله ابن قتيبة .
الخامس : ليعلم الله أن رسله قد بلغوا عنه رسالاته ، لأنبيائه ، قاله الزجاج .
{ وأحاط بما لديهم } قال ابن جريج : أحاط علماً .
{ وأحْصى كُلَّ شيءٍ عَدَداً } يعني من خلقه الذي يعزب إحصاؤه عن غيره .

(4/340)


يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)

قوله تعالى : { يا أيها المزمِّلُ } قال الأخفش : أصله المتزمل فأدغم التاء في الزاي ، وكذا المدثر .
وفي أصل المزمل : قولان :
أحدهما : المحتمل ، يقال زمل الشيء إذا حمله ، ومنه الزاملة التي تحمل القماش .
الثاني : المزمل هو المتلفف ، قال امرؤ القيس :
كأن ثبيراً في عرائين وبْله ... كبيرُ أناسٍ في بجادٍ مُزَمّلِ .
وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يا أيها المزمل بالنبوة ، قاله عكرمة .
الثاني : بالقرآن ، قاله ابن عباس .
الثالث : بثيابه ، قاله قتادة .
قال إبراهيم : نزلت عليه وهو في قطيفة .
{ قُمِ الليلَ إلا قليلاً } يعني صلِّ الليل إلا قليلاً ، وفيه وجهان :
أحدهما : إلا قليلاً من أعداد الليالي لا تقمها .
الثاني : إلا قليلاً من زمان كل ليلة لا تقمه وقد كان فرضاً عليه .
وفي فرضه على مَنْ سواه من أُمّته قولان :
أحدهما : فرض عليه دونهم لتوجه الخطاب إليه ، ويشبه أن يكون قول سعيد ابن جبير .
الثاني : أنه فرض عيله وعليهم فقاموا حتى ورمت أقدامهم ، قاله ابن عباس وعائشة .
وقال ابن عباس : كانوا يقومون نحو قيامه في شهر رمضان ثم نسخ فرض قيامه على الأمة ، واختلف بماذا نسخ عنهم على قولين :
أحدهما : بالصلوات الخمس وهو قول عائشة .
الثاني : بآخر السورة ، قاله ابن عباس .
واختلفوا من مدة فرضه إلى أن نسخ على قولين :
أحدهما : سنة ، قال ابن عباس : كان بين أول المزمل وآخرها سنة .
الثاني : ستة عشر شهراً ، قالته عائشة ، فهذا حكم قيامه في فرضه ونسخه على الأمة .
فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان فرضاً عليه ، وفي نسخه عنه قولان :
أحدهما : المدة المفروضة على أمته في القولين الماضيين .
الثاني : أنها عشر سنين إلى أن خفف عنها بالنسخ زيادة في التكليف لتميزه بفضل الرسالة ، قاله سعيد بن جبير .
قوله « قم الليلَ إلاّ قليلاً » لأن قيام جميعه على الدوام غير ممكن فاستثنى منه القليل لراحة الجسد ، والقليل من الشيء ما دون النصف .
حكي عن وهب بن منبه أنه قال : القليل ما دون المعشار والسدس .
وقال الكلبي ومقاتل : القليل الثلث .
وَحدُّ الليل ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر الثاني .
ثم قال تعالى : { نِصْفَهُ أو انقُصْ مِنْهُ قليلاً } فكان ذلك تخفيفاً إذا لم يكن زمان القيام محدوداً ، فقام الناس حتى ورمت أقدامهم ، فروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الليل فقال : أيها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون ، فإن اللَّه لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل ، وخير الأعمال ما ديم عليه .
ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : « عَلِم أنْ لن تُحْصوه فتابَ عليكم فاقْرَؤوا ما تيسّر من القرآن » .
{ أوزِدْ عليه ورَتِّل القرآنَ تَرْتيلاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : بيّن القرآن تبياناً ، قاله ابن عباس وزيد بن أسلم .

(4/341)


