صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : النكت والعيون |
فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)
قوله عز وجل : { فَإذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ } فيهم هنا قولان : (4/127)
أحدهما : أنهم عبدة الأوثان ، قاله ابن عباس .
الثاني : كل من خالف دين الإسلام من مشرك أو كتابي إذا لم يكن صاحب عهد ولا ذمة .
وفي قوله : { فَضَرْبَ الرِّقَابِ } وجهان :
أحدهما : ضرب أعناقهم صبراً عند القدرة عليهم .
الثاني : أنه قتلهم بالسلاح واليدين ، قاله السدي .
{ حَتَّى إِذَآ أَثخَنُتُموهُمْ فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ } يعني بالإثخان الظفر ، وبشد الوثاق الأسر .
{ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً } في المَنِّ هنا قولان : أحدهما : أنه العفو والإطلاق كما من رسول الله صلى الله عليه على ثمامة بن أثال بعد أسره .
الثاني : أنه العتق ، قاله مقاتل .
فأما الفداء ففيه وجهان :
أحدهما : أنه المفاداة على مال يؤخذ من أسير يطلق ، كما فادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر كل أسير بأربعة آلاف درهم ، وفادى في بعض المواطن رجلاً برجلين .
الثاني : أنه البيع ، قاله مقاتل .
{ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } فيه خمسة أوجه :
أحدها : أن أوزار الحرب أثقالها ، والوزر الثقل ومنه وزير الملك لأنه يتحمل عنه الأثقال ، وأثقالها السلاح .
الثاني : هو [ وضع ] سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة ، قال الشاعر :
وأعددت للحرب أوزارها ... رماحا طوالاً وخيلاً ذكوراً
الثالث : حتى تضع الحرب أوزار كفرهم بالإسلام ، قاله الفراء .
الرابع : حتى يظهر الإسلام على الدين كله ، وهو قول الكلبي .
الخامس : حتى ينزل عيسى ابن مريم ، قاله مجاهد .
ثم في هذه الآية قولان :
أحدهما : أنها منسوخة بقوله : { فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِم لَعَلَّهُمْ يَذَّكُرُونَ } [ الأنفال : 57 ] قاله قتادة .
الثاني : أنها ثابتة الحكم ، وأن الإمام مخير في من أسره منهم بين أربعة أمور : أن يقتل لقوله تعالى : { فَضَرْبَ الرِّقَابِ } ، أو يسترق لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استرق العقيلي ، أو يَمُنُّ كما مَنَّ على ثمامة ، أو يفادي بمال أو أَسرى ، فإذا أسلموا أسقط القتل عنهم وكان في الثلاثة الباقية ، على خياره ، وهذا قول الشافعي .
{ ذلِك وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لا نَتصَرَ مِنهُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : بالملائكة ، قاله الكلبي .
الثاني : بغير قتال ، قاله الفراء .
قوله عز وجل : { وَالَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } قراءة أبي عمرو وحفص ، قال قتادة : هم قتلى أحد . وقرأ الباقون { قَاتَلُواْ } .
{ سَيَهْدِيهِمْ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يحق لهم الهداية ، قاله الحسن .
الثاني : يهديهم إلى محاجة منكر ونكير في القبر ، قاله زياد .
الثالث : يهديهم إلى طريق الجنة ، قاله ابن عيسى .
قوله عز وجل : { وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : عرفها بوصفها على ما يشوق إليها ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : عرفهم ما لهم فيها من الكرامة ، قاله مقاتل .
الثالث : معنى عرفها أي طيبها بأنواع الملاذ ، مأخوذ من العرف وهي الرائحة الطيبة ، قاله بعض أهل اللغة .
الرابع : عرفهم مساكنهم فيها حتى لا يسألون عنها ، قاله مجاهد . قال الحسن : وصف الجنة لهم في الدنيا فلما دخلوها عرفوها بصفتها . (4/128)
ويحتمل خامساً : أنه عرف أهل السماء انها لهم إظهاراً لكرامتهم فيها .
قوله عز وجل : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنصُرواْ اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : إن تنصروا دين الله ينصركم الله . الثاني : إن تنصروا نبي الله ينصركم الله ، قاله قطرب .
{ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامكُمْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : ويثبت أقدامكم في نصره .
الثاني : عند لقاء عدوه .
ثم فيه وجهان :
أحدهما : يعني تثبيت الأقدام بالنصر .
الثاني : يريد تثبيت القلوب بالأمن .
قوله عز وجل : { وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ } فيه تسعة تأويلات :
أحدها : خزياً لهم ، قاله السدي .
الثاني : شقاء لهم ، قاله ابن زيد .
الثالث : شتماً لهم من الله ، قاله الحسن .
الرابع : هلاكاً لهم ، قال ثعلب .
الخامس : خيبة لهم ، قاله ابن زياد .
السادس : قبحاً لهم ، حكاه النقاش .
السابع : بعدائهم ، قاله ابن جريج .
الثامن : رغماً لهم ، قاله الضحاك .
التاسع : أن التعس الانحطاط والعثار ، حكاه ابن عيسى .
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (13)
قوله عز وجل : { وَكَأيّن مِّن قَرْيَةٍ } أي وكم من قرية ، وأنشد الأخفش للبيد : (4/129)
وكائن رأينا من ملوك وسوقة ... ومفتاح قيد للأسير المكبل
فيكون معناه : وكم من أهل قرية .
{ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً } أي أهلها أشد قوة .
{ مِّن قَرْيَتِكَ } يعني مكة .
{ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ } أي أخرجك أهلها عند هجرتك منها .
{ أَهْلكْنَاهُمْ } يعني بالعذاب .
{ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ } يعني فلا مانع لهم منا ، وهذا وعيد .
أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15)
قوله عز وجل : { أَفَمَن كَان عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبّهِ } فيه أربعة أقاويل : (4/130)
أحدها : أنه القرآن ، قاله ابن زيد .
الثاني : أنه محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله أبو العالية ، والبينة الوحي .
الثالث : أنهم المؤمنون ، قاله الحسن ، والبينة معجزة الرسول .
الرابع : أنه الدين ، قاله الكلبي .
{ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } فيه قولان :
أحدهما : عبادتهم الأوثان ، قاله الضحاك .
الثاني : شركهم ، قاله قتادة ، وفيهم قولان :
أحدهما : أنهم كافة المشركين .
الثاني : أنهم الإثنا عشر رجلاً من قريش .
وفيمن زينه لهم قولان :
أحدهما : الشيطان .
الثاني : أنفسهم .
{ وَاتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُم } فيه قولان :
أحدهما : أنه نعت لمن زين له سوء عمله .
الثاني : أنهم المنافقون ، قاله ابن زيد .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (18) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)
قوله عز وجل : { وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } هم المنافقون : عبد الله بن أُبيّ بن سلول ، ورفاعة بن التابوت ، وزيد بن الصليت ، والحارث بن عمرو ، ومالك بن الدخشم . وفيما يستمعونه قولان : (4/131)
أحدهما : أنهم كانوا يحضرون الخطبة يوم الجمعة فإذا سمعوا ذكر المنافقين فيها أعرضوا عنه ، فإذا خرجوا سألوا عنه ، قاله الكلبي ومقاتل .
الثاني : أنهم كانوا يحضرون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين ، فيسمعون منه ما يقول ، فيعيه المؤمن ولا يعيه المنافق .
{ حَتَّى إِذا خَرَجُواْ مِن عِندِكَ } أي من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم .
{ قَالُواْ لِلَّذِينَ أوتُواْ الْعِلْمَ } فيهم أربعة أقاويل :
أحدها : أنه عبد الله بن عباس ، قاله عكرمة .
الثاني : عبد الله بن مسعود ، قاله عبد الله بن بريدة .
الثالث : أبو الدرداء ، قاله القاسم بن عبد الرحمن .
الرابع : أنهم الصحابة ، قاله ابن زيد .
{ مَاذَا قَالَ ءَانِفاً } هذا سؤال المنافقين للذين أُوتوا العلم إذا خرجوا من عند النبي صلى الله عليه وسلم . وفيه وجهان :
أحدهما : يعني قريباً .
الثاني : مبتدئاً .
وفي مقصودهم بهذا السؤال وجهان :
أحدهما : الإستهزاء بما سمعوه .
الثاني : البحث عما جهلوه .
قوله عز وجل : { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الإستهزاء زاد المؤمنين هدى ، قاله الفراء .
الثاني : أن القرآن زادهم هدى ، قاله ابن جريج .
الثالث : أن الناسخ والمنسوخ زادهم هدى ، قاله عطية .
وفي الهدى الذي زادهم أربعة أقاويل :
أحدها : زادهم علماً ، قاله الربيع بن أنس .
الثاني : علموا ما سمعوا ، وعلموا بما عملوا ، قاله الضحاك .
الثالث : زادهم بصيرة في دينهم وتصديقاً لنبيهم ، قاله الكلبي .
الرابع : شرح صدورهم بما هم عليه من الإيمان .
ويحتمل خامساً : والذين اهتدوا بالحق زادهم هدى للحق .
{ وَءَاتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } فيه خمسة أوجه :
أحدها : آتاهم الخشية ، قاله الربيع .
الثاني : ثواب تقواهم في الآخرة ، قاله السدي .
الثالث : وفقهم للعمل الذي فرض عليهم ، قاله مقاتل .
الرابع : بين لهم ما يتقون ، قاله ابن زياد .
الخامس : أنه ترك المنسوخ والعمل بالناسخ ، قاله عطية .
قوله عز وجل : { فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأتِيَهُم بَغْتَةً } أي فجأة .
{ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أشراطها آياتها ، قاله ابن زيد .
الثاني : أوائلها ، قاله ابن عباس .
الثالث : أنه انشقاق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله الحسن .
الرابع : ظهور النبي ، قاله الضحاك . قال الضحاك لأنه آخر الرسل وأمته آخر الأمم ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بُعِثْتُ وَالسَّاعَة كَهَاتِينِ » وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى .
{ فَأَنَّى لَهُمْ } قال السدي : معناه فكيف لهم النجاة .
{ إذَا جَآءَتْهُمْ ذِكرَاهُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : إذا جاءتهم الساعة ، قاله قتادة .
الثاني : إذا جاءتهم الذكرى عند مجيء الساعة ، قاله ابن زيد .
وفي الذكرى وجهان : (4/132)
أحدهما : تذكيرهم بما عملوه من خير أو شر .
الثاني : هو دعاؤهم بأسمائهم تبشيراً أو تخويفاً . روى أبان عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أَحْسِنُواْ أَسْمَآءَكُم فَإِنَّكُم تُدْعَوْنَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ ، يَا فُلاَنُ قُمْ إِلَى نُورِكَ ، يَا فُلاَنُ قُمْ فَلاَ نُورَ لَكَ » .
قوله عز وجل : { فَاعلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ } وفي - وإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم عالماً به - ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني اعلم أن الله أعلمك أن لا إله إلا الله .
الثاني : ما علمته استدلالاً فاعلمه خبراً يقيناً .
الثالث : يعني فاذكر أن لا إله إلا الله ، فعبر عن الذكر بالعلم لحدوثه عنه .
{ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : يعني استغفر الله أن يقع منك ذنب .
الثاني : استغفر الله ليعصمك من الذنوب .
{ وَلِلْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } أي استغفر لهم ذنوبهم .
{ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : متقلبكم في أسفاركم ، ومثواكم في أوطانكم .
الثاني : متقلبكم في أعمالكم نهاراً ومثواكم في ليلكم نياماً .
وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)
قوله عز وجل : { وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلاَ نُزَّلِتْ سُورَةٌ } كان المؤمنون إذا تأخر نزول القرآن اشتاقوا إليه وتمنوه ليعلموا أوامر الله وتعبده لهم . (4/133)
{ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ } وفي قراءة ابن مسعود : فإذا أنزلت سورة محدثة { وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ } .
في السورة المحكمة قولان :
أحدهما : أنها التي يذكر فيها الحلال والحرام ، قاله ابن زياد النقاش .
الثاني : أنها التي يذكر فيها القتال : وهي أشد القرآن على المنافقين ، قاله قتادة .
ويحتمل :
ثالثاً : أنها التي تضمنت نصوصاً لم يتعقبها ناسخ ولم يختلف فيها تأويل :
{ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } هم المنافقون ، لأن قلوبهم كالمريضة بالشك . فإذا أنزلت السورة المحكمة سر بها المؤمنون وسارعوا إلى العمل بما فيها ، واغتم المنافقون ونظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
{ نَظَرَ الْمَغْشِّيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوتِ } غماً بها وفزعاً منها .
{ فَأَوْلَى لَهُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه وعيد ، كأنه قال : العقاب أولى لهم ، قاله قتادة .
الثاني : أولى لهم ، { طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ } من أن يجزعوا من فرض الجهاد عليهم ، قاله الحسن .
وفيه وجه ثالث : أن قوله { طَاعَةٌ وَقُوْلٌ مَعْرُوفٌ } حكاية من الله عنهم قبل فرض الجهاد عليهم ، ذكره ابن عيسى .
