صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : النكت والعيون
المؤلف : أبوالحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20)

قوله عز وجل : { وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً } فيه أربعة أوجه :
أحدها : عدلاً أي مثلاً ، قاله قتادة .
الثاني : من الملائكة ولداً ، قاله مجاهد .
الثالث : نصيباً ، قاله قطرب .
الرابع : أنه البنات ، والجزء عند أهل العربية البنات . يقال قد أجزأت المرأة إذا ولدت البنات . قال الشاعر :
إن أجزأت مرة قوماً فلا عجب ... قد تجزىء الحرة المذكارُ أحيانا
{ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ } قال الحسن : يعد المصائب وينسى النعم .
قوله عز وجل : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً } أي بما جعل للرحمن البنات ولنفسه البنين .
{ ظَلَّ وَجْههُه مُسْوَداً } يحتمل وجهين :
أحدهما : ببطلان مثله الذي ضربه .
الثاني : بما بشر به من الأنثى .
{ وَهُوَ كَظِيمٌ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : حزين ، قاله قتادة .
الثاني : مكروب ، قاله عكرمة .
الثالث : ساكت ، حكاه ابن أبي حاتم . وذلك لفساد مثله وبطلان حجته .
قوله عز وجل : { أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي الْحِلْيَةِ } النشوء التربية ، والحلية الزينة . وفي المراد بها ثلاثة أوجه :
أحدها : الجواري ، قاله ابن عباس ومجاهد .
الثاني : البنات . قاله ابن قتيبة .
الثالث : الأَصنام ، قاله ابن زيد .
وفي { الْخِصَامِ } وجهان :
أحدهما : في الحجة .
الثاني : في الجدل .
{ غَيْرُ مُبِينٍ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه عني قلة البلاغة ، قاله السدي .
الثاني : ضعف الحجة ، قال قتادة : ما حاجت امرأة إلا أوشكت أن تتكلم بغير حجتها .
الثالث : السكوت عن الجواب ، قاله الضحاك وابن زيد ومن زعم أنها الأصنام .
قوله عز وجل : { وَجَعَلُواْ الْمَلآئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمنِ إِنَاثاً } في قوله { عِبَادُ الرَّحْمَنِ } وجهان :
أحدهما : أنه سماهم عباده على وجه التكريم كما قال { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الِّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً } .
الثاني : أنه جمع عابد .
وفي قوله : { إِنَاثاً } وجهان :
أحدهما : أي بنات الرحمن .
الثاني : ناقصون نقص البنات .
{ أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : مشاهدتم وقت خلقهم .
الثاني : مشاهدتهم بعد خلقهم حتى علموا أنهم إناث .
{ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ } أي ستكتب شهادتهم إن شهدوا ويسألون عنها إذا بعثوا .

(4/81)


أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25)

قوله عز وجل : { بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ } فيه خمسة أوجه :
أحدها : على دين ، قاله قتادة وعطية ، ومنه قول قيس بن الخطيم :
كنا على أمة آبائنا ... قد يقتدي الآخر بالأول
الثاني : على ملة وهو قريب من معنى الأول ، قاله مجاهد وقطرب وفي بعض المصاحف . { قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى مِلَّةٍ } .
الثالث : على قبلة ، حُكي ذلك عن الفراء .
الرابع : على استقامة ، قاله الأخفش ، وأنشد النابغة :
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثَمَن ذو أمة وهو طائع
الخامس : على طريقة ، قاله عمر بن عبد العزيز ، وكان يقرأ { عَلَى أُمَّةٍ } بكسر الألف والأمة الطريقة من قولهم أممت القوم . حكاه الفراء .
{ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ } قال قتادة متبعون . وحكى مقاتل أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة ، وأبي سفيان ، وأبي جهل ، وعتبة ، وشيبة ابني ربيعة من قريش .

(4/82)


وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)

قوله عز وجل : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ } البراء مصدر موضع الوصف ، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث ، فكأنه قال إنني بريء .
{ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي } وهذا استثناء منقطع وتقديره ، لكن الذي فطرني أي خلقني :
{ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ } وقيل فيه محذوف تقديره إلا الذي فطرني لا أبرأ منه { فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ } قال ذلك ثقة بالله وتنبيهاً لقومه أن الهداية من ربه .
قوله عز وجل : { وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيةً فِي عَقِبِهِ } فيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : لا إله إلا الله ، لم يزل في ذريته من يقولها ، قاله مجاهد ، وقتادة .
الثاني : ألا تعبدوا إلا الله ، قاله الضحاك .
الثالث : الإسلام ، لقوله تعالى : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ } قاله عكرمة . وفي { عَقِبِهِ } ثلاثة أوجه :
أحدها : ولده ، قاله عكرمة .
الثاني : في آل محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله السدي .
الثالث : من خلفه ، قاله ابن عباس .
{ لَعَلَّهُم يَرْجِعُونَ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : يرجعون إلى الحق ، قاله إبراهيم .
الثاني : يتوبون ، قاله ابن عباس .
الثالث : يذكرون ، قاله قتادة .
الرابع : يرجعون إلى دينك الذي هو دين إبراهيم ، قاله الفراء .
قوله عز وجل : { وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ } أما القريتان فإحداهما مكة والأخرى الطائف .
وأما عظيم مكة ففيه قولان : أحدهما : أنه الوليد بن المغيرة ، قاله ابن عباس .
الثاني : عتبة بن ربيعة ، قاله مجاهد .
وأما عظيم الطائف ففيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه حبيب بن عمر الثقفي ، قاله ابن عباس .
الثاني : [ عمير ] بن عبد ياليل ، [ الثقفي ] قاله مجاهد .
الثالث : عروة بن مسعود ، قاله قتادة .
الرابع : أنه كنانة [ عبد ] بن عمرو ، قاله السدي .
قوله عز وجل : { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ } يعني النبوة فيضعوها حيث شاءوا .
{ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنَْيَا } يعني أرزاقهم ، قال قتادة : فتلقاه ضعيف القوة قليل الحيلة عيي اللسان وهو مبسوط له ، وتلقاه شديد الحيلة بسيط اللسان وهو مقتر عليه .
{ وَرَفَعَنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } فيه خمسة أوجه :
أحدها : بالفضائل ، فمنهم فاضل ومنهم مفضول ، قاله مقاتل .
الثاني : بالحرية والرق ، فبعضهم مالك وبعضهم مملوك .
الثالث : بالغنى والفقر ، فبعضهم غني ، وبعضهم فقير .
الرابع : بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الخامس : قاله السدي ، التفضيل في الرزق إن الله تعالى قسم رحمته بالنبوة كما قسم الرزق بالمعيشة .
{ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً } فيه وجهان :
أحدهما : يعني خدماً ، قاله السدي .
الثاني : ملكاً ، قاله قتادة .
{ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : أن النبوة خير من الغنى .
الثاني : أن الجنة خير من الدنيا .
الثالث : أن إتمام الفرائض خير من كثرة النوافل .
الرابع : أن ما يتفضل به عليهم خير مما يجازيهم عليه من أعمالهم ، قاله بعض أصحاب الخواطر .

(4/83)


قوله عز وجل : { وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أَمَّةً وَاحِدَةً } فيه وجهان :
أحدهما : على دين واحد كفاراً ، قاله ابن عباس والسدي .
الثاني : على اختيار الدنيا على الدين ، قاله ابن زيد .
{ لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِ سُقُفاً مَّن فِضَّةٍ } فيها قولان :
أحدهما : أنها أعالي البيوت ، قاله قتادة ، ومجاهد .
الثاني : الأبواب ، قاله النقاش .
{ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } قال ابن عباس : المعارج الدرج ، وهو قول الجمهور وأحدها معراج .
{ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } أي درج من فضة عليها يصعدون ، والظهور الصعود . وأنشد : نابغة بني جعدة رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله :
علونا السماء عفة وتكرما ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : « إِلَى أَينَ » قال : إلى الجنة .
قال : « أَجَل إِن شَاءَ اللَّهُ » قال الحسن : والله لقد مالت الدنيا بأكثر أهلها وما فعل ذلك فكيف لو فعل؟
{ وَزُخْرُفاً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه الذهب : قاله ابن عباس . وأنشد قطرب قول ذي الأصبع :
زخآرف أشباهاً تخال بلوغها ... سواطع جمر من لظى يتلهب
الثاني : الفرش ومتاع البيت ، قاله ابن زيد .
الثالث : أنه النقوش ، قاله الحسن .

(4/84)


وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (40) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)

قوله عز وجل : { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يعرض ، قاله قتادة .
الثاني : يعمى ، قاله ابن عباس .
الثالث : أنه السير في الظلمة ، مأخوذ من العشو وهو البصر الضعيف ، ومنه قول الشاعر :
لنعم الفتى تعشو إلى ضوءِ ناره ... إذا الريحُ هبّت والمكان جديب
وفي قوله : { عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ } ثلاثة أوجه :
أحدها : عن ذكر الله ، قاله قتادة .
الثاني : عما بيّنه الله من حلال وحرام وأمر ونهي ، وهو معنى قول ابن عباس .
الثالث : عن القرآن لأنه كلام الرحمن ، قاله الكلبي .
{ نُقِيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً } فيه وجهان :
أحدهما : نلقيه شيطاناً .
الثاني : نعوضه شيطاناً ، مأخوذ من المقايضة وهي المعاوضة .
{ فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } فيه قولان :
أحدهما : أنه شيطان يقيض له في الدنيا يمنعه من الحلال ويبعثه على الحرام ، وينهاه عن الطاعة ويأمره بالمعصية ، وهو معنى قول ابن عباس .
الثاني : هو أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره شفع بيده شيطان فلم يفارقه حتى يصير بهما الله إلى النار ، قاله سعيد بن جبير .
قوله عز وجل : { حَتَّى إِذَا جَآءَنا } قرأ على التوحيد أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي ، وحفص ، يعني ابن آدم ، وقرأ الباقون { جَاءَانَا } على التثنية يعني ابن آدم وقرينه .
{ قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بَعُدَْ الْمَشْرِقَيْنِ } هذا قول ابن آدم لقرينه وفي المشرقين قولان :
أحدهما : أنه المشرق والمغرب فغلب أحدهما على الآخر كما قيل : سنة العمرين ، كقول الشاعر :
أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع
الثاني : أنه مشرق الشتاء ومشرق الصيف ، كقوله تعالى { رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ } .
قوله عز وجل : { فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ } وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه قولان :
أحدهما : إما نخرجنك من مكة من أذى قريش فإنا منهم منتقمون بالسيف يوم بدر .
الثاني : فإما نقبض روحك إلينا فإنا منتقمون من أمتك فيما أحدثوا بعدك . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أُرِي ما لقيت أمته بعده فما زال منقبضاً ما انبسط ضاحكاً حتى لقي الله تعالى .
قوله عز وجل : { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } يعني القرآن ذكر لك [ ولقومك ] .
وفي { لَذِكْرٌ } قولان :
أحدهما : الشرف ، أي شرف لك ولقومك ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه لذكر لك ولقومك تذكرون به أمر الدين وتعملون به ، حكاه ابن عيسى .
{ وَلِقَوْمِكَ } فيه قولان :
أحدهما : من اتبعك من أمتك ، قاله قتادة .
الثاني : لقومك من قريش فيقال : ممن هذا الرجل؟ فيقال : من العرب ، فيقال : من أي العرب؟ فيقال : من قريش ، قاله مجاهد .
{ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : عن الشكر ، قاله مقاتل .
الثاني : أنت ومن معك عما أتاك ، قاله ابن جريج .
وحكى ابن أبي سلمة عن أبيه عن مالك بن أنس في قوله { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } أنه قول الرجل حدثني أبي عن جدي .

(4/85)


قوله عز وجل : { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يعني الأنبياء الذين جمعوا له ليلة الإسراء ، قاله ابن عباس ، وابن زيد ، وكانوا سبعين نبياً منهم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ، فلم يسألهم لأنه كان أعلم بالله منهم ، قاله ابن عباس .
الثاني : أهل الكتابين التوراة والإنجيل ، قاله قتادة ، والضحاك ، ويكون تقديره سل أمم من أرسلنا من قبلك من رسلنا .
الثالث : جبريل ، ويكون تقديره . واسأل عما أرسلنا من قبلك من رسلنا ، حكاه النقاش .
{ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ } وسبب هذا الأمر بالسؤال أن اليهود والمشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن ما جئت به مخالف لمن كان قبلك ، فأمره الله بسؤالهم لا لأنه كان في شك منه . واختلف في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لهم على قولين :
أحدهما : أنه سألهم ، فقالت الرسل بعثنا بالتوحيد ، قاله الواقدي .
الثاني : أنه لم يسأل ليقينه بالله تعالى ، حتى حكى ابن زيد أن ميكائيل قال لجبريل : هل سألك محمد ذلك؟ فقال جبريل : هو أشد إيماناً وأعظم يقيناً من أن يسألني عن ذلك .

