صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : النكت والعيون
المؤلف : أبوالحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)

قوله عز وجل : { ربنا وسعت كل شَيْءٍ رحمة وعلماً } فيه وجهان :
أحدهما : ملأت كل شيء رحمة وعلماً ، أو رحمة عليه وعلماً به ، وهو معنى قول يحيى بن سلام .
الثاني : معناه : وسعت رحمتك وعلمك كل شيء .
{ فاغفر للذين تابوا } قال يحيى : من الشرك .
{ واتبعوا سبيلك } قال الإسلام لأنه سبيل إلى الجنة .
{ وقهم عذاب الجحيم } بالتوفيق لطاعتك .

(4/30)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14)

قوله عز وجل : { إن الذين كفروا ينادَوْنَ } فيه وجهان :
أحدهما : أنهم ينادون يوم القيامة ، قاله قتادة .
الثاني : ينادون في النار ، قاله السدي .
{ لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعوْن إلى الإيمان فتكفرون } فيه وجهان :
أحدهما : لمقت الله بكم في الدنيا إذا دعيتم إلى الإيمان فكفرتم أكبر من مقتكم لأنفسكم في الآخرة حين عاينتم العذاب وعلمتم أنكم من أهل النار ، قاله الحسن وقتادة .
الثاني : معناه : إن مقت الله لكم إذ عصيتموه أكبر من مقت بعضكم لبعض حين علمتم أنهم أضلوكم ، حكاه ابن عيسى .
فإن قيل : كيف يصح على الوجه الأول أن يمقتوا أنفسهم؟
ففيه وجهان :
أحدهما : أنهم أحلوها بالذنوب محل الممقوت .
الثاني : أنهم لما صاروا إلى حال زال عنهم الهوى وعلموا أن نفوسهم هي التي أوبقتهم في المعاصي مقتوها .
وفي اللام التي في { لمقت الله } وجهان :
أحدهما : أنها لام الابتداء كقولهم لزيد أفضل من عمرو ، قاله البصريون .
الثاني : أنها لام اليمين تدخل على الحكاية وما ضارعها ، قاله ثعلب .
قوله عز وجل : { قالوا ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنه خلقهم أمواتاً في أصلاب آبائهم ، ثم أحياهم بإخراجهم ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم ، ثم أحياهم للبعث ، فهما ميتتان إحداهما في أصلاب الرجال ، الثانية في الدنيا ، وحياتان : إحداهما في الدنيا والثانية في الآخرة ، قاله ابن مسعود وقتادة .
الثاني : أن الله أحياهم حين أخذ عليهم الميثاق في ظهر آدم قوله { وإذ أخذ رَبُكَ مِن ابني آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذرِيتَهُمْ } [ الأعراف : 171 ] الآية . ثم إن اللَّه أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم ، ثم أحياهم حين أخرجهم ، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم ، ثم أحياهم للبعث فتكون حياتان وموتتان في الدنيا وحياة في الآخرة ، قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم .
الثالث : أن الله أحياهم حين خلقهم في الدنيا ، ثم أماتهم فيها عند انقضاء أجالهم ، ثم أحياهم في قبورهم للمساءلة ، ثم أماتهم إلى وقت البعث . ثم أحياهم للعبث ، قاله السدي .
{ فاعترفنا بذنوبنا } أنكروا البعث في الدنيا وأن يحيوا بعد الموت ، ثم اعترفوا في الآخرة بحياتين بعد موتتين .
{ فهل إلى خروج مِن سبيل } فيه وجهان :
أحدهما : فهل طريق نرجع فيها إلى الدنيا فنقر بالبعث ، وهو معنى قول قتادة .
الثاني : فهل عمل نخرج به من النار ، ونتخلص به من العذاب؟ قاله الحسن .
وفي الكلام مضمر تقديره : لا سبيل إلى الخروج .
قوله عز وجل : { ذلكم بأنه إذا دُعي الله وحده كفرتم } أي كفرتم بتوحيد الله .
{ وإن يُشرك به تؤمنوا } فيه وجهان :
أحدهما : معناه تصدقوا من أشرك به ، قاله النقاش .
الثاني : تؤمنوا بالأوثان ، قاله يحيى بن سلام .
{ فالحكم لله } يعني في مجازاة الكفار وعقاب العصاة .
{ العلي الكبير } إنما جاز وصفه بأنه علي ولم تجز صفته بأنه رفيع لأنها صفة قد تنقل من علو المكان إلى علو الشأن والرفيع لا يستعمل إلا في ارتفاع المكان .

(4/31)


رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)

قوله عز وجل : { رفيع الدرجات } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : رفع السموات السبع ، قاله سعيد بن جبير والكلبي .
الثاني : عظيم الصفات ، قاله ابن زياد .
الثالث : هو رفعه درجات أوليائه ، قاله يحيى .
{ ذو العرش } فيه وجهان :
أحدهما : أن عرشه فوق سماواته ، قاله سعيد بن جبير .
الثاني : أنه رب العرش ، قاله يحيى .
{ يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده } فيه ستة تأويلات :
أحدها : أن الروح الوحي ، قاله قتادة .
الثاني : النبوة ، قاله السدي .
الثالث : القرآن ، قاله ابن عباس .
الرابع : الرحمة ، حكاه إبراهيم الجوني .
الخامس : أرواح عباده ، لا ينزل ملك إلا ومعه منها روح ، قاله مجاهد .
السادس : جبريل يرسله الله بأمره ، قاله الضحاك .
{ لينذر يوم التلاق } فيه قولان :
أحدهما : لينذر الله به يوم القيامة ، قاله الحسن .
الثاني : لينذر أنبياؤه يوم التلاق وهو يوم القيامة وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لأنه يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض ، قاله السدي وابن زيد .
الثاني : لأنه يلتقي فيه الأولون والآخرون ، وهو معنى قول ابن عباس .
الثالث : يلتقي فيه الخلق والخالق ، قاله قتادة .
قوله عز وجل : { يومَ هم بارزون } يعني من قبورهم .
{ لا يخفى على الله منهم شَيْءٌ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه أبرزهم جميعاً لأنه لا يخفى على الله منهم شيء .
الثاني : معناه يجازيهم من لا يخفى عليه من أعمالهم شيء .
{ لمن الملك اليوم } هذا قول الله ، وفيه قولان :
أحدهما : أنه قوله بين النفختين حين فني الخلائق وبقي الخالق فلا يرى - غير نفسه - مالكاً ولا مملوكاً : لمن الملك اليوم فلا يجيبه لأن الخلق أموات ، فيجيب نفسه فيقول : { لله الواحد القهار } لأنه بقي وحده وقهر خلقه ، قاله محمد بن كعب .
الثاني : أن هذا من قول الله تعالى في القيامة حين لم يبق من يدَّعي ملكاً ، أو يجعل له شريكاً .
وفي المجيب عن هذا السؤال قولان :
أحدهما : أن الله هو المجيب لنفسه وقد سكت الخلائق لقوله ، فيقول : لله الواحد القهار ، قاله عطاء .
الثاني : ان الخلائق كلهم يجيبه من المؤمنين . والكافرين ، فيقولون : لله الواحد القهار ، قاله ابن جريج .

(4/32)


وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20)

قوله عز وجل : { وأنذرهم يوم الآزفة } فيه قولان :
أحدهما : يوم حضور المنية ، قاله قطرب .
الثاني : يوم القيامة وسميت الآزفة لدنوها ، وكل آزف دانٍ ، ومنه قوله تعالى { أزفت الآزفة } [ النجم : 57 ] أي دنت القيامة .
{ إذ القلوب لَدَى الحناجر } فيه قولان :
أحدهما : أن القلوب هي النفوس بلغت الحناجر عند حضور المنية ، وهذا قول من تأول يوم الآزفة بحضور المنية ، قاله قتادة . ووقفت في الحناجر من الخوف فهي لا تخرج ولا تعود في أمكنتها .
{ كاظمين } فيه أربعة أوجه :
أحدها : مغمومون قاله الكلبي .
الثاني : باكون ، قاله ابن جريج .
الثالث : ممسكون بحناجرهم ، ماخوذ من كظم القربة وهو شد رأسها .
الرابع : ساكتون ، قاله قطرب ، وأنشد قول الشماخ :
فظلت كأن الطير فوق رؤوسها ... صيامٌ تنائي الشمس وهي كظوم
{ ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } في الحميم قولان :
أحدهما : انه القريب ، قاله الحسن .
الثاني : الشفيق ، قاله مجاهد ، ومعنى الكلام : ما لهم من حميم ينفع ولا شفيع يطاع أي يجاب إلى الشفاعة ، وسميت الإجابة طاعة لموافقتها إرادة المجاب .
قوله عز وجل : { يعلم خائنة الأعين } فيه خمسة أوجه :
أحدها : أنه الرمز بالعين ، قاله السدي .
الثاني : هي النظرة بعد النظرة ، قاله سفيان .
الثالث : مسارقة النظر ، قاله ابن عباس .
الرابع : النظر إلى ما نهى عنه ، قاله مجاهد .
الخامس : هو قول الإنسان ما رأيت وقد رأى ، أو رأيت وما رأى ، قاله الضحاك .
وفي تسميتها خائنة الأعين وجهان :
أحدهما : لأنها أخفى الإشارات فصارت بالاستخفاء كالخيانة .
الثاني : لأنها باستراق النظر إلى المحظور خيانة .
{ وما تُخفي الصدور } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : الوسوسة ، قاله السدي .
الثاني : ما تضمره [ عندما ترى امرأة ] إذا أنت قدرت عليها أتزني بها أم لا ، قاله ابن عباس .
الثالث : ما يسره الإنسان من أمانة أو خيانة ، وعبر عن القلوب بالصدور لأنها مواضع القلوب .

(4/33)


أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (22)

قوله عز وجل : { . . . كانوا هم أشدَّ منهم قوة } فيه وجهان :
أحدهما : يعني بطشاً ، قاله يحيى .
الثاني : قدرة ، قاله ابن عيسى .
{ وآثاراً في الأرض } فيه خمسة أوجه :
أحدها : أنها آثارهم من الملابس والأبنية ، قاله يحيى .
الثاني : خراب الأرضين وعمارتها ، قاله مجاهد .
الثالث : المشي فيها بأرجلهم ، قاله ابن جريج .
الرابع : بُعْد الغاية في الطلب ، قاله الكلبي .
الخامس : طول الأعمار ، قاله مقاتل .
ويحتمل سادساً : ما سنوا فيها من خير وشر .

(4/34)


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27)

قوله عز وجل : { وقال فرعون ذروني أقتُل موسى } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه أشيروا عليّ بقتل موسى لأنهم قد كانوا أشاروا عليه بأن لا يقتله لأنه لو قتله منعوه ، قاله ابن زياد .
الثاني : ذروني أتولى قتله ، لأنهم قالوا إن موسى ساحر إن قتلته هلكت لأنه لو أمر بقتله خالفوه .
الثالث : أنه كان في قومه مؤمنون يمنعونه من قتله . فسألهم تمكينه من قتله .
{ وليدع ربه } فيه وجهان :
أحدهما : وليسأل ربه فإنه لا يجاب .
الثاني : وليستعن به فإنه لا يعان .
{ إني أخاف أن يبدِّل دينكم } فيها وجهان :
أحدهما : يغير أمركم الذي أنتم عليه ، قاله قتادة .
الثاني : معناه هو أن يعمل بطاعة الله ، رواه سعيد بن أبي عروبة .
الثالث : محاربته لفرعون بمن آمن به ، حكاه ابن عيسى .
الرابع : هو أن يقتلوا أبناءكم ويستحيوا نساءكم إذا ظهروا عليكم كما كنتم تفعلون بهم ، قاله ابن جريج .
ويحتمل خامساً : أن يزول به ملككم لأنه ما تجدد دين إلا زال به ملك .