والطاعة هي الطاعة لله ورسوله في الأوامر والنواهي . وفي القول المعروف وجهان :
أحدهما : هو الصدق والقبول .
الثاني : الإجابة بالسمع والطاعة .
{ فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ } أي جد الأمر في القتال .
{ فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّه } بأعمالهم { لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } من نفاقهم .
قوله عز وجل : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : فهل عسيتم إن توليتم أمور الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم ، قاله الكلبي .
الثاني : فهل عسيتم إن توليتم الحكم فجعلتم حكاماً أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا ، قاله أبو العالية .
الثالث : فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام . { وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ } ، قاله قتادة .
الرابع : فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام ، قاله ابن جريج .
وفي هذه الآية ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه عنى بها المنافقين وهو الظاهر .
الثاني : قريشاً ، قاله أبو حيان .
الثالث : أنها نزلت في الخوارج ، قاله بكر بن عبد الله المزني .
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28)
قوله عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى } فيهم قولان : (4/134)
أحدهما : أنهم اليهود كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم من بعدما علموا في التوراة أنه نبي ، قاله قتادة وابن جريج .
الثاني : المنافقون قعدوا عن القتال من بعدما علموه في القرآن ، قاله السدي .
{ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : أعطاهم سؤالهم ، قاله ابن بحر .
الثاني : زين لهم خطاياهم ، قاله الحسن .
{ وَأَمْلَى لَهُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : أمهلهم ، قاله الكلبي ومقاتل فعلى هذا يكون الله تعالى هو الذي أملى لهم بالإمهال في عذابهم .
والوجه الثاني : أن معنى أملى لهم أي مد لهم في الأمل فعلى هذا فيه وجهان :
أحدهما : أن الله تعالى هو الذي أملى لهم في الأمل ، قاله الفراء والمفضل .
الثاني : أن الشيطان هو الذي أملى لهم في مد الأمل بالتسويف ، قاله الحسن .
{ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعكُمْ فِي بَعْضِ الأمْرِ } وفي قائل ذلك قولان :
أحدهما : أنهم اليهود قالوا للمنافقين سنطيعكم في بعض الأمر . وفيما أرادوا بذلك وجهان :
أحدهما : سنطيعكم في ألا نصدق بشيء ، من مقالته ، قاله الضحاك .
الثاني : سنطيعكم في كتم ما علمنا من نبوته ، قاله ابن جريج .
القول الثاني : أنهم المنافقون قالوا لليهود سنطيعكم في بعض الأمر وفيما أرادوه بذلك ثلاثة أوجه :
أحدهما : سنطيعكم في غير القتال من بغض محمد صلى الله عليه وسلم والقعود عن نصرته ، قال السدي .
الثاني : سنطيعكم في الميل إليكم والمظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الثالث : سنطيعكم في الارتداد بعد الإيمان .
{ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : ما اسر بعضهم إلى بعض من هذا القول .
الثاني : ما أسروه في أنفسهم من هذا الاعتقاد .
قوله عز وجل : { فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ } يحتمل وجهين :
أحدهما : بالقتال نصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
الثاني : بقبض الأرواح عند الموت .
{ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارُهُمْ } يكون على احتمال وجهين :
أحدهما : يضربون وجوههم في القتال عند الطلب وأدبارهم عند الهرب .
الثاني : يضربون وجوههم عند الموت بصحائف كفرهم ، وأدبارهم في القيامة عند سوقهم إلى النار .
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)
قوله عز وجل : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } فيه وجهان : (4/135)
أحدهما : شك ، قاله مقاتل .
الثاني : نفاق ، قاله الكلبي .
{ أَن لن يُخْرِجَ أَضْغَانَهُمْ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : غشهم ، قاله السدي .
الثاني : حسدهم ، قاله ابن عباس .
الثالث : حقدهم ، قاله ابن عيسى .
الرابع : عدوانهم ، قاله قطرب وأنشد :
قل لابن هند ما أردت بمنطق ... ساء الصديق وسر ذا الأضغان
قوله عز وجل : { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ } فيه وجهان :
أحدهما : في كذب القول ، قاله الكلبي .
الثاني : في فحوى كلامهم ، واللحن هو الذهاب بالكلام في غير جهته ، مأخوذ من اللحن في الإعراب وهو الذهاب عن الصواب ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : « إِنَّكُم لَتَحْتَكِمُونَ إِليَّ ، أَحَدَكُمْ أَن يَكُونَ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ » أي أذهب بها في الجهات لقوته على تصريف الكلام . قال مرار الأسدي :
ولحنت لحناً فيه غش ورابني ... صدودك ترصين الوشاة الأعاديا
قال الكلبي : فلم يتكلم بعد نزولها منافق عند النبي صلى الله عليه وسلم إلا عرفه .
{ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالُكُم } فيه وجهان :
أحدهما : المجاهدين في سبيل الله .
الثاني : الزاهدين في الدنيا .
{ وَالصَّابِرِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : على الجهاد .
الثاني : عن الدنيا .
{ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : نختبر أسراركم .
الثاني : ما تستقبلونه من أفعالكم .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35)
{ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ } فيه وجهان : (4/136)
أحدهما : أطيعوا الله بتوحيده ، وأطيعوا الرسول بتصديقه .
الثاني : أطيعوا الله في حرمة الرسول ، وأطيعوا الرسول في تعظيم الله .
{ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَالَكُم } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لا تبطلوا حسناتكم بالمعاصي ، قاله الحسن .
الثاني : لا تبطلوها بالكبائر ، قاله الزهري .
الثالث : لا تبطلوها بالرياء والسمعة ، وأخلصوها لله ، قاله ابن جريج والكلبي .
قوله عز وجل : { وَلَن يَتِرَكُم أَعمَالَكْم } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لن ينقصكم أعمالكم ، قاله مجاهد وقطرب . وأنشد قول الشاعر :
إن تترني من الإجارة شيئاً ... لا يفتني على الصراط بحقي
الثاني : لن يظلمكم ، قاله قتادة ، يعني أجور أعمالكم .
الثالث : ولا يستلبكم أعمالكم ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : « من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله » .
إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)
قوله عز وجل : { وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُم } فيه ثلاثة أوجه : (4/137)
أحدها : لا يسألكم أموالكم لنفسه .
الثاني : لا يسألكم جميع أموالكم في الزكاة ولكن بعضها .
الثالث : لا يسألكم أموالكم وإنما يسألكم أمواله ، لأنه أملك بها وهو المنعم بإعطائها .
{ إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الإخفاء أخذ الجميع ، قاله ابن زيد وقطرب .
الثاني : أنه الإلحاح وإكثار السؤال ، مأخوذ من الحفاء وهو المشي بغير حذاء ، قاله ابن عيسى .
الثالث : أن معنى فيحفكم أي فيجدكم تبخلوا ، قاله ابن عيينة .
{ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : يظهر بامتناعكم ما أضمرتموه من عدوانكم .
الثاني : تظهرون عند مسألتكم ما أضمرتموه من عداوتكم .
قوله عز وجل : { وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَستَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : وإن تتولوا عن كتابي ، قاله قتادة .
الثاني : عن طاعتي ، حكاه ابن أبي حاتم .
الثالث : عن الصدقة التي أُمرتم بها ، قاله الكلبي .
الرابع : عن هذا الأمر فلا تقبلونه ، قاله ابن زيد .
{ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم أهل اليمن وهم الأنصار ، قاله شريح بن عبيد .
الثاني : أنهم الفرس . روى أبو هريرة قال : لما نزل { وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُم ثُمَّ لاَ يَكُونُوآ أمْثَالَكُم } كان سلمان إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا يستبدلوا بنا؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان وقال : « هذا وَقَومُهُ ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ الدِّينَ مُعَلَّقٌ بِالثُّرَيَّا لَنالَهُ رَِجَالٌ مِن أَبْنَاءِ فَارِس » .
الثالث : أنهم من شاء من سائر الناس ، قاله مجاهد .
{ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُم } فيه وجهان :
أحدهما : يعني في البخل بالإنفاق في سبيل الله ، قاله الطبري .
الثاني : في المعصية وترك الطاعة .
وحكي عن أبي موسى الأشعري أنه لما نزلت هذه الآية فرح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : « هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن الدُّنْيَا » .
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3)
قوله عز وجل : { إِنَّا فَتحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } فيه قولان : (4/138)
أحدهما : إنا أعلمناك علماً مبيناً فيما أنزلناه عليك من القرآن وأمرناك به من الدين . وقد يعبر عن العلم بالفتح كقوله { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ } [ الأنعام : 59 ] أي علم الغيب ، قاله ابن بحر . وكقوله { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ } [ الأنفال : 19 ] أي إن أردتم العلم فقد جاءكم العلم .
الثاني : إنا قضينا لك قضاء بيناً فيما فتحناه عليك من البلاد .
وفي المراد بهذا الفتح قولان :
أحدهما : فتح مكة ، وعده الله عام الحديبية عند انكفائه منها .
الثاني : هو ما كان من أمره بالحديبية . قال الشعبي : نزلت { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } [ الفتح : 1 ] في وقت الحديبية أصاب فيها ما لم يصب في غيرها . بويع بيعة الرضوان ، وأطعموا نخل خيبر ، وظهرت الروم على فارس تصديقاً لخبره ، وبلغ الهدي محله ، فعلى هذا في الذي أراده بالفتح يوم الحديبية ، قال جابر : ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية .
الثاني : أنه بيعة الرضوان . قال البراء بن عازب : انتم تعدون الفتح فتح مكة ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية .
الثالث : أنه نحره وحلقه يوم الحديبية حتى بلغ الهدي محله بالنحر .
والحديبية بئر ، وفيها تمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد غارت فجاشت بالرواء .
{ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } فيه وجهان :
أحدهما : ليغفر لك الله استكمالاً لنعمه عندك .
الثاني : يصبرك على أذى قومك .
وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : ما تقدم قبل الفتح وما تأخر بعد الفتح .
الثاني : ما تقدم قبل النبوة وما تأخر بعد النبوة .
الثالث : ما وقع وما لم يقع على طريق الوعد بأنه مغفور إذا كان .
ويحتمل رابعاً : ما تقدم قبل نزول هذه الآية وما تأخر بعدها .
{ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } فيه قولان :
أحدهما : بفتح مكة والطائف وخيبر .
الثاني : بخضوع من استكبر . وطاعة من تجبر .
{ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً } يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه الأسر والغنيمة كما كان يوم بدر .
الثاني : أنه الظفر والإسلام وفتح مكة .
وسبب نزول هذه الآية ، ما حكاه الضحاك عن ابن عباس أنه لما نزل قوله : { وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ } قال أهل مكة : يا محمد كيف ندخل في دينك وأنت لا تدري ما يفعل بك ولا بمن اتبعك فهلا أخبرك بما يفعل بك وبمن اتبعك كما أخبر عيسى ابن مريم؟ فاشتد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه حتى قدم المدينة ، فقال عبد الله بن أبي بن سلول - رأس المنافقين - للأنصار : كيف تدخلون في دين رجل لا يدري ما يفعل به ولا بمن اتبعه؟ هذا والله الضلال المبين . فقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، يا رسول الله ألا تسأل ربك يخبرك بما يفعل بك وبمن اتبعك؟ فقال : إن له أجلاً فأبشرا بما يقر الله به أعينكما . إلى أن نزلت عليه هذه الآي وهو في دار أبي الدحداح على طعام مع أبي بكر وعمر فخرج وقرأها على أصحابه ، قال قائل منهم : هنيئاً مريئاً يا رسول الله قد بين الله لنا ما يفعل بك ، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله { لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ } الآية .
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7)
قوله عز وجل : { هُوَا الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ } فيها ثلاثة أوجه : (4/139)
أحدها : أنه الصبر على أمر الله .
الثاني : أنها الثقة بوعد الله .
الثالث : أنها الرحمة لعباد الله .
{ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ } يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : ليزدادوا عملاً مع تصديقهم .
الثاني : ليزدادوا صبراً مع اجتهادهم .
الثالث : ليزدادوا ثقة بالنصر مع إيمانهم بالجزاء .
{ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون معناه : ولله ملك السموات والأرض ترغيباً للمؤمنين في خير الدنيا وثواب الآخرة .
الثاني : معناه : ولله جنود السموات والأرض إشعاراً للمؤمنين أن لهم في جهادهم أعواناً على طاعة ربهم .
قوله عز وجل : { الظَّآنِّينَ باللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : هو ظنهم أن لله شريكاً .
الثاني : هو ظنهم أنه لن يبعث الله أحداً .
الثالث : هو ظنهم أن يجعلهم الله كرسوله .
الرابع : أن سينصرهم على رسوله .
قال الضحاك : ظنت أسد وغطفان في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى الحديبية أنه سيقتل أو ينهزم ولا يعود إلى المدينة سالماً ، فعاد ظافراً .
{ عَلَيْهِمْ دَآئرَهُ السَّوْءِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : عليهم يدور سوء اعتقادهم .
