صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : النكت والعيون |
فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)
قوله تعالى { فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ } فيه ثلاثة أقاويل (3/218)
: أحدها : حين أشرقت الشمس بالشعاع ، قاله السدي .
الثاني : حين أشرقت الأرض بالضياء ، قاله قتادة .
الثالث : أي بناحية المشرق ، قاله أبو عبيدة .
قال الزجاج : يقال شرقت الشمس إذا طلعت ، وأشرقت إذا أضاءت .
واختلف في تأخر فرعون وقومه عن موسى وبني إسرائيل حتى أشرقوا على قولين :
أحدهما : لاشتغالهم بدفن أبكارهم لأن الوباء في تلك الليلة وقع فيهم .
الثاني : لأن سحابة أظلتهم فخافوا وأصبحوا ، فانقشعت عنهم .
وقرىء { مُشَرِّقِينَ } بالتشديد أي نحو المشرق ، مأخوذ من قولهم شرّق وغرّب ، إذا سار نحو المشرق والمغرب .
{ قَالَ : كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } فيه وجهان
: أحدهما : أي سيرشدني إلى الطريق .
الثاني : معناه سيكفيني ، قاله السدي .
و { كَلاَّ } كلمة توضع للردع والزجر ، وحكي أن موسى لما خرج ببني إسرائيل من مصر أظلم عليهم القمر فقال لقومه : ما هذا؟ فقال علماؤهم : إن يوسف لما حضره الموت أخذ عليها موثقاً من الله ألا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا ، قال موسى فأيكم يدري أين قبره؟ قالوا : ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل فأرسل إليها فقال : دلِّيني على قبر يوسف ، قالت : لا والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي ، قال : وما حكمك؟ قالت : حكمي أن أكون معك في الجنة فثقل عليه فقيل له أعطاها حكمها فدلتهم عله فاحتفروه واستخرجوا عظامه ، فلما ألقوها فإذا الطريق مثل ضوء النهار . فروى أبو بردة عن أبي موسى : أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بأعرابي فأكرمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « حَاجَتُكَ » قاله له : ناقة أرحلها وأعنزاً أحلبها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أَعَجَزْتَ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ عَجُوزِ بَنِي إِسْرَائيلَ » فقال الصحابة : وما عجوز بني إسرائيل فَذَكَرَ لَهُم حَالَ هَذِهِ العَجُوزِ الَّتِي حَكَمَت عَلَى مُوسَى أَنْ تَكُونَ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ .
قوله تعالى : { فأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ } روى عكرمة عن ابن عباس أن موسى لما بلغ البحر واتبعه فرعون قاله له فتاهُ يوسع بن نون : أين أمرك ربك؟ قال : أمامك ، يشير إلى البحر ، ثم ذكر أنه أمر أن يضرب بعصاه البحر فضربه ، فانفلق له اثنا عشر طريقاً وكانوا اثني عشر سبطاً لكل سبط طريق ، عرض كل طريق فرسخان .
وقال سعيد بن جبير : كان البحر ساكناً لا يتحرك ، فلما كان ليلة ضربه موسى بالعصا صار يمد ويجزر .
وحكى النقاش : أن موسى ضرب بعصاه البحر وقد مضى من النهار أربع ساعات ، وكان يوم الاثنين عاشر المحرم وهو يوم عاشوراء ، قال : والبحر هو نهر النيل ما بين إيلة ومصر وقطعوه في ساعتين ، فصارت ست ساعات .
{ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ } أي كالجبل العظيم ، قاله امرؤ القيس
:
فبينا المرءُ في الأحياء طُوْدٌ ... رماه الناس عن كَثَبٍ فمالا
وكان الأسباط لا يرى بعضهم بعضاً فقال كل سبط : قد هلك أصحابنا فدعا موسى ربه فجعل في كل حاجز مثل الكوى حتى رأى بعضهم بعضاً .
قوله تعالى : { وَأَرْلَفْنَا ثَمَّ الأَخَرِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : قربنا إلى البحر فرعون وقومه ، قاله ابن عباس : وقتادة ، ومنه قول الشاعر :
وكل يوم مضى أو ليلة سلفت ... فيه النفوس إلى الآجال تزدلف
الثاني : جمعنا فرعون وقومه في البحر ، قاله أبو عبيدة ، وحكي عن أُبي وابن عباس أنهما قرآ : { وَأَزْلَقْنَا } بالقاف من زلق الأقدام ، كأقدام فرعون أغرقهم الله تعالى في البحر حتى أزلقهم في طينه الذي في قعره .
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)
قوله تعالى : { الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } فيه وجهان (3/219)
: أحدهما : الي خلقني بنعمته فهو يهدين لطاعته .
الثاني : الذي خلقني لطاعته فهو يهديني لجنته ، فإن قيل فهذه صفة لجميع الخلق فكيف جعلها إبراهيم عل هدايته ولم يهتد بها غيره؟
قيل : إنما ذكرها احتجاجاً على وجوب الطاعة ، لأن من أنعم وجب أن يطاع ولا يُعصى ليلتزم غيره من الطاعة ما قد التزمها ، وهذا إلزام صحيح ثم فصل ذلك بتعديد نعمه عليه وعليهم فقال :
{ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينَ وَإِذَا مَرِضَتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } وهذا احتجاجاً عليهم لموافقتهم له ثم قال : { وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يَحْيِينِ } وهذا قوله استدلالاً ولم يقله احتجاجاً ، لأنهم خالفوه فيه ، فبين لهم أن ما وافقوه عليه موجب لما خالفوه فيه .
وتجوز بعض المتعمقة في غوامض المعاني فعدل بذلك عن ظاهره إلى ما تدفعه بداهة العقول فتأول { وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } أي يطعمني لذة الإيمان ويسقيني حلاوة القبول .
وفي قوله : { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } وجهان :
أحدهما : إذا مرضت بمخالفته شفاني برحمته .
الثاني : مرضت بمقاساة الخلق شفاني بمشاهدة الحق .
وتأولوا قوله : { وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ } على ثلاثة أوجه :
أحدها : والذي يميتني بالمعاصي ويحييني بالطاعات .
الثاني : يميتني بالخوف ويحييني بالرجاء .
الثالث : يميتني بالطمع ويحييني بالقناعة . وهذه تأويلات تخرج عن حكم الاحتمال إلى جهة الاستطراف ، فلذلك ذكرناها وإن كان حذفها من كتابنا أوْلى .
رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)
قوله تعالى : { رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً } فيه أربعة تأويلات (3/220)
: أحدها : أنه اللب ، قاله عكرمة .
الثاني : العلم ، قاله ابن عباس .
الثالث : القرآن ، قاله مجاهد .
الرابع : النبوة ، قاله السدي .
ويحتمل خامساً : أنه إصابة الحق في الحكم . { وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } قال عبد الرحمن بن زيد : مع الأنبياء والمؤمنين
. ويحتمل وجهين :
أحدهما : بالصالحين من أصفيائك في الدنيا .
الثاني : بجزاء الصالحين في الآخرة ومجاورتهم في الجنة .
قوله تعالى : { وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : ثناء حسناً في الأمم كلها ، قاله مجاهد ، وقتادة ، وجعله لساناً لأنه يكون باللسان .
الثاني : أن يؤمن به أهل كل ملة ، قاله ليث بن أبي سليم .
الثالث : أن يجعل من ولده من يقول بالحق بعده ، قاله علي بن عيسى .
ويحتمل رابعاً : أن يكون مصدقاً في جمع الملل وقد أجيب إليه .
قوله تعالى : { وَاغْفِرْ لأَبِي } الآية . في أبيه قولان :
أحدهما : أنه كان يسر الإيمان ويظهر الكفر فعلى هذا يصح الاستغفار له .
الثاني : وهو الأظهر أنه كان كافراً في الظاهر والباطن .
فعلى هذا في استغفاره له قولان :
أحدهما : أنه سأل أن يغفر له في الدنيا ولا يعاقبه فيها .
والثاني : أنه سأل أن يغفر له سيئاته التي عليه والتي تسقط بعفوه .
قوله تعالى : { بِقَلْبٍ } فيه خمسة أوجه :
أحدها : سليم من الشك ، قاله مجاهد .
الثاني : سليم من الشرك ، قاله الحسن ، وابن زيد .
الثالث : من المعاصي ، لأنه إذا سلم القلب سلمت الجوارح .
الرابع : أنه الخالص ، قاله الضحاك .
الخامس : أنه الناصح في خلقه ، قاله عبد الرحمن بن أبي حاتم .
ويحتمل سادساً : سليم القلب من الخوف في القيامة لما تقدم من البشرى عند المعاينة .
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104)
قوله تعالى : { فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُم وَالْغَاوُونَ } فيها أربعة أوجه (3/221)
: أحدها : معناه جمعوا فيها النار ، قاله ابن عباس .
الثاني : طرحوا فيها على وجوههم ، قاله ابن زيد ، وقطرب .
الثالث : نكسوا فيها على رؤؤسهم ، قاله السدي ، وابن قتيبة .
الرابع : قلب بعضهم على بعض ، قاله اليزيدي ، قال الشاعر :
يقول لهم رسول الله لما ... قذفناهم كباكب في القَليب
{ هُم وَالْغَاوُونَ } يعني الآلهة التي يعبدون
. وفي الغاوين قولان :
أحدهما : المشركون ، قاله ابن عباس .
الثاني : الشياطين ، قاله قتادة .
{ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ } فيهم قولان
: أحدهما : أنهم أعوانه من الجن .
الثاني : أتباعه من الإنس .
قوله تعالى : { فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ } فيهم قولان :
أحدهما : الملائكة .
الثاني : من الناس .
{ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ } فيه وجهان
: أحدهما : أنه الشقيق : قاله مجاهد .
الثاني : القريب النسيب ، يقال حم الشيء إذا قرب ومنه الحمى لأنها تقرب الأجل ، قال قيس بن ذريح :
لعل لبنى اليوم حُمّ لقاؤها ... وببعض بلاء إِنَّ ما حُمَّ واقِعُ
وقال ابن عيسى : إنما سمي القريب حميماً لأنه يحمى بغضب صاحبه ، فجعله مأخوذاً من الحمية ، وقال قتادة : يذهب الله يومئذٍ مودة الصديق ، ورقة الحميم .
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115)
قوله تعالى : { وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ } فيه خمسة أقاويل (3/222)
: أحدها : أنهم الذين يسألون ولا يقنعون .
الثاني : أنهم المتكبرون .
الثالث : سفلة الناس وأراذلهم ، قاله قتادة .
الرابع : أنهم الحائكون ، قاله مجاهد .
الخامس : أنهم الأساكفة ، قاله ابن بحر .
ويحتمل سادساً : أنهم أصحاب المهن الرذلة كلها .
قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122)
قوله تعالى : { لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُرْجُومِينَ } فيه ثلاثة أقاويل (3/223)
: أحدها : بالحجارة ، قاله قتادة .
الثاني : بالقتل ، قاله محمد بن الحسن .
الثالث : بالشتيمة ، قاله السدي . قال أبو داود :
صدّت غواة معدٍّ أن تراجمنى ... كما يصدون عن لب كجفان
قوله تعالى : { فَافْتَحْ بَيْنِي وِبَيْنَهُمْ فَتْحاً } قال قتادة والسدي : معنا واقض بيني وبينهم قضاء ، وهو أن ينجيه ومن معه من المؤمنين ويفرق الكافرين ، ولم يدعُ نوح ربه عليه إلا بعد أن أعلمه ، { أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءَامَنَ } [ هود : 36 ] فحينئذ دعا عليهم .
كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135)
قوله تعالى : { أَتَبْنُونَ بَكُلِّ رِيعٍ } فيه ستة تأويلات (3/224)
: أحدها : أن الريع الطريق ، قاله السدي ، ومنه قول المسيب بن علي :
في الآل يخفضها ويرفعها ... ريع يلوح كأنه سحل
السحل : الثوب الأبيض ، شبه الطريق به
. الثاني : أنه الثنية الصغيرة ، قاله مجاهد .
الثالث : أنه السوق ، حكاه الكلبي .
الرابع : أنه الفج بين الجبلين ، قاله مجاهد .
الخامس : أنه الجبال ، قاله أبو صخر .
السادس : أنه المكان المشرف من الأرض ، قاله ابن عباس ، قال ذو الرمة :
طِراق الخوافي مشرق فوق ريعهِ ... ندى ليله في ريشه يترقرق
{ ءَايةٍ تَعْبَثُونَ } في آية ثلاثة أوجه
: أحدها : البنيان ، قاله مجاهد .
الثاني : الأعلام ، قاله ابن عباس .
الثالث : أبراج الحمام ، حكاه ابن أبي نجيح .
وفي العبث قولان :
أحدها : اللهو واللعب ، قاله عطية .
الثاني : أنه عبث العشّارين بأموال من يمر بهم ، قاله الكلبي .
