صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : النكت والعيون
المؤلف : أبوالحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)

قوله عز وجل : { ذلِكَ وَمَن يَعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ } فيه قولان : أحدهما : أنه فعل ما أمر به من مناسكه ، قاله الكلبي .
والثاني : أنه اجتناب ما نهى عنه في إحرامه . ويحتمل عندي قولاً ثالثاً : أن يكون تعظيم حرماته أن يفعل الطاعة ويأمر بها ، وينتهي عن المعصية وينهى عنها .
{ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } فيه قولان
: أحدهما : إلا ما يتلى عليكم من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذُبحَ على النصب .
والثاني : إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم .
{ فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ } فيه وجهان
: أحدهما : أي اجتنبواْ من الأوثان الرجس ، ورجس الأوثان عبادتها ، فصار معناه : فاجتنبوا عبادة الأوثان .
الثاني : معناه : فاجتنبواْ الأوثان فإنها من الرجس .
{ وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ } فيه أربعة أقاويل
: أحدها : الشرك ، وهوقول يحيى بن سلام .
والثاني : الكذب ، وهو قول مجاهد .
والثالث : شهادة الزور . روى أيمن بن محمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيباً فقال : « أَيُّهَا النَّاسُ عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ مَرَّتِينَ » ثم قرأ : { فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ } .
والرابع : أنها عبادة المشركين ، حكاه النقاش .
ويحتمل عندي قولاً خامساً : أنه النفاق لأنه إسلام في الظاهر زور في الباطن .
قوله عز وجل : { حُنَفَآءَ لِلَّهِ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : يعني مسلمين لله ، وهو قول الضحاك ، قال ذو الرمة :
إذا حول الظل العشي رأيته ... حنيفاً وفي قرن الضحى يتنصر
والثاني : مخلصين لله ، وهو قول يحيى بن سلام .
والثالث : مستقيمين لله ، وهو قول عليّ بن عيسى .
والرابع : حجاجاً إلى الله ، وهو قول قطرب .
{ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } فيه وجهان
: أحدهما : غير مرائين بعبادته أحداً من خلقه .
والثاني : غير مشركين في تلبية الحج به أحداً لأنهم كانواْ يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك ، قاله الكلبي .

(3/114)


ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33)

قوله عز وجل : { ذلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللَّهِ } فيه وجهان
: أحدهما : فروض الله .
والثاني : معالم دينه ، ومنه قول الكميت :
نقتلهم جيلاً فجيلاً نراهم ... شعائر قربان بهم يتقرب
وفيها ثلاثة أقاويل
: أحدها : أنها مناسك الحج ، وتعظيمها إشعارها ، وهو مأثور عن جماعة .
والثاني : أنها البُدن المشعرة ، وتعظيمها استسمانها واستحسانها ، وهو قول مجاهد .
والثالث : أنها دين الله كله ، وتعظيمها التزامها ، وهو قول الحسن .
{ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } قال الكلبي والسدي : من إخلاص القلوب
. ويحتمل عندي وجهاً آخر أنه قصد الثواب .
ويحتمل وجهاً آخر أيضاً : أنه ما أرضى الله تعالى :
قوله عز وجل : { لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن المنافع التجارة ، وهذا قول من تأول الشعائر بأنها مناسك الحج ، والأجل المسمى العود .
والثاني : أن المنافع الأجر ، والأجل المسمى القيامة ، وهذا تأويل من تأولها بأنها الدين .
والثالث : أن المنافع الركوب والدر والنسل ، وهذا قول من تأولها بأنها الهَدْى فعلى هذا في الأجل المسمى وجهان :
أحدهما : أن المنافع قبل الإِيجاب وبعده ، والأجل المسمى هو النحر ، وهذا قول عطاء .
{ ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى الْبَيْتِ الْعتِيقِ } إن قيل إن الشعائر هي مناسك الحج ففي تأويل قوله : { ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } وجهان :
أحدهما : مكة ، وهو قول عطاء .
والثاني : الحرم كله محل لها ، وهو قول الشافعي .
وإن قيل إن الشعائر هي الدين كله فيحتمل تأويل قوله : { ثم محلها إلى البيت العتيق } أن محل ما اختص منها بالأجر له ، هو البيت العتيق .

(3/115)


وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35)

قوله عز وجل : { وَلِكُلِّ أَمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً } فيه ثلاثة تأويلات
: أحدها : يعني حجاً ، وهو قول قتادة .
والثاني : ذبحاً ، وهو قول مجاهد .
والثالث : عيداً ، وهو قول الكلبي والفراء ، والمنسك في كلام العرب هو الموضع المعتاد ، ومنه تسمية مناسك الحج ، لاعتياد مواضعها .
{ لِّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ } فيها وجهان
: أحدهما : أنها الهدي ، إذا قيل إن المنسك الحج .
والثاني : الأضاحي ، إذا قيل إن المنسك العيد .
قوله عز وجل : { . . . وَبَشِّر الْمُخْبِتينَ } فيه تسعة تأويلات :
أحدها : المطمئنين إلى ذكر إلههم ، وهو قول مجاهد ، ومنه قوله تعالى : { فَتُخْبتْ لَهُ قُلُوبُهُم } [ الحج : 54 ] .
والثاني : معناه المتواضعين ، وهو قول قتادة .
والثالث : الخاشعين ، وهو قول الحسن . والفرق بين التواضع والخشوع أن التواضع في الأخلاق والخشوع في الأبدان .
والرابع : الخائفين ، وهو معنى قول يحيى بن سلام .
والخامس : المخلصين ، وهو قول إبراهيم النخعي .
والسادس : الرقيقة قلوبهم ، وهو قول الكلبي .
والسابع : أنهم المجتهدون في العبادة ، وهو قول الكلبي ومجاهد .
والثامن : أنهم الصالحون المطمئنون ، وهو مروي عن مجاهد أيضاً .
والتاسع : هم الذين لا يظلمون ، وإذا ظلمواْ لم ينتصرواْ ، وهو قول الخليل بن أحمد .

(3/116)


وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)

قوله عز وجل : { وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ } في البدن ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها الإِبل ، وهو قول الجمهور .
والثاني : أنها الإِبل ، والبقر ، والغنم ، وهو قول جابر ، وعطاء .
والثالث : كل ذات خُفٍّ وحافر من الإِبل ، والبقر ، والغنم ، وهو شاذ حكاه ابن الشجرة ، وسميت بُدْناً لأنها مبدنة في السمن ، وشعائر الله تعالى دينه في أحد الوجهين ، وفروضه في الوجه الآخر .
وتعمق بعض أصحاب الخواطر فتأول البُدْن أن تطهر بدنك من البدع ، والشعائر أن تستشعر بتقوى الله وطاعته ، وهو بعيد .
{ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } فيه تأويلان
: أحدهما : أي أجر ، وهو قول السدي .
والثاني : منفعة فإن احْتِيجَ إلى ظهرها رُكبَ ، وإن حُلِبَ لَبَنُها شُرِبَ ، وهو قول إبراهيم النخعي .
{ فَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوآفَّ } وهي قراءة الجمهور ، وقرأ الحسن : صوافي ، وقرأ ابن مسعود : صوافن .
فتأول صواف على قراءة الجمهور فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : مصطفة ، ذكره ابن عيسى .
والثاني : قائمة لتصفّد يديها بالقيود ، وهو قول ابن عمر .
والثالث : معقولة ، وهو قول مجاهد .
وتأويل صوافي ، وهي قراءة الحسن : أي خالصة لله تعالى ، مأخوذ من الصفوة .
وتأويل صوافن وهي قراءة ابن مسعود : أنها مصفوفة ، وهو أن تَعقِل إحدى يديها حتى تقف على ثلاث ، مأخوذ من صفن الفرس إذا ثنى إحدى يديه حتى يقف على ثلاث ، ومنه قوله تعالى : { الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ } وقال الشاعر :
الف الصفون مما يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيراً
{ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبهُا } أي سقطت جنوبها على الأرض ، ومنه وجب الحائط إذا سقط ، ووجبت الشمس إذا سقطت للغروب ، وقال أوس بن حجر :
ألم تكسف الشمس ضوء النهار ... والبدر للجبل الواجب
{ فَكُلُواْ مِنْهَا } فيه وجهان
: أحدهما : أن أكله منها واجب إذا تطوع بها ، وهو قول أبي الطيب بن سلمة .
والثاني : وهو قول الجمهور أنه استحباب وليس بواجب ، وإنما ورد الأمر به لأنه بعد حظر ، لأنهم كانواْ في الجاهلية يحرمون أكلها على نفوسهم .
{ وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ والْمُعْتَرَّ } فيهم أربعة تأويلات
: أحدها : أن القانع السائل ، والمعتر الذي يتعرض ولا يسأل ، وهذا قول الحسن ، وسعيد بن جبير ، ومنه قول الشماخ :
لمالُ المرء يصلحه فيغني ... مفاقِرَه أعف من القُنُوع
أي من السؤال
. والثاني : أن القانع الذي يقنع ولا يسأل ، والمعتر الذي يسأل ، وهذا قول قتادة ، ومنه قول زهير :
على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحةُ والبذلُ
والثالث : أن القانع المسكين الطوّاف ، والمعتر : الصديق الزائر ، وهذا قول زيد بن أسلم ، ومنه قول الكميت :
إما اعتياداً وإما اعتراراً ... والرابع : أن القانع الطامع ، والمعتر الذي يعتري البُدْنَ ويتعرض للحم لأنه ليس عنده لحم ، وهذا قول عكرمة ، ومنه قول الشاعر :
على الطارق المعتر يا أم مالك ... إذا ما اعتراني بين قدري وصخرتي