(4/86)


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآَيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (47) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50)

قوله عز وجل : { وَقَالُواْ يَأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنهم قالوا على وجه الاستهزاء ، قاله الحسن .
الثاني : أنه يجري على ألسنتهم ما ألفوه من اسمه ، قاله الزجاج .
الثالث : أنهم أرادوا بالساحر غالب السحرة ، وهو معنى قول ابن بحر .
الرابع : أن الساحر عندهم هو العالم ، فعظموه بذلك ولم تكن صفة ذم ، حكاه ابن عيسى وقاله الكلبي .
{ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } قال مجاهد : لئن أمنا لتكشف العذاب عنا ، قال الضحاك ، وذلك أن الطوفان أخذهم ثمانية أيام لا يسكن ليلاً ولا نهاراً .
{ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ } أي يغدرون وكان موسى دعا لقومه فأجيب فيهم فلم يفواْ .

(4/87)


وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ (56)

قوله عز وجل : { وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ } فيه وجهان :
أحدهما : أن معنى نادى أي قال ، قاله أبو مالك .
الثاني : أمر من نادى في قومه ، قاله ابن جريج .
{ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ } فيه قولان :
أحدهما : أنها الإسكندرية ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه ملك منها أربعين فرسخاً في مثلها ، حكاه النقاش .
{ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : كانت جنات وأنهاراً تجري من تحت قصره ، قاله قتادة . وقيل من تحت سريره .
الثاني : أنه أراد النيل يجري من تحتي أي أسفل مني .
الثالث : أن معنى قوله : { وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي } أي القواد والجبابرة يسيرون تحت لوائي ، قاله الضحاك .
ويحتمل رابعاً : أنه أراد بالأنهار الأموال ، وعبر عنها بالأنهار لكثرتها وظهورها وقوله { تَجْرِي مِن تَحْتِي } أي أفرقها على من يتبعني لأن الترغيب والقدرة في الأموال في الأنهار .
{ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أفلا تبصرون إلى قوتي وضعف موسى؟ .
الثاني : قدرتي على نفعكم وعجز موسى .
ثم صرح بحاله فقال { أَمْ أَنَاْ خَيْرٌ } قال السدي : بل أنا خير .
{ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أي ضعيف ، قاله قتادة .
الثاني : حقير ، قاله سفيان .
الثالث : لأنه كان يمتهن نفسه في حوائجه ، حكاه ابن عيسى .
{ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } أي يفهم ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني أنه عيي اللسان ، قاله قتادة .
الثاني : أَلثغ قاله ، الزجاج .
الثالث : ثقيل اللسان لجمرة كان وضعها في فيه وهو صغير ، قاله سفيان .
قوله عز وجل : { فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه قال ذلك لأنه كان عادة الوقت وزي أهل الشرف .
الثاني : ليكون ذلك دليلاً على صدقه ، والأساورة جمع أسورة ، والأسورة جمع سوار .
{ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : متتابعين ، قاله قتادة .
الثاني : يقارن بعضهم بعضاً في المعونة ، قاله السدي .
الثالث : مقترنين أي يمشون معاً ، قاله مجاهد .
وفي مجيئهم معه قولان :
أحدهما : ليكونوا معه أعواناً ، قاله مقاتل .
الثاني : ليكونوا دليلاً على صدقه ، قاله الكلبي . وليس يلزم هذا لأن الإعجاز كاف ، وقد كان في الجائز أن يكذب مع مجيء الملائكة كما يكذب مع ظهور الآيات .
وذكر فرعون الملائكة حكاية عن لفظ موسى لأنه لا يؤمن بالملائكة من لا يعرف خالقهم .
قوله عز وجل : { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : استفزهم بالقول فأطاعوه على التكذيب ، قاله ابن زياد .
الثاني : حركهم بالرغبة فخفوا معه في الإجابة ، وهو معنى قول الفراء .
الثالث : استجهلهم فأظهروا طاعة جهلهم ، وهو معنى قول الكلبي . الرابع : دعاهم إلى باطله فخفوا في إجابته ، قاله ابن عيسى .
قوله عز وجل : { فَلَمَّا ءَاسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : أغضبونا ، رواه الضحاك عن ابن عباس .

(4/88)


الثاني : أسخطونا ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس . ومعناهما مختلف ، والفرق بينهما أن السخط إظهار الكراهة ، والغضب إرادة الانتقام .
والأسف هو الأسى على فائت . وفيه وجهان :
أحدهما : أنه لما جعل هنا في موضع الغضب صح أن يضاف إلى الله لأنه قد يغضب على من عصاه .
الثاني : أن الأسف راجع إلى الأنبياء لأن الله تعالى لا يفوته شيء ، ويكون تقديره : فلما آسفوا رسلنا انتقمنا منهم .
قوله عز وجل : { فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً } قرأ حمزة والكسائي بضم السين واللام ، وفيه تأويلان :
أحدهما : أهواء مختلفة ، قاله ابن عباس .
الثاني : جمع سلف أي جميع من قد مضى من الناس ، قاله ابن عيسى .
وقرأ الباقون بفتح السين واللام ، أي متقدمين ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها ، سلفاً في النار ، قاله قتادة .
الثاني : سلفاً لكفار أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله مجاهد .
الثالث : سلفاً لمثل من عمل مثل عملهم ، قاله أبو مجلز .
{ وَمَثَلاً لِّلآخِرينَ } فيه وجهان :
أحدهما : عظة لغيرهم ، قاله قتادة .
الثاني : عبرة لمن بعدهم ، قاله مجاهد .

(4/89)


وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65)

قوله عز وجل : { وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً } الآية . فيه أربعة أقاويل :
أحدها : ما رواه ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ إِنَّهُ لَيسَ أَحَدٌ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ فِيهِ خَيْرٌ » فقالوا : ألست تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً صالحاً؟ فقد كان يعبد من دون الله ، فنزلت .
الثاني : ما حكاه مجاهد أن قريشاَ قالت : إن محمداً يريد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى ، فنزلت .
الثالث : ما حكاه قتادة أن الله لما ذكر نزول عيسى في القرآن قالت قريش : يا محمد ما أردت إلى ذكر عيسى؟ فنزلت هذه الآية .
الرابع : ما ذكره ابن عيسى أنه لما ذكر الله خلق عيسى من غير ذكر كآدم أكبرته قريش فنزلت هذه الآية . وضربه مثلاً أن خلقه من أنثى بغير ذكر كما خلق آدم من غير أنثى ولا ذكر ولذلك غلت فيه النصارى حين اتخذته إلهاً .
{ . . . يَصِدُّونَ } فيه قراءتان :
إحداهما : بكسر الصاد .
والثانية : بضمها فاختلف أهل التفسير في اختلافهما على قولين :
أحدهما : معناه واحد وإن اختلف لفظهما في الصيغة مثل يشد ويشُد وينِم وينُم ، فعلى هذا في تأويل ذلك أربعة أوجه :
أحدها : يضجون ، قاله ابن عباس ، وعكرمة ، والضحاك .
الثاني : يضحكون ، قاله قتادة .
الثالث : يجزعون ، حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم .
الرابع : يعرضون ، قاله إبراهيم .
والقول الثاني : معناهما مختلف ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها بالضم يعدلون ، وبالكسر يتفرقون ، قاله الحسن .
الثاني : أنه بالضم يعتزلون ، وبالكسر يضجون ، قاله الأخفش .
الثالث : أنه بالضم من الصدود ، وبالكسر من الضجيج ، قاله قطرب .
{ وَقَالُواْ ءَأَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ } وهذا قول قريش ، قالواْ : أآلهتنا وهي أصنامهم التي يبعدونها خير { أَمْ هُوَ } فيه قولان :
أحدهما : أم محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله قتادة .
الثاني : أم عيسى ، قاله السدي .
{ مَا ضَرَبُوه لَكَ إِلاَّ جَدَلاً } قال السدي : هو قول قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم تزعم كل شيء عبد من دون الله في النار فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة هؤلاء قد عبدوا من دون الله .
{ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : أن الخصم الحاذق بالخصومة .
الثاني : أنه المجادل بغير حجة .
قوله عز وجل : { إِنْ هُوَ إِلاَّعَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ } قال قتادة : يعني عيسى .
{ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : بالنبوة .
الثاني : بخلقه من غير أب كآدم . وفيه وجه .
الثالث : بسياسة نفسه وقمع شهوته .
{ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَآئِيلَ } فيه وجهان :
أحدهما : يعني أنه لبني إسرائيل ، قاله قتادة .
الثاني : لتمثيله بآدم ، قاله ابن عيسى .
قوله عز وجل : { وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكم مَّلاَئِكَةً } فيه وجهان :
أحدهما : يعني لقلبنا بعضكم ملائكة من غير أب كما خلقنا عيسى من غير أب ليكونوا خلفاء من ذهب منكم .

(4/90)


الثاني : جعلنا بدلاً منكم ملائكة .
{ فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : ملائكة يخلف بعضها بعضاً ، قاله قتادة .
الثاني : ملائكة يكونون خلفاً منكم ، قاله السدي .
الثالث : ملائكة يعمرون الأرض بدلاً منكم ، قاله مجاهد .
الرابع : ملائكة يكونون رسلاً إليكم بدلاً من الرسل منكم .
قوله عز وجل : { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن القرآن علم الساعة لما فيه من البعث والجزاء ، قاله الحسن وسعيد بن جبير .
الثاني : أن إحياء عيسى الموتى دليل على الساعة وبعث الموتى ، قاله ابن إسحاق .
الثالث : أن خروج عيسى علم الساعة لأنه من علامة القيامة وشروط الساعة ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، ومجاهد ، والضحاك ، والسدي . وروى خالد عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الأَنبِيَاءُ إِخْوَةٌ لَعِلاَّتُ أُمَّهَاتُهُم شَتَّى وَدِينُهُم وَاحِدٌ ، أَنَا أَولَى النَّاسِ بِعيسَى ابنِ مَرْيَمَ ، إِنَّهُ لَيسَ بَينِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ ، وَإِنَّهُ أَوَّلُ نَازِلٍ ، فَيَكْسَرُ الصَّلِيبَ ، وَيَقْتُلُ الخنزيرَ ، وَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الإِسْلاَمِ » .
وحكى ابن عيسى عن قوم أنهم قالوا : إذا نزل عيسى رفع التكليف لئلا يكون رسولاً إلى أهل ذلك الزمان يأمرهم عن الله تعالى وينهاهم ، وهذا قول مردود لثلاثة أمور : للحديث الذي قدمناه ، ولأن بقاء الدنيا يقتضي بقاء التكليف فيها ، ولأنه ينزل آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر وليس يستنكر أن يكون أمر الله تعالى مقصوراً على تأييد الإسلام والأمر به والدعاء إليه .
وحكى مقاتل أن عيسى ينزل من السماء على ثنية جبل بأرض الشام يقال له أفيف .
{ فَلاَ تَمْتَرُونَّ بِهَا } فيه وجهان :
أحدهما : لا تشكون فيها يعني الساعة . قاله يحيى بن سلام .
الثاني : فلا تكذبون بها ، قاله السُدي .
{ وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّستَقِيمٌ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : القرآن صراط مستقيم إلى الجنة ، قاله الحسن .
الثاني : عيسى ، قاله ابن عباس .
الثالث : الإسلام ، قاله يحيى .
قوله عز وجل : { وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبِيِّنَاتِ } فيها وجهان :
أحدهما : أنه الإنجيل ، قاله قتادة .
الثاني : أنه الآيات التي جاء بها من إحياء الموتى وإبراء الأسقام ، والإخبار بكثير من الغيوب ، قاله ابن عباس .
{ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ } فيه قولان :
أحدهما : بالنبوة ، قاله السدي .
الثاني : بعلم ما يؤدي إلى الجميل ويكف عن القبيح ، قاله ابن عيسى .
ويحتمل ثالثاً : أن الحكمة الإنجيل الذي أنزل عليه .
{ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } وفيه قولان :
أحدهما : تبديل التوراة ، قاله مجاهد .
الثاني : ما تختلفون فيه من أمر دينكم لا من أمر دنياكم ، حكاه ابن عيسى .
وفي قوله : { بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } أي كل الذي تختلفون فيه ، فكان البعض هنا بمعنى الكل ما اقتصرعلى بيان بعض دون الكل ، قاله الأخفش ، وأنشد لبيد :
ترّاك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يعتلق بعض النفوس حمامها
والموت لا يعتلق النفوس دون بعض .
الثاني : أنه بين لهم بعضه دون جميعه ، ويكون معناه أبين لكم بعض ذلك أيضاً وأكلكم في بعضه إلى الاجتهاد ، وأضمر ذلك لدلالة الحال عليه .
قوله عز وجل : { فَاخْتَلَفَ الأَحَْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ } قال قتادة يعني { مِن بَيْنِهِم } فيهم قولان :
أحدهما : أنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى خالف بعضهم بعضاً ، قاله مجاهد والسدي .
الثاني : فرق النصارى من النسطورية واليعاقبة والملكية اختلفوا في عيسى فقالت النسطورية : هو ابن الله . وقالت اليعاقبة هو الله . وقالت الملكية ثالث ثلاثة أحدهم الله ، قاله الكلبي ومقاتل .

