صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : النكت والعيون
المؤلف : أبوالحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12)

قوله تعالى { إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ } فيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : الصيحة ، قاله الضحاك .
الثاني : الساعة وقعت بحق فلم تكذب ، قاله السدي .
الثالث : أنها القيامة ، قاله ابن عباس ، والحسن .
وسميت الواقعة لكثرة ما يقع فيها من الشدائد .
{ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذَِبَةٌ } فيها أربعة أوجه :
أحدها : ليس لها مردود ، قاله ابن عباس .
الثاني : لا رجعة فيها ولا مشورة ، قاله قتادة .
الثالث : ليس لها مكذب من مؤمن ولا من كافر ، قاله ابن كامل .
الرابع : ليس الخبر عن وقوعها كذباً .
{ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : تخفض رجالاً كانوا في الدنيا مرتفعين ، وترفع رجالاً كانوا في الدنيا مخفوضين ، قاله محمد بن كعب .
الثاني : خفضت أعداء الله في النار ، ورفعت أولياء الله في الجنة ، قاله عمر بن الخطاب .
الثالث : خفضت الصوت فأسمعت الأدنى ، ورفعت فأسمعت الأقصى ، قاله عكرمة .
ويحتمل رابعاً : أنها خفضت بالنفخة الأولى من أماتت ، ورفعت بالنفخة الثانية من أحيت .
{ إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجّاً } فيه قولان :
أحدهما : رجفت وزلزلت ، قاله ابن عباس ، قاله رؤبة بن العجاج :
أليس يوم سمي الخروجا ... أعظم يوم رجه رجوجاً
يوماً يرى مرضعة خلوجاً ... الثاني : أنها ترج بما فيها كما يرج الغربال بما فيه ، قاله الربيع بن أنس فيكون تأويلها على القول الأول أنها ترج بإماتة ما على ظهرها من الأحياء ، وتأويلها على القول الثاني أنها ترج لإخراج من في بطنها من الموتى .
{ وَبُسَّتِ الْجِبَالَ بَسّاً } فيه خمسة أقاويل :
أحدها : سالت سيلاً ، قاله مجاهد .
الثاني : هدت هداً ، قاله عكرمة ،
الثالث : سيرت سيراً ، قاله محمد بن كعب ، ومنه قول الأغلب العجلي :
نحن بسسنا بأثر أطاراً ... أضاء خمساً ثمت سارا
الرابع : قطعت قطعاً ، قاله الحسن . .
الخامس : إنها بست كما يبس السويق أي بلت ، البسيسة هي الدقيق يلت ويتخذ زاداً ، قال لص من غطفان :
لا تخبزا خبزاً وبسا بسا ... ولا تطيلا بمناخ حبسا
{ فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه رهج الغبار يسطع ثم يذهب ، فجعل الله أعمالهم كذلك ، قاله علي .
الثاني : أنها شعاع الشمس الذي من الكوة ، قاله مجاهد .
الثالث : أنه الهباء الذي يطير من النار إذا اضطربت ، فإذا وقع لم يكن شيئاً ، قاله ابن عباس .
الرابع : أنه ما يبس من ورق الشجر تذروه الريح ، قاله قتادة .
وفي المنبث ثلاثة أوجه :
أحدها : المتفرق ، قاله السدي .
الثاني : المنتشر .
الثالث : المنثور .
{ وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً } يعني أصنافاً ثلاثة ، قال عمر بن الخطاب : اثنان في الجنة وواحد في النار .
وفيهما وجهان :
أحدهما : ما قاله ابن عباس أنها التي في سورة الملائكة : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } .
الثاني : ما رواه النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(4/218)


« وكنتم أزوجاً ثلاثة » الآية .
ويحتمل جعلهم أزواجاً وجهين :
أحدهما : أن ذلك الصنف منهم مستكثر ومقصر ، فصار زوجاً .
الثاني : أن في كل صنف منهم رجالاً ونساء ، فكان زوجاً .
{ فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ } فيهم خمسة تأويلات :
أحدها : أن أصحاب الميمنة الذين أخذوا من شق آدم الأيمن ، وأصحاب المشأمة الذين أخذوا من شق آدم الأيسر ، قاله زيد بن أسلم .
الثاني : أن أصحاب الميمنة من أوتي كتابه بيمينه ، وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بيساره ، قاله محمد بن كعب .
الثالث : أن أصحاب الميمنة هم أهل الحسنات ، وأصحاب المشأمة هم أهل السيئات ، قاله ابن جريج .
الرابع : أن أصحاب الميمنة الميامين على أنفسهم ، وأصحاب المشأمة المشائيم على أنفسهم ، قاله الحسن .
الخامس : أن أصحاب الميمنة أهل الجنة ، وأصحاب المشأمة أهل النار ، قاله السدي .
وقوله : { وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ } لتكثير ما لهم من العقاب .
{ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلِئِكَ الْمُقَرَّبُونَ } فيهم خمسة أقاويل :
أحدها : أنهم الأنبياء ، قاله محمد بن كعب .
الثاني : أنهم الاسبقون إلى الإيمان من كل أمة ، قاله الحسن ، وقتادة .
الثالث : أنهم الذين صلوا إلى القبلتين ، قاله ابن سيرين .
الرابع : هم أول الناس رواحاً إلى المساجد وأسرعهم خفوفاً في سبيل الله ، قاله عثمان بن أبي سوادة .
الخامس : أنهم أربعة : منهم سابق أمة موسى وهو حزقيل مؤمن آل فرعون ، وسابق أمة عيسى وهو حبيب النجار صاحب أنطاكية ، وسابقان من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهما : أبو بكر وعمر ، قاله ابن عباس .
ويحتمل سادساً : أنهم الذي أسلموا بمكة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وبالمدينة قبل هجرته إليهم لأنهم سبقوا بالإسلام قبل زمان الرغبة والرهبة .
وفي تكرار قوله تعالى : { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ } قولان :
أحدهما : السابقون في الدنيا إلى الإيمان ، السابقون في الآخرة إلى الجنة هم المقربون ، قاله الكلبي .
الثاني : يحتمل أنهم المؤمنون بالأنبياء في زمانهم ، وسابقوهم بالايمان هم المقربون المقدمون منهم .

(4/219)


ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)

{ ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنهم الجماعة ، ومنه قول الشاعر :
ولست ذليلاً في العشيرة كلها ... تحاول منها ثلة لا يسودها
الثاني : الشطر وهو النصف ، قاله الضحاك .
الثالث : أنها الفئة ، قاله أبو عبيدة ، ومنه قول دريد بن الصمة :
ذريني أسير في البلاد لعلني ... ألاقي لبشر ثلة من محارب
وفي قوله تعالى : { مِّنَ الأَوََّلِينَ } قولان :
أحدهما : أنهم أَصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله أبو بكرة .
الثاني : أنهم قوم نوح ، قاله الحسن .
{ وَقَلِيلٌ مِّنَ الأَخرِينَ } فيه قولان :
أحدهما : أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله الحسن .
الثاني : أنهم الذين تقدم إسلامهم قبل أن يتكاملوا ، روى أبو هريرة أنه لما نزلت { ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الأخِرِينَ } شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت { ثلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مَّنَ الأخِرِينَ } فقال عليه السلام : « إِنِّي لأرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلَ الْجَنَّةِ بَلْ ثُلُتَ أَهْلِ الجَنَّةِ بَلْ أَنتُم نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَتُقَاسِمُونَهُم فِي النِّصْفِ الثَّانِي » .
{ عَلَى سُرُرٍ مَّوضُونَةٍ } يعني الأسرة ، واحدها سرير ، سميت بذلك لأنها مجلس السرور .
وفي الموضونة أربعة أوجه :
أحدها : أنها الموصولة بالذهب ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنها المشبكة النسج ، قاله الضحاك ، ومنه قول لبيد :
إن يفزعوا فسرا مع موضونة ... والبيض تبرق كالكواكب لامها
الثالث : أنها المضفورة ، قاله أبو حرزة يعقوب بن مجاهد ، ومنه وضين الناقة وهو البطان العريض المضفور من السيور .
الرابع : أنها المسندة بعضها إلى بعض .
{ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ } الولدان : جمع وليد وهم الوصفاء .
وفي قوله تعالى : { مُّخَلَّدُونَ } قولان :
أحدهما : [ مسورون ] بالأسورة ، [ مقرطون ] بالأقراط ، قاله الفراء ، قال الشاعر :
ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أقاوز الكثبان
الثاني : أنهم الباقون على صغرهم لا يموتون ولا يتغيرون ، قاله الحسن ، ومنه قول امرىء القيس :
وهل ينعمن إلا سعيد مخلد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال
ويحتمل ثالثاً : أنهم الباقون معهم لا يبصرون عليهم ولا ينصرفون عنهم بخلافهم في الدنيا .
{ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ } فيهما قولان :
أحدهما : أن الأكواب : التي ليس لها عُرى ، قاله الضحاك .
الثاني : أن الأكواب : مدورة الأفواه ، والأباريق : التي يغترف بها ، قاله قتادة ، قال الشاعر :
فعدوا عليّ بقرقف ... ينصب من أكوابها
{ وَكَأَسٍ مِّن مَّعِينٍ } والكأس اسم للإناء إذا كان فيه شراب ، والمعين الجاري من ماء أو خمر ، غير أن المراد به في هذا الموضوع الخمر ، وصف الخمر بأنه الجاري من عينه بغير عصر كالماء المعين .
{ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : معناه لا يمنعون منها ، قاله أبو حرزة يعقوب بن مجاهد .
الثاني : لا يفرّقون عنها ، حكاه ابن قتيبة ، واستشهد عليه بقول الراجز :
صد عنه فانصدع . ... الثالث : لا ينالهم من شربها وجع الرأس وهو الصداع ، قاله ابن جبير ، وقتادة ، ومجاهد ، والسدي .

(4/220)


وفي قوله تعالى : { وَلاَ يُنزِفُونَ } أربعة أوجه :
أحدها : لا تنزف عقولهم فيسكرون ، قاله ابن زيد ، وقتادة .
الثاني : لا يملون ، قاله عكرمة .
الثالث : لا يتقيئون ، قاله يحيى بن وثاب .
الرابع : وهو تأويل من قرأ بكسر الزاي لا يفنى خمرهم ، ومنه قول الأبيرد :
لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم ... لبئس الندامى أنتم آل أبجرا
وروى الضحاك عن ابن عباس قال : في الخمر أربع خصال : السكر ، والصداع ، والقيء ، والبول ، وقد ذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال .
{ وَحُورٌ عِينٌ } والحور البيض سمين لبياضهن ، وفي العين وجهان :
أحدهما : أنهن كبار الأعين ، كما قال الشاعر :
إذا كبرت عيون من النساء ... ومن غير النساء فهن عين
الثاني : أنهن اللاتي سواد أعينهن حالك ، وبياض أعينهن نقي ، كما قال الشاعر :
إذا ما العين كان بها احورار ... علامتها البياض على السواد
{ كَأَمْثَالِ اللؤْلُؤِ الْمَكْنُُونِ } فيه وجهان :
أحدهما : في نضارتها وصفاء ألوانها .
الثاني : أنهن كأمثال اللؤلؤ في تشاكل أجسادهن في الحسن من جميع جوانبهن ، كما قال الشاعر :
كأنما خلقت في قشر لؤلؤة ... فكل أكنافها وجه لمرصاد
{ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : لا يسمعون في الجنة باطلاً ولا كذباً ، قاله ابن عباس .
الثاني : لا يسمعون فيها خُلفاً ، أي لا يتخالفون عليها كما يتخالفون في الدنيا ، ولا يأثمون بشربها ، كما يأثمون في الدنيا ، قاله الضحاك .
الثالث : لا يسمعون فيها شتماً ولا مأثماً ، قاله مجاهد .
يحتمل رابعاً : لا يسمعون مانعاً لهم منها ، ولا مشنعاً لهم على شربها .
{ إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لكن يسمعون قولاً ساراً وكلاماً حسناً .
الثاني : لكن يتداعون بالسلام على حسن الأدب وكريم الأخلاق .
الثالث : يعني قولاً يؤدي إلى السلامة .
ويحتمل رابعاً : أن يقال لهم هنيئاً .