(3/117)


لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)

قوله عز وجل : { لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا } فيه وجهان
: أحدهما : لن يقبل الله الدماء وإنما يقبل التقوى ، وهذا قول علي بن عيسى .
والثاني : معناه لن يصعد إلى الله لحومها ولا دماؤها ، لأنهم كانوا في الجاهلية إذا ذبحوا بُدنهم استقبلوا الكعبة بدمائها فيضجعونها نحو البيت ، فأراد المسلمون فعل ذلك ، فأنزل الله تعالى : { لَنَ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُم } أي يصعد إليه التقوى والعمل الصالح ، وهذا قول ابن عباس .
{ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ } أي ذللها لكم يعني الأنعام
. { لِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } يحتمل وجهين
: أحدهما : يعني التسمية عند الذبح .
والثاني : لتكبروا عند الإِحلال بدلاً من التلبية في الإِحرام .
{ عَلَى مَا هَداكُمْ } أي ما أرشدكم إليه من حجكم
. { وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ } يحتمل وجهين
: أحدهما : بالقبول .
والثاني : بالجنة .

(3/118)


إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)

{ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : بالكفار عن المؤمنين ، وبالعصاة عن المطيعين ، وبالجهال عن العلماء .
والثاني : يدفع بنور السنة ظلمات البدعة ، قاله سهل بن عبد الله .
قوله عز وجل : { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } فيه ستة تأويلات :
أحدها : ولولا دفع الله المشركين بالمسلمين ، وهذا قول ابن جريج .
الثاني : ولولا دفع الله عن الدين بالمجاهدين ، وهذا قول ابن زيد .
والثالث : ولولا دفع الله بالنبيين عن المؤمنين ، وهذا قول الكلبي .
والرابع : ولولا دفع الله بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن بعدهم من التابعين ، وهذا قول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه .
والخامس : ولولا دفع الله بشهادة الشهود على الحقوق ، وهذا قول مجاهد .
والسادس : ولولا دفع الله على النفوس بالفضائل ، وهذا قول قطرب .
ويحتمل عندي تأويلاً سابعاً : ولولا دفع الله عن المنكر بالمعروف .
{ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ } فيه قولان
: أحدها : أنها صوامع الرهبان ، وهذا قول مجاهد .
والثاني : أنها مصلى الصابئين ، وهو قول قتادة .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « صَوْمَعَةُ المُؤْمِنِ بَيْتُه » وسميت صومعة لانضمام طرفيها ، والمنصمع : المنضم ، ومنه أذنٌ صمعاء .
{ وَبِيَعٌ } فيها قولان
: أحدهما : أنها بيع النصارى ، وهو قول قتادة .
والثاني : أنها كنائس اليهود ، وهو قول مجاهد ، والبيعة اسم أعجمي مُعَرَّب .
{ وَصَلَوَاتٌ } فيها قولان
: أحدهما : أنها كنائس اليهود يسمونها : صلوتا ، فعرب جمعها ، فقيل صلوات ، وهذا قول الضحاك .
والثاني : معناه : وتركت صلوات ، ذكره ابن عيسى .
{ وَمَسَاجِدُ } المسلمين ، ثم فيه قولان
: أحدهما : لهدمها الآن المشركون لولا دفع الله بالمسلمين ، وهو معنى قول الضحاك .
والثاني : لهدمت صوامع في أيام شريعة موسى ، وبيع في أيام شريعة عيسى ومساجد في أيام شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا قول الزجاج ، فكان المراد بهدم كل شريعة ، الموضع الذي يعبد الله فيه .

(3/119)


وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)

قوله عز وجل : { وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ } فيها ثلاثة أوجه
: أحدها : يعني خالية من أهلها لهلاكها .
والثاني : غائرة الماء .
والثالث : معطلة من دلالتها وأرشيتها .
{ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : أن المشيد الحصين وهو قول الكلبي ، ومنه قول امرىء القيس :
وتيماء لم يترك بها جذع نخلةٍ ... ولا أطماً إلا مشيراً بجندل
والثاني : أن المشيد الرفيع ، وهو قول قتادة ، ومنه قول عدي بن زيد :
شاده مرمراً وجلله كل ... ساً فللطير في ذراه وُكورُ
والثالث : أن المشيد المجصص ، والشيد الجص ، وهو قول عكرمة ومجاهد ومنه قول الطرماح :
كحية الماء بين الطين والشيد ... وفي الكلام مضمر محذوف وتقديره : وقصر مشيد مثلها معطل ، وقيل إن القصر والبئر بحضرموت من أرض اليمن معروفان ، وقصرِ مشرف على قلة جبل ولا يرتقى إليه بحال ، والبئر في سفحه لا تقر الريح شيئاً سقط فيها إلا أخرجته ، وأصحاب القصور ملوك الحضر ، وأصحاب الآبار ملوك البوادي ، أي فأهلكنا هؤلاء وهؤلاء .
قوله عز وجل : { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا } هذا يدل على أمرين : على أن العقل علم ، ويدل على أن محله القلب .
وفي قوله : { يَعْقِلُونَ بِهَا } وجهان :
أحدهما : يعملون بها ، لأن الأعين تبصر والقلوب تصير .
{ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } أي يفقهون بها ما سمعوه من أخبار القرون السالفة .
{ فَإنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدورِ } يحتمل عندي وجهين :
أحدهما : أنها لا تعمى الأبصار عن الهدى ولكن تعمى القلوب عن الاهتداء .
والثاني : فإنها لا تعمى الأبصار عن الاعتبار ولكن تعمى القلوب عن الادّكار .
قال مجاهد : لكل إنسان أربع أعين : عينان في رأسه لدنياه ، وعينان في قلبه لآخرته ، فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه لم يضره عماه شيئاً ، وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه لم ينفعه نظره شيئاً .
قال قتادة : نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم الأعمى وهو عبد الله بن زائدة .

(3/120)


وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48)

قوله تعالى : { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ } يستبطئون نزوله بهم استهزاء منهم .
{ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ } ولن يؤخر عذابه عن وقته
. { وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفْ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : أن يوماً من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض كألف سنة ، قاله مجاهد .
الثاني : أن طول يوم من أيام الآخرة كطول ألف سنة من أيام الدنيا في المدة .
الثالث : أن ألم العذاب في يوم من أيام الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا في الشدة وكذلك يوم النعيم .