قوله تعالى : { وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ } فيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : القصور المشيدة ، قاله مجاهد ، ومنه قول الشاعر :
تركنا ديارهم منهم قفاراً ... وهَدّمنا المصانع والبُروجا
الثاني : أنها مآجل الماء تحت الأرض ، قاله قتادة ، ومنه قول لبيد
:
بَلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
الثالث : أنها بروج الحمام ، قاله السدي
. { لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } أي كأنكم تخلدون باتخاذكم هذه الأبينة ، وحكى قتادة
: أنها في بعض القراءات : كأنكم خالدون .
قوله تعالى : { وَإذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أقوياء ، قاله ابن عباس .
الثاني : هو ضرب السياط ، قاله مجاهد .
الثالث : هو القتل بالسيف في غير حق ، حكاه يحيى بن سلام .
وقال الكبي : هو القتل على الغضب .
ويحتمل رابعاً : أنه المؤاخذة على العمد والخطأ من غير عفو ولا إبقاء .
قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145)
قوله تعالى { إِنْ هَذا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ } فيه أربعة تأويلات (3/225)
: أحدها : دين الأولين ، قاله ابن عباس .
الثاني : كدأب الأولين ، قاله مجاهد .
الثالث : عادة الأولين ، قاله الفراء .
الرابع : يعني أن الأولين قبلنا كانوا يموتون فلا يبعثون ولا يحاسبون ، قاله قتاة .
أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152)
قوله تعالى : { وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ } فيه عشرة تأويلات (3/226)
: أحدها : أنه الرطب اللين ، قاله عكرمة .
الثاني : المذنب من الرطب ، قاله ابن جبير .
الثالث : أنه الذي ليس فيه نوى ، قاله الحسن .
الرابع : أنه المتهشم المتفتت إذا مس تفتّت ، قاله مجاهد .
الخامس : المتلاصق بعضه ببعض ، قاله أبو صخر .
السادس : أنه الطلع حين يتفرق ويخضر ، قاله الضحاك .
السابع : اليانع النضيج ، قاله ابن عباس .
الثامن : أنه المتنكر قبل أن ينشق عنه القشر ، حكاه ابن شجرة ، قال الشاعر :
كأن حمولة تجلى عليه ... هضيم ما يحس له شقوقُ
التاسع : أنه الرخو ، قال الحسن
. العاشر : أنه اللطيف ، قاله الكلبي .
ويحتمل أن يكون الهضيم هو الهاضم المريء .
والطلع اسم مشتق من الطلوع وهو الظهور ، ومنه طلوع الشمس والقمر والنبات .
قوله تعالى : { فَرِهِينَ } قرأ بذلك أبو عمرو ، وابن كثير ، ونافع ، وقرأ الباقون { فَارِهِينَ } بالألف فمن قرأ { فَرِهِينَ } ففي تأويله ستة أوجه
: أحدها : شرهين ، قاله مجاهد .
الثاني : معجبين ، قاله خصيف .
الثالث : آمنين ، قاله قتادة .
الرابع : فرحين ، حكاه ابن شجرة .
الخامس : بطرين أشرين ، قاله ابن عباس .
السادس : متخيرين ، قاله الكلبي . ومنه قول الشاعر :
إلى فره يماجدُ كلَّ أمْرٍ ... قصدت له لأختبر الطّباعَا
ومن قرأ : { فَارِهِينَ } ففي تأويله أربعة أوجه
: أحدها : معناه كيّسين قاله ال .
الثاني : حاذقين : قاله أبو صالح ، مأخوذ من فراهة الصنعة ، وهو قول ابن عباس .
الثالث : قادرين ، قاله ابن بحر .
الرابع : أنه جمع فارِه ، والفاره المرح ، قاله أبو عبيدة ، وأنشد لعدي بن الرقاع الغنوي :
لا أستكين إذا ما أزمة أزمت ... ولن تراني بخير فاره اللبب
أي من اللبب .
قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)
قوله تعالى : { إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ } فيه سبعة تأويلات (3/227)
: أحدها : من المسحورين ، قاله مجاهد .
الثاني : من السكرانين ، قاله قتادة .
الثالث : من المخلوقين ، قاله ابن عباس .
الرابع : من المخدوعين ، قاله سهل بن عبد الله .
الخامس : أن المسحر الذي ليس له شيء ولا يملك ، وهو المقل ، أي لست بملك فيبقى ، وهذا معنى قول الكلبي .
السادس : ممن له سحر أي رقية ، حكاه ابن عيسى .
السابع : ممن يأكل ويشرب ، حكاه ابن شجرة ، ومنه قول لبيد :
إن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحر
أي المعلل بالطعام والشراب ، قال امرؤ القيس :
أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175) كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184)
قوله تعالى : { وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ } فيه خمسة تأويلات (3/228)
: أحدها : أنه القبان ، قاله الحسن .
الثاني : الحديد ، رواه ابن المبارك .
الثالث : أنه المعيار ، قاله الضحاك .
الرابع : الميزان ، قاله الأخفش والكلبي .
الخامس : العدل .
واختلف قائلو هذا التأويل فيه هل هو عربي أو رومي؟ فقال مجاهد والشعبي : هو العدل بالرومية ، وقال أبو عبيدة وابن شجرة : هو عربي وأصله القسط وهو العدل ، ومنه قوله تعالى : { قَائِماً بِالْقِسْطِ } [ آل عمران : 18 ] أي بالعدل .
قوله تعالى : { . . . وَلاَ تَعْثَواْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ } فيه قولان :
أحدها : معناه ولا تمشوا فيها بالمعاصي ، قاله أبو مالك .
الثاني : لا تمشوا فيها بالظلم بعد إصلاحها بالعدل ، قاله ابن المسيب .
ويحتمل ثالثاً : أن عبث المفسد ما ضر غيره ولم ينفع نفسه .
قوله تعالى : { وَالجِبِلَّةِ } يعني الخليقة ، قال امرؤ القيس :
والموت أعظم حادثٍ ... فيما يمر على الجبلة
{ الأَوَّلِينَ } يعني الأمم الخالية ، والعرب تكسر الجيم والباء من الجبلة ، وقد تضمها وربما أسقطت الهاء كما قال تعالى : { وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً } [ يس : 62 ] . قال أبو ذؤيب :
صناتا يقربن الحتوف لأهلها ... جهازاً ويستمتعن بالأنس الجبل
قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191)
قوله تعالى : { كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ } فيه ثلاثة تأويلات (3/229)
: أحدها : جانباً من السماء ، قاله الضحاك .
الثاني : قطعاً ، قاله قتادة .
الثالث : عذاباً ، قاله السدي ، قال الشاعر :
وُدّي لها خالص في القلب مجتمع ... وودها فاعلمي كسف لما فوق
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)
قوله تعالى : { نَزَلَ بِهِ } يعني القرآن (3/230)
. { الرُّوحُ الأمِينُ } يعني جبريل
. { عَلَى قَلْبِكَ } يعني محمد صلى الله عليه وسلم
. { لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ } يعني لأمتك
. { بِلِسَانٍ عَرَبِّيٍ مُبِينٍ } يعني أن لسان القرآن عربي مبين لأن المنزل عليه عربي ، والمخاطبون به عرب ولأنه تحدى بفصاحته فصحاء العرب .
وفي اللسان العربي قولان :
أحدهما : لسان جرهم ، قاله أبو برزة .
الثاني : لسان قريش ، قاله مجاهد .
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)
قوله تعالى : { وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ } يعني كتب الأولين من التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب . (3/231)
وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن المراد به ذكر القرآن في زبر الأولين ، قاله قتادة .
الثاني : بعث محمد صلى الله عليه وسلم في زبر الأولين ، قاله السدي .
الثالث : ذكر دينك وصفة أمتك في زبر الأولين ، قاله الضحاك .
كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209)
قوله تعالى : { كَذلِكَ سَلَكْنَاهُ } فيه ثلاثة أقاويل (3/232)
: أحدها : كذلك أدخلنا الشرك ، قاله أنس بن مالك .
الثاني : التكذيب ، قاله يحيى بن سلام .
الثالث : القسوة ، قاله عكرمة .
وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212)
قوله تعالى : { إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } فيه ثلاثة أوجه (3/233)
: أحدها : أنهم لمصروفون عن السمع للقرآن .
الثاني : أنهم مصروفون عن فهمه وإن سمعوه .
الثالث : أنهم مصروفون عن العمل به وإن سمعوه وفهموه .
فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)
قوله تعالى : { الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ } فيه أربعة أوجه (3/234)
: أحدها : حين تقوم في الصلاة ، قاله ابن عباس .
الثاني : حين تقوم من فراشك ومجلسك ، قاله الضحاك .
الثالث : يعني قائماً وجالساً وعلى حالاتك كلها ، قاله قتادة .
الرابع : يعني حين تخلو ، قاله الحسن ، ويكون القيام عبارة عن الخلوة لوصوله إليها بالقيام عن ضدها .
قوله تعالى : { وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } فيه ستة تأويلات :
أحدها : من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبياً ، قاله ابن عباس .
الثاني : يرى تقلبك في صلاتك وركوعك وسجودك ، حكاه ابن جرير .
الثالث : أنك ترى تقلبك في صلاتك من خلفك كما ترى بعينك من قدامك ، قاله مجاهد .
الرابع : معناه وتصرفك في الناس ، قاله الحسن لتقلبه في أحواله وفي أفعاله .
الخامس : تقلب ذكرك وصفتك على ألسنة الأنبياء من قبلك .
السادس : أن معنى قوله { الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ } إذا صليت منفرداً { وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } إذا صليت في الجماعة ، قاله قتادة .
ويحتمل سابعاً : الذي يراك حين تقوم لجهاد المشركين ، { وَتَقَلُّبَكَ في السَّاجِدِينَ } فيما تريد به المسلمين وتشرعه من أحكام الدين .
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)
قوله تعالى : { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونُ } يعني إذا غضبوا سبوا ، وفيهم أربعة أقاويل : (3/235)
أحدها : أنهم الشياطين ، قاله مجاهد .
الثاني : المشركون ، قاله ابن زيد .
الثالث : السفهاء ، قاله الضحاك .
الرابع : الرواة ، قاله ابن عباس .
{ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : في كل فن من الكلام يأخذون ، قاله ابن عباس .
الثاني : في كل لغو يخوضون ، قاله قطرب ، ومنه قول الشاعر :
إني لمعتذر إليك من الذي ... أسديت إذ أنا في الضلال أهيم
الثالث : هو أن يمدح قوماً بباطل ، ويذم قوماً بباطل ، قاله قتادة
. وفي الهائم وجهان :
أحدهما : أنه المخالف في القصد ، قاله أبو عبيدة .
الثاني : أنه المجاوز للحد .
{ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ } يعني ما يذكرونه في شعرهم من الكذب بمدح أو ذم أو تشبيه أو تشبيب .
{ إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } تقديره فإنهم لا يتبعهم الغاوون ولا يقولون ما لا يفعلون .
روي أن عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وحسان بن ثابت أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ } فبكواْ عنده وقالوا : هلكنا يا رسول الله : فأنزل الله { إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } فقرأها عليهم حتى بلغ إلى قوله : { إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } فقال : أنتم
. { وَذَكرُواْ اللَّهَ كَثِيراً } فيه وجهان
: أحدهما : في شعرهم .
الثاني : في كلامهم .
{ وَانتَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } أي ردّوا على المشركين ما كانوا يهجون به المؤمنين فقاتلوهم عليه نصرة للمؤمنين وانتقاماً من المشركين .
{ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } وهذا وعيد يراد به من هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشعراء لكل كافر من شاعر وغير شاعر سيعلمون يوم القيامة أي مصير يصيرون وأي مرجع يرجعون ، لأن مصيرهم إلى النار وهو أقبح مصير ، ومرجعهم إلى العذاب وهو شر مرجع .
والفرق بين المنقلب والمرجع أن المنقلب الانتقال إلى ضد ما هو فيه والمرجع العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها ، فصارإلى مرجع منقلباً وليس كل منقلب مرجعاً .
طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)
قوله تعالى : { طس تِلْكَ ءَايَاتُ الْقُرْءانِ } أي هذه آيات القرآن (3/236)
. { وَكِتَابٍ مُّبِينٍ } أي وآيات الكتاب المبين ، والكتاب هو القرآن ، فجمع له بَيْنَ الصفتين بأنه قرآن وأنه كتاب لأنه ما يظهر بالكتابة ويظهر بالقراءة .
{ مُّبِينٍ } لأنه يبين فيه نهيه وأمره ، وحلاله وحرامه ، ووعده ووعيده
. وفي المضمر في { تِلْكَ ءَايَاتُ الْقُرْءانِ } وجهان :
أحدهما : أنه يعود إلى الحروف التي في { طس } قاله الفراء .
الثاني : إلى جميع السورة .
{ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } فيه وجهان
: أحدهما : هدى إلى الجنة وبشرى بالثواب ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : هدى من الضلالة وبشرى بالجنة ، قاله الشعبي .
قوله تعالى : { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةِ } يعني المفروضة ، وفي إقامتها وجهان :
أحدهما : استيفاء فروضها وسنتها ، قاله ابن عباس .