(4/35)


وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)

قوله عز وجل : { وقال رجلٌ مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه } فيه قولان :
أحدهما : أنه كان ابن عم فرعون ، قاله السدي ، قال وهو الذي نجا مع موسى .
الثاني : أنه كان قبطياً من جنسه ولم يكن من أهله ، قاله مقاتل .
قال ابن إسحاق : وكان أسمه حبيب .
وحكى الكلبي أن اسمه حزبيل ، وكان مَلِكَا على نصف الناس وله الملك بعد فرعون ، بمنزلة ولي العهد .
وقال ابن عباس : لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره وامرأة فرعون وغير المؤمن الذي أنذر فقال { إن الملأ يأتمرون بك } [ القصص : 20 ] .
وفي إيمانه قولان :
أحدهما : أنه آمن بمجيء موسى وتصديقه له وهو الظاهر . الثاني : أنه كان مؤمناً قبل مجيء موسى وكذلك امرأة فرعون قاله الحسن ، فكتم إيمانه ، قال الضحاك كان يكتم إيمانه للرفق بقومه ثم أظهره فقال ذلك في حال كتمه .
{ أتقتلون رجلاً أن يقول ربي اللهُ } أي لقوله ربي الله .
{ وقد جاءَكم بالبينات من ربِّكم } فيها قولان :
أحدهما : أنه الحلال والحرام ، قاله السدي .
الثاني : أنها الآيات التي جاءتهم : يده وعصاه والطوفان وغيرها ، كما قال تعالى { ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقصٍ من الثمرات } [ الأعراف : 130 ] قاله يحيى .
{ وإن يك كَاذباً فعليه كَذِبُه } ولم يكن ذلك لشك منه في رسالته وصدقه ولكن تلطفاً في الاستكفاف واستنزالاً عن الأذى .
{ وإن يَكُ صادقاً يصبكم بعض الذي يعدُكم } فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنه كان وعدهم بالنجاة إن آمنوا وبالهلاك إن كفروا ، فقال { يصبكم بعض الذي يعدكم } لأنهم إذا كانوا على إحدى الحالتين نالهم أحد الأمرين فصار ذلك بعض الوعد لا كله .
الثاني : لأنه قد كان أوعدهم على كفرهم بالهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة ، فصار هلاكهم في الدنيا بعض وما وعدهم .
الثالث : أن الذي يبدؤهم من العذاب هو أوله ثم يتوالى عليهم حالاً بعد حال حتى يستكمل فصار الذي يصيبهم هو بعض الذي وعدهم لأنه حذرهم ما شكوا فيه وهي الحالة الأولى وما بعدها يكونون على يقين منه .
الرابع : أن البعض قد يستعمل في موضع الكل تلطفاً في الخطاب وتوسعاً في الكلام كما قال الشاعر :
قد يُدْرِك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
{ إن الله لا يهدي من هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ } يحتمل وجهين :
أحدهما : مسرف على نفسه كذاب على ربه إشارة إلى موسى ، ويكون هذا من قول المؤمن .
الثاني : مسرف في عناده كذاب في ادعائه إشارة إلى فرعون [ ويكون ] هذا من قوله تعالى .
قوله عز وجل : { ويا قوم لكم الملك اليوم ظاهِرين في الأرض } قال السدي :
غالبين على أرض مصر قاهرين لأهلها ، وهذا قول المؤمن تذكيراً لهم بنعم اللَّه عليهم .
{ فمن ينصرنا من بأس الله إِن جاءَنا } أي من عذاب الله ، تحذيراً لهم من نقمة ، فذكر وحذر فعلم فرعون ظهور محبته .
{ قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى } قال عبد الرحمن بن زيد : معناه ما أشير عليكم إلا بما أرى لنفسي .
{ وما أهديكم إلا سبيل الرشاد } في تكذيب موسى والإيمان بي
.

(4/36)


وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)

قوله عز وجل : { ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التنادِ } يعني يوم القيامة ، قال أمية بن أبي الصلت :
وبث الخلق فيها إذ دحاها ... فهم سكانها حتى التّنَادِ
سمي بذلك لمناداة بعضهم بعضاً ، قاله الحسن .
وفيما ينادي به بعضهم بعضاً قولان :
أحدهما : يا حسرتا ، يا ويلتا ، يا ثبوراه ، قاله ابن جريج .
الثاني : ينادي أهلُ الجنة أهل النار أن { قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً } [ الأعراف : 44 ] الآية .
وينادي أهل النار الجنة { أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم اللَّه } [ الأعراف : 50 ] قاله قتادة .
وكان الكلبي يقرؤها : يوم التنادّ ، مشدودة ، أي يوم الفرار ، قال يندّون كما يندّ البعير . وقد جاء في الحديث أن للناس جولة يوم القيامة يندون يطلبون أنهم يجدون مفراً ثم تلا هذه الآية .
{ يوم تولون مدبرين } فيه وجهان :
أحدهما : مدبرين في انطلاقهم إلى النار ، قاله قتادة .
الثاني : مدبرين في فِرارهم من النار حتى يقذفوا فيها ، قاله السدي .
{ ما لكم من الله من عاصم } فيه وجهان :
أحدهما : من ناصر ، قاله قتادة .
الثاني : من مانع ، وأصل العصمة المنع ، قاله ابن عيسى .
{ ومن يضلل الله فما له من هاد } وفي قائل هذا قولان :
أحدهما : أن موسى هو القائل له .
الثاني : أنه من قول مؤمن آلِ فرعون .
قوله عز وجل : { ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات } فيه قولان :
أحدهما : أن يوسف بن يعقوب ، بعثه الله رسولاً إلى القبط بعد موت الملك من قبل موسى بالبينات . قال ابن جريج : هي الرؤيا .
الثاني : ما حكاه النقاش عن الضحاك أن الله بعث اليهم رسولاً من الجن يقال له يوسف .

(4/37)


وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37) وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)

قوله عز وجل : { وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : يعني مجلساً ، قاله الحسن .
الثاني : قصراً ، قاله السدي .
الثالث : أنه الآجر ومعناه أوقد لي على الطين حتى يصير آجراً ، قاله سعيد بن جبير .
الرابع : أنه البناء المبني بالآجر ، وكانوا يكرهون أن يبنوا بالآجر ويجعلوه في القبر ، قاله إبراهيم .
{ لعلّي أبلغ الأسباب } يحتمل وجهين :
أحدهما : ما يسبب إلى فعل مرادي .
الثاني : ما أتوصل به إلى علم ما غاب عني ، ثم بين مراده فقال :
{ أسباب السموات } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : طرق السموات ، قاله أبو صالح .
الثاني : أبواب السموات ، قاله السدي والأخفش ، وأنشد قول الشاعر :
ومن هاب أسباب المنايا يَنَلنه ... ولو نال أسباب السماء بِسلَّمِ
الثالث : ما بين السموات ، حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم .
{ فأطَّلعَ إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً } فيه قولان :
أحدهما : أنه غلبه الجهل على قول هذا أو تصوره .
الثاني : أنه قاله تمويهاً على قومه مع علمه باستحالته ، قاله الحسن .
{ وما كَيْدُ فرعون إلا في تبابٍ } فيه وجهان :
أحدهما : في خسران قاله ابن عباس .
الثاني : في ضلال ، قاله قتادة .
وفيه وجهان :
أحدهما : في الدنيا لما أطلعه الله عليه من هلاكه .
الثاني : في الآخرة لمصيره إلى النار ، قاله الكلبي .

(4/38)


وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50)

قوله عز وجل : { لا جَرَمَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه : لا بد ، قاله المفضل .
الثاني : معناه : لقد حق واستحق ، قاله المبرد .
الثالث : أنه لا يكون إلا جواباً كقول القائل : فعلوا كذا ، فيقول المجيب : لا جرم انهم سيندمون ، قاله الخليل .
{ أن ما تدعونني إليه } أي من عبادة ما تعبدون من دون الله .
{ ليس له دعوةٌ في الدنيا ولا في الآخرة } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة ، قاله السدي .
الثاني : لا ينفع ولا يضر في الدنيا ولا في الآخرة ، قاله قتادة .
الثالث : ليس له شفاعة في الدنيا ولا في الآخرة ، قاله الكلبي .
{ وأن مردنا إلى الله } أي مرجعنا بعد الموت إلى الله ليجازينا على أفعالنا .
{ وأن المسرفين هم أصحاب النار } فيهم قولان :
أحدهما : يعني المشركين ، قاله قتادة .
الثاني : يعني السفاكين للدماء بغير حق ، قاله الشعبي ، وقال مجاهد : سمى الله القتل سرفاً .
قوله عز وجل : { فستذكرون ما أقول لكم } فيه قولان :
أحدهما : يعني في الآخرة ، قاله ابن زيد .
الثاني : عند نزول العذاب بهم ، قاله النقاش .
{ وأفوّض أمري إلى الله } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه : وأسلم أمري إلى الله ، قاله ابن عيسى .
الثاني : أشهد عليكم الله ، قاله ابن بحر .
الثالث : أتوكل على الله ، قاله يحيى بن سلام .
{ إن الله بصير بالعباد } فيه وجهان :
أحدهما : بأعمال العباد .
الثاني : بمصير العباد .
وفي قائل هذا قولان :
أحدهما : أنه من قول موسى .
الثاني : من قول مؤمن آل فرعون ، فعلى هذا يصير بهذا القول مظهراً لإيمانه . قوله عز وجل : { فوقاه الله سيئات ما مكروا } فيه قولان :
أحدهما : أن موسى وقاه الله سيئات ما مكروا ، فعلى هذا فيه قولان :
أحدهما : أن مؤمن آل فرعون نجاه الله مع موسى حتى عبر البحر واغرق الله فرعون ، قاله قتادة ، وقيل إن آل فرعون هو فرعون وحده ومنه قول أراكة الثقفي :
لا تبك ميتاً بعد موت أحبةٍ ... عليّ وعباس وآل أبي بكر
يريد أبا بكر .
الثاني : أن مؤمن آل فرعون خرج من عنده هارباً إلى جبل يصلي فيه ، فأرسل في طلبه ، فجاء الرسل وهو في صلاته وقد ذبت عنه السباع والوحوش أن يصلوا إليه ، فعادوا إلى فرعون فأخبروه فقتلهم فهو معنى قوله { فوقاه الله سيئات ما مكروا } .
{ وحاق بآل فرعون سوء العذاب } فيه وجهان :
أحدهما : أنهم قومه ، وسوء العذاب هو الغرق ، قاله الضحاك .
الثاني : رسله الذين قتلهم ، وسوء العذاب هو القتل .
قوله عز وجل : { النار يعرضون عليها غُدُوّاً وعشيّاً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه يعرض عليهم مقاعدهم من النار غدوة وعشية ، فيقال : لآلِ فرعون هذه منازلكم ، توبيخاً ، قاله قتادة .
الثاني : أن أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح فذلك عرضها ، قاله ابن مسعود .
الثالث : أنهم يعذبون بالنار في قبرهم غدواً وعشياً ، وهذا لآل فرعون خصوصاً . قال مجاهد : ما كانت الدنيا .
{ ويوم تقولم الساعةُ } وقيامها وجود صفتها على استقامة ، ومنه قيام السوق وهو حضور أهلها على استقامة في وقت العادة .
{ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } لأن عذاب جهنم مُخْتَلِف . وجعل الفراء في الكلام تقديماً وتأخيراً وتقديره : ادخلوا آل فرعون أشد العذاب النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ، وهو خلاف ما ذهب إليه غيره من انتظام الكلام على سياقه .

(4/39)


إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (55) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56)

قوله عز وجل : { إنا لننصُرُ رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا } فيه قولان :
أحدهما : بإفلاج حجتهم ، قاله أبو العالية .
الثاني : بالانتقام من أعدائهم قال السدي : ما قتل قوم قط نبياً أو قوماً من دعاة الحق من المؤمنين إلا بعث الله من ينتقم لهم فصاروا منصورين فيها وإن قُتلوا .
{ ويومَ يقَوم الأشْهاد } بمعنى يوم القيامة . وفي نصرهم قولان :
أحدهما : بإعلاء كلمتهم وإجزال ثوابهم .
الثاني : إنه بالانتقام من أعدائهم .
وفي { الأشهاد } ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم الملائكة شهدوا للأنبياء بالإبلاغ ، وعلى الأمم بالتكذيب ، قاله مجاهد والسدي .
الثاني : انهم الملائكة والأنبياء ، قاله قتادة .
الثالث : أنهم أربعة : الملائكة والنبيون والمؤمنون والأجساد ، قاله زيد بن أسلم ثم في { الأشهاد } أيضاً وجهان :
أحدهما : جمع شهيد مثل شريف ، وأشراف .
الثاني : أنه جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب .
قوله عز وجل : { فاصبر إنَّ وعد الله حق } فيه قولان :
أحدهما : هو ما وعد الله رسوله في آيتين من القرآن أن يعذب كفار مكة ، قاله مقاتل .
الثاني : هو ما وعد الله رسوله أن يعطيه المؤمنين في الآخرة ، قاله يحيى بن سلام .
{ واستغفر لذنبك } اي من ذنب إن كان منك . قال الفضيل : تفسير الاستغفار أقلني .
{ وسبح بحمد ربِّك } قال مجاهد : وصَلِّ بأمر ربك .
{ بالعشي والإبكار } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها صلاة العصر والغداة ، قاله قتادة .
الثاني : أن العشي ميل الشمس إلى أن تغيب ، والإبكار أول الفجر ، قاله مجاهد .
الثالث : هي صلاة مكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس ركعتان غدوة وركعتان عشية ، قاله الحسن .
قوله عز وجل : { إنّ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم } أي بغير حجة جاءتهم .
{ إن في صدورهم إلا كبرٌ ما هم ببالغيه } فيه قولان :
أحدهما : أن اكبر العظمة التي في كفار قريش ، ما هم ببالغيها ، قاله مجاهد .
الثاني : ما يستكبر من الاعتقاد وفيه قولان :
أحدهما : هو ما أمله كفار قريش في النبي صلى الله عليه وسلم وفي أصحابه أن يهلك ويهلكوا ، قاله الحسن .
الثاني : هو أن اليهود قالوا إن الدجال منا وعظموا أمره ، واعتقدوا أنهم يملكون ، وينتقمون ، قاله أبو العالية .
{ فاستعذ بالله } من كبرهم .
{ إنه هو السميع } لما يقولونه { البصير } بما يضمرونه .