(4/221)


وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (40)

{ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ الْيَمِينِ } فيه ستة أقاويل :
أحدها : أنهم أصحاب الحق ، قاله السدي .
الثاني : أنهم دون منزلة المقربين ، قاله ميمون بن مهران .
الثالث : أنهم من أعطي كتابه بيمينه ، قاله يعقوب بن مجاهد .
الرابع : أنهم التابعون بإحسان ممن لم يدرك الأنبياء من الأمم ، قاله الحسن .
الخامس : ما رواه أسباط عن السدي : أن الله تعالى مسح ظهر آدم فمسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج ذرية كهيئة الذر بيضاء فقال لهم ادخلوا الجنة ولا أبالي ، ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج ذرية كهيئة الذر سوداء ، فقال لهم ادخلوا النار ولا أبالي ، فذلك هو قوله تعالى : { وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ } ، وقوله : { وَأصْحَابُ الْشِّمَالِ } .
السادس : ما رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أصحاب اليمين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ثم تابوا بعد ذلك وأصلحوا . »
{ فِي سِدْرٍ مَّخضُودٍ } والسدر النبق ، وفي مخضود ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه اللين الذي لا شوك فيه ، قاله عكرمة ، وقال غيره لا عجم لنبقه ، يقال خضدت الشجرة إذا حذقت شوكها .
الثاني : أنه الموقر حملاً ، قاله مجاهد .
الثالث : المدلاة الأغصان ، وخص السدر بالذكر لأن ثمره أشهى الثمر إلى النفوس طمعاً وألذه ريحاً .
{ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الطلح الموز ، قاله ابن عباس ، وابو سعيد الخدري ، وأبو هريرة ، والحسن ، وعكرمة .
الثاني : أنها شجرة تكون باليمن وبالحجاز كثيراً تسمى طلحة ، قاله عبد الله بن حميد ، وقيل إنها من أحسن الشجر منظراً ، ليكون بعض شجرهم مأكولاً وبعضه منظوراً ، قال الحادي :
بشرها دليلها وقالا ... غداً ترين الطلح والأحبالا
الثالث : أنه الطلع ، قاله علي ، وحكى أنه كان يقرأ : { وَطَلْعٍ مَّنضُودٍ } ، وفي المنضود قولان :
أحدهما : المصفوف ، قاله السدي .
الثاني : المتراكم ، قاله مجاهد .
{ وَظِلٍ مَّمْدُودٍ } أي دائم .
ويحتمل ثانياً : أنه التام .
{ وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ } أي منصب في غير أخدود .
ويحتمل آخر : أنه الذي ينسكب عليهم من الصعود والهبوط بخلاف الدنيا ، قال الضحاك : من جنة عدن إلى أهل الخيام .
{ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } يحتمل وجهين :
أحدهما : لا مقطوعة بالفناء ولا ممنوعة من اليد بشوك أو بعد .
وفيه وجه ثالث : لا مقطوعة بالزمان ولا ممنوعة بالأشجار .
{ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ } فيها قولان :
أحدهما : أنها الحشايا المفروشة للجلوس والنوم ، مرفوعة بكثرة حشوها زيادة في الاستمتاع بها .
الثاني : أنهم الزوجات لأن الزوجة تسمى فراشاً ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : « الوَلَدُ لِلْفرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ » قاله ابن بحر . فعلى هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : مرفوعات في القلوب لشدة الميل إليهن .
الثاني : مرفوعات عن الفواحش والأدناس .
{ إِنَّآ أَنشَأناهُنَّ إِنشَآءً } يعني نساء أهل الدنيا ، وفي إنشائهن في الجنة قولان :
أحدهما : يعني إنشاءهن في القبور ، قاله ابن عباس .

(4/222)


الثاني : إعادتهن بعد الشمط والكبر صغاراً أبكاراً ، قاله الضحاك ، وروته أم سلمة مرفوعاً :
{ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً } فيه قولان :
أحدهما : عذارى بعد أن كن غير عذارى ، قاله يعقوب بن مجاهد .
الثاني : لا يأتيها إلا وجدها بكراً ، قاله ابن عباس .
ويحتمل ثالثاً : أبكاراً من الزوجات ، وهن الأوائل لأنهن في النفوس أحلى والميل إليهن أقوى ، كما قال الشاعر :
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً فارغاً فتمكنا
قوله تعالى { عُرُباً أَتْرَاباً } فيه سبعة تأويلات :
أحدها : أن العرب المنحبسات على أزواجهن المتحببات إليهم ، قاله سعيد بن جبير ، والكلبي .
الثاني : أنهن المتحببات من الضرائر ليقفن على طاعته ويتساعدن على إشاعته ، قاله عكرمة .
الثالث : الشكلة بلغة أهل مكة ، والغنجة بلغة أهل المدينة ، قاله ابن زيد ، ومنه قول لبيد :
وفي الخباء عروب غير فاحشة ... ريا الروادف يعشى دونها البصر
الرابع : هن الحسنات الكلام ، قاله ابن زيد . [ أيضاً ] .
الخامس : أنها العاشقة لزوجها لأن عشقها له يزيده ميلاً إليها وشغفاً بها .
السادس : أنها الحسنة التبعُّل ، لتكون ألذ استمتاعاً .
السابع : ما رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « عُرُباً كَلاَمُهُنَّ عَرَبِّي »
{ أَتْراباً } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني أقران ، قاله عطية .
وقال الكلبي : على سن واحدة ثلاث وثلاثين سنة ، يقال في النساء أتراب ، وفي الرجال أقران ، وأمثال ، وأشكال ، قاله مجاهد .
الثالث : أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسد ، قاله السدي .

(4/223)


وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56)

{ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ } فيه قولان :
أحدهما الدخان ، قاله أبو مالك .
الثاني : أنها نار سوداء ، قاله ابن عباس .
{ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ } فيه وجهان :
أحدهما : لا بارد المدخل ، ولا كريم المخرج ، قاله ابن جريج .
الثاني : لا كرامة فيه لأهله .
ويحتمل ثالثاً : أن يريد لا طيب ولا نافع .
{ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرفِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : منعمين ، قاله ابن عباس .
الثاني : مشركين ، قاله السدي .
ويحتمل وصفهم بالترف وجهين :
أحدهما : التهاؤهم عن الإعتبار وشغلهم عن الإزدجار .
الثاني : لأن عذاب المترف أشد ألماً .
{ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه الشرك بالله ، قاله الحسن ، والضحاك ، وابن زيد .
الثاني : الذنب العظيم الذي لا يتوبون منه ، قاله قتادة ، ومجاهد .
الثالث : هو اليمين الموس ، قاله الشعبي .
ويحتمل رابعاً : أن يكون الحنث العظيم نقض العهد المحصن بالكفر .
{ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنها الأرض الرملة التي لا تروى بالماء ، وهي هيام الأرض ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنها الإبل التي يواصلها الهيام وهو داء يحدث عطشاً فلا تزال الإبل تشرب الماء حتى تموت ، قاله عكرمة ، والسدي ، ومنه قول قيس بن الملوح :
يقال به داء الهيام أصابه ... وقد علمت نفسي مكان شفائياً
الثالث : أن الهيم الإبل الضوال لأنها تهيم في الأرض لا تجد ماءً فإذا وجدته فلا شيء أعظم منها شرباً .
الرابع : أن شرب الهيم هو أن تمد الشرب مرة واحدة إلى أن تتنفس ثلاث مرات ، قاله خالد بن معدان ، فوصف شربهم الحميم بأنه كشرب الهيم لأنه أكثر شرباً فكان أزيد عذاباً .
{ هَذَا نُزْلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ } أي طعامهم وشرابهم يوم الجزاء ، يعني في جهنم .

(4/224)


نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62)

{ نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : نحن خلقنا رزقكم أفلا تصدقون أن هذا طعامكم .
الثاني : نحن خلقناكم فلولا تصدقون أننا بالجزاء : بالثواب والعقاب اردناكم .
{ أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ } يعني نطفة المني ، قال الفراء ، يقال أمنى يمني ومنى يمني بمعنى واحد .
ويحتمل عندي أن يختلف معناهما فيكون أمنى إذا أنزل عن جماع ، ومني إذا عن احتلام .
وفي تسمية المني منياً وجهان :
أحدهما : لإمنائه وهو إراقته .
الثاني : لتقديره ومنه المناء الذي يوزن به فإنه مقدار لذلك فكذلك المني مقدار صحيح لتصوير الخلقة .
{ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أي نحن خلقنا من المني المهين بشراً سوياً ، فيكون ذلك خارجاً مخرج الإمتنان .
الثاني : أننا خلقنا مما شاهدتموه من المني بشراً فنحن على خلق ما غاب من إعادتكم أقدر ، فيكون ذلك خارجاً مخرج البرهان ، لأنهم على الوجه الأول معترفون ، وعلى الوجه الثاني منكرون .
{ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : قضينا عليكم بالموت .
الثاني : كتبنا عليكم الموت .
الثالث : سوينا بينكم الموت .
فإذا قيل بالوجه الأول بمعنى قضى ففيه وجهان :
أحدهما قضى بالفناء ثم الجزاء .
الثاني : ليخلف الأبناء الآباء .
وإذا قيل بالوجه الثاني أنه بمعنى كتبنا ففيه وجهان :
أحدهما : كتبنا مقداره فلا يزيد ولا ينقص ، قاله ابن عيسى .
الثاني : كتبنا وقته فلا يتقدم عليه ولا يتأخر ، قاله مجاهد .
وإذا قيل بالوجه الثالث أنه بمعنى سوينا ففيه وجهان :
أحدهما : سوينا بين المطيع والعاصي .
الثاني : سوينا بين أهل السماء وأهل الأرض ، قاله الضحاك .
{ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : وما نحن بمسبوقين على ما قدرنا بينكم الموت حتى لا تموتوا .
الثاني : وما نحن بمسبوقين على أن تزيدوا في مقداره وتؤخروه عن وقته .
والوجه الثاني : أنه ابتداء كلام يتصل به ما بعده من قوله تعالى : { عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئِكُم فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ } فعلىهذا في تأويله وجهان :
أحدهما : لما لم نسبق إلى خلق غيركم كذلك لا نعجز عن تغيير أحوالكم بعد موتكم .
الثاني : كما لم نعجز عن خلق غيركم كذلك لا نعجز عن تغيير أحوالكم بعد موتكم كما لم نعجز عن تغييرها في حياتكم .
فعلى هذا التأويل يكون في الكلام مضمر محذوف ، وعلى التأويل الأول يكون جميعه مظهراً .

(4/225)


أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)

{ أَفَرَءَيْتُمْ مَّا تَحْرُثُونَ } الآية . فأضاف الحرث إليهم والزرع إليه تعالى لأن الحرث فعلهم ويجري على اختيارهم ، والزرع من فعل الله وينبت على إختياره لا على إختيارهم ، وكذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : « لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُم زَرَعْتُ وَلَكِن لِيَقُلْ حَرَثْتُ » .
وتتضمن هذه الآية أمرين :
أحدهما : الإمتنان عليهم بأن أنبت زرعهم حتى عاشوا به ليشكروه على نعمته عليهم .
الثاني : البرهان الموجب للإعتبار بأنه لما أنبت زرعهم بعد تلاشي بذوره وإنتقاله إلى إستواء حاله ، [ من العفن إلى الترتيب ] حتى صار زرعاً أخضر ، ثم جعله قوياً مشتداً أضعاف ما كان عليه ، فهو بإعادة من مات أحق وعليه أقدر ، وفي هذا البرهان مقنع لذوي الفطر السليمة .
ثم قول تعالى { لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً } يعني الزرع ، والحطام الهشيم الهالك الذي لا ينتفع به ، فنبه بذلك على أمرين :
أحدهما : ما أولاهم من النعم في زرعهم إذ لم يجعله حطاماً ليشكروه .
الثاني : ليعتبروا بذلك في أنفسهم ، كما أنه يجعل الرزع حطاماً إذا شاء كذلك يهلكهم إذا شاء ليتعظوا فينزجروا .
{ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ } بعد مصير الزرع حطاماً ، وفيه أربعة أوجه :
أحدها : تندمون ، وهو قول الحسن وقتادة ، ويقال إنها لغة عكل وتميم .
الثاني : تحزنون ، قاله ابن كيسان .
الثالث : تلاومون ، قاله عكرمة .
الرابع : تعجبون ، قاله ابن عباس . وإذا نالكم هذا في هلاك زرعكم كان ما ينالكم في هلاك أنفسكم أعظم .
{ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لمعذبون ، قاله قتادة ، ومنه قول ابن المحلم :
وثقت بأن الحفظ مني سجية ... وأن فؤادي مبتلى بك مغرم
الثاني : مولع بنا ، قاله عكرمة ، ومنه قول النمر بن تولب :
سلا عن تذكره تكتما ... وكان رهيناً بها مغرماً
أي مولع .
الثالث : محرومون من الحظ ، قاله مجاهد ، ومنه قول الشاعر :
يوم النسار ويوم الجفا ... ركانا عذاباً وكانا غراماً
{ أَفَرَءَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ } أي تستخرجون بزنادكم من شجر أو حديد أو حجر ، ومنه قول الشاعر :
فإن النار بالزندين تورى ... وإن الشر يقدمه الكلام
{ ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ } أي أخذتم أصلها .
{ أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ } يعني المحدثون .
{ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً } فيه وجهان :
أحدهما : تذكرة لنار [ الآخرة ] الكبرى ، قاله قتادة .
الثاني : تبصرة للناس من الظلام ، قاله مجاهد .
{ وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوينَ } فيه خمسة أقاويل :
أحدها : منفعة للمسافرين قاله الضحاك ، قال الفراء : إنما يقال للمسافرين إذا نزلوا القِيّ وهي الأرض القفر التي لا شيء فيها .
الثاني : المستمتعين من حاضر ومسافر ، قاله مجاهد .
الثالث : للجائعين في إصلاح طعامهم ، قاله ابن زيد .
الرابع : الضعفاء والمساكين ، مأخوذ من قولهم قد أقوت الدار إذا خلت من أهلها ، حكاه ابن عيسى .
والعرب تقول قد أقوى الرجل إذا ذهب ماله ، قال النابغة :
يقوى بها الركب حتى ما يكون لهم ... إلا الزناد وقدح القوم مقتبس
الخامس : أن المقوي الكثير المال ، مأخوذ من القوة فيستمتع بها الغني والفقير .

