صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : النكت والعيون
المؤلف : أبوالحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)

{ وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ } يحتمل وجهين
: أحدهما : ما يستويان في أنفسهما .
الثاني : في منافع الناس بهما .
{ هذَا عَذْبٌ فُراتٌ } والفرات هو العذب وذكره تأكيداً لاختلاف اللفظين كما يقال هذا حسن جميل .
{ سَآئَغٌ شَرَابُهُ } أي ماؤه
. { وَهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ } أي مُرٌّ مأخوذ من أجة النار كأنه يحرق من شدة المرارة ، قال الشاعر :
دُرَّةٌ في اليمين أخرجها الغا ... ئص من قعر بحر ملح أجاج
{ وَمِن كُلٍّ تَأكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً } يعني لحم الحيتان مأكول من كلا البحرين
. { وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } اللؤلؤ والمرجان يستخرج من الملح ، ويكون المراد أحدهما وإن عطف بالكلام عليهما .
وقيل : بل هو مأخوذ منهما لأن في البحر عيوناً عذبة ، وما بينهما يخرج اللؤلؤ عند التمازج وقيل من مطر السماء .
ثم قال : { تَلْبَسُونَهَا } وإن لبسها النساء دون الرجال لأن جمالها عائد عليهم جميعاً .
{ وَتَرى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ } فيه خمسة أوجه
: أحدها : مقبلة ومدبرة وريح واحدة ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : مواقر ، قاله الحسن . قال الشاعر :
تراها إذا راحت ثقالاً كأنها ... مواخر فلك أو نعام حوافل
الثالث : معترضة ، قاله أبو وائل
. الرابع : جواري ، قاله ابن قتيبة .
الخامس : تمخر الماء أي تشقه في جريها شقاً ، قاله علي بن عيسى .
{ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } قال مجاهد : التجاة في الفلك
. ويحتمل وجهاً آخر ما يستخرج من حليته ويصاد من حيتان .
{ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ فيه وجهان ] :
أحدهما : على ما آتاكم من نعمه .
الثاني : على ما آتاكم من فضله .
ويحتمل ثالثاً : على ما أنجاكم من هوله .

(3/423)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18)

قوله عز وجل : { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخْرَى } أي لا تحمل نفس ما تحمله نفس أخرى من ذنوبها ، ومنه الوزير لأنه يحمل أثقال الملك بتدبيره .
{ وَإن تَدَعُ مُثْقَلَةٌ إلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَل مِنْهُ شَيْءٌ } قال مجاهد مثقلة بالذنوب ، ومعنى الكلام أن النفس التي قد أثقلتها ذنوبها إذا دعت يوم القيامة من يتحمل الذنوب عنها لم تجد من يتحمل عنها شيئاً من ذنوبها .
{ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } ولو كان المدعو إلى التحمل قريباً مناسباً ، ولو تحمله عنها ما قُبل تحمله ، لما سبق من قوله تعالى : { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } .
{ إنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهَم بِالْغَيْبِ } فيه وجهان
: أحدهما : في السر حيث لا يطلع عليه أحد ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : في التصديق بالآخرة ، حكاه ابن عيسى .
ويحتمل ثالثاً : يخشونه في ضمائر القلوب كما يخشونه في ظواهر الأفعال .

(3/424)


وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (25) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (26)

قوله عز وجل : { وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ . . } الآية . فيه قولان
: أحدهما : أن هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر ، كما لا يستوي الأعمى والبصير ، ولا تستوي الظلمات ولا النور ، ولا يستوي الظل ولا الحرور لا يستوي المؤمن والكافر ، قاله قتادة .
الثاني : أن معنى قوله وما يستوي الأعمى والبصير أي عمى القلب بالكفر وبصره بالإيمان ، ولا تستوي ظلمات الكفر ونور الإيمان ، ولا يستوي ظل الجنة وحرور النار ، قاله السدي .
والحرور الريح الحارة كالسموم ، قال الفراء : الحرور يكون بالليل والنهار ، والسموم لا يكون إلا بالنهار .
وقال الأخفش : الحرور لا يكون إلا مع شمس النهار ، والسموم يكون بالليل والنهار .
قال قطرب : الحرور الحر ، والظل البرد . ومعنى الكلام : أنه لا يستوي الجنة والنار .
قوله عز وجل : { وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَآءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر ، كما أنه لا يستوي الأحياء والأموات فكذلك لا يستوي المؤمن والكافر ، قاله قتادة .
الثاني : أن الأحياء المؤمنون الذين أحياهم الإيمان . والأموات الكفار الذين أماتهم الكفر وهذا مقتضى قول السدي .
الثالث : أن الأحياء العقلاء ، والأموات الجهال ، قاله ابن قتيبة وفي { لاَ } في هذا الموضع وفيما قبله قولان :
أحدهما : أنها زائدة مؤكدة .
الثاني : أنا نافية لاستواء أحدهما بالآخر .
{ إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ } أي يهدي من يشاء
. { وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِِ } فيه وجهان
: أحدهما : أنه مثل ضربه الله ، كما أنك لا تُسمع الموتى في القبور كذلك لا تسمع الكافر .
الثاني : أن الكافر قد أماته الكفر حتى أقبره في كفره فلذلك لا يسمع ، وقيل إن مراد الله تعالى بهذه الآية الإخبار أن بين الخير فروقاً ، كما أن بين الشر فروقاً ، ليطلب من درجات الخير أعلاها ولا يحتقر من درجات الشر أدناها ، وهو الظاهر من قول علي ابن عيسى .
قوله عز وجل : { إنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً } أي بالقرآن بشرى بالجنة .
{ وَنَذِيراً } من النار . { وَإن مَّنْ أُمَّةِ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } أي سلف فيها نبي ، قال ابن جريج : إلا العرب .

(3/425)


أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)

قوله عز وجل : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَنْا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا } وفيه مضمر محذوف تقديره مختلف ألوانها وطعومها وروائحها ، فاقتصر منها على ذكر اللون لأنه أظهرها { وَمِنَ الْجبَالَ جُدَدٌ } فيه وجهان :
أحدهما : أن الجدد القطع مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته ، حكاه ابن بحر .
الثاني : أنها الخطط واحدتها جُدة مثل مُدة ومدد ، ومنه قول زهير :
كأنه أسفع الخدين ذو جُدد ... طاوٍ ويرتع بعد الصيف عريانا
{ بِيضُ وَحُمرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ } والغربيب الشديد السواد الذي لونه كلون الغراب . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم « إِنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الشَّيخَ الْغِرْبِيبَ » يعني الذي يخضب بالسواد ، قال امرؤ القيس :
العين طامعة واليد سابحة ... والرجل لافحة والوجه غربيب
وقيل فيه تقديم وتأخير ، وتقديره سود غرابيب
. وفي المراد بالغرابيب السود ثلاثة أوجه :
أحدها : الجبال السود ، قاله السدي .
الثاني : الطرائف السود ، قاله ابن عباس .
الثالث : الأودية السود ، قاله قتادة .
{ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوآبِّ وَالأَنعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلَوَانُهُ كَذلِكَ } فيه وجهان
: أحدهما : كذلك مختلف ألوانه أبيض وأحمر وأسود .
الثاني : يعني بقوله كذلك أي كما اختلف ألوان الثمار والجبال والناس والدواب والأنعام كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية .
ثم استأنف فقال : { إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عَبَادِهِ الْعُلَمَآءُ } يعني بالعلماء الذين يخافون .
قال الربيع بن أنس : من لم يخش الله فليس بعالم . قال ابن مسعود : المتقون سادة ، والعلماء قادة . وقيل : فاتحة الزبور الحكمة خشية الله .

(3/426)


إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30)

قوله عز وجل : { يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ } يعني الجنة ، وفيها وجهان
: أحدهما : لن تفسد ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : لن تكسد ، قاله علي بن عيسى والأول أشبه لقول الشاعر :
يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذا أنا بور
قوله عز وجل : { لِيُوَفِّيهُمْ أُجُورَهُمْ } يعني ثواب أعمالهم
. { وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ } فيه أربعة أوجه
: أحدها : يفسح لهم في قبورهم ، قاله الضحاك .
الثاني : يشفعهم فيمن أحسن إليهم في الدنيا ، قاله أبو وائل .
الثالث : يضاعف لهم حسناتهم ، وهو مأثور .
الرابع : غفر الكثير والشكر اليسير ، قاله بعض المتأخرين .
ويحتمل خامساً : يوفيهم أجورهم على فعل الطاعات ويزيدهم من فضله على اجتناب المعاصي { إنَّهُ غَفُورٌ } للذنب .
{ شَكُورٌ } للطاعة . ووصفه بأنه شكور مجاز ومعناه أن يقابل بالإحسان مقابلة الشكور لأنه يقابل على اليسير بأضعافه .

(3/427)


وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)

{ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِن عِبَادِنَا } فيه وجهان
: أحدهما : أن الكتاب هو القرآن ، ومعنى الإرث انتقال الحكم إليهم .
الثاني : أن إرث الكتاب هو الإيمان بالكتب السالفة لأن حقيقة الإرث انتقال الشيء من قوم إلى قوم .
وفي { الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبادِنَا } ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم الأنبياء ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : أنهم بنو إسرائيل لقوله عز وجل : { إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً } [ آل عمران : 33 ] الآية . قاله ابن بحر .
الثالث : أمة محمد صلى الله عليه وسلم . قاله الكلبي .
{ فَمِنْهُمْ ظَالِِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ } فيه وجهان :
أحدهما : أن قوله : { فَمِنْهُمْ ظَالِِمٌ لِّنَفْسِهِ } كلام مبتدأ لا يرجع إلى المصطفين ، وهذا قول من تأول المصطفين الأنبياء ، فيكون من عداهم ثلاثة أصناف على ما بينهم .
الثاني : أنه راجع إلى تفصيل أحوال الذين اصطفينا ، ومعنى الاصطفاء الاختيار وهذا قول من تأول المصطفين غير الأنبياء ، فجعلهم ثلاثة أصناف .
فأما الظالم لنفسه ها هنا ففيه خمسة أوجه :
أحدها : أنهم أهل الصغائر من هذه الأمة ، روى شهر بن حوشب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له .
الثاني : أنهم أهل الكبائر وأصحاب المشأمة ، قاله السدي .
الثالث : أنهم المنافقون وهم مستثنون .
الرابع : أنهم أهل الكتاب ، قاله الحسن .
الخامس : أنه الجاحد ، قاله مجاهد .
وأما المقتصد ففيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه المتوسط في الطاعات وهذا معنى حديث أبي الدرداء ، روى ابراهيم عن أبي صالح عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ هذه الآية فقال : « أَمَّا السَّابِقُ فَيدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ ، وَأَمَّا المُقْتَصِدُ فَيُحَاسَب حِسَاباً يَسِيراً ، وَأمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فِيُحْصَرُ فِي طُولِ الحِبْسِ ثُمَّ يَتَجَاوَزُ اللَّهُ عَنهُ
» الثاني : أنهم أصحاب اليمين ، قاله السدي
. الثالث : أنهم أصحاب الصغائر وهو قول متأخر .
الرابع : أنهم الذين اتبعوا سنن النبي صلى الله عليه وسلم من بعده ، قاله الحسن .
{ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ } فيه أربعة أقاويل
: أحدها : أنهم المقربون ، قاله مجاهد .
الثاني : أنهم المستكثرون من طاعة الله تعالى ، وهو مأثور .
الثالث : أنهم أهل المنزلة العليا في الطاعات ، قاله علي بن عيسى .
الرابع : أنه من مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد له بالجنة .
روى عقبة بن صهبان قال : سألت عائشة رضي الله عنها عن هذه الآية فقالت : كلهم من أهل الجنة ، السابق من مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد له بالحياة والرزق ، والمقتصد من اتبع أثره حتى لحق به ، والظالم لنفسه مثلي ومثلك ومن اتبعنا .

(3/428)


جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)

قوله عز وجل : { وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ } فيه تسعة تأويلات :
أحدها : أنه خوف النار ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه حزن الموت ، قاله عطية .
الثالث : تعب الدنيا وهمومها ، قاله قتادة .
الرابع : حزن المنّة ، قاله سمُرة .
الخامس : حزن الظالم لما يشاهد من سوء حاله ، قاله ابن زيد .
السادس : الجوع حكاه النقاش .
السابع : خوف السلطان ، حكاه الكلبي .
الثامن : طلب المعاش ، حكاه الفراء .
التاسع : حزن الطعام ، وهو مأثور .
ويحتمل عاشراً : أنه حزن التباغض والتحاسد لأن أهل الجنة متواصلون لا يتباغضون ولا يتحاسدون .
وفي وقت قولهم لذلك قولان :
أحدهما : عند إعطاء كتبهم بأيمانهم لأنه أول بشارات السلامة ، فيقولون عندها : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ } .
الثاني : بعد دخول الجنة ، قاله الكلبي ، وهو أشبه لاستقرار الجزاء والخلاص من أهوال القيامة فيقولون ذلك عند أمنهم شكراً .
قوله عز وجل : { الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمَقَامَةِ مِن فَضْلِهِ } أي دار الإقامة وهي الجنة .
وفي الفرق بين المقامة بالضم والفتح وجهان :
أحدهما : أنها بالضم دار الإقامة ، وبالفتح موضع الإقامة .
الثاني : أنها بالضم المجلس الذي يجتمع فيه للحديث .
{ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ } فيه وجهان
: أحدهما : تعب ، قاله ابن عيسى .
الثاني : وجع ، قاله قتادة .
{ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } فيه وجهان
: أحدهما : أنه العناء ، قاله أبو جعفر الطبري .
الثاني : أنه الإعياء ، قاله قطرب وابن عيسى .