الثاني : فسّرْه تفسيراً ، قاله ابن جبير .
الثالث : أن تقرأه على نظمه وتواليه ، لا تغير لفظاً ولا تقدم مؤخراً مأخوذ من ترتيل الأسنان إذا استوى نبتها وحسن انتظامها ، قاله ابن بحر .
{ إنّا سنُلْقي عليكَ قوْلاً ثَقيلاً } وهو القرآن ، وفي كونه ثقيلاً أربعة تأويلات :
أحدها : أنه إذا أوحي إليه كان ثقيلاً عليه لا يقدر على الحركة حتى ينجلي عنه ، وهذا قول عائشة وعروة بن الزبير .
الثاني : العمل به ثقيل في فروضه وأحكامه وحلاله وحرامه ، قاله الحسن وقتادة .
الثالث : أنه في المزان يوم القيامة ثقيل ، قاله ابن زبير .
الرابع : ثقل بمعنى كريم ، مأخوذ من قولهم : فلان ثقيل عليّ أي كريم عليّ ، قاله السدي .
ويحتمل تأويلً خامساً : أن يكون ثقيل بمعنى ثابت ، لثبوت الثقيل في محله ، ويكون معناه أنه ثابت الإعجاز لا يزول إعجازه أبداً .
{ إنّ ناشئةَ الليل هي أَشدُّ وطْئاً } فيها ستة تأويلات :
أحدها : أنه قيام الليل ، بالحبشية ، قاله ابن مسعود .
الثاني : أنه ما بين المغرب والعشاء ، قاله أنس بن مالك .
الثالث : ما بعد العشاء الآخرة ، قاله الحسن ومجاهد .
الرابع : أنها ساعات الليل لأنها تنشأ ساعة بعد ساعة ، قاله ابن قتيبة .
الخامس : أنه بدء الليل ، قاله عطاء وعكرمة .
السادس : أن الليل كل ناشئة ، قال ابن عباس : لأنه ينشأ بعد النهار .
وفي « أشد وطْئاً » خمسة تأويلات :
أحدها : مواطأة قلبك وسمعك وبصرك ، قاله مجاهد .
الثاني : مواطأة قولك لعملك ، وهو مأثور .
الثالث : مواطأة عملك لفراغك ، وهو محتمل .
الرابع : أشد نشاطاً ، قاله الكلبي ، لأنه زمان راحتك .
الخامس : قاله عبادة : أشد وأثبت وأحفظ للقراءة .
وفي قوله : { وأَقْوَمُ قِيلاً } ثلاثة تأويلات :
أحدها : معناه أبلغ في الخير وأمعن في العدل ، قاله الحسن .
الثاني : أصوب للقراءة وأثبت للقول لأنه زمان التفهم ، قاله مجاهد وقتادة ، وقرأ أنس بن مالك « وأهيأ قيلاً » وقال أهيأ وأقوم سواء .
الثالث : أنه أعجل إجابة للدعاء ، حكاه ابن شجرة .
{ إن لك في النهارِ سَبْحاً طويلاً } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني فراغاً طوياً لنَومك وراحتك ، فاجعل ناشئة الليل لعبادتك ، قاله ابن عباس وعطاء .
الثاني : دعاء كثيراً ، قاله السدي وابن زيد والسبح بكلامهم هو الذهاب ، ومنه سبح السابح في الماء .
{ واذكر اسم ربك } فيه وجهان :
أحدهما : اقصد بعملك وجه ربك .
الثاني : أنه إذا أردت القراءة فابدأ بسم الله الرحمن الرحيم ، قاله ابن بحر . ويحتمل وجهاً ثالثاً : واذكر اسم ربك في وعده ووعيده لتتوفر على طاعته وتعدل عن معصيته .
{ وتَبتَّلْ إليه تَبْتِيلاً } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أخلص إليه إخلاصاً ، قاله مجاهد .
الثاني : تعبد له تعبداً ، قاله ابن زيد .
الثالث : انقطع إليه انقطاعاً ، قاله أبو جعفر الطبري ، ومنه مريم البتول لانقطاعها إلى الله تعالى ، وجاء في الحديث النهي عن التبتل الذي هو الانقطاع عن الناس والجماعات .
الرابع : وتضرّع إليه تضرّعاً .
{ ربُّ المشْرِقِ والمْغرِبِ } فيه قولان :
أحدهما : رب العالَمِ بما فيه لأنهم بين المشرق والمغرب ، قاله ابن بحر .
الثاني : يعني مشرق الشمس ومغربها .
وفي المراد بالمشرق والمغرب ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه استواء الليل والنهار ، قاله وهب بن منبه .
الثاني : أنه دجنة الليل ووجه النهار ، قاله عكرمة .
الثالث : أنه أول النهار وآخره ، لأن نصف النهار أوله فأضيف إلى المشرق ، ونصفه آخره فأضيف إلى المغرب .
{ فاتّخِذْهُ وَكيلاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : مُعيناً .
الثاني : كفيلاً .
الثالث : حافظاً .

(4/342)


وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (14) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (18)

{ واهْجُرهم هَجْراً جَميلاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : اصفح عنهم وقل سلام ، قاله ابن جريج .
الثاني : أن يعرض عن سفههم ويريهم صغر عداوتهم .
الثالث : أنه الهجر الخالي من ذم وإساءة .
وهذا الهجر الجميل قبل الإذن في السيف .
{ وذَرْني والمُكَذِّبينَ أُولي النّعْمةِ } قال يحيى بن سلام :
بلغني أنهم بنو المغيرة ، وقال سعيد بن جبير : أُخبرت أنهم اثنا عشر رجلاً من قريش .
ويحتمل قوله تعالى : « أولي النّعْمةِ » ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه قال تعريفاً لهم إن المبالغين في التكذيب هم أولي النعمة .
الثاني : أنه قال ذلك تعليلاً ، أي الذين أطغى هم أولوا النعمة .
الثالث : أنه قال توبيخاًً أنهم كذبوا ولم يشكروا من أولاهم النعمة .
{ ومهِّلْهم قليلاً } قال ابن جريج : إلى السيف .
{ إنّ لدينا أنْكالاً وجَحيماً } في « أنكالاً » ثلاثة أوجه :
أحدها : أغلالاً ، قاله الكلبي .
الثاني : أنها القيود ، قاله الأخفش وقطرب ، قالت الخنساء :
دَعاك فَقَطّعْتَ أنكاله ... وقد كُنّ قبْلك لا تقطع .
الثالث : أنها أنواع العذاب الشديد ، قاله مقاتل ، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن الله تعالى يحب النكل على النكل ، قيل : وما النكل؟ قال : الرجل القوي المجرب على الفرس القوي المجرب » ومن ذلك سمي القيد نكلاً لقوته ، وكذلك الغل ، وكل عذاب قوي واشتد .
{ وطعاماً ذا غُصَّةٍ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه شوك يأخذ الحلق فلا يدخل ولايخرج ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنها شجرة الزقوم ، قاله مجاهد .
{ وكانت الجبالُ كَثيباً مَهيلاً } فيه وجهان :
أحدهما : رملاً سائلاً ، قاله ابن عباس .
الثاني : أن المهيل الذي إذا وطئه القدم زل من تحتها وإذا أخذت أسفله انهال أعلاه ، قاله الضحاك والكلبي .
{ فأخَذْناه أَخْذاً وبيلاً } فيه أربعة تأويلات :
أحدهما : شديداً ، قاله ابن عباس ومجاهد .
الثاني : متتابعاً ، قاله ابن زيد .
الثالث : ثقيلاً غليظاً ، ومنه قيل للمطر العظيم وابل ، قاله الزجاج .
الرابع : مهلكاً ، ومنه قول الشاعر :
أكْلتِ بَنيكِ أَكْلَ الضّبِّ حتى ... وَجْدتِ مرارةَ [ الكلإ الوبيل ] .
{ فكيف تتّقونَ } يعني يوم القيامة .
{ إن كفَرتم يوماً يجْعَل الولدان شيباً } الشيب : جمع أشيب ، والأشيب والأشمط الذي اختلط سواد شعره ببياضه ، وهو الحين الذي يقلع فيه ذو التصابي عن لهوه ، قال الشاعر :
طرْبتَ وما بك ما يُطرِب ... وهل يلعب الرجلُ الأَشْيَبُ
وإنما شاب الولدان في يوم القيامة من هوْله .
{ السماءُ مُنفطرٌ به } فيه أربعة أوجه :
أحدها : ممتلئة به ، قاله ابن عباس .
الثاني : مثقلة ، قاله مجاهد .
الثالث : مخزونة به ، قاله الحسن .
الرابع : منشقة من عظمته وشدته ، قاله ابن زيد .
{ وكانَ وعْدُه مَفْعولاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : وعده بأن السماء منفطر به ، وكون الجبال كثيباً مهيلاً ، وأن يجعل الولدان شيباً ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : وعده بأن يظهر دينه على الدين كله ، قاله مقاتل .
الثالث : وعده بما بشّر وأنذر من ثوابه وعقابه .
وفي المعنى المكنى عنه في قوله « به » وجهان :
أحدهما : أن السماء منفطرة باليوم الذي يجعل الولدان شيباً ، فيكون اليوم قد جعل الولدان شيباً ، وجعل السماء منفطرة ويكون انفطارها للفناء .
الثاني : معناه أن السماء منفطرة بما ينزل منها بأن يوم القيامة يجعل الولدان شيباً ، ويكون انفطارها بانفتاحها لنزول هذا القضاء منها .