(4/226)


فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)

{ فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ الْنُّجُومِ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه إنكار أن يقسم الله بشيء من مخلوقاته ، قال الضحاك : إن الله لا يقسم بشىء من خلقه ولكنه استفتاح يفتتح به كلامه .
الثاني : أنه يجوز أن يقسم الخالق بالمخلوقات تعظيماً من الخالق لما أقسم به من مخلوقاته .
فعلى هذا في قوله : { فَلاَ أُقْسِمُ } وجهان :
أحدهما : أن « لا » صلة زائدة ، ومعناه أقسم .
الثاني : أن قوله : { فَلاَ } راجع إلى ما تقدم ذكره ، ومعناه فلا تكذبوا ولا تجحدوا ما ذكرته من نعمة وأظهرته من حجة ، ثم استأنف كلامه فقال : { أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ } .
وفيها ستة أقاويل :
أحدها : أنها مطالعها ومساقطها ، قاله مجاهد .
الثاني : إنتشارها يوم القيامة وإنكدارها ، قاله الحسن .
الثالث : أن مواقع النجوم السماء ، قاله ابن جريج .
الرابع : أن مواقع النجوم الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا مطروا قالوا : مطرنا بنوء كذا ، قاله الضحاك ، ويكون قوله : { فلا أقسم } مستعملاً على حقيقته في نفي القسم بها .
الخامس : أنها نجوم القرآن أنزلها الله من اللوح المحفوظ من السماء العليا إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا ، فنجمه السفرة على جبريل عشرين ليلة ، ونجمه جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم عشرين سنة ، فهو ينزله على الأحداث في أمته ، قاله ابن عباس والسدي .
السادس : أن مواقع النجوم هو محكم القرآن ، حكاه الفراء عن ابن مسعود .
{ وَإِنَّهُ قَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } فيه قولان :
أحدهما : أن القرآن قسم عظيم ، قاله ابن عباس .
الثاني : أن الشرك بآياته جرم عظيم ، قاله ابن عباس ، والضحاك .
ويحتمل ثالثاً : أن ما أقسم الله به عظيم .
{ إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ } يعني أن هذا القرآن كريم ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : كريم عند الله .
الثاني : عظيم النفع للناس .
الثالث : كريم بما فيه من كرائم الأخلاق ومعالي الأمور .
ويحتمل أيضاً رابعاً : لأنه يكرم حافظه ويعظم قارئه .
{ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ } وفيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه كتاب في السماء وهو اللوح المحفوظ ، قاله ابن عباس ، وجابر بن زيد .
الثاني : التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن وذكر من ينزل عليه ، قاله عكرمة .
الثالث : أنه الزبور .
الرابع : أنه المصحف الذي في أيدينا ، قاله مجاهد ، وقتادة .
وفي { مَّكْنُونٍ } وجهان :
أحدهما : مصون ، وهو معنى قول مجاهد .
الثاني : محفوظ عن الباطل ، قاله يعقوب بن مجاهد .
ويحتمل ثالثاً : أن معانيه مكنونة فيه .
{ لاَّ يَمَسَّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ } تأويله يختلف بإختلاف الكتاب ، فإن قيل : إنه كتاب في السماء ففي تأويله قولان :
أحدهما : لا يمسه في السماء إلا الملائكة المطهرون ، قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير .
الثاني : لا ينزله إلا الرسل من الملائكة إلى الرسل من الأنبياء ، قاله زيد بن أسلم .
وإن قيل إنه المصحف الذي في أيدينا ففي تأويله ستة أقاويل :
أحدها : لا يمسه بيده إلا المطهرون من الشرك ، قاله الكلبي .

(4/227)


الثاني : إلا المطهرون من الذنوب والخطايا قاله الربيع بن أنس .
الثالث : إلا المطهرون من الأحداث والأنجاس ، قاله قتادة . الرابع : لا يجد طعم نفعه إلا المطهرون أي المؤمنون بالقرآن ، حكاه الفراء .
الخامس : لا يمس ثوابه إلا المؤمنون ، رواه معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم .
السادس : لا يلتمسه إلا المؤمنون ، قاله ابن بحر .
{ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ } يعني بهذا الحديث القرآن الذي لا يمسه إلا المطهرون .
وفي قوله مدهنون أربعة تأويلات :
أحدها : مكذبون ، قاله ابن عباس .
الثاني : معرضون ، قاله الضحاك .
الثالث : ممالئون الكفار على الكفر به ، قاله مجاهد .
الرابع : منافقون في التصديق به حكاه ابن عيسى ، ومنه قول الشاعر :
لبعض الغشم أبلغ في أمور ... تنوبك من مداهنة العدو
{ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُم إِنَّكُم تُكَذِّبُونَ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه الإستسقاء بالأنواء وهو قول العرب مطرنا بنوء كذا ، قاله ابن عباس ورواه علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم .
الثاني : الاكتساب بالسحر ، قاله عكرمة .
الثالث : هو أن يجعلوا شكر الله على ما رزقهم تكذيب رسله والكفر به ، فيكون الرزق الشكر ، وقد روي عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : { وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُم أَنَّكُم تُكَذِّبُونَ } .
ويحتمل رابعاً : أنه ما يأخذه الأتباع من الرؤساء على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم والصد عنه .

(4/228)


فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87)

{ فَلَوْلاَ إِن كُنْتُم غَيْرَ مَدِينِينَ } فيه سبعة تأويلات :
أحدها : غير محاسبين ، قاله ابن عباس .
الثاني : غير مبعوثين ، قاله الحسن .
الثالث : غير مصدقين ، قاله سعيد بن جبير .
الرابع : غير مقهورين ، قاله ميمون بن مهران .
الخامس : غير موقنين ، قاله مجاهد .
السادس : غير مجزيين بأعمالكم ، حكاه الطبري .
السابع : غير مملوكين ، قاله الفراء .
{ تَرْجِعُونَهَآ } أي ترجع النفس بعد الموت إلى الجسد إن كنتم صادقين أنكم غير مذنبين .

(4/229)


فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)

{ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ } فيهم وجهان :
أحدهما : أنهم أهل الجنة ، قاله يعقوب بن مجاهد .
الثاني : أنهم السابقون ، قاله أبو العالية .
{ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ } في الرَّوْح ثمانية تأويلات :
أحدها : الراحة ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه الفرح ، قاله ابن جبير .
الثالث : أنه الرحمة ، قاله قتادة .
الرابع : أنه الرخاء ، قاله مجاهد .
الخامس : أنه الرَوح من الغم والراحة من العمل ، لأنه ليس في الجنة غم ولا عمل ، قاله محمد بن كعب .
السادس : أنه المغفرة ، قاله الضحاك .
السابع : التسليم ، حكاه ابن كامل .
الثامن : ما روى عبد الله بن شقيق عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ { فَرُوُحٌ } بضم الراء ، وفي تأويله وجهان :
أحدهما : بقاء روحه بعد موت جسده .
الثاني : ما قاله الفراء أن تأويله حياة لا موت بعدها في الجنة .
وأما الريحان ففيه ستة تأويلات :
أحدها : أنه الإستراحة عند الموت ، قاله ابن عباس .
الثاني : الرحمة ، قاله الضحاك .
الثالث : أنه الرزق ، قاله ابن جبير .
الرابع : أنه الخير ، قاله قتادة .
الخامس : أنه الريحان المشموم يُتَلَقَّى به العبد عند الموت ، رواه عبد الوهاب .
السادس : هو أن تخرج روحه ريحانة ، قال الحسن .
واختلف في محل الرَوْح على خمسة أقوال .
أحدها : عند الموت .
الثاني : قبره ما بين موته وبعثه .
الثالث : الجنة زيادة على الثواب والجزاء ، لأنه قرنه بذكر الجنة فاقتضى أن يكون فيها .
الرابع : أن الروح في القبر ، والريحان في الجنة .
الخامس : أن الروح لقلوبهم ، والريحان لنفوسهم ، والجنة لأبدانهم .
{ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه سلامته من الخوف وتبشيره بالسلامة .
الثاني : أنه يحيا بالسلام إكراماً ، فعلى هذا في محل السلام ثلاثة أقاويل :
أحدها : عند قبض روحه في الدنيا يسلم عليه ملك الموت ، قاله الضحاك .
الثاني : عند مساءلته في القبر ، يسلم عليه منكر ونكير .
الثالث : عند بعثه في القيامة تسلم عليه الملائكة قبل وصوله إليها .

(4/230)


سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)

قوله تعالى { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ } في هذا التسبيح ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني أن خلق ما في السموات والأرض يوجب تنزيهه عن الأمثال والأشباه .
الثاني : تنزيه الله قولاً مما أضاف إليه الملحدون ، وهو قول الجمهور .
الثالث : أنه الصلاة ، سميت تسبيحاً لما تتضمنه من التسبيح ، قاله سفيان ، والضحاك .
فقوله : { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ } يعني الملائكة وما فيهن من غيرهم وما في الأرض يعني في الحيوان والجماد ، وقد ذكرنا في تسبيح الجماد وسجوده ما أغنى عن الإعادة .
{ وَهُوَ الْعَزِيزُ } في انتصاره ، { الْحَكِيمُ } في تدبيره .
{ هُوَ الأَوَّلُ وِالأخِرُ } يريد بالأول أنه قبل كل شيء لقدمه ، وبالآخر لأنه بعد كل شيء لبقائه .
{ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : الظاهر فوق كل شيء لعلوه ، والباطن إحاطته بكل شيء لقربه ، قاله ابن حيان .
الثاني : أنه القاهر لما ظهر وبطن كما قال تعالى : { فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَى عَدُوِّهِم فََأصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ } .
الثالث : العالم بما ظهر وما بطن .
{ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٍ } يعني بالأول والآخر والظاهر والباطن .
ولأصحاب الخواطر في ذلك ثلاثة أوجه :
أحدها : الأول في ابتدائه بالنعم ، والآخر في ختامه بالإحسان ، والظاهر في إظهار حججه للعقول ، والباطن في علمه ببواطن الامور .
الثاني : الأول بكشف أحوال الآخرة حين ترغبون فيها ، والآخر بكشف أحوال الدنيا حين تزهدون فيها ، والظاهر على قلوب أوليائه حين يعرفونه ، والباطن على قلوب أعدائه حين ينكرونه .
الثالث : الأول قبل كل معلوم ، والآخر بعد كل مختوم ، والظاهر فوق كل مرسوم ، والباطن محيط بكل مكتوم .

(4/231)


هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6)

{ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ } قال مقاتل : من مطر ، وقال غيره : من مطر وغير مطر .
{ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } قال مقاتل : من نبات وغير نبات .
{ وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } قال مقاتل : من الملائكة ، وقال غيره : من ملائكة وغير ملائكة .
ويحتمل وجهاً آخر : ما يلج في الأرض من بذر ، وما يخرج منها من زرع ، وما ينزل من السماء من قضاء ، وما يعرج فيها من عمل ، ليعلموا إحاطة علمه بهم فيما أظهروه أو ستروه ، ونفوذ قضائه فيهم بما أرادوه أو كرهوه .
{ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم } فيه وجهان :
أحدهما : علمه معكم أينما كنتم حيث لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، قاله مقاتل .
والثاني : قدرته معكم أينما كنتم حيث لا يعجزه شيء من أموركم .