(3/429)


وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37)

قوله عز وجل : { وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا } قال ابن جريج : وهم يستغيثون فيها { َرَبَّنَآ أخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ } أي نؤمن بدل الكفر ونطيع بدل المعصية .
{ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ } فيه خمسة تأويلات
: أحدها : أنه البلوغ ، قاله الحسن لأنه أول زمان التذكر .
الثاني : ثماني عشرة سنة .
الثالث : أربعون سنة ، قاله ابن عباس ومسروق .
الرابع : ستون سنة ، قاله علي بن أبي طالب مرفوعاً .
الخامس : سبعون سنة لأنه آخر زمان التذكر ، وما بعده هرم . روى أبو هريرة .
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إلَى عَبدٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتّىَ بلَغَ سِتِيّنَ سَنَةً أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً
» . قوله عز وجل : { وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ } فيه أربعة أقاويل
: أحدها : محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن زيد .
الثاني : الشيب ، حكاه الفراء والطبري .
الثالث : الحمى .
الرابع : موت الأهل والأقارب .
ويحتمل خامساً : أنه كمال العقل .

(3/430)


إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (39)

{ فَذُوقُواْ } يحتمل وجهين
: أحدهما : حسرة الندم .
الثاني : عذاب جهنم .
قوله عز وجل : { هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْض } قال قتادة خلفاً بعد خلف قرناً بعد قرن ، والخلف هو الثاني للمتقدم ، ولذلك قيل لأبي بكر رضي الله عنه يا خليفة الله ، فقال لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا راضٍ بذلك . وقال بعد السلف إنما يستخلف من يغيب أو يموت ، والله تعالى لا يغيب ولا يموت .
{ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } أي فعليه عقاب كفره
. قوله عز وجل : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دَونِ اللَّهِ } فيه وجهان :
أحدهما : شركاءكم في الأموال التي جعلتم لهم قسطاً منها الأوثان .
الثاني : الذين أشركتموهم في العبادة .

(3/431)


قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (40) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41)

{ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأَرْضِ } قاله السدي يعني في الأرض
. { أَمْ لَهُمْ شرْكٌ فِي السَّموَاتِ } حتى صاروا شركاء في خلقها
. { أَمْ ءَآتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنهُ } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : أم أنزلنا عليهم كتاباً بأن لله تعالى شركاء من الملائكة والأصنام فيهم مستمسكون به ، وهذا قول ابن زياد .
الثاني : أم أنزلنا عليهم كتاباً بأن الله لا يعذبهم على كفرهم فهم واثقون به ، وهو معنى قول الكلبي .
{ بَلْ إن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إلاَّ غُرُوراً } فيه وجهان
: أحدهما : وعدوهم بأن الملائكة يشفعون .
الثاني : وعدوهم بأنهم ينصرون عليهم .

(3/432)


وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43)

قوله عز وجل : { وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } هم قريش أقسموا قبل أن يبعث الله تعلى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ، حين بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم ، فلعنوا من كذب نبيه منهم ، وحلفوا بالله جل اسمه يميناً .
{ لَئِن جَآءَهُم نَذِيرٌ } أي نبي
. { لَّيَكُوننَّ أَهْدَى مِنْ إحْدَى الأُمَمْ } يعني ممن كذب الرسل من أهل الكتاب
. { فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم
. { مَّا زَادَهُمْ إلاَّ نُفُوراً } فيه وجهان
: أحدهما : نفوراً عن الرسول .
الثاني : نفوراً عن الحق .
قوله عز وجل : { اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ } فيه وجهان :
أحدهما : استكباراً عن عبادة الله ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : استكباراً بمعاصي الله ، وهذا قول متأخر .
{ وَمَكْرَ السَّيِّىءِ } فيه وجهان
: أحدهما : الشرك بالله ، قاله يحيى .
الثاني : أنه المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه كما قال تعالى : { وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ } [ الأنفال : 30 ] الآية .
{ وَلاَ يَحِيقُ الْمُكْرُ السَّيِّىءُ إلاَّ بِأَهْلِهِ } فيه وجهان
: أحدهما : قاله الكلبي ، يحيق بمعنى يحيط .
الثاني : قاله قطرب ، يحيق بمعنى ينزل ، وأنشد قول الشاعر :
وقد دفعوا المنية فاستقلت ... ذراعاً بعدما كادت تحيقُ
قال فعاد ذلك عليهم بقتلهم يوم بدر
. { فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ } يعني سنة الله في الأولين ، وفيها وجهان
: أحدهما : نزول العذاب بهم عند إصرارهم في التكذيب .
الثاني : لا تقبل منهم التوبة عند نزول العذاب .

(3/433)


أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)

قوله عز وجل : { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ } يعني من الذنوب
. { مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ } قال يحيى بن سلام بحبس المطر عنهم وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يعني جميع الحيوان مما دب ودرج ، قاله ابن مسعود ، قال قتادة : وقد فعل ذلك زمان نوح عليه السلام .
الثاني : من الإنس والجن دون غيرهما لأنهما مكلفان بالعقل ، قاله الكلبي .
الثالث : من الناس وحدهم ، قاله ابن جريج .
{ وَلكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى } فيه قولان
: أحدهما : الأجل المسمى الذي وعدهم في اللوح المحفوظ ، قاله مقاتل .
الثاني : إلى يوم القيامة ، قاله يحيى .
{ فَإذَا جَآءَ أَجَلُهُم } فيه قولان
: أحدهما : نزول العذاب .
الثاني : البعث في القيامة .
{ فَإنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً } يحتمل وجهين
: أحدهما : بصيراً بأجلهم .
الثاني : بصيراً بأعمالهم ، والله أعلم .

(3/434)


يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)

قوله عز وجل : { يس } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : أنه اسم من أسماء القرآن ، قاله قتادة .
الثاني : أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم به ، قاله ابن عباس .
الثالث : أنه فواتح من كلام الله تعالى افتتح به كلامه ، قاله مجاهد .
الرابع : أنه : يا محمد ، قاله محمد بن الحنفية ، وروى علي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّانِي في القُرآنِ بِسَبْعَةِ أَسْمَاءَ : مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ وَطه وَيس وَالمُزَّمِّلِ وَالْمُدَّثِّرِ وَعَبدَ اللَّهِ
» . الخامس : أنه يا إنسان : قاله الحسن ، وعكرمة ، والضحاك ، وسعيد ابن جبير . ثم اختلفوا فيه فقال سعيد بن جبير وعكرمة هي بلغة الحبشة . وحكى الكلبي أنه بالسريانية وقال الشعبي : هو بلغة طيىء . وقال آخرون : هي بلغة كلب .
ويحتمل سادساً : يئس من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون مؤمناً بالله ، نفياً للإيمان أن يكون إلا بالشهادتين ، واليأس أبلغ في النفي من جميع ألفاظه ، ثم أثبت رسالته بقسَمه فقال :
{ وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ . إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ . عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } يحتمل وجهين :
أحدهما : على شريعة واضحة .
الثاني : على حجة بينة .
قوله عز وجل : { لِّتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : أنهم قريش أنذروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولم ينذر آباؤهم من قبلهم ، قاله قتادة .
الثاني : أنه عام ومعناه لتنذر قوماً كما أنذر آباؤهم ، قاله السدي . { فَهُمْ غَافِلُونَ } يحتمل وجهين
: أحدهما : عن قبول الإِنذار . الثاني : عن استحقاق العذاب .
قوله عز وجل : { لَقَدْ حَقَّ الْقَولُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ } فيه وجهان :
أحدهما : معناه لقد وجب العذاب على أكثرهم ، قاله السدي .
الثاني : لقد سبق علم الله في أكثرهم ، قاله الضحاك .
وفي هذا القول الذي حق عليهم وجهان :
أحدهما : أنه الوعيد الذي أوجبه الله تعالى عليهم من العذاب .
الثاني : أنه الإِخبار عنهم بأنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم .
{ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } يعني الأكثرية الذين حق القول عليهم ، وهم الذين عاندوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من كفار قريش ، وأكثرهم لم يؤمنوا فكان المخبر كالخبر .

(3/435)


إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)

قوله عز وجل : { إنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِِهِمْ أَغْلاَلاً } فيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه مثل ضربه الله تعالى لهم في امتناعهم من الهدى كامتناع المغلول من التصرف ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : ما حكاه السدي أن ناساً من قريش ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم فجاءوا يريدون ذلك فجعلت أيديهم إلى أعناقهم فلم يستطيعوا أن يبسطوا إليه يداً .
الثالث : أن المراد به جعل الله سبحانه لهم في النار من الأغلال في أعناقهم ويكون الجعل ها هنا مأخوذاً من الجُعالة التي هي الأجرة كأن جعالتهم في النار الأغلال ، حكاه ابن بحر .
وفي قوله : { فِي أَعْنَاقِهِمْ } قولان :
أحدهما : في أيديهم ، فكنى بالأعناق عن الأيدي لأن الغُل يكون في الأيدي ، قاله الكلبي ، وحكى قطرب أنها في قراءة ابن عباس : { إنَّا جَعَلْنَا فِي أَيْمَانِهِم أَغْلاَلاً }
الثاني : أنها في الأعناق حقيقة ، لأن الأيدي تجمع في الغل إلى الأعناق ، قاله ابن عباس { فَهِيَ إلَى الأَذْقَانِ } فيه وجهان :
أحدهما : إلى الوجوه فكنى عنها بالأذقان لأنها منها ، قاله قتادة ، أي قد غلت يده عند وجهه .
الثاني : أنها الأذقان المنحدرة عن الشفة في أسفل الوجه لأن أيديهم تماسها إذا علت .
{ فَهُم مُّقْمَحُونَ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : رفع رؤوسهم ووضع أيديهم على أفواههم ، قاله مجاهد .
الثاني : هو الطامح ببصره إلى موطىء قدمه ، قاله الحسن . الثالث : هو غض الطرف ورفع الرأس مأخوذ من البعير المقمح وهو أن يرفع رأسه ويطبق أجفانه في الشتاء إذا ورد ماء كريهاً ، حكاه النقاش . وقال المبرد ، وأنشد قول الشاعر :
ونحن على جوانبها قعود ... نغض الطرف كالإبل القماح
الرابع : هو أن يجذب ذقنه إلى صدره ثم يرفعه مأخوذ من القمح وهو رفع الشيء إلى الفم ، حكاه عليّ بن عيسى وقاله أبو عبيدة .
قوله عز وجل : { وَجَعَلْنَا مِن بَينِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يعني ضلالاً ، قاله قتادة .
الثاني : سداً عن الحق ، قاله مجاهد .
الثالث : ظلمة سدت قريشاً عن نبي الله صلى الله عليه وسلم حين ائتمروا لقتله قاله السدي . قال عكرمة : ما صنع الله تعالى فهو السُدُّ بالضم ، وما صنع الإنسان فهو السد بالفتح .
{ فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : فأغشيناهم بظلمة الكفر فهم لا يبصرون الهدى ، قاله يحيى بن سلام ، ومعنى قول مجاهد .
الثاني : فأغشيناهم بظلمة الليل فهم لا يبصرون محمداً صلى الله عليه وسلم حين ائتمروا على قتله ، قاله السدي ، ومحمد بن كعب .
قوله عز وجل : { إِنَّمَا تُنذِرُ مَن اتَّبَعَ الذِّكرَ } يعني القرآن . { وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ } فيه وجهان :
أحدهما : ما يغيب به عن الناس من شر عمله ، قاله السدي .
الثاني : ما غاب من عذاب الله وناره ، قاله قتادة .
{ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ } لذنبه .
{ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } لطاعته ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه الكثير . الثاني : الذي تنال معه الكرامة .

(3/436)


قوله عز وجل : { إنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى } فيه وجهان :
أحدهما : نحييهم بالإيمان بعد الكفر ، قاله الضحاك .
الثاني : بالبعث للجزاء ، قاله يحيى بن سلام .
{ ونَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَارَهُمْ } فيه تأويلان : أحدهما : ما قدموا هو ما عملوا من خير أو شر ، وآثارهم ما أثروا من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعدهم ، قاله سعيد بن جبير .
الثاني : ما قدموا : أعمالهم ، وآثارهم : خطاهم إلى المساجد ، قاله مجاهد .
روى سفيان عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال : كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد ، فنزلت : { إنَّا نَحْنُ نُحِيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَارَهُمْ } وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : « إن آثَارَكُمْ تُكْتَبُ فَلَمْ يَنتَقِلُوا
» . ويحتمل إن لم يثبت نقل هذا السبب تأويلاً ثالثاً أن آثارهم هو أن يصلح من صاحبهم بصلاحهم ، أو يفسد بفسادهم .
{ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ } فيه وجهان :
أحدهما : علمناه .
الثاني : حفظناه .
{ في إمَامٍ مُّبِينٍ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدهما : اللوح المحفوظ ، قاله السدي . الثاني : أم الكتاب قاله مجاهد .
الثالث : معناه طريق مستقيم ، قاله الضحاك .

(3/437)


وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17)

قوله عز وجل : { وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ } هذه القرية هي أنطاكية من قول جميع المفسرين .
{ إذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا } اختلف في اسميهما على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهما شمعون ويوحنا ، قاله شعيب .
الثاني : صادق وصدوق ، قاله ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه .
الثالث : سمعان ويحيى ، حكاه النقاش .
{ فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : فشددنا ، قاله مجاهد .
الثاني : فزدنا ، قاله ابن جريج .
الثالث : قوينا مأخوذ من العزة وهي القوة المنيعة ، ومنه قولهم : من عز وبز : واختلف في اسمه على قولين :
أحدهما : يونس قاله شعيب .
الثاني : شلوم ، قاله ابن عباس وكعب ووهب . وكان ملك أنطاكية أحد الفراعنة يعبد الأصنام مع أهلها ، وكانت لهم ثلاثة أصنام يعبدونها ، ذكر النقاش أن أسماءها رومس وقيل وارطميس .
واختلف في اسم الملك على قولين :
أحدهما : أن اسمه أنطيخس ، قاله ابن عباس وكعب ووهب .
الثاني : انطرا ، قاله شعيب .
قوله عز وجل : { مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا } وهذا القول منهم إنكار لرسالته ، ويحتمل وجهين :
أحدهما : أنكم مثلنا غير رسل وإن جاز أن يكون البشر رسلاً .
الثاني : إن مثلكم من البشر لا يجوز أن يكونوا رسلاً .
{ وَمَآ أَنزَلَ الرَّحْمنُ مِن شَيْءٍ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون ذلك منهم إنكاراً للرحمن أن يكون إلهاً مرسلاً .
الثاني : أن يكون ذلك إنكاراً أن يكونوا للرحمن رسلاً .
{ إنْ أَنتُمْ إِلاَّ تُكْذِبُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : تكذبون في أن لنا إلهاً .
الثاني : تكذبون في أن تكونوا رسلاً .
قوله عز وجل : { قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ } فإن قيل يعلم الله تعالى أنهم لا تكون حجة عند الكفار لهم .
قيل يحتمل قولهم ذلك وجهين :
أحدهما : معناه ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون بما يظهره لنا من المعجزات ، وقد قيل إنهم أحيوا ميتاً وأبرؤوا زمِناً .
الثاني : أن تمكين ربنا لنا إنما هو لعلمه بصدقنا .
واختلف أهل العلم فيهم على قولين :
أحدهما : أنهم كانوا رسلاً من الله تعالى إليهم .
الثاني : أنهم كانوا رسل عيسى عليه السلام من جملة الحواريين أرسلهم إليهم فجاز ، لأنهم رسل رسول الله ، أن يكونوا رسلاً لله ، قاله ابن جريج .
{ وَمَا عَلَيْنَآ إلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ } يعني بالإعجاز الدال على صحة الرسالة أن الذي على الرسل إبلاغ الرسالة وليس عليهم الإجابة ، وإنما الإجابة على المدعوين دون الداعين .

