صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : النكت والعيون |
وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34)
قوله تعالى : { وَأَنكِحُواْ الأَيَامَى مِنكُمْ } وهو جمع أيّم ، وفي الأيم قولان (3/171)
: أحدهما : أنها المتوفى عنها زوجها ، قاله محمد بن الحسن .
الثاني : أنها التي لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً وهو قول الجمهور . يقال رجل أيّم إذا لم تكن له زوجة وامرأة أيّم إذا لم يكن لها زوج . ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأيمة يعني العزبة قال الشاعر :
فَإِن تَنْكَحِي أَنكِحْ وإن تَتَأَيَّمِي ... وإن كُنْتَ أَفْتَى منكُم أَتَأَيَّمُ
وروى القاسم قال : أمر بقتل الأيم يعني الحية
. وفي هذا الخطاب قولان :
أحدهما : أنه خطاب للأولياء أن ينكحوا آيامهم من أكفائهن إذا دعون إليه لأنه خطاب خرج مخرج الأمر الحتم فلذلك يوجه إلى الولي دون الزوج .
الثاني : أنه خطاب للأزواج أن يتزوجوا الأيامى عند الحاجة .
واختلف في وجوبه فذهب أهل الظاهر إليه تمسكاً بظاهر الأمر ، وذهب جمهور الفقهاء إلى استحبابه للمحتاج من غير إيجاب وكراهته لغير المحتاج .
ثم قال : { وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : أن معنى الكلام وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من رجالكم وأنكحوا إماءَكم .
الثاني : وهو الأظهر أنه أمر بإنكاح العبيد والإِيماء كما أمرنا بإنكاح الأيامى لاستحقاق السيد لولاية عبده وأمته فإن دعت الأمة سيدها أن يتزوجها لم يلزمه لأنها فراش له ، وإن أراد تزويجها كان له خيراً وإن لم يختره ليكتسب رق ولدها ويسقط عنه نفقتها .
وإن أراد السيد تزويج عبد أو طلب العبد ذلك من سيده فهل للداعي إليه أن يجبر الممتنع فيهما عليه أم لا؟ على قولين :
{ إِن يَكُونُوا فُقَرَآءَ يَغْنِهِمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } فيه وجهان
: أحدهما : إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله به عن السفاح .
الثاني : إن يكونوا فقراء إلى المال يغنهم الله إما بقناعة الصالحين ، وإما باجتماع الرزقين ، وروى عبد العزيز بن أبي رواد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « اطْلُبُواْ الغِنَى فِي هذِهِ الآية » { إِن يَكُونَواْ فُقَرآءَ يُغْنهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } .
{ وَاللَّهُ وَاسَعٌ عَلِيمٌ } فيه وجهان
: أحدهما : واسع العطاء عليم بالمصلحة .
الثاني : واسع الرزق عليهم بالخلق .
قوله تعالى : { وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً } أي وليعف ، والعفة في العرف الامتناع من كل فاحشة ، قال رؤبة :
يعف عن أسرارها بعد الفسق .
يعني عن الزنى بها .
{ حَتَّى يَغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } يحتمل وجهين
: أحدهما يغنيهم الله عنه بقلة الرغبة فيه .
الثاني : يغني بمال حلال يتزوجون به .
{ وَالَّذيَنَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِم خَيْراً } أما الكتاب المبتغى هنا هو كتابة العبد والأمة على مال إذا أدياه عتقا به وكانا قبله مالكين للكسب ليؤدي في العتق ، فإن تراضى السيد والعبد عليها جاز ، وإن دعا السيد إليها لم يجبر العبد عليها .
وإن دعا العبد إليها ففي إجبار السيد عليها إذ علم فيه خيراً مذهبان : (3/172)
أحدهما : وهو قول عطاء ، وداود ، يجب على السيد مكاتبته ويجبر إن أبى .
الثاني : وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء أنه يستحب له ولا يجبر عليه فإذا انعقدت الكتابة لزمت من جهة السيد وكان المكاتب فيها مخيراً بين المقام والفسخ .
{ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً } خمسة تأويلات
: أحدها : أن الخير ، القدرة على الاحتراف والكسب ، قاله ابن عمر وابن عباس .
الثاني : أن الخير : المال ، قاله عطاء ومجاهد .
الثالث : أنه الدين والأمانة ، قاله الحسن .
الرابع : أنه الوفاء والصدق ، قاله قتادة وطاووس .
الخامس : أنه الكسب والأمانة ، قاله الشافعي .
{ وءَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي ءَاتَاكُمْ } فيه قولان
: أحدهما : يعني من مال الزكاة من سهم الرقاب يعطاه المكاتب ليستعين به في أداء ما عليه للسيد . ولا يكره للسيد أخذه وإن كان غنياً ، قاله الحسن ، وإبراهيم وابن زيد .
الثاني : من مال المكاتبة معونة من السيد لمكاتبه كما أعانه غيره من الزكاة .
واختلف من ذهب إلى هذا التأويل في وجوبه فذهب أبو حنيفة إلى أنه مستحب وليس بواجب ، وذهب الشافعي إلى وجوبه وبه قال عمر وعلي وابن عباس .
واختلف من قال بوجوبه في هذا التأويل في تقديره فحكي عن علي أنه قدره بالربع من مال الكتابة ، وذهب الشافعي إلى أنه غير مقدر ، وبه قال ابن عباس .
وإن امتنع السيد منه طوعاً قضى الحاكم به عليه جبراً واجتهد رأيه في قدره ، وحكم به في تركته إن مات ، وحاص به الغرماء إن أفلس .
والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم في قول الشافعي وأصحابه ، وإذا عجز عن أداء نجم عند محله كان السيد بالخيار بين إنظاره وتعجيزه وإعادته رقاً ، ولا يرد ما أخذه منه أو من زكاة أعين بها أو مال كسبه .
قال الكلبي وسبب نزول قوله تعالى : { فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُم فِيهِمْ خَيْراً } الآية؛ أن عبداً اسمه صبح لحويطب بن عبد العزى سأله أن يكاتبه فامتنع حويطب فأنزل الله ذلك فيه .
قوله تعالى : { وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } الفتيات الإماء ، البغاء الزنى ، والتحصن التعفف ، ولا يجوز أن يكرهها ولا يمكنها سواء أرادت تعففاً أو لم تُرِدْ .
وفي ذكر الإِكراه هنا وجهان :
أحدهما : لأن الإِكراه لا يصح إلا فيمن أراد التعفف ، ومن لم يرد التعفف فهو مسارع إلى الزنى غير مكره عليه .
الثاني : أنه وارد على سبب فخرج النهي على صفة السبب وإن لم يكن شرطاً فيه ، وهذا ما روى جابر بن عبد الله أن عبد الله بن أبي بن سلول كانت له أمة يقال لها مسيكة وكان يكرهها على الزنى فزنت ببُرْدٍ فأعطته إياه فقال : ارجعي فازني على آخر : فقال : لا والله ما أنا براجعة وجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن سيدي يكرهني على البغاء فأنزل الله هذه الآية ، وكان مستفيضاً من أفعال الجاهلين طلباً للولد والكسب .
{ لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي لتأخذوا أجورهن على الزنى
. { وَمَن يُكْرِههُّنَّ } يعني من السادة
. { فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يعني للأمة المكرهة دون السيد المكرِه .
اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35)
قوله تعالى : { اللَّهُ نُورُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ } فيه أربعة أقاويل (3/173)
: أحدها : معناه الله هادي السموات والأرض ، قاله ابن عباس ، وأنس .
الثاني : الله مدبر السموات والأرض ، قاله مجاهد .
الثالث : الله ضياء السموات والأرض ، قاله أُبي .
الرابع : منور السموات والأرض .
فعلى هذا فبما نورهما به ثلاثة أقاويل :
أحدها : الله نور السموات بالملائكة ونور الأرض بالأنبياء .
الثاني : أنه نور السموات بالهيبة ونور الأرض بالقدرة .
الثالث : نورهما بشمسها وقمرها ونجومها ، قاله الحسن ، وأبو العالية .
{ مَثَلُ نُورِهِ } فيه أربعة أقاويل
: أحدها : مثل نور الله ، قاله ابن عباس .
الثاني : مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن شجرة .
الثالث : مثل نور المؤمن ، قاله أُبي .
الرابع : مثل نور القرآن ، قاله سفيان .
فمن قال : مثل نور المؤمن ، يعني في قلب نفسه ، ومن قال : مثل نور محمد ، يعني في قلب المؤمن ، ومن قال : نور القرآن ، يعني في قلب محمد .
ومن قال : نور الله ، فيه قولان :
أحدهما : في قلب محمد .
الثاني : في قلب المؤمن .
{ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } فيه خمسة أقاويل
: أحدها : أن المشكاة كوة لا منفذ لها والمصباح السراج ، قاله كعب الأحبار .
الثاني : المشكاة القنديل والمصباح الفتيلة ، قاله مجاهد .
الثالث : المشكاة موضع الفتيلة من القنديل الذي هو كالأُنبوب ، والمصباح الضوء قاله ابن عباس .
الرابع : المشكاة الحديد الذي به القنديل وهي التي تسمى السلسلة والمصباح هو القنديل ، وهذا مروي عن مجاهد أيضاً .
الخامس : أن المشكاة صدر المؤمن والمصباح القرآن الذي فيه والزجاجة قلبه ، قاله أُبَي ، قال الكلبي : والمشكاة لفظ حبشي معرب .
{ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ } فيه قولان
: أحدهما : يعني أن نار المصباح في زجاجة القنديل لأنه فيها أضوأ ، وهو قول الأكثرين .
الثاني : أن المصباح القرآن والإِيمان ، والزجاجة قلب المؤمن ، قاله أُبَي .
{ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ } أما الكوكب ففيه قولان
: أحدهما : أنه الزهرة خاصة ، قاله الضحاك .
الثاني : أنه أحد الكواكب المضيئة من غير تعيين ، وهو قول الأكثرين .
وأما درّي ففيه أربع قراءات .
إحداها : دُريّ بضم الدال وترك الهمز وهي قراءة نافع وتأويلها أنه مضيء يشبه الدر لضيائه ونقائه .
الثانية : بالضم والهمز وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر وتأويلها أنه مضيء .
الثالثة : بكسر الدال وبالهمز وهي قراءة أبي عمرو والكسائي وتأويلها أنه متدافع لأنه بالتدافع يصير منقضاً فيكون أقوى لضوئه مأخوذ من درأ أي دفع يدفع .
الرابعة : بالكسر وترك الهمز وهي قراءة المفضل بن عاصم ، وتأويلها أنه جار كالنجوم الدراري الجارية من درّ الوادي إذا جرى .
{ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ } فيه قولان
: أحدهما : يعني بالشجرة المباركة إبراهيم والزجاجة التي كأنها كوكب دري محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو مروي عن ابن عمر .
الثاني : أنه صفة لضياء المصباح الذي ضربه الله مثلاً يعني أن المصباح يشعل من دهن شجرة زيتونة .
{ مُّبَارَكَةٍ } في جعلها مباركة وجهان (3/174)
: أحدهما : لأن الله بارك في زيتون الشام فهو أبرك من غيره .
الثاني : لأن الزيتون يورق غصنه من أوله إلى آخره وليس له في الشجر مثيل إلا الرمان .
قال الشاعر :
بُورِكَ الْمَيْتُ الغَرِيبُ كَمَا بُو ... رِكَ نَضْرُ الرُّمَّانِ والزَّيْتُونِ
{ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } فيه سبعة أقاويل
: أحدها : أنها ليست من شجرة الشرق دون الغرب ولا من شجرة الغرب دون الشرق لأن ما اختص بأحد الجهتين أقل زيتاً وأضعف ، ولكنها شجر ما بين الشرق والغرب كالشام لاجتماع القوتين فيه ، وهو قول ابن شجرة وحكي عن عكرمة .
ومنه قولهم : لا خير في المتقاة والمضحاة ، فالمتقاة أسفل الوادي الذي لا تصيبه الشمس ، والمضحاة رأس الجبل الذي لا تزول عنه الشمس .
الثاني : أنها ليست بشرقية تستر عن الشمس في وقت الغروب ولا بغربية تستر عن الشمس وقت الطلوع بل هي بارزة للشمس من وقت الطلوع إلى وقت الغروب فيكون زيتها أقوى وأضوأ ، قاله قتادة .
الثالث : أنها وسط الشجرة لا تنالها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت وذلك أضوأ لزيتها ، قاله عطية .
الرابع : أنها ليس في شجر الشرق ولا في شجر الغرب مثلها ، حكاه يحيى ابن سلام .
الخامس : أنها ليست من شجر الدنيا التي تكون شرقية أو غربية ، وإنما هي من شجر الجنة ، قاله الحسن .
السادس : أنها مؤمنة لا شرقية ولا غربية ، أي ليست بنصرانية تصلي إلى الشرق ، ولا غربية أي ليست بيهودية تصلي إلى الغرب ، قاله ابن عمر .
السابع : أن الإِيمان ليس بشديد ولا لين لأن في أهل الشرق شدة ، وفي أهل الغرب لينٌ .
{ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } فيه أربعة أقاويل
: أحدها : أن صفاء زيتها كضوء النار وإن لم تمسسه نار ، ذكره ابن عيسى .
الثاني : أن قلب المؤمن يكاد أن يعرف قبل أن يتبين له لموافقته له ، قاله يحيى بن سلام .
الثالث : يكاد العلم يفيض من فم العالم المؤمن من قبل أن يتكلم به .