(4/232)


آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)

{ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } تحتمل هذه النفقة وجهين :
أحدهما : أن تكون الزكاة المفروضة .
والثاني : أن يكون غيرها من وجوه الطاعات .
وفي { ما جَعَلَكْم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } قولان :
أحدهما : يعني مما جعلكم معمرين فيه بالرزق ، قاله مجاهد .
الثاني : مما جعلكم مستخلفين فيه بوراثتكم له عمن قبلكم ، قاله الحسن .
ويحتمل ثالثاً : مما جعلكم مستخلفين على القيام بأداء حقوقه .
{ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : معناه ولله ملك السموات والأرض .
الثاني : أنهما راجعان إليه بانقباض من فيهما كرجوع الميراث إلى المستحق .
{ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ } فيه قولان :
أحدهما : لا يستوي من أسلم من قبل فتح مكة وقاتل ومن أسلم بعد فتحها وقاتل ، قاله ابن عباس ، ومجاهد .
الثاني : يعني من أنفق ماله في الجهاد وقاتل ، قاله قتادة .
وفي هذا الفتح قولان :
أحدهما : فتح مكة ، قاله زيد بن أسلم .
الثاني : فتح الحديبية ، قاله الشعبي ، قال قتادة : كان قتالان أحدهما أفضل من الأخر ، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى ، كان القتال والنفقة قبل فتح مكة أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك .
{ وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } فيه قولان :
أحدهما : أن الحسنى الحسنة ، قاله مقاتل .
الثاني : الجنة ، قاله مجاهد .
ويحتمل ثالثاً : أن الحسنى القبول والجزاء .
{ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرضُ اللَّه قَرْضاً حَسَناً } فيه خمسة أقاويل :
أحدها : أن القرض الحسن هو أن يقول : سبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله والله أكبر ، رواه سفيان عن ابن حيان .
الثاني : أنه النفقة على الأهل ، قاله زيد بن أسلم .
الثالث : أنه التطوع بالعبادات ، قاله الحسن .
الرابع : أنه عمل الخير ، والعرب تقول لي عند فلان قرض صدق أو قرض سوء ، إذا فعل به خيراً أو شراً ، ومنه قول الشاعر :
وتجزي سلاماً من مقدم قرضها ... بما قدمت أيديهم وأزلت
الخامس : أنه النفقة في سبيل الله ، قاله مقاتل بن حيان .
وفي قوله : { حَسَناً } وجهان :
أحدهما : طيبة بها نفسه ، قاله مقاتل .
الثاني : محتسباً لها عند الله ، قاله الكلبي ، وسمي قرضاً لاستحقاق ثوابه ، قاله لبيد :
وإذا جوزيت قرضاً فاجزه ... إنما يجزى الفتى ليس الجمل
وفي تسميته { حَسَناً } وجهان :
أحدهما : لصرفه في وجوه حسنة .
الثاني : لأنه لا مَنَّ فيه ولا أذى .
{ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } فيه وجهان :
أحدهما : فيضاعف القرض لأن جزاء الحسنة عشر أمثالها .
الثاني : فيضاعف الثواب تفضلاً بما لا نهاية له .
{ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : لم يتذلل في طلبه . الثاني : لأنه كريم الخطر .
الثالث : أن صاحبه كريم .
فلما سمعها أبو الدحداح تصدق بحديقة فكان أول من تصدق بعد هذه الآية .
وروى سعيد بن جبير أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية ، فقالوا يا محمد ، أفقير ربك يسأل عباده القرض؟ فأنزل الله { لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ } الآية .

(4/233)


{ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم } وفي نورهم ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه ضياء يعطيهم الله إياه ثواباً وتكرمة ، وهذا معنى قول قتادة .
الثاني : أنه هداهم الذي قضاه لهم ، قاله الضحاك .
الثالث : أنه نور أعمالهم وطاعتهم .
قال ابن مسعود : ونورهم على قدر أعمالهم يمرون على الصراط منهم مَن نوره مثل النخلة ، وأدناهم نوراً مَن نوره على إبهام رجله يوقد تارة ويطفأ أخرى .
وقال الضحاك : ليس أحد يعطى يوم القيامة نوراً ، فإذا انتهوا إلى الصراط أطفىء نور المنافقين ، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن ينطفىء نورهم كما طفىء نور المنافقين ، فقالوا : { رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا } .
وفي قوله : { بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } وجهان :
أحدهما : ليستضيئوا به على الصراط ، قاله الحسن .
والثاني : ليكون لهم دليلاً إلى الجنة ، قاله مقاتل .
وفي قوله : { بِأَيْمَانَهِم } في الصدقات والزكوات وسبل الخير .
الرابع : بإيمانهم في الدنيا وتصديقهم بالجزاء ، قاله مقاتل .
قوله تعالى { بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ } فيه وجهان :
أحدهما : أن نورهم هو بشراهم بالجنات .
الثاني : هي بشرى من الملائكة يتلقونهم بها في القيامة ، قاله الضحاك .

(4/234)


يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15)

{ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ } الآية . قال ابن عباس وأبو أمامة : يغشى الناس يوم القيامة ظلمة أظنها بعد فصل القضاء ، ثم يعطون نوراً يمشون فيه .
وفي النور قولان :
أحدهما : يعطاه المؤمن بعد إيمانه دون الكافر .
الثاني : يعطاه المؤمن والمنافق ، ثم يسلب نور المنافق لنفاقه ، قاله ابن عباس .
فيقول المنافقون والمنافقات حين غشيتهم الظلمة .
{ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } حين أعطوا النور الذي يمشون فيه :
{ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } أي انتظروا ، ومنه قول عمرو بن كلثوم :
أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا
{ قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُوراً } فيه قولان :
أحدهما : ارجعوا إلى الموضع الي أخذنا منه النور فالتمسوا منه نوراً .
الثاني : ارجعو فاعملوا عملاً يجعل الله بين أيديكم نوراً .
ويحتمل في قائل هذا القول وجهان :
أحدهما : أن يقوله المؤمنون لهم .
الثاني : أن تقوله الملائكة لهم .
{ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه حائط بين الجنة والنار ، قاله قتادة .
الثاني : أنه حجاب في الأعراف ، قاله مجاهد .
الثالث : أنه سور المسجد الشرقي ، [ بيت المقدس ] قاله عبد الله بن عمرو بن العاص .
{ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبلِهِ الْعَذَابُ } فيه قولان :
أحدهما : أن الرحمة التي في باطنه الجنة ، والعذاب الذي في ظاهره جهنم ، قاله الحسن .
الثاني : أن الرحمة التي في باطنه : المسجد وما يليه ، والعذاب الذي في ظاهره : وادي جهنم يعني بيت المقدس ، قاله عبد الله بن عمرو بن العاص .
ويحتمل ثالثاً : أن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين ، والعذاب الذي في ظاهره ظلمة المنافقين .
وفيمن ضرب بينهم وبينه بهذا السور قولان :
أحدهما : أنه ضرب بينهم وبين المؤمنين الذي التمسوا منهم نوراً ، قاله الكلبي ومقاتل .
الثاني : أنه ضرب بينهم وبين النور بهذا السور حتى لا يقدروا على التماس النور .
{ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ } يعني نصلي مثلما تصلون ، ونغزو مثلما تغزون ، ونفعل مثلما تفعلون .
{ قَالُواْ بَلَى وَلَكِنَكُم فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : بالنفاق ، قاله مجاهد .
الثاني : بالمعاصي ، قاله أبو سنان .
الثالث : بالشهوات ، رواه أبو نمير الهمداني .
{ وَتَرَبَّصْتُمْ } فيه تأويلان :
أحدهما : بالحق وأهله ، قاله قتادة .
الثاني : وتربصتم بالتوبة ، قاله أبو سنان .
{ وَارْتَبْتُمْ } يعني شككتم في أمر الله .
{ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : خدع الشيطان ، قاله قتادة .
الثاني : الدنيا ، قاله ابن عباس .
الثالث : سيغفر لنا ، قاله أبو سنان .
الرابع : قولهم اليوم وغداً .
{ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ } فيه قولان :
أحدهما : الموت ، قاله أبو سنان .
الثاني : إلقاؤهم في النار ، قاله قتادة .
{ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُوْرُ } فيه وجهان :
أحدهما : الشيطان ، قاله عكرمة .
الثاني : الدنيا ، قاله الضحاك .

(4/235)


أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17)

{ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ } وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها نزلت في قوم موسى عليه السلام قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن حيان .
الثاني : في المنافقين آمنوا بألسنتهم وكفروا بقلوبهم ، قاله الكلبي .
الثالث : أنها في المؤمنين من أمتنا ، قاله ابن عباس وابن مسعود ، والقاسم بن محمد .
ثم اختلف فيها على ثلاثة أقاويل :
أحدها : ما رواه أبو حازم عن عون بن عبد الله عن ابن مسعود قال : ما كان بين أن أسلمنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين ، فجعل ينظر بعضنا إلى بعض ويقول ما أحدثنا . قال الحسن : يستبطئهم وهم أحب خلقه إليه .
الثاني : ما رواه قتادة عن ابن عباس أن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاثة عشرة سنة ، فقال تعالى : { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } الآية .
الثالث : ما رواه المسعودي عن القاسم قال : مل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة فقالوا يا رسول الله حدثنا ، فأنزل الله تعالى : { نَحنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسنَ الْقَصَصِ } ثم ملوا مرة فقالوا : حدثنا يا رسول الله ، فأنزل الله { أَلَمْ يَأنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ } .
قال شداد بن أوس : كان يروى لنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الخُشُوعُ » . ومعنى قوله : { أَلَمْ يَأْنِ } ألم يحن ، قال الشاعر :
ألم يأن لي يا قلب أن اترك الجهلا ... وأن يحدث الشيب المبين لنا عقلا
وفي { أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُم لِذِكْر اللَّهِ } ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن تلين قلوبهم لذكر الله .
الثاني : أن تذل قلوبهم من خشية الله .
الثالث : أن تجزع قلوبهم من خوف الله .
وفي ذكر الله ها هنا وجهان :
أحدهما : أنه القرآن ، قاله مقاتل .
الثاني : أنه حقوق الله ، وهو محتمل .
{ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : القرآن ، قاله مقاتل .
الثاني : الحلال والحرام ، قاله الكلبي .
الثالث : يحتمل أن يكون ما أنزل من البينات والهدى .
{ اعلموا أن الله يحيى الأرض بعد موتها } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يلين القلوب بعد قسوتها ، قاله صالح المري .
الثاني : يحتمل أنه يصلح الفساد .
الثالث : أنه مثل ضربه لإحياء الموتى . روى وكيع عن أبي رزين قال : قلت يا رسول الله كيف يحيى الله الأرض بعد موتها؟ فقال : « يَا أَبَا رُزَينَ أَمَا مَرَرْتَ بِوَادٍ مُمْحَلٍ ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضْرَةً؟ قال : بلى ، قَالَ كَذَلِكَ يُحْيي اللَّهُ المَوتَى » .

(4/236)


إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19)

{ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ } فيه وجهان :
أحدهما : المصدقين لله ورسوله .
الثاني : المتصدقين بأموالهم في طاعة الله .
{ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أَوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ } أي المؤمنون بتصديق الله ورسله .
{ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } فيه قولان :
أحدهما : أن الذين آمنوا بالله ورسله هم الصديقون وهم الشهداء عند ربهم ، قاله زيد بن أسلم .
الثاني : أن قوله : { أَوْلئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ } كلام تام .
وقوله : { وَالشُّهَدَآءُ عِنَدَ رَبِّهِمْ } كلام مبتدأ وفيهم قولان :
أحدهما : أنهم الرسل يشهدون على أممهم بالتصديق والتكذيب ، قاله الكلبي .
الثاني : أنهم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة .
وفيما يشهدون به قولان :
أحدهما يشهدون على أنفسهم بما عملوا من طاعة ومعصية ، وهذا معنى قول مجاهد .
الثاني : يشهدون لأنبيائهم بتبليغ الرسالة إلى أممهم ، قاله الكلبي .
وقال مقاتل قولاً ثالثاً : أنهم القتلى في سبيل الله لهم أجرهم عند ربهم يعني ثواب أعمالهم .
{ وَنُورُهُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : نورهم على الصراط .
الثاني : إيمانهم في الدنيا ، حكاه الكلبي .

(4/237)


اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)

{ اعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } فيه وجهان :
أحدهما : أكل وشرب ، قاله قتادة .
الثاني : أنه على المعهود من اسمه ، قال مجاهد : كل لعب لهو .
ويحتمل تأويلاً ثالثاً : أن اللعب ما رغَّب في الدنيا ، واللهو ما ألهى عن الآخرة .
ويحتمل رابعاً : أن اللعب الاقتناء ، واللهو النساء .
{ وَزِينَةٌ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن الدنيا زينة فانية .
الثاني : أنه كل ما بوشر فيها لغير طاعة .
{ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : بالخلقة والقوة .
الثاني : بالأنساب على عادة العرب في التنافس بالآباء .
{ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ } لأن عادة الجاهلية أن تتكاثر بالأموال والأولاد ، وتكاثر المؤمنين بالإيمان والطاعات .
ثم ضرب لهم مثلاً بالزرع { كَمَثَلٍ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمََّ يَهِيْجُ } بعد خضرة .
{ فَتَرَاهُ مُصْفَرَّاً ثُمَّ حُطَاماً } بالرياح الحطمة ، فيذهب بعد حسنه ، كذلك دنيا الكافر .
{ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّنْ رَبِّكُمْ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله أبو سعيد .
الثاني : الصف الأول ، قاله رباح بن عبيد .
الثالث : إلى التكبيرة الأولى مع الإمام ، قاله مكحول .
الرابع : إلى التوبة : قاله الكلبي .
{ وَجَنَةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ } ترغيباً في سعتها ، واقتصر على ذكر العرض دون الطول لما في العرض من الدلالة على الطول ، ولأن من عادة العرب أن تعبر عن سعة الشيء بعرضه دون طوله ، قال الشاعر :
كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب حلقة خاتم .
{ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مِن يَشَآءُ } فيه وجهان :
أحدهما : الجنة ، قاله الضحاك . الثاني : الدين ، قاله ابن عباس .
وفي { مَن يَشَآءُ } قولان :
أحدهما : من المؤمنين ، إن قيل إن الفضل الجنة .
الثاني : من جيمع الخلق ، إن قيل إنه الدين .