(4/40)


لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (58) إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59)

قوله عز وجل : { لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لخلق السموات والأرض أعظم من خلق الدجال حين عظمت اليهود شأنه ، قاله أبو العالية .
الثاني : أكبر من إعادة خلق الناس حين أنكرت قريش البعث ، قاله يحيى بن سلام .
الثالث : أكبر من أفعال الناس حين أذل الكفار بالقوة وتباعدوا بالقهر .

(4/41)


وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)

قوله عز وجل : { وقال ربكم ادعوني استجبْ لكم } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه وحدوني بالربوبية أغفر لكم ذنوبكم ، قاله ابن عباس .
الثاني : اعبدوني استجب لكم ، قاله جرير بن عبد الله ، أي اتبعكم على عبادتكم .
الثالث : سلوني أعطكم ، قاله السدي . وإجابة الداعي عند صدق الرغبة مقيد بشرط الحكمة . وحكى قتادة أن كعب قال : أعطيت هذه الأمة ثلاثاً لم تعطهن أمّة قبلكم إلا نبي : كان إذا أرسل نبي قيل له : أنت شاهد على أمتك ، وجعلكم شهداء على الناس ، وكان يقال للنبي ، ليس عليك في الدين من حرج ، وقال لهذه الأمة : وما جعل عليكم في الدين من حرج ، وكان يقال للنبي : ادعني أستجب لك ، وقال لهذه الأمة : ادعوني أستجب لكم .

(4/42)


اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (66) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (68)

قوله عز وجل : { الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لتستريحوا فيه من عمل النهار .
الثاني : لتكفوا فيه عن طلب الأرزاق .
الثالث : لتحاسبوا فيه أنفسكم على ما عملتم بالنهار .
{ والنهار مبصراً } فيه وجهان :
أحدهما : مبصراً لقدرة الله في خلقه .
الثاني : مبصراً لمطالب الأرزاق .
قوله عز وجل : { كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : كذلك يصرف ، قاله يحيى .
الثاني : كذلك يكذب بالتوحيد ، قاله مقاتل .
الثالث : كذلك يعدل عن الحق ، قاله ابن زيد .

(4/43)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (76) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80) وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَأَيَّ آَيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (81)

قوله عز وجل : { ذلكم بما كنتم تفرحون . . } الآية . في الفرح والمرح وجهان :
أحدهما : أن الفرح : السرور والمرح : البطر ، فسرّوا بالإمهال وبطروا بالنعم
الثاني : الفرح والسرور ، قاله الضحاك ، والمرح العدوان .
روى خالد عن ثور عن معاذ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله تعالى يبغض البذخين الفرحين المرحين ، ويحب كل قلب حزين ويبغض أهل بيت لحمين ، ويبغض كل حبر سمين » فأما أهل بيت لحمين فهم الذين يأكلون لحوم الناس بالغيبة ، وأما الحبر السمين فالمتحبر بعلمه ولا يخبر به الناس ، يعني المستكثر من علمه ولا ينفع به الناس .

(4/44)


أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)

قوله عز وجل : { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العِلمْ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : بقولهم نحن أعلم منهم لن نبعث لن نعذب ، قاله مجاهد .
الثاني : بما كان عندهم أنه علم وهو جهل ، قاله السدي .
الثالث : فرحت الرسل بما عندهم من العلم بنجاتهم وهلاك أعدائهم ، حكاه ابن عيسى .
الرابع : رضوا بعلمهم واستهزأوا برسلهم ، قاله ابن زيد .
{ وحاق بهم } فيه وجهان :
أحدهما : أحاط بهم ، قاله الكلبي .
الثاني : عاد عليهم .
{ ما كانوا به يستهزئون } فيه وجهان :
أحدهما : محمد صلى الله عليه وسلم أنه ساحر .
الثاني : بالقرآن أنه شِعْر .

(4/45)


حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5)

قوله عز وجل : { حم } قد مضى تأويله .
{ تنزيل من الرحمن الرحيم . كتاب } يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه على التقديم والتأخير فيكون تقديره حم تنزيل الكتاب من الرحمن الرحيم .
الثاني : أن يكون فيه مضمر محذوف تقديره تنزيل القرآن من الرحمن الرحيم .
ثم وصفه فقال { كتابٌ فصلت آياتُه } وفي تفصيل آياته خمسة تأويلات :
أحدها : فسّرت ، قاله مجاهد .
الثاني : فصلت بالوعد والوعيد ، قاله الحسن .
الثالث : فصلت بالثواب والعقاب ، قاله سفيان .
الرابع : فصلت ببيان حلاله من حرامه وطاعته من معصيته ، قاله قتادة .
الخامس : فصلت من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ، فحكم فيما بينه وبين من خالفه ، قال عبد الرحمن بن زيد .
{ قرآناً عربياً لقوم يعلمون } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يعلمون انه إله واحد في التوراة والإنجيل ، قاله مجاهد .
الثاني : أن القرآن من عند الله نزل ، قاله الضحاك .
الثالث : يعلمون العربية فيعجزون عن مثله .
قوله عز وجل : { وقالوا قلوبنا في أكنّة ما تدعونا إليه } فيه وجهان :
أحدهما : أغطية ، قاله السدي .
الثاني : كالجعبة للنبل ، قاله مجاهد .
{ وفي آذاننا وقر } أي صمم وهما في اللغة يفترقان فالوقر ثقل السمع والصمم ذهاب جميعه .
{ ومن بيننا وبينك حجاب } فيه أربعة أوجه :
أحدها : يعني ستراً مانعاً عن الإجابة ، قاله ابن زياد .
الثاني : فرقة في الأديان ، قاله الفراء .
الثالث : أنه تمثيل بالحجاب ليؤيسوه من الإجابة ، قاله ابن عيسى .
الرابع : أن أبا جهل استغشى على رأسه ثوباً وقال : يا محمد بيننا وبينك حجاب ، استهزاء منه ، حكاه النقاش .
{ فاعمل إننا عامِلون } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : فاعمل بما تَعْلَم من دينك فإنا نعمل بما نعلم من ديننا ، قاله الفراء .
الثاني : فاعمل في هلاكنا فإنَّا نعمل في هلاكك ، قاله الكلبي .
الثالث : فاعمل لإلهك الذي أرسلك فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها ، قاله مقاتل .
ويحتمل رابعاً : فاعمل لآخرتك فإنا نعمل لدنيانا .

(4/46)


قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8)

قوله عز وجل : { وويل للمشركين . الذين لا يؤتون الزكاة } فيه خمسة أوجه :
أحدها : أنه قرعهم بالشح الذي يأنف منه الفضلاء ، وفيه دلالة على أن الكافر يعذب بكفره ، مع وجوب الزكاة عليه ، أكثر مما يعذب من لم تكن الزكاة واجبة عليه ، قاله ابن عيسى .
الثاني : معناه انهم لا يزكون أعمالهم ، قاله ابن عمر .
الثالث : معناه لا يأتون به أزكياء ، قاله الحسن .
الرابع : معناه لا يؤمنون بالزكاة ، قاله قتادة .
الخامس : معناه ليس هم من أهل الزكاة ، قاله معاوية بن قرة .
قوله تعالى : { لهم أجْرٌ غير ممنون } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : غير محسوب ، قاله مجاهد .
الثاني : غير منقوص ، قاله ابن عباس وقطرب ، وأنشد قول زهير :
فَضْل الجياد على الخيل البطاء فما ... يعطي بذلك ممنوناً ولا نزقا
الثالث : غير مقطوع ، قاله ابن عيسى ، مأخوذ من مننت الحبل إذا قطعته ، قال ذو الأصبع العدواني :
إني لعمرك ما بابي بذي غلق ... على الصديق ولا خيري بممنون
الرابع : غير ممنون عليهم به ، قاله السدي .

(4/47)


قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)

قوله عز وجل : { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } قال ابن عباس خلقها في يومي الأحد والاثنين ، وخلقها في يومين أدل على القدرة والحكمة من خلقها دفعة واحدة في طرفة عين ، لأنه أبعد من أن يظن به الاتفاق والطبع ، وليرشد خلقه إلى الأناة في أمورهم .
{ وتجعلون له أنداداً } فيه أربعة أوجه :
أحدها : أشباهاً ، قاله ابن عباس .
الثاني : شركاء ، قاله أبو العالية .
الثالث : كفواً من الرجال تطيعونهم في معاصي الله تعالى قاله السدي .
الرابع : هو قول الرجل لولا كلبة فلان لأتي اللصوص ، ولولا فلان لكان كذا ، رواه عكرمة عن ابن عباس .
قوله عز وجل : { وجعل فيها رواسي من فوقها } اي جبالاً ، وفي تسميتها رواسي وجهان :
أحدهما : لعلوّ رءوسها .
الثاني : لأن الأرض بها راسية أو لأنها على الأرض ثابتة راسية .
{ وبارك فيها } فيه وجهان :
أحدهما : أي أنبت شجرها من غير غرس وأخرج زرعها من غيره بذر ، قال السدي .
الثاني : أودعها منافع أهلها وهو معنى قول ابن جريج .
{ وقَدَّر فيه أقواتها } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : قدر أرزاق أهلها ، قاله الحسن .
الثاني : قدر فيها مصالحها من جبهالها وبحارها وأنهارها وشجرها ودوابها قاله قتادة .
الثالث : قدر فيها أقواتها من المطر ، قاله مجاهد .
الرابع : قدر في كل بلدة منها ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد ، قاله عكرمة .
{ في أربعة أيام } يعني تتمة أربعة أيام ، ومنه قول القائل : خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام ، وإلى الكوفة في خمسة عشر يوماً ، أي في تتمة خمسة عشريوماً .
وقد جاء في الحديث المرفوع أن الله عز وجل خلق الأرض يوم الأحد والاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء ، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والخراب والعمران ، فتلك أربعة أيام ، وخلق يوم الخميس السماء ، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة وآدم .
وفي خلقها شيئاً بعد شيء قولان :
أحدهما : لتعتبر به الملائكة الذين أحضروا .
والثاني : ليعتبر به العباد الذين أخبروا .
{ سواء للسائلين } فيه تأويلان :
أحدهما : سواء للسائلين عن مبلغ الأجل في خلق الله الأرض ، قاله قتادة .
الثاني : سواء للسائلين في أقواتهم وأرزقاهم .
قوله عز وجل : { ثم استوى إلى السماء وهي دخان } فيه وجهان :
أحدهما : عمد إلى السماء ، قاله ابن عيسى .
الثاني : استوى أمره إلى السماء ، قاله الحسن .
{ فقال لها واللأرض ائتيا طوْعاً أو كرهاً } فيه قولان :
أحدهما : أنه قال ذلك قبل خلقها ، ويكون معنى ائتيا اي كونا فكانتا كما قال تعالى { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كُن فيكون } قاله ابن بحر .
الثاني : قول الجمهور أنه قال ذلك لهما بعد خلقهما .
فعلى هذا يكون في معناها أربع تأويلات :
أحدها : معناه أعطيا الطاعة في السير المقدر لكما طوعاً أو كرهاً أي اختياراً أو إجباراً قاله سعيد بن جبير .