الرابع : تكاد أعلام النبوة تشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدعو إليها .
{ نُّورٌ عَلَى نُورٍ } فيه ستة أقاويل
: أحدها : يعني ضوء النار على ضوء الزيت على ضوء الزجاجة ، قاله مجاهد .
الثاني : نور النبوة على نور الحكمة ، قاله الضحاك .
الثالث : نور الزجاجة على نور الخوف .
الرابع : نور الإِيمان على نور العمل .
الخامس : نور المؤمن فهو حجة الله ، يتلوه مؤمن فهو حجة الله حتى لا تخلو الأرض منهم .
السادس : نور نبي من نسل نبي ، قاله السدي .
{ يَهْدِي لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ } فيه ثلاثة أقاويل
: أحدها : يهدي الله لدينه من يشاء من أوليائه ، قاله السدي .
الثاني : يهدي الله لدلائل هدايته من يشاء من أهل طاعته .
الثالث : يهدي الله لنبوته من يشاء من عباده .
{ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ } الآية . وفيما ضربت هذه الآية مثلاً فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها مثل ضربه الله للمؤمن في وضوح الحق له .
الثاني : أنها مثل ضربه الله لطاعته فسى الطاعة نوراً لتجاوزها عن محلها .
الثالث : ما حكاه ابن عباس أن اليهود قالوا : يا محمد كيف يخلص نور الله من دون السماء فضرب الله ذلك مثلاً لنوره .
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)
قوله : { فِي بُيُوتٍ } في هذه البيوت قولان (3/175)
: أحدهما : أنها المساجد ، قاله ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد .
الثاني : أنها سائر البيوت ، قاله عكرمة .
{ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ } أربعة أوجه
: أحدها : أن تُبْنَى ، قاله مجاهد كقوله : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ } أي يبني .
الثاني : أنها تطهر من الأنجاس والمعاصي ، حكاه ابن عيسى .
الثالث : أن تعظم ، قاله الحسن .
الرابع : أن ترفع فيها الحوائج إلى الله .
{ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } فيها ثلاثة أقاويل
: أحدها : يتلى فيها كتابه ، قاله ابن عباس .
الثاني : تذكر فيها أسماؤه الحسنى ، قاله ابن جرير .
الثالث : توحيده بأن لا إله غيره ، قاله الكلبي .
وفيما يعود إليه ذكر البيوت التي أذن الله أن ترفع قولان :
أحدهما : إلى ما تقدم من قوله : كمشكاة فيها مصباح في بيوت أذن الله .
الثاني : إلى ما بعده من قوله : { يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا } وفي هذا التسبيح قولان :
أحدهما : أنه تنزيه الله .
الثاني : أنه الصلاة ، قاله ابن عباس والضحاك .
{ بالْغَدُوِّ وَالآصَالِ } الغدو جمع غَدوة والآصال جمع أصيل وهي العشاء
. { رِجالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ } قال الكلبي : التجار هم الجلاب المسافرون ، والباعة هم المقيمون .
{ عَن ذِكْرِ اللَّهِ } فيه وجهان
: أحدهما : عن ذكره بأسمائه الحسنى .
الثاني : عن الأذان ، قاله يحيى بن سلام . { تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبِ وَالأبْصَارُ } فيه خمسة أوجه
: أحدها : يعني تقلبها على حجر جهنم .
الثاني : تقلب أحوالها بأن تلفحها النار ثم تنضجها وتحرقها .
الثالث : أن تقلب القلوب وجيبها ، وتقلب الأبصار النظر بها إلى نواحي الأهوال .
الرابع : أن تقلب القلوب بلوغها الحناجر ، وتقلب الأبصار الزّرَق بعد الكحل ، والعمى بعد البصر .
الخامس : أن الكافر بعد البعث ينقلب قلبه على الكفر إلى الإيمان وينقلب بصره عما كان يراه غياً فيراه رشداً .
{ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ } فذكر الجزاء على الحسنات ولم يذكر الجزاء على السيئات وإن كان يجازى عليها لأمرين :
أحدهما : أنه ترغيب فاقتصر على ذكر الرغبة .
الثاني : أنه يكون في صفة قوم لا تكون منهم الكبائر فكانت صغائرهم مغفورة .
{ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ } يحتمل وجهين
: أحدهما : ما يضاعفه من الحسنة بعشر أمثالها .
الثاني : ما يتفضل به من غير جزاء .
{ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } فيه أربعة أوجه
: أحدها : بغير جزاء بل يسديه تفضلاً .
الثاني : غير مقدر بالكفاية حتى يزيد عليها .
الثالث : غير قليل ولا مضيق .
الرابع : غير ممنون به .
وقيل لما نزلت هذه الآية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء مسجد قباء فحضر عبد الله بن رواحة فقال : يا رسول الله قد أفلح من بنى المساجدا؟ قال : « نَعَمْ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ » قال ، وصلى فيها قائماً وقاعداً قال : « نَعَمْ يَا ابْنَ رَوَاحَةِ » قال : ولم يبت لله إلا ساجداً؟ قال : « نَعَمْ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ . كُفّ عَنِ السَّجْعِ فَمَا أُعْطِيَ عَبْدٌ شَيئاً شَرّاً مِن طَلاَقَةِ لِسَانِهِ
» .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40)
قوله تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أََعَمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بقِيعَةٍ } أما السراب فهو الذي يخيل لمن رآه في الفلاة كأنه الماء الجاري قال الشاعر : (3/176)
فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُهُمْ ... كَلَمْعِ سَرَابٍ بِالْفَلاَ مُتَأَلِّق
والآل كالسراب إلا أنه يرتفع عن الأرض في وقت الضحى حتى يصير كأنه بين الأرض والسماء ، وقيل : إن السراب بعد الزوال والآل قبل الزوال والرقراق بعد العصر وأما القيعة فجمع قاع مثل جيرة وجار ، والقاع ما انبسط من الأرض واستوى .
{ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً } يعني العطشان يحسب السراب ماءً
. { حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً } وهذا مثل ضربه الله للكافر يعول على ثواب عمله فإذا قدم على الله وجد ثواب عمله بالكفر حابطاً .
{ وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ } فيه وجهان
: أحدهما : وجد أمر الله عند حشره .
الثاني : وجد الله عند عرضه .
{ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ } يحتمل وجهين
: أحدهما : ووجد الله عند عمله فجازاه على كفره .
والثاني : وجد الله عند وعيده فوفى بعذابه ويكون الحساب على الوجهين معاً محمولاً على العمل ، كما قال امرؤ القيس :
فوّلَّى مُدْبِراً وَأيْقَنَ ... أنَّه لاَقِى الْحِسَابَا
{ وَاللَّهُ سَرِيع الْحِسَابِ } يحتمل وجهين
: أحدهما : لأن حسابه آت وكل آت سريع .
الثاني : لأنه يحاسب جميع الخلق في وقت سريع .
قيل إن هذه الآية نزلت في شيبة بن ربيعة وكان يترهب في الجاهلية ويلبس الصوف ويطلب الدين فكفر في الإِسلام .
قوله : { أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ } الظلمات : ظلمة البحر وظلمة السحاب وظلمة الليل .
وفي قوله لجيّ ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه البحر الواسع الذي لا يرى ساحله ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : أنه البحر الكثير الموج ، قاله الكلبي .
الثالث : أنه البحر العميق ، وهذا قول قتادة ، ولجة البحر وسطه ، ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَنْ رَكِبَ البَحْرَ إِذَا الْتَجَّ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ » يعني إذا توسطه
. { يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ } يحتمل وجهين
: أحدهما : يغشاه موج من فوق الموج ريح ، من فوق الريح سحاب فيجمع خوف الموج وخوف الريح وخوف السحاب .
الثاني : معناه يغشاه موج من بعده فيكون المعنى الموج بعضه يتبع بعضاً حتى كأنه بعضه فوق بعض وهذا أخوف ما يكون إذا توالى موجه وتقارب ، ومن فوق هذا الموج سحاب وهو أعظم للخوف من وجهين :
أحدهما : أنه قد يغطي النجوم التي يهتدى بها .
الثاني : الريح التي تنشأ مع السحاب والمطر الذي ينزل منه .
{ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } يحتمل وجهين
: أحدهما : أن يريد الظلمات التي بدأ بذكرها وهي ظلمة البحر وظلمة السحاب وظلمة الليل .
الثاني : يعني بالظلمات الشدائد أي شدائد بعضها فوق بعض .
{ إِذَا أخْرَجَ يَدَه لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } فيه وجهان
: أحدهما : معناه أنه رآها بعد أن كاد لا يراها ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : لم يرها ولم يكد ، قاله الزجاج ، وهو معنى قول الحسن .
وفي قوله لم يكد وجهان : (3/177)
أحدهما : لم يطمع أن يراها .
الثاني : لم يرها ويكاد صلة زائدة في الكلام .
{ ومَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهَ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ } فيه وجهان
: أحدهما : ومن لم يجعل الله له سبيلاً إلى النجاة في الآخرة فما له من سبيل إليها حكاه ابن عيسى .
الثاني : ومن لم يهده الله للإِسلام لم يهتد إليه ، قاله الزجاج .
وقال بعض أصحاب الخواطر وجهاً ثالثاً : ومن لم يجعل الله نوراً له في وقت القسمة فما له من نور في وقت الخلقة .
ويحتمل رابعاً : ومن لم يجعل الله له قبولاً في القلوب لم تقبله القلوب .
وهذا المثل ضربه الله للكافر ، فالظمات ظلمة الشرك وظلمة الليل وظلمة المعاصي ، والبحر اللجي قلب الكافر ، يغشاه من فوقه عذاب الدنيا ، فوقه عذاب الآخرة .
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42)
قوله تعالى : { وَالطَّيْرُ صَآفَاتٍ } أي مصطفة الأجنحة في الهواء (3/178)
. { كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الصلاة للإِنسان والتسبيح لما سواه من سائر الخلق ، قاله مجاهد .
الثاني : أن هذا في الطير وإن ضرب أجنحتها صلاة وأن أصواتها تسبيح ، حكاه النقاش .
الثالث : أن للطير صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود ، قاله سفيان . ثم فيه قولان :
أحدهما : أن كل واحد منهم قد علم صلاته وتسبيحه .
الثاني : أن الله قد علم صلاته وتسبيحه .
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44)
قوله تعالى : { يُزْجِي سَحَاباً } فيه وجهان (3/179)
: أحدهما : ينزله قليلاً بعد قليل ، ومنه البضاعة المزجاة لقلتها .
الثاني : أنه يسوقه إلى حيث شاء ومنه زجا الخراج إذا انساق إلى أهله قال النابغة :
إِنِّي أتَيْتُكَ من أَهْلِي ومنْ وَطَنِي ... أُزْجِي حُشَاشَةَ نَفْسٍ ما بِها رَمَقٌ
{ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ } أي يجمعه ثم يفرقه عند انتشائه ليقوى ويتصل .
{ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً } أي يركب بعضه بعضاً
. { فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } فيه قولان
: أحدهما : أن الودق البرق يخرج من خلال السحاب قال الشاعر :
أثرن عجاجة وخرجن منها ... خروج الودق من خلَلَ السحاب
وهذا قول أبي الأشهب
: الثاني : أنه المطر يخرج من خلال السحاب ، وهو قول الجمهور ، ومنه قول الشاعر :
فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل أبقالها
{ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : أن في السماء جبال برد فينزل من تلك الجبال ما يشاء فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء .
الثاني : أنه ينزل من السماء برداً يكون كالجبال .
الثالث : أن السماء السحاب ، سماه لعلوه ، والجبال صفة السحاب أيضاً سمي جبالاً لعِظمه فينزل منه برداً يصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء فتكون إصابته نقمة وصرفه نعمة .
{ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : صوت برقه .
الثاني : ضوء برقه ، قاله يحيى بن سلام ومنه قول الشماخ .
وما كادت إذا رفعت سناها ... ليبصر ضوءها إلاّ البصير
الثالث : لمعان برقه ، قاله قتادة والصوت حادث عن اللمعان كما قال امرؤ القيس :
يضي سناه أو مصابيح راهب ... أمال السليط بالذبال المفتل
فيكون البرق دليلاً على تكاثف السحاب ، ونذيراً بقوة المطر ، ومحذراً من نزول الصواعق .
قوله تعالى : { يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ } فيه ثلاث أوجه :
أحدها : هو أن يأتي بالليل بعد النهار ويأتي بالنهار بعد الليل ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : أن ينقص من الليل ما يزيد من النهار وينقص من النهار ما يزيد في الليل ، حكاه يحيى بن سلام .
الثالث : أنه يغير النهار بظلمة السحاب تارة وبضوء الشمس أخرى ، ويغير الليل بظلمة السحاب مرة وبضوء القمر مرة ، حكاه النقاش .
ويحتمل رابعاً : أن يقلبها باختلاف ما يقدر فيهما من خير وشر ونفع وضر .
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46)
قوله تعالى : { وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبّةٍ مِّن مَّاءٍ } فيه قولان (3/180)
: أحدهما : أن أصل الخلق من ماء ثم قلب إلى النار فخلق منها الجن ، وإلى النور فخلق منها الملائكة ، وإلى الطين فخلق منه من خلق وما خلق ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : أنه خالق كل دابة من ماء النطفة ، قاله السدي .
{ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ } كالحية والحوت
. { وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رَجْلَينِ } الإِنسان والطير
. { وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ } كالمواشي والخيل ، ولم يذكر ما يمشي ، ولم يذكر ما يمشى على أكثر من أربع لأنه كالذي يمشي على أربع لأنه يعتمد في المشي على أربع .
وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)
قوله تعالى : { وَإِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ } هذه الآية نزلت في بشر ، رجلٌ من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود خصومة فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودعاه بشر إلى كعب بن الأشرف لأن الحق إذا كان متوجهاً على المنافق إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسقط عنه ، وإذا كان له حاكم إليه ليستوفيه منه فأنزل الله هذه الآية . (3/181)
وقيل : إنها نزلت في المغيرة بن وائل من بني أمية كان بينه وبين علي كرم الله وجهه خصومة في ماء وأرض فامتنع المغيرة أن يحاكم علياً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إنه يبغضني ، فنزلت هذه الآية .
{ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ } فيه أربعة أوجه
: أحدهما : طائعين ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : خاضعين ، حكاه النقاش .
الثالث : مسرعين ، قاله مجاهد .
الرابع : مقرنين ، قاله الأخفش وفيها دليل على أن من دعي إلى حاكم فعليه الإِجابة ويحرج إن تأخر .
وقد روى أبو الأشهب عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مَنْ دُعِيَ إِلَى حَاكِمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْ فَهُوَ ظَالِمٌ لاَ حَقَّ لَهُ » . ثم قال : { أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } فيه قولان :
أحدهما : شرك ، قاله الحسن .
الثاني : نفاق ، قاله قتادة .
{ أَمِ ارْتَابُواْ } أي شكوا ويحتمل وجهين
: أحدهما : في عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الثاني : في نبوته .
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54)
قوله تعالى : { قُل لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } يحتمل وجهين (3/182)
: أحدهما : طاعة صادقة خير من أيمان كاذبة .
الثاني : قد عرف نفاقكم في الطاعة فلا تتجملوا بالأيمان الكاذبة .
قوله تعالى : { فَإِن تَوَلَّوْاْ } أي أعرضوا عن الرسول .
{ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ } أي عليه ما حمل من إبلاغكم ، وعليكم ما حملتم من طاعته .
ويحتمل وجهاً ثانياً : أن عليه ما حمل من فرض جهادكم ، وعليكم ما حملتم من وزر عباده .
{ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ } يعني إلى الحق
. { وَمَا عَلَى الرَّسُولَِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ } يعني بالقول لمن أطاع وبالسيف لمن عصى .
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57)
قوله تعالى : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعِمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ليَسَتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ } فيه قولان : (3/183)
أحدهما : يعني أرض مكة ، لأن المهاجرين سألوا الله ذلك ، قاله النقاش .
والثاني : بلاد العرب والعجم ، قاله ابن عيسى .
روى سليم بن عامر عن المقدام بن الأسود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لاَ يَبْقَى عَلَى الأَرْضِ بَيْتُ حَجَرٍ وَلاَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ الإِسْلاَمِ بِعزٍّ عَزِيزٍ أَوْ ذُلٍّ ذَلِيلٍ ، إما يعزهم فيجعلهم من أهلها ، وإما يذلهم فيدينون لها
» . { كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } فيه قولان
: أحدهما يعني بني إسرائيل في أرض الشام .
الثاني : داود وسليمان .
{ وَلَيُمَكِنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ } يعني دين الإِسلام وتمكينه أن يظهره على كل دين .
{ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِم أَمْناً } لأنهم كانوا مطلوبين فطلبوا ، ومقهورين فقهروا .
{ يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً } فيه أربعة أوجه
: أحدها : لا يعبدون إلهاً غيري ، حكاه النقاش .
الثاني : لا يراءون بعبادتي أحداً .
الثالث : لا يخافون غيري ، قاله ابن عباس .
الرابع : لا يحبون غيري ، قاله مجاهد .
قال الضحاك : هذه الآية في الخلفاء الأربعة : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي رضي الله عنهم وهم الأئمة المهديون ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « الخِلاَفَةُ بَعْدِي ثَلاَثونَ سَنَةً
» .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60)
قوله تعالى : { لَيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيَمَانُكُم } فيهم قولان (3/184)
: أحدهما : أنهم النساء يستأذنَّ في هذه الأوقات خاصة ويستأذن الرجال في جميع الأوقات ، قاله ابن عمر .
الثاني : أنهم العبيد والإِماء .
وفي المعنى بالاستئذان ثلاثة أقاويل :
أحدها : العبد دون الأمة يستأذن على سيده في هذه الأوقات الثلاثة ، قاله ابن عمر ، ومجاهد .
الثاني : أنها الإِماء لأن العبد يجب أن يستأذن أبداً في هذه الأوقات وغيرها ، قاله ابن عباس .
الثالث : أنه على عمومه في العبد والأمة ، قاله أبو عبد الرحمن السلمي .
{ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الحُلُمَ مِنْكُم } هم الصغار الأحرار فمن كان منهم غير مميز لا يصف ما رأى فليس من أهل الاستئذان ومن كان مميزاً يصف ما رأى ويحكي ما شاهد فهو المعني بالاستئذان .
{ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثَيَابَكُمْ مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَآءِ } وهذه الساعات الثلاث هي أوقات الاستئذان من تقدم ذكره ولا يلزمهم الاستئذان في غيرها من الأوقات ، فذكر الوقت الأول وهو من قبل صلاة الفجر وهو من بعد الاستيقاظ من النوم إلى صلاة الصبح ، ثم ذكر الوقت الثاني فقال : { وَحِينَ تَضَعُونَ } وهو وقت الخلوة لنومة القائلة ، ثم ذكر الوقت الثالث فقال : { وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعَشَآءِ } يعني الآخرة وقد تسميها العامة العتمة وسميت العشاء لأن ظلام وقتها يعشي البصر .
وإنما خص هذه الأوقات الثلاثة لأنها أوقات خلوات الرجل مع أهله ولأنه ربما بدا فيها عند خلوته ما يكره أن يرى من جسده ، فقد روي أن عمر بن الخطاب كان في منزله وقت القائلة فأنفذ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي من أولاد الأنصار يقال له مدلج فدخل على عمر بغير إذن وكان نائماً فاستيقظ عمر بسرعة فانكشف شيء من جسده فنظر إليه الغلام فحزن عمر فقال : وددت لو أن الله بفضله نهى أبناءنا عن الدخول علينا في هذه الساعات إلا بإذننا ثم انطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد أنزلت فخرَّ ساجداً [ شكراً لله ] .
{ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ } يعني هذه الساعات الثلاث هي أوقات العورات فصارت من عورات الزمان فجرت مجرى عورات الأبدان فلذلك خصت بالإِذن .
{ لَيْسَ عَلَيْكَمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جَنَاحٌ بَعْدَهُنَّ } فيه وجهان :
أحدهما : يعني ليس عليكم يا أهل البيوت جناح في تبذلكم في هذه الأوقات .
الثاني : ليس عليكم جناح في منعهم في هذه الأوقات . ولا على المملوكين والصغار جناح في ترك الاستئذان فيما سوى هذه الأوقات .
{ طَوَّافُونَ عَلَيْكَم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ } يعني أنهم طوّافون عليكم للخدمة لكم فلم ينلهم حرج في دخول منازلكم ، والطوافون الذين يكثرون الدخول والخروج .
ثم أوجب على من بلغ من الصبيان الاستئذان إذا احتلموا وبلغوا لأنهم صاروا بالبلوغ في حكم الرجال فقال تعالى :
{ وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُم الحُلُمَ فَلْيَسْتَأَذِنُواْ كَمَا اسْتَأَْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم } يعني الرجال .
قوله : { وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَآءِ } والقواعد جمع قاعدة وهن اللاتي قعدن بالكبر عن الحيض والحمل ولا يحضن ولا يلدن . قال ابن قتيبة : بل سمين بذلك لأنهن بعد الكبر يكثر منهن القعود . وقال زمعة : لا تراد ، فتقعد عن الاستمتاع بها والأول أشبه . قال الشاعر : (3/185)
فلو أن ما في بطنه بين نسوة ... حبلن ولو كان القواعد عقراً
وقوله : { الَّلاتِي لاَ يَرْجُونَ نَكَاحاً } أي أنهن لأجل الكبر لا يردن الرجال ولا يريدهن الرجال .
{ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جَنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ } فيه قولان
: أحدهما : جلبابها وهو الرداء الذي فوق خمارها فتضعه عنها إذا سترها باقي ثيابها قاله ابن مسعود وابن جبير .
الثاني : خمارها ورداؤها ، قاله جابر بن زيد .
{ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ } والتبرج أن تظهر من زينتها ما يستدعي النظر إليها فإنه في القواعد وغيرهن محظور . وإنما خص القواعد بوضع الجلباب لانصراف النفوس عنهن ما لم يبد شيء من عوراتهن . والشابات المشتهيات يمنعن من وضع الجلباب أو الخمار ويؤمرن بلبس أكثف الجلابيب لئلا تصفهن ثيابهن . وقد روى مجاهد عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لِلزَّوْجِ مَا تَحْتَ الدِّرْعِ ، وَلِلإِبْنِ وَالأَخِ مَا فَوقَ الدِّرْعِ ، وَلِغَيْرِ ذِي مُحْرِمٍ أَرْبَعَةُ أَثْوَابٍ : دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَجِلْبَابٍ وَإِزَارٍ
» . { وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ } يعني إن يستعفف القواعد عن وضع ثيابهن ويلزمن لبس جلابيبهن خير لهن من وضعها وإن سقط الحرج عنهن فيه .
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61)
قوله تعالى : { لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ } فيه خمسة أقاويل : (3/186)
أحدها : أن الأنصار كانوا يتحرجون أن يؤاكلوا هؤلاء إذا دعوا إلى الطعام فيقولون : الأعمى لا يبصر أطيب الطعام ، والأعرج لا يستطيع الزحام عند الطعام ، والمريض يضعف عن مشاركة الصحيح في الطعام . وكانوا يقولون : طعامهم مفرد ويرون أنه أفضل من أن يكونوا شركاء ، فأنزل الله هذه الآية فيهم ورفع الحرج عنهم في مؤاكلتهم ، قاله ابن عباس ، والضحاك ، والكلبي .
الثاني : أنه ليس على هؤلاء من أهل الزمانة حرج أن يأكلوا من بيوت من سمى الله بعد هذا من أهاليهم ، قاله مجاهد .
الثالث : أنه كان المذكورون من أهل الزمانة يخلفون الأنصار في منازلهم إذا خرجواْ بجهاد وكانوا يتحرجون أن يأكلوا منها فرخص الله لهم في الأكل من بيوت من استخلفوهم فيها ، قاله الزهري .
الرابع : أنها نزلت في إسقاط الجهاد عمن ذكروا من أهل الزمانة .
الخامس : ليس على من ذكر من أهل الزمانة حرج إذا دُعِي إلى وليمة أن يأخذ معه قائده ، وهذا قول عبد الكريم .
{ وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ } فيه ثلاثة أقاويل
: أحدها : من أموال عيالكم وأزواجكم لأنهم في بيته .
الثاني : من بيوت أولادكم فنسب بيوت الأولاد إلى بيوت أنفسهم لقوله صلى الله عليه وسلم : « أَنتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ » ولذلك لم يذكر الله بيوت الأبناء حين ذكر بيوت الآباء والأقارب اكتفاء بهذا الذكر .
الثالث : يعني بها البيوت التي هم ساكنوها خدمة لأهلها واتصالاً بأربابها كالأهل والخدم .
{ أَوْ بُيُوتِ ءَابَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ } فأباح الأكل من بيوت هؤلاء لمكان النسب من غير استئذانهم في الأكل إذا كان الطعام مبذولاً ، فإن كان محروزاً دونهم لم يكن لهم هتك حرزه . ولا يجوز أن يتجاوزوا الأكل إلى الادخار ، ولا إلى ما ليس بمأكول وإن كان غير محروز عنهم إلا بإذن منهم ثم قال :
{ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ } فيه ثلاثة أقاويل
: أحدها : أنه عَنَى به وكيل الرجل وَقيِّمه في ضيعته يجوز له أن يأكل مما يقوم عليه من ثمار ضيعته ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه أراد منزل الرجل نفسه يأكل مما ادخره ، قاله قتادة .
الثالث : أنه عنى به أكل السيد من منزل عبده وماله لأن مال العبد لسيده ، حكاه ابن عيسى .
{ أَوْ صَدِيقِكُمْ } فيه قولان
: أحدهما : أنه يأكل من بيت صديقه في الوليمة دون غيرها .
الثاني : أنه يأكل من منزل صديقه في الوليمة وغيرها إذا كان الطعام حاضراً غير محرز . قال ابن عباس : الصديق أكثر من الوالدين ، ألا ترى أن الجهنميين لم يستغيثوا بالآباء ولا الأمهات وإنما قالوا : { فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ } وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
« قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِي الصَّدِيقِ البَارِّ عِوَضَاً عَنِ الرَّحِمِ المَذْمُومَةِ » والمراد بالصديق الأصدقاء وهو واحد يعبر به عن الجميع ، قال جرير : (3/187)
دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا . ... . بأسهم أعداءٍ وهن صديقُ
وفي الصديق قولان
: أحدهما : أنه الذي صدقك عن مودته .
الثاني : أنه الذي يوافق باطنه باطنك كما وافق ظاهره ظاهرك .
ثم اختلفوا في نسخ ما تقدم ذكره بعد ثبوت حكمه على قولين :
أحدهما : أنه على ثبوته لم ينسخ شيء منه ، قاله قتادة .