(4/238)


مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)

{ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ } فيه وجهان :
أحدهما : الجوائح في الزرع والثمار .
الثاني : القحط والغلاء .
{ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : في الدين ، قاله ابن عباس .
الثاني : الأمراض والأوصاب ، قاله قتادة .
الثالث : إقامة الحدود ، قاله ابن حبان .
الرابع : ضيق المعاش ، وهذا معنى رواية ابن جريج .
{ إِلاَّ فِي كِتَابٍ } يعني اللوح المحفوظ .
{ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } قال سعيد بن جبير : من قبل أن نخلق المصائب ونقضيها .
{ لِكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : من الرزق الذي لم يقدر لكم ، قاله ابن عباس ، والضحاك .
الثاني : من العافية والخصب الذي لم يقض لكم ، قاله ابن جبير .
{ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَاكُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : من الدنيا ، قاله ابن عباس .
الثاني : من العافية والخصب ، وهذا مقتضى قول ابن جبير .
وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله : { لِكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَاكُمْ } قال : ليس أحد إلا وهو يحزن ويفرح ، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبراً ، والخير شكراً .
{ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : الذين يبخلون يعني بالعلم ، ويأمرون الناس بالبخل بألا يعلموا الناس شيئاً ، قاله ابن جبير .
الثاني : أنهم اليهود بخلوا بما في التوارة من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله الكلبي ، والسدي .
الثالث : أنه البخل بأداء حق الله من أموالهم ، قاله زيد بن أسلم .
الرابع : أنه البخل بالصدقة والحقوق ، قاله عامر بن عبد الله الأشعري .
الخامس : أنه البخل بما في يديه ، قال طاووس .
وفرق أصحاب الخواطر بين البخيل والسخي بفرقين :
أحدهما : أن البخيل الذي يلتذ بالإمساك ، والسخي الذي يلتذ بالعطاء .
الثاني : أن البخيل الذي يعطي عند السؤال ، والسخي الذي يعطي بغير سؤال .

(4/239)


لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)

{ وَأنزَلْنَا الْحَدِيدَ } فيه قولان :
أحدهما : أن الله أنزله مع آدم . روى عكرمة عن ابن عباس قال : ثلاث أشياء نزلت مع آدم : الحجر الأسود ، كان أشد بياضاً من الثلج ، وعصا موسى وكانت من آس الجنة ، طولها عشرة أذرع مثل طول موسى ، والحديد ، أنزل معه ثلاثة أشياء : السندان والكلبتان والميقعة وهي المطرقة .
الثاني : أنه من الأرض غير منزل من السماء ، فيكون معنى قوله :
{ وَأَنزَلْنَا } محمولاً على أحد وجهين :
أحدهما : أي أظهرناه .
الثاني : لأن أصله من الماء المنزل من السماء فينعقد في الأرض جوهره حتى يصير بالسبك حديداً .
{ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } فيه وجهان :
أحدهما : لأن بسلاحه وآلته تكون الحرب التي هي بأس شديد .
الثاني : لأن فيه من خشية القتل خوفاً شديداً .
{ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : ما تدفعه عنهم دروع الحديد من الأذى وتوصلهم إلى الحرب والنصر .
الثاني : ما يكف عنهم من المكروه بالخوف عنه .
وقال قطرب : البأس السلاح ، والمنفعة الآلة .

(4/240)


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)

{ . . وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رأْفَةً وَرَحْمَةً } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن الرأفة اللين ، والرحمة الشفقة .
الثاني : أن الرأفة تخفيف الكل ، والرحمة تحمل الثقل .
{ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا } فيه قراءتان :
إحداهما : بفتح الراء وهي الخوف من الرهب .
الثانية : بضم الراء وهي منسوبة إلى الرهبان ومعناه أنهم ابتدعوا رهبانية ابتدؤوها .
وسبب ذلك ما حكاه الضحاك : [ أنهم ] بعد عيسى ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة فأنكرها عليهم من كان على منهاج عيسى فقتلوهم ، فقال قوم بقوا بعدهم : نحن إذا نهيناهم قتلونا ، فليس يسعنا المقام بينهم ، فاعتزلوا النساء واتخذوا الصوامع ، فكان هذا ما ابتدعوه من الرهبانية التي لم يفعلها من تقدمهم وإن كانوا فيها محسنين .
{ مَا كتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ } أي لم تكتب عليهم وفيها ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها رفض النساء واتخاذ الصوامع ، قاله قتادة .
الثاني : أنها لحوقهم بالجبال ولزومهم البراري ، وروي فيه خبر مرفوع .
الثالث : أنها الانقطاع عن الناس والانفراد بالعبادة .
وفي الرأفة والرحمة التي جعلها في قلوبهم وجهان :
[ الأول ] : أنه جعلها في قلوبهم بالأمر بها والترغيب فيها .
الثاني : جعلها بأن خلقها فيهم وقد مدحوا بالتعريض بها .
{ مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَآءَ رَضْوَانِ اللَّهِ } أي لم تكتب عليهم قبل ابتداعها ولا كتبت بعد ذلك عليهم .
الثاني : أنهم تطوعوا بها بابتداعها ، ثم كتبت بعد ذلك عليهم ، قاله الحسن .
{ فَمَا رَعَوْهَا حِقَّ رِعَايَتِهَا } فيه وجهان :
أحدهما : أنهم ما رعوها لتكذيبهم بمحمد .
الثاني : بتبديل دينهم وتغييرهم فيه قبل مبعث الرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله عطية العوفي .

(4/241)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)

{ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ } معناه يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد .
{ يُؤْتِكُم كِفْلَينِ مِن رَّحْمَتِهِ } فيه وجهان :
أحدهما : أن أحد الأجرين لإيمانهم بمن تقدم من الأنبياء ، والآخر لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن عباس .
الثاني : أن أحدهما : أجر الدنيا ، والآخر أجر الآخرة ، قاله ابن زيد .
ويحتمل ثالثاً : أن أحدهما أجر اجتناب المعاصي ، والثاني أجر فعل الطاعات .
ويحتمل رابعاً : أن أحدهما أجر القيام بحقوق الله والثاني أجر القيام بحقوق العباد .
{ وَيَجْعَلَ لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ } فيه قولان :
أحدهما : أنه القرآن ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه الهدى ، قاله مجاهد .
ويحتمل ثالثاً : أنه الدين المتبوع في مصالح الدنيا وثواب الآخرة . وقد روى أبو بريدة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ثَلاَثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَينِ : رَجُلٌ آمَنَ بِالكِتَابِ الأَوَّلِ وَالْكِتَابِ الآخِرِ ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَه أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا وَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ لَسَيِّدِهِ » .
{ لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ } قال الأخفش : معناه ليعلم أهل الكتاب وأن « لا » صلة زائدة وقال الفراء : لأنْ لا يعلم أهل الكتاب و « لا » صلة زائدة في كلام دخل عليه جحد .
{ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ } فيه وجهان :
أحدهما : من دين الله وهو الإسلام قاله مقاتل .
الثاني : من رزق الله ، قاله الكلبي .
وفيه ثالث : أن الفضل نعم الله التي لا تحصى .

(4/242)


قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)

قوله تعالى : { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } وهي خولة بنت ثعلبة ، وقيل بنت خويلد ، وليس هذا بمختلف لأن أحدهما أبوها والآخر جدها ، فنسبت إلى كل واحد منهما . وزوجها أوس بن الصامت . قال عروة : وكان امرأً به لمم فأصابه بعض لممه فظاهر من امرأته ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستفتيه في ذلك .
{ وتشتكي إلى الله } فيه وجهان :
أحدهما : تستغيث بالله .
والثاني : تسترحم الله . وروى الحسن أنها قالت : يا رسول الله قد نسخ الله سنن الجاهلية وإن زوجي ظاهر مني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما أوحي إليّ في هذا شيء » فقالت : يا رسول الله أوحي إليك في كل شيء وطوي عنك هذا؟ فقال : « هو ما قلت لك » فقالت : إلى الله أشكو لا إلى رسوله ، فأنزل الله تعالى : { قد سمع الله قول التي تجادلك } الآية . وقرأ ابن مسعود : { قَد سَّمِعَ } .
قالت عائشة : تبارك الله الذي أوعى سمعه كل شيء ، سمع كلام خولة بنت ثعلبة وأنا في ناحية البيت ما أسمع بعض ما تقول ، وهي تقول : يا رسول الله أكل شبابي وانقطع ولدي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك ، فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الأية .
{ والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير } والمحاورة مراجعة الكلام ، قال عنترة :
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي .
{ الذين يظاهرون منكم من نسائهم } الظهار قول الرجل لامرأته .
أنت عليّ كظهر أمي ، سمي ظهاراً لأنه قصد تحريم ظهرها عليه ، وقيل : لأنه قد جعلها عليه كظهر أمه ، وقد كان في الجاهلية طلاقاً ثلاثاً لا رجعة فيه ولا إباحة بعده فنسخه الله إلى ما استقر عليه الشرع من وجوب الكفارة فيه بالعود .

(4/243)


الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)

ثم قال : { . . ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم } تكذيباً من الله تعالى لقول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي .
{ وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً } يعني بمنكر القول الظاهر ، وبالزور كذبهم في جعل الزوجات أمهات .

(4/244)


إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)

{ إن الذين يحادُّون الله ورسوله } فيه وجهان :
أحدهما : يعادون الله ورسوله ، قاله مجاهد .
الثاني : يخالفون الله ورسوله ، قاله الكلبي .
وفي أصل المحادة وجهان :
أحدهما : أن تكون في حد يخالف حد صاحبك ، قاله الزجاج .
الثاني : أنه مأخوذ من الحديد المعد للمحادة .
{ كبتوا كما كبت الذين من قبلهم } فيه أربعة أوجه :
أحدها : [ أخزوا ] كما أخزي الذين من قبلهم ، قاله قتادة .
الثاني : معناه أهلكوا كما أهلك الذين من قبلهم ، قاله الأخفش وأبو عبيدة .
الثالث : لعنوا كما لعن الذين من قبلهم ، قاله السدي ، وقيل هي بلغة مذحج
الرابع : ردوا مقهورين .

(4/245)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10)

{ ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى } النجوى السرار ، ومن ذلك قول جرير :
من النفر البيض الذين إذا انتجوا ... أقرت بنجواهم لؤي بن غالب
والنجوى مأخوذة من النجوة وهي ما له ارتفاع وبعد ، لبعد الحاضرين عنه ، وفيها وجهان :
أحدهما : أن كل سرار نجوى ، قاله ابن عيسى .
الثاني : أن السرار ما كان بن اثنين ، والنجوى ما كان بين ثلاثة ، حكاه سراقة .
وفي المنهي عنه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم اليهود ، كانوا يتناجون بما بين المسلمين ، فنهوا عن ذلك ، قاله مجاهد .
الثاني : أنهم المنافقون ، قاله الكلبي .
الثالث : أنهم المسلمون .
روى أبو سعيد الخدري قال : كنا ذات ليلة نتحدث إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « ما هذه النجوى ألم تنهوا عن النجوى » .
فقلنا تبنا إلى الله يا رسول الله إنا كنا في ذكر المسيح يعني الدَّجال فرَقاً منه ، فقال : « ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي منه؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان الرجل » .
{ وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله } كانت اليهود إذا دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : السام عليك ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم فيقول : { وعليكم } ويروى أن عائشة حين سمعت ذلك منهم قالت : وعليكم السام والذام ، فقال عليه السلام : « إن الله لا يحب الفحش والتفحش » .
وفي السام الذي أرادوه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه الموت ، قاله ابن زيد .
الثاني : أنه السيف .
الثالث : أنهم أرادوا بذلك أنكم ستسأمون دينكم ، قاله الحسن ، وكذا من قال هو الموت لأنه يسأم الحياة .
وحكى الكلبي أن اليهود كانوا إذا رد النبي صلى الله عليه وسلم جواب سلامهم قالوا : لو كان هذا نبياً لاستجيب له فينا قوله وعليكم ، يعني السام وهو الموت وليس بنا سامة وليس في أجسادنا فترة ، فنزلت فيهم { ويقولون في أنفسهم ولولا يعذبنا الله بما نقول } الآية .
وفي قوله تعالى : { إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين ءامنوا } وجهان :
أحدهما : ما كان يتناجى به اليهود والمنافقون من الأراجيف بالمسلمين .
الثاني : أنها الأحلام التي يراها الإنسان في منامه فتحزنه .