الثاني : عليهم يدور جزاء ما اعتقدوه في نبيهم .
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)
قوله عز وجل : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً } فيه ثلاثة أوجه : (4/140)
أحدها : شاهداًعلى أمتك بالبلاغ ، قاله قتادة .
الثاني : شاهداًعلى أمتك بأعمالهم من طاعة أو معصية .
الثالث : مبيناً ما أرسلناك به إليهم .
{ وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً } فيه وجهان :
أحدهما : مبشراً للمؤمنين ونذيراً للكافرين .
الثاني : مبشراً بالجنة لمن أطاع ونذيراً بالنار لمن عصى ، قاله قتادة ، والبشارة والإنذار معاً خير لأن المخبر بالأمر السار مبشر والمحذر من الأمر المكروه منذر . قال النابغة الذبياني :
تناذرها الراقون من سوء سعيها ... تطلقها طوراً وطوراً تراجع
قوله عز وجل : { وَتُعَزِّرُوهُ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : تطيعوه ، قاله بعض أهل اللغة .
الثاني : تعظموه ، قاله الحسن والكلبي .
الثالث : تنصروه وتمنعوا منه ، ومنه التعزير في الحدود لأنه مانع ، قاله القطامي :
ألا بكرت مي بغير سفاهة ... تعاتب والمودود ينفعه العزر
وفي { وَتُوَقِّرُوهُ } وجهان :
أحدهما : تسودوه ، قاله السدي .
الثاني : أن تأويله مختلف بحسب اختلافهم فيمن أشير إليه بهذا الذكر : فمنهم من قال أن المراد بقوله : { وَتُعَزِّرُوهُ وَتَوَقِّرُوهُ } أي تعزروا الله وتوقروه لأن قوله : { وَتُسَبِّحُوهُ } راجع إلى الله وكذلك ما تقدمه ، فعلى هذا يكون تأويل قوله : { وَتُوَقِّرُوهُ } أي تثبتوا له صحة الربوبية وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك .
ومنهم من قال : المراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزروه ويوقروه لأنه قد تقدم ذكرها ، فجاز أن يكون بعض الكلام راجعاً إلى الله وبعضه راجعاً إلى رسوله ، قاله الضحاك . فعلى هذا يكون تأويل { تُوَقِّرُوهُ } أي تدعوه بالرسالة والنبوة لا بالاسم والكنية .
{ وتُسَبِّحُوهُ } فيه وجهان :
أحدهما : تسبيحه بالتنزيه له من كل قبيح .
الثاني : هو فعل الصلاة التي فيها التسبيح .
{ بُكْرَةً وَأصِيلاً } أي غدوة وعشياً . قال الشاعر :
لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأجلس في أفيائه بالأصائل
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (13) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (14)
قوله عز وجل : { وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً } فيه ثلاثة تأويلات : (4/141)
أحدها : فاسدين قاله قتادة .
الثاني : هالكين ، قاله مجاهد . قال عبد الله بن الزبعرى :
يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور
الثالث : أشرار ، قاله ابن بحر . وقال حسان بن ثابت :
لا ينفع الطول من نوك الرجال وقد ... يهدي الإله سبيل المعشر البور
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15)
قوله عز وجل : { يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ اللَّهِ } فيه وجهان : (4/142)
أحدهما : ما وعد الله نبيّه من النصرة والفتح حين ظنوا ظن السوء بأنه يهلك أو لا يظفر ، قاله مجاهد وقتادة .
الثاني : قوله : { لَن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً } حين سألوه الخروج معه لأجل المغانم بعد امتناعهم منه وظن السوء ، قاله ابن زيد .
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (17)
قوله عز وجل : { قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ } وهؤلاء المخلفون هم أحد أصناف المنافقين ، لأن الله تعالى صنف المنافقين من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ثلاثة أصناف ، منهم من أعلم أنه لا يؤمن وأوعدهم العذاب في الدنيا مرتين ثم العذاب العظيم في الآخرة وذلك قوله { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأَعَرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ } [ التوبة : 101 ] الآية . ومنهم من اعترف بذنبه وتاب ، وهم من قال الله فيهم : { وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُبِهِم خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَءاخَرَ سَيِّئاً } [ التوبة : 102 ] الآية . ومنهم من وقفوا بين الرجاء لهم والخوف عليهم بقوله تعالى : { وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمِرْ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإمَّا يَتَوبُ عَلَيْهِمْ } [ التوبة : 106 ] فهؤلاء المخاطبون بقوله : { سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } دون الصنفين المتقدمين لترددهم بين أمرين . (4/143)
قوله عز وجل : { سَتُدْعُوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ . . . } الآية . فيهم خمسة أوجه :
أحدها : أنهم أهل فارس ، قاله ابن عباس .
الثاني : الروم ، قاله الحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى .
الثالث : هوازن وغطفان بحنين ، قاله سعيد بن جبير وقتادة .
الرابع : بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب ، قاله الزهري .
الخامس : أنهم قوم لم يأتوا بعد ، قاله أبو هريرة .
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19)
قوله عز وجل : { لَقَدْ رِضِي اللَّهُ عَنِ الْمُؤمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجرَةِ } كانت سبب هذه البيعة وهي بيعة الرضوان تأخر عثمان رضي الله عنه بمكة حين أنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية رسولاً إلى الإسلام فأبطأ وأرجف بقتله ، فبايع أصحابه وبايعوه على الصبر والجهاد ، وكانوا فيما رواه ابن عباس ألفاً وخمسمائة ، وقال جابر : كانوا ألفاً وأربعمائة وقال عبد الله بن أبي أوفى : ألفاً وثلاثمائةً . (4/144)
وكانت البيعة تحت الشجرة بالحديبية والشجرة سمرة . وسميت بيعة الرضوان ، لقوله تعالى : { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ } . رضي الله عنR>> { فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } فيه وجهان :
أحدهما : من صدق النية ، قاله الفراء .
الثاني : من كراهة البيعة على أن يقاتلوا معه على الموت ، قاله مقاتل .
{ فَأَنزَلَ السَّكِينَة عَلَيْهِمْ } فيه وجهان :
أحدهما : فتح خيبر لقربها من الحديبية ، قاله قتادة .
الثاني : فتح مكة .
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (20) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (21) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (23) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24)
قوله عز وجل : { وََعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا } فيه قولان : (4/145)
أحدهما : هي مغانم خيبر ، قاله ابن زيد .
الثاني : هو كل مغنم غنمه المسلمون ، قاله مجاهد .
{ فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ } فيه قولان :
أحدهما : مغانم خيبر ، قاله مجاهد .
الثاني : صلح الحديبية ، قاله ابن عباس .
{ وَكَفَّ أيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : اليهود كف أيديهم عن المدينة عند خروجهم إلى الحديبية .
الثاني : قريش كف أيديهم عن المدينة عند خروجهم إلى الحديبية .
الثالث : أسد وغطفان الحليفان عليهم عيينة بن حصن ومالك بن عوف جاءوا لينصروا أهل خيبر ، فألقى الله في قلوبهم الرعب فانهزموا .
{ وَلِتَكُونَ ءَايَةً لِّلْمُؤمِنِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : ليكون كف أيديهم عنكم آية للمؤمنين .
الثاني : ليكون فتح خيبر آية أي علامة لصدق الله تعالى في وعده وصدق رسوله في خبره . قيل لتكون البيعة آية لهم .
قوله عز وجل : { وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أحَاطَ اللَّهُ بِهَا } فيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : هي أرض فارس والروم وجميع ما فتحه المسلمون ، قاله ابن عباس .
الثاني : هي مكة ، قاله قتادة .
الثالث : هي أرض خيبر ، قاله الضحاك .
في قوله : { قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا } وجهان :
أحدهما : قدر الله عليها ، قاله ابن بحر .
الثاني : حفظها عليكم ليكون فتحها لكم .
قوله عز وجل : { سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً } يعني طريقة الله وعادته السالفة نصر رسله وأوليائه على أعدائه .
وفي قوله : { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً } وجهان :
أحدهما : ولن تتغير سنة الله وعادته في نصرك على أعدائك وأعدائه .
الثاني : لن تجد لعادة الله في نصر رسله مانعاً من الظفر بأعدائه وهو محتمل .
قوله عز وجل : { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : كف أيديهم عنكم بالرعب وأيديكم عنهم بالنهي .
الثاني : كف أيديهم عنكم بالخذلان ، وأيديكم عنهم بالاستبقاء لعلمه بحال من يسلم منهم .
الثالث : كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم بالصلح عام الحديبية .
{ بِبَطْنِ مَكَّةَ } فيه قولان :
أحدهما : يريد به مكة .
الثاني : يريد به الحديبية لأن بعضها مضاف إلى الحرام .
وفي قوله : { مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ } ثلاثة أقاويل :
أحدها : أظفركم عليهم بفتح مكة وتكون هذه نزلت بعد فتح مكة ، وفيها دليل على أن مكة فتحت صلحاً لقوله { كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنهُم } .
الثاني : أظفركم عليهم بقضاء العمرة التي صدوكم عنها .
الثالث : أظفركم عليهم بما روي ثابت عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه من قبل التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوا من ظفروا به ، فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقهم ، فأنزل الله هذه الآية ، فكان هذا هو الظفر .
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26)
قوله عز وجل : { هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ } يعني قريشاً . (4/146)
{ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } يعني منعوكم عن المسجد الحرام عام الحديبية حين أحرم النبي صلى الله علي وسلم مع أصحابه بعمرة .
{ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : محبوساً .
الثاني : واقفاً .
الثالث : مجموعاً ، قاله أبو عمرو بن العلاء .
{ أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } فيه قولان :
أحدهما : منحره ، قاله الفراء .
الثاني : الحرم ، قال الشافعي ، والمحِل بكسر الحاء هو غاية الشيء ، وبالفتح هو الموضع الذي يحله الناس ، وكان الهدي سبعين بدنة .
{ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمْوهُمْ } أي لم تعلموا إيمانهم .
{ أَن تَطَئُوهُمْ } فيه قولان :
أحدهما : أن تطئوهم بخيلكم وأرجلكم فتقتلوهم ، قاله ابن عباس .
الثاني : لولا من في أصلاب الكفار وأرحام نسائهم من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات لم يعلموهم أن يطئوا آباءهم فيهلك أبناؤهم ، قاله الضحاك .
{ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ } فيها ستة أقاويل :
أحدها : الإثم ، قاله ابن زيد .
الثاني : غرم الدية ، قاله ابن إسحاق .
الثالث : كفارة قتل الخطأ ، قاله الكلبي .
الرابع : الشدة ، قاله قطرب .
الخامس : العيب .
السادس : الغم .
قوله عز وجل : { لَوْ تَزَيَّلُواْ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لو تميزوا ، قاله ابن قتيبة .
الثاني : لو تفرقوا ، قاله الكلبي .
الثالث : لو أزيلوا ، قاله الضحاك حتى لا يختلط بمشركي مكة مسلم .
{ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً ألِيماً } وهو القتل بالسيف لكن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار .
قوله عز وجل : { إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ } يعني قريشاً . وفي حمية الجاهلية قولان :
أحدهما : العصبية لآلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله ، والأنفة من أن يعبدوا غيرها ، قاله ابن بحر .
الثاني : أنفتهم من الإقرار له بالرسالة والاستفتاح ببسم الله الرحمن الرحيم على عادته في الفاتحة ، ومنعهم له من دخول مكة ، قال الزهري .
ويحتمل ثالثاً : هو الاقتداء بآبائهم ، وألا يخالفوا لهم عادة ، ولا يلتزموا لغيرهم طاعة كما أخبر الله عنهم { إِنَّا وَجَدْنَا أَبَاءنا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ } [ الزخرف : 23 ] .
{ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤمِنِينَ } يعني الصبر الذي صبروا والإجابة إلى ما سألوا ، والصلح الذي عقدوه حتى عاد إليهم في مثل ذلك الشهر من السنة الثانية قاضياً لعمرته ظافراً بطلبته .
{ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى } فيها أربعة أوجه :
أحدها : قول لا إله إلا الله ، قاله ابن عباس ، وهو يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم .
الثاني : الإخلاص ، قاله مجاهد .
الثالث : قول بسم الله الرحمن الرحيم ، قاله الزهري .
الرابع : قولهم سمعنا وأطعنا بعد خوضهم . وسميت كلمة التقوى لأنهم يتقون بها غضب الله .
{ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا } يحتمل وجهين :
أحدهما : وكانوا أحق بكلمة التقوى أن يقولوها .
الثاني : وكانوا أحق بمكة أن يدخلوها .
وفي من كان أحق بكلمة التقوى قولان :
أحدهما : أهل مكة كانوا أحق بكلمة التقوى أن يقولوها لتقدم إنذارهم لولا ما سلبوه من التوفيق .
الثاني : أهل المدينة أحق بكلمة التقوى حين قالوها ، لتقدم إيمانهم حين صحبهم التوفيق .