(3/121)


قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51)

قوله تعالى : { وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي ءَآيِاتِنَا } فيه وجهان
: أحدهما : أنه تكذيبهم بالقرآن ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : أنه عنادهم في الدين ، قاله الحسن .
{ مُعَجِزِينَ } قراءة ابن كثير وأبي عمرو ، وقرأ الباقون { مُعَاجِزِينَ } فمن قرأ معجزين ففي تأويله أربعة أوجه :
أحدها : مثبطين لمن أراد اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو قول السدي .
الثاني : مثبطين في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو قول مجاهد .
والثالث : مكذبين ، حكاه ابن شجرة .
الرابع : مَعَجِزِينَ لمن آمن بإظهار تعجيزة في إيمانه .
ومن قرأ { مُعَاجِزِينَ } ففي تأويله أربعة أوجه :
أحدها : مشاققين ، قاله ابن عباس .
والثاني : متسارعين ، حكاه ابن شجرة .
والثالث : معاندين ، قاله قطرب .
والرابع : مُعَاجِزِينَ يظنون أنهم يُعْجِزُونَ الله هرباً ، قاله السدي .

(3/122)


وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)

قوله تعالى : { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلآَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِه } فيه تأويلان :
أحدهما : يعني أنه إذا حدّث نفسه ألقى الشيطان في نفسه ، قاله الكلبي .
الثاني : إذا قرأ ألقى الشيطان في قراءته ، قاله قتادة ومجاهد ، قال الشاعر :
تمنى كتاب الله أول ليله ... وآخره لاقى حمام المقادِرِ
{ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ . . . } فيه قولان
: أحدهما : أن الرسول والنبي واحد ، ولا فرق بين الرسول والنبي ، وإنما جمع بينهما لأن الأنبياء تخص البشر ، والرسل تعم الملائكة والبشر .
والقول الثاني : أنهما مختلفان ، وأن الرسول أعلى منزلة من النبي .
واختلف قائل هذا في الفرق بين الرسول والنبي على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الرسول هو الذي تتنزل عليه الملائكة بالوحي ، والنبي يوحى إليه في نومه .
والثاني : أن الرسول هو المبعوث إلى أُمَّةٍ ، والنبي هو المحدث الذي لا يبعث إلى أمة ، قاله قطرب .
والثالث : أن الرسول هو المبتدىء بوضع الشرائع والأحكام ، والنبي هو الذي يحفظ شريعة الله ، قاله الجاحظ .
{ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ } أي يرفعه
. { ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَآيَاتِهِ } أي يثبتها ، واختلف أهل التأويل فيما قرأه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك على أربعة أقاويل :
أحدها : أنه ألقاه الشيطان على لسانه فقرأه ساهياً .
الثاني : أنه كان ناعساً فألقاه الشيطان على لسانه فقرأه في نعاسه قاله قتادة .
الثالث : أن بعض المنافقين تلاه عن إغواء الشيطان فخيل للناس أنه من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حكاه ابن عيسى .
الرابع : إنما قال : هي كالغرانيق العلا - يعني الملائكة - وأن شفاعتهم لترتجى ، أي في قولكم ، قاله الحسن .
سبب نزول هذه الآية ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه سورة النجم . قرأها في المسجد الحرام حتى بلغ { أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى ، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى } [ النجم : 19-20 ] ألقى الشيطان على لسانه « أولئك الغرانيق العلا . وأن شفاعتهن لترتجى » ثم ختم السورة وسجد . وسجد معه المسلمون والمشركون ورفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته فسجد عليه ، وكان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود ، ورضي بذلك كفار قريش ، وسمع بذلك من هاجر لأرض الحبشة . فأنكر جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ما قرأه ، وشق ذلك عليه فأنزل الله تعالى :
{ وَمَا أرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِه } .
قوله تعالى : { لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً } فيه وجهان :
أولهما : محنة .
الثاني : اختباراً . { لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } أي نفاق
. { وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ } يعني المشركين
. { وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } فيه وجهان
: أحدهما : لفي ضلال طويل ، قاله السدي .
الثاني : لفي فراق للحق بعيد إلى يوم القيامة ، قاله يحيى بن سلام .

(3/123)


وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57)

{ وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ } يعني في شك { مِّنْهُ } من القرآن { حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً } فيه وجهان
: أحدهما : ساعة القيامة على من يقوم عليه من المشركين ، قاله الحسن .
الثاني : ساعة موتهم .
{ أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } فيه قولان
: أحدهما : يوم القيامة ، قاله عكرمة ، والضحاك .
الثاني : يوم بدر ، قاله مجاهد ، وقتادة .
وفي العقيم وجهان :
أحدهما : أنه الشديد ، قاله الحسن .
الثاني : أنه الذي ليس له مثيل ولا عديل ، قال يحيى بن سلام : لقتال الملائكة فيه .
ويحتمل ثالثاً : أن يكون العقيم هو الذي يجدب الأرض ويقطع النسل .

(3/124)


وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59) ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60)

قوله تعالى : { ذلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ } الآية ، فيها قولان
: أحدهما : أنها نزلت في قوم من مشركي قريش لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فحملوا عليهم فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر الحرام فأبوا فأظفر الله المسلمين فنزل ذلك فيهم ، حكاه النقاش .
الثاني : أنها في قوم من المشركين مثلوا بقوم من المسلمين قتلوهم يوم أحد فعاقبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله فنزل ذلك فيهم ، حكاه ابن عيسى . ونصر الله في الدنيا بالغلبة والقهر ، وفي الآخرة بالحجبة والبرهان .

(3/125)


ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (66)

قوله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : أن الحق اسم من أسمائه تعالى ، قاله يحيى ابن سلام .
الثاني : أنه ذو الحق ، قاله ابن عيسى .
الثالث : معناه أن عبادته حق وهو معنى قول السدي .
{ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ } فيه قولان
: أحدهما : الأوثان ، قاله الحسن .
الثاني : إبليس ، قاله قتادة .

(3/126)


لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72)

قوله تعالى : { مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ } فيه أربعة أوجه
: أحدها : أنه العيد ، قاله ابن قتيبة .
الثاني : أنها المواضع المعتادة لمناسك الحج والعمرة ، قاله الفراء .
الثالث : المذبح ، قاله الضحاك .
الرابع : المنسك الْمُتَعَبد والنسك العِبَادَة ومنه سمي العَابِدُ ناسكاً ، قاله الحسن .

(3/127)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74)

قوله تعالى : { يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ } لأن حجج الله عليهم بضرب الأمثال لهم أقرب لأفهامهم : فإن قيل فأين المثل المضروب؟ ففيه وجهان :
أحدهما : أنه ليس هنا مثل ومعنى الكلام أنهم ضربوا لله مثلاُ في عبادته غيره ، قاله الأخفش .
الثاني : أنه ضرب مثلهم كمن عبد من لا يخلق ذباباً ، قاله ابن قتيبة .
{ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } يحتمل ثلاثة أوجه
: أحدها : أنهم الأوثان الذين عبدوهم من دون الله .
الثاني : أنهم السادة الذين صَرَفُوهُم عن طاعة الله .
الثالث : أنهم الشياطين الذين حملوهم على معصية الله .
{ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ } ليعلمهم أن العبادة إنما تكون للخالق المنشىء دون المخلوق المنشأ ، وخص الذباب لأربعة أمور تخصه : لمهانته وضعفه واستقذاره وكثرته ، وسُمِّي ذباباً لأنه يُذَبُّ احتقاراً واستقذاراً .
{ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ } يحتمل وجهين
: أحدهما : إفساده لثمارهم وطعامهم حتى يسلبهم إياها .
والثاني : أَلَمُهُ في قرض أبدانهم ، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله على خلق مثله ودفع أذيته فكيف يكونون آلهة معبودين وأرباباً مُطَاعين وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان .
ثم قال : { ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون عائداً إلى العَابِد والمَعْبُود ، فيكون في معناه وجهان :
أحدهما : أن يكون عائداً إلى العابد والمعبود .
الثاني : قهر العابد والمعبود .
والاحتمال الثاني : أن يكون عائداً للسالب فيكون في معناه وجهان :
أحدهما : ضعف للسالب عن القدرة والمسلوب عن النُصْرَة .
الثاني : ضعف السالب بالمهانة والمسلوب بالاستكانة .
{ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } فيه ثلاثة تأويلات
: أحدها : ما عظموه حق عظمته ، قاله الفراء .
الثاني : ما عرفوه حق معرفته ، قاله الأخفش .
الثالث : ما وصفوه حق صفته ، قاله قطرب . قال ابن عباس : نزلت في يهود المدينة حين قالواْ استراح الله في يوم السبت .