(4/246)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)

{ يَأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس . . } فيه أربعة أوجه :
أحدها : مجلس النبي صلى الله عليه وسلم خاصة إذا جلس فيه قوم تشاحوا بأمكنتهم على من يدخل عليهم أن يؤثروه بها أو يفسحوا له فيها ، فأمروا بذلك قاله مجاهد .
الثاني : أنه في مجالس صلاة الجمعة ، قاله مقاتل .
الثالث : أنها في مجالس الذكر كلها ، قاله قتادة .
الرابع : أن ذلك في الحرب والقتال ، قاله الحسن .
{ . . . وإذا قيل انشزوا فانشزوا } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : معناه وإذا قيل لكم انهضوا إلى القتال فانهضوا ، قاله الحسن .
الثاني : إذا دعيتم إلى الخير فأجيبوا ، قاله قتادة .
الثالث : إذا نودي للصلاة فاسعوا إليها ، قاله مقاتل بن حيان .
الرابع : أنهم كانوا إذا جلسوا في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أطالوا ليكون كل واحد منهم هو الآخر عهداً به ، فأمرهم الله أن ينشزوا إذا قيل لهم انشزوا ، قاله ابن زيد .
ومعنى { تفسحوا } توسعوا . وفي { انشزوا } وجهان :
أحدهما : معناه قوموا ، قاله ابن قتيبة .
الثاني : ارتفعوا ، مأخوذ من نشز الأرض وهو ارتفاعها .
وفيما أمروا أن ينشزوا إليه ثلاثة أوجه :
أحدها : إلى الصلاة ، قاله الضحاك .
الثاني : إلى الغزو ، قاله مجاهد .
الثالث : إلى كل خير ، قاله قتادة .
{ يرفع الله الذين ءامنوا منكم } يعني بإيمانه على من ليس بمنزلته في الإيمان .
{ والذين أوتوا العلم درجات } على من ليس بعالم .
ويحتمل هذا وجهين :
أحدهما : أن يكون إخباراً عن حالهم عند الله في الآخرة .
الثاني : أن يكون أمراً يرفعهم في المجالس التي تقدم ذكرها لترتيب الناس فيها بحسب فضائلهم في الدين والعلم .

(4/247)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13)

{ يأيها الذين ءامنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } اختلف في سببها على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن المنافقين كانا يناجون النبي صلى الله عليه وسلم بما لا حاجة لهم به ، فأمرهم الله بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن النجوى ، قاله ابن زيد .
الثاني : أنه كان قوم من المسلمين يستخلون النبي صلى الله عليه وسلم ويناجونه فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى ، فشق عليهم ذلك ، فأمرهم الله تعالى بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن استخلائه ، قاله الحسن .
الثالث : قاله ابن عباس وذلك أن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه ، فأراد الله أن يخفف عن نبيه ، فلما قال ذلك كف كثير من الناس عن المسألة .
وقال مجاهد : لم يناجه إلا عليٌّ قدّم ديناراً فتصدق به ، فسأله عن عشر خصال ، ثم نزلت الرخصة .
{ ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات } قال علي : ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت ، وأحسبه [ قال ] وما كانت إلا ساعة ، وقال ابن حبان : كان ذلك ليالي عشراً .
وقال ابن سليمان : ناجاه عليّ بدينار باعه بعشرة دراهم في عشر كلمات كل كلمة بدرهم . وناجاه آخر من الأنصار بآصع وكلمه كلمات ، ثم نسخت بما بعدها .

(4/248)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19)

{ ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم } يعني المنافقين تولوا قوماً غضب الله عليهم هم اليهود .
{ ما هم منكم } لأجل نفاقهم .
{ ولا منهم } لخروجهم بيهوديتهم .
{ ويحلفون على الكذب } أنهم لم ينافقوا .
{ وهم يعلمون } أنهم منافقون .
{ اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين } فيه قولان :
أحدهما : قاله السدي .
الثاني : عن سبيل الله في قتلهم بالكفر لما أظهروه من النفاق .
ويحتمل ثالثاً : صدوا عن الجهاد ممايلة لليهود .
{ استحوذ عليهم الشيطان } فيه قولان :
أحدهما : قوي عليهم .
الثاني : أحاط بهم ، قاله المفضل .
وفيه ثالث : أنه غلب واستولى عليهم في الدنيا .
{ فأنساهم ذكر الله } يحتمل ذكر الله ها هنا وجهين :
أحدهما : أوامره في العمل بطاعته .
الثاني : زواجره في النهي عن معصيته .
ويحتمل ما أنساهم من ذكره وجهين :
أحدهما : بالغفلة عنها .
الثاني : بالشرك بها .

(4/249)


إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)

{ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : من حارب الله ورسوله ، قاله قتادة والفراء .
الثاني : من خالف الله ورسوله ، قاله الكلبي .
الثالث : من عادى الله ورسوله ، قاله مقاتل .
{ ولو كانوا ءاباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم } اختلف فيمن نزلت هذه الآية فيه على ثلاثة أقاويل :
أحدها : ما قاله ابن شوذب : نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه الجراح يوم بدر ، جعل يتصدى له ، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه ، فلما أكثر قصد إليه أبو عبيدة فقتله .
وروى سعيد بن عبد العزيز عن عمر بن الخطاب أنه قال : لو كان أبو عبيدة حياً لاستخاره ، قال سعيد : وفيه نزلت هذه الآية .
وفيه وجهان :
أحدهما : أنه خارج مخرج النهي للذين آمنوا أن يوادوا من حادّ الله ورسوله .
الثاني : أنه خارج مخرج الصفة لهم والمدح بأنهم لا يوادون من حادّ الله ورسوله ، وكان هذا مدحاً .
{ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان } فيه أربعة أوجه :
أحدها : معناه جعل في قلوبهم الإيمان وأثبته ، قال السدي ، فصار كالمكتوب .
الثاني : كتب في اللوح المحفوظ أن في قلوبهم الإيمان .
الثالث : حكم لقلوبهم بالإيمان .
الرابع : أنه جعل في قلوبهم سمة للإيمان على أنهم من أهل الإيمان ، حكاه ابن عيسى .
{ وأيدهم بروح منه } فيه خمسة أوجه :
أحدها : أعانهم برحمته ، قاله السدي .
الثاني : أيدهم بنصره حتى ظفروا .
الثالث : رغبهم في القرآن حتى ءامنوا .
الرابع : قواهم بنور الهدى حتى صبروا .
الخامس : قواهم بجبريل يوم بدر .
{ رضي الله عنهم } يعني في الدنيا بطاعتهم .
{ ورضوا عنه } فيه وجهان :
أحدهما : رضوا عنه في الآخرة بالثواب .
الثاني : رضوا عنه في الدنيا بما قضاه عليهم فلم يكرهوه .
{ أولئك حزب الله } فيهم وجهان :
أحدهما : انهم من عصبة الله فلا تأخذهم لومة لائم .
الثاني : أنهم أنصار حقه ورعاة خلقه وهو محتمل .
القول الثاني : ما روى ابن جريج أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق وقد سمع أباه أبا قحافة يسب النبي صلى الله عليه وسلم فصكه أبو بكر صكة فسقط على وجهه ، فقال ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : « أو فعلته؟ لا تعد إليه يا أبا بكر » .
فقال والله لو كان السيف قريباً مني لضربته به ، فنزلت هذه الآية .
القول الثالث : ما حكى الكلبي ومقاتل أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وقد كتب إلى أهل مكة ينذرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم عام الفتح .

(4/250)


سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5)

قوله تعالى : { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب } يعني يهود بني النضير .
{ من ديارهم } يعني من منازلهم .
{ لأول الحشر } أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من أُحد إلى أذرعات الشام ، وأعطى كل ثلاثة بعيراً يحملون عليه ما استقل إلا السلاح ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهدهم حين هاجر إلى المدينة أن لا يقاتلوا معه ولا عليه ، فكفوا يوم بدر لظهور المسلمين ، وأعانوا المشركين يوم أحد حين رأوا ظهورهم على المسلمين ، فقتل رئيسهم كعب بن الأشرف ، قتله محمد بن مسلمة غيلة . ثم سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم ثلاثاً وعشرين ليلة محارباً حتى أجلاهم عن المدينة .
في قوله : { لأول الحشر } ثلاثة أوجه :
أحدها : لأنهم أول من أجلاه النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود ، قاله ابن حبان .
الثاني : لأنه اول حشرهم ، لأنهم يحشرون بعدها إلى أرض المحشر في القيامة ، قاله الحسن . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أجلى بني النضير قال لهم « امضوا فهذا أول الحشر وأنا على الأثر . »
الثالث : أنه أول حشرهم لما ذكره قتادة أنه يأتي عليهم بعد ذلك من مشرق الشمس نار تحشرهم إلى مغربها تبيت معهم إذ باتوا [ وتقيل معهم حيث قالوا ] وتأكل منهم من تخلف .
{ ما ظننتم أن يخرجوا } يعني من ديارهم لقوتهم وامتناعهم .
{ وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله } أي من أمر الله .
{ فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } فيه وجهان :
أحدهما : لم يحتسبوا بأمر الله .
الثاني : قاله ابن جبير والسدي : من حيث لم يحتسبوا بقتل ابن الأشرف .
{ وقذف في قلوبهم الرعب } فيه وجهان :
أحدهما : لخوفهم من رسول الله .
الثاني : بقتل كعب بن الأشرف .
{ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } فيه خمسة أوجه :
أحدها : بأيديهم بنقض الموادعة ، وأيدي المؤمنين بالمقاتلة ، قاله الزهري .
الثاني : بأيديهم في تركها ، وأيدي المؤمنين في إجلائهم عنها ، قاله أبو عمرو ابن العلاء .
الثالث : بأيديهم في إخراب دواخلها وما فيها لئلا يأخذها المسلمون ، وبأيدي المؤمنين في إخراب ظواهرها ليصلوا بذلك إليهم .
قال عكرمة : كانت منازلهم مزخرفة فحسدوا المسلمين أن يسكنوها فخربوها من داخل ، وخربها المسلمون من خارج .
الرابع : معناه : أنهم كانوا كلما هدم المسلمون عليهم من حصونهم شيئاً نقضوا من بيوتهم ما يبنون به من حصونهم ، قاله الضحاك .
الخامس : أن تخريبهم بيوتهم أنهم لما صولحوا على حمل ما أقلته إبلهم جعلوا ينقضون ما أعجبهم من بيوتهم حتى الأوتار ليحملوها على إبلهم ، قاله عروة بن الزبير ، وابن زيد .
وفي قوله : { يخربون } قراءتان : بالتخفيف ، وبالتشديد ، وفيهما وجهان :
أحدهما : أن معناهما واحد وليس بينهما فرق .

(4/251)


الثاني : أن معناهما مختلف .
وفي الفرق بينهما وجهان :
أحدهما : أن من قرأ بالتشديد أراد إخرابها بأفعالهم ، ومن قرأ بالتخفيف أراد إخرابها بفعل غيرهم قاله أبو عمرو .
الثاني : أن من قرأ بالتشديد أراد إخرابها بهدمهم لها . وبالتخفيف أراد فراغها بخروجهم عنها ، قاله الفراء .
ولمن تعمق بغوامض المعاني في تأويل ذلك وجهان :
أحدهما : يخربون بيوتهم أي يبطلون أعمالهم بأيديهم ، يعني باتباع البدع ، وأيدي المؤمنين في مخالفتهم .
{ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء } فيه وجهان :
أحدهما : يعني بالجلاء الفناء { لعذبهم في الدنيا } بالسبي .
والثاني : يعني بالجلاء الإخراج عن منازلهم { لعذبهم في الدنيا } يعني بالقتل ، قاله عروة .
والفرق بين الجلاء والإخراج - وإن كان معناهما في الإبعاد واحد - من وجهين :
أحدهما : أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد ، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد .
الثاني : أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة ، والإخراج يكون لجماعة ولواحد .
{ ما قطعتم من لينة أو تكرتموها قائمة على أصولها فبإذن الله } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل على حصون بني النضير وهي البويرة حين نقضوا العهد بمعونة قريش عليه يوم أحد قطع المسلمون من نخلهم وأحرقوا ست نخلات ، وحكى محمد بن إسحاق أنهم قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة ، وكان ذلك عن إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بأمره ، إما لإضعافهم بها أو لسعة المكان بقطعها ، فشق ذلك عليهم فقالوا وهم يهود أهل كتاب : يا محمد ألست تزعم أنك نبي تريد الإصلاح؟ أفمن الصلاح حرق الشجر وقطع النخل؟ وقال شاعرهم سماك اليهودي :
ألسنا ورثنا كتاب الحكيم ... على عهد موسى ولم نصدف
وانتم رعاء لشاء عجاف ... بسهل تهامة والأخيف
ترون الرعاية مجداً لكم ... لدي كل دهر لكم مجحف
فيا أيها الشاهدون انتهوا ... عن الظلم والمنطق المؤنف
لعل الليالي وصرف الدهور ... يدلن عن العادل المنصف
بقتل النضير وإجلائها ... وعقر النخيل ولم تقطف
فأجابه حسان بن ثابت رضي الله عنه :
هم أوتوا الكتاب فضيعوه ... وهم عمي عن التوارة يور
كفرتم بالقرآن وقد أتيتم ... بتصديق الذي قال النذير
وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير
ثم إن المسلمين جل في صدورهم ما فعلوه ، فقال بعضهم : هذا فساد ، وقال آخرون منهم عمر بن الخطاب : هذا مما يجزي الله به أعداءه وينصر أولياءه فقالوا يا رسول الله هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنزل الله تعالى : { وما قطعتم من لينة } الآية . وفيه دليل على أن كل مجتهد مصيب .
وفي اللينة خمسة أقاويل :
أحدها : النخلة من أي الأصناف كانت ، قاله ابن حبان .
الثاني : أنها كرام النخل ، قاله سفيان .
الثالث : أنها العجوة خاصة ، قاله جعفر بن محمد وذكر أن العتيق والعجوة كانا مع نوح في السفينة ، والعتيق الفحل ، وكانت العجوة أصل الإناث كلها ولذلك شق على اليهود قطعها .
الرابع : أن اللينة الفسيلة لأنها ألين من النخلة ، ومنه قول الشاعر :
غرسوا لينها بمجرى معين ... ثم حفوا النخيل بالآجام
الخامس : أن اللينة جميع الأشجار للينها بالحياة ، ومنه قول ذي الرمة :
طراق الخوافي واقع فوق لينة ... ندى ليلة في ريشه يترقرق
قال الأخفش : سميت لينة اشتقاقاً من اللون لا من اللين .