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28)
قوله عز وجل : { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ ءَامِنينَ مُحَلِّقينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ } قال قتادة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رأى في المنام ، أنه يدخل مكة على هذه الصفة ، فلما صالح قريشاً بالحديبية ، ارتاب المنافقون ، حتى قال صلى الله عليه وسلم : « فَمَا رَأَيْتُ فِي هذَا العَامِ » (4/147)
ثم قال : { فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ } فيه قولان :
أحدهما : علم أن دخولها إلى سنة ولم تعلموه أنتم ، قاله الكلبي .
الثاني : علم أن بمكة رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم؛ الآية .
ثُمَّ قَالَ : { فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً } فيه قولان :
أحدهما : أنه الصلح الذي جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش بالحديبية ، قاله مجاهد .
الثاني : فتح مكة ، قاله ابن زيد والضحاك .
وفي قوله : { لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ } ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه خارج مخرج الشرط والاستثناء .
الثاني : أنه ليس بشرط وإنما خرج مخرج الحكاية على عادة أهل الدين ، ومعناه لتدخلونه بمشيئة الله .
الثالث : إن شاء الله في دخول جميعكم أو بعضكم ، ولأنه علم أن بعضهم يموت .
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)
قوله عز وجل : { سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ } فيه ستة تأويلات : (4/148)
أحدها : أنه ثرى الأرض وندى الطهور ، قاله سعيد بن جبير .
الثاني : أنها صلاتهم تبدوا في وجوههم ، قاله ابن عباس .
الثالث : أنه السمت ، قاله الحسن .
الرابع : الخشوع ، قاله مجاهد .
الخامس : هو أن يسهر الليل فيصبح مصفراً ، قاله الضحاك .
السادس : هو نور يظهر على وجوههم يوم القيامة ، قاله عطية العوفي .
{ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطَأَهُ } فيه قولان :
أحدهما : أن مثلهم في التوراة بأن سيماهم في وجوههم . ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه .
الثاني : أن كلا الأمرين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل .
وقوله : { كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الشطأ شوك السنبل ، والعرب أيضاً تسميه السفا والبهمي ، قاله قطرب .
الثاني : أنه السنبل ، فيخرج من الحبة عشر سنبلات وتسع وثمان ، قاله الكلبي والفراء .
الثالث : أنه فراخه التي تخرج من جوانبه ، ومنه شاطىء النهر جانبه ، قاله الأخفش .
{ فَآزَرَهُ } فيه قولان :
أحدهما : فساواه فصار مثل الأم ، قاله السدي .
الثاني : فعاونه فشد فراخ الزرع أصول النبت وقواها .
{ فَاسْتَغْلَظَ } يعني اجتماع الفراخ مع الأصول .
{ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ } أي على عوده الذي يقوم عليه فيكون ساقاً له .
{ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ } يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ، لأن ما أعجب المؤمنين من قوتهم كإعجاب الزراع بقوة رزعهم هو الذي غاظ الكفار منهم .
ووجه ضرب المثل بهذا الزرع الذي أخرج شطأه ، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بدأ بالدعاء إلى دينه كان ضعيفاً ، فأجابه الواحد بعد الواحد حتى كثر جمعه وقوي أمره ، كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفاً فيقوى حالا بعد حال يغلظ ساقه وأفراخه فكان هذا من أصح مثل وأوضح بيان ، والله أعلم .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3)
قوله عز وجل : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } فيه خمسة أقاويل : (4/149)
أحدها : أن ناساً كانوا يقولون : لو أنزل فيَّ كذا ، لو أنزل فيَّ كذا ، فنزلت هذه الآية ، قاله قتادة .
الثاني : أنهم نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه ، قاله ابن عباس .
الثالث : معناه ألا يقتاتوا على الله ورسوله ، حتى يقضي الله على لسان رسوله ، قاله مجاهد .
الرابع : أنها نزلت في قوم ضحوا قبل أن يصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمرهم أن يعيدوا الذبح ، قاله الحسن .
الخامس : لا تقدموا أعمال الطاعات قبل وقتها الذي أمر به الله تعالى ورسوله ، قال الزجاج .
وسبب نزولها ما حكاه الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ أربعة وعشرين رجلاً من أصحابه إلى بني عامر فقتلوهم إلا ثلاثة تأخروا عنهم فسلموا وانكفئوا إلى المدينة فلقوا رجلين من بني سليم فسألوهما عن نسبهما فقالا : من بني عامر فقتلوهما ، فجاء بنو سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : إن بيننا وبينك عهداً وقد قتل منا رجلان فوداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائة بعير ونزلت عليه هذه الآية في قتلة الرجلين .
{ وَاتَّقُواْ اللَّهَ } يعني في التقدم المنهي عنه .
{ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ } لقولكم { عَلِيمٌ } بفعلكم .
قوله عز وجل : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوتِ النَّبِّيِ } قيل إن رجلين من الصحابة تماريا عنده فارتفعت أصوتهما ، فنزلت هذه الآية ، فقال أبو بكر رضي الله عنه عند ذلك : والذي بعثك بالحق لا أكلمك بعدها إلا كأخي السرار .
{ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه الجهر بالصوت . روي أن ثابت بن قيس بن شماس قال : يا نبي الله والله لقد خشيت أن أكون قد هلكت ، نهانا الله عن الجهر بالقول وأنا امرؤ جهير الصوت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « يَا ثَابِتَ أَمَأ تَرْضَى أَن تَعِيشَ حَمِيداً وتُقْتَلَ شَهِيداً وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ » ؟ فعاش حميداً وقتل شهيداً يوم مسيلمة .
الثاني : أن النهي عن هذا الجهر هو المنع من دعائه باسمه أو كنيته كما يدعو بعضهم بعضاً بالاسم والكنية ، وهو معنى قوله { كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ } ، ولكنْ دعاؤه بالنبوة والرسالة كما قال تعالى { لاَ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضاً } [ النور : 63 ] .
{ أن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : أن معناه فتحبط أعمالكم .
الثاني : لئلا تحبط أعمالكم .
{ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } بحبط أعمالكم .
قوله عز وجل : { . . . أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى } فيه تأويلان :
أحدهما : معناه أخلصها للتقوى ، قاله الفراء .
الثاني : معناه اختصها للتقوى ، قاله الأخفش .
إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)
قوله عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَاتِ } الآية . اختلف في سبب نزولها ، فروى معمر عن قتادة أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فناداه من وراء الحجرة : يا محمد ، إن مدحي زين وشتمي شين ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « وَيْلُكَ ذَاكَ اللَّهُ ، ذَاكَ اللَّهُ » فأنزل الله هذه الآية ، فهذا قول . وروى زيد بن أرقم قال : أتى ناس النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : انطلقوا بنا إلى هذا الرجل ، فإن يكن نبياً فنحن أسعد الناس باتباعه وإن يكن ملكاً نعش في جنابه ، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادونه ، وهو في حجرته يا محمد ، فأنزل الله هذه الآية . قيل : إنهم كانوا من بني تميم . قال مقاتل : كانوا تسعة نفر : قيس بن عاصم ، والزبرقان بن بدر ، والأقرع بن حابس ، وسويد بن هشام ، وخالد بن مالك ، وعطاء بن حابس ، والقعقاع بن معبد ، ووكيع بن وكيع ، وعيينة بن حصن . (4/150)
وفي قوله : { أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } وجهان :
أحدهما : لا يعلمون ، فعبر عن العلم بالعقل لأنه من نتائجه ، قاله ابن بحر .
الثاني : لا يعقلون أفعال العقلاء لتهورهم وقلة أناتهم ، وهو محتمل .
والحجرات جمع حجر؛ والحجر جمع حجرة .
{ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : لكان أحسن لأدبهم في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم .
الثاني : لأطلقت أسراهم بغير فداء ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان سبى قوماً من بني العنبر ، فجاءوا في فداء سبيهم وأسراهم .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8)
قوله عز وجل : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِق بِنَبَإِ فَتَبَيَّنُواْ } الآية . نزلت هذه الآية في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، وسبب نزولها ما رواه سعيد عن قتادة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد ابن عقبة مصدقاً لبني المصطلق ، فلما أبصروه أقبلوا نحوه ، فهابهم فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام ، فبعث نبي الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد وأمره أن يثبت ولا يعجل ، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه ، فلما جاءوا أخبروا خالداً أنهم متمسكون بالإسلام ، وسمعوا أذانهم وصلاتهم ، فلما أصبحوا ، أتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه ، فعادوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه ، فنزلت هذه الآية . فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « التأني من الله والعجلة من الشيطان » وفي هذه الآية دليل على أن خبر الواحد مقبول إذا كان عدلاً . (4/151)
قوله عز وجل : { وَاعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأمْرِ لَعَنِتَّمُ } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : لأثمتم ، قاله مقاتل .
الثاني : لاتهمتم ، قاله الكلبي .
الثالث : لغويتم .
الرابع : لهلكتم .
الخامس : لنالتكم شدة ومشقة .
قال قتادة : هؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا ، فأنتم والله أسخف رأياً وأطيش عقولا .
{ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ } فيه وجهان :
أحدهما : حسنه عندكم ، قاله ابن زيد .
الثاني : قاله الحسن . بما وصف من الثواب عليه .
{ وَزَيَّنَةُ فِي قُلُوبِكُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : بما وعد عليه في الدنيا من النصر وفي الآخرة من الثواب ، قاله ابن بحر .
الثاني : بالدلالات على صحته .
{ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه الكذب خاصة ، قاله ابن زيد .
الثاني : كل ما خرج عن الطاعة .
وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)
قوله عز وجل : { وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } اختلف في سبب نزولها على أربعة أقاويل : (4/152)
أحدها : ما رواه عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير أن الأوس والخزرج كان بينهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قتال بالسعف والنعال ونحوه فنزلت هذه الآية فيهم . الثاني : ما رواه سعيد عن قتادة أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مدارأة في حق بينهما ، فقال أحدهما للآخر : لآخذنه عنوة لكثرة عشيرته ، وأن الآخر دعاه ليحاكمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يتبعه ، فلم يزل بهما الأمر حتى تواقعوا وتناول بعضهم بعضاً بالأيدي والنعال ، فنزلت فيهم .
الثالث : ما رواه أسباط عن السدي أن رجلاً من الأنصار كانت له امرأة تدعى أم زيد وأن المرأة أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها وجعلها في علية له لا يدخل عليها أحد من أهلها ، وأن المرأة بعثت إلى أهلها ، فجاء قومها وأنزلوها لينطلقوا بها ، فخرج الرجل فاستعان أهله ، فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وأهلها فتدافعوا واجتلدوا بالنعال ، فنزلت هذه الآية فيهم .
الرابع : ما حكاه الكلبي ومقاتل والفراء أنها نزلت في رهط عبد الله بن أبي بن سلول من الخزرج ورهط عبد الله بن رواحة من الأوس ، وسببه أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمار له على عبد الله بن أبي ، وهو في مجلس قومه ، فراث حمار النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمسك عبد الله أنفه وقال : إليك حمارك ، فغضب عبد الله بن رواحة ، وقال : أتقول هذا لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوالله هو أطيب ريحاً منك ومن أبيك ، فغضب قومه ، وأعان ابن رواحة قومه حتى اقتتلوا بالأيدي والنعال فنزلت هذه الآية فيهم ، فأصلح رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم .
{ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى } البغي التعدي بالقوة إلى طلب ما ليس بمستحق .
{ فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي } فيه وجهان :
أحدهما : تبغي في التعدي في القتال .
الثاني : في العدول عن الصلح ، قاله الفراء .
{ حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } فيه وجهان :
أحدهما : ترجع إلى الصلح الذي أمر الله به ، قاله سعيد بن جبير .
الثاني : ترجع إلى كتاب الله وسنة رسوله فيما لهم وعليهم ، قاله قتادة .
{ فَإِن فَآءَتْ } أي رجعت .
{ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ } فيه وجهان :
أحدهما : يعني بالحق .
الثاني : بكتاب الله ، قاله سعيد بن جبير .
{ وَأَقْسِطُواْ } معناه واعدلوا .
ويحتمل وجهين :
أحدهما : اعدلوا في ترك الهوى والممايلة .
الثاني : في ترك العقوبة والمؤاخذة .
{ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } أي العادلين قال أبو مالك : في القول والفعل .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)
قوله عز وجل : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مَِّن قَوْمٍ } الآية . أما القوم فهم الرجال خاصة ، لذلك ذكر بعدهم النساء . ويسمى الرجال قوماً لقيام بعضهم مع بعض في الأمور ، ولأنهم يقومون بالأمور دون النساء ، ومنه قول الشاعر : (4/153)
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
وفي هذه السخرية المنهي عنها قولان :
أحدهما : أنه استهزاء الغني بالفقير إذا سأله ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه استهزاء المسلم بمن أعلن فسقه ، قاله ابن زيد .
ويحتمل ثالثاً : أنه استهزاء الدهاة بأهل السلامة .
{ عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ } عند الله تعالى . ويحتمل : خيراً منهم معتقداً وأسلم باطناً . { وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرُا مِّنْهُنَّ } .
{ وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : ولا تلمزوا أهل دينكم .
الثاني : لا تلمزوا بعضكم بعضاً : واللمز : العيب .
وفي المراد به هنا ثلاثة أوجه :
أحدها : لا يطعن بعضكم على بعض ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد ابن جبير .
الثاني : لا تختالوا فيخون بعضكم بعضاً ، قاله الحسن .
الثالث : لا يلعن بعضكم بعضاً ، قاله الضحاك .
{ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ } في النبز وجهان :
أحدهما : أنه اللقب الثابت ، قاله المبرد .
الثاني : أن النبز القول القبيح ، وفيه هنا أربعة أوجه :
أحدها : أنه وضع اللقب المكروه على الرجل ودعاؤه به . قال الشعبي : روي أن وفد بني سليم قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وللرجل منهم اسمان وثلاثة فكان يدعوا الرجل بالاسم فيقال إنه يكره هذا ، فنزلت هذه الآية .
الثاني : أنه تسمية الرجل بالأعمال السيئة بعد الإسلام . . . يا فاسق . . . يا سارق ، يا زاني ، قاله ابن زيد .
الثالث : أنه يعيره بعد الإسلام بما سلف من شركه ، قاله عكرمة .
الرابع : أن يسميه بعد الإسلام باسم دينه قبل الإسلام ، لمن أسلم من اليهود . . . يا يهودي ، ومن النصارى . . . يا نصراني ، قاله ابن عباس ، والحسن . فأما مستحب الألقاب ومستحسنها فلا يكره ، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم عدداً من أصحابه بأوصاف فصارت لهم من أجمل الألقاب .
واختلف في من نزلت فيه هذه الآية على أربعة أقاويل :
أحدها : أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شمسان وكان في أذنه ثقل فكان يدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يسمع حديثه ، فجاء ذات يوم وقد أخذ الناس مجالسهم فقال : « تَفَسَّحُواْ » ففعلوا إلا رجلاً كان بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يفسح وقال : « قَدْ أَصَبْتَ مَوْضِعاً » فنبذه ثابت ، بلقب كان لأمه مكروهاً ، فنزلت ، قاله الكلبي والفراء .
الثاني : أنا نزلت في كعب بن مالك الأنصاري ، وكان على المغنم فقال لعبد الله بن أبي حدرد : يا أعرابي ، فقال له عبد الله : يا يهودي ، فتشاكيا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت فيهما ، حكاه مقاتل .
الثالث : أنها نزلت في الذين نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات عند استهزائهم بمن مع رسول الله من الفقراء والموالي فنزل ذلك فيهم .
الرابع : أنا نزلت في عائشة وقد عابت أم سلمة .
واختلفوا في الذي عابتها به فقال مقاتل : عابتها بالقصر ، وقال غيره : عابتها بلباس تشهرت به .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)
قوله عز وجل : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ } يعني ظن السوء . بالمسلم توهماً من غير تعلمه يقيناً . (4/154)
{ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } فيه وجهان :
أحدهما : يعني ظن السوء .
الثاني : أن يتكلم بما ظنه فيكون إثماً ، فإن لم يتكلم به لم يكن إثماً ، قاله مقاتل بن حيان .
{ وَلاَ تَجَسَّسُوا } فيه وجهان :
أحدهما : هو أن يتبع عثرات المؤمن ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة .
الثاني : هو البحث عم خفي حتى يظهر ، قاله الأوزاعي .
وفي التجسس والتحسس وجهان :
أحدهما : أن معناهما واحد ، قاله ابن عباس وقرأ الحسن بالحاء . وقال الشاعر :
تجنبت سعدى أن تشيد بذكرها ... إذا زرت سعدى الكاشح المتحسس
وقال أبو عمرو الشيباني : الجاسوس : صاحب سر الشر ، والناموس صاحب سر الخير .
والوجه الثاني : أنهما مختلفان . وفي الفرق بينهما وجهان :
أحدهما : أن التجسس بالجيم هو البحث ، ومنه قيل رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور وبالحاء هو ما أدركه الإنسان ببعض حواسه .
الثاني : أنه بالحاء أن يطلبه لنفسه وبالجيم أن يكون رسولاً لغيره . والتجسس أن يجس الأخبار لنفسه ولغيره .
{ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } والغيبة : ذكر العيب بظهر الغيب ، قال الحسن : الغيبة ثلاثة كلها في كتاب الله : الغيبة والإفك والبهتان ، فأما الغيبة ، فأن تقول في أخيك ما هو فيه . وإما الإفك ، فأن تقول فيه ما بلغك عنه . وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس فيه .
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة قال : « هُوَ أَن تَقُولَ لأَخِيكَ مَا فِيهِ فَإِن كُنتَ صَادِقَاً فَقَدِ اغْتَبْتَهُ ، وَإِن كُنتَ كَاذِباً فَقَدْ بَهَّتَّهُ » .
{ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً } فيه وجهان :
أحدهما : أي كما يحرم أكل لحمه ميتاً يحرم غيبته حياً .
الثاني : كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً كذلك يجب أن يمتنع عن غيبته حياً ، قاله قتادة . واستعمل أكل اللحم مكان الغيبة لأن عادة العرب بذلك جارية قال الشاعر :
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
{ فَكَرِهْتُمُوهُ } فيه وجهان :
أحدهما : فكرهتم أكل الميتة ، كذلك فاكرهوا الغيبة .
الثاني : فكرهتم أن يعلم بكم الناس فاكرهوا غيبة الناس .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)
قوله عز وجل : { يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى } قصد بهذه الآية . النهي عن التفاخر بالأنساب ، وبين التساوي فيها بأن خلقهم من ذكر وأنثى يعني آدم وحواء . (4/155)
ثم قال : { وَجَعَلْنَاكُم شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَرَفُواْ } فبين أن الشعوب والقبائل للتعارف لا للافتخار ، وفيها ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الشعوب النسب الأبعد والقبائل النسب الأقرب ، قاله مجاهد ، وقتادة . وقال الشاعر :
قبائل من شعوب ليس فيهم ... كريم قد يعد ولا نجيب
وسموا شعوباً لأن القبائل تشعبت منها .
الثاني : أن الشعوب عرب اليمن من قحطان ، والقبيلة ربيعة ومضر وسائر عدنان .
الثالث : أن الشعوب بطون العجم ، والقبائل بطون العرب .
ويحتمل رابعاً : أن الشعوب هم المضافون إلى النواحي والشعاب ، والقبائل هم المشتركون في الأنساب ، قال الشاعر :
وتفرقوا شعباً فكل جزيرة ... فيها أمير المؤمنين ومنبر
والشعوب جمع شَعب بفتح الشين ، والشِّعب بكسر الشين هو الطريق وجمعه شعاب ، فكان اختلاف الجمعين مع اتفاق اللفظين تنبيهاً على اختلاف المعنيين .
{ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم } إن أفضلكم ، والكرم بالعمل والتقوى لا بالنسب .
قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)
قوله عز وجل : { قَالَتِ الأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا . . . } فيه ثلاثة أوجه : (4/156)
أحدها : أنهم أقروا ولم يعملوا ، فالإسلام قول والإيمان عمل ، قاله الزهري .
الثاني : أنهم أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة قبل أن يهاجروا فأعلمهم أن اسمهم أعراب ، قاله ابن عباس .
الثالث : أنهم مَنُّوا على رسول الله صلى الله بإسلامهم فقالوا أسلمنا ، لم نقاتلك ، فقال الله تعالى لنبيه : قل لهم : لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا خوف السيف ، قاله قتادة . لأناهم آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم ، فلم يكونوا مؤمنين ، وتركوا القتال فصاروا مستسلمين لا مسلمين ، فيكون مأخوذاً من الاستسلام لا من الإسلام كما قال الشاعر :
طال النهار على من لا لقاح له ... إلا الهدية أو ترك بإسلام
ويكون الإسلام والإيمان في حكم الدين على هذا التأويل واحداً وهو مذهب الفقهاء ، لأن كل واحد منهما تصديق وعمل .
وإنما يختلفان من وجهين :
أحدهما : من أصل الاسمين لأن الإيمان مشتق من الأمن ، والإسلام مشتق من السلم .
الثاني : أن الإسلام علم لدين محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان لجميع الأديان ، ولذلك امتنع اليهود والنصارى أن يتسموا بالمسلمين ، ولم يمتنعوا أن يتسموا بالمؤمنين . قال الفراء : ونزلت هذه الآية في أعراب بني أسد .
قوله عز وجل : { . . . لاَ يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيئاً } فيه وجهان :
أحدهما : لا يمنعكم من ثواب عملكم شيئاً ، قال رؤبة :
وليلة ذات سرى سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت
أي لم يمنعني عن سراها .
الثاني : ولا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً ، قال الحطيئة :
أبلغ سراة بني سعد مغلغلة ... جهد الرسالة لا ألتاً ولا كذباً
أي لا نقصاً ولا كذباً .
وفيه قراءتان : { يَلِتْكم } و { يألتكم } وفيها وجهان :
أحدها : [ أنهما ] لغتان معناهما واحد .
الثاني : يألتكم أكثر وأبلغ من يلتكم .
قوله عز وجل : { قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُم } الآية . هؤلاء أعراب حول المدينة أظهروا الإسلام خوفاً ، وأبطنوا الشرك اعتقاداً فأظهر الله ما أبطنوه وكشف ما كتموه ، ودلهم بعلمه بما في السموات والأرض علم علمه بما اعتقدوه ، وكانوا قد منوا بإسلامهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا فضلنا على غيرنا بإسلامنا طوعاً .
فقال تعالى : { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُونُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ } وهذا صحيح لأنه إن كان إسلامهم حقاً فهو لخلاص أنفسهم فلا مِنَّةَ فيه لهم ، وإن كان نفاقاً فهو للدفع عنهم ، فالمنة فيه عليهم .
ثم قال : { بِلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أن هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن الله أحق أن يمن عليكم أن هداكم للإيمان حتى آمنتم . وتكون المنة هي التحمد بالنعمة .
الثاني : أن الله تعالى ينعم عليكم بهدايته لكم ، وتكون المنة هي النعمة . وقد يعبر بالمنة عن النعمة تارة وعن التحمد بها أخرى .
{ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يعني فيما قلتم من الإيمان .
ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5)
قوله عز وجل : { ق } فيه أربعة أوجه : (4/157)
أحدها : أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم بها ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه اسم من أسماء القرآن ، قاله قتادة .
الثالث : أن معناه قضى والله ، كما قيل في حم : حم والله ، وهذا معنى قول مجاهد .
الرابع : أنه اسم الجبل المحيط بالدنيا ، قاله الضحاك .
قال مقاتل : وعروق الجبال كلها منه .
ويحتمل خامساً : أن يكون معناه قف؛ كما قال الشاعر :
قلت لها قفي فقالت قاف ... . . . . . . . . . . . .
أي وقفت . ويحتمل ما أريد بوقفه عليه وجهين :
أحدهما : قف على إبلاغ الرسالة لئلا تضجر بالتكذيب .
الثاني : قف على العمل بما يوحى إليك لئلا تعجل على ما لم تؤمر به .
{ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه الكريم ، قاله الحسن .
الثاني : أنه مأخوذ من كثرة القدرة والمنزلة ، لا من كثرة العدد من قولهم فلان كثير في النفوس ، ومنه قول العرب في المثل السائر : لها في كل الشجر نار ، واستجمد المرخ والعفار ، أي استكثر هذان النوعان من النار وزاد على سائر الشجر ، قاله ابن بحر .
الثالث : أنه العظيم ، مأخوذ من قولهم قد مجدت الإبل إذا أعظمت بطونها من كلأ الربيع . { والْقُرْءَانِ المَجِيدِ } قسم أقسم الله به تشريفاً له وتعظيماً لخطره لأن عادة جارية في القسم ألا يكون إلا بالمعظم . وجواب القسم محذوف ويحتمل وجهين :
أحدهما : هو أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى : { بَلْ عَجِبُواْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنهُمْ } .
الثاني : أنكم مبعوثون بدليل قوله : { إِئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً } .
قوله عز وجل : { بَلْ عَجِبُواْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنهُمْ } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم .
{ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيءٌ عَجِيبٌ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنهم عجبوا أن دعوا إلى إله واحد ، قاله قتادة .
الثاني : عجبوا أن جاءهم منذر منهم ، من قبل الله تعالى .
الثالث : أنهم عجبوا من إنذارهم بالبعث والنشور .
قوله عز وجل : { قَدْ عَلمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُم } فيه وجهان :
أحدهما : من يموت منهم ، قاله قتادة .
الثاني : يعني ما تأكله الأرض من لحومهم وتبليه من عظامهم ، قاله الضحاك .
{ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ } يعني اللوح المحفوظ . وفي حفيظ وجهان :
أحدهما : حفيظ لأعمالهم .