(4/91)


هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73)

قوله عز وجل : { الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ } فيه قولان :
أحدهما : أنهم أعداء في الدنيا ، لأن كل واحد منهم زين للآخر ما يوبقه ، وهو معنى قول مجاهد .
الثاني : أنهم أعداء في الآخرة مع ما كان بينهم من التواصل في الدنيا لما رأوا سوء العاقبة فيها بالمقارنة ، وهو معنى قول قتادة .
وحكى النقاش أن هذه الآية نزلت في أمية بن خلف الجمحي ، وعقبة بن أبي معيط كانا خليلين . وكان عقبة يجالس النبي صلى الله عليه وسلم فقالت قريش قد صبأ عقبة بن أبي معيط وقال له أمية : وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمداً ولم تتفل في وجهه ففعل عقبة ذلك فنذر النبي صلى الله عليه وسلم قتله ، فقتله يوم بدر صبراً ، وقتل أمية في المعركة ، وفيهما نزلت هذه الآية .
قوله عز وجل : { أَنتُمْ وأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : هم وأزواجهم المؤمنات في الدنيا .
الثاني : ومن يزوجون من الحور في الآخرة .
الثالث : هم وقرناؤهم في الدنيا .
وفي { تُحْبَرُونَ } ستة تأويلات :
أحدها : تكرمون ، قاله ابن عباس ، والكرامة في المنزلة .
الثاني : تفرحون ، قاله الحسن ، والفرح في القلب .
الثالث : تتنعمون ، قاله قتادة ، والنعيم في البدن .
الرابع : تسرّون ، قاله مجاهد ، والسرور في العين .
الخامس : تعجبون ، قاله ابن أبي نجيح ، والعجب ها هنا درك ما يستطرف .
السادس : أنه التلذذ بالسماع ، قاله يحيى بن أبي كثير .
قوله عز وجل : { . . وَأَكْوَابٍ } فيها خمسة أقاويل :
أحدها : أنه الآنية المدورة الأفواه ، قاله مجاهد .
الثاني : أنها ليست لها آذن ، قاله السدي .
الثالث : أن الكوب : المدور القصير العنق القصير العروة ، والإبريق : الطويل العنق الطويل العروة ، قاله قتادة .
الرابع : أنها الأباريق التي لا خراطيم لها ، قاله الأخفش .
الخامس : أنها الأباريق التي ليس لها عروة ، قاله قطرب .
قوله عز وجل : { وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُ الأَعْيُنُ } قرأ نافع ، وابن عامر ، وعاصم في رواية حفص { تَشْتَهِيهِ } .
ويحتمل وجهين :
أحدهما : ما تشتهي الأنفس ما تتمناه ، وما تلذ الأعين هو ما رآه فاشتهاه .
الثاني : ما تشتهيه الأنفس هو ما كان طيب المخبر ، وما تلذ الأعين ما كان حسن المنظر .

(4/92)


إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)

قوله عز وجل : { وَنَادَوْاْ يَا مَالِكُ } هذا نداء أهل النار لخزانها حين ذاقوا عذابها .
{ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } أي يميتنا ، طلبوا الموت ليستريحوا به من عذاب النار .
{ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ } أي لابثون في عذابها أحياء ، وفي مدة ما بين ندائهم وجوابه أربعة أقاويل .
أحدها : أربعون سنة ، قاله عبد الله بن عمرو .
الثاني : ثمانون سنة ، قاله السدي .
الثالث : مائة سنة ، قاله نوف .
الرابع : ألف سنة ، قاله ابن عباس ، لأن بعد ما بين النداء والجواب أخزى لهم وأذل .
قوله تعالى : { أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أم أجمعوا على التكذيب فإنا مجمعون على الجزاء بالبعث ، قاله قتادة .
الثاني : أن أحكموا كيداً فإنا محكمون لها كيداً ، قاله ابن زيد .
الثالث : قضوا أمراً فإنا قاضون عليهم بالعذاب ، قاله الكلبي .
وقيل إن هذه الآية نزلت في كفار قريش حين اجتمع وجوههم في دار الندوة يتشاورون في أمر النبي صلى الله عليه وسلم حتى استقر رأيهم على ما أشار به أبو جهل عليهم أن يبرز من كل قبيلة رجل ليشتركوا في قتله فتضعف المطالبة بدمه ، فنزلت هذه الآية ، وقتل الله جميعهم عليهم اللعنة يوم بدر .

(4/93)


قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)

قوله عز وجل : { قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ } فيه ستة أقاويل :
أحدها : إن كان للرحمن ولد فأنا أول من يعبد الله ليس له ولد ، قاله ابن زيد . ومجاهد .
الثاني : معناه فأنا أول العابدين ، ولكن لم يكن ولا ينبغي أن يكون ، قاله قتادة .
الثالث : قل لم يكن للرحمن ولد وأنا أول الشاهدين بأن ليس له ولد . قاله ابن عباس .
الرابع : قل ما كان للرحمن ولد ، وهذا كلام تام ثم استأنف فقال : فأنا أول العابدين أي الموحدين من أهل مكة ، قاله السدي .
الخامس : قل إن قلتم إن للرحمن ولداً فأنا أول الجاحدين أن يكون له ولد ، قاله سفيان .
السادس : إن كان للرحمن ولد فأنا أول الآنفين أن يكون له ولد ، قاله الكسائي وابن قتيبة ، ومنه قول الفرزدق :
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... وأعْبُدُ أن أهجو تميماً بدارم
قوله عز وجل : { وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَآءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ } وهذا إبطال أن يكون غير الله إلَهاً وأن الإلَه هو الذي يكون في السماء إلهاً وفي الأرض إلهاً وليست هذه صفة لغير الله ، فوجب أن يكون هو الإله .
وفي معنى الكلام وجهان :
أحدهما : أنه الموحد في السماء والأرض ، قاله مقاتل .
الثاني : أنه المعبود في السماء والأرض ، قاله الكلبي .
{ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه يذكر ذلك صفة لتعظيمه .
الثاني : أنه يذكره تعليلاً لإلاهيته لأنه حكيم عليم وليس في الأصنام حكيم عليم .
قوله عز وجل : { وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دَونِهِ الشَّفَاعَةَ } فيها قولان :
أحدهما : الشركة ومنه أخذت الشفعة في البيع لاستحقاق الشريك لها . ويكون معنى الكلام أن الذين يدعون من دون الله لا يملكون مع الله شركة يستحقون أن يكونوا بها آلهة إلا أن يشهدوا عند الله بالحق على من عليه حق أو له حق ، وهذا معنى قول ابن بحر .
الثاني : أن الشفاعة استعطاف المشفوع إليه فيما يرجى ، واستصفاحه فيما يخشى وهو قول الجمهور .
وقيل إن سبب نزولها ما حكي أن النضر بن الحارث ونفراً من قريش قالوا إن كان ما يقوله محمد حقاً فنحن نتولى الملائكة ، وهم أحق بالشفاعة لنا منه فأنزل الله تعالى { وَلاَ يَمْلِكُ الِّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ } معناه الذين يعبدونهم من دون الله وهم الملائكة الشفاعة لهم . وقال قتادة : هم الملائكة وعيسى وعزير لأنهم عبدوا من دون الله .
{ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : يعني أن الشهادة بالحق إنما هي لمن شهد في الدنيا بالحق وهم يعلمون أنه الحق فتشفع لهم الملائكة ، قاله الحسن .
الثاني : أن الملائكة لا تشفع إلا لمن شهد أن لا إله إلا الله وهم يعلمون أن الله ربهم .

(4/94)


قوله عز وجل : { وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يَؤْمِنُونَ } وهي تقرأ على ثلاثة أوجه بالنصب والجر والرفع .
فأما الجر فهي على قراءة عاصم وحمزة ، وهي في المعنى راجعة إلى قوله تعالى { وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } وعلم قيلِه .
وأما الرفع فهو قراءة الأعرج ، ومعناها ابتداء ، وقيله ، قيل محمد ، يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون . والقيل هو القول .
وأما النصب فهي قراءة الباقين من أئمة القراء ، وفي تأويلها أربعة أوجه :
أحدها : بمعنى إلا من شهد بالحق وقال قيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ، على وجه الإنكار عليهم ، قاله ابن عيسى .
الثاني : أنها بمعنى أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيلَه يا رب ، قاله يحيى بن سلام .
الثالث : بمعنى وشكا محمد إلى ربه قيله ، ثم ابتداء فأخبر { يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلآءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ } ، قاله الزجاج .
قوله عز وجل : { فَاصْفَحْ عَنْهُمْ } قال قتادة : أمره بالصفح عنهم ، ثم أمره بقتالهم فصار الصفح منسوخاً بالسيف . ويحتمل الصفح عن سفههم أن يقابلهم عليه ندباً له إلى الحلم .
{ وَقُلْ سَلاَمٌ } فيه خمسة أوجه :
أحدها : أي قل ما تسلم به من شرهم ، قاله ابن عيسى .
الثاني : قل خيراً بدلاً من شرهم؛ قاله السدي .
الثالث : أي احلم عنهم؛ قاله الحسن .
الرابع : أنه أمره بتوديعهم بالسلام ولم يجعله تحية لهم؛ حكاه النقاش .
الخامس : أنه عرفه بذلك كيف السلام عليهم؛ رواه شعيب بن الحباب .
{ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } يحتمل أمرين :
أحدهما : فسوف يعلمون حلول العذاب بهم .
الثاني : فسوف يعلمون صدقك في إنذارهم ، والله أعلم .

(4/95)


حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8)

قوله عز وجل : { حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ } يعني والقرآن المبين ، فأقسم به ، وفي قسمه ب { حم } وجهان من اختلافهم في تأويله .
{ إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ } يعني القرآن أنزله الله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا .
{ فِي لَيلَةِ مُّبَارَكَةٍ } فيها قولان :
أحدهما : أنها ليلة النصف من شعبان؛ قاله عكرمة .
الثاني : أنها ليلة القدر .
روى قتادة عن وائلة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ في أَوَّلِ لَيلَةٍ مِن رَمَضَانَ ، وَأُنزِلَت التَّوْرَاةُ لِسِتٍ مَضَيْنَ مِن رَمَضَانَ وَأُنزِلَ الزَّبُورُ لاثْنَتَي عَشْرَةَ مَضَتْ مِن رَمَضَانَ ، وَأُنزِلَ الإِنْجِيلُ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِن رَمَضَانَ . وَأُنزِلَ القْرآنُ لأَرْبعٍ وَعشرِينَ مِن رَمَضَانَ »
وفي تسميتها مباركة وجهان :
أحدهما : لما ينزل فيها من الرحمة .
الثاني : لما يجاب فيها من الدعاء .
{ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ } بالقرآن من النار .
ويحتمل : ثالثاً : منذرين بالرسل من الضلال .
{ فِيهَا } في هذه الليلة المباركة .
{ يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } وفي يفرق أربعة أوجه :
أحدها : يقضى ، قاله الضحاك .
الثاني : يكتب ، قاله ابن عباس .
الثالث : ينزل ، قاله ابن زيد .
الرابع : يخرج ، قاله ابن سنان .
وفي تأويل { كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } أربعة أوجه :
أحدها : الآجال والأرزاق والسعادة والشقاء من السنة إلى السنة ، قاله ابن عباس .
الثاني : كل ما يقضى من السنة إلى السنة ، إلا الشقاوة والسعادة فإنه في أم الكتاب لا يغير ولا يبدل ، قاله ابن عمر .
الثالث : كل ما يقضى من السنة إلى السنة إلا الحياة والموت ، قاله مجاهد .
الرابع : بركات عمله من انطلاق الألسن بمدحه ، وامتلاء القلوب من هيبته ، قاله بعض أصحاب الخواطر .
الحكيم هنا هو المحكم . وليلة القدر باقية ما بقي الدهر ، وهي في شهر رمضان في العشر الأواخر منه . ولا وجه لقول من قال إنها رفعت بموت النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا لقول من جوزها في جميع السنة لأن الخبر والأثر والعيان يدفعه . واختلف في محلها من العشر الأواخر من رمضان على أقاويل ذكرها في سورة القدر أولى .
قوله عز وجل : { أَمْراً مِنْ عِندِنَا } فيه قولان :
أحدهما : أن الأمر هو القرآن أنزله الله من عنده ، حكاه النقاش .
الثاني : أنه ما قضاه الله في الليلة المباركة من أحوال عباده قاله ابن عيسى .
ويحتمل :
ثالثاً : أنه إرسال محمد صلى الله عليه وسلم نبياً .
{ إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : مرسلين الرسل للإنذار .
الثاني : منزلين ما قضيناه على العباد .
الثالث : مرسلين رحمة من ربك .
وفي { رَحْمَةً مِّن رِّبِّكَ } هنا وجهان :
أحدهما : أنها نعمة الله ببعثة رسوله صلى الله عليه وسلم .
الثاني : أنها رأفته بهداية من آمن به .
{ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ } لقولهم { الْعَلِيمُ } بفعلهم .