(4/48)


الثاني : ائتيا عبادتي ومعرفتي طوعاً أو كرهاً باختيار أو غير اختيار .
الثالث : ائتيا بما فيكما طوعاً أو كرهاً ، حكاه النقاش .
الرابع : كونا كما أمرت من شدة ولين ، وحزن وسهل ومنيع وممكن ، قاله ابن بحر .
وفي قوله { لَهَا } وجهان :
أحدهما : أنه قول تكلم به .
الثاني : أنها قدرة منه ظهرت لهما فقام مقام الكلام في بلوغ المراد { قالتا أتينا طائعين } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : معناه أعطينا الطاعة ، رواه طاووس .
الثاني : أتينا بما فينا . قال ابن عباس : أتت السماء بما فيها من الشمس والقمر والنجوم ، وأتت الأرض بما فيها من الأشجار والأنهار والثمار .
الثالث : معناه كما أراد الله أن نكون ، قاله ابن بحر . وفي قولهما وجهان :
أحدهما : أنه ظهور الطاعة منهما قائم مقام قولهما .
الثاني : أنهما تكلمتا بذلك . قال أبو النصر السكسكي : فنطق من الأرض موضع الكعبة ونطق من السماء ما بحيالها فوضع الله فيها حرمه .
قوله عز وجل : { فقضاهن سبع سماوات في يومين } أي خلقهن سبع سماوات في يومين ، قيل يوم الخميس والجمعة ، قال السدي : سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات وخلق الأرضين . وقالت طائفة خلق السماوات قبل الأرضين في يوم الأحد والاثنين ، وخلق الأرضين والجبال في يوم الثلاثاء والأربعاء ، وخلق ما سواهما من العالم يوم الخميس والجمعة ، وقالت طائفة ثالثة أنه خلق السماء دخاناً قبل الأرض ثم فتقها سبع سماوات بعد الأرضين والله أعلم بما فعل فقد اختلفت فيه الأقاويل وليس للاجتهاد فيه مدخل .
{ وأوحى في كلِّ سماءٍ أمرها } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه أسكن في كل سماء ملائكتها ، قاله الكلبي .
الثاني : خلق في كل سماء خلقها خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وصلاحها ، قاله قتادة .
الثالث : أوحى إلى أهل كل سماء من الملائكة ما أمرهم به من العبادة ، حكاه ابن عيسى .
{ وزينا السماءَ الدنيا بمصابيح وحِفْظاً } أي جعلناها زينة وحفظاً .

(4/49)


فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18)

قوله عز وجل : { إذ جاءتهم الرسلُ مِن بين أيديهم ومِن خلفهم } فيه وجهان :
أحدهما : أرسل من قبلهم ومن بعدهم ، قاله ابن عباس والسدي .
الثاني : ما بين أيديهم عذاب الدنيا ، وما خلفهم عذاب الآخرة ، قاله الحسن .
قوله عز وجل : { فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه الشديدة البرد ، قاله عكرمة وسعيد بن جبير ، وأنشد قطرب قول الحطيئة :
المطعمون إذا هبت بصرصرة ... والحاملون إذا استودوا على الناس
استودوا أي سئلوا الدية .
الثاني : الشديدة السموم ، قاله مجاهد .
الثالث : الشديدة الصوت ، قاله السدي مأخوذ من الصرير ، وقيل إنها الدبور .
{ في أيام نحسات } فيها أربعة أقاويل :
أحدها : مشئومات ، قاله مجاهد وقتادة ، كن آخر شوال من يوم الأربعاء إلى يوم الأربعاء وذلك { سبع ليال وثمانية أيام حسوماً } قال ابن عباس : ما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء .
الثاني : باردات ، حكاه النقاش .
الثالث : متتابعات ، قاله ابن عباس وعطية .
الرابع : ذات غبار ، حكاه ابن عيسى ومنه قول الراجز :
قد أغتدي قبل طلوع الشمس ... للصيد في يوم قليل النحس
قوله عز وجل : { وأمّا ثمود فهديناهم } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : دعوناهم ، قاله سفيان .
الثاني : بيّنا لهم سبيل الخير والشر ، قاله قتادة .
الثالث : أعلمناهم الهدى من الضلالة ، قاله عبد الرحمن بن زيد .
{ فاستحبوا العَمى على الهدى } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : اختاروا العمى على البيان ، قاله أبو العالية .
الثاني : اختاروا الكفر على الإيمان .
الثالث : اختاروا المعصية على الطاعة ، قاله السدي .
{ فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } وفي الصاعقة هنا أربعة أقاويل :
أحدها : النار ، قاله السدي .
الثاني : الصيحة من السماء ، قاله مروان بن الحكم .
الثالث : الموت وكل شيء أمات ، قاله ابن جريج .
الرابع : أن كل عذاب صاعقة ، وإنما سميت صاعقة لأن كل من سمعها يصعق لهولها .
وفي { الهون } وجهان :
أحدهما : الهوان ، قاله السدي .
الثاني : العطش ، حكاه النقاش .

(4/50)


وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)

قوله عز وجل : { فهم يوزعُون } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : يدفعون ، قاله ابن عباس .
الثاني : يساقون ، قاله ابن زيد .
الثالث : يمنعون من التصرف ، حكاه ابن عيسى .
الرابع : يحبس أولهم على آخرهم ، قاله مجاهد ، وهو مأخوذ من وزعته أي كففته .
قوله عز وجل : { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : لفروجهم ، قاله ابن زيد .
الثاني : لجلودهم أنفسها وهو الظاهر .
الثالث : أنه يراد بالجلود الأيدي والأرجل ، قاله ابن عباس وقيل إن أول ما يتكلم منه فخذه الأيسر وكفه الأيمن .
قوله عز وجل : { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني وما كنتم تتقون ، قاله مجاهد .
الثاني : وما كنتم تظنون ، قاله قتادة .
الثالث : وما كنتم تستخفون منها ، قاله السدي . قال الكلبي : لأنه لا يقدر على الاستتار من نفسه .
{ ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون } حكى ابن مسعود أنها نزلت في ثلاثة نفر تسارّوا فقالوا أترى الله يسمع إسرارنا؟
قوله عز وجل : { وإن يستعتبوا فيما هم مِن المعتبين } فيه خمسة أوجه :
أحدها : معناه وإن يطلبوا الرضا فما هم بمرضى عنهم ، والمعتب : الذي قُبل عتابه وأُجيب إلى سؤاله ، قاله ابن عيسى .
الثاني : إن يستغيثوا فما هم من المغاثين .
الثالث : وإن يستقيلوا فما هم من المقالين .
الرابع : وإن يعتذروا فما هم من المعذورين .
الخامس : وإن يجزعوا فما هم من الآمنين .
قال ثعلب : يقال عتب إذا غضب ، وأعتب إذا رضي .

(4/51)


وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)

قوله عز وجل : { وقيضنا لهم قرناءَ } فيه قولان :
أحدهما : هيأنا لهم شياطين ، قاله النقاش .
الثاني : خلينا بينهم وبين الشياطين ، قاله ابن عيسى .
{ فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم } فيه أربعة تأويلات :
أحدها ما بين أيديهم من أمر الدنيا ، وما خلفهم من أمر الآخرة ، قاله السدي ومجاهد .
الثاني : ما بين أيديهم من أمر الآخرة فقالوا لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب ، وما خلفهم من أمر الدنيا فزينوا لهم اللذات ، قاله الكلبي .
الثالث : ما بين أيديهم هو فعل الفساد في زمانهم ، وما خلفهم هو ما كان قبلهم ، حكاه ابن عيسى .
الرابع : ما بين أيديهم ما فعلوه ، وما خلفهم ما عزموا أن يفعلوه .
ويحتمل خامساً : ما بين أيديهم من مستقبل الطاعات أن لا يفعلوها ، وما خلفهم من سالف المعاصي أن لا يتوبوا منها .
قوله عز وجل : { وقال الذين كفروا لا تسمعُوا لهذا القرآن } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لا تتعرضوا لسماعه .
الثاني : لا تقبلوه .
الثالث : لا تطيعوه من قولهم السمع والطاعة .
{ والغوا فيه } وفيه أربعة تأويلات :
أحدها : يعني قعوا فيه وعيبوه ، قاله ابن عباس .
الثاني : جحدوه وأنكروه ، قاله قتادة .
الثالث : عادوه ، رواه سعيد بن أبي عروبة .
الرابع : الغوا فيه بالمكاء والتصدية ، والتخليط في النطق حتى يصير لغواً ، قاله مجاهد .
قوله عز وجل : { وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضَلاّنا من الجن والإنس } فيهما قولان :
أحدهما : دعاة الضلالة من الجن والإنس ، حكاه بن عيسى .
الثاني : أن الذي من الجن إبليس ، يدعوه كل من دخل النار من المشركين ، والذي من الإنس ابن آدم القاتل أخاه يدعوه كل عاص من الفاسقين ، قاله السدي .
وفي قوله : { أرنا اللذَين } وجهان :
أحدهما : أعطنا اللذين أضلانا .
الثاني : أبصرنا اللذين أضلانا .
{ نجعلهما تحت أقدامنا } يحتمل وجهين :
أحدهما : انتقاماً منهم .
الثاني : استذلالاً لهم .
{ ليكونا من الأسفلين } يعني في النار ، قالوا ذلك حنقاً عليهما وعداوة لها .
ويحتمل قوله { من الأسفلين } وجهين :
أحدهما : من الأذلين .
الثاني : من الأشدين عذاباً لأن من كان في أسفل النار كان أشد عذاباً .

(4/52)


إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)

قوله عز وجل : { إن الذين قالوا ربنا اللّهُ } قال ابن عباس : وحّدوا الله تعالى .
{ ثم استقاموا } فيه خمسة أوجه :
أحدها : ثم استقاموا على أن الله ربهم وحده ، وهو قول أبي بكر رضي الله عنه ومجاهد .
الثاني : استقاموا على طاعته وأداء فرائضه ، قاله ابن عباس والحسن وقتادة .
الثالث : على إخلاص الدين والعلم إلى الموت ، قاله أبو العالية والسدي .
الرابع : ثم استقاموا في أفعالهم كما استقاموا في أقوالهم .
الخامس : ثم استقاموا سراً كما استقاموا جهراً .
ويحتمل سادساً : أن الاستقامة أن يجمع بين فعل الطاعات واجتناب المعاصي لأن التكليف يشتمل على أمر بطاعة تبعث على الرغبة ونهي عن معصية يدعو إلى الرهبة .
{ تتنزل عليهم الملائكة } فيه قولان :
أحدهما : تتنزل عليهم عند الموت ، قاله مجاهد وزيد بن أسلم .
الثاني : عند خروجهم من قبورهم للبعث ، قاله ثابت ومقاتل .
{ ألا تخافوا ولا تحزنوا } فيه تأويلان :
أحدهما : لا تخافوا أمامكم ولا تحزنوا على ما خلفكم ، قاله عكرمة .
الثاني : لا تخافوا ولا تحزنوا على أولادكم . وهذا قول مجاهد .
{ وأبشروا بالجنة } الآية . قيل إن بشرى المؤمن في ثلاثة مواطن : أحدها عند الموت ، ثم في القبر ، ثم بعد البعث .
قوله عز وجل : { نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة } فيه وجهان :
أحدهما : نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا وأولياؤكم في الآخرة ، قاله السدي .
الثاني : نحفظكم في الحياة الدنيا ولا نفارقكم في الآخرة حتى تدخلوا الجنة .
ويحتمل ثالثاً : نحن أولياؤكم في الدنيا بالهداية وفي الآخرة بالكرامة .
{ ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم } فيه وجهان :
أحدهما : أنه الخلود لأنهم كانوا يشتهون البقاء في الدنيا ، قاله ابن زيد .
الثاني : ما يشتهونه من النعيم ، قاله أبو أمامة .
{ ولكم فيها ما تدَّعون } فيه وجهان :
أحدهما : ما تمنون ، قاله مقاتل .
الثاني : ما تدعي أنه لك فهو لك بحكم ربك ، قاله ابن عيسى .
{ نزلاً } فيه أربعة أوجه :
أحدها : يعني ثواباً .
الثاني : يعني منزلة .
الثالث : يعني منّاً ، قاله الحسن .
الرابع : عطاء ، مأخوذ من نزل الضيف ووظائف الجند { من غفور رحيم }

(4/53)


وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)