(3/128)


اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76)

قوله تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمُ } فيه ثلاثة أقاويل
: أحدها : ما بين أيديهم : ما كان قبل خلق الملائكة والأنبياء ، وما خلفهم : ما يكون بعد خلقهم ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : ما بين أيديهم : أول أعمالهم ، وما خلفهم آخر أعمالهم ، قاله الحسن .
الثالث : ما بين أيديهم من أمر الآخرة وما خلفهم من أمر الدنيا ، قاله يحيى بن سلام .
ويحتمل رابعاً : ما بين أيديهم : من أمور السماء ، وما خلفهم : من أمور الأرض .

(3/129)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)

قوله تعالى : { وَجَاهِدُواْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِِهِ } قال السدي : اعملوا لله حق عمله ، وقال الضحاك أن يطاع فلا يعصى ويُذْكر فلا يُنْسَى ويُشْكر فلا يُكْفَر . وهو مثل قوله تعالى : { اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } [ آل عمران : 102 ] .
واختلف في نسخها على قولين :
أحدهما : أنها منسوخة بقوله تعالى : { فَاتَقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ التغابن : 16 ] .
والثاني : أنها ثابتة الحكم لأن حق جهاده ما ارتفع معه الحرج ، روى سعيد بن المسيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خَيْرُ دِيْنِكُمْ أَيْسَرَهُ
» . { هُوَ اجْتَبَاكُمْ } أي اختاركم لدينه
. { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } يعني من ضيق ، وفيه خمسة أوجه :
أحدها : أنه الخلاص من المعاصي بالتوبة .
الثاني : المخرج من الأيمان بالكفارة .
الثالث : أنه تقديم الأهلة وتأخيرها في الصوم والفطر والأضحى ، قاله ابن عباس .
الرابع : أنه رخص السفر من القصر والفطر .
الخامس : أنه عام لأنه ليس في دين الإٍسلام ما لا سبيل إلى الخلاص من المأثم فيه .
{ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمُ } فيه أربعة أوجه
: أحدها : أنه وسع عليكم في الدين كما وسع ملة أبيكم إبراهيم .
الثاني : وافعلوا الخير كفعل أبيكم إبراهيم .
الثالث : أن ملة إبراهيم وهي دينه لازمة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وداخلة في دينه . الرابع : أن علينا ولاية إبراهيم وليس يلزمنا أحكام دينه .
{ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هذَا } فيه وجهان
: أحدهما : أن الله سماكم المسلمين من قبل هذا القرآن وفي هذا القرآن ، قاله ابن عباس ومجاهد .
الثاني : أن إبراهيم سماكم المسلمين ، قاله ابن زيد احتجاجاً بقوله تعالى : { ومن ذريتنا أمة مسلمة لك } [ البقرة : 128 ] .
{ لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ } فيه وجهان
: أحدهما : ليكون الرسول شهيداً عليكم في إبلاغ رسالة ربه إليكم ، وتكونوا شهداء على الناس تُبَلِغُونَهُم رسالة ربهم كما بلغتم إليهم ما بلغه الرسول إليكم .
الثاني : ليكون الرسول شهيداً عليكم بأعمالكم وتكونوا شهداء على الناس بأن رُسُلَهُم قد بَلَّغُوهم .
{ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ } يعني المفروضة
. { وَءَآتُواْ الزَّكَاةِ } يعنى الواجبة
. { وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ } فيه وجهان
: أحدهما : امتنعوا بالله ، وهو قول ابن شجرة .
والثاني : معناه تمسّكوا بدين الله ، وهو قول الحسن .
{ هُوَ مَوْلاَكُمْ } فيه وجهان
: أحدهما : مَالِكُكُم .
الثاني : وليكم المتولي لأموركم .
{ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصَيرُ } أي فنعم المولى حين لم يمنعكم الرزق لما عصيتموه ، ونعم النصير حين أعانكم لما أطعتموه .

(3/130)


قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)

{ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : معناه قد سعد المؤمنون ومنه قول لبيد :
فاعقلي إن كنت لم تعقلي ... إنما أفلح من كان عقل
الثاني : أن الفلاح البقاء ومعناه قد بقيت لهم أعمالهم ، وقيل : إنه بقاؤهم في الجنة ، ومنه قولهم في الأذان : حي على الفلاح أي حي على بقاء الخير قال طرفة بن العبد :
أفبعدنا أو بعدهم . . ... . يرجى لغابرنا الفلاح
الثالث : أنه إدْراك المطالب قال الشاعر :
لو كان حي مدرك الفلاح ... أدركه ملاعب الرماح
قال ابن عباس : المفلحون الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا . روى عمر بن الخطاب قال كان النبي صل الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يسمع عند وجهه دويٌ كدوي النحل ، فنزل عليه يوماً فلما سرى عنه استقبل القبلة ورفع يديه ثم قال : « اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلاَ تُنْقِصْنَا ، وَأَكْرِمْنَا وَلاَ تُهِنَّا ، وَأَعْطِنَا وَلاَ تَحْرِمْنَا ، وَآثِرْنَا وَلاَ تُؤْثِرْ عَلَينَا ، وَأَرْضِنَا وَارْضَ عَنَّا » ثم قال : « لَقَدْ أَنْزَلَ عَلَيَّ عَشْرَ أَيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ » ثم قرأ علينا { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } حتى ختم العشر . روى أبو عمران الجوني قال قيل لعائشة ما كان خُلُق رسول الله صل الله عليه وسلم؟ ، قالت أتقرأُون سورة المؤمنون؟ قيل : نعم ، قالت اقرأُوا فقرىء عليها { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } حتى بَلَغَ { يَحَافِظُونَ } .
فقالت : هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قوله تعالى : { الَّذِيِنَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ } فيه خمسة أوجه :
أحدها : خائفون ، وهوقول الحسن ، وقتادة .
والثاني : خاضعون ، وهو قول ابن عيسى .
والثالث : تائبون ، وهو قول إبراهيم .
والرابع : أنه غض البصر ، وخفض الجناح ، قاله مجاهد .
الخامس : هو أن ينظر إلى موضع سجوده من الأرض ، ولا يجوز بصره مُصَلاَّهُ ، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع بصره إلى السماء فنزلت : { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ } فصار لا يجوِّز بصره مُصَلاَّهُ .
فصار في محل الخشوع على هذه الأوجه قولان :
أحدهما : في القلب خاصة ، وهو قول الحسن وقتادة .
والثاني : في القلب والبصر ، وهو قول الحسن وقتادة .
قوله : { وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ } فيه خمسة أوجه :
أحدها : أن اللغو الباطل ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه الكذب ، قاله ابن عباس .
الثالث : أنه الحلف ، قاله الكلبي .
الرابع : أنه الشتم لأن كفار مكة كانوا يشتمون المسلمين فهو عن الإِجابة ، حكاه النقاش .
الخامس : أنها المعاصي كلها ، قاله الحسن .
قوله : { أُوْلئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ } روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَا مِنْكُم إِلاَّ لَهُ مَنزِلاَنِ : مَنزِلٌ فِي الجَنَّةِ وَمَنزِلٌ فِي النَّارِ ، فَإِن مَاتَ وَدَخَلَ النَّارَ ، وَرِثَ أَهْلُ الجَنَّةِ مَنْزِلَهُ ، وإِنْ مَاتَ وََدَخَلَ الجَنَّةَ ، وَرِثَ أَهْلُ النَّارِ مَنزِلَهُ ، فَذلِكَ قولَه { أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ } » ثم بيَّن ما يرثون فقال :
{ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ } فيه خمسة أوجه
: أحدها : أنه اسم من أسماء الجنة ، قاله الحسن .
الثاني : أنه أعلى الجنان قاله قطرب .
الثالث : أنه جبل الجنة الذي تتفجر منه أنهار الجنة ، قاله أبو هريرة .
الرابع : أنه البستان وهو رومي معرب ، قاله الزجاج .
الخامس : أنه عربي وهو الكرم ، قاله الضحاك .