الثاني : أنه منسوخ بقوله تعالى :
{ لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ } الآية . ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : « لا يحل مَالُ امْرِىءْ مُسْلِمٍ إلاَّ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنهُ
» قال تعالى : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً } فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنها نزلت في بني كنانة كان رجل منهم يرى أن مُحرَّماً عليه أن يأكل وحده في الجاهلية حتى أن الرجل ليسوق الزود الحفل وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ويشاربه ، فأنزل فيهم هذه الآية ، قاله قتادة وابن جريج .
الثاني : أنها نزلت في قوم من العرب كان الرجل منهم إذا نزل به ضيف تحرج أن يتركه يأكل وحده حتى يأكل معه ، فنزل ذلك فيهم ، قال أبو صالح .
الثالث : أنها نزلت في قوم كانوا يتحرجون أن يأكلوا جميعاً ويعتقدون أنه ذنب ويأكل كل واحد منهم منفرداً ، فنزل ذلك فيهم ، حكاه النقاش .
الرابع : أنها نزلت في قوم مسافرين اشتركوا في أزوادهم فكان إذا تأخر أحدهم أمسك الباقون عن الأكل حتى يحضر ، فنزل ذلك فيهم ترخيصاً للأكل جماعة وفرادى .
{ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً } فيها قولان
: أحدهما : أنه المساجد .
الثاني : أنها جميع البيوت .
{ فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنفُسِكُمْ } فيه خمسة أقاويل
: أحدها : يعني إذا دخلتم بيوت أنفسكم فسلموا على أهاليكم وعيالكم ، قاله جابر .
الثاني : إذا دخلتم المساجد فسلموا على من فيها ، وهذا قول ابن عباس .
الثالث : إذا دخلتم بيوت غيركم فسلموا عليهم ، قاله الحسن .
الرابع : إذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أهل دينكم ، قاله السدي .
الخامس : إذا دخلتم بيوتاً فارغة فسلموا على أنفسكم وهو أن يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، قاله ابن عمر ، وإبراهيم ، وأبو مالك ، وقيل : سلامه على نفسه أن يقول : السلام علينا من ربنا تحية من عند الله .
وإذا سلم الواحد من الجماعة أجزأ عن جميعهم ، فإذا دخل الرجل مسجداً ذا جمع كثير سلم يسمع نفسه ، وإذا كان ذا جمع قليل أسمعهم أو بعضهم .
قال الحسن : كان النساء يسلمن على الرجال ولا يسلم الرجال على النساء ، وكان ابن عمر يسلم على النساء ، ولو قيل لا يسلم أحد الفريقين على الآخر كان أولى لأن السلام مواصلة .
{ تَحِيَّةً مِنْ عِندِ اللَّهِ } فيه أربعة أقاويل
: أحدها : يعني أن السلام اسم من أسماء الله تعالى .
الثاني : أن التحية بالسلام من أوامر الله .
الثالث : أن الرد عليه إذا سلم دعاء له عند الله .
الرابع : أن الملائكة ترد عليه فيكون ثواباً من عند الله .
{ مُبَارَكَةً } فيها وجهان
: أحدهما : لما فيها من الثواب الجزيل .
الثاني : لما يرجى من ثواب الدعاء .
{ طَيِّبَةً } يحتمل وجهين
: أحدهما : لما فيها من طيب العيش بالتواصل .
الثاني : لما فيها من طيب الذكر والشأن .
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62)
قوله تعالى : { . . . . وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ } فيه ثلاثة أقاويل (3/188)
: أحدها : أن الأمر الجامع الجمعة والعيدان والاستسقاء وكل شيء يَكون فيه الخطبة ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : أنه الجهاد ، قاله زيد بن أسلم .
الثالث : طاعة الله ، قاله مجاهد .
{ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّى يَسْتَئْذِنُوهُ } أي لم ينصرفوا عنه حتى يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه .
{ فَإِذَا اسْتَئذَنُوكَ لبَعْضِ شَأْنِهِمْ . . . . } الآية . وهذا بحسب ما يرى من أعذارهم ونياتهم وروي أن هذا نزل في عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان مع النبي صلى الله عليهم وسلم في غزاة بتوك فاستأذنه في الرجوع إلى أهله فقال : « انْطَلِقْ فَوَاللَّهِ مَا أَنتَ بِمُنَافِقٍ وَلاَ مُرْتَابٍ » وكان المنافقون إذا استأذنوا نظر إليهم ولم يأذن لهم فكان بعضهم يقول لبعض : محمدٌ يزعم أنه بُعِث بالعدل وهكذا يصنع بنا .
{ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ } يعني لمن أذن له من المؤمنين ليزول عنه باستغفاره ملامة الانصراف قال قتادة : وهذه الآية ناسخة قوله تعالى : { عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَدِنتَ لَهُم } الآية .
لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64)
قوله تعالى : { لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضاً } الآية . فيه ثلاثة أقاويل : (3/189)
أحدها : أنه نهي من الله عن التعرض لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسخاطه لأن دعاءه يوجب العقوبة وليس كدعاء غيره ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه نهي من الله عن دعاء رسول الله بالغلظة والجفاء وَلْيَدْعُ بالخضوع والتذلل : يا رسول الله ، يا نبي الله ، قاله مجاهد ، وقتادة .
الثالث : أنه نهي من الله عن الإِبطاء عند أمره والتأخر عند استدعائه لهم إلى الجهاد ولا يتأخرون كما يتأخر بعضهم عن إجابة بعض ، حكاه ابن عيسى .
{ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً } فيه قولان
: أحدهما : أنهم المنافقون كانوا يتسلّلُون عن صلاة الجمعة لواذاً أي يلوذ بعضهم ببعض ينضم إليه استتاراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن على المنافقين أثقل من يوم الجمعة وحضور الخطبة فنزل ذلك فيهم ، حكاه النقاش .
الثاني : أنهم كانوا يتسللون في الجهاد رجوعاً عنه يلوذ بعضهم ببعض لواذاً فنزل ذلك فيهم ، قاله مجاهد .
وقال الحسن معنى قوله : { لِوَاذاً } أي فراراً من الجهاد ، ومنه قول حسان ابن ثابت :
وقريش تجول منكم لواذاً ... لم تحافظ وخفّ منها الحلوم
{ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } فيه قولان
: أحدهما : يخالفون عن أمر الله ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله قتادة .
ومعنى قوله : { يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } أي يعرضون عن أمره ، وقال الأخفش : { عَنْ } في هذا الموضع زائدة ومعنى الكلام فليحذر الذين يخالفون أمره ، وسواء كان ما أمرهم به من أمور الدين أو الدنيا .
{ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } فيها ثلاثة تأويلات
: أحدها : كفر ، قاله السدي .
الثاني : عقوبة ، قاله ابن كامل .
الثالث : بلية تُظْهِرُ ما في قلوبهم من النفاق ، حكاه ابن عيسى .
{ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فيه قولان
: أحدهما : القتل في الدنيا ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : عذاب بجهنم في الآخرة .
تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3)
قوله تعالى : { تَبَارَكَ . . . . } في تبارك ثلاثة أوجه (3/190)
: أحدها : تفاعل مع البركة ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه الذي يجيىء البركة من قِبَلِهِ ، قاله الحسن .
الثالث : خالق البركة : قاله إبراهيم .
وفي البركة ثلاثة أقاويل :
أحدها : العلو . الثاني : الزيادة .
الثالث : العظمة . فيكون تأويله على الوجه الأول : تعالى ، وعلى الوجه الثاني تزايد ، وعلى الوجه الثالث : تعاظم .
و { الْفُرْقَانَ } هو القرآن وقيل إنه اسم لكل كتاب منزل كما قال تعالى :
{ وَإِذ ءَاتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفَرْقَانَ } وفي تسميته فرقاناً وجهان :
أحدهما : لأنه فرق بين الحق والباطل .
الثاني : لأن فيه بيان ما شرع من حلال وحرام ، حكاه النقاش .
{ عَلَى عَبْدِهِ } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ، وقرأ ابن الزبير { عَلَى عِبَادِهِ } بالجمع
. { لِيَكُونَ لِلْعَالَمينَ نَذِيراً } فيه قولان
: أحدهما : ليكون محمد نذيراً ، قاله قتادة ، وابن زيد .
الثاني : ليكون الفرقان ، حكاه ابن عيسى . والنذر : المحذر من الهلاك ، ومنه قول الشاعر :
فلما تلاقينا وقد كان منذر . ... . نذيراً فلم يقبل نصيحة ذي النذر
والمراد بالعالمين هنا الإِنس والجن لأن النبي صلى الله عليه قد كان رسولاً إليهما ونذيراً لهما وأنه خاتم الأنبياء ، ولم يكن غيره عامّ الرسالة إلا نوحاً فإنه عم برسالته جميع الإِنس بعد الطوفان لأنه بدأ به الخلق ، واختلف في عموم رسالته قبل الطوفان على قولين :
أحدهما : عامة لعموم العقاب بالطوفان على مخالفته في الرسالة .
الثاني : خاصة بقومه لأنه ما تجاوزهم بدعائه .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)
قوله تعالى : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ } يعني مشركي قريش ، وقال ابن عباس : القائل منهم ذلك النضر بن الحارث . (3/191)
{ إِن هذَآ } يعني القرآن
. { إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ } أي كذب اختلقه
. { وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ } وفيمن زعموا أنه أعانه عليه أربعة أقاويل
: أحدها : قوم من اليهود ، قاله مجاهد .
الثاني : عبد الله الحضرمي ، قاله الحسن .
الثالث : عدّاس غلام عتبة ، قاله الكلبي .
والرابع : أبو فكيهة الرومي ، قاله الضحاك .
وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14)
قوله تعالى : { وَقَالُواْ مَا لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ } فيه وجهان : (3/192)
أحدهما : أنهم قالوا ذلك إزراء عليه أنه لما كان مثلهم محتاجاً إلى الطعام ومتبذلاً في الأسواق لم يجز أن يتميز عليهم بالرسالة ووجب أن يكون مثلهم في الحكم .
الثاني : أنهم قالوا ذلك استزادة له في الحال كما زاد عليهم في الاختصاص فكان يجب ألاّ يحتاج إلى الطعام كالملائكة ، ولا يتبذل في الأسواق كالملوك .
ومرادهم في كلا الوجهين فاسد من وجهين :
أحدهما : أنه ليس يوجب اختصاصه بالمنزلة نقله عن موضع الخلقة لأمرين :
أحدهما : أن كل جنس قد يتفاضل أهله في المنزلة ولا يقتضي تمييزهم في الخلقة كذلك حال من فضل في الرسالة .
الثاني : أنه لو نقل عن موضوع الخلقة بتمييزه بالرسالة لصار من غير جنسهم ولما كان رسولاً منهم ، وذلك مما تنفر منه النفوس .
وأما الوجه الثاني : فهو أن الرسالة لا تقتضي منعه من المشي في الأسواق لأمرين :
أحدهما : أن هذا من أفعال الجبابرة وقد صان الله رسوله عن التجبر .
الثاني : لحاجته لدعاء أهل الأسواق إلى نبوته ، ومشاهدة ما هم عليه من منكر يمنع منه ومعروف يقر عليه .
{ لَوْلآَ أُنزِلَ إِلَيهِ } الآية أي هلا أُنزل إليه { مَلَكٌ . . . } وفيه وجهان
: أحدهما : أن يكون الملك دليلاً على صدقه .
الثاني : أن يكون وزيراً له يرجع إلى رأيه .
{ أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ } فلا يكون فقيراً
. { أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا } والجنة البستان فكأنهم استقلّوه لفقره . قال الحسن : والله ما زَوَاهَا عن نبيه إلا اختياراً ولا بسطها لغيره إلا اغتراراً ولوا ذاك لما أعاله .
قوله : { وَقَالَ الظَّالِمُونَ } يعني مشركي قريش وقيل إنه عبد الله بن الزبعرى .
{ إِن تَبَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً } فيه وجهان
: أحدهما : سحر فزال عقله .
الثاني : أي سَحَرَكُمْ فيما يقوله .
قوله تعالى : { انظُرْ كَيفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأَمْثَالَ } يعني ما تقدم من قولهم .
{ فَضَلُّواْ } فيه وجهان
: أحدهما : فضلواْ عن الحق في ضربها .
الثاني : فناقضوا في ذكرها لأنهم قالوا افتراه ثم قالوا تملى عليه وهما متناقضان .
{ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : مخرجاً من الأمثال التي ضربوها ، قاله مجاهد .
الثاني : سبيلاً إلى الطاعة لله ، قاله السدي .
الثالث : سبيلاً إلى الخير ، قاله يحيى بن سلام .
قوله تعالى : { وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً } قال عبد الله بن عمرو : إن جهنم لتضيق على الكافرين كضيق الزج على الرمح .
{ مُّقَرَّنِينَ } فيه وجهان
: أحدهما : مُكَتَفِينَ ، قاله أبو صالح .
الثاني : يقرن كل واحد منهم إلى شيطانه ، قاله يحيى بن سلام .
{ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً } فيه ثلاثة أوجه
: أحدهما : ويلاً ، قاله ابن عباس .
الثاني : هلاكاً ، قاله الضحاك .