قوله عز وجل : { ومَن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله } الآية . فيه قولان :
أحدهما : أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله الحسن والسدي .
الثاني : أنهم المؤمنون دعوا إلى الله ، قاله قيس بن أبي حازم ومجاهد .
{ وعمل صالحاً } فيه قولان :
أحدهما : أنه أداء الفرائض ، قاله الكلبي .
الثاني : أنهم المصلون ركعتين بين الأذان والإقامة ، قالته عائشة رضي الله عنها .
وروى هشام بن عروة عن عائشة قالت : كان بلال إذا قام يؤذن قالت اليهود قام غراب - لا قام- فنادى بالصلاة ، وإذا ركعوا في الصلاة قالوا قد جثوا - لا جثوا- فنزلت هذه الآية في بلال والمصلين .
قوله عز وجل : { ولا تستوي الحسنةُ ولا السيئةُ } فيه ستة تأويلات :
أحدها : أن الحسنة المداراة ، والسيئة الغلظة ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : الحسنة الصبر والسيئة النفور .
الثالث : الحسنة الإيمان ، والسيئة الشرك ، قاله ابن عباس .
الرابع : الحسنة العفو والسيئة الانتصار ، حكاه ابن عمير .
الخامس : الحسنة الحلم والسيئة الفحش ، قاله الضحاك .
السادس : الحسنة حب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم والسيئة بغضهم ، قاله علي كرم الله وجهه .
{ ادفع بالتي هي أحسنُ } فيه وجهان :
أحدهما : ادفع بحلمك جهل من يجهل ، قاله ابن عباس .
الثاني : ادفع بالسلامة إساءة المسيء ، قاله عطاء .
ويحتمل ثالثاً : ادفع بالتغافل إساءة المذنب ، والذنب من الأدنى ، والإساءة من الأعلى .
{ فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه ولي حميمٌ } قاله عكرمة : الولي الصديق ، والحميم القريب .
وقيل هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمره بالصبر عليه والصفح عنه .
قوله عز وجل : { وما يلقاها إلا الذين صبروا } فيه وجهان :
أحدهما : ما يلقى دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا على الحلم .
الثاني : ما يلقى الجنة إلا الذين صبروا على الطاعة .
{ وما يلقاها إلا ذو حَظٍ عظيمٍ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : ذو جد عظيم ، قاله السدي .
الثاني : ذو نصيب [ وافر ] من الخير ، قاله ابن عباس .
الثالث : أن الحظ العظيم الجنة . قال الحسن : والله ما عظم حظ قط دون الجنة .
ويحتمل رابعاً : أنه ذو الخلق الحسن .
قوله عز وجل : { وإما ينزغنك مِن الشيطان نزغ } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : أنه النزغ الغضب ، قاله ابن زيد .
الثاني : أنه الوسوسة وحديث النفس ، قاله السدي .
الثالث : أنه النجس ، قاله ابن عيسى .
الرابع : أنه الفتنة ، قاله ابن زياد .
الخامس : أنه الهمزات ، قاله ابن عباس .
{ فاستعذ بالله } أي اعتصم بالله .
{ إنه هو السميع } لاستعاذتك { العليم } بأذيتك .

(4/54)


وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)

قوله عز وجل : { ومن آياته الليل والنهار } ووجه الآيات فيهما تقديرهما على حد مستقر ، وتسييرهما على نظم مستمر ، يتغايران لحكمة ويختلفان لمصلحة .
{ والشمس والقمر } ووجه الآية فيهما ما خصهما به من نور ، وأظهره فيهما من تدبير وتقدير .
{ لا تسجُدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن } قال الزجاج : أي خلق هذه الآيات .
وفي موضع السجود من هذه الآية قولان :
أحدهما : عند قوله { إن كنتم إياه تعبدون } قاله ابن مسعود والحسن .
الثاني : عند قوله { وهم لا يسأمون } قاله ابن عباس وقتادة .
قوله عز وجل : { ومِن آياته أنك ترىلأرض خاشعةً } فيه وجهان :
أحدهما : غبراء دراسة ، قاله قتادة .
الثاني : ميتة يابسة ، قاله السدي .
ويحتمل ثالثاً : ذليلة بالجدب لأنها مهجورة ، وهي إذا أخصبت عزيزة لأنها معمورة .
{ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } فيه وجهان :
أحدهما : اهتزت بالحركة للنبات ، وربت بالارتفاع قبل أن تنبت ، قاله مجاهد .
الثاني : اهتزت بالنبات وربت بكثرة ريعها ، قاله الكلبي . فيكون على قول مجاهد تقديم وتأخير تقديره : ربت واهتزت .
{ إن الذي أحياها لمحيي الموتى } الآية ، جعل ذلك دليلاً لمنكري البعث على إحياء الخلق بعد الموت استدلالاً بالشاهد على الغائب .

(4/55)


إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43)

قوله عز وجل : { إن الذين يلحدون في آياتنا } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : يكذبون بآياتنا ، قاله قتادة .
الثاني : يميلون عن آياتنا ، قاله أبو مالك .
الثالث : يكفرون بنا ، قاله ابن زيد .
الرابع : يعاندون رسلنا ، قاله السدي .
الخامس : هو المكاء والتصفيق عند تلاوة القرآن ، قاله مجاهد .
{ لا يخفون علينا } وهذا وعيد .
{ أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أن الذي يلقى في النار أبو جهل ، والذي يأتي آمناً عمار بن ياسر ، قاله عكرمة .
الثاني : أن الذي يلقى في النار أبو جهل ، والذي يأتي آمنا يوم القيامة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قاله ابن زياد .
الثالث : أن الذي يلقى في النار أبو جهل وأصحابه قال الكلبي ، والذي يأتي آمناً رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله مقاتل .
الرابع : أنهاعلى العموم فالذي يلقى في النار الكافر ، والذي يأتي آمناً يوم القيامة المؤمن ، قاله ابن بحر .
{ اعملوا ما شئتم } هذا تهديد .
{ إنه بما تعملون بصير } وعيد ، فهدد وتوعد .
قوله عز وجل : { إنّ الذين كفروا بالذكر لما جاءهم } الذكر هنا القرآن في قول الجميع ، وله جواب محذوف تقديره : هالكون أو معذبون .
{ وإنه لكتابٌ عزيز } فيه وجهان :
أحدهما : عزيز من الشيطان أن يبدله ، قاله السدي .
الثاني : يمتنع على الناس أن يقولوا مثله ، قاله ابن عباس .
{ لا يأتيه الباطل } في { الباطل } هنا أربعة أقاويل :
أحدها : أنه إبليس ، قاله قتادة .
الثاني : أنه الشيطان ، قاله ابن جريج .
الثالث : التبديل ، قاله مجاهد .
الرابع : التعذيب ، قاله سعيد .
ويحتمل خامساً : أن الباطل التناقض والاختلاف .
{ من بين يديه ولا من خلفِه } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لا يأتيه الباطل من كتاب قبله ، ولا يأتيه من كتاب بعده ، قاله قتادة .
الثاني : لا يأتيه الباطل من أول التنزيل ولا من آخره .
الثالث : لا يأتيه الباطل في إخباره عما تقدم ولا في إخباره عما تأخر ، قاله ابن جريج .
ويحتمل رابعاً : ما بين يديه : لفظه وما خلفه : تأويله ، فلا يأتيه الباطل في لفظ ولا تأويل :
{ تنزيل من حكيم حميد } قال قتادة : حكيم في أمره حميد إلى خلقه .
قوله عز وجل : { ما يُقالُ لك إلا ما قد قِيل للرسل من قبلك } فيه وجهان :
أحدهما : ما يقول المشركون لك إلا ما قاله من قبلهم لأنبيائهم إنه ساحر أو مجنون ، قاله قتادة .
الثاني : ما تخبر إلا بما يخبر الأنبياء قبلك ب { إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم } حكاه ابن عيسى وقاله الكلبي .

(4/56)


وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45)

قوله عز وجل : { ولو جعلناه قرآناً أعجمياً } فيه وجهان :
أحدهما : يعني بالأعجمي غير المبين وإن كان عربيّاً ، قاله المفضل .
الثاني : بلسان أعجمي .
{ لقالوا لولا فصلت آياته } أي بينت آياته لنا بالعربية على الوجه الثاني ، والفصح على الوجه الأول .
{ ءاعجميٌ } فيه وجهان :
أحدهما : كيف يكون القرآن أعجمياً ومحمد صلى الله عليه وسلم عربي؟ قاله سعيد بن جبير .
الثاني : كيف يكون القرآن أعجميّاً ونحن قوم عرب؟ قاله السدي . قال مجاهد أعجمي الكلام وعربي الرجل .
{ قل هو للذين آمنوا هُدىً وشفاءٌ } يحتمل وجهين :
أحدهما : هدى للأبصار وشفاء للقلوب .
الثاني : هدى من الضلال وشفاء من البيان .
{ والذين لا يؤمنون في آذنهم وقرٌ } أي صمم .
{ وهو عليهم عَمىً } أي حيرة ، وقال قتادة : عموا عن القرآن وصموا عنه .
{ أولئك ينادون من مكان بعيد } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : من مكان بعيد من قلوبهم ، قاله علي كرم الله وجهه ومجاهد .
الثاني : من السماء ، حكاه النقاش .
الثالث : ينادون بأبشع أسمائهم ، قاله الضحاك .
ويحتمل رابعاً : من مكان بعيد من الإجابة .

(4/57)


مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48)

قوله عز وجل : { وَظَنُّواْ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ } فيه وجهان :
أحدهما : علمواْ ما لهم من معدل .
الثاني : استيقنوا أن ليس لهم ملجأ من العذاب ، قاله السدي ، وقد يعبر بالظن عن اليقين فيما طريقه الخبر دون العيان لأن الخبر محتمل والعيان غير محتمل .

(4/58)


لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51)

قوله عز وجل : { لاَّ يَسْأَمُ الإِنسَانُ مِن دُعَآءِ الْخَيْرِ } أي لا يمل من دعائه بالخير ، والخير هنا المال والصحة ، قاله السُدي ، والإنسان هنا يراد به الكافر .
{ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } يعني الفقر والمرض ، ويحتمل وجهين :
أحدهما : يؤوس من الخير قنوط من الرحمة .
الثاني : يؤوس من إجابة الدعاء ، قنوط بسوء الظن بربه .
قوله عز وجل : { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ } يحتمل وجهين :
أحدهما : رخاء بعد شدة .
الثاني : غنى بعد فقر .
{ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي } فيه وجهان :
أحدهما : هذا باجتهادي .
الثاني : هذا باستحقاقي .
{ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً } إنكاراً منه للبعث والجزاء مع ما حظ به من النعمة والرخاء ودفع عنه من الضر والبلاء .
{ وَلَئِنِ رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى } الآية . إن كان كما زعمتم رجعة وجزاء فإن لي عنده آجلاً مثل ما أولانيه عاجلاً . وقيل إنها نزلت في النضر بن الحارث .
قوله عز وجل : { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَئَا بِجَانِبِه } يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : أعرض عن الإيمان وتباعد من الواجب .
الثاني : أعرض عن الشكر وبعد من الرشد .
الثالث : أعرض عن الطاعة وبعد من القبول .
{ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } فيه وجهان :
أحدهما : تام لخلوص الرغبة فيه .
الثاني : كثير لدوام المواصلة له ، وهو معنى قول السدي ، وإنما وصف التام والكثير بالعريض دون الطويل لأن العرض يجمع طولاً وعرضاً فكان أعم ، قال ابن عباس : الكافر يعرف ربه في البلاء ولا يعرفه في الرخاء .

(4/59)


قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)

قوله عز وجل : { سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ } فيه خمسة أقاويل :
أحدها : أن في الآفاق فتح أقطار الأرض ، وفي أنفسهم فتح مكة ، قاله السدي .
الثاني : في الآفاق ما أخبر به من حوادث الأمم ، وفي أنفسهم ما أنذرتهم به من الوعيد .
الثالث : أنها في الآفاق آيات السماء وفي أنفسهم حوادث الأرض .
الرابع : أنها في الآفاق إمساك القطر عن الأرض كلها وفي أنفسهم البلاء الذي يكون في أجسادهم ، قاله ابن جريج .
الخامس : أنها في الآفاق انشقاق القمر ، وفي أنفسهم كيف خلقناهم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ، وكيف إدخال الطعام والشراب من موضع واحدٍ وإخراجه من موضعين آخرين ، قاله الضحاك .
{ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } فيه وجهان :
أحدهما : يتبين لهم أن القرآن حق .
الثاني : أن ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم إليه حق .
{ أَولَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ } يعني أولم يكفك من ربك .
{ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } يحتمل وجهين :
أحدهما : عليم .
الثاني : حفيظ .
قوله عز وجل : { أَلآ إِنَّهُمْ في مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ } قال السُّدي في شكٍ من البعث .
{ أَلآ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ } فيه وجهان :
أحدهما : أحاط علمه بكل شيء ، قاله السدي .
الثاني : أحاطت قدرته بكل شيء ، قاله الكلبي .