(4/96)


بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14) إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16)

قوله عز وجل : { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } في ارتقب وجهان :
أحدهما : معناه فانتظر يا محمد بهؤلاء يوم تأتي السماء بدخان مبين ، قاله قتادة .
الثاني : معناه فاحفظ يا محمد قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتي السماء بدخان مبين ، ولذلك سمي الحافظ رقيباً ، قال الأعشى :
عليّ رقيب له حافظٌ ... فقل في امرىءٍ غِلقٍ مرتهن
وفي قوله تعالى { يَوْمَ تَأْتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } ثلاثة أقاويل :
أحدها : ما أصاب أهل مكة من شدة الجوع حتى صار بينهم وبين السماء كهيئة الدخان لما دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبطائهم عن الإيمان وقصدهم له بالأذى ، فقال : « اللَّهُمَّ اكفِنِيهِم بِسَبْعٍ كَسَبْع يُوسُفَ » قاله ابن مسعود . قال أبو عبيدة والدخان الجدب . وقال ابن قتيبة : سمي دخاناً ليبس الأرض منه حتى يرتفع منها الدخان .
الثاني : أنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء الغيوم ، قاله عبد الرحمن بن الأعرج .
الثالث : أنه دخان يهيج بالناس يوم القيامة يأخذ المؤمن منه كالزكمة ، وينفخ الكافر حتى يخرج من كل مسمع منه ، رواه أبو سعيد الخدري مرفوعاً .
قوله عز وجل : { رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه الدخان ، قاله قتادة .
الثاني : الجوع : قاله النقاش .
الثالث : أنه الثلج وهذا لا وجه له لأن هذا إما أن يكون في الآخرة أو في أهل مكة ، ولم تكن مكة من بلاد الثلج غير أنه مقول فحكيناه .
قوله عز وجل : { إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ } فيه قولان :
أحدهما : أي عائدون إلى نار جهنم .
الثاني : إلى الشرك ، قاله ابن مسعود . فلما كشف ذلك عنهم باستسقاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم عادوا إلى تكذيبه .
قوله عز وجل : { يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى } والبطشة الكبرى هي العقوبة الكبرى ، وفيها قولان :
أحدهما : القتل بالسيف يوم بدر ، قاله ابن مسعود وأُبي بن كعب ومجاهد والضحاك .
الثاني : عذاب جهنم يوم القيامة ، قاله ابن عباس والحسن .
ويحتمل :
ثالثاً : أنها قيام الساعة لأنها خاتمة بطشاته في الدنيا .
{ إِنَّا مُنتَقِمُونَ } أي من أعدائنا . وفي الفرق بين النقمة والعقوبة ثلاثة أوجه :
أحدها : أن العقوبة بعد المعصية لأنها من العاقبة ، والنقمة قد تكون قبلها ، قاله ابن عيسى .
الثاني : أن العقوبة قد تكون في المعاصي ، والنقمة قد تكون في خلقه لأجله .
الثالث : أن العقوبة ما تقدرت ، والانتقام غير مقدر .

(4/97)


وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آَتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) وَآَتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآَيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (33)

قوله عز وجل : { وَلَقَدْ فَتَنَّا قَوْمَ فِرْعَوْنَ } أي ابتليناهم .
{ وَجَآءَهُمْ رَسُولُ كَرِيمٌ } وهو موسى بن عمران عليه السلام . وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : كريم على ربه ، قاله الفراء .
الثاني : كريم في قومه .
الثالث : كريم الأخلاق بالتجاوز والصفح .
قوله عز وجل : { أَنْ أَدُّواْ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أي أرسلوا معي بني إسرائيل ولا تستعبدوهم ، قاله مجاهد .
الثاني : أجيبوا عباد الله خيراً ، قاله أبو صالح .
الثالث : أدوا إليَّ يا عباد الله ما وجب عليكم من حقوق الله ، وهذا محتمل .
{ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أمين على أن أؤديه لكم فلا أتزيد فيه .
الثاني : أمين على ما أستأديه منكم فلا أخون فيه .
قوله عز وجل : { وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : لا تبغوا على الله ، قاله قتادة .
الثاني : لا تفتروا على الله ، قاله ابن عباس ، والفرق بين البغي والافتراء أن البغي بالفعل ، والافتراء بالقول .
الثالث : لا تعظموا على الله ، قاله ابن جريج .
الرابع : لا تستكبروا على عباد الله ، قاله يحيى . والفرق بين التعظيم والاستكبار أن التعظيم تطاول المقتدر ، والاستكبار ترفع المحتقر .
{ إِنِّي ءَاتِيكُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } فيه وجهان :
أحدهما : بعذر مبين ، قاله قتادة .
الثالث : بحجة بينة ، قاله يحيى .
قوله عز وجل : { وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : لجأت إلى ربي وربكم .
الثاني : استغثت . والفرق بينهما أن الملتجىء مستدفع والمستغيث مستنصر .
قوله : { بَرَبِّي وَرَبِّكُمْ } أي ربي الذي هو ربكم .
{ أَن تَرْجُمُونِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : بالحجارة ، قاله قتادة .
الثاني : أن تقتلوني ، قاله السدي .
الثالث : أن تشتموني بأن تقولوا ساحر أو كاهن أو شاعر ، قاله أبو صالح .
{ وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَاعْتَزِلُونِ } أي إن لم تؤمنوا بي وتصدقوا قولي فخلوا سبيلي وكفوا عن أذاي .
قوله عز وجل : { وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً } فيه سبعة تأويلات :
أحدها : سمتاً ، قاله ابن عباس .
الثاني : يابساً ، قاله ابن أبي نجيح .
الثالث : سهلاً ، قاله الربيع .
الرابع : طريقاً ، قاله كعب والحسن .
الخامس : منفرجاً ، قاله مجاهد .
السادس : غرقاً ، قاله عكرمة .
السابع : ساكناً ، قاله الكلبي والأخفش وقطرب . قال القطامي :
يمشين رهواً فلا الأعجاز خاذلةٌ ... ولا الصدور على الأعجاز تتكل
قال قتادة : لما نجا بنو إسرائيل من البحر وأراد آل فرعون أن يدخلوه خشي نبي الله موسى عليه السلام أن يدركوه فأراد أن يضرب البحر حتى يعود كما كان فقال الله تعالى : { وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً } أي طريقاً يابساً حتى يدخلوه .
{ إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ } قال مقاتل : هو النيل ، وكان عرضه يومئذٍ فرسخين ، قال الضحاك : كان غرقهم بالقلزم وهو بلد بين مصر والحجاز .
فإن قيل فليست هذه الأحوال في البحر من فعل موسى ولا إليه .

(4/98)


قيل يشبه أن يكون الله تعالى قد أعلمه أنه إنْ ضرب البحر بعصاه ثانية تغيرت أحواله ، فأمره أن يكف عن ضربه حتى ينفذ الله قضاءه في فرعون وقومه .
وتأويل سهل بن عبد الله { وَاتْرُكِ الْبَحْرَ } أي اجعل القلب ساكناً في تدبيري { إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُّغْرَقُونَ } أي إن المخالفين قد غرقوا في التدبير .
قوله عز وجل : { كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } الجنات البساتين . وفي العيون قولان :
أحدهما : عيون الماء ، وهو قول الجمهور .
الثاني : عيون الذهب ، قاله ابن جبير .
{ وَزُرُوعٍ } قيل إنهم كانوا يزرعون ما بين الجبلين من أول مصر إلى آخرها ، وكانت مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعاً لما دبروه وقدروه من قناطر وجسور .
{ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها المنابر ، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد .
الثاني : المساكن ، قاله أبو عمرو والسدي ، لمقام أهلها فيها .
الثالث : مجالس الملوك لقيام الناس فيها .
ويحتمل رابعاً : أنه مرابط الخيل لأنها أكرم مذخور لعدة وزينة .
وفي الكريم ثلاثة أوجه :
أحدها : هو الحسن ، قاله سعيد بن جبير .
الثاني : هو المعطي لديه كما يعطي الرجل الكريم صلته ، قاله ابن عيسى .
الثالث : أنه كريم لكرم من فيه ، قاله ابن بحر .
قوله عز وجل : { وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ } في النعمة هنا أربعة أوجه :
أحدها : نيل مصر ، قاله ابن عمر .
الثاني : الفيّوم ، قاله ابن لهيعة .
الثالث : أرض مصر لكثرة خيرها ، قاله ابن زياد .
الرابع : ما كانوا فيه من السعة والدعة .
وقد يقال نعمة ونِعمة بفتح النون وكسرها ، وفي الفرق بينهما وجهان :
أحدهما : أنها بكسر النون في الملك ، وبفتحها في البدن والدين؛ قاله النضر بن شميل .
الثاني : أنها بالكسر من المنة وهو الإفضال والعطية ، وبالفتح من التنعم وهو سعة العيش والراحة ، قاله ابن زياد .
وفي { فاكهين } ثلاثة أوجه :
أحدها : فرحين ، قاله السدي .
الثاني : ناعمين ، قاله قتادة .
الثالث : أن الفاكه هو المتمتع بأنواع اللذة كما يتمتع الآكل بأنواع الفاكهة ، قاله ابن عيسى .
وقرأ يزيد بن القعقاع { فَكِهِينَ } ومعناه معجبين .
قوله عز وجل { كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً ءَاخَرِينَ } يعني بني إسرائيل ملكهم الله أرض مصر بعد أن كانوا فيها مستعبدين ، فصروا لها وارثين لوصول ذلك إليهم كوصول الميراث .
قوله عز وجل : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِم السَّمَآءُ وَالأَرْضُ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : يعني أهل السماء وأهل الأرض ، قاله الحسن .
الثاني : أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن أربعين صباحاً؛ قاله مجاهد .
قال أبو يحيى : فعجبت من قوله ، فقال أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل؟
الثالث : أنه يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء ، قاله علي كرم الله وجهه . وتقديره فما بكت عليهم مصاعد عملهم من السماء ولا مواضع عبادتهم من الأرض .

(4/99)


وهو معنى قول سعيد بن جبير .
الرابع : ما رواه يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلا وله في السماء بابان ، باب ينزل منه رزقه ، وباب يدخل منه كلامه وعمله ، فإذا مات فقداه فبكيا عليه » ثم تلا هذه الآية .
وفي بكاء السماء والأرض ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه كالمعروف من بكاء الحيوان ويشبه أن يكون قول مجاهد .
الثاني : أنه حمرة أطرافها ، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعطاء .
وحكى جرير عن يزيد بن أبي زياد قال : لما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما احمر له آفاق السماء أربعة أشهر ، واحمرارها بكاؤها .
الثالث : أنها أمارة تظهر منها تدل على حزن وأسف . كقول الشاعر :
والشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
{ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : مؤخرين بالغرق ، قاله الكلبي .
الثاني : لم ينظروا بعد الآيات التسع حتى أغرقوا ، قاله مقاتل .
قوله عز وجل : { وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ } معناه على علم منا بهم . وفي اختياره لهم ثلاثة أوجه :
أحدها : باصطفائهم لرسالته ، والدعاء إلى طاعته .
الثاني : باختيارهم لدينه وتصديق رسله .
الثالث : بإنجائهم من فرعون وقومه .
وفي قوله : { عَلَى الْعَالَمِينَ } قولان :
أحدهما : على عالمي زمانهم ، لأن لكل زمان عالماً ، قاله قتادة .
الثاني : على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء . وهذا خاصة لهم وليس لغيرهم ، حكاه ابن عيسى .
قوله عز وجل : { وءَاتَيْنَاهُمْ مِّنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلآءٌ مُّبِينٌ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه أنجاهم من عدوهم وفلق البحر لهم وظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى ، قاله قتادة . ويكون هذا الخطاب متوجهاً إلى بني إسرائيل .
الثاني : أنها العصا ويده البيضاء ، ويشبه أن يكون قول الفراء . ويكون الخطاب متوجهاً إلى قوم فرعون .
الثالث : أنه الشر الذي كفهم عنه والخير الذي أمرهم به ، قاله عبد الرحمن بن زيد . ويكون الخطاب متوجهاً إلى الفريقين معاً من قوم فرعون وبني إسرائيل .
وفي قوله { مَا فِيهِ بَلآءٌ مُّبِينٌ } ثلاثة تأويلات :
أحدها : نعمة ظاهرة ، قاله الحسن وقتادة كما قال تعالى { وَليُبْلَي الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلآءً حَسَناً } وقال زهير :
فأبلاه خير البلاء الذي يبلو ... الثاني : عذاب شديد ، قاله الفراء .
الثالث : اختيار بيِّن يتميز به المؤمن من الكافر ، قاله عبد الرحمن بن زيد .