(3/438)


قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)

قوله عز وجل : { قَالُواْ إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : تشاءَمنا بكم ، وعساهم قالوا ذلك لسوء أصابهم ، قاله يحيى بن سلام . قيل إنه حبس المطر عن أنطاكية في أيامهم .
الثاني : معناه إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم ، قاله قتادة : تحذيراً من الرجوع عن دينهم .
الثالث : استوحشنا منكم فيما دعوتمونا إليه من دينكم .
{ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ } فيه ثلاثة أوجه : أحدها : لنرجمنكم بالحجارة ، قاله قتادة .
الثاني : لنقتلنكم ، قاله السدي .
الثالث : لنشتمنكم ونؤذيكم ، قاله النقاش .
{ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه القتل .
الثاني : التعذيب المؤلم قبل القتل .
قوله عز وجل : { قَالُواْ طَآئِرَكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُمْ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : أن أعمالكم معكم أئن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا ، قاله قتادة .
الثاني : أن الشؤم معكم إن أقمتم على الكفر إذا ذكرتم ، قاله ابن عيسى .
الثالث : معناه أن كل من ذكركم بالله تطيرتم به ، حكاه بعض المتأخرين .
الرابع : أن عملكم ورزقكم معكم ، حكاه ابن حسام المالكي .
{ بَل أَنتُمْ قومٌ مُّسْرفُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : في تطيركم ، قاله قتادة .
الثاني : مسرفون في كفركم ، قاله يحيى بن سلام . وقال ابن بحر : السرف ها هنا الفساد ومعناه بل أنتم قوم مفسدون ، ومنه قول الشاعر :
إن امرأ سرف الفؤاد يرى ... عسلاً بماءِ غمامة شتمي
وقيل : إن شمعون من بينهم أحيا بنت ملك أنطاكية من قبرها ، فلم يؤمن أحد منهم غير حبيب النجار فإنه ترك تجارته حين سمع بهم وجاءهم مسرعاً فآمن ، وقتلوا جميعاً وحبيب معهم ، وألقوا في بئر . قال مقاتل : هم أصحاب الرس : ولما عرج بروح حبيب إلى الجنة تمنى فقال { يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بَمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ }

(3/439)


وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25)

قوله عز وجل : { وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى } اختلف فيه على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه كان إسكافاً ، قاله عمربن عبد الحكيم .
الثاني : أنه كان قصاراً ، قاله السدي .
الثالث : أنه كان حبيب النجار ، قاله ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد .
{ قَالَ يَا قَومِ اتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ } وفي علمه بنبوتهم وتصديقه لهم قولان :
أحدهما : لأنه كان ذا زمانة أو جذام فأبرؤوه ، قاله ابن عباس .
الثاني : لأنهم لما دعوه قال أتأخذون على ذلك أجراً؟ قالوا لا ، فاعتقد صدقهم وآمن بهم ، قاله أبو العالية .
قوله عز وجل : { اتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون قال ذلك تنبيهاً على صدقهم .
الثاني : أن يكون قال ذلك ترغيباً في أجابتهم .
{ وُهُم مُّهْتَدُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : مهتدون لهدايتكم .
الثاني : مهتدون فاهتدوا بهم .
قوله عز وجل : { وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي } أي خلقني { وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ } أي تبعثون . فإن قيل : فلم أضاف الفطرة إلى نفسه والبعث إليهم وهو معترف أن الله فطرهم جميعاً ويبعثهم إليه جميعاً؟
قيل : لأنه خلق الله تعالى له نعمة عليه توجب الشكر ، والبعث في القيامة وعيد يقتضي الزجر ، فكان إضافة النعمة ، إلى نفسه إضافة شكر ، وإضافة الزجر إلى الكافر أبلغ أثراً .
قال قتادة : بلغني أنهم لما قال لهم : وما لي لا أعبد الذي فطرني وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه وهو يقول : يا رب اهدِ قومي ، أحسبه قال : فإنهم لا يعلمون .
قوله عز وجل : { إِنِّي ءَامَنتُ بِرَبِّكُم فَاسْمَعُونِ } فيه قولان :
أحدهما : أنه خاطب الرسل بذلك أنه يؤمن بالله ربهم { فَاسْمَعُونِ } أي فاشهدوا لي ، قاله ابن مسعود .
الثاني : أنه خاطب قومه بذلك ، ومعناه إني آمنت بربكم الذي كفرتم به فاسمعوا قولي ، قاله وهب بن منبه .

(3/440)


قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)

قوله عز وجل : { قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ } فيه قولان :
أحدهما : أنه أمر بدخول الجنة .
الثاني : أنه أخبر بأنه قد استحق دخول الجنة لأن دخولها يستحق بعد البعث .
{ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ } في هذا التمني منه قولان :
أحدهما : أنه تمنى أن يعلموا حاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته .
الثاني : أنه تمنى ذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله . قال ابن عباس : نصح قومه حياً وميتاً .
ويحتمل قوله : { وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكرَمِينَ } وجهين :
أحدهما : ممن أكرمه بقبول عمله . الثاني : ممن أحله دار كرامته .

(3/441)


وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32)

قوله عز وجل { وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء } فيه قولان : أحدهما : معنى جند من السماء أي رسالة ، قاله مجاهد ، لأن الله تعالى قطع عنهم الرسل حين قتلوا رسله .
الثاني : أن الجند الملائكة الذين ينزلون الوحي على الأنبياء ، قاله الحسن .
{ وما كنا منزلين } أي فاعلين .
{ إن كانت إلا صيحة واحدةً } فيها قولان :
أحدهما : أنَّ الصيحة هي العذاب .
الثاني : أنها صيحة من جبريل عليه السلام ليس لها مثنوية ، قاله السدي .
{ فإذا هم خامدون } أي ميتون تشبيهاً بالرماد الخامد .
قوله عز وجل : { يا حسرةً على العباد ما يأتيهم } فيه ثلاثة أوجه : أحدها : يا حسرة العباد على أنفسها ، قال قتادة ، وحكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم في بعض القراءات متلوٍّا .
الثاني : أنها حسرتهم على الرسل الثلاثة ، قاله أبو العالية .
الثالث : أنها حسرة الملائكة على العباد في تكذيبهم الرسل ، قاله الضحاك .
وفيه وجه رابع : عن ابن عباس أنهم حلوا محل من يتحسر عليهم .
{ ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءُون } الاستهزاء منهم قبل العذاب .
وفي الحسرة منهم قولان :
أحدهما : بعد معاينة العذاب .
الثاني : في القيامة ، قاله ابن عباس .
قوله عز وجل : { وإن كلُّ لما جميعٌ } يعني الماضين والباقين .
{ لدينا محضرون } فيه وجهان :
أحدهما : معذبون ، قاله السدي .
الثاني : مبعثون ، قاله يحيى بن سلام .

(3/442)


وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36)

قوله عز وجل : { وفجرنا فيها مِن العيون ليأكلوا من ثمَرِه وما عَمِلتْهُ أيديهم } فيه وجهان :
أحدهما : أنها إثبات وتقديره : ومما عملته أيديهم ، قاله الكلبي والفراء وابن قتيبة .
والوجه الثاني : أنها جحد وفيها على هذا القول وجهان :
أحدهما : وما لم تعمله أيديهم من الأنهار التي أجراها الله سبحانه لهم . قال الضحاك يعني الفرات ودجلة ونهر بلخ ونيل مصر .
الثاني : وما لم تعمله أيديهم من الزرع الذي أنبته الله تعالى لهم .
قوله عز وجل : { سبحان الذي خَلَق الأزواج كلها } فيه وجهان :
أحدهما : يعني الأصناف كلها ، قاله السدي .
الثاني : يعني من النخل والشجر والزرع كل صنف منه زوج .
{ ومن أنفسهم } وفي ذلك دليل على مشاكلة الحيوان لهم في أنها زوج ذكر وأنثى .
{ ومما لا يَعْلمون } فيه وجهان :
أحدهما : يعني الروح التي يعلمها الله ولا يعلمها غيره .
الثاني : ما يرى نادراً من حيوان ونبات .
ويحتمل ثالثاً : مما لا تعلمون من تقلب الولد في بطن أمه .

(3/443)


وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)

قوله عز وجل : { وآيةٌ لهم الليل نسلخ منه النهار } أي نخرج منه النهار يعني ضوءه ، مأخوذ من سلخ الشاة إذا خرجت من جلدها .
{ فإذا هم مظلمون } أي في ظلمة لأن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضىء ، فإذا خرج منه أظلم .
{ والشمس تجري لمستقر لها } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يعني لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : لوقت واحد لا تعدوه ، قاله قتادة .
الثالث : أي أبعد منازلها في الغروب ، ثم ترجع إلى أدنى منازلها ، قاله الكلبي . وروى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقرأها : والشمس تجري لا مستقر لها . وتأويل هذه القراءة أنها تجري في الليل والنهار ولا وقوف لها ولا قرار .
وقوله عز وجل : { والقمر قدرناه منازل } فيه وجهان :
أحدهما : جعله في كل ليلة على مقر له ، يزيد في كل ليلة من أول الشهر حتى يستكمل ثم ينقص بعد استكماله حتى يعود كما بدأ ، وهو محتمل .
الثاني : أنه يطلع كل ليلة في منزل حتى يستكمل جميع المنازل في كل شهر ، ولذلك جعل بعض الحساب السنة الشمسية ثلاثة عشر شهراً قمرياً .
{ حتى عَادَ كالعرجون القديم } فيه قولان :
أحدهما : أنه العذق اليابس إذا استقوس ، وهو معنى قول ابن عباس ، ومنه قول أعشى قيس :
شرق المسك والعبير بها ... فهي صفراء كعرجون القمر
الثاني : أنه النخل إذا انحنى مائلاً ، قاله الحسن .
{ لا الشمس ينبغي لها أن تُدْرِك القَمر } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : أي لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر ، قاله مجاهد .
الثاني : لا يجتمع ضوء أحدهما مع ضوء الآخر ، لأن ضوء القمر ليلاً وضوء الشمس نهاراً ، فإذا جاء سلطان أحدهما ذهب سلطان الآخر ، قاله قتادة .
الثالث : معناه أنهما إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر في منازل لا يشتركان فيها ، قاله ابن عباس .
الرابع : أنهما لا يجتمعان في السماء ليلة الهلال خاصة ، قاله الحسن .
الخامس : أنه لا تدرك الشمس القمر ليلة البدر خاصة لأنه يبادر بالمغيب قبل طلوعها ، حكاه يحيى بن سلام .
{ ولا الليلُ سابق النهار } فيه وجهان :
أحدهما : يعني أنه لا يتقدم الليل قبل استكمال النهار وهو معنى قول يحيى بن سلام .
الثاني : أنه لا يأتي ليل بعد ليل متصل حتى يكون بينهما نهار منفصل ، وهو معنى قول عكرمة .
ومن الناس من يجعل هذا دليلاً على أن أول الشهر النهار دون الليل ، لأنه إذا لم يسبق الليل النهار واستحال اجتماعهما وجب أن يكون النهار سابقاً . وهذا قول يدفعه الشرع ويمنع منه الإجماع .
{ وكلٌّ في فلك يسْبَحون } قال الحسن : الشمس والقمر والنجوم في فلك بين السماء والأرض غير ملتصقة بالسماء ، ولو كانت ملتصقة ما جرت .
وفي قوله تعالى : { يسبحون } ثلاثة أقاويل :
أحدها : يجرون ، قاله ابن عباس .
الثاني : يدورون كما يدور المغزل في الفلكة ، قاله عكرمة ومجاهد .
الثالث : يعملون ، قاله الضحاك .