(4/343)


إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (19) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20)

{ . . . . واللَّهُ يُقدِّرُ الليلَ والنهارَ } يعني يقدر ساعتهما ، فاحتمل ذلك وجهين :
أحدهما : تقديرهما لأعمال عباده .
الثاني : لقضائه في خلْقه .
{ عَلِمَ أن لن تُحْصُوهُ } فيه وجهان :
أحدهما : لن تطيقوا قيام الليل ، قاله الحسن .
الثاني : يريد تقدير نصف الليل وثلثه وربعه ، قاله الضحاك .
{ فتابَ عليكم } يحتمل وجهين :
أحدهما : فتاب عليكم من تقصيركم فيما مضى ، فاقرؤوا في المستبقل ما تيسر .
الثاني : فخفف عنكم .
{ فاقْرءُوا ما تيسّر مِنَ القُرآنِ } فيه وجهان :
أحدهما : فصلّوا ما تيسّر من الصلاة ، فعبر عن الصلاة بالقرآن لما يتضمنها من القرآن .
فعلى هذا يحتمل في المراد بما تيسر من الصلاة وجهان :
أحدهما : ما يتطوع به من نوافله لأن الفرض المقدر لا يؤمر فيه بما تيسر .
الثاني : أنه محمول على فروض الصلوات الخمس لانتقال الناس من قيام الليل إليها ، ويكون قوله « ما تيسر » محمولاً على صفة الأداء في القوة والضعف ، والصحة والمرض ، ولا يكون محمولاً على العدد المقدر شرعاً .
الثاني : أن المراد بذلك قراءة ما تيسر من القرآن حملاً للخطاب على ظاهر اللفظ .
فعلى هذا فيه وجهان :
أحدهما : أن المراد به قراءة القرآن في الصلاة فيكون الأمر به واجباً لوجوب القراءة في الصلاة .
واختلف في قدر ما يلزمه أن يقرأ به من الصلاة ، فقدره مالك والشافعي بفاتحة الكتاب ، لا يجوز العدول عنها ولا الاقتصار على بعضها ، وقدرها أبو حنيفة بآية واحدة من أيّ القرآن كانت .
والوجه الثاني : أن المراد به قراءة القرآن من غير الصلاة ، فعلى هذا يكون مطلق هذا الأمر محمولاً على الوجوب أو على الاستحباب؟ على وجهين :
أحدهما : أنه محمول على الوجوب ليقف بقراءته على إعجازه ، ودلائل التوحيد فيه وبعث الرسل ، ولا يلزمه إذا قرأه وعرف إعجازه ودلائل التوحيد منه أن يحفظه ، لأن حفظ القرآن من القرب المستحبة دون الواجبة .
الثاني : أنه محمول على الاستحباب دون الوجوب ، وهذا قول الأكثرين لأنه لو وجب عليه أن يقرأه وجب عليه أن يحفظه . وفي قدر ما تضمنه هذا الأمر من القراءة خمسة أقاويل :
أحدها : جميع القرآن ، لأن اللَّه تعالى قد يسره على عباده ، قاله الضحاك .
الثاني : ثلث القرآن ، حكاه جويبر .
الثالث : مائتا آية ، قاله السدي .
الرابع : مائة آية ، قاله ابن عباس .
الخامس : ثلاث آيات كأقصر سورة ، قاله أبو خالد الكناني .
{ عَلِم أنْ سيكونُ منكم مَّرْضَى } ذكر الله أسباب التخفيف ، فذكر منها المرض لأنه يُعجز .
ثم قال : { وآخرون يَضْرِبون في الأرض } فيه وجهان :
أحدهما : أنهم المسافرون ، كما قال عز وجلّ : { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } .
الثاني : أنه التقلُّب للتجارة لقوله تعالى : { يبتغونَ من فضلِ اللَّه } ، قاله ابن مسعود يرفعه ، وهو قول السدي .

(4/344)


{ وآخَرونَ يُقاتِلون في سبيل اللَّهِ } يعني في طاعته ، وهم المجاهدون .
{ فاقْرؤوا ما تيسّر منه } نسخ ما فرضه في أول السورة من قيام الليل وجعل ما تيسر منه تطوعاً ونفلاً ، لأن الفرض لا يؤمر فيه بفعل ما تيسر منه .
وقد ذكرنا في أول السورة الأقاويل في مدة الفرض .
{ وأقيموا الصلاة } يعني المفروضة ، وهي الخمس لوقتها .
{ وآتُوا الزكاةَ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها ها هنا طاعة اللَّه والإخلاص له ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنها صدقة الفطر ، قاله الحارث العكلي .
الثالث : أنها زكاة الأموال كلها ، قاله قتادة وعكرمة .
{ وأقْرِضوا اللَّه قَرْضاً حَسَناً } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : أنه النوافل بعد الفروض ، قاله ابن زيد .
الثاني : قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، قاله ابن حبان .
الثالث : النفقة على الأهل ، قاله زيد بن أسلم .
الرابع : النفقة من سبيل الله ، وهذا قول عمر رضي الله عنه .
الخامس : أنه أمر بفعل جميع الطاعات التي يستحق عليها الثواب .
{ تجدُوه عِندَ اللهِ } يعني تجدوا ثوابه عند الله { هو خيراً } يعني مما أعطيتم وفعلتم .
{ وأعظم أجرا } قال أبو هريرة : الجنة .
ويحتمل أن يكون « أعظم أجرا » الإعطاء بالحسنة عشراً .
{ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ } يعني من ذنوبكم .
{ إنّ اللَّه غَفورٌ } لما كان قبل التوبة .
{ رحيمُ } بكم بعدها ، قاله سعيد بن جبير .