(4/100)


إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37)

قوله عز وجل : { إِنَّ هَؤُلآءِ لَيَقُولُونَ } يعني كفار قريش .
{ إن هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ } أي بمبعوثين قيل : إن قائل هذا أبو جهل قال : يا محمد إن كنت صادقاً في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا أحدهما قصيّ بن كلاب فإنه كان رجلاً صادقاً ، لنسأله عما يكون بعد الموت وهذا القول من أبي جهل من أضعف الشبهات ، لأن الإعادة إنما هي للجزاء لا للتكليف . فكأنه قال : إن كنت صادقاً في إعادتهم للجزاء فأعدهم للتكليف . وهو كقول قائل لو قال : إن كان ينشأ بعدنا قوم من الأبناء ، فلم لا يرجع من مضى من الآباء .
قوله عز وجل : { أَهُمْ خَيرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ } فيه وجهان :
أحدهما : أهم أظهر نعمة وأكثر أموالاً .
الثاني : أهم أعز وأشد أم قوم تبع .
وحكى قتادة أن تبعاً كان رجلاً من حِمير سار بالجيوش حتى عبر الحيرة وأتى سمرقند فهدمها . وحكي لنا أنه كان إذا كتب؛ كتب باسم الله الذي سما وملك براً وبحراً وضحاً وريحاً .
وروي عن عمرو بن رجاء عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم . وحكى ابن قتيبة في المعارف شعراً ذكر أنه لتبع وهو :
منح البقاءَ تقلبُ الشمسِ ... وطلوعها من حيث لا تُمْسِي
وشروقها بيضاء صافية ... وغروبُها حمراءَ كالورْسِ
وتشتت الأهواءِ أزعجني ... سيراً لأبلغ مطلع الشمسِ
ولرب مطعمةٍ يعود لها ... رأي الحليم إلى شفا لبسِ
وفي تسميته تبعاً قولان :
أحدهما : لأنه تَبعَ من قبله من ملوك اليمن كما قيل خليفة لأنه خلف من قبله .
الثاني : لأنه اسم لملوك اليمن .
وذم الله قومه ولم يذمه ، وضرب بهم مثلاً لقريش لقربهم من دارهم ، وعظمهم في نفوسهم ، فلما أهلكهم الله ومن قبلهم - لأنهم كانوا مجرمين - كان من أجرم مع ضعف اليد وقلة العدد أحرى بالهلاك .

(4/101)


وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42)

قوله عز وجل : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : غافلين ، قاله مقاتل .
الثاني : لاهين ، قاله الكلبي .
{ وَمَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِالْحِقِّ } فيه وجهان :
أحدهما : للحق ، قاله الكلبي .
الثاني : بقول الحق ، قاله مقاتل .
قوله عز وجل : { إِنَّ يَوْمَ الْفَصَلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ } يعني يوم القيامة ، وفي تسميته بيوم الفصل وجهان :
أحدهما : [ إن الله ] يفصل فيه أمور عباده .
الثاني : لأنه يفصل فيه بين المرء وعمله .

(4/102)


إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50)

قوله عز وجل : { إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُومِ طَعَامُ الأَثِيمِ } قد ذكرنا ما في الزقوم من الأَقاويل ، وهو في اللغة ما أُكِلَ بكرْه شديد . ولهذا يقال قد تزقم هذا الطعام تزقماً أي هو في حكم من أكله بكره شديد لحشو فمه وشدة شره .
وحكى النقاش عن مجاهد أن شجرة الزقوم أبو جهل .
وفي الأثيم وجهان :
أحدهما : أنه الآثم ، قاله ابن عيسى .
الثاني : المشرك المكتسب للإثم ، قاله يحيى .
قوله عز وجل : { خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ } فيه خمسة أوجه :
أحدها : فجروه ، قاله الحسن .
الثاني : فادفعوه ، قاله مجاهد .
الثالث : فسوقوه ، حكاه الكلبي .
الرابع : فاقصفوه كما يقصف الحطب ، حكاه الأعمش :
الخامس : فردوه بالعنف ، قاله ابن قتيبة . قال الفرزدق :
ليس الكرام بناحليك أباهم ... حتى ترد إلى عطية تعتل
{ إلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ } فيه وجهان :
أحدهما : وسط الجحيم ، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة .
الثاني : معظم الجحيم يصيبه الحر من جوانبها ، قاله الحسن .
قوله عز وجل : { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } قال قتادة : نزلت في أبي جهل ، وفيه أربعة أوجه :
أحدها : معناه أنك لست بعزيز ولا كريم ، لأنه قال توعدني محمد ، والله إني لأعز من مشى حبليها ، فرد الله عليه قوله ، قاله قتادة .
الثاني : أنك أنت العزيز الكريم عند نفسك ، قاله قتادة أيضاً .
الثالث : أنه قيل له ذلك استهزاء على جهة الإهانة ، قاله سعيد بن جبير .
الرابع : أنك أنت العزيز في قومك ، الكريم على أهلك حكاه ابن عيسى .

(4/103)


إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آَمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)

قوله عز وجل : { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أمين من الشيطان والأحزان ، قاله قتادة .
الثاني : أمين من العذاب ، قاله الكلبي .
الثالث : من الموت ، قاله مقاتل .
قوله عز وجل : { يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ } فيهما ثلاثة أوجه :
أحدها : أن السندس الحرير الرقيق ، والاستبرق الديباج الغليظ ، قاله عكرمة .
الثاني : السندس يعمل بسوق العراق وهو أفخر الرقم ، قاله يحيى ، والاستبرق الديباج سمي استبرقاً لشدة بريقه ، قاله الزجاج .
الثالث : أن السندس ما يلبسونه ، والاستبرق ما يفترشونه .
وفي { مُّتَقَابِلينَ } وجهان :
أحدهما : متقابلين بالمحبة لا متدابرين بالبغضة ، قاله علي بن عيسى .
الثاني : متقابلين في المجالس لا ينظر بعضهم قفا بعض ، قاله مجاهد .
قوله عز وجل : { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ } يعني القرآن ، وفيه وجهان :
أحدهما : معناه جعلناه بلسانك عربياً .
الثاني : أطلقنا به لسانك تيسيراً .
{ لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : يرجعون .
الثاني : يعتبرون .
{ فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : فانتظر ما وعدتك من النصر عليهم . إنهم منتظرون بك الموت ، حكاه النقاش .
الثاني : وانتظر ما وعدتك من الثواب فإنهم من المنتظرين لما وعدتهم من العقاب ، والله أعلم .

(4/104)


حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5)

قوله عز وجل : { حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ } يعني القرآن .
{ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } وفي إضافة التنزيل إليه في هذا الموضع وفي أمثاله وجهان :
أحدهما : افتتاح كتابه منه كما يفتتح الكاتب كتابه به .
الثاني : تعظيماً لقدره وتضخيماً لشأنه عليه في الابتداء بإضافته إليه .
قوله عز وجل : { وَاخْتِلاَفِ الليْلِ وَالنَّهَارِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : يعني اختلافهما بالطول والقصر .
الثاني : اختلافهما بذهاب أحدهما ومجيء الآخر .
{ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن رِّزْقٍ } يحتمل وجهين :
أحدهما : المطر الذي ينبت به الزرع وتحيا به الأرض .
الثاني : ما قضاه في السماء من أرزاق العباد .
{ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : تصريفها بإرسالها حيث يشاء .
الثاني : ينقل الشمال جنوباً والجنوب شمالاً ، قاله الحسن .
الثالث : أن يجعلها تارة رحمة وتارة نقمة؛ قاله قتادة .

(4/105)


تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11)

قوله عز وجل : { وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الأفاك : الكذاب ، قاله ابن جريج .
الثاني : أنه المكذب بربه .
الثالث : أنه الكاهن ، قاله قتادة .
{ يَسْمَعُ ءَآيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيهِ } يعني القرآن .
{ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً } فيه تأويلان :
أحدها : يقيم على شركه مستكبراً عن طاعة ربه ، وهو معنى قول يحيى بن سلام .
الثاني : أن الإصرار على الشيء العقد بالعزم عليه ، وهو مأخوذ من صَرَّ الصُّرَّةَ إذا شدها ، قاله ابن عيسى .
{ كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا } في عدم الاتعاظ بها والقبول لها .
{ فَبِشَّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } قال ابن جريج نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث .

(4/106)


اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)

قوله عز وجل : { قُلْ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لا ينالون نعم الله ، قاله مجاهد .
الثاني : لا يخشون عذاب الله ، قاله الكلبي ومقاتل .
الثالث : لا يطمعون في نصر الله في الدنيا ولا في الآخرة ، قاله ابن بحر .
وفي المراد بأيام الله وجهان :
أحدهما : أيام إنعامه وانتقامه في الدنيا ، لأنه ليس في الآخرة ، وتكون الأيام وقتاً وإن تكن أياماً على الحقيقة .
وفي الكلام أمر محذوف فتقديره : قل للذين آمنوا إغفروا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله . الغفران ها هنا العفو وترك المجازاة على الأذى .
وحكى الكلبي أن هذه الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد شتمه رجل من المشركين فهمَّ أن يبطش به ، فلما نزل ذلك فيه كف عنه .
وفي نسخ هذه الآية قولان :
أحدهما : أنها ثابتة في العفو عن الأذى في غير الدين .
الثاني : أنها منسوخة وفيما نسخها قولان :
أحدهما : بقوله سبحانه { فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } قاله قتادة .
الثاني : بقوله { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُم ظُلِمُواْ } قاله أبو صالح .

(4/107)


وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20)

قوله عز وجل : { وَءَاتَينَاهُم بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ } فيه وجهان :
أحدهما : ذكر الرسول وشواهد نبوته .
الثاني : بيان الحلال والحرام ، قاله السدي .
{ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ } فيه قولان :
أحدهما : من بعد يوشع بن نون فآمن بعضهم وكفر بعضهم ، حكاه النقاش .
الثاني : بعدما أعلمهم الله ما في التوراة .
{ بَغْياً بَيْنَهُمْ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : طلباً للرسالة وأنفة من الإذعان للصواب ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : بغياً على رسول الله صلى عليه وسلم في جحود ما في كتابهم من نبوة وصفته ، قاله الضحاك .
الثاني : أنهم أرادوا الدنيا ورخاءها فغيروا كتابهم وأحلوا فيه ما شاؤوا وحرموا ما شاؤوا ، قاله يحيى بن آدم .
قوله عز وجل : { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ } أي على طريقة من الدين كالشريعة التي هي طريق إلى الماء ، ومنه الشارع لأنه طريق إلى القصد .
وفي المراد بالشريعة أربعة أقاويل :
احدها : أنها الدين ، قاله ابن زيد ، لأنه طريق للنجاة .
الثاني : أنها الفرائض والحدود والأمر والنهي ، قاله قتادة لأنها طريق إلى الدين .
الثالث : أنها البينة ، قاله مقاتل : لأنها طريق الحق .
الرابع : السنة ، حكاه الكلبي لأنه يستنّ بطريقة من قبله من الأنبياء .

(4/108)


أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)

قوله عز وجل : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ } أي اكتسبوا الشرك . قال الكلبي : الذين أريد بهم هذه الآية عتبه وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة .
{ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } قال الكلبي أريد بهم علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث حين برزوا إليهم يوم بدر فقتلوهم .
قوله عز وجل : { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أفرأيت من اتخذ دينه ما يهواه ، فلا يهوى شيئاً إلا ركبه ، قاله ابن عباس .
الثاني : أفرأيت من جعل إلهه الذي يعبده ما يهواه ويستحسنه ، فإذا استحسن شيئاً وهو به اتخذه إلهاً ، قاله عكرمة ، قاله سعيد بن جبير : كان أحدهم يعبد الحجر . فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر .
الثالث : أفرأيت من ينقاد لهواه انقياده لإلهه ومعبوده تعجباً لذوي العقول من هذا الجهل .
{ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ } فيه تأويلان :
أحدهما : وجده ضالاً ، حكاه ابن بحر .
الثاني : معناه ضل عن الله . ومنه قول الشاعر :
هبوني امرأً منكم اضلَّ بعيره ... له ذمة إن الذمام كثير
أي ضل عنه بعيره .
وفي قوله : { عَلَى عِلْمٍ } وجهان :
أحدهما : على علم منه أنه ضال ، قاله مقاتل .
الثاني : قاله ابن عباس أي في سابق علمه أنه سيضل . { وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ } أي طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى .
{ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غَشَاوَةً } حتى لا يبصرالرشد .
ثم في هذا الكلام وجهان :
أحدهما : أنه خارج مخرج الخبر عن أحوالهم .
الثاني : أنه خارج مخرج الدعاء بذلك عليهم .
وحكى ابن جريج أنها نزلت في الحارث بن قيس من الغياطلة ، وحكى الضحاك أنها نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف .

(4/109)


وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26)

قوله عز وجل : { وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا } وهذا القول منهم إنكار للآخرة وتكذيب بالبعث وإبطال للجزاء .
{ نَمُوتُ وَنَحْيَا } فيه وجهان :
أحدهما : أنه مقدم ومؤخر ، وتقديره : نحيا نموت . وهي كذلك في قراءة ابن مسعود .
الثاني : أنه على تربيته ، وفي تأويله وجهان :
أحدهما : نموت نحن ويحيا أولادنا ، قاله الكلبي .
الثاني : يموت بعضنا .
{ وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : وما يهلكنا إلا العمر ، قاله قتادة . وأنشد قول الشاعر :
لكل أمر أتى يوماً له سبب ... والدهر فيه وفي تصريفه عجب
الثاني : وما يهلكنا إلا الزمان ، قاله مجاهد .
وروى أبو هريرة قال : كان أهل الجاهلية يقولون إنما يهلكنا الليل والنهار ، والذي يهلكنا يميتنا ويحيينا ، فنزلت هذه الآية .
الثالث : وما يهلكنا إلا الموت ، قاله قطرب ، وأنشد لأبي ذؤيب :
أمن المنون وريبها تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع
الرابع : وما يهلكنا إلا الله ، قاله عكرمة .
وروى الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رجال يقولون : يا خيبة الدهر ، يا بؤس الدهر ، لا تسبوا الدهر فإن الله عز وجل هو الدهر ، وإنه يقبض الأيام ويبسطها » .

(4/110)


وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)

قوله عز وجل : { وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } الأمة أهل كل ملة . وفي الجاثية خمسة تأويلات :
أحدها : مستوفزة ، قاله مجاهد . وقال سفيان : المستوفز الذي لا يصيب منه الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله .
الثاني : مجتمعة ، قاله ابن عباس .
الثالث : متميزة ، قاله عكرمة .
الرابع : خاضعة بلغة قريش ، قاله مؤرج .
الخامس : باركة على الركب ، قاله الحسن .
وفي الجثاة قولان :
أحدهما : أنه للكفار خاصة ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : أنه عام للمؤمن والكافر انتظاراً للحساب .
وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن عبد الله بن باباه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كأني أراكم بالكوم جاثين دون جهنم .
{ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : إلى حسابها ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : إلى كتابها الذي كان يستنسخ لها فيه ما عملت من خير وشر ، قاله الكلبي .
الثالث : إلى كتابها الذي أنزل على رسولها ، حكاه الجاحظ .
قوله عز وجل : { هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه القرآن يدلكم على ما فيه من الحق ، فكأنه شاهد عليكم ، قاله ابن قتيبة .
الثاني : أنه اللوح المحفوظ يشهد بما قضي فيه من سعادة وشقاء ، خير وشر ، قاله مقاتل ، وهو معنى قول مجاهد .
الثالث : أنه كتاب الأعمال الذي يكتب الحفظة فيه أعمال العباد ويشهد عليكم بما تضمنه من صدق أعمالكم ، قاله الكلبي .
{ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُم تَعْمَلُونَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني يكتب الحفظة ما كنتم تعملون في الدنيا ، قاله علي رضي الله عنه ومن زعم أنه كتاب الأعمال .
الثاني : أنه الحفظة تستنسخ الخزنة ما هو مدوَّن عندها من أحوال العباد ، قاله ابن عباس ومن زعم أن الكتاب هو اللوح المحفوظ .
الثالث : نستنسخ ما كتب عليكم الملائكة الحفظة ، قاله الحسن لأن الحفظة ترفع إلى الخزنة صحائف الأعمال .

(4/111)


فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (31) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (33) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (34) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)

قوله عز وجل : { وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : اليوم نترككم في النار كما تركتم أمري ، قاله الضحاك .
الثاني : اليوم نترككم من الرحمة كما تركتم الطاعة ، وهو محتمل
الثالث : اليوم نترككم من الخير كما تركتمونا من العمل ، قاله سعيد بن جبير .
قوله عز وجل : { وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : أن الكبرياء العظمة ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : أنه السلطان ، قاله مجاهد .
الثالث : الشرف ، قاله ابن زياد .
الرابع : البقاء والخلود .
{ وَهُوَ الْعَزِيزُ } في انتقامه { الْحَكِيمُ } في تدبيره .

(4/112)


حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)

قوله عز وجل : { حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } فيه وجهان :
أحدهما : معناه قُضِي نزول الكتاب من الله العزيز الحكيم ، قاله النقاش .
الثاني : هذا الكتاب يعني القرآن تنزيل من الله العزيز الحكيم ، قاله الحسن .
قوله عز وجل : { مَا خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : إلا بالصدق ، قاله ابن إسحاق .
الثاني : إلا بالعدل ، وهو مأثور .
الثالث : إلا للحق ، قاله الكلبي .
الرابع : إلا للبعث ، قاله يحيى .
{ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى } فيه وجهان :
أحدهما : أنه أجل القيامة ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه الأجل المقدور لكل مخلوق ، وهو محتمل .
قوله عز وجل : { أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ } قرأ الحسن وطائفة معه { أَوْ أَثَرَةٍ } وفي تأويل { أَوْ أَثَارَةٍ } وهي قراءة الجمهور ثلاثة أوجه :
أحدها : رواية من علم ، قاله يحيى .
الثاني : بقية ، قاله أبو بكر بن عياش ، ومنه قول الشاعر :
وذات أثارة أكلت عليها ... نباتاً في أكمته قفارا
أي بقية من شحم .
الثالث : أو علم تأثرونه عن غيركم ، قاله مجاهد .
ويحتمل رابعاً : أو اجتهاد بعلم ، لأن أثارة العلم الاجتهاد .
ويحتمل خامساً : أو مناظرة بعلم لأن المناظر في العلم مثير لمعانيه .
ومن قرأ { أَوْ أَثَرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ } ففي تأويله خمسة أوجه :
أحدها : أنه الخط ، وقد رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم .
الثاني : ميراث من علم ، قاله عكرمة .
الثالث : خاصة من علم ، قاله قتادة .
الرابع : أو بقية من علم ، قاله عطية .
الخامس : أثرة يستخرجه فيثيره ، قاله الحسن .

(4/113)


وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)

قوله عز وجل : { قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ } قال ابن عباس : معناه لست بأول الرسل . والبدع الأول . والبديع من كل شيء المبتدع ، وأنشد قطرب لعدي بن زيد :
فلا أنا بدع من حوادث تعتري ... رجالاً غدت من بعد بؤسي بأسعد
{ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : يعني لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا لا في الآخرة ، فلا أدري ما يفعل بي أخرج كما أخرجت الأنبياء من قبلي ، أو أُقتل كما قتل الأنبياء من قبلي ولا أدري ما يفعل بكم ، إنكم مصدقون أو مكذبون ، أو معذبون أو مؤخرون ، قاله الحسن :
الثاني : لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة . وهذا قبل نزول { لِيَغْفِر لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } الآية . فلما نزل عليه ذلك عام الحديبية علم ما يفعل به في الآخرة وقال لأصحابه : « لَقَدْ أَنْزَلَ عَلَيَّ آيَةً هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعِهَا » فلما تلاها قال رجل من القوم : هنيئاً يا رسول الله ، قد بين الله ما يفعل بك ، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى : { لِيُدْخِلَ الْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } الآية . قاله قتادة .
الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل الهجرة « لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَنَامِي أَرْضاً أَخْرُجُ إِلَيْهَا مِن مَكَّةَ » فلما اشتد البلاء على أصحابه بمكة قالوا : يا رسول الله حتى متى نلقى هذا البلاء؟ ومتى تخرج إلى الأرض التي رأيت؟ فقال صلى الله عليه وسلم : « مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُم ، أَنَمُوتُ بِمَكَّةَ أَمْ نَخْرُجُ مِنهَا » قال الكلبي .
الرابع : معناه قل لا أدري ما أؤمر به ولا ما تؤمرون به ، قاله الضحاك .

(4/114)


قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآَمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14)

قوله عز وجل : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ } فيه قولان :
أحدهما : إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ، قاله يحيى .
الثاني : إن كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياً من عند الله وكفرتم به ، قاله الشعبي .
{ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَني إِسْرَآئِيلَ عَلَى مِثْلِهِ } فيه خمسة أقاويل :
أحدها : أنه عبد الله بن سلام شهد على اليهود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مذكور في التوراة ، قاله ابن عباس ، وعكرمة ، وقتادة ، ومجاهد .
الثاني : أنه آمين بن يامين ، قال لما أسلم عبد الله بن سلام : أنا شاهد مثل شهادته ومؤمن كإيمانه ، قاله السدي .
الثالث : أن موسى مثل محمد صلى الله عليه وسلم يشهد بنبوته ، والتوراة مثل القرآن يشهد بصحته ، قاله مسروق . ولم يكن في عبد الله بن سلام لأنه أسلم بالمدينة والآية مكية .
الرابع : هو من آمن من بني إسرائيل بموسى والتوراة ، قاله الشعبي .
الخامس : أنه موسى الذي هو مثل محمد صلى الله عليهما شهد على التوراة . التي هي مثل القرآن ، حكاه ابن عيسى .
{ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ } أنتم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، قاله مسروق .
وفي قولان :
أحدهما : فآمن عبد الله بن سلام برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالقرآن واستكبر الباقون عن الإيمان ، قاله ابن عباس .
الثاني : فآمَن مَن آمن بموسى وبالتوراة واستكبرتم أنتم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، قاله مسروق . وحكى النقاش أن في الآية تقديماً وتأخيراً تقديره : قل أرأيتم إن كان من عند الله وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن هو وكفرتم .
وقال ابن عيسى : الكلام على سياقه ولكن حذف منه جواب إن كان من عند الله وفي المحذوف ثلاثة أوجه :
أحدها : تقديره : وشهد شاهد من بني إسرائيل فآمن ، أتؤمنون؟ قاله الزجاج .
الثاني : تقدير المحذوف : فآمن واستكبرتم أفما تهلكون ، قاله مذكور .
الثالث : تقدير المحذوف من جوابه : فمن أضل منكم إن الله لا يهدي القوم الظالمين .
قوله عز وجل : { وَقَالَ الِّذِينَ كَفَرُواْ لِلِّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } وفي سبب نزول هذه الآية أربعة أقاويل :
أحدها : أن أبا ذر الغفاري دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام بمكة فأجاب واستجاب به قومه فأتاه زعيمهم فأسلم ، ثم دعاهم الزعيم فأسلموا فبلغ ذلك قريشاً فقالوا : غفار الخلفاء لو كان خيراً ما سبقونا إليه . فنزلت ، قاله أبو المتوكل .
الثاني : أن زنيرة أسلمت فأصيب بصرها ، فقالوا لها : أصابك اللات والعزى ، فرد الله عليها بصرها ، فقال عظماء قريش : لو كان ما جاء به محمد خير ما سبقتنا إليه زنيرة فنزلت ، قاله عروة بن الزبير .

(4/115)


الثالث : أن الذين كفروا هم عامر وغطفان وأسد وحنظلة قالوا لمن أسلم من غفار وأسلم وغطفان وجهينة ومزينة وأشجع : لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقتنا إليه رعاة البهم . فنزلت ، قاله الكلبي .
الرابع : أن الكفار قالوا : لو كان خيراً ما سبقتنا إليه اليهود فنزلت هذه الآية ، قاله مسروق .
وهذه المعارضة من الكفار في قولهم لو كان خيراً ما سبقونا إليه من أقبح المعارضات لانقلابها عليهم لكل من من خالفهم حتى يقال لهم : لو كان ما أنتم عليه خيراً ما عدنا عنه ، ولو كان تكذيبكم للرسول خيراً ما سبقتمونا إليه .
{ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ } يعني إلى الإيمان . وفيه وجهان :
أحدهما : وإذا لم يهتدوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، قاله مقاتل .
الثاني : بالقرآن .
{ فَسَيَقُولُونَ هَذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ } يحتمل وجهين :
أحدهما : فسيقولون هذا القرآن كذب قديم ، تشبيهاً بدين موسى القديم ، تكذيباً بهما جيمعاً .
قوله عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ } فيه خمسة أوجه :
أحدها : ثم استقاموا على أن الله ربهم ، قاله أَبو بكر الصديق رضي الله عنه .
الثاني : ثم استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله ، قاله ابن عباس .
الثالث : على أداء فرائض الله ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس .
الرابع : على أن أخلصوا له الدين والعمل ، قاله أبو العالية .
الخامس : ثم استقاموا عليه فلم يرجعوا عنه إلى موتهم ، رواه أنس مرفوعاً .
{ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيهِم } يعني في الآخرة .
{ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } يعني عند الموت ، قاله سعيد بن جبير .