(3/444)


وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44)

قوله عز وجل : { وآية لهم } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : عبرة لهم لأن في الآيات اعتباراً .
الثاني : نعمة عليهم لأن في الآيات إنعاماً .
الثالث : إنذار لهم لأن في الآيات إنذاراً .
{ أنَّا حَملْنا ذُرّيتَهم في الفلك المشحون } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الذرية الآباء حملهم الله تعالى في سفينة نوح عليه السلام ، قاله أبان بن عثمان ، وسمى الآباء ذرية لأن منهم ذرء الأبناء .
الثاني : أن الذرية الأبناء والنساء لأنهم ذرء الآباء حملوا في السفن ، والفلك هي السفن الكبار ، قاله السدي .
الثالث : أن الذرية النطف حملها الله تعالى في بطون النساء تشبيهاً بالفلك المشحون ، قاله عليّ رضي الله عنه .
وفي { المشحون } قولان :
أحدهما : الموقر ، قاله ابن عباس .
الثاني : المملوء ، حكاه ابن عباس أيضاً .
{ وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } فيه أربعة تأويلات : أحدها : أنه خلق مثل سفينة نوح مما يركبونها من السفن ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنها السفن الصغار خلقها لهم مثل السفن الكبار ، قاله أبو مالك .
الثالث : أنها سفن الأنهار خلقها لهم مثل سفن البحار ، قاله السدي .
الرابع : أنها الإبل خلقها لهم للركوب في البر مثل السفن المركوبة في البحر ، قاله الحسن وعبد الله بن شداد . والعرب تشبه الإبل بالسفن ، قال طرفة :
كأنَّ حدوج المالكية غدوةً ... خلايا سَفينٍ بالنواصِف من رَدِ
ويجيء على مقتضى تأويل عليّ رضي الله عنه في أن الذرية في الفلك المشحون هي النطف في بطون النساء . قولٌ خامس في قوله : { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } :
أن يكون تأويله النساء خلقن لركوب الأزواج ، لكن لم أره محكياً .
قوله عز وجل : { وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم } فيه وجهان :
أحدهما : فلا مغيث لهم ، رواه سعيد عن قتادة .
الثاني : فلا منعة لهم ، رواه شيبان عن قتادة .
{ ولا هم ينقذون } فيه وجهان :
أحدهما : من الغرق .
الثاني : من العذاب .
{ إلا رحمة منا } فيه وجهان :
أحدهما : إلا رحمتنا ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : إلا نعمة منا ، قاله مقاتل .
{ ومتاعاً إلى حين } فيه وجهان :
أحدهما : إلى الموت ، قاله قتادة .
الثاني : إلى القيامة ، قاله يحيى .

(3/445)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47)

قوله عز وجل : { وإذا قيل لهم اتَّقوا ما بين أيديكم وما خلْفكم } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : ما بين أيديكم ما مضى من الذنوب ، وما خلفكم ما يأتي من الذنوب ، قاله مجاهد .
الثاني : ما بين أيديكم من الدنيا ، وما خلفكم من عذاب الآخرة ، قاله سفيان .
الثالث : ما بين أيديكم عذاب الله لمن تقدم من عاد وثمود ، وما خلفكم من أمر الساعة ، قاله قتادة .
ويحتمل تأويلاً رابعاً : ما بين أيديكم ما ظهر لكم ، وما خلفكم ما خفي عنكم .
{ لعلكم ترحمون } معناه لكي ترحموا فلا تعذبوا . ولهذا الكلام جواب محذوف تقديره : إذا قيل لهم هذا أعرضوا عنه .
قوله عز وجل : { وما تأتيهم مِن آيةٍ مِنْ آيات ربِّهم } فيها ثلاثة تأويلات :
أحدها : من آية من كتاب الله ، قاله قتادة .
الثاني : من رسول ، قاله الحسن .
الثالث : من معجز ، قاله النقاش .
ويحتمل رابعاً : ما أنذروا به من زواجر الآيات والعبر في الأمم السالفة .
قوله عز وجل : { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم اللهُ قال الذين كفروا } الآية . فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم اليهود أمروا بإطعام الفقراء فقالوا { أنطعم من لو يشاء الله أطعمه } قال الحسن .
الثاني : أنهم الزنادقة أمروا فقالوا ذلك ، قاله قتادة .
الثالث : أنهم مشركو قريش جعلوا لأصنامهم في أموالهم سهماً فلما سألهم الفقراء أجابوهم بذلك ، قاله النقاش .
ويحتمل هذا القول منهم وجهين :
أحدهما : إنكارهم وجوب الصدقات في الأموال .
الثاني : إنكارهم على إغناء من أفقره الله تعالى ومعونة من لم يعنه الله تعالى .
{ إن أنتم إلا في ضلال مبين } فيه قولان :
أحدهما : أنه من قول الكفار لمن أمرهم بالإطعام ، قاله قتادة .
الثاني : أنه من قول الله تعالى لهم حين ردوا بهذا الجواب ، حكاه ابن عيسى .

(3/446)


وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50)

قوله عز وجل : { ويقولون متى هذا الوعدُ إن كنتم صادقين } فيه وجهان :
أحدهما : ما وعدوا به من العذاب ، قاله يحيى بن سلام . الثاني : ما وعدوا به من الظفر بهم ، قاله قتادة .
قوله عز وجل : { ما ينظرون إلا صيحةً واحدة تأخذهم } قال السدي : هي النفخة الأولى من إسرافيل ينتظرها آخر هذه الأمة من المشركين ، وروى نعيم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه فما يطويانه حتى تقوم ، والرجل يخفض ميزانه فما يرفعه حتى تقوم ، والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم ، والرجل يرفع أكلته إلى فيه فما تصل إلى فيه حتى تقوم
» . { وهم يخصمون } فيه وجهان :
أحدهما : يتكلمون في معايشهم ومتاجرهم ، قاله السدي .
الثاني : يخصمون في دفع النشأة الثانية ، حكاه ابن عيسى .
{ فلا يستطيعون توصية } أي يستطيع بعضهم أن يوصي إلى بعض بما في يديه من حق .
ويحتمل وجهاً ثانياً : أنه لا يستطيع أن يوصي بعضهم بعضاً بالتوبة والإقلاع .
{ ولا إلى إهلهم يرجعون } أي إلى منازلهم ، قال قتادة لأنهم أعجلوا عن ذلك .

(3/447)


وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)

قوله عز وجل : { ونفخ في الصور } وهذه هي النفخة الثانية للنشأة وقيل إن بينهما أربعين سنة . روى المبارك بن فضالة عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « بين النفختين أربعون : الأولى يميت الله سبحانه بها كل حي ، والآخرة يحيي الله بها كل ميت »
والنفخة الثانية من الآخرة . وفي الأولى قولان : أحدهما : أنها من الدنيا ، قاله عكرمة .
الثاني : أنها من الآخرة ، قاله الحسن .
{ فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون } والأجداث القبور ، وأحدها جدث . وفي قوله تعالى { ينسلون } ثلاثة تأويلات :
أحدها : يخرجون ، قاله ابن عباس وقتادة ، قال الشاعر :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي
الثاني : يسرعون ، كقول الشاعر :
عسلان الذئب أمسى قاربا ... بَرَدَ الليلُ عليه فنسل
الثالث : يتخلصون من السلو ، قاله ابن بحر .
قوله عز وجل : { قالوا يا ويلنا من بعثنا مِن مَرقدنا } قال قتادة : هي النومة بين النفختين لا يفتر عنهم عذاب القبر إلا فيها . وفي تأويل هذا القول قولان :
أحدهما : أنه قول المؤمنين ثم يجيبون أنفسهم فيقولون : { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } حكاه ابن عيسى .
الثاني : أنه قول الكفار لإنكارهم البعث فيقال لهم : { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } .
وفي قائل ذلك لهم قولان :
أحدهما : أنه قول المؤمنين لهم عند قيامهم من الأجداث معهم ، قاله قتادة .
الثاني : أنه قول الملائكة لهم ، قاله الحسن .
وفي { هذا } وجهان :
أحدهما : أنه إشارة إلى المرقد تماماً لقوله تعالى { من بعثنا من مرقدنا هذا } وعليه يجب أن يكون الوقف .
الثاني : أنه ابتداء { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } فيكون إشارة إلى الوعد ويكون الوقف قبله والابتداء منه .

(3/448)


إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58)

قوله عز وجل : { إن أصحاب الجنة اليوم في شُغُل فاكهون } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : في افتضاض الأبكار ، قاله الحسن وسعيد بن جبير وابن مسعود وقتادة .
الثاني : في ضرب الأوتار ، قاله ابن عباس ومسافع بن أبي شريح .
الثالث : في نعمة ، قاله مجاهد .
الرابع : في شغل مما يَلقى أهل النار ، قاله إسماعيل بن أبي خالد وأبان بن تغلب . وروي بضم الغين وقرىء بتسكينها وفيها وجهان :
أحدهما : أن الشغل بالضم المحبوب .
الثاني : الشغل بالإسكان يعني المروة ، فعلى هذا لا يجوز أن يقرأ بالإسكان في أهل الجنة ولا يقرأ بالضم في أهل النار .
{ فاكهون } ويقرأ : فكهون ، بغير ألف . وفي اختلاف القراءتين وجهان :
أحدهما : أنها سواء ومعناهما واحد يقال فاكه وفكه كا يقال حاذر وحذر قاله الفراء .
الثاني : أن معناهما في اللغة مختلف فالفكه الذي يتفكه بأعراض الناس . والفاكه ذو الفاكهة ، قاله أبو عبيد وأنشد :
فكه إلى جنب الخوان إذا عدت ... نكْباء تقلع ثابت الأطنابِ
وفيه ها هنا أربعة تأويلات :
أحدها : فرحون ، قاله ابن عباس .
الثاني : ناعمون ، قاله قتادة .
الثالث : معجبون ، قاله مجاهد .
الرابع : ذو فاكهة كما يقال شاحم لاحم أي ذو شحم ولحم ، وكما قال الشاعر :
وغررتني وزعمت أنَّك لابنٌ بالصيف تامر ... أي ذو لبن وتمر .
قوله عز وجل : { هم وأزواجُهم في ظلال } فيه وجهان :
أحدهما : وأزواجهم في الدنيا من وافقهم على إيمانهم .
الثاني : أزواجهم اللاتي زوّجهم الله تعالى بهن في الجنة من الحور العين .
{ في ظِلال } يحتمل وجهين :
أحدهما : في ظلال النعيم .
الثاني : في ظلال تسترهم من نظر العيون إليهم .
قوله عز وجل : { لهم فيها فاكهةٌ ولهُم ما يَدَّعون } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : ما يشتهون ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : ما يسألون ، قاله ابن زياد . الثالث : ما يتمنون ، قاله أبو عبيدة .
الرابع : ما يدعونه فيأتيهم ، قاله الكلبي قال الزجاج : وهو مأخوذ من الدعاء .
ويحتمل خامساً : ما يدّعون أنه لهم فهو لهم لا يدفعون عنه ، وهم مصروفون عن دعوى ما لا يستحقون .
قوله عز وجل : { سلامٌ قولاً مِن رَبِّ رحيم } فيه وجهان :
أحدهما : أنه سلام الله تعالى عليهم إكراماً لهم ، قاله محمد بن كعب .
الثاني : أنه تبشير الله تعالى لهم بسلامتهم .

(3/449)


وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62)

قوله عز وجل : { وامتازوا اليوم أيُّها المجرمون } فيه وجهان :
أحدهما : قاله الكلبي ، لأن المؤمنين والكفار يحشرون مع رسلهم فلذلك يؤمرون بالامتياز .
الثاني : يمتاز المجرمون بعضهم من بعض ، فيمتاز اليهود فرقة ، والنصارى فرقة ، والمجوس فرقة ، والصابئون فرقة ، وعبدة الأوثان فرقة ، قاله الضحاك .
فيحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون الامتياز عند الوقوف .
الثاني : عند الانكفاء إلى النار .
قال دواد بن الجراح : فيمتاز المسلمون من المجرمين إلا صاحب الهوى فيكون مع المجرمين .
قوله عز وجل : { ولقد أَضَلَّ منكم جبلاً كثيراً } فيه ثلاثة أوجه : أحدها : جموعاً كثيرة ، قاله قتادة .
الثاني : أمماً كثيرة ، قاله الكلبي .
الثالث : خلقاً كثيراً ، قاله مجاهد ومطرف . وحكى الضحاك أن الجِبِلّ الواحد عشرة آلاف ، والكثير ما لا يحصيه إلاّ الله تعالى .

(3/450)


هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (67)

قوله عز وجل : { اليوم نختم على أفواههم } فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون منعها من الكلام هو الختم عليها .
الثاني : أن يكون ختماً يوضع عليها فيرى ويمنع من الكلام .
وفي سبب الختم أربعة أوجه :
أحدها : لأنهم قالوا { والله ربنا ما كنا مشركين } فختم الله تعالىعلى أفواههم حتى نطقت جوارحهم ، قاله أبو موسى الأشعري .
الثاني : لِيَعرفهم أهل الموقف فيتميزون منهم ، قاله ابن زياد .
الثالث : لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الإلزام من إقرار الناطق لخروجه مخرج الإعجاز وإن كان يوماً لا يحتاج فيه إلى الإعجاز .
الرابع : ليعلم أن أعضاءه التي كانت لهم أعواناً في حق نفسه صارت عليه شهوداً في حق ربه .
{ وتُكلِّمنا أيديهم وتشهدُ أرجلهم بما كانوا يكسبون } وفي كلامها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه يظهر منها سِمة تقوم [ مقام ] كلامها كما قال الشاعر :
وقد قالت العينان سمعاً وطاعة ... وحَدَّرنا كالدر لما يثَقّبِ
الثاني : أن الموكلين بها يشهدون عليها .
الثالث : أن الله تعالى يخلق فيها ما يتهيأ معه الكلام منها . روى الشعبي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يقال لأركانه انطقي فتنطق بعمله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول : بُعداً لكنَّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل » . فإن قيل فلم قال { وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم } فجعل ما كان من اليد . كلاماً ، وما كان من الرجل شهادة؟
قيل لأن اليد مباشرة لعمله والرجل حاضرة ، وقول الحاضر على غيره شهادة ، وقول الفاعل على نفسه إقرار ، فلذلك عبّر عما صدر من الأيدي بالقول ، وعما صدر من الأرجل بالشهادة . وقد روى شريح بن عبيد عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل اليسرى
» . فاحتمل أن يكون تقدم الفخذ بالكلام على سائر الأعضاء لأن لذة معاصيه يدركها بحواسه التي في الشطر الأعلى من جسده ، وأقرب أعضاء الشطر الأسفل منها الفخذ ، فجاز لقربه منها أن يتقدم في الشهادة عليها ، وتقدمت اليسرى لأن الشهوة في ميامن الأعضاء أقوى منها في مياسرها ، فلذلك تقدمت اليسرى على اليمنى لقلة شهوتها .
قوله عز وجل : { ولو نشاءُ لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصِّراطَ } فيه وجهان :
أحدهما : لأعمينا أبصار المشركين في الدنيا فضلوا عن الطريق فلا يبصرون عقوبة لهم ، قاله قتادة .
الثاني : لأعمينا قلوبهم فضلوا عن الحق فلم يهتدوا إليه ، قاله ابن عباس .
قال الأخفش وابن قتيبة : المطموس هو الذي لا يكون بين جفنيه شق مأخوذ من طمس الريح الأثر .
{ ولو نشاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ } فيه ثلاث تأويلات :
أحدها : لأقعدناهم على أرجلهم ، قاله الحسن وقتادة .
الثاني : لأهلكناهم في مساكنهم ، قاله ابن عباس .
الثالث : لغيّرنا خلْقهم فلا ينقلبون ، قاله السدي .
{ فما استطاعوا مُضِيّاً ولا يرجعون } فيه وجهان :
أحدهما : فما استطاعوا لو فعلنا ذلك بهم أن يتقدموا ولا يتأخروا ، قاله قتادة .
الثاني : فما استطاعوا مُضِيّاً في الدنيا ، ولا رجوعاً فيها ، قاله أبو صالح .