الثالث : معناه وانصرافاه عن طاعة الله ، حكاه ابن عيسى وروي النبي صلى الله عليه السلام أنه قال : « أَوَّلُ مَن يَقُولُهُ إِبْلِيسُ
»
قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16)
قوله تعالى : { لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ } يعني من النعيم فأما المعاصي فتصرف عن شهواتهم . (3/193)
{ خَالِدِينَ } يعني في الثواب كخلود أهل النار في العقاب
. { كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً } فيه ثلاثة أوجه
: أحدهما : أنه وعد الله لهم بالجزاء فسألوه الوفاء فوفاه ، وهو معنى قول ابن عباس .
الثاني : الملائكة تسأل الله لهم فيجابون إلى مسألتهم ، وهو معنى قول محمد بن كعب القرظي .
الثالث : أنه سألوا الله الجنة في الدنيا ورَغِبُوا إليه بالدعاء فأجابهم في الآخرة إلى ما سألوا وأعطاهم ما طلبوا ، وهو معنى قول زيد بن أسلم .
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19)
قوله تعالى : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُم } فيه قولان : (3/194)
أحدهما أنه حَشْرُ الموت ، قاله مجاهد .
الثاني : حشر البعث ، قاله ابن عباس .
{ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } قاله مجاهد : هم عيسى وعزير والملائكة . { فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هؤُلآءِ } وهذا تقرير لإِكذاب من ادّعى ذلك عليهم وإن خرج مخرج الاستفهام .
وفيمن قال له ذلك القول قولان :
أحدهما أنه يقال هذا للملائكة ، قاله الحسن .
الثاني : لعيسى وعزير والملائكة ، قاله مجاهد .
{ أَمْ هُمْ ضَلُّواْ السَّبِيلَ } أي أخطأوا قصد الحق بأجابوا بأن
: { قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَن نَتَّخذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيآءَ } فيه وجهان :
أحدهما ما كنا نواليهم على عبادتنا .
الثاني : ما كنا نتخذهم لنا أولياء .
{ وَلكن مَّتَّعْنَهُمْ وَءَابَاءَهُمْ } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : متعهم بالسلامة من العذاب ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : بطول العمر ، حكاه النقاش .
الثالث : بالأموال والأولاد .
{ حَتَّى نَسُواْ الذِكْر } فيه ثلاثة أقاويل
: أحدها : حتى تركوا القرآن ، قاله ابن زيد .
الثاني : حتى غفلوا عن الطاعة .
الثالث : حتى نسوا الإِحسان إليهم والإِنعام عليهم .
{ وََكَانَوا قَوْماً بُوراً } فيه ثلاثة تأويلات
: أحدها : يعني هلكى ، قاله ابن عباس ، مأخوذ من البوار وهو الهلاك .
الثاني : هم الذين لا خير فيهم ، قاله الحسن مأخوذ من بوار الأرض وهو تعطلها من الزرع فلا يكون فيها خير .
الثالث : أن البوار الفساد ، قاله شهر بن حوشب وقتادة ، مأخوذ من قولهم بارت إذا كسدت كساد الفاسد ومنه الأثر المروي : نعوذ بالله من بوار الأيم ، وقال عبد الله بن الزِبعرى :
يا رسول المليك إن لساني . ... . راتق ما فتقت إذ أنا بُور
{ فقد كذبوكُم بما تقولون } فيه قولان : أحدهما : أن الملائكة والرسل قد كذبوا الكفار فيما يقولون أنهم اتخذوهم أولياء من دونه ، قاله مجاهد .
الثاني : أن المشركين كذبوا المؤمنين فيما يقولونه من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن زيد .
{ فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً } فيه أربعة أوجه
: أحدها : صرف العذاب عنهم ولا ينصرون أنفسهم ، قاله ابن زيد .
الثاني : فما يستطيعون صرف الحجة عنهم ولا نصراً على آلهتهم في تعذيبهم ، قاله الكلبي .
الثالث : فما يستطيعون صرفك يا محمد عن الحق ولا نصر أنفسهم من عذاب التكذيب ، حكاه عيسى .
الرابع : أن الصرف الحيلة حكاه ابن قتيبة والصرف الحيلة مأخوذ من قولهم إنه ليتصرف أي يحتال .
وأما قولهم لا يقبل منهم صرف ولا عَدْل ففيه وجهان :
أحدهما : أن الصرف : النافلة ، والعَدل : الفريضة .
الثاني : أن الصرف : الدية ، والعَدل : القود .
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)
قوله تعالى : { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ } فيه أربعة أقاويل (3/195)
: أحدها : أنه افتتان الفقير بالغني أن يقول لو شاء الله لجعلني مثله غنياً والأعمى بالبصير أن يقول لو شاء لجعلني مثله بصيراً ، والسقيم بالصحيح أن يقول لو شاء لجعلني مثله صحيحاً ، قاله الحسن .
الثاني : فتنة بالعدوان في الدين ، حكاه ابن عيسى .
الثالث : أن الفتنة صبر الأنبياء على تكذيب قومهم ، قاله يحيى بن سلام .
الرابع : أنها نزلت حين أسلم أبو ذر الغفاري وعمار وصهيب وبلال وعامر بن فهيرة وسلام مولى أبي حذيفة وأمثالهم من الفقراء الموالي فقال المستهزئون من قريش : انظروا إلى أتباع محمد من فقرائنا وموالينا فنزلت فيهم الآية ، حكاه النقاش .
وفي الفتنة هنا وجهان :
أحدهما : البلاء .
والثاني : الاختبار .
{ أَتَصْبِرُونَ } يعني على ما مُحِنْتُمْ به من هذه الفتنة ، وفيه اختصار وتقديره أم لا تصبرون .
{ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } قال ابن جريج : بصيراً بما يصبر ممن يجزع .
ويحتمل وجهاً آخر : بصيراً بالحكمة فيما جعل بعضكم لبعض فتنة .
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24)
قوله تعالى : { وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءِنَا } فيه ثلاثة أوجه (3/196)
: أحدها : لا يخافون ولا يخشون ، قاله السدي ، ومنه قول الشاعر :
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عوامل
أي لم يخش . الثاني : لا يبالون ، قاله ابن عمير ، وأنشد لخبيب .
لعمرك ما أرجوا إذا كنت مسلماً ... على أي حال كان في الله مصرعي
أي ما أبالي .
الثالث : لا يأملون ، حكاه ابن شجرة وأنشد قول الشاعر :
أترجو أمة قتلت حسينا ... شفاعة جَدِّه يوم الحسابِ
{ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ } فيه قولان
: أحدهما : ليخبرونا أن محمداً نبي قاله يحيى بن سلام .
الثاني : ليكونوا رسلاً إلينا من ربهم بدلاً من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم .
{ أَوْ نَرَى رَبَّنَا } فيأمرنا باتباع محمد وتصديقه
. { لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِم } فيه وجهان
: أحدهما : تكبرواْ في أنفسهم لما قل في أعينهم من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم نبياً إليهم .
الثاني : استكبروا في أنفسهم بما اقترحوه من رؤية الله ونزول الملائكة عليهم .
{ وَعَتَوْ عُنُوّاً كَبِيراً } فيه خمسة أوجه
: أحدها : أنه التجبر ، قاله عكرمة .
الثاني : العصيان ، قاله يحيى بن سلام .
الثالث : أنه السرف في الظلم ، حكاه ابن عيسى .
الرابع : أنه الغلو في القول ، حكاه النقاش .
الخامس : أنه شدة الكفر ، قاله ابن عباس .
قيل إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ومكرز بن حفص بن الأخنف في جماعة من قريش قالوا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا .
فنزل فيهم قوله تعالى :
{ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلاَئِكَةَ } فيه قولان
: أحدهما : عند الموت ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : يوم القيامة ، قاله مجاهد .
{ لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمينَ } يعني بالجنة ، قاله عطية العوفي : إذا كان يوم القيامة يلقى المؤمن بالبشرى فإذا رأى الكافر ذلك تمناه فلم يره من الملائكة .
{ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً } فيه ثلاث أوجه
: أحدها : معناه معاذ الله أن تكون لكم البشرى يومئذ ، قاله مجاهد .
الثاني : معناه : منعنا أن نصل إلى شيء من الخير ، قاله عكرمة .
الثالث : حراماً محرماً أن تكون لكم البشرى يومئذ ، قاله أبو سعيد الخدري ، والضحاك ، وقتادة ومنه قول الملتمس :
حَنّتْ إلى النخلة القصوى فقلت لها ... حجْرٌ حرام إلا تلك الدهاريس .
وفي القائلين حجراً محجوراً قولان
: أحدهما : أنهم الملائكة قالوه للكفار ، قاله الضحاك .
الثاني : أنهم الكفار قالوه لأنفسهم ، قاله قتادة .
قوله تعالى { وَقَدِمْنآ } أي عمدنا ، قاله مجاهد ، قال الراجز :
وقدم الخوارج الضلال ... إلى عباد ربهم فقالوا
إن دماءَكم لنا حلال ... { إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ } فيه قولان
: أحدهما : من عمل خيراً لا يتقبل منهم لإِحباطه بالكفر ، قاله مجاهد .
الثاني : من عمل صالحاً لا يراد به وجه الله ، قاله ابن المبارك .
{ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً } فيه خمسة أقاويل
: أحدها : أنه رهج الدواب ، قاله علي بن أبي طالب .
الثاني : أنه كالغبار يكون في شعاع الشمس إذا طلعت في كوة ، قاله الحسن ، وعكرمة . (3/197)
الثالث : أنه ما ذرته الرياح من يابس أوراق الشجر ، قاله قتادة .
الرابع : أنها الماء المراق ، قاله ابن عباس .
الخامس : أنه الرماد ، قاله عبيد بن يعلى .
قوله تعالى : { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَراً } يعني منزلاً في الجنة من مستقر الكفار في النار .
{ وَأَحْسَنُ مَقِيلاً } فيه أربعة أوجه
: أحدها : أنه المستقر في الجنة والمقيل دونها ، قاله أبو سنان .
الثاني : أنه عنى موضع القائلة للدعة وإن لم يقيلواْ ، ذكره ابن عيسى .
الثالث : أنه يقيل أولياء الله بعد الحساب على الأسرة مع الحور العين ، ويقيل أعداء الله مع الشياطين المقرنين ، قاله ابن عباس .
الرابع : لأنه يفرغ من حسابهم وقت القائلة وهو نصف النهار ، فذلك أحسن مقيلاً ، من مقيل الكفار ، قاله الفراء .
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)
قوله تعالى : { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَآءُ بِالْغَمَامِ } فيه قولان (3/198)
: أحدهما : بمعنى على الغمام كما يقال رميت بالقوس وعن القوس ويكون المراد به الغمام المعهود والذي دون السماء لأنه يبقى دونها إذا انشقت غمام .
والقول الثاني : أنه غمام أبيض يكون في السماء ينزله الله على أنبيائه مثل الذي أظل بني إسرائيل ، وقد قال في ظل من الغمام فتنشق السماء فيخرج منها .
{ وَنُزِّلَ الْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً } يعني أن الملائكة تنزل فيه يوم القيامة ، وهو يوم التلاق . الذي يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض .
وفي نزولهم قولان :
أحدهما : ليبشروا المؤمن بالجنة ، والكافر بالنار .
الثاني : ليكون مع كل نفس سائق وشهيد .
قوله تعالى : { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ } قيل هو عقبة بن أبي معيط .
{ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : سبيلاً بطاعة الله ، قاله قتادة .
الثاني : طريقاً إلى النجاة ، حكاه ابن عيسى .
الثالث : وسيلة عند الرسول يكون وصلة إليه ، قاله الأخفش .
{ يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً } فيه ثلاثة أقاويل
: أحدها : يعني الشيطان ، قاله مجاهد ، وأبو رجاء .
الثاني : أنه أبي بن خلف ، قاله عمرو بن ميمون .
الثالث : أنه أمية بن خلف ، قاله السدي ، وذكر أن سبب ذلك أن عقبة وأمية كانا خليلين وكان عقبة يغشى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أمية بن خلف له : بلغني أنك صبوت إلى دين محمد ، فقال ما صبوت ، قال : فوجهي من وجهك حرام حتى تأتيه فتتفُل في وجهه وتتبرأ منه فأتى عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفل على جهه وتبرأ منه ، فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله فيه مخبراً عما يصير إليه { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالمُ . . . } الآية والتي بعدها . وفلانٌ لا يُثنى ولا يُجمْع .
وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)
قوله تعالى : { وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرَءَانَ مَهْجُوراً } فيه ثلاثة أوجه : (3/199)
أحدها : أنهم هجروه بإعراضهم عنه فصار مهجوراً ، قاله ابن زيد .
الثاني : أنهم قالوا فيه هجراً أي قبيحاً ، قاله مجاهد .
الثالث : أنهم جعلوه هجراً من الكلام وهو ما لا نفع فيه من العبث والهذيان ، قاله ابن قتيبة .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34)
قوله تعالى : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً } في قائل ذلك من الكفار قولان : (3/200)
أحدهما : أنهم كفار قريش ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنهم اليهود حين رأوا نزول القرآن مفرقاً ، قالوا : هلا أُنزِل عليه جملة واحدة ، كما أنزلت التوراة على موسى .
{ كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } فيه وجهان
: أحدهما : لنشجع به قلبك ، لأنه معجز يدل على صدقك ، وهو معنى قول السدي .
الثاني : معناه كذلك أنزلناه مفرقاً لنثبته في فؤادك .
وفيه وجهان :
أحدهما : لأنه كان أمياً ولم ينزل القرآن عليه مكتوباً ، فكان نزوله مفرقاً أَثبتَ في فؤاده ، وأَعلَقَ بقلبه .