(4/252)


وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)

{ وما أفاء الله على رسوله منهم } يعني ما رده اللَّه على رسوله من أموال بني النضير .
{ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب } والإيجاف الإيضاع في السير وهو الإسراع ، والركاب : الإبل ، وفيهما يقول نصيب :
ألارب ركب قد قطعت وجيفهم ... إليك ولولا أنت لم توجف الركب
{ ولكن الله يسلط رسله على من يشاء } ذلك أن مال الفيء هو المأخوذ من المشركين بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب ، فجعل الله لرسوله أن يضعه حيث يشاء لأنه واصل بتسليط الرسول عليهم لا بمحاربتهم وقهرهم . فجعل الله ذلك طعمة لرسوله خالصاً دون الناس ، فقسمه في المهاجرين إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة فإنهما ذكرا فقراً فأعطاهما .
{ كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم } يقال دولة بالضم وبالفتح وقرىء بهما ، وفيهما قولان :
أحدهما : أنهما واحد ، قاله يونس ، والأصمعي .
الثاني : أن بينهما فرقاً ، وفيه أربعة أوجه :
أحدها : أنه بالفتح الظفر في الحرب ، وبالضم الغنى عن فقر ، قاله أبو عمرو ابن العلاء .
الثاني : أنه بالفتح في الأيام ، وبالضم في الأموال ، قاله عبيدة .
الثالث : أن بالفتح ما كان كالمستقر ، وبالضم ما كان كالمستعار ، حكاه ابن كامل .
الرابع : أنه بالفتح الطعن في الحرب ، وبالضم أيام الملك وأيام السنين التي تتغير ، قاله الفراء ، قال حسان :
ولقد نلتم ونلنا منكم ... وكذاك الحرب أحياناً دول
{ وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } فيه أربعة أوجه :
أحدها : يعني ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه ، وما منعكم منه فلا تطلبوه ، قاله السدي .
الثاني : ما آتاكم الله من مال الغنيمة فخذوه ، وما نهاكم عنه من الغلو فلا تفعلوه ، قاله الحسن .
الثالث : وما آتاكم من طاعتي فافعلوه ، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه ، قاله ابن جريج .
الرابع : أنه محمول على العموم في جميع أوامره ونواهيه لأنه لا يأمر إلا بصلاح ولا ينهى إلا عن فساد .
وحكى الكلبي أنها نزلت في رؤساء المسلمين قالوا فيما ظهر عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أموال المشركين ، يا رسول الله صفيك والربع ودعنا والباقي فهكذا كنا نفعل في الجاهلية وأنشدوه :
لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول .
فأنزل الله هذه الآية .

(4/253)


لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)

{ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم } يعني بالمهاجرين من هاجر عن وطنه من المسليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار هجرته وهي المدينة خوفاً من أذى قومه ورغبة في نصرة نبيّه فهم المقدمون في الإسلام على جميع أهله .
{ يبتغون فضلاً من الله ورضواناً } يعني فضلاً من عطاء الله في الدنيا ، ورضواناً من ثوابه في الآخرة .
ويحتمل وجهاً ثانياً : أن الفضل الكفاية ، والرضوان القناعة .
وروى علي بن رباح اللخمي أن عمر بن الخطاب خطب بالجابية فقال : من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت ، ومن أراد أن يسأل عن الفقة فليأت معاذ بن جبل ، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإن الله تعالى جعلني خازناً وقاسماً ، إني بادىء بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فمعطيهن ، ثم بالمهاجرين الأولين أنا وأصحابي أخرجنا من مكة من ديارنا وأموالنا .
قال قتادة : لأنهم اختاروا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على ما كانت من شدة ، حتى ذكر لنا أن الرجل كان يعصب على بطنه الحجر ليقيم صلبه من الجوع ، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها .
{ والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم } ويكون على التقديم والتأخير ومعناه تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان .
الثاني : أن الكلام على ظاهره ومعناه أنهم تبوءوا الدار والإيمان قبل الهجرة إليهم يعني بقبولهم ومواساتهم بأموالهم ومساكنهم .
{ يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا } فيه وجهان :
أحدهما : غيرة وحسداً على ما قدموا به من تفضيل وتقريب ، وهو محتمل .
الثاني : يعني حسداً على ما خصوا به من مال الفيء وغيره فلا يحسدونهم عليه ، قاله الحسن .
{ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } يعني يفضلونهم ويقدمونهم على أنفسهم ولو كان بهم فاقة وحاجة ، ومنه قول الشاعر :
أما الربيع إذا تكون خصاصة ... عاش السقيم به وأثرى المقتر
وفي إيثارهم وجهان :
أحدهما : أنهم آثروا على أنفسهم بما حصل من فيىء وغنيمة حتى قسمت في المهاجرين دونهم ، قاله مجاهد ، وابن حيان .
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم على المهاجرين ما أفاء الله من النضير ونفل من قريظة على أن يرد المهاجرون على الأنصار ما كانوا أعطوهم من أموالهم فقالت الأنصار بل نقيم لهم من أموالنا ونؤثرهم بالفيء ، فأنزل الله هذه الآية .
الثاني : أنهم آثروا المهاجرين بأموالهم وواسوهم بها .
روى ابن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : « إن إخوانكم تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم » فقالوا : أموالنا بينهم قطائع ، فقال : « أو غير ذلك » ؟ فقالوا : وما ذاك يا رسول الله؟ فقال :

(4/254)


« هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم التمر » يعني مما صار إليهم من نخيل بني النضير ، قالوا نعم يا رسول الله .
{ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } فيه ثماينة أقاويل :
أحدها : أن هذا الشح هو أن يشح بما في أيدي الناس يحب أن يكون له ولا يقنع ، قاله ابن جريج وطاووس .
الثاني : أنه منع الزكاة ، قاله ابن جبير .
الثالث : يعني هوى نفسه ، قاله ابن عباس .
الرابع : أنه اكتساب الحرام ، روى الأسود عن ابن مسعود أن رجلاً أتاه فقال : إني أخاف أن أكون قد هلكت ، قال وما ذاك؟ قال سمعت الله عز وجل يقول :
{ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } وأنا رجل شحيح لا أكاد أخرج من يدي شيئاً فقال ابن مسعود : ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن ، إنما الشح الذي ذكره الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً ولكن ذلك البخل ، وبئس الشيء البخل .
الخامس : أنه الإمساك عن النفقة ، قاله عطاء .
السادس : أنه الظلم ، قاله ابن عيينة .
السابع : أنه أراد العمل بمعاصي الله ، قاله الحسن .
الثامن : أنه أراد ترك الفرائض وانتهاك المحارم ، قاله الليث .
وفي الشح والبخل قولان :
أحدهما : أن معناهما واحد .
الثاني : أنهما يفترقان وفي الفرق بينهما وجهان :
أحدهما : أن الشح أخذ المال بغير حق ، والبخل أن يمنع من المال المستحق ، قاله ابن مسعود .
الثاني : أن الشح بما في يدي غيره ، والبخل بما في يديه ، قاله طاووس .
{ والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا } فيهم قولان :
أحدهما : أنهم الذين هاجروا بعد ذلك ، قاله السدي والكلبي .
الثاني : أنهم التابعون الذين جاءوا بعد الصحابة ثم من بعدهم إلى قيام الدنيا هم الذين جاءوا من بعدهم ، قاله مقاتل .
وروى مصعب بن سعد قال : الناس على ثلاثة منازل ، فمضت منزلتان وبقيت الثالثة : فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت .
وفي قولهم : { اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } وجهان :
أحدهما : أنهم أمروا أن يستغفروا لمن سبق من هذه الأمة ومن مؤمني أهل الكتاب . قالت عائشة : فأمروا أن يستغفروا لهم فسبّوهم .
الثاني : أنهم أمروا أن يستغفروا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار .
{ ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين ءامنوا } الآية . في الغل وجهان :
أحدهما : الغش ، قاله مقاتل .
الثاني : العداوة ، قاله الأعمش .

(4/255)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (12) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17)

{ بأسهم بينهم شديد } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحد ، قاله السدي .
الثاني : أنه وعيدهم للمسلمين لنفعلن كذا وكذا ، قاله مجاهد .
{ تحسبهم جيمعاً } فيه قولان :
أحدهما : أنهم اليهود .
الثاني : أنهم المنافقون واليهود ، قاله مجاهد .
{ وقلوبهم شتى } يعني مختلفة متفرقة ، قال الشاعر :
إلى الله أشكو نية شقت العصا ... هي اليوم شتى وهي بالأمس جمع
وفي قراءة ابن مسعود « وَقُلُوبُهُمْ أَشَتُّ » بمعنى أشد تشتيتاً ، أي أشد اختلافاً .
وفي اختلاف قلوبهم وجهان :
أحدهما : لأنهم على باطل ، والباطل مختلف ، والحق متفق .
الثاني : أنهم على نفاق ، والنفاق اختلاف .
وقوله تعالى : { كمثل الذين من قبلهم قريباً } الآية . فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنهم كفار قريش يوم بدر ، قاله مجاهد .
الثاني : أنهم قتلى بدر ، قاله السدي ، ومقاتل .
الثالث : أنهم بنو النضير الذين أجلوا من الحجاز إلى الشام ، قاله قتادة .
الرابع : أنهم بنو قريظة ، كان قبلهم إجلاء بني النضير .
{ ذاقوا وبال أمرهم } بأن نزلوا على حكم سعد [ بن معاذ ] فحكم فيهم بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم ، قاله الضحاك . وفيه وجهان :
أحدهما : في تجارتهم .
الثاني : في نزول العذاب بهم .
{ كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر } فيه قولان :
أحدهما : أنه مثل ضربه الله الكافر في طاعته للشيطان ، وهو عام في الناس كلهم ، قاله مجاهد .
الثاني : أنها خاصة في سبب خاص صار به المثل عاماً ، وذلك ما رواه عطية العوفي عن ابن عباس أن راهباً كان في بني إسرائيل يعبد الله فيحسن عبادته ، وكان يؤتى من كل أرض يسأل عن الفقه وكان عالماً ، وأن ثلاثة إخوة كانت لهم أخت من أحسن النساء مريضة ، وأنهم أرادوا سفراً فكبر عليهم أن يذروها ضائعة ، فجعلوا يأتمرون فيما يفعلون ، فقال أحدهم : ألا أدلكم على من تتركونها عنده؟ فقال له من؟ فقال : راهب بني إسرائيل ، وإن مات قام عليها ، وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليه ، فعمدوا إليه وقالوا : إنا نريد السفر وإنا لا نجد أحداً أوثق في أنفسنا منك ولا آمن علينا غيرك ، فاجعل أختنا عندك فإنها ضائعة مريضة ، فإن ماتت فقم عليها ، وإن عاشت فاحفظها حتى نرجع ، فقال : أكفيكم إن شاء الله ، وإنهم انطلقوا ، فقام عليها وداواها حتى برئت فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها وحبلت ، ثم تقدم منه الشيطان فزين له قتلها وقال : إن لم تفعل افتضحت ، فقتلها .
فلما عاد إخوتها سألوه عنها فقال : ماتت فدفنتها ، قالوا أحسنت ، فجعلوا يرون في المنام أن الراهب قتلها وأنها تحت شجرة كذا ، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها قد قتلت ، فأخذوه ، فقال له الشيطان : أنا الذي زينت لك قتلها بعد الزنى فهل لك أن أنجيك وتطيعني؟ قال : نعم ، قال فاسجد لي سجدة واحدة ، فسجد ثم قتل ، فذلك قوله تعالى : { كمثل الشيطان } فكذا المنافقون وبنو النضير مصيرهم إلى النار .