(3/451)


وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70)

قوله عز وجل : { ومَن نعمِّره ننكِّسهُ في الخَلْق } في قوله { نعمره } قولان :
أحدهما : بلوغ ثمانين سنة ، قاله سفيان .
الثاني : هو الهرم ، قاله قتادة . وفي قوله تعالى { ننكِّسْه } تأويلان :
أحدهما : نردُّه في الضعف إلى حال الضعف فلا يعلم شيئاً ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : نغير سمعه وبصره وقوته ، قاله قتادة .
و { في الخلق } وجهان :
أحدهما : جميع الخلق ويكون معناه : ومن عمرناه من الخلق نكسناه في الخلق .
والوجه الثاني : أنه عنى خلقه ، ويكون معنى الكلام : من أطلنا عمره نكسنا خلقه ، فصار مكان القوة الضعف ، ومكان الشباب الهرم ، ومكان الزيادة النقصان .
{ أفلا تعقلون } أن من فعل هذا بكم قادر على بعثكم .
قوله عز وجل : { وما علّمْناه الشِّعر وما ينبغي له } يحتمل وجهين :
أحدهما : أي ليس الذي علمناه من القرآن شعراً .
الثاني : أي لم نعلم رسولنا أن يقول الشعر .
{ وما ينبغي له } يحتمل وجهين :
أحدهما : وما ينبغي له أن يقول شعراً .
الثاني : وما ينبغي لنا أن نعلمه شعراً .
{ إنْ هو لا ذكر وقرآن مُبين } يحتمل وجهين :
أحدهما : إنْ علّمناه إلا ذكراً وقرآناً مبيناً .
الثاني : إنْ هذا الذي يتلوه عليكم إلا ذكر وقرآن مبين .
قوله عز وجل : { لينذر من كان حَيّاً } فيه قولان :
أحدهما : لتنذر يا محمد من كان حياً ، وهذا تأويل من قرأ بالتاء .
الثاني : لينذر القرآن من كان حياً ، وهو تأويل من قرأ بالياء .
وفي { مَن كان حَيّاً } ها هنا أربعة تأويلات :
أحدها : من كان غافلاً ، قاله الضحاك .
الثاني : من كان حي القلب حي البصر ، قاله قتادة .
الثالث : من كان مؤمناً ، قاله يحيى بن سلام .
الرابع : من كان مهتدياً ، قاله السدي .
{ ويحِقَّ القَوْل على الكافرين } معناه : ويجب العذاب على الكافرين .

(3/452)


أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73)

قوله عز جل : { أو لم يروا أَنا خلقنا لهم مما عَمِلتْ أيدينا أنعاماً } فيه وجهان :
أحدهما يعني بقوتنا : قاله الحسن كقوله تعالى { والسماء بنيناها بأيد } [ الذاريات : 47 ] أي بقوة .
الثاني : يعني من فعلنا وعملنا من غير أن نكله إلى غيرنا ، قاله السدي . والأنعام : الإبل والبقر والغنم .
{ فهم لها مالكون } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : ضابطون ، قاله قتادة ، ومنه قول الشاعر :
أصبحت لا أحمل السِّلاح ولا ... أملِك رأس البعير إن نَفَرا
الثاني : مطبقون رواه معمر .
الثالث : مقتنون وهو معنى قول ابن عيسى .
قوله عز وجل : { وذللناها لهم } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : وطيبناها لهم؛ قاله ابن عيسى .
الثاني : سخرناها لهم ، قاله ابن زيد .
الثالث : ملكناها لهم .
{ فمنها ركوبُهم } والركوب بالضم مصدر ركب يركب ركوباً ، والركوب بالفتح الدابة التي تصلح أن تركب .
{ ومنها يأكلون } يعني لحوم المأكول منها .
{ ولهم فيها منافع } قال قتادة : هي لبس أصوافها .
{ ومشارب } يعني شرب ألبانها { أفلا يشكرون } يعني رب هذه النعمة بتوحيده وطاعته .

(3/453)


وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76)

قوله عز وجل : { . . . وهم لهم جندٌ محضرون } يعني أن المشركين لأوثانهم جند ، وفي الجند ها هنا وجهان :
أحدهما : شيعة ، قاله ابن جريج .
الثاني : أعوان .
{ محضرون } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : محضرون عند الحساب ، قاله مجاهد .
الثاني : محضرون في النار ، قاله الحسن .
الثالث : محضرون للدفع عنهم والمنع منهم ، قاله حميد . قال قتادة : يغضبون لآلهتهم ، وآلهتهم لا تنصرهم .

(3/454)


أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)

قوله عز وجل : { أو لَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نفطةٍ } فيه قولان :
أحدهما : أنها نزلت في أبيّ بن خلف الجمحي أتى النبي صلى الله عليه وسلم يجادله في بعث الموتى ، قاله عكرمة ومجاهد والسدي .
الثاني : أنها نزلت في العاص بن وائل أخذ عظماً من البطحاء ففته بيده ثم قال لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : أيحيي اللَّه هذا بعدما أرمّ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « نعم ويميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم » فنزلت هذه الآيات فيه ، قاله ابن عباس .
{ فإذا هو خصيمٌ مبينٌ } أي مجادل في الخصومة مبين للحجة ، يريد بذلك أنه صار بعد أن لم يكن شيئاً خصيماً مبيناً ، فاحتمل ذلك أمرين :
أحدهما : أن ينبهه بذلك على نعمه عليه .
الثاني : أن يدله بذلك على إحياء الموتى كما ابتدأه بعد أن لم يكن شيئاً .
قوله عز وجل : { وضَرب لنا مثلاً ونَسي خلقه } وهو من قدمنا ذكره ويحتمل وجهين :
أحدهما : أي ترك خلقه أن يستدل به .
الثاني : سها عن الاعتبار به .
{ قال مَن يُحْيِ العظَامَ وهي رَميمٌ } استبعاداً أن يعود خلقاً جديداً . فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيبه بما فيه دليل لأولي الألباب .
{ قل يحييها الذي أنشأها أول مَرَّة } أي من قدر عل إنشائها أول مرة من غير شيءٍ فهو قادرعلى إعادتها في النشأة الثانية من شيء .
{ وهو بكل خَلقٍ عليم } أي كيف يبدىء وكيف يعيد .
قوله عز وجل : { الذي جَعَلَ لكم مِنَ الشجر الأخضر ناراً } الآية أي الذي جعل النار المحرقة في الشجر الرطب المَطفي وجمع بينهما مع ما فيهما من المضادة ، لأن النار تأكل الحطب ، وأقدركم على استخراجها هو القادر على إعادة الموتى وجمع الرفات .
ويحتمل ذلك منه وجهين :
أحدهما : أن ينبه الله تعالى بذلك على قدرته التي لا يعجزها شيء .
الثاني : أن يدل بها على إحياء الموتى كما أحييت النار بالإذكاء .
قال الكلبي : كل الشجر يقدح منه النار إلا العناب .
وحكى أبو جعفر السمرقندي عن أحمد بن معاذ النحوي في قوله تعالى { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر } يعني به إبراهيم ، { ناراً } أي نوراً يعني محمداً صلى الله عليه وسلم .
{ فإذا أنتم منه توقِدون } أي تقتبسون الدين .

(3/455)


أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)

قوله عز وجل : { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } فيه وجهان :
أحدهما : معناه أن يأمر فيوجد .
الثاني : ما قاله قتادة أنه ليس شيء أخف في الكلام من { كن } ولا أهون على لسان العرب من ذلك ، فجعله الله تعالى مثلاُ لأمره في السرعة .
{ فسبحان الذي بيده ملكوت كلِّ شيءٍ } فيه وجهان :
أحدهما : خزائن كل شيء .
الثاني : ملك كل شيء إلا أن فيه مبالغة .
{ وإليه ترجعون } يعني يوم القيامة ، فيجازي المحسن ويعاقب المسيء .
وروى الضحاك عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن لكل شيءٍ قلْباً وإنَّ قلْبَ القرآن يس ، ومن قرأها في ليلة أعطي يُسْر تلك الليلة ، ومن قرأها في يوم أعطي يُسْرَ ذلك اليوم ، وإنّ أهل الجنة يرفع عنهم القرآن فلا يقرأون منه شيئاً إلا طه ويس
» .

(3/456)


وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5)

قوله عز وجل : { والصافات صفّاً } فيها ثلاثة أوجه :
أحدها : أنهم الملائكة ، قاله ابن مسعود وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة .
الثاني : أنهم عبّاد السماء ، قاله الضحاك ورواه عن ابن عباس .
الثالث : أنهم جماعة المؤمنين إذا قاموا في صفوفهم للصلاة ، حكاه النقاش لقوله تعالى { صفّاً كأنهم بنيان مرصوص } [ الصف : 4 ] .
ويحتمل رابعاً : أنها صفوف المجاهدين في قتال المشركين .
واختلف من قال الصافات الملائكة في تسميتها بذلك على ثلاثة أقاويل :
أحدها : لأنها صفوف في السماء ، قاله مسروق وقتادة .
الثاني : لأنها تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله تبارك وتعالى بما يريد ، حكاه ابن عيسى .
الثالث : لصفوفهم عند ربهم في صلاتهم ، قاله الحسن .
قوله عز وجل : { فالزاجرات زجراً } فيه ثلاثة أقاول :
أحدها : الملائكة ، قاله ابن مسعود ومسروق وقتادة وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد .
الثاني : آيات القرآن ، قاله الربيع .
الثالث : الأمر والنهي الذي نهى الله تعالى به عباده عن المعاصي ، حكاه النقاش .
ويحتمل رابعاً : أنها قتل المشركين وسبيهم .
واختلف من قال إن الزاجرات الملائكة في تسميتها بذلك على قولين :
أحدهما : لأنها تزجر السحاب ، قاله السدي .
الثاني : لأنها تزجر عن المعاصي قاله ابن عيسى .
قوله عز وجل : { فالتاليات ذكراً } أي فالقارئات كتاباً ، وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : الملائكة تقرأ كتب الله تعالى ، قاله ابن مسعود والحسن وسعيد بن جبير والسدي .
الثاني : ما يتلى في القرآن من أخبار الأمم السالفة ، قاله قتادة .
الثالث : الأنبياء يتلون الذكر على قومهم ، قاله ابن عيسى .
قوله عز وجل : { إنَّ إلهكم لواحد } كل هذا قَسَم أن الإِله واحد ، وقيل إن القسم بالله تعالى على تقدير ورب الصافات ولكن أضمره تعظيماً لذكره .
ثم وصف الإله الواحد فقال :
{ رب السموات والأرض وما بينهما } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : خالق السموات والأرض وما بينهما ، قاله ابن إسحاق .
الثاني : مالك السموات والأرض وما بينهما .
الثالث : مدبر السموات والأرض وما بينهما .
{ ورب المشارق } فيه وجهان :
الأول : قال قتادة : ثلاثمائة وستون مشرقاً ، والمغارب مثل ذلك ، تطلع الشمس كل يوم من مشرق ، وتغرب في مغرب ، قاله السدي .
الثاني : أنها مائة وثمانون مشرقاً تطلع كل يوم في مطلع حتى تنتهي إلى آخرها ثم تعود في تلك المطالع حتى تعود إلى أولها ، حكاه يحيى بن سلام ، ولا يذكر المغارب لأن المشارق تدل عليها ، وخص المشارق بالذكر لأن الشروق قبل الغروب .

(3/457)


إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10)

قوله عز وجل : { إنا زينا السماء الدنيا بزينةٍ الكواكب } يحتمل تخصيص سماء الدنيا بالذكر وجهين :
أحدهما : لاختصاصها بالدنيا .
الثاني : لاختصاصها بالمشاهدة ، وقوله بزينة الكواكب لأن من الكواكب ما خلق للزينة ، ومنها ما خلق لغير الزينة .
حكى عقبة بن زياد عن قتادة قال : خلقت النجوم لثلاث : رجوماً للشياطين ونوراً يهتدى به ، وزينة لسماء الدنيا .
{ وحفظاً مِن كُلِّ شيطان مارِدٍ } فيه وجهان :
أحدهما : يعني من الكواكب حفظاً من كل شيطان ، قاله السدي .
الثاني : أن الله سبحانه حفظ السماء من كل شيطان مارد ، قاله قتادة .
وفي المارد ثلاثة أوجه :
أحدها : الممتنع ، قاله ابن بحر .
الثاني : العاتي مأخوذ من التمرد وهو العتو .
الثالث : أنه المتجرد من الخير ، من قولهم شجرة مرداء ، إذا تجردت من الورق .
قوله عز وجل : { لا يسمعون إلى الملإِ الأعلى } فيه قولان :
أحدهما : أنهم منعوا بها أن يسمعوا أو يتسمعوا ، قاله قتادة .
الثاني : أنهم يتسمعون ولا يسمعون ، قاله ابن عباس .
وفي الملإ الأعلى قولان :
أحدهما : السماء الدنيا ، قاله قتادة .
الثاني : الملائكة ، قاله السدي .
{ ويُقذفون من كل جانب } قال مجاهد : يرمون من كل مكان من جوانبهم ، وقيل من جوانب السماء .
{ دُحوراً } فيه تأويلان :
أحدهما : قذفاً في النار ، قاله قتادة .
الثاني : طرداً بالشهب ، وهو معنى قول مجاهد .
قال ابن عيسى : والدحور : الدفع بعنف .
{ ولهم عذابٌ واصبٌ } فيه وجهان :
أحدهما : دائم .
الثاني : أنه الذي يصل وجعه إلى القلوب ، مأخوذ من الوصب .
قوله عز وجل : { إلا من خَطِفَ الخطفَة } فيه تأويلان :
أحدهما : إلا من استرق السمع ، قاله سعيد بن جبير ، مأخوذ من الاختطاف وهو الاستلاب بسرعة ، ومنه سمي الخطاف .
الثاني : من وثب الوثبة ، قاله علي بن عيسى . { فأتبعه شهابٌ ثاقب } فيه وجهان :
أحدهما : أنه الشعلة من النار .
الثاني : أنه النجم .
وفي الثاقب ستة أوجه :
أحدها : أنه الذي يثقب ، قاله زيد الرقاشي .
الثاني : أنه المضيء ، قاله الضحاك .
الثالث : أنه الماضي ، حكاه ابن عيسى .
الرابع : أنه العالي ، قاله الفراء .
الخامس : أنه المحرق ، قاله السدي .
السادس : أنه المستوقد ، من قولهم : اثقب زندك أي استوقد نارك ، قاله زيد بن أسلم والأخفش ، وأنشد قول الشاعر :
بينما المرء شهابٌ ثاقب ... ضَرَبَ الدَّهر سناه فخمد
و { إلا } ها هنا بمعنى لكن عند سيبويه . وقيل : إن الشهاب يحرقهم ليندفعوا عن استراق السمع ولا يموتون منه .