(4/345)


يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)

قوله تعالى : { يا أيها المدَّثِّر } فيه قولان :
أحدهما : يا أيها المدثر بثيابه ، قاله قتادة .
الثاني : بالنبوة وأثقالها ، قاله عكرمة .
{ قم } من نومك { فأنذر } قومك عذاب ربك .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : يا أيها الكاتم لنبوته اجهر بإنذارك .
ويحتمل هذا الإنذار وجهين :
أحدهما : إعلامهم بنبوته لأنه مقدمة الرسالة .
الثاني : دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود بها .
قال ابن عباس وجابر هي أول سورة نزلت .
{ وثيابَك فَطِّهرْ } فيه خمسة أقاويل :
أحدها : أن المراد بالثياب العمل .
الثاني : القلب .
الثالث : النفْس .
الرابع : النساء والزوجات .
الخامس : الثياب الملبوسات على الظاهر .
فمن ذهب على أن المراد بها العمل قال تأويل الآية : وعملك فأصلح ، قاله مجاهد ، ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
« يحشر المرء في ثوبيه اللذين مات فيها » يعني عمله الصالح والطالح .
ومن ذهب إلى أن المراد بالثياب القلب فالشاهد عليه قول امرىء القيس :
وإن تك قد ساءتك مني خليقةٌ ... فسلّي ثيابي من ثيابكِ تنسلِ
ولهم في تأويل الآية وجهان :
أحدهما : معناه وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي ، قاله ابن عباس وقتادة .
الثاني : وقلبك فطهر من الغدر وهذا مروي عن ابن عباس ، واستشهد بقول الشاعر :
فإني بحْمدِ الله لا ثوْبَ فاجر ... لبست ولا مِن غَدْرةٍ أَتَقَنّع .
ومن ذهب إلى أن المراد بالثياب النفس فلأنها لابسة الثياب ، فكنى عنها بالثياب ، ولهم في تأويل الآية ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه ونفسك فطهر مما نسبك إليه المشركون من شعر أو سحر أو كهانة أو جنون ، رواه ابن أبي نجيح وأبو يحيى عن مجاهد .
الثاني : ونفسك فطهرها مما كنت تشكو منه وتحذر ، من قول الوليد بن المغيرة ، قاله عطاء .
الثالث : ونفسك فطهرها من الخطايا ، قاله عامر .
ومن ذهب إلى أن المراد النساء والزوجات فلقوله تعالى : { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } [ البقرة : 187 ] ولهم في تأويل الآية وجهان :
أحدهما : معناه ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف .
الثاني : الاستمتاع بهن من القبل دون الدبر ، وفي الطهر دون الحيض ، حكاهما ابن بحر .
ومن ذهب إلى أن المراد بها الثياب الملبوسة على الظاهر ، فلهم في تأويله أربعة أوجه :
أحدها : معناه وثيابك فأنْقِ ، رواه عطاء عن ابن عباس ، ومنه قول امرىء القيس :
ثياب بني عَوفٍ طهارى نقيّةٌ ... وأَوْجُهُهُمْ عند المشاهد غُرّان
الثاني : وثيابك فشمّر وقصّر ، قاله طاووس .
الثالث : وثيابك فطهر من النجاسات بالماء ، قاله محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء .
الرابع : معناه لا تلبس ثياباً إلا [ من ] كسب حلال مطهرة من الحرام .
{ والرُّجْزَ فاهْجُرْ } فيه ستة تأويلات :
أحدها : يعني الآثام والأصنام ، قاله جابر وابن عباس وقتادة والسدي .

(4/346)


الثاني : والشرك فاهجر ، قاله ابن جبير .
الثالث : والذنب فاهجر ، قاله الحسن .
الرابع : والإثم فاهجر ، قال السدي .
الخامس : والعذاب فاهجر ، حكاه أسباط .
السادس : والظلم فاهجر ، ومنه قول رؤبة بن العجاج .
كم رامنا من ذي عديد منه ... حتى وَقَمْنا كيدَه بالرجزِ .
قاله السدي : الرَّجز بنصب الراء : الوعيد .
{ ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها ، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة ، قال الضحاك : هذا حرمه الله تعالى على رسول وأباحه لأمته .
الثاني : معناه لا تمنن بعملك تستكثر على ربك ، قاله الحسن .
الثالث : معناه لا تمنن بالنبوة على الناس تأخذ عليها منهم أجراً ، قاله ابن زيد .
الرابع : معناه لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه ، قاله مجاهد .
ويحتمل تأويلاً خامساً : لا تفعل الخير لترائي به الناس .
{ ولِربِّك فاصْبِرْ } أما قوله « وَلِرَبِّكَ » ففيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لأمر ربك .
الثاني : لوعد ربك .
الثالث : لوجه ربك .
وفي قوله « فاصْبِرْ سبعة تأويلات :
أحدها : فاصْبِرْ على ما لاقيت من الأذى والمكروه قاله مجاهد .
الثاني : على محاربة العرب ثم العجم ، قاله ابن زيد .
الثالث : على الحق فلا يكن أحد أفضل عندك فيه من احد ، قاله السدي .
الرابع : فاصْبِرْ على عطيتك لله ، قاله إبراهيم .
الخامس : فاصْبِرْ على الوعظ لوجه الله ، قاله عطاء .
السادس : على انتظام ثواب عملك من الله تعالى ، وهو معنى قول ابن شجرة .
السابع : على ما أمرك الله من أداء الرسالة وتعليم الدين ، حكاه ابن عيسى .
{ فإذا نُقِرَ في الناقُورِ } فيه تأويلان :
أحدهما : يعني نفخ في الصور ، قاله ابن عباس ، وهل المراد النفخة الأولى أو الثانية؟ قولان :
أحدهما : الأولى .
والثاني : الثانية .
- الثاني : أن الناقور القلب يجزع إذا دعي الإنسان للحساب ، حكاه ابن كامل .
ويحتمل تأويلاً ثالثاً : أن الناقور صحف الأعمال إذا نشرت للعرض .