(3/131)


وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)

قوله : { وَلَقَدْ خَلَقنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ } فيه قولان
: أحدهما : آدم استل من طين ، وهذا قول قتادة ، وقيل : لانه اسْتُلَ من قِبَل ربه .
والثاني : أن المعني به كل إنسان ، لأنه يرجع إلى آدم الذي خلق من سلالة من طين ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقيل : لأنه استل من نطفة أبيه ، والسلالة من كل شيء صفوته التي تستل منه ، قال الشاعر :
وما هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراسٍ تجلّلها بغل
وقال الزجاج : السلالة القليل مما ينسل ، وقد تُسَمَّى ، المضغة سلالة والولد سلالة إما لأنهما صفوتان على الوجه الأول ، وإما لأنهما ينسلان على الوجه الثاني ، وحكى الكلبي : أن السلالة الطين الذي إذا اعتصرته بين أصابعك خرج منه شيء ، ومنه قول الشاعر :
طوت أحشاء مرتجةٍ لوقت ... على مشج سلالته مهينُ
وحكى أبان بن تغلب أن السلالة هي التراب واستشهد بقول أمية بن أبي الصلت .
خلق البرية من سلالة منتن ... وإلى السلالة كلها ستعود
{ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطّْفَةً } النطفة هي ماء الذكر الذي يعلق منه الولد ، وقد ينطلق اسم النطفة على كل ماء ، قال بعض شعراء هذيل :
وأنهما لحرّابا حروب ... وشرّابان بالنطف الظوامي
قوله تعالى : { فِي قَرَارٍ مَّكينٍ } يعني بالقرار الرحم ، ومكين : أي متمكن قد هيىء لاستقراره فيه .
{ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً } العلقة الدم الطري الذي خلق من النطفة سُمّيَ علقة لأنه أول أحوال العلوق .
{ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً } وهي قدر ما يمضغ من اللحم
. { فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمَاً } وإنما بين الله أن الإِنسان تنتقل أحوال خلقه ليعلم نعمته عليه وحكمته فيه ، وإن بعثه بعد الموت حياً أهون من إنشائه ولم يكن شيئاً .
{ ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ } فيه أربعة أوجه
: أحدها : يعني بنفخ الروح فيه ، وهذا قول ابن عباس والكلبي .
والثاني : بنبات الشعر ، وهذا قول قتادة .
والثالث : أنه ذكر و أنثى ، وهذا قول الحسن .
والرابع : حين استوى به شبابه ، وهذا قول مجاهد .
ويحتمل وجهاً خامساً : أنه بالعقل والتمييز .
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية إلى قوله : { ثَمَّ أَنشَأنَاهُ خَلْقَاً آخَرَ } . قال عمر بن الخطاب : فتبارك الله أحسن الخالقين فنزلت : { فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } .

(3/132)


وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17)

قوله : { سَبْعَ طَرآئِقَ } أي سبع سموات ، وفي تسميتها طرائق ثلاثة أوجه
: أحدها : لأن كل طبقة على طريقة من الصنعة والهيئة .
الثاني : لأن كل طبقة منها طريق الملائكة ، قاله ابن عيسى .
الثالث : لأنها طباق بعضها فوق بعض ، ومنه أخذ طراق الفحل إذا أطبق عليها ما يمسكها ، قاله ابن شجرة ، فيكون على الوجه الأول مأخوذاً من التطرق ، وعلى الوجه الثاني مأخوذاً من التطارق .
{ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلقِ غَافِلِينَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : غافلين عن حفظهم من سقوط السماء عليهم ، قاله ابن عيسى .
الثاني : غافلين عن نزول المطر من السماء عليهم ، قاله الحسن .
الثالث : غافلين ، أي عاجزين عن رزقهم ، قاله سفيان بن عيينة .
وتأول بعض المتعمقة في غوامض المعاني سبع طرائق : أنها سبع حجب بينه وبين ربه ، الحجاب الأول قلبه ، الثاني جسمه ، الثالث نفسه ، الرابع عقله ، الخامس علمه ، السادس إرادته ، السابع مشيئته توصله إن صلحت وتحجبه إن فسدت ، وهذا تكلف بعيد .

(3/133)


وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ (20) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22)

قوله تعالى : { وَشَجَرةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنآءَ } هي شجر الزيتون ، وخصت بالذكر لكثرة منفعتها وقلة تعاهدها .
وفي طور سيناء خمسة تأويلات :
أحدها : أن سيناء البركة فكأنه قال جبل البركة ، قاله ابن عباس ، ومجاهد .
الثاني : أنه الحسن المنظر ، قاله قتادة .
الثالث : أنه الكثير الشجر ، قاله ابن عيسى .
الرابع : أنه اسم الجبل الذي كلم الله عليه موسى ، قاله أبو عبيدة .
الخامس : أنه المرتفع مأخوذ من النساء ، وهو الارتفاع فعلى هذا التأويل يكون اسماً عربياً وعلى ما تقدم من التأويلات يكون اسماً أعجمياً واختلف القائلون بأعجميته على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه سرياني ، قاله ابن عباس .
الثاني : نبطي .
الثالث : حبشي .
{ تَنْبُتْ بِالدُّهْنِ } اختلف في الدهن هنا على قولين
: أحدهما : أن الدهن هنا المطر اللين ، قاله محمد بن درستويه ، ويكون دخول الباء تصحيحاً للكلام .
الثاني : أنه الدهن المعروف أي بثمر الدهن .
وعلى هذا اختلفوا في دخول الباء على وجهين :
أحدهما : أنها زائدة وأنها تنبت الدهن ، قاله أبو عبيدة وأنشد :
نضرب بالسيف ونرجو بالفرج ... فكانت الباء في بالفرج زائدة كذلك في الدهن وهي قراءة ابن مسعود
. الثاني : أن الباء أصل وليست بزائدة ، وقد قرىء تنبت بالدهن بفتح التاء الأولى إذا كانت التاء أصلاً ثابتاً . فإن كانت القراءة بضم التاء الأولى فمعناه تنبت وينبت بها الدهن ومعناهما إذا حقق متقارب وإن كان بينهما أدنى فرق . وقال الزجاج : معناه ينبت فيها الدهن ، وهذه عبرة : أن تشرب الماء وتخرج الدهن .
{ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِينَ } أي إدام يصطبغ به الآكلون ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الزَّيتُ مِنْ شَجَرةٍ مُبَارَكَةٍ فَائْتَدِمُواْ بِهِ وَادَّهِنُوا » وقيل إن الصبغ ما يؤتدم به سوى اللحم .

(3/134)


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25)

قوله عز وجل : { مَا سَمِعْنَا بِهذَا فِي ءَابَائِنَا الأَوَّلِينَ } فيه وجهان
: أحدهما : ما سمعنا بمثل دعوته .
والثاني : ما سمعنا بمثله بشراً أتى برسالة من ربه .
وفي أبائهم الأولين وجهان :
أحدهما : أنه الأب الأدنى ، لأنه أقرب ، فصار هو الأول .
والثاني : أنه الأب الأبعد لأنه أوّل أبٍ وَلدَك .
{ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ } فيه وجهان
: أحدهما : حتى يموت .
الثاني : حتى يستبين جنونه .