الثاني : المحافظة على مواقيتها ، قاله قتادة .
{ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } فيها أربعة أقاويل
: أحدها : أنها زكاة المال ، قاله عكرمة ، وقتادة والحسن .
الثاني : أنها زكاة الفطر؛ قاله الحارث العكلي .
الثالث : أنها طاعة الله والإخلاص ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس .
الرابع : أنها تطهير أجسادهم من دنس المعاصي .
قوله تعالى : { فَهُمْ يَعْمَهُونَ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : يترددون ، قاله ابن عباس ، ومجاهد .
الثاني : يتمادون ، قاله أبو العالية ، وأبو مالك ، والربيع بن أنس .
الثالث : يلعبون ، قاله قتادة ، والأعمش .
الرابع : يتحيرون ، قاله الحسن ، ومنه قول الراجز :
ومهمه أطرافه في مهمة ... أعمى الهدى بالجاهلين العمه
قوله تعالى : { وَإِنََّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْءَانَ } فيه أربعة تأويلات
: أحدها : لتأخذ القرآن ، قاله قتادة .
الثاني : لتوفى القرآن ، قاله السدي .
الثالث : لتلقن القرآن ، قاله ابن بحر .
ويحتمل رابعاً : لتقبل القرآن ، لأنه أوّل من يلقاه عند نزوله .
{ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَليمٍ } أي من عند حكيم في أمره ، عليم بخلقه
.
إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)
قوله تعالى : { إِنِّي ءَانَسْتُ نَاراً } فيه وجهان (3/237)
: أحدهما : رأيت ناراً ، قاله أبو عبيدة ومنه سمي الإنساء إنساً لأنهم مرئيون .
الثاني : أحسست ناراً ، قاله قتادة ، والإيناس : الإحساس من جهة يؤنس بها .
{ سَئَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ } فيه وجهان
: أحدهما : سأخبركم عنها بعلم ، قاله ابن شجرة .
الثاني : بخبر الطريق ، لأنه قد كان ضل الطريق ، قاله ابن عباس .
{ أَوْ ءَاتِيكُم بِشهَابٍ قَبَسٍ } والشهاب الشعاع المضي ، ومنه قيل للكوكب الذي يمر ضوؤه في السماء شهاب ، قال الشاعر :
في كفِّهِ صعدة مثقفة ... فيها سنان كشعلة القبسِ
والقبس هو القطعة من النار ، ومنه اقتبست النارَ ، أخذت منها قطعة ، واقتبست منه علماً إذا أخذت منه علماً ، لأنك تستضيء به كما تستضيء بالنار .
{ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } أي لكي تصطلون من البرد ، قال قتادة : وكان شتاء
. قوله تعالى { فَلَمَّا جَاءَهَا } يعني ظن أنها نار ، وهي نور ، قال وهب بن منبه : فلما رأى موسى وقف قريباً منها فرآها تخرج من فرع شجرة خضراء شديدة الخضرة يقال لها العليق ، لا تزداد النار إلا تضرماً وعظماً ، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة وحسناً ، فعجب منها ودنا وأهوى إليها بضغث في يده ليقتبس منها ، فمالت إليه فخافها فتأخر عنها ، ثم لم تزل تطمعه ويطمع فيها إلى أن وضع أمْرها على أنها مأمورة ولا يدري ما أمرها ، إلى أن :
{ نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا } .
وفي { بُورِكَ } ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني قُدِّس ، قاله ابن عباس .
الثاني : تبارك ، حكاه النقاش .
الثالث : البركة في النار ، حكاه ابن شجرة ، وأنشد لعبد الله بن الزبير :
فبورك في بنيك وفي بنيهم ... إذا ذكروا ونحن لك الفداء
وفي النار وجهان
: أحدهما : أنها نار فيها نور .
الثاني : أنها نور ليس فيها نار ، وهو قول الجمهور .
وفي { بُورِكَ مَن فِي النَّارِ } خمسة أقاويل :
أحدها : بوركت النار ، و { مَن } زيادة ، وهي في مصحف أُبي : { بُورِكَتِ النَّارُ وَمَن حَوْلَهَا } قاله مجاهد .
الثاني : بورك النور الذي في النار ، قاله ابن عيسى .
الثالث : بورك الله الذي في النور ، قاله عكرمة ، وابن جبير .
الرابع : أنهم الملائكة ، قاله السدي .
الخامس : الشجرة لأن النار اشتعلت فيها وهي خضراء لا تحترق .
وفي قوله : { وَمَن حَوْلَهَا } وجهان :
أحدهما : الملائكة ، قاله ابن عباس .
الثاني : موسى ، قالها أبو صخر .
{ وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } فيه وجهان
: أحدهما : أن موسى قال حين فرغ من سماع النداء من قوله الله : { سبْحَانِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } استعانة بالله وتنزيهاً له ، قاله السدي .
الثاني : أن هذا من قول الله ومعناه : وبورك فيمن يسبح الله رب العالمين ، حكاه ابن شجرة . ويكون هذا من جملة الكلام الذي نودي به موسى .
وفي ذلك الكلام قولان :
أحدهما : أنه كلام الله تعالى من السماء عند الشجرة وهو قول السدي . قال وهب بن منبه : ثم لم يمس موسى امرأة بعدما كلمه ربه .
والثاني : أن الله خلق في الشجرة كلاماً خرج منها حتى سمعه موسى ، حكاه النقاش .
قوله تعالى : { وَأَلْقِ عَصَاكَ } قال وهب : ظن موسى أن الله أمره برفضها فرفضها . (3/238)
{ فَلَمَا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ } فيه وجهان
: أحدهما : أن الجان الحية الصغيرة ، سميت بذلك لاجتنانها واستتارها .
والثاني : أنه أراد بالجان الشيطان من الجن ، لأنهم يشبهون كل ما استهولوه بالشيطان ، كما قال تعالى : { طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ } [ الصافات : 65 ] . وقد كان انقلاب العصا إلى أعظم الحيات لا إلى أصغرها ، كما قال تعالى : { فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ } [ الأعراف : 107 ] و [ الشعراء : 33 ] .
قال عبد الله بن عباس : وكانت العصا قد أعطاه إياها ملك من الملائكة حين توجه إلى مَدْيَن وكان اسمها : ما شاء ، قال ابن جبير : وكانت من عوسج .
{ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ . . . } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : ولم يرجع ، قاله مجاهد ، قال قطرب : مأخوذ من العقب .
الثاني : ولم ينتظر ، قاله السدي .
الثالث : ولم يلتفت ، قاله قتادة .
ويحتمل رابعاً : أن يكون معناه أنه بقي ولم يمش ، لأنه في المشيء معقب لابتدائه بوضع عقبة قبل قدمه .
قوله تعالى : { إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ } قيل إنه أراد في الموضع الذي يوحى فيه إليهم ، ولا فالمرسلون من الله أخوف .
{ إلاَّ مَن ظَلَمَ } فيه وجهان
: أحدهما : أنه أراد من غير المسلمين لأن الأنبياء لا يكون منهم الظلم ، ويكون منهم هذا الاستثناء المنقطع .
الوجه الثاني : أن الاستثناء يرجع إلى المرسلين .
وفيه على هذا وجهان :
أحدهما : فيما كان منهم قبل النبوة كالذي كان من موسى في قتل القبطي ، فأما بعد النبوة فهم معصومون من الكبائر والصغائر جميعاً .
الوجه الثاني : بعد النبوة فإنه معصومون فيها مع وجود الصغائر منهم ، غير أن الله لطف بهم في توفيقهم للتوبة منها ، وهو معنى قوله تعالى :
{ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ } يعني توبة بعد سيئة
. { فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي غفور لذنبهم ، رحيم بقبول توبتهم
.
وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)
قوله تعالى : { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً } فيه ستة أوجه (3/239)
: أحدها : فهماً ، قاله قتادة .
الثاني : صنعة الكيمياء وهو شاذ .
الثالث : فصل القضاء .
الرابع : علم الدين .
الخامس : منطق الطير .
السادس : بسم الله الرحمن الرحيم .
{ وَقَالاَ الْحَمْدُ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ } وحمدهما لله شكراً على نعمه .
وفيما فضلهما به على كثير من عباده المؤمنين ثلاثة أقاويل :
أحدها : بالنبوة .
الثاني : بالملك .
الثالث : بالنبوة والعلم .
قوله تعالى : { ووَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : ورث نبوته وملكه ، قاله قتادة ، قال الكلبي : وكان لداود تسعة عشر ولداً ذكراً وإنما خص سليمان بوراثتة لأنها وراثة نبوة وملك ، ولو كانت وراثة مال لكان جميع أولاده فيه سواء .
الثاني : أن سخر له الشياطين والرياح ، قاله الربيع .
الثالث : أن داود استخلفه في حياته على بني إسرائيل وكانت ولايته هي الوراثة وهو قول الضحاك ، ومنه قيل : العلماء ورثة الأنبياء ، لأنهم في الدين مقام الأنبياء .
قوله تعالى : { فَهُمُ يُوزَعُونَ } فيه ستة أوجه :
أحدها : يساقون ، وهو قول ابن زيد .
الثاني : يدفعون ، قاله الحسن ، قال اليزيدي : تدفع أخراهم وتوقف أولاهم .
الثالث : يسحبون ، قاله المبرِّد .
الرابع : يجمعون .
الخامس : يسجنون ، قال الشاعر :
لسان الفتى سبع عليه سداته ... وإلا يزع من عَرْبه فهو قاتله
وما الجهل إلا منطق متسرع ... سواءٌ عليه حق أمرٍ وباطله
السادس : يمنعون ، مأخوذ من وزعه عن الظلم ، وهو منعه عنه ، ومنه قول عثمان رضي الله عنه : ما وزع الله بالسلطان أكبر مما وزع بالقرآن . وقال النابغة :
على حين عاتبتُ المشيبَ على الصبا ... وقلت ألما تصدع والشيب وازعُ
والمراد بهذا المنع ما قاله قتادة : أن يُرد أولهم على آخرهم ليجتمعوا ولا يتفرقوا .
قوله تعالى : { حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ } قال قتادة : ذكر لنا أنه وادٍ بأرض الشام . وقال كعب : وهو بالطائف .
{ قَالَتْ نَمَلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُم } قال الشعبي : كان للنملة جناحان فصارت من الطير ، فلذلك علم منطقها ، ولولا ذلك ، ما علمه .
{ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ } أي لا يهلكنكم
. { وَهُمُ لاَ يَشعُرُونَ } فيه وجهان
: أحدهما : والنمل لا يشعرون بسليمان وجنوده ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : وسليمان وجنوده لا يشعرون بهلاك النمل ، وسميت النملة نملة لتنملها وهو كثرة حركتها وقلة قرارها ، وقيل إن النمل أكثر جنسه حساً لأنه إذا التقط الحبة من الحنطة والشعير للادخار قطعها اثنين لئلا تنبت ، وإن كانت كزبرة قطعها أربع قطع { لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ } فحكي أن الريح أطارت كلامها إلى سليمان حتى سمع قولها من ثلاثة أميال فانتهى إليها وهي تأمر النمل بالمغادرة .
{ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : أنه تبسم من حذرها بالمغادرة .
الثاني : أنه تبسم من ثنائها عليه .
الثالث : أنه تبسم من استبقائها للنمل .
قال ابن عباس : فوقف سليمان بجنوده حتى دخل النمل مساكنه .
{ وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ } فيه ثلاثة أقاويل (3/240)
: أحدها : ألهمني ، قاله قتادة .
الثاني : اجعلني ، قاله ابن عباس .
الثالث : حرضني ، قاله ابن زيد فحكى سفيان أن رجلاً من الحرس قال لسليمان ، أنا بمقدرتي أشكر لله منك ، قال فخرّ سليمان عن فرسه ساجداً .
وفي سبب شكره قولان :
أحدهما : أن علم منطق الطيرحتى فهم قولها .
الثاني : أن حملت الريح قولها إليه حتى سمعه قبل وصوله لجنوده على ثلاثة أميال فأمكنه الكف .
{ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ } فيه وجهان
: أحدهما : شكر ما أنعم به عليه ، قاله الضحاك .
الثاني : حفظ ما استرعاه ، وهو محتمل .
{ وَأدْخَلْنِي فِي رَحْمَتِكَ } فيه وجهان : أحدهما : بالنبوة التي شرفتني بها .
الثاني : بالمعونة التي أنعمت عليّ بها .
{ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } فيه وجهان
: أحدهما : في جملة أنبيائك .
الثاني : في الجنة التي هي دار أوليائك .
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21)
قوله : { وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَال لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ } قيل إن سليمان كان إذا سافر أظله الطير من الشمس ، فأخل الهدهد بكانه ، فبان بطلوع الشمس منه بعده عنه ، وكان دليله على الماء ، وقيل : إن الأرض كانت كالزجاج للهدهد ، يرى ما تحتها فيدل على مواضع الماء حتى يحضر ، قال ابن عباس : فكانوا إذا سافروا نقر لهم الهدهد عن أقرب الماء في الأرض ، فقال نافع بن الأزرق : فكيف يعلم أقرب الماء إلى الأرض ولا يعلم بالفخ حتى يأخذه بعنقه؟ فقال ابن عباس : ويحك يا نافع ألم تعلم أنه إذا جاء القدر ذهب الحذر؟ فقال سليمان عن زوال الهدهد عن مكانه { مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبينَ } أي انتقل عن مكانه أم غاب . (3/241)
{ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : أنه نتف ريشه حتى لا يمتنع من شيء ، قاله ابن عباس .