(4/347)


ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)

{ ذرْني ومَنْ خَلَقْتُ وَحيداً } قال المفسرون يعني الوليد بن المغيرة المخزومي وإن كان الناس خلقوا مثل خلقه ، وإنما خص بالذكر لاختصاصه بكفر النعمة لأذى الرسول .
وفي قوله تعالى : « وحيداً » تأويلان :
أحدهما : أن الله تفرد بخلقه وحده .
الثاني : خلقه وحيداً في بطن أُمّه لا مال له ولا ولد ، قاله مجاهد ، فعلى هذا الوجه في المراد بخلقه وحيداً وجهان :
أحدهما : أن يعلم به قدر النعمةعليه فيما أعطي من المال والولد .
الثاني : أن يدله بذلك على أنه يبعث وحيداً كما خلق وحيداً .
{ وجَعَلْتُ له مالاً مَمْدوداً } فيه ثمانية أقاويل :
أحدها : ألف دينار ، قاله ابن عباس .
الثاني : أربعة الآف دينار ، قاله سفيان .
الثالث : ستة الآف دينار ، قاله قتادة .
الرابع : مائة ألف دينار ، قاله مجاهد .
الخامس : أنها أرض يقال لها ميثاق ، وهذا مروي عن مجاهد أيضاً .
السادس : أنها غلة شهر بشهر ، قاله عمر رضي الله عنه .
السابع : أنه الذي لا ينقطع شتاء ولا صيفاً ، قاله السدي .
الثامن : أنها الأنعام التي يمتد سيرها في أقطار الأرض للمرعى والسعة ، قاله ابن بحر .
ويحتمل تاسعاً : أن سيتوعب وجوه المكاسب فيجمع بين زيادة الزراعة وكسب التجارة ونتاج المواشي فيمد بعضها ببعض لأن لكل مكسب وقتاً .
ويحتمل عاشراً : أنه الذي يتكون نماؤه من أصله كالنخل والشجر .
{ وبَنينَ شُهوداً } اختلف في عددهم على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم كانوا عشرة ، قاله السدي .
الثاني : قال الضحاك : كان له سبعة ولدوا بمكة ، وخمسة ولدوا بالطائف .
الثالث : أنهم كانوا ثلاثة عشر رجلاً ، قاله ابن جبير .
وفي قوله « شهوداً » ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنهم حضور معه لا يغيبون عنه ، قاله السدي .
الثاني : أنه إذا ذكر ذكروا معه ، قاله ابن عباس .
الثالث : أنهم كلهم رب بيت ، قاله ابن جبير .
ويحتمل رابعاً : أنهم قد صاروا مثله من شهود ما كان يشهده ، والقيام بما كان يباشره .
{ ومَهّدْت له تَمْهيداً } فيه وجهان :
أحدها : مهدت له من المال والولد ، قاله مجاهد .
الثاني : مهدت له الرياسة في قومه ، قاله ابن شجرة .
ويحتمل ثالثاً : أنه مهد له الأمر في وطنه حتى لا ينزعج عنه بخوف ولا حاجة .
{ ثم يَطْمَعُ أنْ أَزيدَ } فيه وجهان :
أحدهما : ثم يطمع أن أدخله الجنة ، كلاّ ، قاله الحسن .
الثاني : أن أزيده من المال والولد « كلاّ » قال ابن عباس :
فلم يزل النقصان في ماله وولده .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : ثم يطمع أن أنصره على كفره .
{ كلاّ إنه كان لآياتِنَا عَنيداً } في المراد « بآياتنا » ثلاثة أقاويل :
أحدها : القرآن ، قاله ابن جبير .

(4/348)


الثاني : محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله السدي .
الثالث : الحق ، قاله مجاهد .
وفي قوله « عنيداً » أربعة تأويلات :
أحدها : معاند ، قاله مجاهد وأبو عبيدة ، وأنشد قول الحارثي :
إذا نزلت فاجعلاني وسطا ... إني كبير لا أطيق العُنَّدا
الثاني : مباعد ، قاله أبو صالح ، ومنه قول الشاعر :
أرانا على حال تفرِّق بيننا ... نوى غُرْبَةٍ إنّ الفراق عنود .
الثالث : جاحد ، قاله قتادة .
الرابع : مُعْرض ، قاله مقاتل .
ويحتمل تأويلاً خامساً : أنه المجاهر بعداوته .
{ سأرْهِقُه صَعُوداً } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : مشقة من العذاب ، قاله قتادة .
الثاني : أنه عذاب لا راحة فيه ، قاله الحسن .
الثالث : أنها صخرة في النار ملساء يكلف أن يصعدها ، فإذا صعدها زلق منها ، وهذا قول السدي .
الرابع : ما رواه عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم « سأرهقه صعودا » قال : « هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده ، فإذا وضع يده عيله ذابت ، وإذا رفعها عادت ، وإذا وضع رجله ذابت ، وإذا رفعها عادت » .
ويحتمل إن لم يثبت هذا النقل قولاً خامساً : أنه تصاعد نفسه للنزع وإن لم يتعقبه موت ليعذب من داخل جسده كما يعذب من خارجه .
{ إنه فكَّر وقَدَّر } قال قتادة : زعموا أن الوليد بن المغيرة قال : لقد نظرت فيما قال هذا الرجل فإذا هو ليس بشعر ، وإن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه ليعلو وما يُعْلَى ، وما أشك أنه سحر ، فهو معنى قوله « فكر وقدّر » أي فكر في القرآن فيما إنه سحر وليس بشعر .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : أن يكون فكّر في العداوة وقدّر في المجاهدة .
{ فقُتِلَ كيف قَدَّرَ } فيه وجهان :
أحدهما : أي عوقب ثم عوقب ، فيكون العقاب تكرر عليه مرة بعد أخرى .
الثاني : أي لعن ثم لعن كيف قدر أنه ليس بشعر ولا كهانة ، وأنه سحر .
{ ثم نَظَرَ } يعني الوليد بن المغيرة ، وفي ما نظر فيه وجهان :
أحدهما : أنه نظر في الوحي المنزل من القرآن ، قاله مقاتل .
الثاني : أنه نظر إلى بني هاشم حين قال في النبي صلى الله عليه وسلم إنه ساحر ، ليعلم ما عندهم .
ويحتمل ثالثاً : ثم نظر إلى نفسه فيما أُعطِي من المال والولد فطغى وتجبر .
{ ثم عَبَسَ وبَسَرَ } أما عبس فهو قبض ما بين عينينه ، وبَسَرَ فيه وجهان :
أحدهما : كلح وجهه ، قاله قتادة ، ومنه قول بشر بن أبي خازم :
صبحنا تميماً غداة الجِفار ... بشهباءَ ملمومةٍ باسِرةَ
الثاني : تغيّر ، قاله السدي ، ومنه قول توبة :
وقد رابني منها صدودٌ رأيتُه ... وإعْراضها عن حاجتي وبُسورها .
واحتمل أن يكون قد عبس وبسر على النبي صلى الله عليه وسلم حين دعاه . واحتمل أن يكون على من آمن به ونصره .