(4/116)


وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16)

قوله عز وجل : { وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْه إحْسَاناً } في قراءة أهل الكوفة وقرأ الباقون حسناً . قال السدي : يعني براً .
{ حَمَلْتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } أي حملته بمشقة ووضعته بمشقة . وقرىء كرهاً بالضم والفتح . قال الكسائي والفراء في الفرق بينهما أن الكره بالضم ما حمل الإنسان على نفسه ، وبالفتح ما حمل على غيره .
{ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَ ثُونُ شَهْراً } الفصال مدة الرضاع ، فقدر مدة الحمل والرضاع ثلاثون شهراً ، وكان في هذا التقدير قولان :
أحدهما : أنها مدة قدرت لأقل الحمل وأكثر الرضاع ، فلما كان أكثر الرضاع أربعة وعشرين شهراً لقوله تعالى : { حَولَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } [ البقرة : 233 ] دل ذلك على أن مدة أقل الحمل ما بقي وهو ستة أشهر ، فإن ولدته لتسعة أشهر لم يوجب ذلك نقصان الحولين في الرضاع ، قاله الشافعي وجمهور الفقهاء .
الثاني : أنها مدة جمعت زمان الحمل ومدة الرضاع ، فإن كانت حملته تسعة أشهر؛ أرضعته أحداً وعشرين شهراً ، وإن كانت حملته عشرة أشهر أرضعته شهراً لئلا تزيد المدة فيهما عن ثلاثين شهراً ، قاله ابن عباس .
{ حَتَّى إذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ } وفي الأشد تسعة أقاويل :
أحدها : أنه البلوغ ، قاله ابن مالك والشعبي وزيد بن أسلم .
الثاني : خمسة عشر سنة ، قاله محمد بن أويس .
الثالث : ثماني عشرة سنة ، قاله ابن جبير .
الرابع : عشرون سنة ، قاله سنان .
الخامس : خمسة وعشرون سنة ، قاله عكرمة .
السادس : ثلاثون سنة ، قاله السدي .
السابع : ثلاثة وثلاثون سنة ، قاله ابن عباس .
الثامن : أربعة وثلاثون سنة ، قاله سفيان الثوري .
التاسع : أربعون سنة ، وهو قول عائشة ، والحسن .
{ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : لأنها زمان الأشد ، وهو قول من ذكرنا .
الثاني : لأنها زمان الاستواء ، قال زيد بن أسلم : لم يبعث الله نبياً حتى يبلغ الأربعين .
وقال ابن زيد : وقوله تعالى لموسى { وَاسْتَوَى } قال بلغ أربعين سنة . وقال الشعبي : يثغر الغلام لسبع ويحتلم لأربع عشرة ، وينتهي طوله لإحدى وعشرين سنة ، وينتهي عقله لثمان وعشرين ، فما زاد بعد ذلك فهو تجربة ويبلغ أشده لثلاث وثلاثين .
الثالث : لأنها أول عمر بعد تمام عمر ، قال ابن قيس .
{ رَبِّ أَوْزِعْنِي } قال سفيان معناه ألهمني .
قال ابن قتيبة : والأصل في الإيزاع هو الإغراء بالشيء ، ويقال فلان موزع بكذا أي مولع به .
{ أَن أَشْكُر نِعْمَتَكَ الَّتي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أنعمت علي بالبر والطاعة ، وأنعمت على والدي بالتحنن والشفقة .
الثاني : أنعمت عليَّ بالعافية والصحة ، وعلى والديَّ بالغنى والثروة ، وفي النعمة على كل واحد منهما نعمة على الآخر لما بينهما من الممازجة والحقوق الملتزمة .
وحكى أبو زهير عن الأعمش قال : سمعتهم يقولون إن الولد يأتيه رزقه من أربع خلال : يأتيه رزقه وهو في بطن أمه ، ثم يولد فيكون رزقه في ثدي أمه ، فإذا تحرك كان رزقه على أبويه ، فإذا اجتمع وبلغ أشده جلس يهتم للرزق ويقول من أين يأتيني رزقي ، فاختصت الأم بخلتين من خلال رزقه ، واشترك أبوه في الثالثة ، وتفرد هو بالرابعة ، فذهب عنه الهم لما كان موكلاً إلى غيره ، واهتم لما صار موكلاً إلى نفسه ليتنبه بذلك على التوكل على خالقه ليكون نقى لهمته وأقل لحيرته وأدرّ لرزقه ، وليعلم أن لأمه عليه حقاً يعجز عن أدائه لما عانت من موارد رزقه ما عجز الخلق عن معاناته .

(4/117)


{ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ } يحتمل وجهين :
أحدهما : في بر الوالدين .
الثاني : في ديني .
{ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَتِي } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يدعو بإصلاحهم لبره وطاعته لإضافته ذلك إلى نفسه .
الثاني : أن يدعو بإصلاحهم لطاعة الله وعبادته وهو الأشبه ، لأن طاعتهم لله من بره ، ولأنه قد دعا بصلاح ذرية قد تكون من بعده .
وفيه لأصحاب الخواطر أربعة أوجه :
أحدها : قاله سهل : اجعلهم لي خلف صدق ولك عبيد حق .
الثاني : قاله أبو عثمان : اجعلهم أبراراً ، أي مطيعين لك .
الثالث : قاله ابن عطاء وفقهم لصالح أعمال ترضى بها عنهم .
الرابع : قاله محمد الباقر رضي الله عنه : لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلاً .
{ إنِّي تُبْتُ إِِلَيكَ } قال ابن عباس : رجعت عن الأمر الذي كنت عليه .
وفي هذه الآية قولان :
أحدهما : أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، قاله مقاتل والكلبي .
الثاني : مرسلة نزلت على العموم ، قاله الحسن .
قوله عز وجل : { أُوْلَئكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنهم إذا أسلموا قبلت حسناتهم وغفرت سيئاتهم ، قاله زيد بن أسلم يحكيه مرفوعاً .
الثاني : هو إعطاؤهم بالحسنة عشراً رواه أبو هلال .
الثالث : هي الطاعات لأنها الأحسن من أعماله التي يثاب عليها وليس في المباح ثواب ولا عقاب ، حكاه ابن عيسى .
{ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِم فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : نتجاوز عن سيئاتهم بالرحمة .
الثاني : نتجاوز عن صغائرهم بالمغفرة .
الثالث : نتجاوز عن كبائرهم بالتوبة .
{ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ } وعد الصدق الجنة ، الذي كانوا يوعدون في الدنيا على ألسنة الرسل .

(4/118)


وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20)

قوله عز وجل : { وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لكُمَا أَتَعِدَانَنِي أَنْ أُخْرَجَ } : أي أبعث .
{ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي } فلم يبعثوا . وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وأمه أم رومان . يدعوانه إلى الإسلام ويعدانه بالبعث فيرد عليهما بما حكاه الله عنه ، وكان هذا منه قبل إسلامه ، قاله السدي .
قال السدي : فلقد رأيت عبد الرحمن بن أبي بكر بالمدينة ، وما بالمدينة أَعْبَدُ منه ، ولقد استجاب الله فيه دعوة أبي بكر رضي الله عنه ، ولما أسلم وحسن إسلامه ، نزلت توبته في هذه الآية { وَلِكُلِّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُواْ } .
الثاني : أنها نزلت في عبد الله بن أبي بكر ، وكان يدعوه أبواه إلى الإسلام فيجيبهما بما أخبر الله تعالى ، قاله مجاهد .
الثالث : أنها نزلت في جماعة من الكفار قالوا ذلك لآبائهم ولذلك قال : { أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيهِم الْقَوْلُ } والعرب قد تذكر الواحد وتريد به الجمع وهذا معنى قول الحسن . فأما ال { أُفٍّ } فهي كلمة تبرم يقصد بها إظهار السخط وقبح الرد . قال الشاعر :
ما يذكر الدهر إلا قلت أف له ... إذا لقيتك لولا قال لي لاقي
وفي أصل الأف والتف ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الأف وسخ الأذن ، والتف وسخ الأنف .
الثاني : الأف وسخ الأظفار ، والتف الذي يكون في أصول الأظافر .
الثالث : أن الأف العليل الأنف ، والتف الإبعاد .
{ وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّه } أي يدعوان الله : اللهم اهده ، اللهم اقبل بقلبه ، اللهم اغفر له .
{ وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } في الثواب على الإيمان ، والعقاب على الكفر .
قوله عز وجل : { وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا } يحتمل أربعة أوجه :
أحدها : معناه أذهبتم طيباتكم في الآخرة بمعاصيكم في الدنيا .
الثاني : ألهتكم الشهوات عن الأعمال الصالحة .
الثالث : أذهبتم لذة طيباتكم في الدنيا بما استوجبتموه من عقاب معاصيكم في الآخرة .
الرابع : معناه اقتنعتم بعاجل الطيبات في الدنيا بدلاً من آجل الطيبات في الآخرة .
وروى الحسن عن الأحنف بن قيس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول : لأنا أعلم بخفض العيش ، ولو شئت لجعلت أكباداً وأسنمة وصلاء وصناباً وسلائق ، ولكن أستبقي حسناتي ، فإن الله تعالى وصف قوماً فقال : { أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا } والصلاء ، والشواء ، والصناب الأصبغة والسلائق الرقاق العريض .
وقال ابن بحر فيه تأويل خامس : أن الطيبات : الشباب والقوة ، مأخوذ من قولهم : ذهب أطيباه أي شبابه وقوته . ووجدت الضحاك قاله أيضاً .
{ وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا } يحتمل وجهين :
أحدهما : بالدنيا .
الثاني : بالطيبات .
{ فَالْيَوْمَ تُجْزَونَ عَذَابَ الْهُونِ } قال مجاهد : الهون الهوان . قال قتادة بلغة قريش .
{ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ } يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : تستعلون على أهلها بغير استحقاق .
الثاني : تتغلبون على أهلها بغير دين .
الثالث : تعصون الله فيها بغير طاعة .
{ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : تفسقون في أعمالكم بغياً وظلماً .
الثاني : في اعتقادكم كفراً وشركاً .

(4/119)


وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)

قوله عز وجل : { وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقَافِ } وهو هود بعث إلى عاد ، وكان أخاهم في النسب لا في الدين لأنه مناسب وإن لم يكن أخا أحد منهم .
{ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقَافِ } وهي جمع حقف ، وهو ما استطال واعوج من الرمل العظيم ، ولا يبلغ أن يكون جبلاً . ومنه قول العجاج :
بات إلى أرطاة حقف أحقفا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي رمل مستطيل مشرق .
وفيما أريد بالأحقاف هنا خمسة أقاويل :
أحدها : أن الأحقاف رمال مشرقة كالجبال ، قاله ابن زيد ، وشاهده ما تقدم ، وقال هي رمال مشرقة على البحر بالسحر في اليمن .
الثاني : أن الأحقاف أرض من حسمي تسمى الأحقاف ، قاله مجاهد .
الثالث : أنه جبل بالشام يسمى الأحقاف ، قاله الضحاك .
الرابع : هو ما بين عمان وحضرموت ، قاله ابن إسحاق .
الخامس : هو واد بين عُمان ومهرة ، قاله ابن عباس .
وروى أبو الطفيل عن علي كرم الله وجهه أنه قال : خير واد بين في الناس واد بمكة ، وواد نزل به آدم بأرض الهند ، وشر واديين في الناس وادي الأحقاف ، ووادٍ بحضرموت يدعى برهوت تلقى فيه أرواح الكفار ، وخير بئر في الناس بئر زمزم ، وشر بئر في الناس بئر برهوت وهي ذلك الوادي حضرموت .
{ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } أي قد بعث الرسل من قبل هود ومن بعده ، قال الفراء ، من بين يديه من قبله ، ومن خلفه من بعده وهي في قراءة ابن مسعود : { مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ بَعدِهِ } .
قوله عز وجل : { قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا } فيه وجهان :
أحدهما : لتزيلنا عن عبادتها بالإفك .
الثاني : لتصدنا عن آلهتنا بالمنع ، قاله الضحاك .
قوله عز وجل : { فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتهِمْ } يعني السحاب . وأنشد الأخفش لأبي كبير الهذلي :
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المنهال
وفي تسميته عارضاً ثلاثة أقاويل :
أحدها : لأنه أخذ في عرض السماء ، قال ابن عيسى .
الثاني : لأنه يملأ آفاق السماء ، قال النقاش .
الثالث : لأنه مار من السماء . والعارض هو المار الذي لا يلبث وهذا أشبه .
{ قَاُلواْ هَذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } حسبوه سحاباً يمطرهم ، وكان المطر قد أبطأ عليهم .
{ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذابٌ أَلِيمٌ } كانوا حين أوعدهم هود استعجلوه استهزاء منهم بوعيده ، فلما رأوا السحاب بعد طول الجدب أكذبوا هوداً وقالوا : هذا عارض ممطرنا .
ذكر أن القائل ذلك من قوم عاد ، بكر بن معاوية . فلما نظر هود إلى السحاب قال : بل هو ما استعجلتم به ، أي الذي طلبتم تعجيله ريح فيها عذاب أليم وهي الدبور .
وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « نُصِرْتُ بِالصبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ »

(4/120)


فنظر بكر بن معاوية إلى السحاب فقال : إني لأرى سحاباً مُرْمِداً ، لا يدع من عَادٍ أحداً . فذكر عمرو بن ميمون أنها كانت تأتيهم بالرجل الغائب حتى تقذفه في ناديهم .
قال ابن اسحاق : واعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه هو ومن معه فيها إلا ما يلين على الجلود وتلتذ الأنفس به ، وإنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء والأرض .
وحكى الكلبي أن شاعرهم قال في ذلك :
فدعا هود عليهم ... دعوة أضحوا همودا
عصفت ريح عليهم ... تركت عاداً خمودا
سخرت سبع ليال ... لم تدع في الأرض عودا
وعمَّر هود في قومه بعدهم مائة وخمسين سنة
.