(3/135)


قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)

قوله : { وَفَارَ التَّنُّورَ } فيه أربعة أقاويل
: أحدها : تنور الخابزة ، قاله الكلبي .
الثاني : أنه آخر مكان في دارك ، قاله أبو الحجاج .
الثالث : أنه طلوع الفجر ، قاله علي رضي الله عنه .
الرابع : أنه مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لاشتداد الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « الآن حَمِيَ الوَطِيسُ » قاله ابن بحر .
قوله تعالى : { وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً } قراءة الجمهور بضم الميم وفتح الزاي ، وقرأ عاصم في رواية بكر بفتح الميم وكسر الزاي والفرق بينهما أن المُنزَلَ بالضم فعل النزول وبالفتح موضع النزول .
{ وَأَنتَ خَيْرٌ الْمُنزِلِينَ } في ذلك قولان
: أحدهما : أن نوحاً قال ذلك عند نزوله في السفينة فعلى هذا يكون قوله مباركاً يعني بالسلامة والنجاة .
الثاني : أنه قاله عند نزوله من السفينة ، قاله مجاهد . فعلى هذا يكون قوله مباركاً يعني بالماء والشجر .

(3/136)


ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41)

قوله تعالى : { إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : يموت منا قوم ويحيا منا قوم ، قاله ابن عيسى .
الثاني : يموت قوم ويولد قوم ، قاله يحيى بن سلام ، قال الكلبي ، يموت الآباء ويحيا الأبناء .
الثالث : أنه مقدم ومؤخر معناه نحيا ونموت وما نحن بمبعوثين ، قاله ابن شجرة .
قوله : { فَجَعَلْنَاهُمْ غُثآءً } أي هلكى كالغثاء ، وفي الغثاء ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه البالي من الشجر ، وهذا قول ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة .
والثاني : ورق الشجر إذا وقع في الماء ثم جف ، وهذا قول قطرب .
والثالث : هو ما احتمله الماء من الزبد والقذى ، ذكره ابن شجرة وقاله الأخفش .
{ فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } فيه وجهان
: أحدهما : فبعداً لهم من الرحمة كاللعنة ، قاله ابن عيسى .
الثاني : فبعداً لهم في العذاب زيادة في الهلاك ، ذكره أبو بكر النقاش .

(3/137)


ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آَخَرِينَ (42) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)

قوله : { ثَمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى } فيه قولان
: أحدهما : متواترين يتبع بعضهم بعضاً ، قاله ابن عباس ، ومجاهد .
الثاني : منقطعين بين كل اثنين دهر طويل وهذا تأويل من قرأ بالتنوين .
وفي اشتقاق تترى ثلاثة أقاويل .
أحدها : أنه مشتق من وتر القوس لاتصاله بمكانه منه ، قاله ابن عيسى . وهو اشتقاقه على القول الأول .
الثاني : أنه مشتق من الوتر وهو الفرد لأن كل واحد بعد صاحبه فرد ، قاله الزجاج ، وهو اشتقاقه على التأويل الثاني .
الثالث : أنه مشتق من التواتر ، قاله ابن قتيبة ويحتمل اشتقاقه التأويلين معاً .

(3/138)


ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49)

قوله : { قَوْماً عَالِينَ } فيه أربعة أوجه
: أحدها : متكبرين ، قاله المفضل .
الثاني : مشركين ، قاله يحيى بن سلام .
الثالث : قاهرين ، قاله ابن عيسى .
الرابع : ظالمين ، قاله الضحاك .
قوله : { . . . وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : مطيعون ، قاله ابن عيسى .
الثاني : خاضعون ، قاله ابن شجرة .
الثالث : مستبعدون ، قاله يحيى بن سلام .
الرابع : ما قاله الحسن كان بنو إسرائيل يعبدون فرعون وكان فرعون يعبد الأصنام .

(3/139)


وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)

قوله : { وَجَعَلْنَا ابْنَ مرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً } فآيته أن خلق من غير ذكر وآيتها أن حملت من غير بعل ، ثم تكلم في المهد فكان كلامه آية له ، وبراءة لها .
{ وَءَاوَيْنَا هُمَآ إِلَى رَبْوَةٍ } الآية . الربوة ما ارتفع من الأرض وفيه قولان :
أحدهما : أنها لا تسمى ربوة إلا إذا اخضرت بالنبات وربت ، وإلاّ قيل نشز اشتقاقاً من هذا المعنى واستشهاداً بقول الله تعالى : { كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } [ البقرة : 65 ] ويقول الشاعر :
طوى نفسه طيّ الحرير كأنه ... حوى جنة في ربوة وهو خاشع
الثاني : تسمى ربوة وإن لم تكن ذات نبات قال امرؤ القيس :
فكنت هميداً تحت رمس بربوة ... تعاورني ريحٌ جنوب وشمألُ
وفي المراد بها هنا أربعة أقاويل
: أحدها : الرملة ، قاله أبو هريرة .
الثاني : دمشق ، قاله ابن جبير .
الثالث : مصر ، قاله ابن زيد .
الرابع : بيت المقدس . قاله قتادة ، قال كعب الأحبار ، هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً .
وفي : { ذَاتِ قَرَارٍ } أربعة أوجه :
أحدها : ذات استواء ، قاله ابن جبير .
الثاني : ذات ثمار ، قاله قتادة .
الثالث : ذات معيشة تقرهم ، قاله الحسن .
الرابع : ذات منازل تستقرون فيها ، قاله يحيى بن سلام .
وفي { مَعَينٍ } وجهان :
أحدهما : أنه الجاري ، قاله قتادة .
الثاني : أنه الماء الطاهر ، قاله عكرمة ومنه قول جرير :
إن الذين غروا بلبك غادروا ... وشلاً بعينك ما يزال معينا
أي ظاهراً ، في اشتقاق المعين ثلاثة أوجه
: أحدها : لأنه جار من العيون ، قاله ابن قتيبة فهو مفعول من العيون .
الثاني : أنه مشتق من المعونة .
الثالث : من الماعون .

(3/140)


يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56)

قوله : { وإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدةً } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : دينكم دين واحد ، قاله الحسن ، ومنه قول الشاعر :
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً ... وهل يأتَمن ذو أمة وهو طائع
الثاني : جماعتكم جماعة واحدة ، حكاه ابن عيسى
. الثالث : خلقكم خلق واحد .
قوله : { فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : ففرقوا دينهم بينهم قاله الكلبي .
الثاني : انقطع تواصلهم بينهم . وهو محتمل .
{ زُبُراً } فيه تأويلان
: أحدهما يعني قطعاً وجماعات ، قاله مجاهد ، والسدي ، وتأويل من قرأ بفتح الباء .
الثاني : يعني ، كتباً ، قاله قتادة ، وتأويل من قرأ بضم الباء ومعناه ، أنهم تفرقوا الكتب ، فأخذ كل فريق منهم كتاباً ، آمن به وكفر بما سواه .
{ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } فيه وجهان
: أحدهما : كل حزب بما تفردوا به من دين وكتاب فرحون .
والثاني : كل حزب بما لهم من أموال وأولاد فرحون .
وفي فرحهم وجهان :
أحدهما : أنه سرورهم .
والثاني : أنها أعمالهم .
قوله عز وجل : { فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ } فيها أربعة تأويلات :
أحدها : في ضلالتهم ، وهو قول قتادة .
والثاني : في عملهم ، وهو قول يحيى بن سلام .
والثالث : في حيرتهم ، وهو قول ابن شجرة .
والرابع : في جهلهم ، وهو قول الكلبي .
{ حَتَّى حِينٍ } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : حتى الموت .
والثاني : حتى يأتيهم ما وعدوا به ، وهو يوم بدر .
والثالث : أنه خارج مخرج الوعيد كما تقول للتوعد : لك يوم ، وهذا قول الكلبي .
قوله عز وجل : { أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } أي نعطيهم ونزيدهم من أموال وأولاد .
{ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ } فيه وجهان
: أحدهما : نجعله في العامل خيراً .
والثاني : أنما نريد لهم بذلك خيراً .
{ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ } فيه وجهان
: أحدهما : بل لا يشعرون أنه استدراج .
والثاني : بل لا يشعرون أنه اختبار .