(4/349)


وقيل إن ظهور العبوس في الوجه يكون بعد المحاورة ، وظهور البسور في الوجه قبل المحاورة .
{ ثم أَدْبَر واسْتَكْبَرَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أدبر عن الحق واستكبر عن الطاعة .
الثاني : أدبر عن مقامه واستكبر في مقاله .
{ فقال إنْ هذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَر } قال ابن زيد : إن الوليد بن المغيرة قال : إنْ هذا القرآن إلا سحر يأثره محمد عن غيره فأخذه عمن تقدمه .
ويحتمل وجهاً آخر : أن يكون معناه أن النفوس تؤثر لحلاوته فيها كالسحر .
{ إنْ هذا إلا قَوْلَ البَشِرِ } أي ليس من كلام الله تعالى ، قال السدي : يعنون أنه من قول أبي اليسر عَبْدٌ لبني الحضرمي كان يجالس النبي صلى الله عليه وسلم ، فنسبوه إلى أنه تعلم منه ذلك .
{ سأصْليه سَقَرَ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه اسم من أسماء جهنم مأخوذ من قولهم : سقرته الشمس إذا آلمت دماغه ، فسميت جهنم بذلك لشدة إيلامها .
{ وما أدراك ما سَقَر لا تُبقي ولا تذر } فيه وجهان :
أحدهما : لا تبقي من فيها حياً ، ولا تذره ميتاً ، قاله مجاهد .
الثاني : لا تبقي أحداً من أهلها أن تتناوله ، ولا تذره من العذاب ، حكاه ابن عيسى .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : لا تبقيه صحيحاً ، ولا تذره مستريحاً .
{ لوّاحَةً للبَشَرِ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : مغيرة لألوانهم ، قال أبو رزين تلفح وجوههم لفحة تدعهم أشد سواداً من الليل .
الثاني : تحرق البشر حتى تلوح العظم ، قاله عطية .
الثالث : أن بشرة أجسادهم تلوح على النار ، قاله مجاهد .
الرابع : أن اللواح شدة العطش ، والمعنى أنها معطشة للبشر ، أي لأهلها ، قاله الأخفش ، وأنشد :
سَقَتْني على لوْحٍ من الماءِ شَرْبةً ... سقاها به الله الرهامَ الغواديا .
يعني باللوح شدة العطش :
ويحتمل خامساً : أنها تلوح للبشر بهولها حتى تكون أشد على من سبق إليها ، وأسرّ لمن سلم منها .
وفي البشر وجهان :
أحدهما : أنهم الإنس من أهل النار ، قالهالأخفش والأكثرون .
الثاني : أنه جمع بشرة ، وهي جلدة الإنسان الظاهرة ، قاله مجاهد وقتادة .
{ عليها تسعةَ عَشَرَ } هؤلاء خزنة جهنم وهم الزبانية ، وعددهم هذا الذي ذكره الله تعالى ، وروى عامر عن البراء أن رهطاً من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم ، فأهوى بأصابع كفيه مرتين ، فأمسك الإبهام في الثانية ، وأخبر الله عنهم بهذا العدد ، وكان الاقتصار عليه دون غيره من الأعداد إخباراً عمن وكل بها وهو هذا العدد ، وموافقة لما نزل به التوراة والإنجيل من قبل .
وقد يلوح لي في الاقتصار على هذا العدد معنى خفي يجوز أن يكون مراداً ، وهو أن تسعة عشر عدد يجمع أكثر القليل من العدد وأقل الكثير ، لأن العدد آحاد وعشرات ومئون وألوف ، والآحاد أقل الأعداد ، وأكثر الآحاد تسعة ، وما سوى الآحاد كثير وأقل الكثير عشرة ، فصارت التسعة عشر عدداً يجمع من الأعداد أكثر قليلها ، وأقل كثيرها ، فلذلك ما وقع عليها الاقتصار والله أعلم للنزول عن أقل القليل وأكثر الكثير فلم يبق إلا ما وصفت .

(4/350)


ويحتمل وجهاً ثانياً : أن يكون الله حفظ جهنم حتى ضبطت وحفظت بمثل ما ضبطت به الأرض وحفظت به من الجبال حتى رست وثبتت ، وجبال الأرض التي أرسيت بها واستقرت عليها تسعة عشر جبلاً ، وإن شعب فروعها تحفظ جهنم بمثل هذا العدد ، لأنها قرار لعُصاة الأرض من الإنس والجن ، فحفظت مستقرهم في النار بمثل العدد الذي حفظ مستقرهم في الأرض ، وحد الجبل ما أحاطت به أرض تتشعب فيها عروقه ظاهره ولا باطنه ، وقد عد قوم جبال الأرض فإذا هي مائة وتسعون جبلاً ، واعتبروا انقطاع عروقها رواسي وأوتاداً ، فهذان وجهان يحتملهما الاستنباط ، والله أعلم بصواب ما استأثر بعلمه .
وذكر من يتعاطى العلوم العقلية وجهاً ثالثاً : أن الله تعالى حفظ نظام خلقه ودبر ما قضاه في عباده بتسعة عشر جعلها المدبرات أمراً وهي سبعة كواكب واثنا عشر برجاً ، فصار هذا العدد أصلاً في المحفوظات العامة ، فلذلك حفظ جهنم ، وهذا مدفوع بالشرع وإن راق ظاهره .
ثم نعود إلى تفسير الآية ، روى قتادة أن الله تعالى لما قال :
« عليها تسعة عشر » قال أبو جهل : يا معشر قريش أما يستطيع كل عشرة منكم أن يأخذوا واحداً منهم وأنتم أكثر منهم .
قال السدي : وقال أبو الأشد بن الجمحي : لا يهولنكم التسعة عشر أنا أدفع عنكم بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة ، وبمنكبي الأيسر التسعة ثم تمرون إلى الجنة ، يقولها مستهزئاً .