(3/458)


فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (11) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13) وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (15) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (18) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19)

قوله عز وجل : { فاستفتهم أهم أشد خلقاً } فيه وجهان :
أحدهما : فسلهم قال قتادة ، مأخوذ من استفتاء المفتي .
الثاني : فحاجِّهم أيهم أشد خلقاً ، قاله الحسن .
{ أم مَنْ خلقنا } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : من السموات والأرض والجبال ، قاله مجاهد .
الثاني : من الملائكة ، قاله سعيد بن جبير .
الثالث : من الأمم الماضية فقد هلكوا وهم أشد خلقاً منهم ، حكاه ابن عيسى .
{ إنَّاخلقناهم مِن طينٍ لازبٍ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : لاصق ، قاله ابن عباس منه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
تعلم فإن الله زادك بسطة ... وأخلاق خير كلها لك لازب
الثاني : لزج ، قاله عكرمة .
الثالث : لازق ، قاله قتادة .
والفرق بين اللاصق واللازق أن اللاصق هو الذي قد لصق بعضه ببعض ، واللازق هو الذي يلزق بما أصابه .
الرابع : لازم ، والعرب تقول طين لازب ولازم ، وقال النابغة :
ولا تحسبون الخير لا شر بعده ... ولا تحسبون الشر ضربة لازب
نزلت هذه الآية في ركانة بن زيد بن هاشم بن عبد مناف وأبي الأشد ابن أسيد بن كلاب الجمحي .
قوله عز وجل : { بل عجبت ويسخرون } وفي { عجبت } قراءتان :
إحداهما : بضم التاء ، قرأ بها حمزة والكسائي ، وهي قراءة ابن مسعود ، ويكون التعجب مضافاً إلى الله تعالى ، وإن كان لا يتعجَّبُ من شيء لأن التعجب من حدوث العلم بما لم يعلم ، واللَّه تعالى عالم بالأشياء قبل كونها .
وفي تأويل ذلك على هذه القراءة وجهان :
أحدهما : يعني بل أنكرت حكاه النقاش .
الثاني : هو قول علي بن عيسى أنهم قد حلّوا محل من يتعجب منه .
والقراءة الثانية : بفتح التاء قرأ بها الباقون ، وأضاف التعجب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قال : بل عجبت يا محمد ، قاله قتادة .
وفيما عجبت منه قولان :
أحدهما : من القرآن حين أعطيه ، قاله قتادة .
الثاني : من الحق الذي جاءهم به فلم يقبلوه ، وهو معنى قول ابن زياد . وفي قوله { وتسخرون } وجهان :
أحدهما : من الرسول إذا دعاهم .
الثاني : من القرآن إذا تلي عليهم .
قوله عز وجل : { وإذا ذكِّروا لا يذكرون } فيه وجهان :
أحدهما : وإذا ذكروا بما نزل من القرآن لا ينتفعون ، وهو معنى قول قتادة .
والثاني : وإذا ذكروا بمن هلك من الأمم لا يبصرون ، وهو معنى ما رواه سعيد .
قوله عز وجل : { وإذا رأوا آيةً يَسْتَسْخِرُونَ } وفي هذه الآية قولان : أحدهما : أنه انشقاق القمر ، قاله الضحاك .
الثاني : ما شاهدوه من هلاك المكذبين ، وهو محتمل .
وفي قوله { يستسخِرون } وجهان :
أحدهما : يستهزئون ، قاله مجاهد .
الثاني : هو أن يستدعي بعضهم من بعض السخرية بها لأن الفرق بين سخر واستسخر كالفرق بين علم واستعلم .
وقيل إن ذلك في ركانة بن زيد وأبي الأشد بن كلاب .
قوله عز وجل : { فانما هي زجرةٌ واحدةٌ } أي صيحة واحدة ، قاله الحسن : وهي النفخة الثانية وسميت الصيحة زجرة لأن مقصودها الزجر .
{ فإذا هم ينظرون } يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : البعث الذي كذبوا به .
الثاني : ينظرون سوء أعمالهم .
الثالث : ينتظرون حلول العذاب بهم ، ويكون النظر بمعنى الانتظار .

(3/459)


وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26)

قوله عز وجل : { وقالوا يا ويلنا هذا يومُ الدين } الآية . فيه وجهان :
أحدهما : يوم الحساب ، قاله ابن عباس .
الثاني : يوم الجزاء ، قاله قتادة .
{ هذا يوم الفصل } الآية . فيه وجهان :
أحدهما : يوم القضاء بين الخلائق ، قاله يحيى .
الثاني : يفصل فيه بين الحق والباطل ، قاله ابن عيسى .
قوله عز وجل : { احشروا الذين ظلموا } الآية . فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : المكذبون بالرسل .
الثاني : هم الشُرَط ، حكاه الثوري .
الثالث : هم كل من تعدى على الخالق والمخلوق .
وفي { وأزواجهم } أربعة أوجه :
أحدها : أشباههم فيحشر صاحب الزنى مع صاحب الزنى ، وصاحب الخمر مع صاحب الخمر ، قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
الثاني : قرناؤهم ، قاله ابن عباس .
الثالث : أشياعهم ، قاله قتادة ، ومنه قول الشاعر :
فكبا الثور في وسيل وروض ... مونق النبت شامل الأزواج
الرابع : نساؤهم الموافقات على الكفر ، رواه النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
{ وما كانوا يعبدون من دون الله } وفيهم ثلاثة أقاويل :
أحدها : إبليس ، قاله ابن زياد .
الثاني : الشياطين ، وهو مأثور .
الثالث : الأصنام ، قاله قتادة وعكرمة .
{ فاهدُوهم إلى صراط الجحيم } أي طريق النار .
وفي قوله تعالى : { فاهدوهم } ثلاثة أوجه :
أحدها : فدلوهم ، قاله ابن .
الثاني : فوجهوهم ، رواه معاوية بن صالح .
الثالث : فادعوهم ، قاله السدي .
قوله عز وجل : { وقفُوهم إنَّهم مسئولون } أي احبسوهم عن دخول النار .
{ إنهم مسئولون } فيه ستة أوجه :
أحدها : عن لا إله إلا الله ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : عما دعوا إليه من بدعة ، رواه أنس مرفوعاً .
الثالث : عن ولاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، حكاه أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري .
الرابع : عن جلسائهم ، قاله عثمان بن زيادة .
الخامس : محاسبون ، قاله ابن عباس .
السادس : مسئولون .
{ ما لكم لا تناصرون } على طريق التوبيخ والتقريع لهم ، وفيهم ثلاثة أوجه :
أحدها : لا ينصر بعضكم بعضاً ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : لا يمنع بعضكم بعضاً من دخول النار ، قاله السدي .
الثالث : لا يتبع بعضكم بعضاً في النار يعني العابد والمعبود ، قاله قتادة .
فإن قيل : فهلا كانوا مسئولين قبل قوله { فاهْدوهم . . . } الآية؟
قيل : لأن هذا توبيخ وتقريع فكان نوعاً من العذاب فلذلك صار بعد الأمر بالعذاب .
قال مجاهد : ولا تزول من بين يدي الله تعالى قدم عبد حتى يُسأل عن خصال أربع : عمره فيهم أفناه ، وجسده فيم أبلاه ، وماله مم اكتسبه وفيم أنفقه ، وعلمه ما عمل فيه .

(3/460)


وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37)

قوله عز وجل : { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } فيهم قولان :
أحدهما : أنه أقبل الإنس على الجن ، قاله قتادة .
الثاني : بعضهم على بعض ، قاله ابن عباس .
ويحتمل ثالثاً : أقبل الاتباع على المتبوعين .
وفي { يتساءلون } وجهان :
أحدهما : يتلاومون ، قاله ابن عباس .
الثاني : يتوانسون ، وهذا التأويل معلول لأن التوانس راحة ، ولا راحة لأهل النار .
ويحتمل ثالثاً : يسأل التابع متبوعه أن يتحمل عنه عذابه .
قوله عز وجل : { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } وفي تأويل ذلك قولان :
أحدهما : قاله الإنس للجن . قاله قتادة .
الثاني : قاله الضعفاء للذين استكبروا ، قاله ابن عباس .
وفي قوله : { تأتوننا عن اليمين } ثمانية تأويلات :
أحدها : تقهروننا بالقوة ، قاله ابن عباس ، واليمين القوة ، ومنه قول الشاعر :
اذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ ... تَلقاها عَرابةُ باليمين
أي بالقوة والقدرة .
الثاني : يعني من قبل ميامنكم ، قاله ابن خصيف .
الثالث : من قبل الخير فتصدوننا عنه وتمنعوننا منه ، قاله الحسن .
الرابع : من حيث نأمنكم ، قاله عكرمة .
الخامس : من قبل الدين أنه معكم ، وهو معنى قول الكلبي .
السادس : من قبل النصيحة واليمين ، والعرب تتيمن بما جاء عن اليمين ويجعلونه من دلائل الخير ويسمونه السانح ، وتتطير بما جاء عن الشمال ويجعلونه من دلائل الشر ويسمونه البارح ، وهو معنى قول عليّ بن عيسى .
السابع : من قبل الحق أنه معكم ، قاله مجاهد .
الثامن : من قبل الأموال ترغبون فيها أنها تنال بما تدعون إليه فتتبعون عليه ، وهو معنى قول الحسن .

(3/461)


إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49)

قوله عز وجل : { يُطاف عليهم بكأسٍ من مَعينٍ } أي من خمر معين وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه الجاري؛ قاله الضحاك .
الثاني : الذي لا ينقطع ، حكاه جويبر .
الثالث : أنه الذي لم يعصر ، قاله سعيد بن أبي عروبة .
ويحتمل رابعاً : أنه الخمر بعينه الذي لم يمزج بغيره .
وفي المعين من الماء خمسة أوجه :
أحدها : أنه الظاهر للعين ، قاله الكلبي .
الثاني : ما مدّته العيون فاتصل ولم ينقطع ، قاله الحسن .
الثالث : أنه الشديد الجري من قولهم أمعن في كذا إذا اشتد دخوله فيه .
الرابع : أنه الكثير مأخوذ من المعين وهو الشيء الكثير .
الخامس : أنه المنتفع به مأخوذ من الماعون ، قاله الفراء .
{ بيضاء لذَّةٍ للشاربين } يعني أن خمر الجنة بيضاء اللون ، وهي في قراءة ابن مسعود صفراء .
ويحتمل أن تكون بيضاء الكأس صفراء اللون فيكون اختلاف لونهما في منظرهما قال الشاعر :
فكأن بهجتها وبهجة كأسها ... نار ونور قيّدا بوعاء .
قوله عز وجل : { لا فيها غَوْلٌ } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : أي ليس فيها صداع ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس .
الثاني : ليس فيها وجع البطن ، قاله مجاهد .
الثالث : ليس فيها أذى ، قاله الفراء وعكرمة وهذه الثلاثة متقاربة لاشتقاق الغول من الغائلة .
الرابع : ليس فيها إثم ، قاله الكلبي .
الخامس : أنها لا تغتال عقولهم ، قاله السدي وأبو عبيدة ، ومنه قول الشاعر :
وهذا من الغيلة أن ... يصرع واحد واحدا
{ ولا هم عنها ينزفون } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : لا تنزف العقل ولا تذهب الحلم بالسكر ، قاله عطاء ، ومنه قول الشاعر :
لعمري لئن أنزفتم أو صحوتُم ... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا
الثاني : لا يبولون ، قاله ابن عباس ، وحكى الضحاك عنه أنه قال : في الخمر أربع خصال : السكر والصداع والقيء والبول ، فذكر الله تعالى خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال .
الثالث : أي لا تفنى مأخوذ من نزف الركية ، قاله أبو عمرو بن العلاء ، ومنه قول الشاعر :
دعيني لا أبا لك أن تطيقي ... لحاك الله قد أنزفت ريقي
وقد يختلف هذا التأويل باختلاف القراءة ، فقرأ حمزة والكسائي ، ينزفون بكسر الزاي ، وقرأ الباقون يُنزَفون بفتح الزاي ، والفرق بينهما أن الفتح من نزف فهو منزوف إذا ذهب عقله بالسكر ، والكسر من أنزف فهو منزوف إذا فنيت خمره ، وإنما صرف الله تعالى السكر عن أهل الجنة لئلا ينقطع عنهم التذاذ نعيمهم .
قوله عز وجل : { وعندهم قاصِراتُ الطّرفِ عينٌ } يعني بقاصرات الطرف النساء اللاتي قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم مأخوذ من قولهم : قد اقتصر على كذا إذا اقتنع به وعدل عن غيره ، قال امرؤ القيس :
من القاصرات الطرف لو دب مُحولٌ ... من الذّرّ فوق الخد منها لأثّرا
وفي العين وجهان :
أحدهما : الحسان العيون ، قاله مجاهد ومقاتل .
الثاني : العظام الأعين ، قاله الأخفش وقطرب .
{ كأنهن بيضٌ مكنون } فيه وجهان :
أحدهما : يعني اللؤلؤ في صدفه ، قاله ابن عباس ، ومنه قول الشاعر :
وهي بيضاء مثل لؤلؤة الغوا ... ص ميزت من جوهر مكنون
الثاني : يعني البيض المعروف في قشره ، والمكنون المصون .
وفي تشبيههم بالبيض المكنون أربعة أوجه :
أحدها : تشبيهاً ببيض النعام يُكنّ بالريش من الغبار والريح فهو أبيض إلى الصفرة ، قاله الحسن .
الثاني : تشبيهاً ببطن البيض إذا لم تمسه يد ، قاله سعيد بن جبير .
الثالث : تشبيهاً ببياض البيض حين ينزع قشرة ، قاله السدي .
الرابع : تشبيهاً بالسحاء الذي يكون بين القشرة العليا ولباب البيض ، قاله عطاء .