الثاني : لما يأكله التراب من لحومهم وأبدانهم وهو الذي تنقصه الأرض منهم .
قوله عز وجل : { بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ . . . } الآية . الحق يعني القرآن في قول الجميع .
{ مَرِيجٍ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : أن المريج المختلط . قاله الضحاك .
الثاني : المختلف ، قاله قتادة .
الثالث : الملتبس ، قاله الحسن .
الرابع : الفاسد ، قاله أبو هريرة . ومنه قول أبي دؤاد :
مرج الدين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)
قوله عز وجل : { وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } فيه وجهان : (4/158)
أحدهما : من شقوق .
الثاني : من فتوق ، قاله ابن عيسى إلا أن الملك تفتح له أبواب السماء عند العروج .
قوله عز وجل : { وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا } أي بسطناها .
{ وَألْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ } يعني الجبال الرواسي الثوابت ، واحدها راسية قال الشاعر :
رسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرع لا ينال طويل
{ مِن كُلِّ زَوْجٍ } أي من كل نوع .
{ بَهِيجٍ } فيه وجهان :
أحدهما : حسن ، مأخوذ من البهجة وهي الحسن .
الثاني : سارّ مأخوذ من قولهم قد أبهجني هذا الأمر أي سرني ، لأن السرور يحدث في الوجه من الإسفار والحمرة ما يصير به حسناً . قال الشعبي : الناس نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم ، ومن دخل النار فهو لئيم .
قوله عز وجل : { تَبْصِرَةً } فيها ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني بصيرة للإنسان ، قاله مجاهد .
الثاني : نعماً بصر الله بها عباده ، قاله قتادة .
الثالث : يعني دلالة وبرهاناً .
{ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن المنيب المخلص ، قاله السدي .
الثاني : أنه التائب إلى ربه ، قاله قتادة .
الثالث : أنه الراجع المتذكر ، قاله ابن بحر .
وقد عم الله بهذه التبصرة والذكرى وإن خص بالخطاب كل عبد منيب لانتفاعه بها واهتدائه إليها .
قوله عز وجل : { وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مََآءً مُّبَارَكاً } يعني المطر ، لأنه به يحيا النبات والحيوان .
{ فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ } فيها هنا وجهان :
أحدهما : أنها البساتين ، قاله الجمهور .
الثاني : الشجر ، قاله ابن بحر .
{ وَحَبَّ الْحَصِيدِ } يعني البر والشعير ، وكل ما يحصد من الحبوب ، إذا تكامل واستحصد سمي حصيداً ، قال الأعشى :
لسنا كما إياد دارها ... تكريث ينظر حبه أن يحصدا
قوله عز وجل : { وَالنَّخْلَ بِاسَقَاتٍ } فيها وجهان :
أحدهما : أنها الطوال ، قاله ابن عباس ومجاهد . قاله الشاعر :
يا ابن الذين بفضلهم ... بسقت على قيس فزاره
أي طالت عليهم .
( الثاني ) أنها التي قد ثقلت من الحمل ، قاله عكرمة . وقال الشاعر :
فلما تركنا الدار ظلت منيفة ... بقران فيه الباسقات المواقر
{ نَضِيدٌ } أي منضود ، فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن النضيد المتراكم المتراكب ، قاله ابن عباس في رواية عكرمة عنه .
الثاني : أنه المنظوم ، وهذا يروى عن ابن عباس أيضاً .
الثالث : أنه القائم المعتدل ، قاله ابن الهاد .
قوله عز وجل : { رِزْقاً لِلْعِبَادِ } يعني ما أنزله من السماء من ماء مبارك ، وما أخرجه من الأرض بالماء من نبات وحب الحصيد وطلع نضيد .
{ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مِّيتاً كَذِلكَ الْخُرُوجُ } جعل هذا كله دليلاً على البعث والنشور من وجهين :
أحدهما : أن النشأة الأولى إذا خلقها من غير أصل كانت النشأة الثانية بإعادة ما له أصل أهون .
الثاني : أنه لما شوهد من قدرته ، إعادة ما مات من زرع ونبات كان إعادة من مات من العباد أولى للتكليف الموجب للجزاء .
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15)
قوله عز وجل : { كَذَّبَتْ قَبْلَهُم قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ } في الرس وجهان : (4/159)
أحدهما : أنه كل حفرة في الأرض من بئر وقبر .
الثاني : أنها البئر التي لم تطو بحجر ولا غيره .
وأما أصحاب الرس ففيهم أربعة أقاويل :
أحدها : أنها بئر قتل فيها صاحب ياسين ورسوه ، قاله الضحاك .
الثاني : أنهم أهل بئر بأذربيجان ، قاله ابن عباس .
الثالث : أنهم قوم باليمامة كان لهم آبار ، قاله قتادة . قال الزهير :
بكرن بكوراً واستحرن بسحرة ... فهن ووادي الرس كاليد في الفم
الرابع : أنهم أصحاب الأخدود .
{ وَثَمُودُ } وهم قوم صالح ، وكانوا عرباً بوادي القرى وما حولها . وثمود مأخوذ من الثمد وهو الماء القليل الكدر ، قال النابغة :
واحكم بحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام سراع وارد الثمد
{ وَعَادٌ } وهو اسم رجل كان من العماليق كثر ولده ، فصاروا قبائل وكانوا باليمن بالأحقاف ، والأحقاف الرمال ، وهم قوم هود .
{ فِرْعَوْنَ } وقد اختلف في أصله فحكي عن مجاهد أنه كان فارسياً من أهل إصطخر . وقال ابن لهيعة : كان من أهل مصر وحكي عن ابن عباس أنه عاش ثلاثمائة سنة منها مائتان وعشرون سنة لا يرى ما يقذي عينه ، فدعاه موسى ثمانين سنة . وحكى غيره أنه عاش أربعمائة سنة .
واختلف في نسبه فقال بعضهم هو من لخم ، وقال آخرون هو من تبَّع .
{ وَإِخْوَانُ لُوطٍ } يعني قومه وأتباعه ، قال مجاهد : كانوا أربعمائة ألف بيت ، في كل بيت عشرة مردة ، فكانوا أربعة آلاف ألف .
وقال عطاء : ما من أحد من الأنبياء إلا وقد يقوم معه قوم إلا لوط فإنه يقوم وحده .
{ وَأَصَحَابُ الأَيْكَةِ } والأيكة الغيضة ذات الشجر الملتف كما قال أبو داود الإيادي :
كأن عرين أيكته تلاقى ... بها جمعان من نبط وروم
قال قتادة : وكان عامة شجرها الدوم ، وكان رسولهم شعيباً ، وأرسل إليهم ، وإلى أهل مدين ، أرسل إلى أمتين من الناس ، وعذبتا بعذابين ، أما أهل مدين فأخذتهم الصيحة ، وأما أصحاب الأيكة فكانوا أهل شجر متكاوس .
{ وَقَوْمُ تُبَّعٍ } وتبع كان رجلاً من ملوك العرب من حِمير ، سُمّي تبعاً لكثرة من تبعه . قال وهب : إن تبعاً أسلم وكفر قومه ، فلذلك ذكر قومه ، ولم يذكر تبع . قال قتادة وهو الذي حير الحيرة وفتح سمرقند حتى أخربها ، وكان يكتب إذا كتب : بسم الله الذي تَسمَّى وملك براً وبحراً وضحى وريحاً .
{ كُلٌّ كَذَّبَ الرَّسَلَ فَحَقَّ وَعِيدِ } يعني أن كل هؤلاء كذبوا من أرسل إليهم ، فحق عليهم وعيد الله وعذابه . فذكر الله قصص هؤلاء لهذه الأمة ، ليعلم المكذبون منهم بالنبي صلى الله عليه وسلم أنهم كغيرهم من مكذبي الرسل إن أقاموا على التكذيب فلم يأمنوا ، حتى أرشد الله منهم من أرشد وتبعهم رغباً ورهباً من تبع .
قوله عز وجل : { أَفَعِيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هَمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } أما اللبس فهو اكتساب الشك ، ومنه قول الخنساء : (4/160)
صدق مقالته واحذر عداوته ... والبس عليه بشك مثل ما لبسا
والخلق الجديد هو إعادة خلق ثان بعد الخلق الأول . وفي معنى الكلام تأويلان :
أحدهما : أفعجزنا عن إهلاك الخلق الأول ، يعني من تقدم ذكره حين كذبوا رسلي مع قوتهم ، حتى تشكوا في إهلاكنا لكم مع ضعفكم إن كذبتم ، فيكون هذا خارجاً منه مخرج الوعيد .
الثاني : معناه أننا لم نعجز عن إنشاء الخلق الأول ، فكيف تشكون في إنشاء خلق جديد ، يعني بالبعث بعد الموت ، فيكون هذا خارجاً مخرج البرهان والدليل .
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)
قوله عز وجل : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } الوسوسة كثرة حديث النفس بما لا يتحصل في حفاء وإسرار ، ومنه قول رؤبة : (4/161)
وسوس يدعو مخلصاً رب الفلق ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
{ وَنَحْنُ أَقْرَبٌ إِلَيهِ مِن حَبْلِ الْوَرِيدِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه حبل معلق به القلب ، قاله الحسن . والأصم وهو الوتين .
الثاني : أنه عرق في الحلق ، قاله أبو عبيدة .
الثالث : ما قاله ابن عباس ، عرق العنق ويسمى حبل العاتق ، وهما وريدان عن يمين وشمال ، وسمي وريداً ، لأنه العرق الذي ينصب إليه ما يرد من الرأس .
وفي قوله { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِن حَبْلِ الْوَرِيدِ } تأويلان :
أحدهما : ونحن أقرب إليه من حبل وريده الذي هو منه .
الثاني : ونحن أملك به من حبل وريده ، مع استيلائه عليه .
ويحتمل ثالثاً : ونحن أعلم بما توسوس به نفسه من حبل وريده ، الذي هو من نفسه ، لأنه عرق يخالط القلب ، فعلم الرب أقرب إليه من علم القلب .
قوله عز وجل : { إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ . . } الآية . قال الحسن ومجاهد وقتادة : المتلقيان ملكان يتلقيان عملك ، أحدهما عن يمينك ، يكتب حسناتك ، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك .
قال الحسن : حتى إذا مت طويت صحيفة عملك وقيل لك يوم القيامة : { اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً } عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك .
وفي { قَعِيدٌ } وجهان :
أحدهما : أنه القاعدة ، قاله المفضل .
الثاني : المرصد الحافظ ، قاله مجاهد . وهو مأخوذ من القعود .
قال الحسن : الحفظة أربعة : ملكان بالنهار وملكان بالليل .
قوله عز وجل : { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ } أي ما يتكلم بشيء ، مأخوذ من لفظ الطعام ، وهو إخراجه من الفم .
{ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه المتتبع للأمور .
الثاني : أنه الحافظ ، قاله السدي .
الثالث : أنه الشاهد ، قاله الضحاك .
وفي { عَتِيدٌ } وجهان :
أحدهما : أنه الحاضر الذي لا يغيب .
الثاني : أنه الحافظ المعد إما للحفظ وإما للشهادة .
قوله عز وجل : { وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ } يحتمل وجهين :
أحدهما : ما يراه عند المعاينة من ظهور الحق فيما كان الله قد أوعده .
الثاني : أن يكون الحق هو الموت ، سمي حقاً ، إما لاسحقاقه ، وإما لانتقاله إلى دار الحق . فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير . وتقديره : وجاءت سكرة الحق بالموت ، ووجدتها في قراءة ابن مسعود كذلك .
{ ذلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه كان يحيد من الموت ، فجاءه الموت .
الثاني : أنه يحيد من الحق ، فجاءه الحق عند المعاينة .
وفي معنى التحيد وجهان :
أحدهما : أنه الفرار ، قاله الضحاك .
( الثاني ) : العدول ، قاله السدي . ومنه قول الشاعر :
ولقد قلت حين لم يك عنه ... لي ولا للرجال عنه محيد
فروى عاصم بن أبي بهدلة ، عن أبي وائل ، أن عائشة قالت عند أبيها وهو يقضي :
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً ، وضاق بها الصدر (4/162)
فقال أبو بكر : « هلا قلت كما قال الله ] : وَجَآءَتْ سَكْرَتُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ } .
قوله عز وجل : { وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ } أما السائق ففيه قولان :
أحدهما : أنه ملك يسوقه إلى المحشر ، قاله أبو هريرة وابن زيد .
الثاني : أنه أمر من الله يسوقه إلى موضع الحساب ، قاله الضحاك .
وأما الشهيد ففيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه ملك يشهد عليه بعمله ، وهذا قول عثمان بن عفان والحسن .
الثاني : أنه الإنسان ، يشهد على نفسه بعمله ، رواه أبو صالح .
الثالث : أنها الأيدي والأرجل تشهد عليه بعمله بنفسه ، قاله أبو هريرة .
ثم في الآية قولان :
أحدهما : أنها عامة في المسلم والكافر ، وهو قول الجمهور .
الثاني : أنها خاصة في الكافر ، قاله الضحاك .