الثاني : أن يحوجه إلى جنسه .
الثالث : أن يجعله مع أضداده .
{ أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسْلطَانٍ مُبِينٍ } فيه وجهان
: أحدهما : بحجة بينة .
الثاني : بعذر ظاهر ، قاله قتادة .
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)
قوله : { فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ } أي أقام غير طويل ويحتمل وجهين (3/242)
: أحدهما : مكث سليمان غير بعيد حتى أتاه الهدهد .
الثاني : فمكث الهدهد غير بعيد حتى أتى سليمان .
{ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : بلغت ما لم تبلغه ، قاله قتادة .
الثاني : علمت ما لم تعلمه ، قاله سفيان .
الثالث : اطلعت على ما لم تطلع عليه ، قاله ابن عباس ، والإحاطة العلم بالشيء من جميع جهاته ، وفي الكلام حذف تقديره . ثم جاء الهدهد فسأله سليمان عن غيبته .
{ وَجِئْتُكَ مِنَ سَبَإٍ بِنَبإٍ يقين } أي بخبر صحيح صدق ، وفي { سبأ } قولان
: أحدهما : أنها مدينة بأرض اليمن يقال لها مأرب بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال ، قاله قتادة ، قال السدي : بعث الله إلى سبأ اثني عشر نبياً ، وقال الشاعر :
من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما
الثاني : أن سبأ حي من أحياء اليمن واختلف قائلو هذا في نسبتهم إلى هذا ، فذهب قوم إلى أنه اسم امرأة كانت أمهم ، وروى علقمة عن ابن عباس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ فقال : « هُوَ وَلَدُ رَجُلٍ لَهُ عَشْرَةُ أَوْلاَدٍ فَبِاليَمَنِ مِنهُم سِتةٌ وبالشَّامِ مِنهُم أَربَعَةٌ ، فَأَمَّا اليَمَانِيونَ فَمَذحَجُ وجُهَينَةُ وَكِندَةُ وأنمارُ وَالأُزْدُ وَالأَشعَرِيونَ وأَمَّا الشامِيون فَلَخْمُ وَجذامُ وعَامِلَةُ وَغَسَّانُ
» وقيل هو سبأ بن يعرب بن قحطان . قال المفضل وسُمِّيَ سبأ لأنه أول من سبا
. قوله تعالى : { إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُم } قال الحسن : هي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ ، وقال زهير بن محمد : هي بلقيس بنت شرحبيل بن مالك بن الديان وأمها فارعة الجنية ، وقيل ولدها أربعون ملكاً آخرهم شرحبيل . قال قتادة كان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلاً كل رجل منهم على عشرة آلاف رجل .
{ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيءٍ } فيه قولان
: أحدهما : من كل شيء في أرضها ، قاله السدي .
الثاني : من أنواع الدنيا كلها ، قاله سفيان .
{ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } فيه أربعة أقاويل
: أحدها : أنه السرير ، قاله قتادة .
الثاني : أنه الكرسي ، قاله سفيان .
الثالث : المجلس ، قاله ابن زيد .
الرابع : الملك ، قاله ابن بحر .
وفي قوله : { عَظِيمٌ } ثلاثة أوجه :
أحدها : ضخم .
الثاني : حسن الصنعة ، قاله زهير .
الثالث : لأنه كان من ذهب وقوائمه لؤلؤ وكان مستراً بالديباج والحرير عليه سبعة تعاليق ، قاله قتادة .
قال ابن إسحاق : وكان يخدمها النساء فكان معها لخدمتها ستمائة امرأة .
قوله : { أَلاَّ يَسْجدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبءَ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ } فيه تأويلان :
أحدهما : يعني غيب السموات والأرض ، قاله عكرمة ، ومجاهد ، وقتادة ، وابن جبير .
الثاني : أن خبء السموات المطر وخبء الأرض النبات ، قاله ابن زيد ، والخبء بمعنى المخبوء وقع المصدر موقع الصفة .
وفي معنى الخبء في اللغة وجهان :
أحدهما : أنه ما غاب .
الثاني : أنه ما استتر .
وقرأ الكسائي { أَلاَ يَسْجُدُواْ } بالتخفيف وقرأ الباقون بالتشديد { أَلاَّ يَسْجُدُواْ } قال الفراء : من قرأ بالتخفيف فهو موضع سجدة ، ومن قرأ بالتشديد فليس بموضع سجدة .
وفي قائل هذا قولان : (3/243)
أحدهما : أنه قول الله تعالى أمر فيه بالسجود له ، وهو أمر منه لجميع خلقه وتقدير الكلام : ألا يا ناس اسجدواْ لله .
الثاني : أنه قول الهدهد حكاه الله عنه .
ويحتمل قوله هذا وجهين :
أحدهما : أن يكون قاله لقوم بلقيس حين وجدهم يسجدون لغير الله .
الثاني : أن يكون قاله لسليمان عند عوده إليه واستكباراً لما وجدهم عليه .
وفي قول الهدهد لذلك وجهان :
أحدهما : أنه وإن يكن ممن قد علم وجوب التكليف بالفعل فهو ممن قد تصور بما ألهم من الطاعة لسليمان أنه نبي مطاع لا يخالف في قول ولا عمل .
الثاني : أنه كالصبي منا إذا راهق فرآنا على عبادة الله تصوّر أن ما خالفها باطل فكذا الهدهد في تصوره أن ما خالف فعل سليمان باطل .
قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)
قوله : { قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ . . . } الآية ، هذا قول سليمان للهدهد قال ابتلي فاختبر من ذلك فوجده صادقاً . (3/244)
{ اذْهَبِ بِّكِتَابِي هَذَا إِلَيهِمْ } قال مجاهد أخذ الهدهد الكتاب بمنقاره فأتى بهوها فجعل يدور فيه فقالت ما رأيت خيراً منذ رأيت هذا الطير في بهوي فألقى الكتاب إليها .
قال قتادة : فألقاه على صدرها وهي نائمة ، قال يزيد بن رومان : كانت في ملك من مضى من أهلها وقد سيست وساست حتى أحكمها ذلك .
{ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ } قال ابن عباس كن قريباً منهم .
{ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ }
فيه تقديم وتأخير تقديره فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم ، حكاه ابن عيسى ، وقاله الفراء .
قوله : { قَالَتْ يَآ أَيُّهَأ المَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِليَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } وفي صفتها الكتاب أنه كريم ، أربعة أوجه :
أحدها : لأنه مختوم ، قاله السدي .
الثاني : لحسن ما فيه ، قاله قتادة .
الثالث : لكرم صاحبه وأنه كان ملكاً ، حكاه ابن بحر .
الرابع : لتسخير الهدهد به بحمله . ويحتمل خامساً : لإلقائه عليها عالياً من نحو السماء .
قوله تعالى : { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ } الآية ، أما قولها إنه من سليمان فلإعلامهم مرسل الكتابي وممن هو .
وأما قولها : { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } فلاستنكار هذا الاستفتاح الذي لم تعرفه هي ولا قومها لأن أول من افتتح { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } سليمان .
روى ابن بريدة عن أبيه قال كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « إِنِّي لأَعْلَمُ آيَةً لَمْ تَنْزِلْ عَلَى نَبِيٍ قَبْلِي بَعْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ » قال : قلت يا رسول الله أي آية هي؟ قال : « سَأُعَلِّمُكَهَا قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ » قال : فانتهى إلى الباب فأخرج إحدى قدميه فقلت : نسي ثم التفت إليّ فقال : « إِنَّهُ مِنْ سُلَيمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
» . حكى عاصم عن الشعبي قال : كَانَتْ كُتُبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة كتب كان يكتب : باسمك الله ، فلما نزلت { بِسْمِ اللَّهِ مَجْرِيهَا } [ هود : 41 ] كتب : باسم الله ، فلما نزلت { قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ } [ الإِسراء : 110 ] كتب : باسم الله الرحمن ، فلما نزلت { إِنَّهُ مِن سُلَيمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ } كتب : بسم الله الرحمن الرحيم . قال عاصم قلت للشعبي أنا رأيت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } قال ذلك الكتاب الثالث
. وأما قوله : { ألا تعلواْ عليَّ وأتوني مسلمين } فهذه كتب الأنباء موجزة مقصورة على الدعاء إلى الطاعة من غير بسط ولا إٍسهاب .
وفي { أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ } ثلاثة أقاويل :
أحدها : لا تخالفوا عليّ ، قاله قتادة .
الثاني : لا تتكبروا علي ، قاله السدي وابن زيد .
الثالث : لا تمتنعوا عليّ ، قاله يحيى بن سلام .
{ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } فيه أربعة تأويلات
: أحدها : مستسلمين ، قاله الكلبي .
الثاني : موحدين ، قاله ابن عباس .
الثالث : مخلصين ، قاله زهير .
الرابع : طائعين ، قاله سفيان .
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)
قوله : { قَالَتْ يَآ أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي } أشيروا عليّ في هذا الأمر الذي نزل بي فجعلت المشورة فتيا وقيل : إنها أول من وضع المشورة . (3/245)
{ مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونَ } أي ممضية أمراً ، وفي قراءة ابن مسعود قاضية أمراً ، والمعنى واحد .
{ حَتَّى تَشْهَدُونَ } فيه وجهان
. أحدهما : حتى تشيروا ، قاله زهير .
الثاني : حتى تحضرواْ ، قاله الكلبي .
قوله تعالى : { قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ } أي أهل عدد وعدة .
{ وَأُوْلُواْ بَأْسٍ شَدِيدٍ } أي شجاعة وآلة ، وفي هذا القول منهم وجهان
: أحدهما : تفويض الأمر إلى رأيها لأنها المدبرة لهم .
الثاني : أنهم أجابوها تبادرين إلى قتاله ، قاله ابن زيد .
قال مجاهد : كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيل تحت كل قيل مائة ألف مقاتل وهذا بعيد .
{ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ } الآية . عرضوا عليها الحرب وردواْ إليها الأمر ، قال الحسن : ولّوا أمرهم علجة يضطرب ثدياها ، حدث أبو بكرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ تَمْلِكُهُمُ امْرَأَةٌ
» . قوله : { قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا } قال ابن عباس أخذوها عنوة ، وأفسدوها ، وخربوها .
ويحتمل وجهاً آخر : أن يكون بالاستيلاء على مساكنها وإجلاء أهلها عنها .
{ وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً } أي أشرافهم وعظماءهم أذلة وفيه وجهان
: أحدهما : بالسيف ، قاله زهير .
الثاني : بالاستعباد ، قاله ابن عيسى .
ويحتمل ثالثاً : أن يكون بأخذ أموالهم وحط أقدارهم .
{ وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ } فيه قولان
: أحدهما : أن هذا من قول الله ، وكذلك يفعل الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ، قاله ابن عباس .
الثاني أن هذا حكاية عن قول بلقيس : كذلك يفعل سليمان إذا دخل بلادنا ، قاله ابن شجرة .
قوله تعالى : { وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ } اختلف فيها على أربعة فيها على أربعة أقاويل :
أحدها : أنها كانت لبنة من ذهب ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنها كانت جوهَراً ، قاله ابن جبير .
الثالث : أنها كانت صحائف الذهب في أوعية الديباج ، قاله ثابت البناني .
الرابع : أنها أهدت غلماناً لباسهم لباس الجواري ، وجواري لباسهم لباس الغلمان ، قاله مجاهد ، وعكرمة وابن جبير ، والسدي ، وزهير ، واختلف في عددهم فقال سعيد بن جبير : كانوا ثمانين غلاماً وجارية ، وقال زهير كانوا ثمانين غلاماً وثمانين جارية .
{ فَنَاظِرةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } قال قتادة : يرحمها الله إن كانت لعاقلة في إسلامها وشركها ، قد علمت أن الهدية تقع موقعها من الناس .
واختلف فيما قصدت بهديتها على قولين :
أحدهما : ما ذكره قتادة من الملاطفة والاستنزال .
الثاني : اختبار نبوته من ملكه ، ومن قال بهذا اختلفوا بماذا اختبرته على قولين :
أحدهما : أنها اختبرته بالقبول والرد ، فقالت : إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه على ملككم وإن لم يقبل الهدية فهو نبي لا طاقة لكم بقتاله ، قاله ابن عباس وزهير .
الثاني : أنها اختبرته بتمييز الغلمان من الجواري ، ومن قال بهذا اختلفوا بماذا ميزهم سليمان عل ثلاثة أقوال .
أحدها : أن أمرهم بالوضوء فاغترف الغلام بيده وأفرغت الجارية على يديها فميزهم بهذا ، قاله السدي .