(3/462)


فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)

قوله عز وجل : { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } يعني أهل الجنة كما يسأل أهل النار .
{ قال قائلٌ منهم } يعني من أهل الجنة .
{ إني كان لي قرين } يعني في الدنيا ، وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه الشيطان كان يغويه فلا يطيعه ، قاله مجاهد .
الثاني : شريك له كان يدعوه إلى الكفر فلا يجيبه ، قاله ابن عباس .
الثالث : أنهما اللذان في سورة الكهف { واضرب لهم مثلاً رجلين } إلى آخر قصتهما ، فقال المؤمن منهما في الجنة للكافر في النار .
{ يقول أئنك لمن المصدقين } يعني بالبعث .
{ أئذا مِتْنَا وكُنَّا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون } فيه تأويلان :
أحدهما : لمحاسبون ، قاله مجاهد وقتادة والسدي .
الثاني : لمجازون ، قاله ابن عباس ومحمد بن كعب من قوله : كما تدين تدان .
قوله عز وجل : { قال هل أنتم مطلعون } وهذا قول صاحب القرين للملائكة وقيل لأهل الجنة ، هل أنتم مطلعون يعني في النار . يحتمل ذلك وجهين :
أحدهما : لاستخباره عن جواز الاطلاع .
الثاني : لمعاينة القرين .
{ فاطّلَعَ } يعني في النار . { فرآه } يعني قرينه { في سواءِ الجحيم } قال ابن عباس في وسط الجحيم ، وإنما سمي الوسط سواءً لاستواء المسافة فيه إلى الجوانب قال قتادة : فوالله لولا أن الله عَرّفه إياه ما كان ليعرفه ، لقد تغير حبْرُهُ وسبرُه يعني حسنه وتخطيطه .
قوله عز وجل : { قال تالله إن كِدْتَ لتُرْدين } هذا قول المؤمن في الجنة لقرينه في النار ، وفيه وجهان :
أحدهما : لتهلكني لو أطعتك ، قاله السدي .
الثاني : لتباعدني من الله تعالى ، قاله يحيى .
{ ولولا نعمة ربي } يعني بالإيمان { لكنت من المحْضَرين } يعني في النار ، لأن أحضر لا يستعمل مطلقاً إلا في الشر .

(3/463)


أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74)

قوله عز وجل : { أذلك خيرٌ نزلاً أم شجرة الزقوم } والنُّزل العطاء الوافر ومنه إقامة الإنزال ، وقيل ما يعد للضيف والعسكر . وشجرة الزقوم هي شجرة في النار يقتاتها أهل النار ، مرة الثمر خشنة اللمس منتنة الريح .
واختلف فيها هل هي من شجر الدنيا التي يعرفها العرب أولا؟ على قولين :
أحدهما : أنها معروفة من شجر الدنيا ، ومن قال بهذا اختلفوا فيها فقال قطرب : إنها شجرة مرّة تكون بتهامة من أخبث الشجر ، وقال غيره بل كل نبات قاتل .
القول الثاني : أنها لا تعرف في شجر الدنيا ، فلما نزلت هذه الآية في شجرة الزقوم قال كفار قريش : ما نعرف هذه الشجرة ، فقال ابن الزبعرى : الزقوم بكلام البربر : الزبد والتمر فقال أبو جهل لعنه الله : يا جارية ابغينا تمراً وزبداً ثم قال لأصحابه تزقموا هذا الذي يخوفنا به محمد يزعم أن النار تنبت الشجر ، والنار تحرق الشجر .
{ إنا جعلناها فتنة للظالمين } فيه قولان :
أحدهما : أن النار تحرق الشجر فكيف ينبت فيها الشجر وهذا قول أبي جهل إنما الزقوم التمر والزبد أتزقمه فكان هذا هو الفتنة للظالمين ، قاله مجاهد .
الثاني : أن شدة عذابهم بها هي الفتنة التي جعلت لهم ، حكاه ابن عيسى .
قوله عز وجل : { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } فكان المقصود بهذا الذكر أمرين :
أحدهما : وصفها لهم لاختلافهم فيها .
الثاني : ليعلمهم جواز بقائها في النار لأنها تنبت من النار .
قال يحيى بن سلام : وبلغني أنها في الباب السادس وانها تحيا بلهب النار كما يحيا شجركم ببرد الماء .
{ طلعها كأنه رؤُوس الشياطين } يعني بالطلع الثمر ، فإن قيل فكيف شبهها برؤوس الشياطين وهم ما رأوها ولا عرفوها؟
قيل عن هذا أربعة أجوبة :
أحدها : أن قبح صورتها مستقر في النفوس ، وإن لم تشاهد فجاز أن ينسبها بذلك لاستقرار قبحها في نفوسهم كما قال امرؤ القيس :
ايقتُلني والمشرفيّ مضاجعي ... ومسنونةٍ زُرقٍ كأنياب أغوال
فشببها بأنياب الأغوال وإن لم يرها الناس .
الثاني : أنه أراد رأس حية تسمى عندالعرب شيطاناً وهي قبيحة الرأس .
الثالث : أنه أراد شجراً يكون بين مكة واليمن يسمى رؤوس الشياطين ، قاله مقاتل .
قوله عز وجل : { ثم إنّ لهم عليها لشوباً من حميم } يعني لمزاجاً من حميم والحميم الحار الداني من الإحراق قال الشاعر :
كأن الحميم على متنها ... إذا اغترفته بأطساسها
جُمان يجول على فضة ... عَلَتْه حدائد دوّاسها
ومنه سمي القريب حميماً لقربه من القلب ، وسمي المحموم لقرب حرارته من الإحراق ، قال الشاعر :
أحم الله ذلك من لقاءٍ ... آحاد آحاد في الشهر الحلال
أي أدناه فيمزج لهم الزقوم بالحميم ليجمع لهم بين مرارة الزقوم وحرارة الحميم تغليظاً لعذابهم وتشديداً لبلاتهم .
قوله عز وجل : { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } فيه أربعة أوجه : أحدها : يعني بأن مأواهم لإلى الجحيم ، قاله عبد الرحمن بن زيد .
الثاني : أن منقلبهم لإلى الجحيم ، قاله سفيان .
الثالث : يعني أن مرجعهم بعد أكل الزقوم إلى عذاب الجحيم ، قاله ابن زياد .
الرابع : أنهم فيها كما قال الله تعالى { يطوفون بينها وبين حميم آن } ثم يرجعون إلى مواضعهم ، قاله يحيى بن سلام .

(3/464)


وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (82)

قوله عز وجل : { ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون } أي دعانا ، ودعاؤه كان على قومه عند إياسه من إيمانهم ، وإنما دعا عليهم بالهلاك بعد طول الاستدعاء لأمرين :
أحدهما : ليطهر الله الأرض من العصاة .
الثاني : ليكونوا عبرة يتعظ بها من بعدهم من الأمم .
وقوله : { فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : فلنعم المجيبون لنوح في دعائه .
الثاني : فلنعم المجيبون لمن دعا لأن التمدح بعموم الإجابة أبلغ .
{ ونجيناه وأهله } قال قتادة : كانوا ثمانية : نوح وثلاثة بنين ونساؤهم ، أربعة [ أي ] رجال وأربعة نسوة .
{ من الكرب العظيم } فيه وجهان :
أحدهما : من غرق الطوفان ، قاله السدي .
الثاني : من الأذى الذي كان ينزل من قومه ، حكاه ابن عيسى .
{ وجعلنا ذريته هم الباقين } قال ابن عباس : والناس كلهم بعد نوح من ذريته وكان بنوه ثلاثة : سام وحام ويافث ، فالعرب والعجم أولاد سام ، والروم والترك والصقالبة أولاد يافث والسودان من أولاد حام ، قال الشاعر :
عجوز من بني حام بن نوح ... كأن جبينها حجر المقام
قوله عز وجل : { وتركنا عليه في الآخرين } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه أبقى الله الثناء الحسن في الآخرين ، قاله قتادة .
الثاني : لسان صدق للأنبياء كلهم ، قاله مجاهد .
الثالث : هو قوله سلام عل نوح في العالمين ، قاله الفراء .

(3/465)


وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87)

قوله عز وجل : { وإن من شيعته لإبراهيم } فيه وجهان :
أحدهما : من أهل دينه ، قاله ابن عباس .
الثاني : على منهاجه وسنته ، قاله مجاهد .
وفي أصل الشيعة في اللغة قولان :
أحدهما : أنهم الأتباع ومنه قول الشاعر :
قال الخليط غداً تصدُّ عَنّا ... أو شيعَه أفلا تشيعنا
قوله أو شيعه أي اليوم الي يتبع غداً ، قاله ابن بحر .
الثاني : وهو قول الأصمعي الشيعة الأعوان ، وهو مأخوذ من الشياع وهو الحطب الصغار الذي يوضع مع الكبار حتى يستوقد لأنه يعين على الوقود .
ثم فيه قولان :
أحدهما : إن من شيعة محمد لإبراهيم عليهما السلام ، قاله الكلبي والفراء .
الثاني : من شيعة نوح لإبراهيم ، قاله مجاهد ومقاتل .
وفي إبراهيم وجهان :
أحدهما : أنه اسم أعجمي وهو قول الأكثرين .
الثاني : مشتق من البرهمة وهي إدّامة النظر .
قوله عز وجل : { إذ جاء ربّه بقَلْب سليم } فيه أربعة أوجه :
أحدها : سليم من الشك ، قاله قتادة .
الثاني : سليم من الشرك ، قاله الحسن .
الثالث : مخلص ، قاله الضحاك .
الرابع : ألا يكون لعاناً ، قاله عروة بن الزبير .
ويحتمل مجيئه إلى ربه وجهين :
أحدهما : عند دعائه إلى توحيده وطاعته .
الثاني : عند إلقائه في النار .

(3/466)


فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98)

قوله عز وجل : { فنظر نظرة في النجوم } فيها أربعة تأويلات :
أحدها : أنه رأى نجماً طالعاً ، فعلم بذلك أن له إلهاً خالقاً ، فكان هذا نظره في النجوم ، قاله سعيد بن المسيب .
الثاني : أنها كلمة من كلام العرب إذا تفكر الرجل في أمره قالوا قد نظر في النجوم ، قاله قتادة .
الثالث : أنه نظر فيما نجم من قولهم ، وهذا قول الحسن .
الرابع : أن علم النجوم كان من النبوة ، فلما حبس الله تعالى الشمس على يوشع بن نون أبطل ذلك ، فنظر إبراهيم فيها [ كان ] علماً نبوياً ، قاله ابن عائشة .
وحكى جويبر عن الضحاك أن علم النجوم كان باقياً إلى زمن عيسى ابن مريم عليه السلام حتى دخلوا عليه في موضع لا يطلع عليه فقالت لهم مريم من أين علمتم موضعه؟ قالوا : من النجوم ، فدعا ربه عند ذلك فقال : اللهم فوهمهم في علمها فلا يعلم علم النجوم أحد ، فصار حكمها في الشرع محظوراً وعلمها في الناس مجهولاً . قال الكلبي وكانوا بقرية بين البصرة والكوفة يقال لها هرمزجرد وكانوا ينظرون في النجوم .
{ فقال إني سقيم } فيه سبعة تأويلات :
أحدها : أنه استدل بها على وقت حمى كانت تأتيه .
الثاني : سقيم بما في عنقي من الموت .
الثالث : سقيم بما أرى من قبح أفعالكم في عبادة غير الله .
الرابع : سقيم لشكه .
الخامس : لعلمه بأن له إلهاً خالقاً معبوداً ، قاله ابن بحر .
السادس : لعلة عرضت له .
السابع : أن ملكهم أرسل إليه أن غداً عيدنا فاخرج ، فنظر إلى نجم فقال : إن ذا النجم لم يطلع قط إلا طلع بسقمي ، فتولوا عنه مدبرين ، قاله عبد الرحمن بن زيد قال سعيد بن المسيب : كابد نبي الله عن دينه فقال إني سقيم . وقال سفيان : كانوا يفرون من المطعون فأراد أن يخلوا بآلهتهم فقال : إني سقيم أي طعين وهذه خطيئته التي قال اغفر لي خطيئتي يوم الدين وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لم يكذب إبراهيم غير ثلاث : ثنتين في ذات الله عز وجل قوله إني سقيم ، وقوله بل فعله كبيرهم هذا ، وقوله في سارة هي أختي
» . { فراغ إلى ءَالَهِتِهِمْ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : ذهب إليهم ، قاله السدي .
الثاني : مال إليهم ، قاله قتادة .
الثالث : صال عليهم ، قاله الأخفش .
الرابع : أقبل عليهم ، قاله الكلبي وقطرب ، وهذا قريب من المعنيين المتقدمين .
{ فقال ألا تأكلون } فيه قولان :
أحدهما : أنه قال ذلك استهزاء بهم ، قاله ابن زياد .
الثاني : أنه وجدهم حين خرجوا إلى عيدهم قد صنعوا لآلهتهم طعاماً لتبارك لهم فيه فلذلك قال للأصنام وإن كانت لا تعقل عنه الكلام احتجاجاً على جهل من عبدها . وتنبيهاً على عجزها ، ولذلك قال :
{ ما لكم لا تنطقون } .