الثاني : لنثبت فؤادك باتصال الوحي ومداومة نزول القرآن ، فلا تصير بانقطاع الوحي مستوحشاً .
{ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً } فيه خمسة تأويلات
: أحدها : ورسلناه ترسيلاً ، شيئاً بعد شيء ، قاله ابن عباس .
الثاني : وفرقناه تفريقاً ، قاله إبراهيم .
الثالث : وفصلناه تفصيلاً ، قاله السدي .
الرابع : وفسرناه تفسيراً ، قاله ابن زيد .
الخامس : وبينَّاه تبييناً ، قاله قتادة .
روي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يَا ابْنَ عَبَّاسِ إِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَرِتّلْهُ تَرْتِيلاً » فقلت وما الترتيل؟ ، قال : « بَيِّنْهُ تَبْييناً وَلاَ تَبْتُرْهُ بَتْرَ الدقلِ ، وَلاَ تهذه هذّ الشِّعرِ وَلاَ يَكُونُ هَمَّ أَحدِكُم آخِرَ السُّورَةِ
» .
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (40)
قوله تعالى : { وَأَصْحَابَ الرَّسِّ } فيه أربعة أقاويل (3/201)
: أحدها : أن الرس المعدن ، قاله أبو عبيدة . الثاني : أنه قرية من قرى اليمامة يقال له الفج من ثمود ، قاله قتادة .
الثالث : أنه ما بين نجران واليمن إلى حضرموت ، قاله بعض المفسرين .
الرابع : أنه البئر .
وفيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه بئر بأذربيجان ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنها البئر التي قتل فيها صاحب ياسين بأنطاكية الشام حكاه النقاش .
الثالث : أن كل بئر إذا حفرت ولم تطو فهي رس قال زهير :
بكرن بكوراً واستحرن بسحرة ... فهن ووادي الرس كاليد في الفم
وفي أصحاب الرس أربعة أقاويل
: أحدها : أنهم قوم شعيب ، حكاه بعض المفسرين .
الثاني : أنهم قوم رسوا نبيهم في بئر ، قاله عكرمة .
الثالث : أنهم قوم كانوا نزولاً على بئر يعبدون الأوثان ، وكانوا لا يظفرون بأحد يخالف دينهم إلا قتلوه ورسوه فيها ، وكان الرس بالشام ، قاله الضحاك .
الرابع : أنهم قوم أرسل الله إليهم نبياً فأكلوه وهم أول من عمل نساؤهم السحر ، قاله الكلبي .
قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَتَوْاْ عَلَى الْقَرْيَةِ } وهي سدوم قرية لوط .
{ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءٍ } الحجارة التي أُمطِرُوا بها ، والذين أتوا عليها قريش .
{ أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا } أي يعتبرون بها
. { بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نَشُوراً } أي لا يخافون بعثاً .
وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)
قوله تعالى : { أَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَههُ هَوَاهُ } فيه ثلاثة أقاويل (3/202)
: أحدها : أنهم قوم كان الرجل منهم يعبد حجراً يستحسنه ، فإذا رأى أحسن منه عبده وترك الأول ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه الحارث بن قيس كان إذا هوى شيئاً عبده ، حكاه النقاش .
الثالث : أنه الذي يتبع هواه في كل ما دعا إليه ، قاله الحسن ، وقتادة .
{ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً } فيه أربعة أوجه
: أحدها : يعني ناصراً ، قاله قتادة .
الثاني : حفيظاً ، قاله يحيى بن سلام .
الثالث : كفيلاً قاله الكلبي .
الرابع : مسيطراً ، قاله السّدي .
أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47)
قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ } أي بسطه على الأرض وفيه وجهان : (3/203)
أحدهما : أن الظل الليل لأنه ظل الأرض يقبل بغروب الشمس ويدبر بطلوعها .
الثاني : أنه ظل النهار بما حجب من شعاع الشمس .
وفي الفرق بين الظل والفيء وجهان :
أحدهما : أن الظل ما قبل طلوع الشمس والفيء ما بعد طلوعها .
الثاني : أن الظل ما قبل الزوال والفيء ما بعده .
{ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا } يعني الظل ، وفيه وجهان
: أحدهما : أنه قبض الظل بطلوع الشمس .
الثاني : بغروبها .
{ قَبْضاً يَسِيراً } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : سريعاً ، قاله ابن عباس .
الثاني : سهلاً ، قاله أبو مالك .
الثالث : خفياً ، قاله مجاهد .
قوله تعالى : { . . . جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً } يعني غطاءً لأن يَسْتُرُ كمَا يستر اللباس .
{ وَالنَّوْمَ سُبَاتاً } فيه وجهان
: أحدهما : لأنه مسبوت فيه ، والنائم لا يعقل كالميت ، حكاه النقاش .
الثاني : يعني راحة لقطع العمل ومنه سمي يوم السب ، لأنه يوم راحة لقطع العمل ، حكاه ابن عيسى .
{ وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً } فيه وجهان
: أحدهما : لانتشار الروح باليقظة فيه مأخوذ من النشر والبعث .
الثاني : لانتشار الناس في معايشهم ، قاله مجاهد ، وقتادة .
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50)
قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ } قال أبي بن كعب كل شيء في القرآن من الرياح فهو رحمة ، وكل شيء في القرآن من الريح فهو عذاب . (3/204)
وقيل : لأن الرياح جمع وهي الجنوب والشمال والصبا لأنها لواقح ، والعذاب ريح واحدة وهي الدبور لأنها لا تلقح .
{ بُشْراً } قرئت بالنون وبالباء فمن قرأ بالنون ففيه وجهان
: أحدهما : أنه نشر السحاب حتى يمطر .
الثاني : حياة لخلقه كحياتهم بالنشور .
ومن قرأ { بُشْراً } بالباء ففيه وجهان :
أحدهما لأنها بشرى بالمطر .
الثاني : لأن الناس يستبشرون بها .
{ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } يعني المطر لأنه رحمة من الله لخلقه ، وتأوله بعض أصحاب الخواطر يرسل رياح الندم بين يدي التوبة .
{ وَأَنزَلْنَا السَّمِآءِ مَآءً طَهُوراً } فيه تأويلان
: أحدهما : طاهراً ، قاله أبو حنيفة ولذلك جوز إزالة النجاسات بالمائعات الطاهرات .
الثاني : مطهراً ، قاله الشافعي ولذلك لم يجوز إزالة النجاسة بمائع سوى الماء .
{ لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } وهي التي لا عمارة فيها ولا زرع ، وإحياؤها يكون بنبات زرعها وشجرها ، فكما أن الماء يطهر الأبدان من الأحداث والأنجاس ، كذلك الماء يطهر الأرض من القحط والجدب .
{ وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنآ أَنْعَاماً وَأنَاسِيَّ كَثِيراً } فجمع بالماء حياة النبات والحيوان وفي الأناسي وجهان :
أحدهما : أنه جمع إنسي .
الثاني : جمع إنسان .
قوله تعالى : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه الفرقان المذكور في أول السورة .
الثاني : أراد الماء الذي أنزله طهوراً .
وفيه وجهان :
أحدهما : يعني قسمنا المطر فلا يدوم على مكان ، فيهلك ولا ينقطع عن مكان ، فيهلك ، وهو معنى قول قتادة .
الثاني : أنه يصرفه في كل عام من مكان إلى مكان ، قال ابن عباس ليس عام بأمطر من عام ، ولكن الله يصرفه بين عباده .
{ لِيَذَّكَّرُوا } يحتمل وجهين
: أحدهما : ليتذكروا النعمة بنزوله .
الثاني : ليتذكروا النعمة بانقطاعه .
{ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسَ إِلاَّ كُفُوراً } قال عكرمة : هو قولهم مطرنا بالأنواء . روى الربيع بن صبيح قال : أمطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فلما أصبح قال النبي صلى الله عليه وسلم : « أَصْبَحَ النَّاسُ فِيهَا بَيْنَ رَجْلَينِ شَاكِرٍ وَكَافِرٍ ، فَأَمَّا الشَّاكِرُ فَيحْمِدُ اللَّهَ عَلَى سُقْياهُ وَغِيَاثِهِ وَأَمَّا الكَافِرُ فَيقُولُ مطرنَا بِنَوءِ كَذَا وَكَذَا
» .
وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)
قوله تعالى : { فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ } يعني إلى ما يدعونك إليه : إما من تعظيم آلهتهم ، وإما من موادعتهم . (3/205)
{ وَجَاهِدْهُم بِهِ } فيه وجهان
: أحدهما : بالقرآن .
الثاني : بالإِسلام .
{ جِهَاداً كَبِيراً } فيه وجهان
: أحدهما : بالسيف .
الثاني : بالغلظة .
قوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَينِ } فيه وجهان :
أحدهما : هو إرسال أحدهما إلى الآخر ، قاله الضحاك .
الثاني : هو تخليتها ، حكاه النقاش وقال الأخفش مأخوذ من مَرَجْتَ الشيء إذا خليته ، وَمَرَجَ الوالي الناس إذا تركهم ، وأمرجت الدابّة إذا خليتها ترعى ، ومنه قول العجاج .
« رَعى بها مَرْج ربيع ممرجاً » ... وفي البحرين ثلاثة أقاويل
: أحدها : بحر السماء وبحر الأرض ، وهو قول سعيد ، ومجاهد .
الثاني : بحر فارس والروم ، وهو قول الحسن .
الثالث : بحر العذب وبحر المالح . { هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } قال عطاء
: الفرات : العذب ، وقيل هو أعذب العذب .
وفي الأجاج : ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه المالح ، وهو قول عطاء ، وقيل : هو أملح المالح .
الثاني : أنه المر ، وهو قول قتادة .
والثالث : أنه الحار المؤجج ، مأخوذ من تأجج النار ، وهو قول ابن بحر .
{ وََجَعلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً } فيه ثلاثة أقويل
: أحدها : حاجز من البر ، وهو قول الحسن ، ومجاهد .
الثاني : أن البرزخ : التخوم ، وهو قول قتادة .
والثالث : أنه الأجل ما بين الدنيا والآخرة ، وهو قول الضحاك .
{ وَحِجْراً مَّحْجُوراً } أي مانعاً لا يختلط العذب بالمالح ، ومنه قول الشاعر :
فَرُبّ في سُرادقٍ محجورِ ... سرت إليه من أعالي السور
محجور أي ممنوع
. وتأول بعض المتعمقين في غوامض المعاني أن مرج البحرين قلوب الأبرار مضيئة بالبر ، وهو العذب ، وقلوب الفجار مظلمة بالفجور وهو الملح الأجاج ، وهو بعيد .
قوله عز وجل : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً } يعني من النطفة إنساناً .
{ فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً } فالنسب مِن تناسُب كل والد وولد ، وكل شيء أضفته إلى شيء عرفته به فهو مناسِبُهُ .
وفي الصهر وجهان :
أحدهما : أنه الرضاع وهو قول طاووس .
الثاني : أنه المناكح وهو معنى قول قتادة ، وقال الكلبي : النسب من لا يحل نكاحه من القرابة ، والصهر من يحل نكاحه من القرابة وغير القرابة .
وأصل الصهر الاختلاط ، فسميت المناكح صهراً لاختلاط الناس بها ، ومنه قوله تعالى : { يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُوِهِم } [ الحج : 20 ] وقيل إن أصل الصهر الملاصقة .
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60)
قوله عز وجل : { . . . وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبّهِ ظَهِيراً } فيه وجهان (3/206)
: أحدهما : عوناً ، مأخوذ من المظاهر وهي المعونة ، ومعنى قوله { عَلَى رَبِّهِ } أي على أولياء ربه .
الثاني : هيناً ، مأخوذ من قولهم ظهر فلان بحاجتي إذا تركها واستهان بها قال تعالى : { وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُم ظِهْريّاً } [ هود : 92 ] أي هيناً ، ومنه قول الفرزدق :
تميم بن زيد لا تكونن حاجتي ... بظهرٍ فلا يعيا عَلَيّ جوابها
قيل إنها نزلت في أبي جهل
. قوله عز وجل : { وَإِذَا قِيل لَهُمُ اسْجُدُواْ لِلرَّحْمَن قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأَمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن العرب لم تكن تعرف الرحمن في أسماء الله تعالى : وكان مأخوذاً من الكتاب فلما دعوا إلى السجود لله تعالى بهذا الاسم سألواْ عنه مسألة الجاهل به فقالواْ { وَمَا الرَّحْمَن أَنَسْجُدُ لِمَا تَأَمْرُنَا } .
الثاني : أن مسيلمة الكذاب كان يسمى الرحمن ، فلما سمعوا هذا الاسم في القرآن حسبوه مسيلمة ، فأنكروا ما دعوا إليه من السجود له .
والثالث : أن هذا قول قوم كانواْ يجحدون التوحيد ولا يقرون بالله تعالى ، فلما أمروا أن يسجدوا للرحمن ازدادوا نفوراً مع هواهم بما دعوا إليه من الإيمان ، وإلا فالعرب المعترفون بالله الذين يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى كانوا يعرفون الرحمن في أسمائه وأنه اسم مسمى من الرحمة يدل على المبالغة في الوصف ، وهذا قول ابن بحر .
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)
قوله عز وجل : { تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَآءِ بُرُوجاً } فيها أربعة أوجه (3/207)
: أحدها : أنها النجوم العظام ، وهو قول أبي صالح .
الثاني : أنها قصور في السماء فيها الحرس ، وهو قول عطية العوفي .