قوله عز وجل : { لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّن هَذَا } فيه وجهان :
أحدهما أنه الكافر ، كان في غفلة من عواقب كفره ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه النبي صلى الله عليه وسلم ، كان في غفلة عن الرسالة مع قريش في جاهليتهم ، قاله عبد الرحمن بن زيد .
ويحتمل ثالثاً : لقد كنت أيها الإنسان في غفلة عن أن كل نفس معها سائق وشهيد لأن هذا لا يعرف إلا بالنصوص الإلهية .
{ فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنه إذا كان في بطن أمه فولد ، قاله السدي .
الثاني : إذا كان في القبر فنشر ، وهذا معنى قول ابن عباس .
الثالث : أنه وقت العرض في القيامة ، قاله مجاهد .
الرابع : أنه نزول الوحي وتحمل الرسالة ، وهذا معنى قول ابن زيد .
{ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } وفي المراد بالبصر هنا وجهان :
أحدهما : بصيرة القلب لأنه يبصر بها من شواهد الأفكار ، ونتائج الاعتبار ما تبصر العين ما قابلها من قبلها من الأشخاص والأجسام ، فعلى هذا في قوله : { حَدِيدٌ } تأويلان :
أحدهما : سريع كسرعة مور الحديد .
الثاني : صحيح كصحة قطع الحديد .
الوجه الثاني : أن المراد به بصر العين وهو الظاهر ، فعلى هذا في قوله : { حَدِيدٌ } تأويلان :
أحدهما : شديد ، قاله الضحاك .
الثاني : بصير ، قاله ابن عباس .
وماذا يدرك البصر؟ فيه خمسة أوجه :
أحدها : يعاين الآخرة ، قاله قتادة .
الثاني : لسان الميزان ، قاله الضحاك .
الثالث : ما يصير إليه من ثواب أو عقاب ، وهو معنى قول ابن عباس .
الرابع : ما أمر به من طاعة وحذره من معصية ، وهو معنى قول ابن زيد .
الخامس : العمل الذي كان يعمله في الدنيا ، قاله الحسن .
وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29)
قوله عز وجل : { وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ } أما قرينه ففيه ثلاثة أقاويل : (4/163)
أحدها : أنه الملك الشهيد عليه ، قاله الحسن وقتادة .
الثاني : أنه قرينه الذي قيض له من الشياطين ، قاله مجاهد .
الثالث : أنه قرينه من الإنس ، قاله ابن زيد في رواية ابن وهب عنه .
وفي قوله : { هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ } وجهان :
أحدهما : هذا الذي وكلت به أحضرته ، قاله مجاهد .
الثاني : هذا الذي كنت أحبه ويحبني قد حضر ، قاله ابن زيد .
قوله عز وجل : { أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارِ عَنِيدٍ } في ألقيا ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن المأمور بألقيا كل كافر في النار ملكان .
الثاني : يجوز أن يكون واحد ويؤمر بلفظ الاثنين كقول الشاعر :
فإن تزجراني يابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضاً ممنعاً
الثالث : أنه خارج مخرج تثنية القول على معنى قولك ألق ألق ، قف قف ، تأكيداً للأمر . والكفار [ بفتح الكاف ] أشد مبالغة من الكافر .
ويحتمل وجهين : أحدهما : أنه الكافر الذي كفر بالله ولم يطعه ، وكفر بنعمه ولم يشكره .
الثاني : أنه الذي كفر بنفسه وكفر غيره بإغوائه .
وأما العنيد ففيه خمسة أوجه :
أحدها : أنه المعاند للحق ، قاله بعض المتأخرين .
الثاني : أنه المنحرف عن الطاعة ، قاله قتادة .
الثالث : أنه الجاحد المتمرد ، قاله الحسن .
الرابع : أنه المشاق ، قاله السدي .
الخامس : أنه المعجب بما عنده المقيم على العمل به ، قاله ابن بحر .
فأما العاند ففيه وجهان :
أحدهما : أنه الذي يعرف بالحق ثم يجحده .
الثاني : أنه الذي يدعى إلى الحق فيأباه .
قوله عز وجل : { مَنَّاعٍ لِّلْخير } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه منع الزكاة المفروضة ، قاله قتادة .
الثاني : أن الخير المال كله ، ومنعه حبسه عن النفقه في طاعة الله ، قاله بعض المتأخرين .
الثالث : محمول على عموم الخير من قول وعمل .
{ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ } في المريب ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه الشاك في الله ، قاله السدي .
الثاني : أنه الشاك في البعث ، قاله قتادة .
الثالث : أنه المتهم . قال الشاعر :
بثينة قالت يا جميل أربتنا ... فقلت كلانا يا بثين مريب
وأريبنا من لا يؤدي أمانة ... ولا يحفظ الأسرار حين يغيب
قال الضحاك : هذه الآية في الوليد بن المغيرة المخزومي حين استشاره بنو أخيه في الدخول في الإسلام فمنعهم .
قوله عز وجل : { قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ } فيه وجهان :
أحدهما : أن اختصامهم هو اعتذار كل واحد منهم فيما قدم من معاصيه ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه تخاصم كل واحد مع قرينه الذي أغواه في الكفر ، قاله أبو العالية .
فأما اختصامهم في مظالم الدنيا ، فلا يجوز أن يضاع لأنه يوم التناصف .
أحدها : أن الوعيد الرسول ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه القرآن ، قاله جعفر بن سليمان .
الثالث : أنه الأمر والنهي ، قاله ابن زيد .
ويحتمل رابعاً : أنه الوعد بالثواب والعقاب .
قوله عز وجل : { مَا يُبَدَّلُ الْقَولُ لَدَيَّ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : فيما أوجه من أمر ونهي ، وهذا معنى قول ابن زيد .
الثاني : فيما وعد به من طاعة ومعصية ، وهو محتمل .
الرابع : في أن بالحسنة عشر أمثالها وبخمس الصلوات خمسين صلاة ، قاله قتادة .
{ وَمَآ أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ } فيه وجهان :
أحدهما : ما أنا بمعذب من لم يجرم ، قاله ابن عباس .
الثاني : ما أزيد في عقاب مسيء ولا أنقص من ثواب محسن ، وهو محتمل .
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)
قوله عز وجل : { يَوْمَ نُقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنَ مَّزِيدٍ } فيه ثلاثة أوجه : (4/164)
أحدها : هل يزاد إلى من ألقي غيرهم؟ فالاستخبار عمن بقي ، قاله زيد بن أسلم .
الثاني : معناه إني قد امتلأت ، ممن ألقي في ، فهل أسع غيرهم؟ قاله مقاتل .
الثالث : معناه هل يزاد في سعتي؟ لإلقاء غير من ألقي في ، قاله معاذ .
وفي قوله : { وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ } وجهان :
أحدهما : أن زبانية جهنم قالوا هذا .
الثاني : أن حالها كالمناطقة بهذا القول ، كما قال الشاعر :
امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلاً رويداً قد ملأت بطني
قوله عز وجل : { هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ } في الأواب الحفيظ ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه الذاكر ذنبه في الخلاء ، قاله الحكم .
الثاني : أنه الذي إذا ذكر ذنباً تاب واستغفر الله منه ، قاله ابن مسعود ومجاهد والشعبي .
الثالث : أنه الذي لا يجلس مجلساً فيقوم حتى يستغفر الله فيه ، قاله عبيد بن عمير .
وأما الحفيظ هنا ففيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه المطيع فيما أمر ، وهو معنى قول السدي .
الثاني : الحافظ لوصية الله بالقبول ، وهو معنى قول الضحاك .
الثالث : أنه الحافظ لحق الله بالاعتراف ولنعمه بالشكر ، وهو معنى قول مجاهد . وروى مكحول عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ كَانَ أَوَّاباً حَفِيظاً » .
قوله عز وجل : { مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه الذي يحفظ نفسه من الذنوب في السر كما يحفظها في الجهر .
الثاني : أنه التائب في السر من ذنوبه إذا ذكرها ، كما فعلها سراً .
ويحتمل ثالثاً : أنه الذي يستتر بطاعته لئلا يداخلها في الظاهر رياء . ووجدت فيه لبعض المتكلمين .
رابعاً : أنه الذي أطاع الله بالأدلة ولم يره .
{ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه المنيب المخلص ، قاله السدي .
الثاني : أنه المقبل على الله ، قاله سفيان .
الثالث : أنه التائب ، قاله قتادة .
{ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ } يعني ما تشتهي أنفسهم وتلذ أعينهم .
{ وَلَدَينَا مَزِيدٍ } فيه وجهان :
أحدهما : أن المزيد من يزوج بهن من الحور العين ، رواه أبو سعيد الخدري مرفوعاً .
الثاني : أنها الزيادة التي ضاعفها الله من ثوابه بالحسنة عشر أمثالها .
وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل أخبره : أن يوم الجمعة يدعى في الآخرة يوم المزيد . وفيه وجهان :
أحدهما : لزيادة ثواب العمل فيه .
الثاني : لما روي أن الله تعالى يقضي فيه بين خلقه يوم القيامة .
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40)
قوله عز وجل : { فَنَقَّبُواْ فِي الْبِلاَدِ } فيه أربعة أوجه : (4/165)
احدها : أثروا في البلاد ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنهم ملكوا في البلاد ، قاله الحسن .
الثالث : ساروا في البلاد وطافوا ، قاله قتادة ، ومنه قول امرىء القيس :
وقد نقبت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
الرابع : أنهم اتخذوا فيها طرقاً ومسالك ، قاله ابن جريج .
ويحتمل خامساً : أنه اتخاذ الحصون والقلاع .
{ هَلْ مِن مَّحِيصٍ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : هل من منجٍ من الموت ، قاله ابن زيد .
الثاني : هل من مهرب ، قال معمر عن قتادة : حاص أعداء الله فوجدوا أمر الله تعالى لهم مدركاً .
الثالث : هل من مانع؟ قال سعيد عن قتادة : حاص الفجرة ، فوجدوا أمر الله منيعاً .
قوله عز وجل : { إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } فيه وجهان :
أحدهما : لمن كان له عقل ، قاله مجاهد ، لأن القلب محل العقل .
الثاني : لمن كانت له حياة ونفس مميزة ، فعبر عن النفس الحية بالقلب لأنه وطنها ومعدن حياتها . كما قال امرؤ القيس :
أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل
{ أوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : ألقى السمع فيما غاب عنه بالأخبار ، وهو شهيد فيما عاينه بالحضور .
الثاني : معناه سمع ما أنزل الله من الكتب وهو شهيد بصحته .
الثالث : سمع ما أنذر به من ثواب وعقاب ، وهو شهيد على نفسه بما عمل من طاعة أو معصية .
وفي الآية ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها في جميع أهل الكتب ، قاله قتادة .
الثاني : أنها في اليهود والنصارى خاصة ، قاله الحسن .
الثالث : أنها في أهل القرآن خاصة ، قاله محمد بن كعب وأبو صالح .
قوله عز وجل : { وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } واللغوب التعب والنصب . قال الراجز :
إذا رقى الحادي المطي اللغبا ... وانتعل الظل فصار جوربا
قال قتادة والكلبي : نزلت هذه الآية في يهود المدينة ، زعموا أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام أولها يوم الأحد ، وآخرها يوم الجمعة ، واستراح في يوم السبت ، ولذلك جعلوه يوم راحة ، فأكذبهم الله في ذلك .
قوله عز وجل : { فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ } هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، أمر فيه بالصبر على ما يقوله المشركون ، إما من تكذيب أو وعيد .
{ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } الآية . وهذا وإن كان خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم ، فهو عام له ولأمته .
وفي هذا التسبيح وجهان :
أحدهما : أنه تسبيحه بالقول تنزيهاً قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ، قاله أبو الأحوص .
الثاني : أنها الصلاة ومعناه فصلِّ بأمر ربك قبل طلوع الشمس ، يعني صلاة الصبح ، وقبل الغروب ، يعني صلاة العصر ، قاله أبو صالح ورواه جرير بن عبد الله مرفوعاً .
قوله عز وجل : { وَمِنَ اللَّيلِ فَسَبِّحْهُ } فيه أربعة أوجه : (4/166)
أحدها : أنه تسبيح الله تعالى قولاً في الليل ، قاله أبو الأحوص .
الثاني : أنها صلاة الليل ، قاله مجاهد .
الثالث : أنها ركعتا الفجر ، قاله ابن عباس .
الرابع : أنها صلاة العشاء الآخرة ، قاله ابن زيد .
ثم قال { وَأَدْبَارَ السُّجُودِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه التسبيح في أدبار الصلوات ، قاله أبو الأحوص .
الثاني : أنها النوافل بعد المفروضات ، قاله ابن زيد .
الثالث : أنها ركعتان بعد المغرب ، قاله علي رضي الله عنه وأبو هريرة .
وروى ابن عباس قال : بت ليلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى ركعتين قبل الفجر ، ثم خرج إلى الصلاة فقال : « يا ابن عباس رَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ أَدْبَارَ النُّجُومِ ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمِغْرِبِ أَدْبَارَ السُّجُودِ » .
وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (44) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)
قوله عز وجل : { وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنَادِ } هذه الصيحة التي ينادي بها المنادي من مكان قريب هي النفخة الثانية التي للبعث إلى أرض المحشر . (4/167)
ويحتمل وجهاً آخر ، أنه نداؤه في المحشر للعرض والحساب .
وفي قوله : { مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } وجهان :
أحدهما : أنه يسمعها كل قريب وبعيد ، قاله ابن جريج .
الثاني : أن الصيحة من مكان قريب . قال قتادة : كنا نحدث أنه ينادي من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض : يا أيتها العظام البالية ، قومي لفصل القضاء وما أعد من الجزاء . وحدثنا ، أن كعباً قال : هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً .
قوله عز وجل : { يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ } فيه وجهان :
أحدهما : يعني بقول الحق .
الثاني : بالبعث الذي هو حق .
{ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ } فيه وجهان :
أحدهما : الخروج من القبور .
الثاني : أن الخروج من أسماء القيامة . قال العجاج :
وليس يوم سمي الخروجا ... أعظم يوم رجه رجوجا
قوله عز وجل : { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : نحن أعلم بما يجيبونك من تصديق أو تكذيب .
الثاني : بما يسرونه من إيمان أو نفاق .
{ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني برب ، قاله الضحاك ، لأن الجبار هو الله تعالى سلطانه .
الثاني : متجبر عليهم متسلط ، قاله مجاهد . ولذلك قيل لكل متسلط جبار . قال الشاعر :
وكنا إذا الجبار صعر خده ... أقمنا له من صعره فتقوما
وهو من صفات المخلوقين ذم .
الثالث : أنك لا تجبرهم على الإسلام من قولهم قد جبرته على الأمر إذا قهرته على أمر ، قاله الكلبي .
{ فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } الوعيد العذاب ، والوعد الثواب . قال الشاعر :
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
قال قتادة : اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك ويرجو موعدك . وروي أنه قيل : يا رسول الله لو خوفتنا فنزلت { فَذَكِّرْ بِالْقُرءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } .
وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14)
قوله تعالى : { وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً } الذاريات : الرياح ، واحدتها ذارية لأنها تذرو التراب والتبن أي تفرقه في الهواء ، كما قال تعالى : { فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ } وفي قوله { ذَرْواً } وجهان : (4/168)
أحدهما : مصدر .
الثاني : أنه بمعنى ما ذرت ، قاله الكلبي . فكأنما أقسم بالرياح وما ذرت الرياح .
ويحتمل قولاً ثالثاً : أن الذاريات النساء الولودات لأن في ترائبهن ذرو الخلق ، لأنهن يذرين الأولاد فصرن ذاريات ، وأقسم بهن لما في ترائبهن من خيرة عباده الصالحين ، وخص النساء بذلك دون الرجال وإن كان كل واحد منهما ذارياً لأمرين .
أحدهما : لأنهن اوعية دون الرجال فلاجتماع الذروين خصصن بالذكر .
الثاني : أن الذرو فيهن أطول زماناً وهن بالمباشرة أقرب عهداً .
{ فَالْحَامِلاَتِ وِقْراً } فيها قولان :
أحدهما : أنها السحب [ يحملن ] وِقْراً بالمطر .
الثاني أنها الرياح [ يحملن ] وِقْراً بالسحاب ، فتكون الريح الأولى مقدمة السحاب لأن أمام كل سحابة ريحاً ، والريح الثانية حاملة السحاب . لأن السحاب لا يستقل ولا يسير إلا بريح . وتكون الريح الثانية تابعة للريح الأولى من غير توسط ، قاله ابن بحر .
ويجري فيه احتمال قول :
ثالث : أنهن الحاملات من النساء إذا ثقلن بالحمل ، والوقر ثقل الحمل على ظهر أو في بطن ، وبالفتح ثقل الأذن .
{ فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً } فيها قولان :
أحدهما : السفن تجري بالريح يسراً إلى حيث سيرت .
الثاني : أنه السحاب ، وفي جريها يسراً على هذا القول وجهان :
أحدهما : إلى حيث يسيرها الله تعالى من البقاع والبلاد .
الثاني : هو سهولة تسييرها ، وذلك معروف عند العرب كما قال الأعشى :
كأن مشيتها من بيت جارتها ... مشي السحابة ولا ريث لا عجل
{ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً } فيه قولان :
أحدهما : أنه السحاب يقسم الله به الحظوظ بين الناس .
الثاني : الملائكة التي تقسم أمر الله في خلقه ، قاله الكلبي . وهم : جبريل وهو صاحب الوحي والغلظة ، وميكائيل وهو صاحب الرزق والرحمة ، وإسرافيل وهو صاحب الصور واللوح ، وعزرائيل وهو ملك الموت وقابض الأرواح ، عليهم السلام .
والواو التي فيها واو القسم ، أقسم الله بها لما فيها من الآيات والمنافع .
{ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ } فيه وجهان :
أحدهما : إن يوم القيامة لكائن ، قاله مجاهد .
الثاني : ما توعدون من الجزاء بالثواب والعقاب حق ، وهذا جواب القسم . { وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ } فيه وجهان : أحدهما : إن الحساب لواجب ، قاله مجاهد . الثاني : [ أن ] الدين الجزاء ومعناه أن جزاء أعمالكم بالثواب والعقاب لكائن ، وهو معنى قول قتادة ، ومنه قول لبيد .
قوم يدينون بالنوعين مثلهما ... بالسوء سوء وبالإحسان إحسانا
{ وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الْحُبُكِ } في السماء ها هنا وجهان :
أحدهما : أنها السحاب الذي يظل الأرض .
الثاني : وهو المشهور أنها السماء المرفوعة ، قال عبد الله بن عمر : هي السماء السابعة .
وفي { الْحُبُكِ } سبعة أقاويل :
أحدها : أن الحبك الاستواء ، وهو مروي عن ابن عباس على اختلاف .
الثاني : أنها الشدة ، وهو قول أبي صالح . (4/169)
الثالث : الصفاقة ، قاله خصيف .
الرابع : أنها الطرق ، مأخوذ من حبك الحمام طرائق على جناحه ، قاله الأخفش ، وأبو عبيدة .
الخامس : أنه الحسن والزينة ، قاله علي وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير ومنه قول الراجز :
كأنما جللها الحواك ... كنقشة في وشيها حباك
السادس : أنه مثل حبك الماء إذا ضربته الريح ، قاله الضحاك . قال زهير :
مكلل بأصول النجم تنسجه ... ريح الشمال لضاحي مائة حبك
السابع : لأنها حبكت بالنجوم ، قاله الحسن . وهذا قسم ثان .
{ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني في أمر مختلف ، فمطيع وعاص ، ومؤمن وكافر ، قاله السدي .
الثاني : أنه القرآن فمصدق له ومكذب به ، قاله قتادة .
الثالث : انهم أهل الشرك مختلف عليهم بالباطل ، قاله ابن جريج .
ويحتمل رابعاً : أنهم عبدة الأوثان والأصنام يقرون بأن الله خالقهم ويعبدون غيره . وهذا جواب القسم الثاني .
{ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ } فيه ستة تأويلات :
أحدها : يضل عنه من ضل ، قاله ابن عباس .
الثاني : يصرف عنه من صرف ، قاله الحسن .
الثالث : يؤفن عنه من أفن ، قاله مجاهد ، والأفن فساد العقل .
الرابع : يخدع عنه من خدع ، قاله قطرب .
الخامس : يكذب فيه من كذب ، قاله مقاتل .
السادس : يدفع عنه من دفع ، قاله اليزيدي .
{ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : لعن المرتابون ، قاله ابن عباس .
الثاني : لعن الكذابون ، قاله الحسن .
الثالث : أنهم أهل الظنون والفرية ، قاله قتادة .
الرابع : أنهم المنهمكون ، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً .
وقوله : { قُتِلَ } ها هنا ، بمعنى لعن ، والقتل اللعن . وأما الخراصون فهو جمع خارص . وفي الخرص ها هنا وجهان :
أحدهما : أنه تعمد الكذب ، قاله الأصم .
الثاني : ظن الكذب ، لأن الخرص حزر وظن ، ومنه أخذ خرص الثمار .
وفيما يخرصونه وجهان :
أحدهما : تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم .
الثاني : التكذيب بالبعث . وفي معنى الأربع تأويلات وقد تقدم ذكرها في أولها { الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : في غفلة لاهون ، قاله ابن عباس .
الثاني : في ضلالاتهم متمادون ، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً .
الثالث : في عمى وشبهة يترددون ، قاله قتادة .
ويحتمل رابعاً : الذين هم في مأثم المعاصي ساهون عن أداء الفرائض .
{ يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ } أي متى يوم الجزاء . وقيل : إن أيان كلمة مركبة من أي وآن .
{ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ } في { يُفْتَنُونَ } ثلاثة أوجه :
أحدها : أي يعذبون ، قاله ابن عباس ، ومنه قول الشاعر :
كل امرىء من عباد الله مضطهد ... ببطن مكة مقهور مفتون
الثاني : يطبخون ويحرقون ، كما يفتن الذهب بالنار ، وهو معنى قول عكرمة والضحاك .
الثالث : يكذبون توبيخاً وتقريعاً زيادة في عذابهم .
{ ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ } الآية . فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معنى فتنتكم أي عذابكم ، قاله ابن زيد .
الثاني : حريقكم ، قاله مجاهد .
الثالث : تكذبيكم ، قاله ابن عباس .
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)
{ ءَآخِذِينَ مَآ َاتَاهُمْ رَبُّهُمْ } فيه وجهان : (4/170)
أحدهما : من الفرائض ، قاله ابن عباس .
الثاني : من الثواب ، قاله الضحاك .
{ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذلِكَ مُحسِنِينَ } أي قبل الفرائض محسنين بالإجابة ، قاله ابن عباس .
الثاني : قبل يوم القيامة محسنين بالفرائض ، قاله الضحاك .
{ كَانُواْ قَلْيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : راجع على ما تقدم من قوله { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُواْ قَلِيلاً } بمعنى أن المحسنين كانوا قليلاً ، ثم استأنف : من الليل ما يهجعون ، قاله الضحاك .
الثاني : أنه خطاب مستأنف بعد تمام ما تقدمه ، ابتداؤه كانوا قليلاً ، الآية . والهجوع : النوم ، قال الشاعر :
أزالكم الوسمي أحدث روضه ... بليل وأحداق الأنام هجوع
وفي تأويل ذلك أربعة أوجه :
أحدها { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون } أي يستيقظون فيه فيصلون ولا ينامون إلا قليلاً ، قاله الحسن .
الثاني : أن منهم قليلاً ما يهجعون للصلاة في الليل وإن كان أكثرهم هجوعاً ، قاله الضحاك .
الثالث : أنهم كانوا في قليل من الليل ما يهجعون حتى يصلوا صلاة المغرب وعشاء الآخرة ، قاله أبو مالك .
الرابع : أنهم كانوا قليلاً يهجعون ، وما : صلة زائدة ، وهذا لما كان قيام الليل فرضاً . وكان أبو ذر يحتجن يأخذ العصا فيعتمد عليها حتى نزلت الرخصة { قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } .
{ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : وبالأسحار هم يصلون ، قاله الضحاك .
الثاني : أنهم كانوا يؤخرون الاستغفار من ذنوبهم إلى السحر ليستغفروا فيه ، قاله الحسن .
قال ابن زيد : وهو الوقت الذي أخر يعقوب الاستغفار لبنيه حتى استغفر لهم فيه حين قال لهم { سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي } [ يوسف : 98 ] . قال ابن زيد : والسحر السدس الأخير من الليل . وقيل إنما سمي سحراً لاشتباهه بين النور والظلمة .
{ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ } فيه وجهان :
أحدهما : أنها الزكاة ، قاله ابن سيرين وقتادة وابن أبي مريم .
الثاني : أنه حق سوى الزكاة تصل له رحماً أو تقري به ضيفاً أو تحمل به كلاًّ أو تغني به محروماً ، قاله ابن عباس .
{ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } أما السائل فهو مَن يسأل الناس لفاقته ، وأما المحروم ، ففيه ثمانية أقوال :
أحدها : المتعفف الذي يسأل الناس شيئاً ولا يعلم بحاجته ، قاله قتادة .
الثاني : أنه الذي يجيء بعد الغنيمة وليس له فيها سهم ، قاله الحسن ومحمد بن الحنفية . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية فأصابوا وغنموا ، فجاء قوم بعدما فرغوا فنزلت الآية .
الثالث : أنه من ليس له سهم في الإسلام ، قاله ابن عباس .
الرابع : المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه ، وهذا قول عائشة .
الخامس : أنه الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه ، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً .
السادس : أنه المصاب بثمره وزرعه يعينه من لم يصب ، قاله ابن زيد :
السابع : أنه المملوك ، قاله عبد الرحمن بن حميد .