(3/141)


إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)

قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } فيه وجهان
: أحدهما : يعني الزكاء .
الثاني : أعمال البر كلها .
{ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } أي خائفة
. قال بعض أصحب الخواطر : وجل العارف من طاعته أكثر من وجِلِه من مخالفته لأن المخالفة تمحوها التوبة ، والطاعة تطلب لتصحيح الغرض .
{ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } فيه وجهان
: أحدهما : يخافون ألا ينجوا من عذابه إذا قدموا عليه .
الثاني : يخافون أن لا تقبل أعمالهم إذا عرضت عليهم . روته عائشة مرفوعاً .
قوله عز وجل : { أُوْلئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : يستكثرون منها لأن المسارع مستكثر .
الثاني : يسابقون إليها لأن المسارع سابق .
{ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } فيه وجهان
: أحدهما : وهم بها سابقون إلى الجنة .
الثاني : وهم إلى فعلها سابقون .
وفيه وجه ثالث : وهم لمن تقدمهم من الأمم سابقون ، قاله الكلبي .

(3/142)


وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67)

قوله عز وجل : { بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمرَةٍ مِّنْ هذا } فيه وجهان
: أحدهما : في غطاء ، قاله ابن قتيبة .
والثاني : في غفلة قاله قتادة .
{ مِنْ هذا } فيه وجهان
: أحدهما : من هذا القرآن ، وهو قول مجاهد .
الثاني : من هذا الحق ، وهو قول قتادة .
{ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِن دُونِ ذلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } فيه وجهان
: أحدهما : خطايا [ يعملونها ] من دون الحق ، وهو قول قتادة .
الثاني : أعمال [ رديئة ] لم يعملوها وسيعملونها ، حكاه يحيى ابن سلام .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : أنه ظلم المخلوقين مع الكفر بالخالق . قوله عز وجل : { حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْغَذَابِ } فيهم وجهان :
أحدهما : أنهم الموسع عليهم بالخصب ، قاله ابن قتيبة . والثاني : بالمال والولد ، قاله الكلبي ، فعلى الأول يكون عامّاً وعلى الثاني يكون خاصاً .
{ إذَا هُم يَجْأَرُونَ } فيه أربعة تأويلات
: أحدها : يجزعون ، وهو قول قتادة .
الثاني : يستغيثون ، وهوقول ابن عباس .
والثالث : يصيحون ، وهو قول علي بن عيسى .
والرابع : يصرخون إلى الله تعالى بالتوبة ، فلا تقبل منهم ، وهو قول الحسن . قال قتادة نزلت هذه الآية في قتلى بدر ، وقال ابن جريج { حَتَّى إِذَا أَخذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ } هم الذين قتلواْ ببدر .
قوله عز وجل : { وَكُنتُم عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : تستأخرون ، وهو قول مجاهد .
والثاني : تكذبون .
والثالث : رجوع القهقرى . ومنه قول الشاعر :
زعموا أنهم على سبل الحق وأنا نكص على الأعقاب .
وهو أي النكوص ، موسع هنا ومعناه ترك القبول .
{ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } أي بحرمة الله ، ألا يظهر عليهم فيه أحد ، وهو قول ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وقتادة .
ويحتمل وجهاً آخر : مستكبرين بمحمد أن يطيعوه ، وبالقرآن أن يقبلوه .
{ سَامِراً تَهْجُرونَ } سامر فاعل من السمر . وفي السمر قولان
: أحدهما : أنه الحديث ليلاً ، قاله الكلبي ، وقيل به : سمراً تهجرون .
والثاني : أنه ظل القمر ، حكاه ابن عيسى ، والعرب تقول حلف بالسمر والقمر أي بالظلمة والضياء ، لأنهم يسمرون في ظلمة الليل وضوء القمر ، والعرب تقول أيضاً : لا أكلمه السمر والقمر ، أي الليل والنهار ، وقال الزجاج ومن السمر أخذت سمرة اللون . وفي { تَهْجُرُونَ } وجهان :
أحدهما : تهجرون الحق بالإِعراض عنه ، قاله ابن عباس .
والثاني : تهجرون في القول بالقبيح من الكلام ، قاله ابن جبير ، ومجاهد .
وقرأ نافع { تُهْجِرُونَ } بضم التاء وكسر الجيم وهو من هجر القول . وفي مخرج هذا الكلام قولان :
أحدهما : إنكار تسامرهم بالإِزراء على الحق مع ظهوره لهم .
الثاني : إنكاراً منهم حتى تسامروا في ليلهم والخوف أحق بهم .

(3/143)


أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)

قوله : { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ } في الحق هنا قولان
: أحدهما : أنه الله ، قاله الأكثرون .
الثاني : أنه التنزيل أي لو نزل بما يريدون لفسدت السموات والأرض .
وفي اتباع أهوائهم قولان :
أحدهما : لو اتبع أهواءهم فيما يشتهونه .
الثاني : فيما يعبدونه .
{ لَفَسَدَتِ السَّموَاتُ وَالأَرْضُ } يحتمل وجهين
: أحدهما : لفسد تدبير السموات والأرض ، لأنها مدبرة بالحق لا بالهوى .
الثاني : لفسدت أحوال السموات والأرض لأنها جارية بالحكمة لا على الهوى .
{ وَمَن فِيهِنَّ } أي ولفسد من فيهن ، وذلك إشارة إلى من يعقل من ملائكة السموات وإنس الأرض ، وقال الكلبي : يعني ما بينهم من خلق ، وفي قراءة ابن مسعود لفسدت السموات والأرض وما بينهما ، فتكون على تأويل الكلبي ، وقراءة ابن مسعود ، محمولاً على فساد ما لا يعقل من حيوان وجماد ، وعلى ظاهر التنزيل في قراءة الجمهور يكون محمولاً على فساد ما يعقل وما لا يعقل من الحيوان ، لأن ما لا يعقل تابع لما يعقل في الصلاح والفساد . فعلى هذا يكون من الفساد ما يعود على من في السموات من الملائكة بأن جعلت أرباباً وهي مربوبة ، وعبدت وهي مستعبدة .
وفساد الإِنس يكون على وجهين :
أحدهما : باتباع الهوى . وذلك مهلك .
الثاني : بعبادة غير الله . وذلك كفر .
وأما فساد الجن فيكون بأن يطاعوا فيطغوا .
وأما فساد ما عدا ذلك فيكون على وجه التبع بأنهم مدبرون بذوي العقول .
فعاد فساد المدبرين عليهم .
{ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ } فيه وجهان
: أحدهما : عنى ببيان الحق لهم ، قاله ابن عباس .
الثاني : بشرفهم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم منهم . والقرآن بلسانهم ، قاله السدي ، وسفيان .
ويحتمل ثالثاً : بذكر ما عليهم من طاعة ولهم من جزاء .
{ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعِرِضُونَ } فيه وجهان
: أحدهما : فهم عن القرآن معرضون ، قاله قتادة .
الثاني : عن شرفهم معرضون ، قاله السدي .
قوله : { أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً } يعني أمراً .
{ فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ } فيه وجهان
: أحدهما : فرزق ربك في الدنيا خير منهم ، قاله الكلبي .
الثاني : فأجر ربك في الآخرة خيرٌ منه ، قاله الحسن .
وذكر أبو عمرو بن العلاء الفرق بين الخرج والخراج فقال : الخرج من الرقاب : والخراج من الأرض .
قوله : { عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : لعادلون ، قاله ابن عباس .
الثاني : لحائدون ، قاله قتادة .
الثالث : لتاركون ، قاله الحسن .
الرابع : لمعرضون ، قاله الكلبي ، ومعانيها متقاربة .

(3/144)


وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (78) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83)

قوله : { حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً } الآية . فيه ثلاثة أقاويل
: أحدها : أنه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عليه فقال : « اللَّهُمّ اجْعَلْهَا عَلَيهِم سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ فَقَحَطُوا سَبْعَ سِنِينَ حَتَّى أَكَلُوا الْعَلْهَزَ مِنَ الجُوعِ وَهُوَ الوَبَرُ بالدَّمِ » قاله مجاهد
. الثاني : أنه قتلهم بالسيف يوم بدر ، قاله ابن عباس .
الثالث : يعني باباً من عذاب جهنم في الآخرة ، قاله بعض المتأخرين .
{ مُبْلِسُونَ } قد مضى تفسيره
. قوله : { وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ } فيه وجهان :
أحدهما : خلقكم ، قاله الكلبي ويحيى بن سلام .
الثاني : نشركم ، قاله ابن شجرة .
قوله : { وَلَهُ اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } فيه قولان :
أحدهما : بالزيادة والنقصان .
الثاني : تكررهما يوماً بعد ليلة وليلة بعد يوم .
ويحتمل ثالثاً : اختلاف ما مضى فيهما من سعادة وشقاء وضلال وهدى .