الثالث : أنها مواضع الكواكب .
والرابع : أنها منازل الشمس ، وقرىء بُرجاً ، قرأ بذلك قتادة ، وتأوله النجم .
{ وَقَمَراً مُّنِيراً } يعني مضيئاً ، ولذا جعل الشمس سراجاً والقمر منيراً ، لأنه لما اقترن بضياء الشمس وهَّج حرّها جعلها لأجل الحرارة سراجاً ، ولما كان ذلك في القمر معدوماً جعله نوراً .
{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَار خِلْفَةً } فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : أنه جعل ما فات من عمل أحدهما خلفة يقضي في الآخر ، قاله عمر ابن الخطاب والحسن .
الثاني : أنه جعل كل واحد منهما مخالفاً لصاحبه فجعل أحدهما أبيض والآخر أسود ، قاله مجاهد .
الثالث : أن كل واحد منهما يخلف صاحبه إذا مضى هذا جاء هذا ، قاله ابن زيد ومنه قول زهير :
بها العين والآرام يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم
{ لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ } أي يصلي بالنهار صلاة الليل ويصلي بالليل صلاة النهار .
{ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } هو النافلة بعد الفريضة ، وقيل نزلت هذه الآية في عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)
قوله تعالى : { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً } فيه أربعة أقاويل : (3/208)
أحدها : علماء وكلماء ، قاله ابن عباس .
الثاني : أعفاء أتقياء ، قاله الضحاك .
الثالث : بالسكينة والوقار ، قاله مجاهد .
الرابع : متواضعين لا يتكبرون ، قاله ابن زيد .
{ وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } الجاهلون فيهم قولان
: أحدهما : أنهم الكفار .
الثاني : السفهاء .
{ قَالُواْ سَلاَماً } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : قالوا سداداً ، قاله مجاهد لأنه قول سليم .
الثاني : قالوا وعليك السلام ، قاله الضحاك .
الثالث : أنه طلب المسالمة ، قاله ابن بحر .
قوله تعالى : { إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً } فيه أربعة أوجه :
أحدها : لازماً ، قاله ابن عيسى ، ومنه الغريم لملازمته وأنشد الأعشى :
إن يعاقب يكن غَراماً وإن يع ... طر جزيلاً فإنه لا يبالي
الثاني : شديداً ، قاله ابن شجرة ، ومنه سميت شدة المحنة غراماً قال بشر بن أبي خازم :
ويوم الجفار ويوم النسا ... ر ، كانا عذاباً ، وكان غراما
الثالث : ثقيلاً ، قاله قطرب ، ومنه قوله تعالى : { فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ } [ القلم : 46 ] .
الرابع : أنهم أغرموا بالنعيم في الدنيا عذاب النار ، قال محمد بن كعب : إن الله سأل الكفار عن فأغرمهم فأدخلهم جهنم .
قوله تعالى : { وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : لم ينفقواْ في معصية الله ، والإِسراف النفقة في المعاصي ، قاله ابن عباس .
الثاني : لم ينفقوا كثيراً فيقول الناس قد أسرفوا ، قاله إبراهيم .
الثالث : لا يأكلون طعاماً يريدون به نعيماً ولا يلبسون ثوباً يريدون به جمالاً ، قاله يزيد بن أبي حبيب ، قال : هؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانت قلوبهم على قلب رجل واحد .
الرابع : لم ينفقوا نفقة في غير حقها فإن النفقة في غير حقها إسراف ، قاله ابن سيرين .
{ وَلَمْ يَقْتُرُواْ } فيه أربعة أوجه
: أحدها : لم يمنعوا حقوق الله فإن منع حقوق الله إقتار ، قاله ابن عباس .
الثاني : لا يعريهم ولا يجيعهم ، قاله إبراهيم .
الثالث : لم يمسكوا عن طاعة الله ، قاله ابن زيد .
الرابع : لم يقصروا في الحق ، قاله الأعمش .
روى معاذ بن جبل قال : لما نزلت هذه الآية سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النفقة في الإسراف والإقتار ما هو ، فقال : من منع من حق فقد قتر ، ومن أعطى في غير حق فقد أسرف .
{ وَكَانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوَامَاً } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : يعني عدلاً ، قاله الأعمش .
الثاني : أن القوام : أن يخرجوا في الله شطر أموالهم ، قاله وهب .
الثالث : أن القوام : أن ينفق في طاعة الله ويكف عن محارم الله .
ويحتمل رابعاً : أن القوام ما لم يمسك فيه عزيز ولم يقدم فيه على خطر ، والفرق بين القَوام بالفتح والقِوام بالكسر ، ما قاله ثعلب : أنه بالفتح الاستقامة والعدل ، وبالكسر ما يدوم عليه الأمر ويستقر .
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)
قوله تعالى : { وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً ءَاخَرَ } يعني لا يجعلون لله تعالى شريكاً ، ولا يجعلون بينهم وبينه في العبادة وسيطاً . (3/209)
{ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ } يعني حرم قتلها ، وهي نفس المؤمن والمعاهد
. { إِلاَّ بِالْحَقِّ } والحق المستباح به قتلها ، ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِِإِحْدَى ثَلاَثٍ : كُفرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ ، أَوْ زِنىً بَعْدَ إِحْصَانٍ ، أَوْ قَتْل نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ
» . { وَلاَ يَزْنُونَ } والزنى إتيان النساء المحرمات في قبل أو دبر ، واللواط زنى في أحد القولين وهو في القول الثاني موجب لقتل الفاعل والمفعول به ،
وفي إتيان البهائم ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه كالزنى في الفرق بين البكر والثيب .
الثاني : أنه يوجب قتل البهيمة ومن أتاها للخبر المأثور فيه .
الثالث : أنه يوجب التعزير . فجمع في هذه الآية بين ثلاث من الكبائر الشرك وقتل النفس والزنى ، روى عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود قال : قلت : يا رسول الله ( أو قال غيري ) : أي ذنب أعظم عند الله؟ قال : « أَن تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدّاً وَهُوَ خَلَقَكَ » قال : ثم أي؟ قال : « أَن تَقْتُلَ وَلَدَكَ خِيفَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ » قال : ثم أيّ . ؟ قال : « أَنْ تُزَانِي حَلِيلَةَ جَارِكَ » قال فأنزل الله ذلك .
{ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ } يعني هذه الثلاثة أو بعضها
. { يَلْقَ أَثَاماً } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : أن الأثام العقوبة قاله بلعام بن قيس :
جزى اللَّه ابن عروة حيث أمسى ... عقوقاً والعقوق له أثام
الثاني : أن الأثام اسم واد في جهنم ، قاله ابن عمر ، وقتادة ، ومنه قول الشاعر :
لقيت المهالك في حربنا ... وبعد المهالك تلقى أثاما
الثالث : الجزاء ، قاله السدي ، وقال الشاعر :
وإن مقامنا ندعو عليكم ... بأبطح ذي المجاز له أثامُ
{ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : أن المضاعفة عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، قاله قتادة .
الثاني : أنها الجمع بين عقوبات الكبائر المجتمعة .
الثالث : أنها استدامة العذاب بالخلود .
{ وَيَخْلُدْ فِيهِ } أي يخلد في العذاب بالشرك
. { مُهَاناً } بالعقوبة
. { إِلاَّ مَن تَابَ } يعني من الزنى
. { وَءَامَنَ } يعني من الشرك
. { وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً } يعني بعد السيئات
. { فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } فيه ثلاثة أقاويل
: أحدها : في الدنيا يبدلهم بالشرك إيماناً ، وبالزنى إحصاناً وبذكر الله بعد نسيانه ، وبطاعته بعد عصيانه ، وهذا معنى قول الحسن ، وقتادة .
الثاني : أنه في الآخرة فيمن غلبت حسناته على سيئاته فيبدل الله السيئات حسنات ، قاله أبو هريرة .
الثالث : أنه يبدل الله عقاب سيئاته إذا تاب منها بثواب حسناته إذا انتقل إليها ، قاله ابن بحر .
{ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً } لما تقدم قبل التوبة
. { رَحِيماً } لما بعدها
. وحكى الكلبي أن وحشياً وهو عبد عتبة بن غزوان كتب بعد وقعة أحد وقَتْلِ حمزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم : هل من توبة؟ فإن الله أنزل بمكة إياسي من كل خير { وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً ءَاخَرَ } الآية وإن وحشياً قد فعل هذا كله ، وقد زنى وأشرك وقتل النفس التي حرم الله ، فأنزل الله { إلاَّ مَن تَابَ } أي من الزنى وآمن بعد الشرك وعمل صالحاً بعد السيئات ، فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فقال وحشي : هذا شرط شديد ولعلي لا أبقى بعد التوبة حتى أعمل صالحاً ، فكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هل من شيء أوسع من هذا؟ فأنزل الله
{ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ } [ النساء : 48 ، 116 ] ، فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي . فأرسل وحشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم : إنى لأخاف أن لا أكون في مشيئة الله ، فأنزل الله في وحشي وأصحابه { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرًُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً } [ الزمر : 53 ] الآية . فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم . (3/210)
وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)
قوله تعالى : { وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ } فيه سبعة تأويلات (3/211)
: أحدها : أنه الشرك بالله ، قاله الضحاك ، وابن زيد .
الثاني : أنه أعياد أهل الذمة وشبهه ، قال ابن سيرين هو الشعانين .
الثالث : أنه الغناء ، قاله مجاهد .
الرابع : مجالس الخنا ، قاله عمرو بن قيس .
الخامس : أنه لعب كان في الجاهلية ، قاله عكرمة .
السادس : أنه الكذب ، قاله ابن جريج ، وقتادة .
السابع : أنه مجلس كان يشتم فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله خالد بن كثير .
ويحتمل ثامناً : أنه العهود على المعاصي .
{ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغوِ مَرُّواْ كِرَاماً } فيه خمسة تأويلات
: أحدها : أنه ما كان يفعله المشركون من أذية المسلمين في أنفسهم وأعراضهم فيعرضوا عنهم وعن أذاهم ، قاله مجاهد .
الثاني : أنهم إذا ذكروا النكاح كَنّوا عنه ، حكاه العوّام .
الثالث : أنهم إذا ذكروا الفروج كَنّوا عنها ، قاله محمد بن علي البافر رحمه الله .
الرابع : أنهم إذا مروا بإفك المشركين ينكروه ، قاله ابن زيد .
الخامس : أن اللغو هنا المعاصي كلها ، ومرهم بها كراماً إِعراضهم عنها ، قاله الحسن .
ويحتمل سادساً : وإذا مروا بالهزل عدلوا عنه إلى الجد .
قوله تعالى : { وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِئَايَاتِ رَبِّهِمْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : بوعده ووعيده .
الثاني : بأمره ونهيه .
{ لَمْ يخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمَّاً وَعُمْيَاناً } يعني سمعوا الوعظ فلم يصموا عنه وأبصروا الرشد فلم يعموا عنه بخلاف من أصمه الشرك عن الوعظ وأعماه الضلال عن الرشد .
وفي قوله : { لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا } وجهان :
أحدهما : لم يقيموا ، قاله الأخفش .
الثاني : لم يتغافلوا ، قاله ابن قتيبة .
قوله تعالى : { . . . رَبَّنَا لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } فيه وجهان :
أحدهما : أجعل أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ، قاله الكلبي .
الثاني : ارزقنا من أزواجنا ومن ذرياتنا أعواناً { قُرَّةَ أَعْيُنٍ } أي أهل طاعة تقر به أعيننا في الدنيا بالصلاح ، وفي الآخرة بالجنة .
وفي قرة العين وجهان :
أحدهما : أن تصادف ما يرضيهما فتقر على النظر إليه دون غيره .
الثاني : أن القرّ البرد فيكون معناه برّد الله دمعها ، لأن دمعة السرور باردة .
ودمعة [ الحزن ] حارة ، وضد قرة العين سخنة العين ، قاله الأصمعي .
{ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } فيه خمسة أوجه
: أحدها : أمثالا ، قاله عكرمة .
الثاني : رضاً ، قاله جعفر الصادق .
الثالث : قادة إلى الخير ، قاله قتادة .
الرابع : أئمة هدى يُهْتدى بنا ، قاله ابن عباس .
الخامس : نأتم بمن قبلنا حتى يأتم بنا من بعدنا ، قاله مجاهد .
وفي الآية دليل عل أن طلب الرياسة في الدين ندب .
أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)
قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ يُجْزَوُنَ الْغُرْفَةَ } فيها وجهان (3/212)
: أحدهما : أن الغرفة الجنة ، قاله الضحاك .
الثاني : أنها أعلى منازل الجنة وأفضلها كما أن الغرفة أعلى منازل الدنيا ، حكاه ابن شجرة .
{ بِمَا صَبَرُواْ } فيه وجهان
: أحدهما : بما صبروا عن الشهوات ، قاله الضحاك .
الثاني : بما صبروا على طاعة الله .
{ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً } فيه وجهان
: أحدهما : يعني بقاء دائماً .
الثاني : ملكاً عظيماً .
{ وَسَلاَماً } فيه وجهان
: أحدهما : أنها جماع السلامة الخير .
الثاني : هو أن يحيي بعضهم بعضاً بالسلام ، قاله الكلبي .
ولأصحاب الخواطر في التحية والسلام وجهان :
أحدهما : التحية على الروح والسلام على الجسد .
الثاني : أن التحية على العقل والسلام على النفس .
قوله تعالى : { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي } فيه وجهان :
أحدهما : ما يصنع ، قاله مجاهد ، وابن زيد .