(4/256)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)

{ يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } روى معن أو عون ابن مسعود أن رجلاً أتاه فقال : اعهد لي ، فقال : إذا سمعت الله يقول : { يأيها الين ءامنوا } فأرعها سمعك فإنه خير تؤمر به أو شر تنهى عنه .
وفي هذه التقوى وجهان :
أحدهما : اجتناب المنافقين .
الثاني : هو اتقاء الشبهات .
{ ولتنظر نفس ما قدمت لغد } قال ابن زيد : ما قدمت من خير أو شر .
{ لغد } يعني يوم القيامة والأمس : الدنيا . قال قتادة : إن ربكم قدم الساعة حتى جعلها لغد .
{ واتقوا الله } في هذه التقوى وجهان :
أحدهما : أنها تأكيد للأولى .
والثاني : أن المقصود بها مختلف وفيه وجهان :
أحدهما : أن الأولى التوبة مما مضى من الذنوب ، والثانية اتقاء المعاصي في المستقبل .
الثاني : أن الأولى فيما تقدم لغد ، الثانية فيما يكون منكم .
{ إن الله خبير بما تعملون } فيه وجهان :
أحدهما : أن الله خبير بعملكم .
الثاني : خبير بكم عليم بما يكون منكم ، وهو معنى قول سعيد بن جبير .
{ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم } فيه أربعة أوجه :
أحدها : نسوا الله أي تركوا أمر الله ، فأنساهم أنفسهم أن يعملوا لها خيراً ، قاله ابن حبان .
الثاني : نسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم ، قاله سفيان .
الثالث : نسوا الله بترك شكره وتعظيمه فأنساهم أنفسهم بالعذاب أن يذكر بعضهم بعضاً ، حكاه ابن عيسى .
الرابع : نسوا الله عند الذنوب فأنساهم أنفسهم عند التوبة ، قاله سهل .
ويحتمل خامساً : نسوا الله في الرخاء فأنساهم أنفسهم في الشدائد .
{ أولئك هم الفاسقون } فيه تأويلان :
أحدهما : العاصون : قاله ابن جبير .
الثاني : الكاذبون ، قاله ابن زيد .
{ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة } يحتمل وجهين :
أحدهما : لا يستوون في أحوالهم ، لأن أهل الجنة في نعيم ، وأهل النار في عذاب .
الثاني : لا يستوون عند الله ، لأن أهل الجنة من أوليائه ، وأهل النار من أعدائه .
{ أصحاب الجنة هم الفائزون } فيه وجهان :
أحدهما : المقربون المكرمون .
الثاني : الناجون من النار ، قاله ابن حبان .

(4/257)


لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)

{ لو أنزلنا هذا القرءآن على جبل } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم إننا لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لما ثبت له بل انصدع من نزوله عليه ، وقد أنزلناه عليك وثبتناك له ، فيكون ذلك امتناناً عليه أن ثبته لما لا تثبت له الجبال .
الثاني : أنه خطاب للأمة ، وأن الله لو أنذر بهذا القرآن الجبال لتصدعت من خشية الله ، والإنسان أقل قوة وأكثر ثباتاً ، فهو يقوم بحقه إن أطاع ، ويقدرعلى رده إن عصى ، لأنه موعود بالثواب ومزجور بالعقاب .
وفيه قول ثالث : إن الله تعالى ضربه مثلاً للكفار أنه إذا نزل هذا القرآن على جبل خشع لوعده وتصدع لوعيده ، وأنتم أيها المقهروون بإعجازه لا ترغبون في وعده ولا ترهبون من وعيده .
{ هو الله الذي لا إله إلا هو } كان جابر بن زيد يرى أن اسم الله الأعظم هو الله ، لمكان هذه الآية .
{ عالم الغيب والشهادة } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : عالم السر والعلانية ، قاله ابن عباس .
الثاني : عالم ما كان وما يكون .
الثالث : عالم ما يدرك وما لا يدرك من الحياة والموت والأجل والرزق .
الرابع : عالم بالآخرة والدنيا ، قاله سهل .
{ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس } في { القدوس } أربعة أوجه :
أحدها : أنه المبارك ، قاله قتادة ، ومنه قول رؤبة :
دعوت رب العزة القدوسا ... دعاء من لا يقرع الناقوسا
الثاني : أنه الطاهر ، قاله وهب ، ومنه قول الراجز :
قد علم القدوس مولى القدوس . ... الثالث : أنه اسم مشتق من تقديس الملائكة ، قاله ابن جريج ، وقد روي أن من تسبيح الملائكة سبوح قدوس رب الملائكة والروح .
الرابع : معناه المنزه عن القبائح لاشتقاقه من تقديس الملائكة بالتسبيح فصار معناهما واحد .
وأما { السلام } فهو من أسمائه تعالى كالقدوس ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه مأخوذ من سلامته وبقائه ، فإذا وصف المخلوق بمثله قيل سالم وهو في صفة الله سلام ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت :
سلامك ربنا في كل فجر ... بريئاً ما تعنتك الذموم
الثاني : أنه مأخوذ من سلامة عباده من ظلمه ، قاله ابن عباس .
[ وفي { المؤمن } ثلاثة أوجه : أحدها : الذي يؤمن أولياءه من عذابه ] الثاني : أنه مصدق خلقه في وعده ، وهو معنى قول ابن زيد .
الثالث : أنه الداعي إلى الإيمان ، قاله ابن بحر .
وأما { المهيمن } فهو من أسمائه أيضاً ، وفيه خمسة أوجه :
أحدها : معناه الشاهد على خلقه بأعمالهم ، وعلى نفسه بثوابهم ، قاله قتادة ، والمفضل ، وأنشد قول الشاعر :
شهيد عليَّ الله أني أحبها ... كفى شاهداً رب العباد المهيمن
والثاني : معناه الأمين ، قاله الضحاك .
الثالث : المصدق ، قاله ابن زيد .
الرابع : أنه الحافظ ، حكاه ابن كامل ، وروي أن عمر بن الخطاب قال : إني داع فهيمنوا ، أي قولوا آمين حفظنا الدعاء ، لما يرجى من الإجابة .

(4/258)


الخامس : الرحيم ، حكاه ابن تغلب واستشهد بقول أمية بن أبي الصلت :
مليك على عرش السمآء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد
{ العزيز } هو القاهر ، وفيه وجهان :
أحدهما : العزيز في امتناعه .
الثاني : في انتقامه .
{ الجبار } فيه أربعة أوجه :
أحدها : معناه العالي العظيم الشأن في القدرة والسلطان .
الثاني : الذي جبر خلقه على ما شاء ، قاله أبو هريرة ، والحسن ، وقتادة .
الثالث : أنه الذي يجبر فاقة عباده ، قاله واصل بن عطاء .
الرابع : أنه الذي يذل له من دونه .
{ المتكبر } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : المتكبر عن السيئات ، قاله قتادة .
الثاني : المستحق لصفات الكبر ، والتعظيم ، والتكبر في صفات الله مدح ، وفي صفات المخلوقين ذم .
الثالث : المتكبر عن ظلم عباده .
{ هو الله الخالق } فيه وجهان :
أحدهما : أنه المحدِث للأشياء على إرادته .
الثاني : أنه المقدر لها بحكمته .
{ الْبَارِىءُ } فيه وجهان :
أحدهما : المميز للخلق ، ومنه قوله : برئت منه ، إذا تميزت منه .
الثاني : المنشىء للخلق ، ومنه قول الشاعر :
براك الله حين براه غيثاً ... ويجري منك أنهاراً عذاباً
{ المصور } فيه وجهان :
أحدهما : لتصوير الخلق على مشيئته .
الثاني : لتصوير كل جنس على صورته . فيكون على الوجه الأول محمولاً على ابتداء الخلق بتصوير كل خلق على ما شاء من الصور . وعلى الوجه الثاني يكون محمولاً على ما استقر من صور الخلق ، فيحدث خلق كل جنس على صورته وفيه على كلا الوجهين دليل على قدرته .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : أن يكون لنقله خلق الإنسان وكل حيوان من صورة إلى صورة ، فيكون نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن يصير شيخاً هرماً ، كما قال النابغة :
الخالق البارىء المصور في ال ... أرحام ماء حتى يصير دماً
{ له الأسماء الحسنى } فيه وجهان :
أحدهما : أن جميع أسمائه حسنى لاشتقاقه من صفاته الحسنى .
الثاني : أن له الأمثال العليا ، قاله الكلبي .

(4/259)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3)

قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرد التوجه إلى مكة أظهر أنه يريد خيبر ، وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن النبي صلى الله عليه وسلم خارج إليهم وأرسل مع امرأة ذكر أنها سارة مولاة لبني عبد المطلب ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فأنفذ علياً وأبا مرثد ، وقيل عمر بن الخطاب ، وقيل الزبير رضي الله عنهم ، وقال لهما ، اذهبا إلى روضة خاخ فإنكم ستلقون بها امرأة معها كتاب فخذاه وعودا ، فأتيا الموضع فوجداها والكتاب معها ، فأخذاه وعادا ، فإذا هو كتاب حاطب فقال عمر : ائذن لي يا رسول الله أضرب عنقه فقد خان الله ورسوله فقال صلى الله عليه وسلم قد شهد بدراً ، فقالوا : بلى ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم إني بما تعملون خبير . ففاضت عينا عمر وقال : الله ورسوله أعلم [ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاطب ] ما حملك على ما صنعت؟ فقال : يا رسول الله كنت امرأ مصلقاً من قريش وكان لي بها مال فكتبت إليهم بذلك ، والله يا رسول الله إني لمؤمن بالله ورسوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق حاطب فلا تقولوا له إلآ خيراً . فنزلت هذه الآية والتي بعدها .
وفي قوله تعالى : { تسرون إليهم بالمودة } وجهان :
أحدهما : تعلمونهم سراً أن بينكم وبينهم مودة .
الثاني : تعلمونهم سراً بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم بمودة بينكم وبينهم .

(4/260)


قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6)

{ قد كانت لكم أسوة حسنة } ذكر الكلبي والفراء أنه أراد حاطب بن أبي بلتعة ، وفيها وجهان :
أحدهما : سنة حسنة ، قاله الكلبي .
الثاني : عبرة حسنة ، قاله ابن قتيبة .
{ في إبراهيم والذين معه } من المؤمنين .
{ إذ قالوا لقومهم } يعني من الكفار .
{ إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله } فتبرؤوا منهم فهلا تبرأت أنت يا حاطب من كفار أهل مكة ولم تفعل ما فعلته من مكاتبتهم وإعلامهم .
ثم قال : { كفرنا بكم } يحتمل وجهين :
أحدهما : كفرنا بما آمنتم به من الأوثان .
الثاني : بأفعالكم وكذبنا بها .
{ وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك . . . } فيه وجهان :
أحدهما : تأسوا بإبراهيم في فعله واقتدوا به إلا في الاستغفار لأبيه فلا تقتدوا به فيه ، قاله قتادة .
الثاني : معناه إلا إبراهيم فإنه استثنى أباه من قومه في الاستغفار له ، حكاه الكلبي .
{ ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا } فيه تأويلان :
أحدهما : معناه لا تسلطهم علينا فيفتنونا ، قاله ابن عباس .
الثاني : لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فنصير فتنة لهم فيقولوا لو كانوا على حق ما عذبوا ، قاله مجاهد ، وهذا من دعاء إبراهيم عليه السلام .

(4/261)


عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)

{ عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة } فيهم قولان :
أحدهما : أهل مكة حين أسلموا عام الفتح فكانت هي المودة التي صارت بينهم وبين المسلمين ، قاله ابن زيد .
الثاني : أنه إسلام أبي سفيان .
وفي مودته التي صارت منه قولان :
أحدهما : تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة بنت أبي سفيان فكانت هذه مودة بينه وبين أبي سفيان ، قاله مقاتل .
الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أبا سفيان على بعض اليمن فلما قبض رسول الله أقبل فلقي ذا الخمار مرتداً ، فقاتله فكان أول من قاتل في الردة وجاهد عن الدين ، فكانت هذه المودة ، قاله الزهيري .
{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين } الآية . فيهم أربعة أوجه :
أحدها : أن هذا في أول الأمر عند موادعة المشركين ، ثم نسخ بالقتال ، قاله ابن زيد .
الثاني : أنهم خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناف كان لهم عهد فأمر الله أن يبروهم بالوفاء ، قاله مقاتل .
الثالث : أنهم النساء والصبيان لأنهم ممن لم يقاتل ، فأذن الله تعالى ببرهم ، حكاه بعض المفسرين .
الرابع : ما رواه عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أن أبا بكر رضي الله عنه طلق امرأته قتيلة في الجاهلية وهي أم أسماء بنت أبي بكر ، فقدمت عليهم في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش ، فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر قرطاً وأشياء ، فكرهت أن تقبل منها حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، فأنزل الله هذه الآية .
{ وتقسطوا إليهم } فيه وجهان :
أحدهما : يعني وتعدلوا فيهم ، قاله ابن حبان فلا تغلوا في مقاربتهم ، ولا تسرفوا في مباعدتهم .
الثاني : معناه أن تعطوهم قسطاً من أموالكم ، حكاه ابن عيسى .
ويحتمل ثالثاً : أنه الإنفاق على من وجبت نفقته منهم ، ولا يكون اختلاف الدين مانعاً من استحقاقها .

(4/262)