(4/351)


وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31) كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37)

{ وما جَعَلْنَا أصحابَ النارِ إلا ملائكةً وما جعلْنا عدَّتهم إلا فِتْنةً للذين كَفَروا } وروى ابن جريج أن النبي صلى الله عليه وسلم نعت خزنة جهنم فقال : كأن أعينهم البرق ، وكأن أفواههم الصياصي ، يجرون شعورهم ، لأحدهم مثل قوة الثقلين ، يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل فيرمي بهم في النار ، ويرمي الجبل عليهم .
{ ليَسْتَيْقِنَ الذين أُوتوا الكتابَ } فيه وجهان :
أحدهما : ليستيقنوا عدد الخزنة لموافقة التوراة والإنجيل ، قاله مجاهد .
الثاني : ليستيقنوا أن محمداً نبي لما جاء به من موافقة عدة الخزنة .
{ ويَزْدادَ الذين آمَنوا إيماناً } بذلك ، قاله جريج .
{ وما هي إلا ذِكْرى للبَشَرِ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : وما نار جهنم إلا ذكرى للبشر ، قاله قتادة .
الثاني : وما هذه النار في الدنيا إلا تذكرة لنار الآخرة ، حكاه ابن عيسى .
الثالث : وما هذه السورة إلا تذكرة للناس ، قاله ابن شجرة .
{ كلا والقَمرِ } الواو في « والقمر » واو القسم ، أقسم الله تعالى به ، ثم أقسم بما بعده فقال :
{ والليلِ إذا أَدْبَرَ } فيه وجهان :
أحدهما : إذ ولّى ، قاله ابن عباس .
الثاني : إذ أقبل عند إدبار النهار قاله أبو عبيدة ، وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن إذا دبر ، وهي قراءة ابن مسعود وأُبي بن كعب .
واختلف في أدبر ودبر على قولين :
- أحدهما : أنهما لغتان ومعناهما واحد ، قاله الأخفش .
- الثاني : أن معناهما مختلفان ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه دبر إذا خلقته خلفك ، وأدبر إذا ولى أمامك ، قاله أبو عبيدة .
الثاني : أنه دبر إذا جاء بعد غيره وعلى دبر ، وأدبر إذا ولى مدبراً ، قاله ابن بحر .
{ والصُّبْحِ إذا أَسْفَرَ } يعني أضاء وهذا قسم ثالث .
{ إنها لإحْدَى الكُبَرِ } فيها ثلاثة تأويلات :
أحدها : أي أن تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم لإحدى الكبر ، أي الكبيرة من الكبائر ، قاله ابن عباس .
الثاني : أي أن هذه النار لإحدى الكبر ، أي لإحدى الدواهي .
الثالث : أن هذه الآية لإحدى الكبر ، حكاه ابن عيسى .
ويحتمل رابعاً : أن قيام الساعة لإحدى الكبر ، والكُبَرُ هي العظائم والعقوبات والشدائد ، قال الراجز :
يا ابن المُغَلّى نزلتْ إحدى الكُبَرْ ... داهية الدهرِ وصَمّاءُ الغِيَرْ .
{ نذيراً للبشر } فيه وجهان :
أحدهما : أن محمداً صلى الله عليه وسلم نذير للبشر حين قاله له « قم فأنذر » قاله ابن زيد .
الثاني : أن النار نذير للبشر ، قال الحسن : والله ما أنذر الخلائق قط بشيء أدهى منها .
ويحتمل ثالثاً : أن القرآن نذير للبشر لما تضمنه من الوعد والوعيد .
{ لمن شاءَ منكم أن يتقدّم أو يتأَخّرَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يتقدم في طاعة الله ، أو يتأخر عن معصية الله ، وهذا قول ابن جريج .
الثاني : أن يتقدم في الخير أو يتأخر في الشر ، قاله يحيى بن سلام .
الثالث : أن يتقدم إلى النار أو يتأخر عن الجنة ، قاله السدي .
ويحتمل رابعاً : لمن شاء منكم أن يستكثر أو يقصر ، وهذا وعيد وإن خرج مخرج الخبر .

(4/352)


كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (52) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ (53) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)