(3/467)


{ فراغ عليهم ضرباً باليمين } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يده اليمنى . قاله الضحاك ، لأنها أقوى والضرب بها أشد .
الثاني : باليمين التي حلفها حين قال { وتالله لأكيدن أصنامكم } حكاه ابن عيسى .
الثالث : يعني بالقوة ، وقوة النبوة أشد ، قاله ثعلب .
{ فأقبلوا إليه يزفون } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : يخرجون ، قاله ابن عباس .
الثاني : يسعون ، قاله الضحاك .
الثالث : يتسللون ، حكاه ابن عيسى .
الرابع : يرعدون غضباً ، حكاه يحيى بن سلام .
الخامس : يختالون وهو مشي الخيلاء ، وبه قال مجاهد ، ومنه أخذ زفاف العروس إلى زوجها ، وقال الفرزدق :
وجاء قريع الشول قَبل إفالها ... يزفّ وجاءت خَلْفه وهي زفّف
قوله عز وجل : { والله خلقكم وما تعملون } فيه وجهان :
أحدهما : أن الله خلقكم وخلق عملكم .
الثاني : خلقكم وخلق الأصنام التي عملتموها .
{ فأرادوا به كيداً } يعني إحراقه بالنار التي أوقدوها له .
{ فجعلناهم الأسفلين } فيه أربعة أوجه :
أحدها : الأسفلين في نار جهنم ، قاله يحيى .
الثاني : الأسفلين في دحض الحجة ، قال قتادة : فما ناظروه بعد ذلك حتى أهلكوا .
الثالث : يعني المهلكين فإن الله تعالى عقب ذلك بهلاكهم .
الرابع : المقهورين لخلاص إبراهيم من كيدهم . قال كعب : فما انتفع بالنار يومئذٍ أحد من الناس وما أحرقت منه يومئذٍ إلا وثاقه .
وروت أم سبابة الأنصارية عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثها أن « إبراهيم لما ألقي في النار كانت الدواب كلها تطفىء عنه النار إلا الوزغة فإنها كانت تنفخ عليها » فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها .

(3/468)


وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)

{ وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين } وفي زمان هذا القول منه قولان :
أحدهما : أنه قال عند إلقائه في النار ، وفيه على هذا القول تأويلان :
أحدهما : إني ذاهب إلى ما قضى به عليّ ربي .
الثاني : إني ميت كما يقال لمن مات قد ذهب إلى الله تعالى لأنه عليه السلام تصور أنه يموت بإلقائه في النار على المعهود من حالها في تلف ما يلقى فيها إلى أن قيل لها كوني برداً وسلاماً ، فحينئذٍ سلم إبراهيم منها .
وفي قوله : { سيهدين } على هذا القول تأويلان :
أحدهما : سيهدين إلى الخلاص من النار .
الثاني : إلى الجنة .
فاحتمل ما قاله إبراهيم من هذا وجهين :
أحدهما : أن بقوله لمن يلقيه في النار فيكون ذلك تخويفاً لهم .
الثاني : أن بقوله لمن شاهده من الناس الحضور فيكون ذلك منه إنذارً لهم ، فهذا تأويل ذلك على قول من ذكر أنه قال قبل إلقائه في النار .
والقول الثاني : أنه قاله بعد خروجه من النار .
{ إني ذاهب إلى ربي } وفي هذا القول ثلاثة تأويلات :
أحدها : إني منقطع إلى الله بعبادتي ، حكاه النقاش .
الثاني : ذاهب إليه بقلبي وديني وعملي ، قاله قتادة .
الثالث : مهاجر إليه بنفسي فهاجر من أرض العراق . قال مقاتل : هو أول من هاجر من الخلق مع لوط وسارة .
وفي البلد الذي هاجر إليه قولان :
أحدهما : إلى أرض الشام .
الثاني : إلى أرض حران ، حكاه النسائي .
وفي قوله : سيهدين على هذا القول تأويلان :
أحدهما : سيهدين إلى قول : حسبي الله عليه توكلت ، قاله سليمان .
الثاني : إلى طريق الهجرة ، قاله يحيى .
واحتمل هذا القول منه وجهين :
أحدهما : أن بقوله لمن فارقه من قومه فيكون ذلك توبيخاً لهم .
الثاني : أن بقوله لمن هاجر معه من أهله فيكون ذلك منه ترغيباً .
قوله عز وجل : { فبشرناه بغُلام حليم } أي وقور . قال الحسن : ما سمعت الله يحل عباده شيئاً أجل من الحلم .
وفي قولان :
أحدهما : أنه إسحاق ، ولم يثن الله تعالى على أحد بالحلم إلا على إسحاق وإبراهيم قاله قتادة .
الثاني : إسماعيل وبشر بنبوة إسحاق بعد ذلك ، قاله عامر الشعبي . قال الكلبي وكان إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة .
قوله عز وجل : { فلما بلغ معه السعي } فيه أربعة أوجه :
أحدها : يمشي مع أبيه ، قاله قتادة .
الثاني : أدرك معه العمل ، قاله عكرمة .
الثالث : أنه سعي العمل الذي تقوم به الحجة ، قاله الحسن .
الرابع : أنه السعي في العبادة ، قاله ابن زيد .
قال ابن عباس : صام وصلى ، ألم تسمع الله يقول { وسعى لها سعيها } [ الإسراء : 19 ] قال الفراء والكلبي ، وكان يومئذٍ ابن ثلاث عشرة سنة .
{ قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحُك } فروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

(3/469)


« رؤيا الأنبياء في المنام وحي
» . { فانظُرْ ماذا تَرَى } لم يقل له ذلك على وجه المؤامرة في أمر الله سبحانه ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه قاله إخباراً بما أمره الله تعالى به ليكون أطوع له .
الثاني : أنه قاله امتحاناً لصبره على أمر الله تعالى .
الثالث : أي ماذا تريني من صبرك أو جزعك ، قاله الفراء .
{ قال يا أبت افْعَلْ ما تؤمرُ } الآية . فيه وجهان :
أحدهما : على الذبح ، قاله مقاتل .
الثاني : على القضاء ، حكاه الكلبي ، فوجده في الامتحان صادق الطاعة سريع الإجابة قوي الدين .
قوله عز وجل : { فلما أسْلَما } فيه وجهان :
أحدهما : اتفقا على أمر واحد ، قاله أبو صالح .
الثاني : سلما لله تعالى الأمر ، وهو قول السدي .
قال قتادة : سلم إسماعيل نفسه لله ، وسلم إبراهيم ابنه لله تعالى .
{ وتله للجبين } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه صرعه على جبينه ، قاله ابن عباس ، والجبين ما عن يمين الجبهة وشمالها ، قال الشاعر :
وتله أبو حكم للجبين ... فصار إلى أمِّه الهاوية
الثاني : أنه أكبَّه لوجهه ، قاله مجاهد .
الثالث : أنه وضع جبينه على تل ، قاله قطرب .
وحكى مجاهد عن إسحاق أنه قال : يا أبت اذبحني وأنا ساجد ، ولا تنظر إلى وجهي فعسى أن ترحمني فلا تذبحني .
{ وناديناه أن يا إبراهيم قد صَدَّقْتَ الرؤيا } أي عملت ما رأيته في المنام ، وفي الذي رآه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الذي رآه أنه قعد منه مقعد الذابح ينتظر الأمر بإمضاء الذبح .
الثاني : أن الذي رآه أنه أمر بذبحه بشرط التمكين ولم يمكن منه لما روي أنه كان كلما اعتمد بالشفرة انقلبت وجعل على حلقه صفيحة من نحاس .
الثالث : أن الذي رآه أنه ذبحه وقد فعل ذلك وإنما وصل الله تعالى الأوداج بلا فصل .
{ إنا كذلك نجزِي المحسنين } بالعفو عن ذبح ابنه .
وفي الذبيح قولان مثل اختلافهم في الحليم الذي بشر به .
أحدهما : أنه إسحاق ، قاله علي رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود وكعب الأحبار وقتادة والحسن . قال ابن جريج ذبح إبراهيم ابنه إسحاق وهو ابن سبع سنين وولدته سارة وهي بنت تسعين سنة .
وفي الموضع الذي أراد ذبحه فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : بمكة في المقام .
الثاني : في المنحر بمنى .
الثالث : بالشام ، قاله ابن جريج وهو من بيت المقدس على ميلين . ولما علمت سارة ما أراد بإسحاق بقيت يومين وماتت في اليوم .
القول الثاني : أنه إسماعيل ، قاله ابن عباس وعبد الله بن عمر ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيب ، وأنه ذبحه بمنى عند الجمار التي رمى إبليس في كل جمرة بسبع حصيات حين عارضه في ذبحه حتى جمر بين يديه أي أسرع فسميت جماراً .
وحكى سعيد بن جبير أنه ذبحه على الصخرة التي بأصل ثبير بمنى :
قوله عز وجل : { إنَّ هذا لهو البلاءُ المبين } فيه وجهان :
أحدهما : الاختبار العظيم ، قاله ابن قتيبة .

(3/470)


الثاني : النعمة البينة ، قاله الكلبي ومقاتل وقطرب وأنشد قول الحطيئة :
وإن بلاءهم ما قد علمتم ... على الأيام إن نفع البلاءُ
قوله عز وجل : { وفديناه بذبح عظيم } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه فدى بوعل أنزل عليه من ثبير ، قاله ابن عباس ، وحكى عنه سعيد ابن جبير أنه كبش رعي في الجنة أربعين خريفاً .
الثاني : أنه فدي بكبش من غنم الدنيا ، قاله الحسن .
الثالث : أنه فدي بكبش أنزل عليه من الجنة وهو الكبش الذي قربه هابيل بن آدم فقيل منه . قال ابن عباس حدثني من رأى قرني الكبش الذي ذبحه إبراهيم عليه السلام معلقين بالكعبة . والذبح بالكسر هو المذبوح ، والذبح بالفتح هو فعل الذبح .
وفي قوله : { عظيم } خمسة تأويلات :
أحدها : لأنه قد رعى في الجنة ، قاله ابن عباس .
الثاني : لأنه ذبح بحق ، قاله الحسن .
الثالث : لأنه عظيم الشخص .
الرابع : لأنه عظيم البركة .
الخامس : لأنه متقبل ، قاله مجاهد .
قوله عز وجل : { وتركنا عليه في الآخِرين } فيه قولان :
أحدهما : الثناء الحسن ، قاله قتادة .
الثاني : هو السلام على إبراهيم ، قاله عكرمة .

(3/471)


وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ (119) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122)

قوله عز وجل : { ولقد مننا على موسى وهارون } فيه قولان :
أحدهما : بالنبوة ، قاله مقاتل .
الثاني : بالنجاة من فرعون ، قاله الكلبي .
{ ونجيناهما } الآية . فيه قولان :
أحدهما : من الغرق .
الثاني : من الرق .

(3/472)


وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (129) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132)

قوله عز وجل : { وإن إلياس لمن المرسلين } فيه قولان :
أحدهما : أنه إدريس قاله ابن عباس وقتادة ، وهي قراءة ابن مسعود : وابن إدريس .
الثاني : أنه من ولد هارون ، قاله محمد بن إسحاق ، قال مقاتل : هو إلياس بن بحشر ، وقال الكلبي هو عم اليسع . وجوز قوم أن يكون هو إلياس بن مضر .
وقيل لما عظمت الأحداث في بني إسرائيل بعد حزقيل بعث الله إليهم إلياس عليه السلام نبياً ، وتبعه اليسع وآمن به ، فلما عتا عليه بنو إسرائيل دعا ربه أن يقبضه إليه ففعل وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وصار مع الملائكة إنيساً ملكياً ، أرضياً سماوياً ، والله أعلم .
قوله عز وجل : { أتدعون بعلاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني ربّاً ، قاله عكرمة ومجاهد . قال مقاتل هي لغة أزد شنوءة ، وسمع ابن عباس رجلاً من أهل اليمن يسوم ناقة بمنى فقال : من بعل هذه أي ربها ، ومنه قول أبي دؤاد :
ورأيت بعلك في الوغى ... متقلداً سيفاً ورمحا
الثاني : أنه صنم يقال له بعل كانوا يعبدونه وبه سميت بعلبك ، قاله الضحاك وابن زيد وقال مقاتل : كسره إلياس وذهب .
الثالث : أنه اسم امرأة كانوا يعبدونها ، قاله ابن شجرة .
{ وتذرون أحْسَنَ الخالقين } فيه وجهان :
أحدهما : من قيل له خالق .
الثاني : أحسن الصانعين لأن الناس يصنعون ولا يخلقون .
قوله عز وجل :
{ سلامٌ على إِلْ يَاسِينَ } قرأ نافع وابن عامر : سلامٌ على آل ياسين بفتح الهمزة ومدها وكسر اللام ، وقرأ الباقون بكسر الهمزة وتسكين اللام ، وقرأ الحسن : سلام على ياسين بإسقاط الألف واللام ، وقرأ ابن مسعود : سلام على ادراسين ، لأنه قرأ وإن إدريس لمن المرسلين .
فمن قرأ الياس ففيه وجهان :
أحدهما : أنه جمع يدخل فيه جميع آل إلياس بمعنى أن كل واحد من أهله يسمى الياس .
الثاني : أنه إلياس فغير بالزيادة لأن العرب تغير الأسماء الأعجمية بالزيادة كما يقولون ميكال وميكاييل وميكائين . قال الشاعر :
يقول أهل السوق لما جينا ... هذا وربِّ البيت إسرائينا
ومن قرأ آل ياسين ففي قراءته وجهان :
أحدهما : أنهم آل محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنهم آل إلياس .
فعلى هذا في دخول الزيادة في ياسين وجهان :
أحدهما : أنها زيدت لتساوي الآي ، كما قال في موضع طور سيناء ، وفي موضع آخر طور سينين ، فعلى هذا يكون السلام على أهله دونه وتكون الإضافة إليه تشريفاً له .
الثاني : أنها دخلت للجمع فيكون داخلاً في جملتهم ويكون السلام عليه وعليهم .

(3/473)