(4/60)


حم (1) عسق (2) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6)

قوله عز وجل : { حم عسق } فيه سبعة تأويلات .
أحدها : أنه اسم من أسماء القرآن ، قاله قتادة .
الثاني : أنه اسم من أسماء الله أقسم به ، قاله ابن عباس .
الثالث : فواتح السور ، قاله مجاهد .
الرابع : أنه اسم الجبل المحيط بالدنيا ، قاله عبد الله بن بريدة .
الخامس : أنها حروف مقطعة من أسماء الله فالحاء والميم من الرحمن والعين من العليم ، والسين من القدوس ، والقاف من القاهر ، قاله محمد بن كعب . السادس : أنها حروف مقطعة من حوادث آتية ، فالحاء من حرب والميم من تحويل ملك ، والعين من عدو مقهور ، والسين من استئصال سنين كسني يوسف ، والقاف من قدرة الله في ملوك الأرض ، قاله عطاء .
السابع : ما حُكي عن حذيفة بن اليمان أنها نزلت في رجلٍ يقال له عبد الإله كان في مدينة على نهر بالمشرق خسف الله بها ، فذلك قوله حم يعني عزيمة من الله تعالى ، عين يعني عدلاً منه : سين يعني سكون ، قاف يعني واقعاً بهم .
وكان ابن عباس يقرؤها : { حم سق } بغير عين ، وهي في مصحف ابن مسعود كذلك حكاه الطبري .
قوله عز وجل : { تَكَادُ السَّمَواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : يتشققن فَرَقاً من عظمة الله ، قاله الضحاك والسُّدي ، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
ليت السماء تفطرت أكنافها ... وتناثرت منها نجوم
الثاني : من علم الله ، قاله قتادة .
الثالث : ممن فوقهن ، قاله ابن عباس .
الرابع : لنزول العذاب منهن .
{ وَالْمَلآئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } فيه وجهان :
أحدهما : بأمر ربهم ، قاله السدي .
الثاني : بشكر ربهم .
وفي تسبيحهم قولان :
أحدهما : تعجباً مما يرون من تعرضهم لسخط الله ، قاله علي رضي الله عنه .
الثاني : خضوعاً لما يرون من عظمة الله ، قاله ابن عباس .
{ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَمَن فِي الأَرْضِ } فيه قولان :
أحدهما : لمن في الأرض من المؤمنين ، قاله الضحاك والسدي .
الثاني : للحسين بن علي رضي الله عنهما ، رواه الأصبغ بن نباتة عن علي كرم الله وجهه .
وسبب استغفارهم لمن في الأرض ما حكاه الكلبي أن الملائكة لما رأت الملكين اللذين اختبرا وبعثا إلى الأرض ليحكما بينهم ، فافتتنا بالزهرة وهربا إلى إدريس وهو جد أبي نوح عليه السلام ، وسألاه أن يدعو لهما سبحت الملائكة بحمد ربهم واستغفرت لبني آدم .
وفي استغفارهم قولان :
أحدهما : من الذنوب والخطايا . وهو ظاهر قول مقاتل .
الثاني : أنه طلب الرزق لهم والسعة عليهم ، قاله الكلبي .
وفي هؤلاء الملائكة قولان :
أحدهما : أنهم جميع ملائكة السماء وهو الظاهر من قول الكلبي .
الثاني : أنهم حملة العرش . قال مقاتل وقد بين الله ذلك من حم المؤمن فقال { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ } وقال مطرف : وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة ، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشياطين .

(4/61)


وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8)

قوله عز وجل : { وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } قال الضحاك أهل دين واحد أهل ضلالة أو أهل هدى .
{ وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فَِي رَحْمَتِهِ } قال أنس بن مالك : في الإسلام .
{ وَالْظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ } يمنع { وَلاَ نَصِيرٍ } يدفع .

(4/62)


أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12)

قوله عز وجل : { جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً } يعني ذكوراً وإناثاً .
{ وَمِنَ الأَنْعَامِ أزْوَاجاً } يعني ذكوراً وإناثاً .
{ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } وفيه ستة تأويلات :
أحدها : يخلقكم فيه ، قاله السدي .
الثاني : يكثر نسلكم فيه ، قاله الفراء .
الثالث : يعيشكم فيه ، قاله قتادة .
الرابع : يرزقكم فيه ، قاله ابن زيد .
الخامس : يبسطكم فيه ، قاله قطرب .
السادس : نسلاً من بعد نسل من الناس والأنعام ، قاله مجاهد .
{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } فيه وجهان :
أحدهما : ليس كمثل الرجل والمرأة شيء ، قاله ابن عباس ، والضحاك .
الثاني : ليس كمثل الله شيء وفيه وجهان :
أحدهما : ليس مثله شيء والكاف زائدة للتوكيد ، قال الشاعر :
سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم ... ما إن كمثلهم في الناس من أحد
الثاني : ليس شيء ، والمثل زائد للتوكيد ، قاله ثعلب .
قوله عز وجل : { لَهُ مَقَالِيدُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ } فيه قولان :
أحدهما : خزائن السموات والأرض ، قاله السدي .
الثاني : مفاتيح السموات والأرض ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، والضحاك .
ثم فيهما قولان :
أحدهما : أنه المفاتيح بالفارسية ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه عربي جمع واحده إقليد ، قاله ابن عيسى .
وفيما هو مفاتيح السموات والأرض خمسة أقاويل :
أحدها : أن مفاتيح السماء المطر ومفاتيح الأرض النبات .
الثاني : أنها مفاتيح الخير والشر .
الثالث : أن مقاليد السماء الغيوب ، ومقاليد الأرض الآفات .
الرابع : أن مقاليد السماء حدوث المشيئة ، ومقاليد الأرض ظهور القدرة .
الخامس : أنها قول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده ، وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، هو الأول والآخر والظاهر والباطن ، بيده الخير يحيي ويميت وهوعلى كل شيء قدير ، رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قاله وعلمه لعثمان بن عفان وقد سأله عن مقاليد السماء والأرض .
{ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ } فيه وجهان :
أحدهما : يوسع ويضيق .
الثاني : يسهل ويعسر .
{ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } من البسط والقدرة .

(4/63)


شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)

قوله عز وجل : { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً } وفي { شَرَعَ لَكُم } أربعة أوجه :
أحدها : سن لكم .
الثاني : بيَّن لكم .
الثالث : اختار لكم ، قاله الكلبي .
الرابع : أوجب عليكم .
{ مِنَ الدِّينِ } يعني الدين ومن زائدة في الكلام .
وفي { مَا وَصَّى بِهِ نوحاً } وجهان :
أحدهما : تحريم الأمهات والبنات والأخوات ، لأنه أول نبي أتى أمته بتحريم . ذلك ، قاله الحكم .
الثاني : تحليل الحلال وتحريم الحرام ، قاله قتادة .
{ وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ } فيه وجهان :
أحدهما : اعملوا به ، قاله السدي .
الثاني : ادعوا إليه . قال مجاهد : دين الله في طاعته وتوحيده واحد .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : جاهدوا عليه من عانده .
{ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ } وفيه وجهان :
أحدهما : لا تتعادوا عليه ، وكونوا عليه إخواناً ، قاله أبو العالية .
الثانية : لا تختلفوا فيه فإن كل نبي مصدق لمن قبله ، قاله مقاتل .
{ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } قاله قتادة : من شهادة أن لا إله إلا الله .
ويحتمل أن يكون من الاعتراف بنبوته ، لأنه عليهم أشد وهم منه أنفر .
{ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ } الآية . فيه وجهان :
أحدهما : يجتبي إليه من يشاء هو من يولد على الإسلام .
{ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } هو من يسلم من الشرك ، قاله الكلبي .
الثاني : يستخلص إليه من يشاء . قاله مجاهد ويهدي إليه من يقبل على طاعته ، قاله السدي .
قوله عز وجل : { وَمَا تَفَرَّقُواْ } فيه وجهان :
أحدهما : عن محمد صلى الله عليه وسلم .
الثاني : في القرآن .
{ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءهُمُ الْعِلْمُ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : إلا من بعد ما تبحروا في العلم ، قاله الأعمش .
الثاني : إلا من بعد ما علمواْ أن الفرقة ضلال ، قاله ابن زياد .
الثالث : إلا من بعد ما جاءهم القرآن ، وسماه علماً لأنه يتعلم منه .
{ بَغْياً بَيْنَهُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : لابتغاء الدنيا وطلب ملكها ، قاله أُبي بن كعب .
الثاني : لبغي بعضهم على بعض ، قاله سعيد بن جبير .
{ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِكَّ } فيه وجهان :
أحدهما : في رحمته للناس على ظلمهم .
الثاني : في تأخير عذابهم ، قال قتادة .
{ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى قيام الساعة لأن الله تعالى يقول : { بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُم } الآية .
ويحتمل إلى الأجل الذي قُضِيَ فيه بعذابهم .
{ لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ } أي لعجل هلاكهم .
{ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُواْ الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ } فيهم قولان :
أحدهما : أنهم اليهود والنصارى ، قاله السدي .
الثاني : أنهم نبئوا من بعد الأنبياء ، قاله الربيع .
{ لفِي شَكٍ مِّنْهُ مُريبٍ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لفي شك من القرآن ، قاله الربيع .
الثاني : لفي شك من الإخلاص ، قاله أبو العالية .
الثالث : لفي شك من صدق الرسول ، قاله السدي .

(4/64)


فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)

قوله عز وجل : { فَلِذَالِكَ فَادْعُ } معناه فإلى ذلك فادع ، وفي المراد بذلك وجهان :
أحدهما : القرآن ، قاله الكلبي .
الثاني : التوحيد ، قاله مقاتل .
وفي قوله : { فَادْعُ } وجهان :
أحدهما : فاعتمد .
الثاني : فاستدع .
{ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ . . . } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : واستقم على أمر الله ، قاله قتادة .
الثاني : على القرآن ، قاله سفيان .
الثالث : فاستقم على تبليغ الرسالة ، قاله الضحاك .
وفي قوله : { . . . وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُم } وجهان :
أحدهما : في الأحكام .
الثاني : في التبليغ .
وفي قوله : { لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } ثلاثة أوجه :
أحدها : لا خصومة بيننا وبينكم ، قاله مجاهد ، قال السدي : وهذه قبل السيف ، وقبل أن يؤمر بالجزية .
الثاني : معناه فإنكم بإظهار العداوة قد عدلتم عن طلب الحجة ، قاله ابن عيسى .
الثالث : معناه إنا قد أعذرنا بإقامة الحجة عليكم فلا حجة بيننا وبينكم نحتاج إلى إقامتها عليكم .
وقيل إن هذه الآية نزلت في الوليد ابن المغيرة وشيبة بن ربيعة وقد سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن دعوته ودينه إلى دين قريش على أن يعطيه الوليد نصف ماله ويزوجه شيبة بابنته .

(4/65)


وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (18)

قوله عز وجل : { وَالَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي اللَّهِ } فيه قولان :
أحدهما : في توحيد الله عز وجل .
الثاني : أنهم اليهود قالوا : كتابنا قبل كتابكم ، ونبينا قبل نبيكم ، ونحن خير منكم ، قاله قتادة .
{ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : من بعد ما أجابه الله إلى إظهاره من المعجزات .
الثاني : من بعد ما أجاب الله الرسول من المحاجة .
الثالث : من بعد ما استجاب المسلمون لربهم وآمنوا بكتابه ورسوله ، قاله ابن زيد .
{ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ } فيه وجهان :
أحدهما : باطلة ، قاله ابن عيسى .
الثاني : خاسرة ، قاله ابن زيد .
قوله عز وجل : { اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ } فيه وجهان : أحدهما : بالمعجز الدال على صحته .
الثاني : بالصدق فيما أخبر به من ماض ومستقبل .
{ وَالْمِيزَانَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه الجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب .
الثاني : أنه العدل فيما أمر به ونهى عنه ، قاله قتادة .
الثالث : أنه الميزان الذي يوزن به ، أنزله الله من السماء وعلم عباده الوزن به لئلا يكون بينهم تظالم وتباخس ، قال قتادة : الميزان العدل . { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ } فلم يخبره بها ، ولم يؤنث قريب لأن الساعة تأنيثها غير حقيقي لأنها كالوقت .