الثاني : ما يبالي ، قاله أبو عمرو بن العلاء .
{ لَوْلاَ دُعآؤُكُمْ } فيه وجهان
: أحدهما : لولا عبادتكم وإيمانكم به ، والدعاء العبادة .
الثاني : لولا دعاؤه لكم إلى الطاعة ، قاله مجاهد .
ويحتمل ثالثاً : لولا دعاؤكم له إذا مسكم الضر وأصابكم السوء رغبة إليه وخضوعاً إليه .
{ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ } فيه وجهان
: أحدهما : كذبتم برسلي .
الثاني : قصرتم عن طاعتي مأخوذ من قولهم قد كذب في الحرب إذا قصّر .
{ لِزَاماً } فيه أربعة أوجه
: أحدها : أنه عذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر ، قاله ابن مسعود وأُبي .
الثاني : عذاب الآخرة في القيامة ، قاله قتادة .
الثالث : أنه الموت ، قاله محمد بن كعب ، ومنه قول الشاعر :
يولي عند حاجتها البشير ... ولم أجزع من الموت اللزام
الرابع : هو لزوم الحجة في الآخرة على تكذيبهم في الدنيا ، قاله الضحاك ، وأظهر الأوجه أن يكون اللزام الجزاء للزومه ، والله أعلم .
طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)
قوله { طسم } فيه أربعة أوجه (3/213)
: أحدها : أنه اسم من أسماء الله أقسم به ، والمقسم عليه { إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ } ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه اسم من أسماء القرآن ، قاله قتادة .
الثالث : أنه من الفواتح التي افتتح الله بها كتابه ، قاله الحسن .
الرابع : أنها حروف هجاء مقطعة من أسماء الله وصفاته :
أما الطاء ففيها قولان :
أحدهما : أنها من الطول .
الثاني : أنها من الطاهر .
وأما السين ففيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها من القدوس .
الثاني : أنها من السميع .
الثالث : من السلام .
وأما الميم ففيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها من المجيد .
الثاني : من الرحيم .
الثالث : من الملك .
ولأصحاب الخواطر في تأويل ذلك قولان :
أحدهما : أن الطاء شجرة طوبى ، والسين سدرة المنتهى ، والميم محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم .
الثاني : أن الطاء طرب التائبين ، والسين ستر الله على المذنبين ، والميم معرفته بالغاوين ، وقد ذكرنا في تفسير { الم } من زيادة التأويلات ما يجزىء تخريجه قبل هذا الموضع .
قوله { بَاخِعٌ نَّفْسَكَ } فيه وجهان :
أحدهما : قاتل نفسك ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والبخع القتل ، قاله ذو الرمة :
ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه ... بشيءٍ نحته عن يديه المقادِرُ
الثاني : محرج نفسك ، قاله عطاء ، وابن زيد
. قوله : { إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ ءَايَةً } فيها وجهان :
أحدهما : ما عظم من الأمور القاهرة .
الثاني : ما ظهر من الدلائل الواضحة .
{ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } فيه أربعة أوجه
: أحدها : لا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصيته .
الثاني : أنه أراد أصحاب الأعناق فحذفه وأقام المضاف إليه مقامه ، ذكره ابن عيسى .
الثالث : أن الأعناق الرؤساء ، ذكره ابن شجرة ، وقاله قطرب .
الرابع : أن العنق الجماعة من الناس ، من قولهم : أتاني عنق من الناس أي جماعة ، ورأيت الناس عنقاً إلى فلان ، ذكره النقاش .
قوله { أَوَلَمْ يَرَواْ إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ } أي نوع معه قرينة من أبيض وأحمر ، وحلو وحامض .
أحدها : حسن ، قاله ابن جبير .
الثاني : أنه مما يأكل الناس والأنعام ، قاله مجاهد .
الثالث : أنه النافع المحمود كما أن الكريم من الناس هو النافع المحمود .
الرابع : هم الناس نبات الأرض كما قال تعالى : { وَاللَّهُ أَنَبتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً } [ نوح : 17 ] فمن دخل الجنة فهو كريم ، ومن دخل النار فهو لئيم .
وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)
قوله { وَيَضِيقُ صَدْرِي } أي أخاف أن يضيق قلبي وفيه وجهان (3/214)
: أحدهما : بتكذيبهم إياي ، قاله الكلبي .
الثاني : بالضعف عن إبلاغ الرسالة .
{ وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَانِي } فيه وجهان
: أحدهما : من مهابة فرعون ، قاله الكلبي .
الثاني : للعقدة التي كانت به .
{ فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ } أي ليكون معي رسولاً ، لأن هارون كان بمصر حيث بعث الله تعالى موسى نبياً .
{ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ } فتكون علي بمعنى عندي ، وهو قول المفضل ، وأنشد قول أبي النجم :
قد أصبحت أم الخيار تدَّعي ... علي ذَنْبا كلّه لم أصْنَعِ
والثاني : معناه ولهم عليّ عقوبة ذنب
. { فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ } قد خاف موسى أن يقتلوه بالنفس التي قتلها ، فلا يتم إبلاغ الرسالة لأنه يعلم أن الله تعالى بعثه رسولاً تكفل بعونه على تأدية رسالته .
قوله عز وجل : { فَقُولاَ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالِمِينَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه أرْسَلَنا رب العالمين ، حكاه ابن شجرة .
والثاني : معناه أن كل واحد منا رسول رب العالمين ، ذكره ابن عيسى .
والثالث : معناه إنا رسالة رب العالمين ، قاله أبوعبيدة ، ومنه قول كثير :
لقد كَذَّب الواشون ما بُحْتُ عندهم ... بسرٍّ ولا أرسلتهم برسول
أي رسالة
. قوله عز وجل : { قَاَلَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً } أي صغيراً ، لأنه كان في داره لقيطاً .
{ وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } لم يؤذن له في الدخول عليه سنة ، وخرج من عنده عشر سنين ، وعاد إليه يدعوه ثلاثين سنة ، وبقي بعد غرقه خمسين سنة ، قال ذلك امتناناً عليه .
{ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ } يعني قتل النفس
. { وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } فيه قولان
: أحدهما : أي على ديننا الذي لا تقول إنه كفر ، وهو قول السدي .
الثاني : من الكافرين لإحساني إليك وفضلي عليك ، وهذا قول محمد بن إسحاق .
قوله عز وجل :
{ قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضَّآلِينَ } يعني قتل النفس ، قال المفضل : ومعنى إذن لموجبٍ .
{ وَأَنَاْ مِنَ الضَّآلِينَ } فيه ثلاثة تأويلات
: أحدها : من الجاهلين ، وهو قول مجاهد لا يعلم أنها تبلغ . والثاني : من الضالين عن النبوة ، لأن ذلك كان قبل الرسالة ، وهو معنى قول الضحاك .
الثالث : من الناسين ، وهو قول ابن زيد ، كما قال تعالى : { أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى } .
قوله عز وجل : { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمْنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : معناه أن اتخاذك بني إسرائيل عبيداً قد أحبط نعمتك التي تمن عليّ ، وهذا قول عليّ بن عيسى .
والثاني : معناه أنك لما ظلمت بني إسرائيل ولم تظلمني ، أعددت ذلك نعمة تمنّ بها عليّ؟ قاله الفراء .
والثالث : أنه لم تكن لفرعون على موسى نعمة لأن الذي رباه بنو إسرائيل بأمر فرعون لاستعباده لهم ، فأبطل موسى نعمته لبطلان استرقاقه .
والرابع : أن فرعون أنفق على موسى في تربيته من أموال بني إسرائيل التي أخذها من أكسابهم حين استعبدهم ، فأبطل موسى النعمة وأسقط المنة ، لأنها أموال بني إٍسرائيل لا أموال فرعون ، وهذا معنى قول الحسن .
وفي التعبيد وجهان :
أحدهما : أنه الحبس والإِذلال ، حكاه أبان بن تغلب .
الثاني : أنه الاسترقاق ، فالتعبيد الاسترقاق ، سمي بذلك لما فيه من الإِذلال ، مأخوذ من قولهم طريق معبد ، ومنه قول طرفة بن العبد .
تبارى عناقاً ناجيات وأتبعت ... وظيفاً فوق مورٍ مُعَبّدِ
أي طريق مذلل .
قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37)
قوله عز وجل : { فَأَلْقَى عَصَاهُ } قال سعيد بن جبير : كانت من عوسج ، قال الحكيم : ولم يسخر العوسج لأحد بعده ، وقال الكلبي : كانت من آس الجنة عشرة أذرع على طول موسى . (3/215)
{ فإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } فيه قولان
: أحدهما : أنها الحية الذكر ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه اعتم الحيات الصفر شعراء العنق ، حكاه النقاش .
{ مُّبِينٌ } فيه وجهان
: أحدهما : مبين أنه ثعبان .
الثاني : مبين أنها آية وبرهان ، وكان فرعون قد همّ بموسى ، فلما صارت العصا ثعباناً فَاغِراً فَاهُ خافه ولاَذَ بموسى مستجيراً وَوَلَّى قومُه هرباً حتى وطىء بعضهم على بعض ، قال ابن زيد : وكان اجتماعهم بالإسكندرية ، قال الزجاج : روي أن السحرة كانوا اثني عشر ألفاً ، وقيل : تسعة عشر ألفاً .
قوله تعالى : { فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } أي تشيرون لأنه لا يجوز أن يأمر التابع المتبوع ، فجعل المشورة أمراً لأنها على لفظه .
ويحتمل استشارته لهم وجهين :
أحدهما : أنه أراد أن يستعطفهم لضعف نفسه .
الثاني : أنه أذهله ما شاهد فحار عقله فلجأ إلى رأيهم وهو يقول أنا ربكم الأعلى ، وقد خفي عليه تناقض الأمرين خذلانا .
فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)
قوله تعالى : { قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ } فيه وجهان (3/216)
: أحدهما : أخره وأخاه ، قاله ابن عباس .
الثاني : احبسه وأخاه ، قاله قتادة .
وفي مشورتهم على فرعون بإرجائه ونهيهم له عن قتله ثلاثة أوجه :
أحدها : أنهم خافوا إن قتلوه أن يفتن الناس بما شاهدوه منه ، وأمّلوا إن جاء السحرة أن يغلبوه .
الثاني : أنهم شاهدوا من فعله ما بهر عقولهم ، فخافوا الهلاك من قتله .
الثالث : أن الله صرفهم عن ذلك تثبيتاً لدينه وتأييداً لرسوله .
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59)
قوله تعالى : { إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ } في الشرذمة وجهان (3/217)
: أحدهما : أنهم سفلة الناس وأدنياؤهم ، قاله الضحاك ، ومنه قول الأعشى :
وهم الأعبد في أحيائهم ... لعبيدٍ وتراهم شرذمة .
الثاني : أنهم العصبة الباقية من عصبة كبيرة وشرذمة كل شيء بقيته القليلة . ويقال لما قطع من فضول النعال من الجلد شراذم ، وللقميص إذا خلق شراذم ، وأنشد أبو عبيدة .
جاء الشتاء وقميصي أخلاق ... شراذم يضحك منها التواق
واختلف في عدد بني إسرائيل حين قال فرعون فيهم : إنه لشرذمة قليلون ، على أربعة أقاويل :
أحدها : ستمائة وتسعين ألفاً ، قال مقاتل : لا يعد ابن عشرين سنة لصغيره ولا ابن ستين لكبره ، وهو قول السدي .
الثالث : كانوا ستمائة ألف مقاتل ، قاله قتادة .
الرابع : كانوا خمسمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة ، وإنما استقل هذا العدد لأمرين :
أحدهما : لكثرة من قتل منهم .
الثاني : لكثرة من كان معه ، حكى السدي أنه كان على مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف حصان ليس فيها ماديانه ، وقال الضحاك كانوا سبعة آلاف ألف .
قوله تعالى : { وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونَ } قراءة ابن كثير ونافع ، وأبي عمرو ، وقرأ الباقون { حَاذِرُونَ } وفيه أربعة أوجه :
أحدها : أنهما لغتان ومعناهما واحد ، حكاه ابن شجرة وقاله أبو عبيدة واسْتَشْهَد بقول الشاعر :
وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذره .
الثاني : أن الحذر المطبوع على الحذر ، والحاذر الفاعل الحذر ، حكاه ابن عيسى .
الثالث : أن الحذر الخائف والحاذر المستعد .
الرابع : أن الحذر المتيقظ ، والحاذر آخذ السلاح ، لأن السلاح يسمى حذراً قاله الله تعالى : { وَخُذُوا حِذْرَكُم } [ النساء : 102 ] أي سلاحكم ، وقرأ ابن عامر . { حَادِرُونَ } بدال غير معجمة وفي تأويله وجهان
: أحدهما : أقوياء من قولهم جمل حادر إذا كان غليظاً .
الثاني : مسرعون .
قوله تعالى : { وَكُنُوزٍ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : الخزائن .
الثاني : الدفائن .
الثالث : الأنهار ، قاله الضحاك .
{ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } فيه ثلاثة أقاويل
: أحدها : أنها المنابر ، قاله ابن عباس ، ومجاهد .
الثاني : مجالس الأمراء ، حكاه ابن عيسى .
الثالث : المنازل الحسان ، قاله ابن جبير .
ويحتمل رابعاً : أنها مرابط الخيل لتفرد الزعماء بارتباطها عُدة وزينة فصار مقامها أكرم منزول .