الثاني : لما توضؤوا غسل الغلمان ظهور السواعد قبل بطونها ، وغسل الجواري بطون السواعد قبل ظهورها ، فميزهم بهذا ، قاله قتادة .
الثالث : أنهم لما توضؤوا بدأ الغلام من مرفقه إلى كفه وبدأت الجارية من كفها إلى مرفقها ، فميزهم بهذا ، قاله ابن جبير .
فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37)
قوله تعالى : { فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانُ } فيه وجهان (3/246)
: أحدهما : فلما جاءت هداياها سليمان ، قاله يزيد بن رومان .
الثاني : فلما جاءت رسلها سليمان لأن الهدهد قد كان سبق إلى سليمان فأخبره بالهدية والرسل فتأهب سليمان لهم .
قال السدي : فأمر الشياطين فموّهوا لَبِن المدينة وحيطانها ذهباً وفضة ، وقيل إنها بعثت مع رسلها بعصاً كان يتوارثها ملوك حمير ، وقالت : أريد أن يعرفني رأس هذه من أسفلها ، وبقدح وقالت : يملؤه ماءً ليس من الأرض ولا من السماء ، وبخرزتين إحداهما ثقبُها معوج وقالت يدخل فيها خيطاً والأخرى غير مثقوبة وقالت يثقب هذه .
{ قَالَ } سليمان للرسل حين وصلوا إليه { أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ } معناه أتزيدونني مالاً إلى ما تشاهدونه من أموالي .
{ فَمَا ءَاتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا ءَاتَاكُم } أي فما آتاني من النبوة والملك خير مما آتاكم من المال ، فرد عليهم المال وميز الغلمان من الجواري ، وأرسل العصا إلى الأرض فقال أي الرأسين سبق للأرض فهو أصلها ، وأمر بالخيل فأجريت حتى عرقت وملأ القدح من عرقها وقال : ليس هذا من الأرض ولا من السماء ، وثقب إحدى الخرزتين وأدخل الخيط في الأخرى ، فقال الرسل ما شاهدوا .
واختلف في الرسل هل كانوا رجالاً أو نساء على قولين .
قوله { ارْجِعْ إِلَيْهِمْ } فيه قولان :
أحدهما : أنه قال ذلك للرسول ارجع إليهم بما جئت من الهدايا ، قاله قتادة . ويزيد بن رومان .
الثاني : أنه قال ذلك للهدهد [ ارجع إليه ] ، قائلاً لهم :
{ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُم بِهَا } أي لا طاقة لهم بها ليكون الهدهد نذيراً لهم ، قاله زهير .
وصدق نبي الله سليمان صلى الله عليه لأن من جنوده الإنس والجن والطير فليس لأحدٍ بها طاقة .
{ وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً } الآية . إخباراً له عما يصنعه بهم ليسعد منهم بالإيمان من هدي وهذه سنة كل نبي .
قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)
قوله { يَآ أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأَتِيني بِعَرْشِهَا } الآية . حكى يزيد بن رومان أنه لما عاد رسلها بالهدايا قالت : قد والله عرفت أنه ليس بملك وما لنا به طاقة ، ثم بعثت إليه : إني قادمة عليك بملوك قومي ثم أمرت بعرشها فجعلته في سبعة أبيات بعضها في جوف بعض وغلقت عليه الأبواب وشَخَصَت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن ، فقال سليمان حين علم قدومها عليه : (3/247)
{ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا } الآية : وفيه وجهان
: أحدهما : مسلمين أي مستسلمين طائعين ، قاله ابن عباس .
الثاني : أن يأتوني مسلمين أي بحرمة الإٍسلام ودين الحق ، قاله ابن جريج .
فإن قيل : فلم أَمَرَ أنَ أن يؤتى بعرشها قبل أن يأتوا إليه مسلمين؟
قيل عنه في الجواب خمسة أوجه :
أحدها : أنه أراد أن يختبر صدق الهدهد ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه أعجب بصفته حين وصفه الهدهد وخشي أن تسلم فيحرم عليه مالها فأراد أخذه قبل أن يحرم عليه بإسلامها ، قاله قتادة .
الثالث : أنه أحب أن يعاليها به وكانت الملوك يعالون بالملك والقدرة ، قاله ابن زيد .
الرابع : أنه أراد أن يختبر بذلك عقلها وفطنتها ، وهل تعرفه أو تنكره ، قاله ابن جبير .
الخامس : أنه أراد أن يجعل ذلك دليلاً على صدق نبوته ، لأنها خلفته في دارها وأوثقته في حرزها ثم جاءت إلى سليمان فوجدته قد تقدمها ، قاله وهب .
قوله : { قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ } العفريت المارد القوي ، قال أبو صالح كأنه جبل وفيه وجهان :
أحدهما : أنه المبالغ في كل شيء مأخوذ من قولهم فلان عفرية نفرية إذا كان مبالغاً في الأمور ، قاله الأخفش .
الثاني : أصله العفر وهو الشديد ، زيدت فيه التاء فقيل عفريت ، قاله ابن قتيبة .
{ أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ } فيه ثلاثة أقاويل
: أحدها : من مجلسك وسمي المجلس مقاماً لإقامة صاحبه فيه كما قال تعالى : { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ } [ الدخان : 51 ] .
الثاني : أنه أراد يوماً معروفاً كان عادة سليمان أن يقوم فيه خطيباً يعظهم ، ويأمرهم ، وينهاهم ، وكان مجيء اليوم تقريباً .
الثالث : أنه أراد قبل أن تسير عن ملكك إليهم محارباً .
{ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ } لقوي على حمله ، وفي الأمين ثلاثة أقاويل
: أحدها : أمين على ما فيه من جوهر ولؤلؤ ، قاله الكلبي وابن جرير .
الثاني : أمين ألا آتيك بغيره بدلاً منه ، قاله ابن زيد .
الثالث : أمين على فرج المرأة ، قاله ابن عباس ، وحكى يزيد بن رومان ان اسم العفريت كودي ، وحكى ابن أبي طلحة أن اسمه صخر ، وحكى السدي أنه آصف بن السيطر بن إبليس ، والله أعلم بصحة ذلك .
قوله : { قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه ملك أيد الله به سليمان ، والعلم الذي من الكتاب هو ما كتب الله لبني آدم ، وقد علم الملائكة منه كثيراً فأذن الله له أن يعلم سليمان بذلك ، وأن يأتيه بالعرش الذي طلبه ، حكاه ابن بحر .
القول الثاني : أنه بعض جنود سليمان من الجن والإِنس ، والعلم الذي عنده من الكتاب هو كتاب سليمان الذي كتبه إلى بلقيس وعلم أن الريح مسخرة لسليمان وأن الملائكة تعينه فتوثق بذلك قبل أن يأتيه بالعرش قبل أن يرتد إليه طرفه . (3/248)
والقول الثالث : أنه سليمان قال ذلك للعفريت .
والقول الرابع : أنه قول غيره من الإنس ، وفيه خمسة أقاويل :
أحدها : أنه مليخا ، قاله قتادة .
الثاني : أنه أسطوم ، قاله مجاهد .
الثالث : أنه آصف بن برخيا وكان صدّيقاً ، قاله ابن رومان .
الرابع : أنه ذو النور بمصر ، قاله زهير .
الخامس : أنه الخضر ، قاله ابن لهيعة .
و { عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ } هو اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب .
{ أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ } يعني بالعرش
. { قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } فيه ستة أوجه
: أحدها : قبل أن يأتيك أقصى من تنظر إليه ، قاله ابن جبير .
الثاني : قبل أن يعود طرفك إلى مد بصرك ، قاله ابن عباس ، ومجاهد .
الثالث : قبل أن يعود طرفك إلى مجلسك ، قاله إدريس .
الرابع : قبل الوقت الذي تنظر وروده فيه من قولهم : أنا ممد الطرف إليك أي منتظر لك ، قاله ابن بحر .
الخامس : قبل أن يرجع طرف رجائك خائباً لأن الرجاء يمد الطرف والإياس يقصر الطرف .
السادس : قبل أن ينقص طرفك بالموت ، أخبره أنه سيأتيه قبل موته .
{ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِراً عِندَهُ } قبل أن يرتد طرفه لأن الذي عنده علم عن الكتاب دعا باسم الله الأعظم وعاد طرف سليمان إليه فإذا العرش بين يديه .
قال عبد الرحمن بن زيد : لم يعلم سليمان ذلك الاسم وقد أُعطي ما أُعطي .
قال السدي : فجزع سليمان وقال : غيري أقدر على ما عند الله مني ، ثم استرجع . { قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلُ رَبِّي } يعني وصول العرش إليّ قبل أن يرتد إليَّ طرفي
. { لِيَبْلُوَنِّي ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } قال زهير : أأشكر على العرش إذ أوتيته في سرعة أم أكفر فلا أشكر إذ رأيت من هو أعلم مني في الدنيا .
قال زهير : ثم عزم الله له على الشكر فقال : { وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرْ لِنَفْسِهِ } لأن الشكر تأدية حق واستدعاء مزيد .
{ وَمَن كَفَرَ فِإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ } عن الشكر { كَرِيمٌ } في التفضل ، وهذه معجزة لسليمان أجراها الله على يد من اختصه من أوليائه .
وكان العرش باليمن وسليمان بالشام فقيل : ان الله حرك به الأرض حتى صار بين يديه .
قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)
قوله : { قَالَ نَكَرُواْ لَهَا عَرْشَهَا } أي غيروه وفي تغييره خمسة أوجه (3/249)
: أحدها : أنه نزع ما عليه من فصوصه ، ومرافقه وجواهره ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه غيّر ما كان أحمر فجعله أخضر وما كان أخضر جعله أحمر ، قاله مجاهد .
الثالث : غيّر بأن زيد فيه ونقص منه ، قاله عكرمة .
الرابع : حوّل أعلاه أسفله ومقدمه مؤخره ، قاله شيبان بن عبد الرحمن .
الخامس : غيّره بأن جعل فيه تمثال السمك ، قاله أبو صالح .
{ نَنْظُرُ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ } فيه وجهان
: أحدهما : أتهتدي إلى الحق بعقلها أم تكون من الذين لا يعقلون ، وهذا معنى قول ابن رومان .
الثاني : إلى معرفة العرش بفطنتها أم تكون من الذين لا يعرفون ، وهذا معنى قول ابن جبير ، ومجاهد .
{ فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ } فلم تثبته ولم تنكره واختلف في سبب قولها ذلك ، على ثلاثة أقاويل :
أحدها : لأنها خلفته وراءها فوجدته أمامها فكان معرفتها له تمنع من إنكاره وتركها له وراءها يمنع إثباته ، وهذا معنى قول قتادة .
الثاني : لأنها وجدت فيه ما تعرفه فلذلك لم تنكره ووجدت فيه ما بُدِّل وغير فلذلك لم تثبته ، قاله السدي .
الثالث : شبهوا عليها حين قالوا : أهكذا عرشك؟ فشبهت عليهم فقالت : كأنه هو ولو قالوا لها : هذا عرشك لقالت : نعم ، قاله مقاتل .
{ وَأُوَتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا } وهذا قول من سليمان وقيل هو من كلام قومه ، وفي تأويله ثلاثة أقاويل :
أحدها : معرفة الله وتوحيده ، قاله زهير .
الثاني : النبوة ، قاله يحيى بن سلام .
الثالث : أي علمنا أن العرش عرشها قبل أن نسألها ، قاله ابن شجرة .
{ وَكُنَّا مُسْلِمِينَ } فيه وجهان
: أحدهما : طائعين لله بالاستسلام له .
الثاني : مخلصين لله بالتوحيد .
قوله تعالى { وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : وصدها عبادة الشمس أن تعبد الله .
الثاني : وصدّها كفرها بقضاء الله أن تهتدي للحق .
الثالث : وصدّها سليمان عما كانت تعبد في كفرها .
الرابع : وصدها الله تعالى إليه بتوفيقها بالإيمان عن الكفر .
قوله : { قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها بركة بنيت قوارير ، قاله مجاهد .
الثاني : أنها صحن الدار ، حكاه ابن عيسى يقال صرحة الدار وساحة الدار وباحة الدار وقاعة الدار كله بمعنى واحد . قال زهير مأخوذ من التصريح ومنه صرح بالأمر إذا أظهره .
الثالث : أنه القصر قاله ابن شجرة ، واستشهد بقول الهذلي .
على طرق كنحو الظباء ... تحسب أعلامهن الصروحا
{ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً } أي ماء لأن سليمان أمر الجن أن يبنوه من قوارير في ماء فبنوه وجعلوا حوله أمثال السمك فأمرها بالدخول لأنها وصفت له فأحب أن يراها .
قال مجاهد : وكانت هلباء الشعر والهلباء الطويلة الشعر ، قدمها كحافر الحمار وكانت أمها جنيه . قال الحسن : وخافت الجن أن يتزوجها سليمان فيطلع منها على أشياء كانت الجن تخفيها عنه . وهذا القول بأن أمها جنية مستنكر في العقول لتباين الجنسين واختلاف الطبعين وتفاوت الجسمين ، لأن الآدمي جسماني ، والجني روحاني ، وخلق الله الآدمي من صلصال كالفخار وخلق الجني من مارج من نار ، ويمتنع الامتزاج من هذا التباين ويستحيل التناسل مع هذا الاختلاف ، لكنه قيل فذكرته حاكياً .
{ وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا } فرآهما سليمان شعراوين فصنعت له الجن النورة فحلقهما ، فكان أول من صنعت النورة . (3/250)
واختلفواْ في السبب الذي كان من أجله أراد سليمان كشف ساقيها لدخول الصرح على ثلاثة أقاويل :
أحدها : لأنه أراد أن يختبر بذلك عقلها .
الثاني : أنه ذكر له أن ساقها ساق حمار لأن أمها جنية فأحب أن يختبرها .
الثالث : لأنه أراد أن يتزوجها فأحب أن يشاهدها .
{ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ } فيه قولان
: أحدهما : أنه المجلس ومنه الأمرد لملوسته ، قاله علي بن عيسى .
الثاني : أنه الواسع طوله وعرضه ، قاله ابن شجرة وأنشد :
غدوت صباحاً باكراً فوجدتهم ... قبيل الضحى في البابلي الممرد
قوله تعالى : { قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي } فيه قولان
: أحدهما : بالشرك الذي كانت عليه ، قاله ابن شجرة .
الثاني : بالظن الذي توهمته في سليمان لأنها لما أمرت بدخول الصرح حسبته لجة وأن سليمان يريد تغريقها فيه فلما بان لها أنه صرح ممرد من قوارير علمت أنها ظلمت نفسها بذلك الظن ، قاله سفيان .
{ وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي استسلمت مع سليمان لله طائعة لله رب العالمين .
قال مقاتل : فتزوجها سليمان واتخذ لها حماماً ونورة بالشام ، وهو أول من اتخذ ذلك ، ثم لم ير إلا كذلك حتى فرق الموت بينهما ، فحكى الشعبي عن ناس من حمير أنهم حفروا مقبرة الملك فوجدوا فيها أرضاً معقودة فيها امرأة عليها حلل منسوخة بالذهب وعند رأسها لوح رخام فيه مكتوب : -
يا أيها الأقوام عُوجوا معاً ... وأربعوا في مقبري العيسا
لتعلموا أني تلك التي ... قد كنت أدْعي الدهر بلقيسا
شيّدت قصر الملك في حمير ... قومي وقد كان مأنوسا
وكنت في ملكي وتدبيره ... أرغم في الله المعاطيسا
بَعْلي سليمان النبي الذي ... قد كان للتوراة دريسا
وسخّر الريح له مركباً ... تهب أحياناً رواميسا
مع ابن داود النبي الذي ... قدسه الرحمن تقديسا
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45) قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47)
قوله تعالى : { فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ } فيه قولان (3/251)
: أحدهما : كافر ومؤمن ، قاله مجاهد .
الثاني : مصدق ومكذب ، قاله قتادة .
وفيم اختصموا؟ فيه قولان :
أحدهما : أن تقول كل فرقة نحن عل الحق دونكم .
الثاني : اختلفوا أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه ، قاله مجاهد .
قوله : { قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ } فيه قولان :
أحدهما : بالعذاب قبل الرحمة ، قاله مجاهد ، لقولهم { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } .
الثاني : بالبلاء قبل العافية ، قاله السدي .
{ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } فيه وجهان
: أحدهما : بالكفاية .
الثاني : بالإِجابة .
قوله : { قَالُواْ اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ } أي تشاءَمنا بك وبمن معك مأخوذ من الطيرة ، وفي تطيرهم به وجهان :
أحدهما : لافتراق كلمتهم ، قاله ابن شجرة .
الثاني : للشر الذي نزل بهم ، قاله قتادة .
{ قَالَ طَآئِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ } فيه وجهان
: أحدهما : مصائبكم عند الله ، قاله ابن عباس ، لأنها في سرعة نزولها عليكم كالطائر .
الثاني : عملكم عند الله ، قاله قتادة ، لأنه في صعوده إليه كالطائر .
{ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ } فيه وجهان
: أحدهما : تبتلون بطاعة الله ومعصيته ، قاله قتادة .
الثاني : تصرفون عن دينكم الذي أمركم الله به وهو الإسلام ، قاله الحسن .
وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53)
قوله : { وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ } الرهط الجمع لا واحد له يعني من ثمود قوم صالح وهم عاقرو الناقة ، وذكر ابن عباس أساميهم فقال : هم زعجي وزعيم وهرمي ودار وصواب ورباب ومسطح وقدار ، وكانواْ بأرض الحجر وهي أرض الشام ، وكانوا فساقاً من أشراف قومهم . (3/252)
{ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ } فيه خمسة أوجه
: أحدها : يفسدون بالكفر ولا يصلحون بالإيمان .
الثاني : يفسدون بالمنكر ولا يصلحون بالمعروف .
الثالث : يفسدون بالمعاصي ولا يصلحون بالطاعة .
الرابع : يفسدون بكسر الدراهم والدنانير ولا يصلحون بتركها صحاحاً ، قاله ابن المسيب ، قاله عطاء .
الخامس : أنهم كانوا يتتبعون عورات النساء ولا يسترون عليهن .
قوله : { قَالُواْ تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ } أي تحالفواْ بالله .
{ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ } أي لنقتلنه وأهله ليلاً ، والبيات قتل الليل
. { ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ } أي لرهط صالح
. { مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ } أي قتله ، وقتل أهله ، ولا علمنا ذلك
. { وَإِنَّا لَصّادِقُونَ } في إنكارنا لقتله
. { وَمَكَرُواْ مَكْراً } وهو ما همّوا به من قتل صالح
. { وَمَكَرْنَا مَكْراً } وهو أن رماهم الله بصخرة فأهلكهم
. { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أي لا يعلمون بمكرنا وقد علمنا بمكرهم
. وفي مكرهم ومكر الله تعالى بهم قولان :
أحدهما : قاله الكلبي ، وهم لا يشعرون بالملائكة الذين أنزل الله على صالح ليحفظوه من قومه حين دخلوا عليه ليقتلوه ، فرموا كل رجل منهم بحجر حتى قتلوهم جميعاً ، وسَلِمَ صالح من مكرهم .
الثاني : قاله الضحاك ، أنهم مكروا بأن أظهروا سفراً وخرجوا فاستتروا في غار ليعودوا في الليل فيقتلوهُ ، فألقى الله صخرة على باب الغار حتى سدّه وكان هذا مكر الله بهم .
وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58)
قوله تعالى : { أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } فيه وجهان (3/253)
: أحدهما : أي وأنتم تعلمون أنها فاحشة .
الثاني : يبصر بعضكم بعضاً .
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60)
قوله تعالى : { فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ } فيها قولان (3/254)
: أحدهما : أنها النخل ، قاله الحسن .
الثاني : الحائط من الشجر والنخل ، قاله الكلبي .
{ ذَاتَ بَهْجَةٍ } فيها قولان
: أحدهما : ذات غضارة ، قاله قتادة .
الثاني : ذات حسن ، قاله الضحاك .
{ مَّا كَانَ لَكُْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } أي ما كان في قدركم أن تخلقوا مثلها
. { أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ } فيه وجهان
: أحدهما : أي ليس مع الله إله ، قاله قتادة .
الثاني : أإله مع الله يفعل هذا ، قاله زيد بن أسلم .
{ بَلْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } فيه وجهان
: أحدهما : أي يعدلون عن الحق .
الثاني : يشركون بالله فيجعلون له عدلاً أي مثلاً ، قاله قطرب ومقاتل .
أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61)
قوله : { أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً } أي جعلها مستقراً (3/255)
. { وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً } أي في مسالكها ونواحيها أنهار جارية ينبت بها الزرع ويحيي به الخلق .
{ وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ } يعني جبالاً هي لها ماسكة والأرض بها ثابتة
. { وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَينِ حَاجِزاً } فيه أربعة أقاويل
: أحدها : بحر السماء والأرض ، قاله مجاهد .
الثاني : بحر فارس والروم ، قاله الحسن .
الثالث : بحر الشام والعراق ، قاله السدي .
الرابع : العذب والمالح ، قاله الضحاك .
والحاجز المانع من اختلاط أحدهما بالآخر فيه وجهان :
أحدهما : حاجزاً من الله لا يبغي أحدهما على صاحبه ، قاله قتادة .
الثاني : حاجزاً من الأرض أن يختلط أحدهما بالآخر ، حكاه قتادة .
{ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : لا يعقلون ، قاله ابن عباس .
الثاني : لا يعلمون توحيد الله ، حكاه النقاش .
الثالث : لا يتفكرون ، حكاه ابن شجرة .
أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62)
قوله { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ } وإنما خص إجابة المضطر لأمرين (3/256)
: أحدهما : لأن رغبته أقوى وسؤاله أخضع .
الثاني : لأن إجابته أعم وأعظم لأنها تتضمن كشف بلوى وإسداء نعمى .
{ وَيَكْشِفُ السُّوءَ } يحتمل وجهين
: أحدهما : أن يكون عن المضطر بإجابته .
الثاني : عمن تولاه ألاَّ ينزل به .
وفي { السُّوءَ } وجهان :
أحدهما : الضر .
الثاني : الجور ، قاله الكلبي .
{ وَيَجْعَلَكُمْ خُلَفَآءَ الأَرْضِ } فيه ثلاثة أوجه
: أحدهما : خلفاً من بعد خلف ، قاله قتادة .
الثاني : أولادكم خلفاء منكم ، حكاه النقاش .
الثالث : خلفاء من الكفار ينزلون أرضهم وطاعة الله بعد كفرهم ، قاله الكلبي .
{ قَلِيلاً مَّا تَذَكَرُونَ } أي ما أقل تذكركم لنعم الله عليكم
!
أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64)
قوله { أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرَّ وَالْبَحْرِ } فيه وجهان (3/257)
: أحدهما : يرشدكم من مسالك البر والبحر .
الثاني : يخلصكم من أهوال البر والبحر ، قاله السدي .
وفي { الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } وجهان :
أحدهما : أن البر الأرض والبحر الماء .
الثاني : أن البر بادية الأعراب والبحر الأمصار والقرى ، قاله الضحاك .
{ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : مبشرة ، قاله ابن عباس وتأويل من قرأ بالباء .
الثاني : منشرة ، قاله السدي وهو تأويل من قرأ بالنون .
الثالث : ملقحات ، قاله يحيى بن سلام .
{ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } وهو المطر في قول الجميع
. { أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي عما أشرك المشركون به من الأوثان .
قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70)
قوله : { بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ } وفي صفة علمهم بهذه الصفة قولان (3/258)
: أحدهما : أنها صفة ذم فعلى هذا في معناه أربعة أوجه :
أحدها : غاب عليهم ، قاله ابن عباس .
الثاني : لم يدرك علمهم ، قاله ابن محيصن .
الثالث : اضمحل علمهم ، قاله الحسن .
الرابع : ضل علمهم وهو معنى قول قتادة . فهذا تأويل من زعم أنها صفة ذم .
والقول الثاني : أنها صفة حمد لعلمهم وإن كانوا مذمومين فعلى هذا في معناه ثلاثة أوجه :
أحدها : أدرك علمُهم ، قاله مجاهد .
الثاني : اجتمع علمهم ، قاله السدي .
الثالث : تلاحق علمهم ، قاله ابن شجرة .
{ فِي شَكٍّ مِّنْهَا } يعني من الآخرة فمن جعل ما تقدم صفة ذمٍ لعلمهم جعل نقصان علمهم في الدنيا فلذلك أفضى بهم إلى الشك في الآخرة ، ومن جعل ذلك صفة حمد لعلمهم جعل كمال علمهم في الآخرة فلم يمنع ذلك أن يكونوا في الدنيا على شك في الآخرة .
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (71) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75) إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81)
قوله : { رَدِفَ لَكُم } فيه ثلاثة أوجه (3/259)
: أحدها : معناه اقترب لكم ودنا منكم ، قاله ابن عباس وابن عيسى .
الثاني : أعجل لكم ، قاله مجاهد .
الثالث : تبعكم ، قاله ابن شجرة ومنه رِدْف المرأة لأنه تبع لها من خلفها ، قال أبو ذؤيبٍ :
عاد السواد بياضاً في مفارقه ... لا مرحباً ببياض الشيب إذ ردِفا
وفي قوله تعالى : { بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ } وجهان
: أحدهما : يوم بدر .
الثاني : عذاب القبر .
قوله : { وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ . . . . } الآية . فيها ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الغائبة القيامة ، قاله الحسن .
الثاني : ما غاب عنهم من عذاب السماء والأرض ، حكاه النقاش .
الثالث : جميع ما أخفى الله عن خلقه وغيَّبه عنهم ، حكاه ابن شجرة .
وفي { كِتَابٍ مُّبِينٍ } قولان :
أحدهما : اللوح المحفوظ .
الثاني : القضاء المحتوم .
وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82)
قوله { وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ } فيه أربعة أوجه (3/260)
: أحدها : وجب الغضب عليهم ، قاله قتادة .
الثاني : إذا حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون ، قاله مجاهد .
الثالث : إذا لم يؤمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وجب السخط عليهم ، قاله ابن عمر وأبو سعيد الخدري .
الرابع : إذا نزل العذاب ، حكاه الكلبي .
{ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ } فيها قولان
: أحدهما : ما حكاه محمد بن كعب عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن الدابة فقال : أما والله لها ذنب وإن لها للحية ، وفي هذا القول إشارة إلى أنها من الإنس وإن لم يصرح .
الثاني : وهو قول الجمهور أنها دابة من دواب الأرض ، واختلف من قال بهذا في صفتهاعلى ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها دابة ذات زغب وريش لها أربع قوائم ، قاله ابن عباس :
الثاني : أنها دابة ذات وبر تناغي السماء ، قاله الشعبي .
القول الثالث : أنها دابة رأسها رأس ثور وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل وقرنها قرن آيِّل وعنقها عنق نعامة وصدرها صدر أسد ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هر وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعاً تخرج معها عصا موسى وخاتم سليمان فتنكت في وجه المسلم بعصا موسى نكتة بيضاء وتنكت في وجه الكافر بخاتم سليمان فيسود وجهه ، قاله ابن الزبير .
وفي قوله { مِّنَ الأَرْضِ } أربعة أقاويل :
أحدها : أنها تخرج من بعض أودية تهامة ، قاله ابن عباس .
الثاني : من صخرة من شعب أجياد ، قاله ابن عمر .
الثالث : من الصفا ، قاله ابن مسعود .
الرابع : من بحر سدوم ، قاله ابن منبه .
وفي { تُكَلِّمُهُمْ } قراءتان :
الشاذة منهما : { تَسِمهُم } بفتح التاء ، وفي تأويلها وجهان :
أحدهما : تسمهم في وجوههم بالبياض في وجه المؤمن ، وبالسواد في وجه الكافر حتى يتنادى الناس في أسواقهم يا مؤمن يا كافر ، وقد روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « تَخْرُجُ الدَّابَّهُ فَتَسِم الناسَ عَلَى خَرَاطِيمِهِم
» . الثاني : معناه تجرحهم وهذا مختص بالكافر والمنافق ، وجرحه إظهار كفره ونفاقه ومنه جرح الشهود بالتفسيق ، ويشبه أن يكون قول ابن عباس .
والقراءة الثانية : وعليها الجمهور { تُكَلِّمُهُمْ } بضم التاء وكسر اللام من الكلام ، وحكى قتادة أنها في بعض القراءة : { تُنَبِّئُهُمْ } وحكى يحيى بن سلام أنها في بعض القراءة : { تُحَدِّثُهُمْ } .
وفي كلامها على هذا التأويل قولان :
أحدهما : أن كلامها ظهور الآيات منها من غير نطق ولا لفظ .
والقول الثاني : أنه كلام منطوق به .
فعلى هذا فيما تكلم به قولان :
أحدهما : أنها تكلمهم بأن هذا مؤمن وهذا كافر .
الثاني : تكلمهم بما قاله الله { أَنَّ النَّاسَ كَانُواْ بِئَايَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ } قاله ابن مسعود وعطاء .
وحكى ابن البيلماني عن ابن عمر أن الدابة تخرج ليلة جمع وهي ليلة النحر والناس يسيرون إلى منى .
وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86)
قوله : { وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أَمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِئَايَتِنَا } وهم كفارها المكذبون . وفي قوله { بَئَايَاتِنَا } وجهان : (3/261)
أحدهما : محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله السدي .
الثاني : جميع الرسل ، وهو قول الأكثرين .
{ فَهُمْ يُوزَعُونَ } فيه أربعة أوجه
: أحدها : يجمعون ، قاله ابن شجرة .
الثاني : يدفعون ، قاله ابن عباس .
الثالث : يساقون ، قاله ابن زيد والسدي ، ومنه قول الشماخ .
وكم وزعنا من خميس جحفل ... وكم حبونا من رئيس مسحل
الرابع : يُرَدُّ أولاهم على أُخراهم ، قاله قتادة .
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ (89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90)
{ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ } وهو يوم النشور من القبور وفيه ثلاثة أقاويل (3/262)
: أحدها : أن الصور جمع صورة ، والنفخ فيها إعادة الأرواح إليها .
الثاني : أنه شيء ينفخ فيه كالبوق يخرج منه صوت يحيا بن الموتى .
الثالث : أنه مثل ضربه الله لإحياء الموتى في وقت واحد بخروجهم فيه كخروج الجيش إذا أُنذروا بنفخ البوق فاجتمعوا في الخروج وقتاً واحداً .
{ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ } وفي هذا الفزع هنا قولان :
أحدهما : أنه الإجابة والإسراع إلى النداء من قولك فزعت إليه من كذا إذا أسرعت إلى ندائه في معونتك قال الشاعر :
كنا إذا ما أتانا صارخٌ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب
فعلى هذا يكون { إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ } استثناء لهم من الإِجابة والإسراع إلى النار
. ويحتمل من أريد بهم وجهين :
أحدهما : الملائكة الذين أخروا عن هذه النفخة .
والقول الثاني : إن الفزع هنا هو الفزع المعهود من الخوف والحذر لأنهم أزعجوا من قبورهم ففزعوا وخافوا وهذا أشبه القولين فعلى هذا يكون قوله { إِلاَّ مَن شَآءَ } استثناء لهم من الخوف والفزع .
وفيهم قولان :
أحدهما : أنهم الملائكة الذين يثبت الله قلوبهم ، قاله ابن عيسى .
الثاني : أنهم الشهداء . روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم الشهداء ولولا هذا النص لكان الأنبياء بذلك أحق لأنهم لا يقصرون عن منازل الشهداء وإن كان في هذا النص تنبيه عليهم . وقيل إن إسرافيل هو النافخ في الصور .
{ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ } فيه وجهان
: أحدهما : راغمين ، قاله السدي .
الثاني : صاغرين ، قاله ابن عباس وقتادة ويكون المراد بقوله { وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ } من فزع ومن استثني من الفزع بقوله { إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ } وهذا يكون في النفخة الثانية ، والفزع بالنفخة الأولى ، وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ عَاماً
» . قوله { وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً } أي واقفة
. { وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ } أي لا يرى سيرها لبعد أطرافها كما لا يرى سير السحاب إذا انبسط لبعد أطرافه وهذا مثل ، وفيم ضرب له ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه مثل ضربه الله تعالى للدنيا يظن الناظر إليها أنها واقفة كالجبال وهي آخذة بحظها من الزوال كالسحاب ، قاله سهل بن عبد الله .
الثاني : أنه مثل ضربه الله للإيمان ، تحسبه ثابتاً في القلب وعمله صاعد إلى السماء .
الثالث : أنه مثل للنفس عند خروج الروح والروح تسير إلى القدس .
{ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيىْءٍ } أي فعل الله الذي أتقن كل شيء . وفيه أربعة أوجه :
أحدها : أحكم كل شيء ، قاله ابن عباس .
الثاني : أحصى ، قاله مجاهد .
الثالث : أحسن ، قاله السدي .
الرابع : أوثق ، واختلف فيها فقال الضحاك : هي كلمة سريانية ، وقال غيره : هي عربية مأخوذ من إتقان الشيء إذا أحكم وأوثق ، وأصلها من التقن وهو ما ثقل من الحوض من طينة .
قوله : { مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ } فيها وجهان :
أحدهما : أنها أداء الفرائض كلها .
الثاني : أفضل منها لأنه يعطى بالحسنة عشراً ، قاله زيد بن أسلم .
الثالث : فله منها خير للثواب العائد عليه ، قاله ابن عباس ومجاهد .
{ وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ } فيه وجهان
: أحدهما : وهم من فزع يوم القيامة آمنون في الجنة .
الثاني : وهم من فزع الموت في الدنيا آمنون في الآخرة .
{ وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةٍ } الشرك في قول ابن عباس وأبي هريرة
.
إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)
قوله : { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدُ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدِةِ الَّذِي حَرَّمَهَا } فيها قولان (3/263)
: أحدهما : مكة ، قاله ابن عباس .
الثاني : مِنى ، قاله أبو العالية ، وتحريمها هو تعظيم حرمتها والكف عن صيدها وشجرها .
{ وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ } يعني ملك كل شيء مما أحله وحرمه فيحل منه ما شاء ويحرم منه ما شاء لأن للمالك أن يفعل في ملكه ما يشاء .
قوله : { سَيُرِيكُمْ ءَآيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا } فيه وجهان :
أحدهما : يريكم في الآخرة فتعرفونها على ما قال في الدنيا ، قاله الحسن .
الثاني : يريكم في الدنيا ما ترون من الآيات في السموات والأرض فتعرفونها أنها حق ، قاله مجاهد .
{ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } من خير أو شر فلا بد أن يجازي عليه ، والله أعلم .
طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)
قوله تعالى : { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ } فيه ثلاثة أقاويل (3/264)
: أحدها : ببغيه في استعباد بني إسرائيل وقتل أولادهم ، قاله قتادة .
الثاني : بكفره وادعاء الربوبية .
الثالث : بملكه وسلطانه .
وهذه الأرض أرض مصر لأن فرعون ملك مصر ، ولم يملك الأرض كلها ، ومصر تسمى الأرض ولذلك قيل لبعض نواحيها الصعيد .
وفي علوه وجهان :
أحدهما : هو لظهوره في غلبته .
الثاني : كبره وتجبره .
{ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً } أي فرقاً . قاله قتادة : فَرّق بين بني إسرائيل والقبط
. { يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ } وهم بنو إسرائيل بالاستعباد بالأعمال القذرة
. { يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ } قال السدي : إن فرعون رأى في المنام أن ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل فسأل علماء قومه عن تأويله ، فقالوا : يخرج من هذا البلد رجل يكون على يده هلاك مصر ، فأمر بذبح أبنائهم واستحياء نسائهم ، وأسرع الموت في شيوخ بني إسرائيل فقال القبط لفرعون : إن شيوخ بني إسرائيل قد فنوا بالموت وصغارهم بالقتل فاستبقهم لعملنا وخدمتنا أن يستحيوا في عام ويقتلوا في عام فولد هارون في عام الاستحياء وموسى في عام القتل . وطال بفرعون العمر حتى حكى النقاش أنه عاش أربعمائة سنة وكان دميماً قصيراً . وكان أول من خضب بالسواد . وعاش موسى مائة وعشرين سنة .
قوله : { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ استُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ } فيهم قولان :
أحدهما : بنو إسرائيل ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : يوسف وولده ، قاله علي رضي الله عنه .
{ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمََّةً } فيه ثلاثة أقاويل
: أحدها : ولاة الأمر ، قاله قتادة .
الثاني : قادة متبوعين ، قاله قتادة .
الثالث : أنبياء لأن الأنبياء فيما بين موسى وعيسى كانوا من بني إسرائيل أولهم موسى وآخرهم عيسى وكان بينهما ألف نبي ، قاله الضحاك .
{ وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ } فيه قولان
: أحدهما : أنهم بعد غرق فرعون سبَوا القبط فاستعبدوهم بعد أن كانوا عبيدهم فصاروا وارثين لهم ، قاله الضحاك .
الثاني : أنهم المالكون لأرض فرعون التي كانوا فيها مستضعفين . والميراث زوال الملك عمن كان له إلى من صار إليه ، ومنه قول عمرو بن كلثوم :
ورثنا مجد علقمة بن سيف ... أباح لنا حصون المجد دينا
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)
{ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى } فيه ثلاثة أقاويل (3/265)
: أحدها : أنه إلهام من الله قد قذفه في قلبها وليس بوحي نبوة ، قاله ابن عباس وقتادة .
الثاني : أنه كان رؤيا منام ، حكاه ابن عيسى .
الثالث : أنه وحي من الله إليها مع الملائكة كوحيه إلى النبيين ، حكاه قطرب .
{ أَنْ أَرْضِعِيه } قال مجاهد : كان الوحي بالرضاع قبل الولادة ، وقال غيره بعدها .
{ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ } يعني القتل الذي أمر به فرعون في بني إسرائيل
. { فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ } واليم : البحر وهو النيل
. { وَلاَ تَخافِي } فيه وجهان
: أحدهما : لا تخافي عليه الغرق ، قاله ابن زيد .
الثاني : لا تخافي عليه الضيعة ، قاله يحيى بن سلامة .
{ وَلاَ تَحْزَنِي } فيه وجهان
: أحدهما : لا تحزني على فراقه ، قاله ابن زيد .
الثاني : لا تحزني أن يقتل ، قال يحيى بن سلام .
فقيل : إنها جعلته في تابوت طوله خمسة أشبار وعرضه خمسة أشبار وجعلت المفتاح مع التابوت وطرحته في البحر بعد أن أرضعته أربعة أشهر وقال آخرون ثمانية أشهر في حكاية الكلبي . وحكي أنه لما فرغ النجار من صنعه التابوت أتى إلى فرعون يخبره فبعث معه من يأخذه فطمس الله على عينه وقلبه فلم يعرف الطريق فأيقن أنه المولود الذي تخوف فرعون منه فآمن من ذلك الوقت وهو مؤمن آل فرعون .