{ كلُّ نفْسٍ بما كَسَبَتْ رَهينةٌ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : ان كل نفس مرتهنة محتسبة بعملها لتحاسب عليه ، إلا أصحاب اليمين ، وهم أطفال المسلمين فإنه لا حساب عليهم لأنه لا ذنوب لهم ، قاله عليٌّ رضي الله عنه .
الثاني : كل نفس من أهل النار مرتهنة في النار إلا أصحاب اليمين وهم المسلمون ، فإنهم لا يرتهنون ، وهم إلى الجنة يسارعون ، قاله الضحاك .
الثالث : كل نفس بعملها محاسبة إلا أصحاب اليمين وهم أهل الجنة ، فإنهم لا يحاسبون ، قاله ابن جريج .
{ وكنّا نَخُوض مع الخائضينَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : نكذب مع المكذبين ، قاله السدي .
الثاني : كلما غوى غاو غوينا معه ، قاله قتادة .
الثالث : قولهم محمد كاهن ، محمد ساحر ، محمد شاعر ، قاله ابن زيد .
ويحتمل رابعاً ، وكنا أتباعاً ولم نكن مبتوعين .
{ وكنّا نًكذّب بيوم الدِّين } يعني يوم الجزاء وهو يوم القيامة .
{ حتى أتانا اليقين } فيه وجهان :
أحدهما : الموت ، قاله السدي .
الثاني : البعث يوم القيامة .
{ فما لهم عن التَذْكِرَةِ مُعْرِضين } قال قتادة : عن القرآن .
ويحتمل ثالثاً : عن الاعتبار بعقولهم .
{ كأنهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرةٌ } قرأ نافع وابن عامر بفتح الفاء ، يعني مذعورة وقرأ الباقون بكسرها ، يعني هاربة ، وأنشد الفراء :
أمْسِكْ حمارَك إنه مُستنفِرٌ ... في إثْر أحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لغُرَّبِ .
{ فَرَّتْ من قَسْورةٍ } فيه ستة تأويلات :
أحدها : أن القسورة الرماة ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه القناص أي الصياد ، ومنه قول علي :
يا ناس إني مثل قسورةٍ ... وإنهم لعداة طالما نفروا .
الثالث : أنه الأسد ، قاله أبو هريرة ، روى يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه الأسد بلسان الحبشة ، قال الفرزدق :
إلى هاديات صعاب الرؤوس ... فساروا للقسور الأصيد .
الرابع : أنهم عصب من الرجال وجماعة ، رواه أبو حمزة عن ابن عباس .
الخامس : أنه أصوات الناس ، رواه عطاء عن ابن عباس .
السادس : أنه النبيل ، قاله قتادة .
{ بل يريد كلُّ امرىءٍ منهم أنْ يُؤْتى صحُفاً مُنَشّرةً } يعني كتباً منشورة وفيه أربعة أوجه :
أحدها : أن يؤتى كتاباً من الله أن يؤمن بمحمد ، قاله قتادة .
الثاني : أن يؤتى براءة من النار أنه لا يقذف بها ، قاله أبو صالح .
الثالث : أن يؤتى كتاباً من الله بما أحل له وحرم عليه ، قاله مقاتل .
الرابع : أن كفار قريش قالوا إن بني إسرائيل كانوا إذا أذنب الواحد ذنباً وجده مكتوباً في رقعة ، فما بالنا لا نرى ذلك فنزلت الآية ، قاله الفراء .
{ هو أهل التقْوَى وأهل المغْفِرةِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : هو أهل أن تتقى محارمه ، وأهل أن يغفر الذنوب ، قاله قتادة .
الثاني : هو أهل أن يتقى أن يجعل معه إله غيره ، وأهل لمن اتقاه أن يغفر له ، وهذا معنى قول رواه أنس مرفوعاً .
الثالث : هو أهل أن يتقى عذابه وأهل أن يعمل بما يؤدي إلى مغفرته .
ويحتمل رابعاً : أهل الانتقام والإنعام .

(4/353)


لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)

قوله تعالى : { لا أُقسِم بيومِ القيامةِ } اختلفوا في « لا » المبتدأ بها في أول الكلام على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها صلة دخلت مجازاً ومعنى الكلام أقسم بيوم القيامة ، قاله ابن عباس وابن جبير وأبو عبيدة ، ومثله قول الشاعر :
تَذكّرْت ليلى فاعْتَرْتني صَبابةٌ ... وكاد ضمير القلْبِ لا يتَقطّع .
الثاني : أنها دخلت توكيداً للكلام كقوله : لا والله ، وكقول امرىء القيس :
فلا وأبيكِ ابنةَ العامريّ ... لا يدّعي القوم أني أَفِرْ .
قاله أبو بكر بن عياش .
الثالث : أنها رد لكلام مضى من كلام المشركين في إنكار البعث ، ثم ابتدأ القسم فقال : أقسم بيوم القيامة ، فرقاً بين اليمين المستأنفة وبين اليمين تكون مجدداً ، قاله الفراء .
وقرأ الحسن : لأقْسِمُ بيوم القيامة ، فجعلها لاماً دخلت على ما أُقسم إثباتاً للقسم ، وهي قراءة ابن كثير .
{ ولا أُقْسِم بالنّفْسِ اللوّامةِ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه تعالى أقسم بالنفس اللوامة كما أقسم بيوم القيامة فيكونان قَسَمَيْن ، قاله قتادة .
الثاني : أنه أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة ، قاله الحسن ، ويكون تقدير الكلام : أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة . وفي وصفها باللوامة قولان :
أحدهما : أنها صفة مدح ، وهو قول من جعلها قسماً :
الثاني : أنها صفة ذم ، وهو قول من نفى أن يكون قسماً .
فمن جعلها صفة مدح فلهم في تأويلها ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها التي تلوم على ما فات وتندم ، قاله مجاهد ، فتلوم نفسها على الشر لم فعلته ، وعلى الخير أن لم تستكثر منه .
الثاني : أنها ذات اللوم ، حكاه ابن عيسى .
الثالث : أنها التي تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها .
فعلى هذه الوجوه الثلاثة تكون اللوامة بمعنى اللائمة .
ومن جعلها صفة ذم فلهم في تأويلها ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها المذمومة ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنها التي تلام على سوء ما فعلت .
الثالث : أنها التي لا صبر لها على محن الدنيا وشدائدها ، فهي كثيرة اللوم فيها ، فعلى هذه الوجوه الثلاثة تكون اللوامة بمعنى الملومة .
{ أيَحْسَب الإنسان } يعني الكافر .
{ أنْ لن نَجْمَعَ عِظامَه } فنعيدها خلقاً جديداً بعد أن صارت رفاتاً .
{ بلى قادِرينَ على أنْ نُسوّيَ بَنانه } في قوله « بلى » وجهان :
أحدهما : أنه تمام قوله « أن لن نجمع عظامه » أي بلى نجمعها ، قاله الأخفش .
الثاني : أنها استئناف بعد تمام الأول بالتعجب بلى قادرين ، الآية وفيه وجهان :
أحدهما : بلى قادرين على أن نسوي مفاصله ونعيدها للبعث خلقاً جديداً ، قاله جرير بن عبد العزيز .
الثاني : بلى قادرين على أن نجعل كفه التي يأكل بها ويعمل حافر حمار أو خف بعير ، فلا يأكل إلا بفيه ، ولا يعمل بيده شيئاً ، قاله ابن عباس وقتادة .

(4/354)