(4/121)


وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28)

قوله عز وجل : { وَلَقَدْ مََّكنَّاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكنَّاكُمْ فِيهِ } فيه وجهان :
أحدهما : فيما لم نمكنكم فيه ، قاله ابن عباس .
الثاني : فيما مكناكم فيه وإن هنا صلة زائدة .
ويحتمل ثالثاً : وهو أن تكون ثابتة غير زائدة ويكون جوابها مضمراً محذوفاً ويكون تقديره : ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر وعنادكم أشد .
ثم ابتدأ فقال : { وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأبْصَاراً وَأَفْئِدَةً } الآية . يحتمل وجهين :
أحدهما : أننا جعلنا لهم من حواس الهداية ما لم يهتدوا به .
الثاني : معناه جعلنا لهم أسباب الدفع ما لم يدفعوا به عن أنفسهم .

(4/122)


وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32)

قوله عز وجل : { وَإذ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْءَانَ } فيه قولان :
أحدهما : أنهم صرفوا عن استراق سمع السماء برجوم الشهب ولم يكونوا بعد عيسى صرفوا عنه إلا عند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : ما هذا الذي حدث في الأرض؟ فضربوا في الأَرض حتى وقفوا على النبي صلى الله عليه وسلم ببطن نخلة عائداً إلى عكاظ وهو يصلي الفجر ، فاستمعوا القرآن ونظروا كيف يصلي ويقتدي به أصحابه ، فرجعوا إلى قومهم فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجباً ، قاله ابن عباس .
وحكى عكرم أن السورة التي كان يقرأها ببطن نخلة { اقرأْ بِاسِمِ رَبِّكَ } [ العلق : 1 ] وحكى ابن عباس كان يقرأ في العشاء { كَادوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } .
الثاني : أنهم صرفوا عن بلادهم بالتوفيق هداية من الله لهم حتى أتوا نبي الله ببطن نخلة .
وفيهم أربعة أقاويل :
أحدها : أنهم جن من أهل نصيبين ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنهم من أهل نينوى ، قاله قتادة .
الثالث : أنهم من جزيرة الموصل ، قاله عكرمة .
الرابع : من أهل نجران ، قاله مجاهد .
واختلف في عددهم على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم كانوا اثني عشر ألفاً من جزيرة الموصل ، قاله عكرمة .
الثاني : أنهم كانوا تسعة أحدهم زوبعة ، قاله زر بن حبيش .
الثالث : أنهم كانوا سبعة : ثلاثة من أهل نجران وأربعة من أهل نصيبين ، وكانت أسماؤهم حسى ومسى وشاصر وناصر والأردن وأنيان الأحقم ، قاله مجاهد .
واختلف في علم النبي صلى الله عليه وسلم على قولين :
أحدهما : أنه ما شعر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أوحى الله إليه فيهم وأخبره عنهم ، قاله ابن عباس ، والحسن .
الثاني : أن الله قد كان أعلمه بهم قبل مجيئهم . روى شعبة عن قتادة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : « إِنِّي أمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَى الْجِنِّ فَأَيُّكُمْ يَتْبَعُنِي » ؟فأطرقوا فاتبعه ابن مسعود فدخل نبي الله صلى الله عليه وسلم شعباً يقال له شعب الحجون وخط عليه وخط على ابن مسعود ليثبته بذلك ، قال عكرمة : وقال لابن مسعود : « لاَ تَبْرَحْ حَتَّى آتِيكَ » فلما خشيهم ابن مسعود كاد أن يذهب فذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم فلم يبرح ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : « لَوْ ذَهَبْتَ مَا التَقَيْنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ »
ولما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم تلا عليهم القرآن وقضى بينهم في قتيل منهم . وروى قتادة عن ابن مسعود أنهم سألوه الزاد فقال : « كُلُّ عَظْمٍ لَكُم عِرْقٌ ، وَكُلٌّ رَوَثَةٍ لَكُم خَضِرَةٌ » فقالوا يا رسول الله يقذرها الناس علينا ، فنهى سول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بأحدهما .
روى عبد الله بن عمرو بن غيلان عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(4/123)


« إِنَّ وَفْدَ الجِنَّ سَأَلُونِي المَتَاع ، - وَالمَتَاعُ : الزَّادُ - فَمَتَّعْتُهُم بِكُلِّ عَظْمٍ حَائِلٍ وَبَعْرَةٍ أَوْ رَوَثَةٍ » فقلت : يا رسول الله وما يغني عن ذلك عنهم؟ فقال : « إنهم لا يجدون عظماً إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل ، ولا روثة ولا بعرة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت ، فلا يستنجين أحدكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة » .
{ فَلَمَّا حَضَرُوه قَالُواْ أنصِتُواْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : فلما حضروا قراءة القرآن قال بعضهم لبعض أنصتوا لسماع القرآن .
الثاني : لما حضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا أنصتوا لسماع قوله .
{ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : فلما فرغ من الصلاة ولوا إلى قومهم منذرين برسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الكلبي : مخوفين : قاله الضحاك .
الثاني : فلما فرغ من قرءاة القرآن ولوا إلى قومهم منذرين ، حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم .
قوله عز وجل : { يَا قَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِيَ اللَّهِ } أي نبي الله يعني محمداً صلى الله عليه وسلم .
{ وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ } أي نبي الله يعني محمداً صلى الله عليه وسلم . { فَليسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ } أي سابق لله فيفوته هرباً .

(4/124)


أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)

قوله عز وجل : { فَاصْبِر كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِن الرُّسُلِ } فيهم ستة أوجه :
أحدها : أن أولي العزم من الرسل الذين أمروا بالقتال من الأنبياء ، قاله السدي والكلبي .
الثاني : أنهم العرب من الأنبياء ، قاله مجاهد والشعبي .
الثالث : من لم تصبه فتنة من الأنبياء ، قاله الحسن .
الرابع : من أصابه منهم بلاء بغير ذنب ، قاله ابن جريج .
الخامس : أنهم أولوا العزم ، حكاه يحيى .
السادس : أنهم أولوا الصبر الذين صبروا على أذى قومهم فلم يجزعوا .
وروت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله عز وجل لم يرض عن أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر على مخبوئها » .
وفي أولي العزم منهم ستة أقاويل :
أحدها : أن جميع الأنبياء أولوا العزم ، ولم يبعث الله رسولاً إلا كان من أولي العزم . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصبر كما صبروا ، قاله ابن زيد .
الثاني : أن أولي العزم منهم نوح وهود وإبراهيم ، فأمر الله رسوله أن يكون رابعهم ، قاله أبو العالية .
الثالث : أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، قاله ابن عباس .
الرابع : أنهم نوح وهود وإبراهيم وشعيب وموسى ، قاله عبد العزيز .
الخامس : أنهم إبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم ، قاله السدي .
السادس : أن منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب ، وليس منهم يونس ولا سليمان ولا آدم ، قاله ابن جريج .
{ وَلاَ تَسْتَعْجِلَ لَّهُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : بالدعاء عليهم ، قاله مقاتل .
الثاني : بالعذاب وهذا وعيد .
{ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : من العذاب ، قاله يحيى .
الثاني : من الآخرة ، قاله النقاش .
{ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِن نَّهَارٍ } فيه وجهان :
أحدهما : في الدنيا حتى جاءهم العذاب ، وهو مقتضى قول يحيى .
الثاني : في قبورهم حتى بعثوا للحساب ، وهو مقتضى قول النقاش .
{ بَلاَغٌ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن ذلك اللبث بلاغ ، قاله ابن عيسى .
الثاني : أن هذا القرآن بلاغ ، قاله الحسن .
الثالث : أن هذا الذي وصفه الله بلاغ ، وهو حلول ما وعده إما من الهلاك في الدنيا أو العذاب في الآخرة على ما تقدم من الوجهين :
{ فَهَلْ يُهْلَكُ } يعني بعد هذا البلاغ .
{ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ } قال يحيى : المشركون .
وذكر مقاتل أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، فأمره الله أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولوا العزم من الرسل تسهيلاً عليه وتثبيتاً له ، والله أعلم .

(4/125)


الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3)

قوله عز وجل : { الَّذِينَ كَفَرُواْ } يعني كفروا بتوحيد الله .
{ وَصَدُّواْ عَن سَبيلِ اللَّهِ } فيه وجهان :
أحدهما : عن الله وهو الإسلام بنهيهم عن الدخول فيه ، قاله السدي .
الثاني : عن بيت الله يمنع قاصديه إذا عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم - عليهم الإسلام أن يدخلوا فيه ، قاله الضحاك .
{ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : أحبط ما فعلوه من الخير بما أقاموا عليه من الكفر .
الثاني : أبطل ما أنفقوا ببدر لما نالهم من القتل .
الثالث : أضلهم عن الهدى بما صرفهم عن التوفيق .
وحكى مقاتل بن حيان أن هذه الآية نزلت في اثني عشر رجلاً من كفار مكة ، ذكر النقاش أنهم أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عقبة وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف ومنبه ونبيه ابنا الحجاج وأبو البختري وزمعة بن الأسود وحكيم بن حزام والحارث بن عامر بن نوفل .
قوله عز وجل : { وَالَّذِينَ ءَامَنواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } فيهم قولان :
أحدهما : أنهم الأنصار ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنها نزلت خاصة في ناس من قريش ، قاله مقاتل .
وفي قوله : { وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } فيه قولان :
أحدهما : المواساة بمساكنهم وأموالهم ، وهذا قول من زعم أنهم الأنصار .
الثاني : الهجرة وهذا قول من زعم أنهم قريش .
{ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ } أي آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل عليه من القرآن .
{ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن إيمانهم هو الحق من ربهم .
الثاني : أن القرآن هو الحق من ربهم .
{ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ } فيه وجهان :
أحدهما : سترها عليهم .
الثاني : غفرها بإيمانهم .
{ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : أصلح شأنهم ، قاله مجاهد .
الثاني : أصلح حالهم ، قاله قتادة .
الثالث : أصلح أمرهم ، قاله ابن عباس ، والثلاثة متقاربة وهي متأولة على إصلاح ما تعلق بدنياهم .
الرابع : أصلح نياتهم . حكاه النقاش ، ومنه قول الشاعر :
فإن تقبلي بالود أقبل بمثله ... وإن تدبري أذهب إلى حال باليا
وهو على هذا التأويل محمول على إصلاح دينهم ، والبال لا يجمع لأنه أبهم إخوانه من الشأن والحال والأمر .
قوله عز وجل : { ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُواْ الْبَاطِلَ } فيه قولان :
أحدهما : أن الباطل الشيطان ، قاله مجاهد .
الثاني : إبليس ، قاله قتادة ، وسُمِّي بالباطل لأنه يدعو إلى الباطل .
ويحتمل ثالثاً : أنه الهوى .
{ وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّبعُواْ الْحَقَّ مِن رَّبِهِمْ } فيه وجهان :
أحدهما : اتبعوا الرسول ، لأنه دعاهم إلى الحق وهو الإسلام .
الثاني : يعني القرآن سمي حقاً لمجيئه بالحق .
{ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ } قال يحيى : صفات أعمالهم ، وفي الناس هنا قولان :
أحدهما : أنه محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله الكلبي .
الثاني : جميع الناس ، قاله مقاتل .

(4/126)