قال ابن عباس : فلما توارى عنها ندَّمها الشيطان وقالت في نفسها لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب أليّ من إلقائه بيدي إلى دواب البحر وحيتانه ، فقال الله : { إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ . . . } الآية ، حكى الأصمعي قال : سمعت جارية أعرابية تنشد :
استغفر الله لذنبي كله ... قبلت إنساناً بغير حلّه
مثل الغزال ناعماً في دَله ... فانتصف الليل ولم أُصله
فقلت : قاتلك الله ما أفصحك! فقالت : أوَيعد هذا فصاحة مع قوله تعالى { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ . . . } الآية ، فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين .
قوله { فَالتْقَطَهُ ءَآلُ فِرْعَوْنَ } فيه قولان :
أحدهما : أنه التقطه جواري امرأته حين خرجن لاستسقاء الماء فوجدن تابوته فحملنه إليها ، قاله ابن عباس .
الثاني : أن امرأة فرعون خرجت إلى البحر وكانت برصاء فوجدت تابوته فأخذته فبرئت من برصها فقالت : هذا الصبي مبارك ، قاله عبد الرحمن بن زيد .
{ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدوّاً وََحَزَناً } أي ليكون لهم عَدُوّاً وحزناً في عاقبة أمره ولم يكن لهم في الحال عدوّاً ولا حزناً لأن امرأة فرعون فرحت به وأحبته حباً شديداً فذكر الحال بالمآل كما قال الشاعر :
وللمنايا تربي كل مرضعةٍ ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها .
{ وَقَالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ } روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن أصحاب فرعون لما علموا بموسى جاءوا ليذبحوه فمنعتهم وجاءت به إلى فرعون وقالت : قرة عين لي ولك .
{ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً } فقال فرعون : قرة عين لك فأما لي فلا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَوْ أَقَرَّ فِرْعَونُ بِأَنَّهُ يَكُونُ لَهُ قُرَّةُ عَيْنٍ كَمَا أَقَرَّت امْرَأَتُهُ لَهَدَاهُ اللَّهُ بِهِ كَمَا هَدَاهَا وََلَكِنَّ اللَّهَ حَرَمَهُ ذلِكَ
» وفي قرة العين وجهان
: أحدهما : أنه بردها بالسرور مأخوذ من القر وهو البرد .
الثاني : أنه قر فيها دمعها فلم يخرج بالحزن مأخوذ من قر في المكان إذا أقام فيه .
{ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أنّ هلاكهم على يديه وفي زمانه .
وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13)
قوله { وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مَوسَى فَارِغاً } فيه ستة أوجه (3/266)
: أحدها : فارغاً من كل شيء إلا من ذكر موسى ، قاله ابن عباس وقتادة .
الثاني : فارغاً من وحينا بنسيانه ، قاله الحسن وابن زيد .
الثالث : فارغاً من الحزن لعلمها أنه لم يغرق ، قاله الأخفش .
الرابع : معنى فارغاً أي نافراً ، قاله العلاء بن زيد .
الخامس : ناسياً ، قاله اليزيدي .
السادس : معناه والهاً ، رواه ابن جبير .
وقرأ فضالة بن عبيد الأنصاري وهو صحابي : { وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَزِعاً } من الفزع وفي قوله { وَأَصْبَحَ } وجهان :
أحدهما : أنها ألقته ليلاً فأصبح فؤادها فارغاً في النهار .
الثاني : أنها ألقته نهاراً ومعنى أصبح أي صار ، قال الشاعر :
مضى الخلفاء بالأمر الرشيد ... وأصبحت المدينة للوليد
{ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } فيه ثلاثة أقاويل
: أحدها : أن تصيح عند إلقائه وا إبناه ، قاله ابن عباس .
الثاني : أن تقول لما حملت لإرضاعه وحضانته هو ابني ، قاله السدي لأنه ضاق صدرها لما قيل هو ابن فرعون .
الثالث : أن تبدي بالوحي ، حكاه ابن عيسى .
{ لَوْلاَ أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا } فيه قولان
: أحدهما : بالإيمان ، قاله قتادة .
الثاني : بالعصمة ، قاله السدي .
{ لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } قال السدي : قد كانت من المؤمنين ولكن لتكون من المصدقين بأنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين .
قوله تعالى : { وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ } أي استعلمي خبره وتتبّعي أثره .
قال الضحاك ، واسم أخته كلثمة .
{ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ } وفيه ثلاثة أقاويل
: أحدها : عن جانب ، قاله ابن عباس .
الثاني : عن بعد ، قاله مجاهد ومنه الأجنبي قال علقمة بن عبدة :
فلا تحرمنّي نائلاً عن جنابةٍ ... فإني امرؤ وسط القباب غريب
الثاني : عن شوق ، حكاه أبوعمرو بن العلاء وذكر أنها لغة جذام يقولون جنبت إليك [ أي اشتقت ] .
{ َوَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أنها أخته لأنها كانت تمشي على ساحل البحر حتى رأتهم قد أخذوه .
قوله : { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ } قال ابن عباس : لا يؤتى بمرضعة فيقبلها وهذا تحريم منع لا تحريم شرع كما قال امرؤ القيس :
جالت لتصرعني فقلت لها اقصِري ... إني امرؤ صرعي عليك حرام
أي ممتنع
: { مِن قَبْلُ } أي من قبل مجيء أخته وفي قوله : { مِن قَبْلُ } وجهان
: أحدهما : ما ذكرناه .
الثاني : من قبل ردّه إلى أمه .
{ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ } الآية . وهذا قول أخته لهم حين رأته لا يقبل المراضع فقالوا لها عند قولها لهم :
{ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ } وما يُدْريك؟ لعلك تعرفين أهله ، فقالت : لا ولكنهم يحرصون على مسرة الملك ويرغبون في ظئره .
قوله تعالى : { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمَّهِ } قال ابن عباس انطلقت أخته إلى أمه فأخبرتها فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصَّه حتى امتلأ جنباه رياً وانطلق بالبشرى إلى امرأة فرعون قد وجدنا لابنك ظئراً ، قال أبو عمران الجوني : وكان فرعون يعطي أم موسى في كل يوم ديناراً .
وروي أنه قال لأم موسى حين ارتضع منها : كيف ارتضع منك ولم يرتضع من غيرك؟ فقالت : لأني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أكاد أوتى بصبي إلا ارتضع مني . فكان من لطف الله بموسى أن جعل إلقاء موسى في البحر وهو الهلاك سبباً لنجاته وسخر فرعون لتربيته وهو يقتل الخلق من بني إسرائيل لأجله وهو في بيته وتحت كنفه .
{ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } في قوله : { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكَ } الآية
. { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ } يعني من قوم فرعون
. { لاَ يَعْلَمُونَ } فيه وجهان
: أحدهما : لا يعلمون ما يراد بهم ، قاله الضحاك .
الثاني : لا يعملون مثل علمها .
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17)
قوله تعالى : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } فيه تسعة أقاويل (3/267)
: أحدها : أربعون سنة ، قاله الحسن .
الثاني : أربع وثلاثون سنة ، قاله سفيان .
الثالث : ثلاث وثلاثون سنة ، قاله ابن عباس .
الرابع : ثلاثون سنة ، قاله السدي .
الخامس : خمس وعشرون سنة ، قاله عكرمة .
السادس : عشرون سنة ، حكاه يحيى بن سلام .
السابع : ثماني عشرة سنة ، قاله ابن جبير .
الثامن : خمس عشرة سنة ، قاله محمد بن قيس .
التاسع : الحلم . قاله ربيعة ومالك .
والأشد جمع واختلف هل له واحد أم لا ، على قولين :
أحدهما : لا واحد له ، قاله أبو عبيدة .
الثاني : له واحد وفيه وجهان :
أحدهما : شد ، قاله سيبويه .
الثاني : شدة ، قاله الكسائي .
{ وَاسْتَوَى } فيه أربعة أقاويل
: أحدها : اعتدال القوة ، قاله ابن شجرة .
الثاني : خروج اللحية ، قاله ابن قتيبة .
الثالث : انتهى شبابه ، قاله ابن قتيبة .
الرابع : أربعون سنة ، قاله ابن عباس .
{ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً } في الحكم أربعة أقاويل
: أحدها : أنه العقل ، قاله عكرمة .
الثاني : النبوة ، قاله السدي .
الثالث : القوة ، قاله مجاهد .
الرابع : الفقه ، قاله ابن اسحاق .
قوله : { وَدَخَل الْمَدِينَةَ } فيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها مصر ، قاله ابن شجرة .
الثاني : منف ، قاله السدي .
الثالث : عين الشمس ، قاله الضحاك .
{ عَلَى حِينٍ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا } فيه أربعة أقاويل
: أحدها : نصف النهار والناس قائلون ، قاله ابن جبير .
الثاني : ما بين المغرب والعشاء ، قاله ابن عباس .
الثالث : يوم عيد لهم وهم في لهوهم ، قاله الحسن .
الرابع : لأنهم غفلوا عن ذكره لبعد عهدهم به ، حكاه ابن عيسى .
{ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ } وفيه قولان
: أحدهما : من شيعته إسرائيلي ومن عدوه قبطي ، قاله ابن عباس .
الثاني : من شيعته مسلم ومن عدوه كافر ، قاله ابن إسحاق .
{ فاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } حكى ابن سلام أن القبطي سخّر الإسرائيلي ليحمل له حطباً لمطبخ فرعون فأبى عليه فاستغاث بموسى . قال سعيد بن جبير : وكان خبازاً لفرعون { فَوَكَزَهُ مُوسَى } قال قتادة : بعصاه وقال مجاهد : بكفه أي دفعه ، الوكز واللكز واحد والدفع . قال رؤبة :
بعدد ذي عُدَّةٍ ووكز ... إلا أن الوكز في الصدر واللكز في الظهر
. فعل موسى ذلك وهو لا يريد قتله وانما يريد دفعه .
{ فَقَضَى عَلَيهِ } أي فقتله
. و { قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } أي من إغوائه .
{ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُّبِينٌ } قال الحسن : لم يكن يحل قتل الكافر يومئذٍ في تلك الحال لأنها كانت حال كف عن القتال .
قوله : { قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ } فيه وجهان :
أحدهما : من المغفرة .
الثاني : من الهداية .
{ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ } أي عوناً . قال ابن عباس : قال ذلك فابتلي لأن صاحبه الذي أعانه دل عليه .
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)
قوله تعالى : { فَأَصْبَحَ في الْمَدِينَةِ خَائِفَاً يَتَرَقَّبُ } فيه ثلاثة أوجه (3/268)
: أحدها : خائفاً من قتل النفس أن يؤخذ بها .
الثاني : خائفاً من قومه .
الثالث : خائفاً من الله .
{ يََتَرَقَّبُ } فيه وجهان
: أحدهما : يتلفت من الخوف ، قاله ابن جبير .
الثاني : ينتظر .
وفيما ينتظر فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : ينتظر الطلب إذا قيل إن خوفه كان من قتل النفس .
الثاني : ينتظر أن يسلمه قومه إذا قيل إن خوفه منهم .
الثالث : ينتظر عقوبة الله إذا قيل إن خوفه كان منه .
{ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ } يعني الإسرائيلي الذي كان قد خلصه بالأمس ووكز من أجله القبطي فقتله ، استصرخه واستغاثه على رجل آخر من القبط خاصمه .
{ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ } فيه قولان
: أحدهما : أنه قال ذلك للإسرائيلي لأنه قد أغواه بالأمس حتى قتل من أجله رجلاً ويريد أن يغويه ثانية .
الثاني : أنه قال ذلك للقبطي فظن الإسرائيلي أنه عناه فخافه ، قاله ابن عباس .
{ فلَمَّآ أَنْ أَرادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا . . . } وهو القبطي لأن موسى أخذته الرقة على الإسرائيلي فقال الإسرائيلي :
{ قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ } فيه قولان
: أحدهما : أن الإسرائيلي رأى غضب موسى عليه وقوله إنك لغوي مبين ، فخاف أن قتله فقال : { أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ } .
الثاني : أن الإسرائيلي خاف أن يكون موسى يقتل القبطي فيقتل به الإسرائيلي فقال ذلك دفعاً لموسى عن قتله ، قاله يحيى بن سلام : قال يحيى : وبلغني أن هذا الإسرائيلي هو السامري .
وخلى الإسرائيلي القبطي فانطلق القبطي وشاع أن المقتول بالأمس قتله موسى .
{ . . . إلاَّ تَكُونَ جَبَّارا فِي الأَرْضِ } قال السدي : يعني قتالاً
. قال أبو عمران الجوني : وآية الجبابرة القتل بغير [ حق ] .
وقال عكرمة : لا يكون الإنسان جباراً حتى يقتل نفسين [ بغير حق ] .
{ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ } أي وما هكذا يكون الإصلاح .