(4/66)


اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22)

قوله عز وجل : { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ } الآية . فيه وجهان :
أحدهما : أن الله تعالى يعطي على نية الآخرة من شاء من أمر الدنيا ، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا ، قاله قتادة .
الثاني : معناه من عمل للآخرة أعطاه الله بالحسنة عشر أمثالها ، ومن عمل للدنيا لم يزد على من عمل لها . { وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةَ مِن نَّصِيبٍ } في الجنة وهذا معنى قول ابن زيد وشبه العامل الطالب بالزارع لاجتماعهما في طلب النفع .

(4/67)


ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24)

قوله عز وجل : { قُل لاَّ أسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } فيه خمسة أوجه :
أحدها : معناه ألا تؤذوني في نفسي لقرابتي منكم ، وهذا لقريش خاصة لأنه لم يكن بطن من قريش إلا بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة ، قاله ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد ، وأبو مالك .
الثاني : معناه إلا أن تؤدوا قرابتي ، وهذا قول علي بن الحسين وعمرو بن شعيب والسدي . وروى مقسم عن ابن عباس قال : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيئاً فخطب فقال للأنصار « أَلَمْ تَكُونُواْ أَذِلاَّءَ فَأعِزَّكُمُ اللَّهُ بِي؟ أَلَمْ تَكُونُوا ضُلاَّلاً فَهَداَكُمْ اللَّهُ بِي؟ أَلَمْ تَكُونُوا خأَئِفِينَ فَأَمَّنَكُمُ اللَّهُ بِي؟ أَلاَ تَردُواْ عَلَيَّ » فقالواْ : بم نجيبك؟ فقال تَقُولُونَ : « أَلَمْ يَطْرُدْكَ قَوْمُكَ فَآوَيَنَاكَ؟ أَلَمْ يُكَذِّبْكَ قَومَكَ فَصَدَّقْنَاكَ؟ » فعد عليهم ، قال : فجثوا على ركبهم وقالواْ : أنفسنا وأموالنا لك « . فنزلت { قُل لاَّ أَسْأَلَكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } .
الثالث : معناه إلا أن توادوني وتؤازروني كما توادون وتؤازرون قرابتكم ، قاله ابن زيد .
الرابع : معناه إلا أن تتوددوا وتتقربوا إلى الله بالطاعة والعمل الصالح ، قاله الحسن ، وقتادة .
الخامس : معناه إلا أن تودوا قرابتكم وتصلوا أرحامكم ، قاله عبد الله بن القاسم .
{ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنةً } أي يكتسب ، وأصل القرف الكسب .
{ نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً } أي نضاعف له بالحسنة عشراً .
{ إِنَّ اللَّه غَفُورٌ شَكُورٌ } فيه وجهان :
أحدهما : غفور للذنوب ، شكور للحسنات ، قاله قتادة .
الثاني : غفور لذنوب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، شكور لحسناتهم ، قاله السدي .
قوله عز وجل : { فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أي ينسيك ما قد آتاك من القرآن ، قاله قتادة .
الثاني : معناه يربط على قلبك فلا يصل إليه الأذى بقولهم افترى على الله كذباً ، قاله مقاتل .
الثالث : معناه لو حدثت نفسك أن تفتري على الله كذباً لطبع الله على قلبك ، قاله ابن عيسى .
{ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : ينصر دينه بوعده .
الثاني : يصدق رسوله بوحيه .

(4/68)


وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (26) وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28)

قوله عز وجل : { وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعدِ مَا قَنَطُواْ } والقنوط الإياس ، قاله قتادة .
قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : جدبت الأرض وقنط الناس فقال : مطروا إذن . والغيث ما كان نافعاً في وقته ، والمطر قد يكون ضاراً ونافعاً في وقته وغير وقته .
{ ويَنشُرُ رَحْمَتَهُ } بالغيث فيما يعم ويخص .
{ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ } فيه وجهان :
أحدهما : الولي المالك ، والحميد مستحق الحمد .
الثاني : الولي المنعم والحميد المستحمد .

(4/69)


وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (29) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (31)

قوله عز وجل : { وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } فيه قولان :
أحدهما : أنه الحدود على المعاصي ، قاله الحسن .
الثاني : أنها البلوى في النفوس والأموال عقوبة على المعاصي والذنوب .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : « مَا يُصِيبُ ابنَ آدَمَ خَدْشُ عُوْدٍ وَلاَ عَثْرَةُ قَدَمٍ وَلاَ اخْتِلاَجُ عِرْقٍ إِلاَّ بِذَنبٍ وَمَا يَعْفُو عَنهُ أَكْثَرَ » وقال ثابت البناني . كان يقال ساعات الأذى يذهبن ساعات الخطايا .
ثم فيها قولان :
أحدهما : أنها خاصة في البالغين أن تكون عقوبة لهم؛ وفي الأطفال أن تكون مثوبة لهم .
الثاني : عقوبة عامة للبالغين في أنفسهم وللأطفال في غيرهم من والدٍ أو والدة ، قاله العلاء بن زيد .
{ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } فيه وجهان :
أحدهما : عن كثير من المعاصي أن لا يكون عليها حدود ، وهو مقتضى قول الحسن .
الثاني : عن كثير من العصاة وأن لا يعجل عليهم بالعقوبة .
قال علي رضي الله عنه : ما عاقب الله به في الدنيا فالله أحلم من أن يثني عليه العقوبة يوم القيامة ، وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يعود في عفوه يوم القيامة .

(4/70)


وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (35)

قوله عز وجل : { وَمِن ءَايَاتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ } قال مجاهد هي السفن في البحر { كَالأَعْلاَمِ } أي كالجبال ، ومنه قول الخنساء :
وإنَّ صَخْراً لتأتَمُّ الهُدَاةُ به ... كأنَّه علمٌ في رأسِه نار
{ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ } أي وقوفاً على ظهر الماء ، قال قتادة : لأن سفن هذا البحر تجري بالريح . فإذا أمسكت عنها ركدت .
{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } صبار على البلوى ، شكور على النعماء .
قال قطرب : نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعْطِي شكر ، وإذا ابتُلِيَ صبر .
قال عون بن عبد الله : فكم من منعم عليه غير شاكر ، وكم من مبتلٍ غير صابر .
{ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ } معناه يغرقهن بذنوب أهلها .
{ ويَعْفُ عَن كَثِيرٍ } من أهلها فلا يغرقهم معها .
{ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ } فيه وجهان :
أحدهما : من فرار ومهرب ، قاله قطرب .
الثاني : ملجأ ، قاله السُدي مأخوذ من قولهم حاص به البعير حيصة إذا مال به ، ومنه قولهم فلان يحيص عن الحق أي يميل عنه .

(4/71)


فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)

قوله عز وجل : { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ } قال عبد الرحمن بن زيد : هم الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم قبل الهجرة اثني عشر نقيباً منهم .
{ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ } فيها وجهان :
أحدهما : أنه المحافظة على مواقيتها ، قاله قتادة .
الثاني : إتمامها بشروطها ، قاله سعيد بن جبير .
{ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } فيه أربع أوجه :
أحدها : أنهم كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إليهم إذا أرادوا أمراً تشاوروا فيه ثم عملواْ عليه فمدحهم الله تعالى به ، قاله النقاش .
الثاني : يعني أنهم لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون فمدحوا على اتفاق كلمتهم . قال الحسن : ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم .
الثالث : هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم وورود النقباء إليهم حتى اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان به والنصرة له ، قاله الضحاك .
الرابع : أنهم يتشاورون فيما يعرض لهم فلا يستأثر بعضهم بخير دون بعض .
{ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُم يُنفِقُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : يريد به أداء الزكاة من أموالهم ، قاله السدي .
الثاني : إنفاق الحلال من أكسابهم ، وهو محتمل .
قوله عز وجل : { وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُم الْبَغْيُ هُم يَنتَصِرُونَ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أصابهم يعني المشركين على دينهم انتصروا بالسيف منهم . قاله ابن جريج .
الثاني : أصابهم يعني باغ عليهم كره لهم أن يستذلوا ، فإذا قدروا عفوا ، قاله إبراهيم .
الثالث : إذا أصابهم البغي تناصروا عليه حتى يزايلوه عنهم ويدفعوه عنهم ، قاله ابن بحر .

(4/72)


وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)

قوله عز وجل : { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } فيه قولان :
أحدهما : أنه محمول على الجراح التي تتمثل في القصاص دون غيرها من سب أو شتم ، قاله الشافعي ، وأبو حنيفة ، وسفيان .
الثاني : أنه محمول على مقابلة الجراح ، وإذا قال أخزاه الله أو لعنه الله أن يقول مثله ، ولا يقابل القذف بقذف ولا الكذب بكذب ، قاله ابن أبي نجيح والسدي . وسمي الجزاء سيئة لأنه في مقابلتها وأنها عند المعاقب بها سواء .
{ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } فأذن في الجزاء وندب إلى العفو .
وفي قوله : { وأَصْلَحَ } وجهان :
أحدهما : أصلح العمل ، قاله سعيد بن جبير .
الثاني : أصلح بينه وبين أخيه ، قاله ابن زياد ، وهذا مندوب إليه في العفو عن التائب دون المصرّ . روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ . مَن كَانَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ ، فَيُقَالُ مَن ذَا الَّذي أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ فَيَقُولُونَ العَافُونَ عَنِ النَّاسِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ » .
{ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظّالِمِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : الظالمين في الابتداء ، قاله سعيد بن جبير .
الثاني : المعتدي في الجزاء ، قاله ابن عيسى .
قوله عز وجل : { وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ } أي استوفى حقه بنفسه .
{ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ } وهذا ينقسم ثلاثة أقسام :
أحدها : أن يكون قصاصاً في بدن يستحقه آدمي فلا حرج عليه فيه إذا استوفاه من غير عدوان ، وثبت حقه عند الحكام ، لكن يزجره الإمام في تفرده بالقصاص لما فيه من الجرأة على سفك الدماء ، وإن كان حقه غير ثابت عند الحكام فليس عليه فيما بينه وبين الله حرج وهو في الظاهر مطالب وبفعله مؤاخذ .
والقسم الثاني : أن يكون حداً لله لا حق فيه لآدمي كحد الزني وقطع السرقة . فإن لم يثبت ذلك عند حاكم أخذ به وعوقب عليه ، وإن ثبت عند حاكم نظر فإن كان قطعاً في سرقة سقط به الحد لزوال العضو المستحق قطعه ، ولم يجب عليه في ذلك حق إلا التعزير أدباً ، وإن كان جلداً لم يسقط به الحد لتعديه به مع بقاء محله وكان مأخوذاً بحكمه .
القسم الثالث : أن يكون حقاً في مال فيجوز لصاحبه أن يغالب على حقه حتى يصل إليه إن كان من هو عليه عالماً به ، وإن كان غير عالم نظر ، فإن أمكنه الوصول إليه عند المطالبة لم يكن له الاستسرار بأخذه ، وإن كان لا يصل إليه بالمطالبة لجحود من هو عليه مع عدم بينة تشهد به ففي جواز الاستسرار بأخذه مذهبان :
أحدهما : جوازه ، وهو قول مالك ، والشافعي .
الثاني : المنع ، قاله أبو حنيفة .
قوله عز وجل : { إِنَّما السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ } فيه قولان :
أحدهما : يظلمون الناس بعدوانهم عليهم وهو قول كثير منهم .

(4/73)


الثاني : يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم ، قاله ابن جريج .
{ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه بغيهم في النفوس والأموال ، وهو قول الأكثرين .
الثاني : عملهم بالمعاصي ، قاله مقاتل .
الثالث : هو ما يرجوه كفار قريش أن يكون بمكة غير الإسلام ديناً ، قاله أبو مالك .
قوله عز وجل : { وَلَمِنَ صَبَرَ وَغَفَرَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : صبر على الأذى وغفر للمؤذي .
الثاني : صبر عن المعاصي وستر المساوىء .
ويحتمل قوله : { إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } وجهين :
أحدهما : لمن عزائم الله التي أمر بها .
الثاني : لمن عزائم الصواب التي وفق لها .
وذكر الكلبي والفراء أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع ثلاث آيات قبلها وقد شتمه بعض الأنصار فرد عليه ثم أمسك ، وهي المدنيات من هذه السورة .

(4/74)


وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45) وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46)

قوله عز وجل : { وَتَرَاهُمْ يُعْرَضَونَ عَلَيهَا } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنهم المشركون جميعاً يعرضون على جهنم عند إطلاقهم إليها ، قاله الأكثرون .
الثاني : آل فرعون خصوصاً تحبس أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح ، فهم عرضهم ، قاله ابن مسعود .
الثالث : أنهم عامة المشركين ويعرضون على العذاب في قبورهم ، وهذا معنى قول أبي الحجاج .
{ خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ } قال السدي : خاضعين من الذل .
{ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : ينظرون بأبصار قلوبهم دون عيونهم لأنهم يحشرون عمياً ، قاله أبو سليمان .
الثاني : يسارقون النظر إلى النار حذراً ، قاله محمد بن كعب .
الثالث : بطرفٍ ذليل ، قاله ابن عباس .

(4/75)


اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (48)

قوله عز وجل : { مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإِ يَوْمَئِذٍ } فيه وجهان :
أحدهما : من منج .
الثاني : من حرز ، قاله مجاهد .
{ وَمَا لَكُم مِّن نِّكيرٍ } فيه وجهان :
أحدهما : من ناصر ينصركم ، قاله مجاهد .
الثاني : من منكر يغير ما حل بكم ، حكاه ابن أبي حاتم وقاله الكلبي .
قوله عز وجل : { وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحخَ بِهَا } فيها وجهان :
أحدهما : أن الرحمة المطر ، قاله مقاتل .
الثاني : العافية ، قاله الكلبي .
{ وَإِن تُصِبْهُمْ سِّيئةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } فيها وجهان :
أحدهما : أنه السنة القحط ، قاله مقاتل .
الثاني : المرض ، قاله الكلبي .
{ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ } يحتمل وجهين :
أحدهما : بالنعمة .
الثاني : بالله .

(4/76)


لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)

قوله عز وجل : { يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ } قال عبيدة : يهب لمن يشاء إناثاً لا ذكور فيهن ، ويهب لمن يشاء ذكوراً لا إناث فيهم . وأدخل الألف على الذكور دون الإناث لأنهم أشرف فميزهم بسمة التعريف .
{ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً } فيه وجهان :
أحدهما : هو أن تلد غلاماً ثم تلد جارية ثم تلد غلاماً ثم تلد جارية ، قاله مجاهد .
الثاني : هو أن تلد توأمين غلاماً وجارية ، قاله محمد بن الحنفية ، والتزويج هنا الجمع بين البنين والبنات . قال ابن قتيبة : تقول العرب زوجني إبلي إذا جمعت بين الصغار والكبار .
{ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً } أي لا يولد له . يقال عقم فرجه عن الولادة أي منع .
وحكى النقاش أن هذه الآية نزلت في الأنبياء خصوصاً وإن عم حكمها ، فوهب للوط البنات ليس فيهن ذكر ، ووهب لإبراهيم الذكور ليس معهم أنثى ، ووهب لإسماعيل وإسحاق الذكور والإناث ، وجعل عيسى ويحيى عقيمين .

(4/77)


وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)

قوله عز وجل : { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً } الآية . سبب نزولها ما حكاه النقاش أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبياً صادقاً كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فنزلت هذه الآية .
وفي قوله : { وَحْياً } وجهان :
أحدهما : أنه نفث ينفث في قلبه فيكون إلهاماً ، قاله مجاهد .
الثاني : رؤيا يراها في منامه ، قاله زهير بن محمد .
{ أَوْ مِن وَرَآءِي حِجَابٍ } قال زهير : كما كلم موسى .
{ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً } قال زهير : هو جبريل .
{ فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ } وهذا الوحي من الرسل خطاب منهم للأنبياء يسمعونه نطقاً ويرونه عياناً . وهكذا كانت حال جبريل إذا نزل بالوحي على النبي صلى الله عليه وسلم .
قال ابن عباس : نزل جبريل على كل نبي فلم يره منهم إلا محمد وعيسى وموسى وزكريا صلوات الله عليهم أجمعين ، فأما غيرهم فكان وحياً إلهاماً في المنام .
قوله عز وجل : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : رحمة من عندنا ، قاله قتادة .
الثاني : وحياً من أمرنا ، قاله السدي .
الثالث : قرآناً من أمرنا ، قاله الضحاك .
{ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ } فيه وجهان :
أحدهما : ما كنت تدري ما الكتاب لولا الرسالة ، ولا الإيمان لولا البلوغ ، قاله ابن عيسى .
الثاني : ما كنت تدري ما الكتاب لولا إنعامنا عليك ، ولا الإيمان لولا هدايتنا لك وهو محتمل .
وفي هذا الإيمان وجهان :
أحدهما : أنه الإيمان بالله ، وهذا يعرفه بعد بلوغه وقبل نبوته .
الثاني : أنه دين الإٍسلام ، وهذا لا يعرفه إلا بعد النبوة .
{ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً . . . } فيه قولان :
أحدهما : جعلنا القرآن نوراً ، قاله السدي .
الثاني : جعلنا الإيمان نوراً . حكاه النقاش وقاله الضحاك .
{ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } فيه قولان :
أحدهما : معناه : وإنك لتدعو إلى دين مستقيم ، قاله قتادة .
الثاني : إلى كتاب مستقيم ، قاله علي رضي الله عنه .
وقرأ عاصم الجحدري : وإنك لتُهدى ، بضم التاء أي لتُدْعَى .
قوله عز وجل : { صِرَاطِ اللَّهِ } فيه وجهان :
أحدهما : أن صراط الله هو القرآن ، قاله علي كرم الله وجهه .
الثاني : الإٍسلام ، رواه النواس بن سمعان الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم .
{ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه وعيد بالبعث .
الثاني : أنه وعيد بالجزاء ، والله أعلم .

(4/78)


حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (7) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8)

قوله عز وجل : { حم . وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ } الكتاب هو القرآن : وفي تسميته مبيناً ثلاثة أوجه :
أحدها : لأنه بيِّن الحروف ، قاله أبو معاذ .
الثاني : لأنه بين الهدى والرشد والبركة ، قاله قتادة .
الثالث : لأن الله تعالى قد بين فيه أحكامه وحلاله وحرامه ، قاله مقاتل .
وفي هذا موضع القسم ، وفيه وجهان :
أحدهما : معناه ورب الكتاب .
الثاني : أنه القسم بالكتاب ، ولله عز وجل أن يقسم بما شاء ، وإن لم يكن ذلك لغيره من خلقه .
وجواب القسم { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرءاناً عَرَبِيّاً } وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : إنا أنزلناه عربياً ، قاله السدي .
الثاني : إنا قلناه قرآناً عربياً ، قاله مجاهد .
الثالث : إنا بيناه قرآناً عربياً ، قاله سفيان الثوري . ومعنى العربي أنه بلسان عربي ، وفيه قولان :
أحدهما : أنه جعل عربياً لأن لسان أهل السماء عربي ، قاله مقاتل .
الثاني : لأن كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه ، قاله سفيان الثوري .
{ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : تفهمون ، فعلى هذا يكون هذا القول خاصاً بالعرب دون العجم ، قاله ابن عيسى .
الثاني : يتفكرون قاله ابن زيد ، فعلى هذا يكون خطاباً عاماً للعرب والعجم .
قوله عز وجل : { وَإِنَّهُ فِي أَمِّ الْكِتَابِ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : جملة الكتاب .
الثاني : أصل الكتاب ، قاله ابن سيرين .
الثالث : أنها الحكمةالتي نبه الله عليها جميع خلقه ، قاله ابن بحر .
وفي { الْكِتَابِ } قولان :
أحدهما أنه اللوح المحفوظ؛ قاله مجاهد .
الثاني : أنه ذكر عند الله فيه ما سيكون من أفعال العباد مقابل يوم القيامة بما ترفعه الحفظة من أعمالهم ، قاله ابن جريج .
وفي المكنى عنه أنه في أمِّ الكتاب قولان :
أحدهما : أنه القرآن ، قاله الكلبي .
الثاني : أنه ما يكون من الخلق من طاعة ومعصية وإيمان أو كفر ، قاله ابن جريج .
{ لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ } فيه وجهان :
أحدهما : رفيع عن أن ينال فيبدل . حكيم أي محفوظ من نقص أو تغيير ، وهذا تأويل من قال أنه ما يكون من الطاعات والمعاصي .
الثاني : أنه علي في نسخه ما تقدم من الكتب ، وحكيم أي محكم الحكم فلا ينسخ ، وهذا تأويل من قال أنه القرآن .
قوله عز وجل : { أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أفحسبتم أن نصفح ولما تفعلون ما أمرتم به؟ قاله ابن عباس .
الثاني : معناه أنكم تكذبون بالقرآن ولا نعاقبكم فيه ، قاله مجاهد .
الثالث : أي نهملكم فلا نعرفكم بما يجب عليكم ، حكاه النقاش .
الرابع : أن نقطع تذكيركم بالقرآن : وإن كذبتم به : قاله قتادة .
ويحتمل خامساً : أن نوعد ولا نؤاخذ ، ونقول فلا نفعل .
{ قَوْماً مُّسْرِفِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : مشركين ، قاله قتادة .
الثاني : مسرفين في الرد .
ومعن صفحاً أي إعراضاً ، يقال صفحت عن فلان أي أعرضت عنه . قال ابن قتيبة : والأصل فيه إنك توليه صفحة عنقك . قال كثير في صفة امرأة :
صفحٌ فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن قَلّ منها ذلك الوصل قلّت
أي تعرض عنه بوجهها .
قوله عز وجل : { وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : سنة الأولين ، قاله مجاهد .
الثاني : عقوبة الأولين ، قاله قتادة .
الثالث : عِبرة الأولين ، قاله السدي .
الرابع : خبر الأولين أنهم أهلكوا بالتكذيب ، حكاه النقاش .

(4/79)


وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14)

قوله عز وجل : { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً } أي فراشاً .
{ وجَعَلَ لَكُم فِيهَا سُبُلاً } أي طرقاً .
ويحتمل ثانياً : أي معايش .
{ لَعَلَّكُم تَهْتَدُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : تهتدون في أسفاركم ، قاله ابن عيسى .
الثاني : تعرفون نعمة الله عليكم ، قاله سعيد بن جبير .
ويحتمل ثالثاً : تهتدون إلى معايشكم .
قوله عز وجل : { وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : الأصناف كلها ، قاله سعيد بن جبير .
الثاني : أزواج الحيوان من ذكر وأنثى ، قاله ابن عيسى .
الثالث : أن الأزواج الشتاء والصيف ، والليل والنهار ، والسموات والأرض ، والشمس والقمر ، والجنة والنار ، قاله الحسن .
ويحتمل رابعاً : أن الأزواج ما يتقلب فيه الناس من خيرٍ وشر ، وإيمان وكفر ، وغنى وفقر ، وصحة وسقم .
{ وَجَعَلَ لَكُم مِّن الْفُلْكِ } يعني السفن .
{ والأنعام ما تركبون } في الأنعام هنا قولان :
أحدهما : الإبل والبقر ، قاله سعيد بن جبير .
الثاني : الإبل وحدها : قاله معاذ . فذكرهم نعمه عليهم في تسييرهم في البر والبحر .
ثم قال { لِتَسْتَوُواْ عَلَى ظُهُورِهَا } وأضاف الظهور إلى واحد لأن المراد به الجنس فصار الواحد في معنى الجمع .
{ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ } أي ركبتم .
{ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا } أي ذلل لنا هذا المركب .
{ وَمَا كَنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : ضابطين ، قاله الأخفش .
الثاني : مماثلين في الأيد والقوة ، قاله قتادة من قولهم هو قرن فلان إذا كان مثله في القوة .
الثالث : مطيقين ، قاله ابن عباس والكلبي ، وأنشد قطرب لعمرو بن معدي كرب .
لقد علم القبائل ما عقيل ... لنا في النائبات بمقرنينا
وفي أصله قولان :
أحدهما : أن أصله مأخوذ من الإقران ، يقال أقرن فلان إذا أطاق . الثاني : أن أصله مأخوذ من المقارنة وهو أن يقرن بعضها ببعض في السير .
وحكى سليمان بن يسار أن قوماً كانوا في سفر ، فكانوا إذا ركبوا قالوا : { سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } وكان فيهم رجل على ناقة له رازم وهي لا تتحرك هزالاً فقال أما أنا فإني لهذه مقرن ، قال فقصمت به فدقت عنقه .

(4/80)