(3/145)


قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92)

قوله : { مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ } فيه وجهان
: أحدهما : خزائن كل شيء ، قاله مجاهد .
الثاني : ملك كل شيء ، قاله الضحاك . والملكوت من صفات المبالغة كالجبروت والرهبوت .
{ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ علَيْهِ } أي يمنع ولا يُمنع منه ، فاحتمل ذلك وجهين
: أحدهما : في الدنيا ممن أراد هلاكه لم يمنعه منه مانع ، ومن أرد نصره لم يدفعه من نصره دافع .
الثاني : في الآخرة لا يمنعه من مستحقي الثواب مانع ولا يدفعه من مستوجب العذاب دافع .
{ فأَنَّى تُسْحَرونَ } فيه وجهان
: أحدهما : فمن أي وجه تصرفون عن التصديق بالبعث .
الثاني : فكيف تكذبون فيخيل لكم الكذب حقاً .

(3/146)


قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98)

قوله : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ السَّيِئَةَ } فيه خمسة أقاويل
: أحدها : بالإغضاء والصفح عن إساءة المسيء ، قاله الحسن .
الثاني : ادفع الفحش بالسلام ، قاله عطاء والضحاك .
الثالث : ادفع المنكر بالموعظة ، حكاه ابن عيسى .
الرابع : معناه امسح السيئة بالحسنة هذا قول ابن شجرة .
الخامس : معناه قابل أعداءك بالنصيحة وأولياءك بالموعظة ، وهذا وإن كان خطاباً له عليه السلام فالمراد به جميع الأمة .
قوله : { وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ } فيه أربعة أوجه : أحدها : من نزغات .
الثاني : من إغواء .
الثالث : أذاهم .
الرابع : الجنون .
{ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ } أي يشهدوني ويقاربوني في وجهان
: أحدهما في الصلاة عند تلاوة القرآن . قال الكلبي .
والثاني : في أحواله كلها ، وهذا قول الأكثرين .

(3/147)


حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)

قوله : { وَمِن ورَآئِهِمْ بَرْزَخٌ } الآية . أي من أمامهم برزخٌ ، البرزخ الحاجز ومنه قوله تعالى : { بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ } [ الرحمن : 20 ] وفيه خمسة أقاويل .
أحدها : أنه حاجز بين الموت والبعث ، قاله ابن زيد .
الثاني : حاجز بين الدنيا والآخرة . قاله الضحاك .
الثالث : حاجز بين الميت ورجوعه للدنيا ، قاله مجاهد .
الرابع : أن البرزخ الإِمهال ليوم القيامة ، حكاه ابن عيسى .
الخامس : هو الأجل ما بين النفختين وبينهما أربعون سنة ، قاله الكلبي .

(3/148)


فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104)

قوله : { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ } فيه وجهان
: أحدهما : أي لا يتعارفون للهول الذي قد أذهلهم .
الثاني : أنهم لا يتواصلون عليها ولا يتقابلون بها مع تعارفهم لقوله تعالى : { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرءُ مِنْ أَخيهِ } [ عبس : 34 ]
{ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ } فيه وجهان
: أحدهما : لا يتساءلون أن يحمل بعضهم عن بعض ، أو يعين بعضهم بعضاً ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : لا يسأل بعضهم بعضاً عن خبره لانشغال كل واحد بنفسه قاله ابن عيسى .

(3/149)


أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107)

قوله : { قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } فيه وجهان
: أحدهما : الهوى .
الثاني : حسن الظن بالنفس وسوء الظن بالخلق .

(3/150)


قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111)

{ قَالَ اخْسَئُواْ فِيهَا } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : معناه اصغروا والخاسىء الصاغر ، قاله الحسن ، والسدي .
الثاني : أن الخاسىء الساكت الذي لا يتكلم ، قاله قتادة .
الثالث : ابعدوا بعد الكلب ، قاله ابن عيسى .
{ وَلاَ تُكَلِّمُونِ } فيه وجهان
: أحدهما : لا تكلمون في دفع العذاب عنكم .
الثاني : أنهم زجروا عن الكلام ، غضباً عليهم ، قاله الحسن ، فهو آخر كلام يتكلم به أهل النار .
{ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً } قرأ بضم السين نافع ، وحمزة ، والكسائي ، وقرأ الباقون بكسرها . واختلف في الضم والكسر على قولين .
أحدهما : أنهما لغتان ، ومعناهما سواء وهما من الهزء .
الثاني : أنها بالضم من السُخرة والاستعباد وبالكسر من السخرية والاستهزاء .

(3/151)


قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)

قوله : { قَالَ كَمْ لَبِثْتُم فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ } فيه وجهان
: أحدهما : أنه سؤال لهم من مدة حياتهم في الدنيا ، قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم ، استقلالاً لحياتهم في الدنيا لطول لبثهم في عذاب جهنم .
الثاني : أنه سؤال لهم عن مدة لبثهم في القبور وهي حالة لا يعلمونها فأجابوا بقصرها لهجوم العذاب عليهم ، وليس بكذب منهم لأنه إخبار عما كان عندهم .
{ فَاسْئَلِ الْعَادِّينَ } فيه قولان
: أحدهما : الملائكة ، قاله مجاهد .
الثاني : الحُسّابُ ، قاله قتادة .

(3/152)


وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)

قوله : { وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً ءَآخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } فيه وجهان
: أحدهما : معناه ليس له برهان ولا صحة بأن مع الله إلهاً آخر .
الثاني : أن هذه صفة الإله الذي يدعى من دون الله أن لا برهان له .
{ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّكَ } فيه وجهان
: أحدهما : يعني أن محاسبته عند ربه يوم القيامة .
الثاني : أن مكافأته على ربه والحساب المكافأة ، ومنه قولهم حسبي الله . أي كفاني الله تعالى ، والله أعلم وأحكم .

(3/153)


سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)

قوله تعالى : { سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا } أي هذه سورة أنزلناها ويحتمل أن يكون قد خصها بهذا الافتتاح لأمرين :
أحدهما : أن المقصود الزجر والوعيد فافتتحت بالرهبة كسورة التوبة .
الثاني : أن فيها تشريفاً للنبي صلى الله عليه وسلم بطهارة نسائه فافتتحت بذكر والسورة اسم للمنزلة الشريفة ولذلك سميت السورة من القرآن سورة قال الشاعر :
ألم تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطَاكَ سُورةً ... ترى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ
{ وَفَرَضْنَاهَا } فيه قراءتان بالتخفيف وبالتشديد
. فمن قرأ بالتخفيف ففي تأويله وجهان :
أحدهما : فرضنا فيها إباحة الحلال وحظر الحرام ، قاله مجاهد .
الثاني : قدرنا فيها الحدود من قوله تعالى : { فنصف ما فرضتم } [ البقرة : 237 ] أي قدرتم ، قاله عكرمة .
ومن قرأ بالتشديد ففي تأويله وجهان :
أحدهما : معناه تكثير ما فرض فيها من الحلال والحرام ، قاله ابن عيسى .
الثاني : معناه بيناها ، قاله ابن عباس .
{ وَأَنزَلْنَا فِيهآ ءَايَاتٍ بَيِّناتٍ } فيه وجهان
: أحدهما : أنها الحجج الدالة على توحيده ووجوب طاعته .
الثاني : أنها الحدود والأحكام التي شرعها .
قوله تعالى : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } وإنما قدم ذكر الزانية على الزاني لأمرين :
أحدهما : أن الزنى منها أعَرُّ ، وهو لأجل الحَبَل أضر .
الثاني : أن الشهوة فيها أكثر وعليها أغلب ، وقدر الحد فيه بمائة جلدة من الحرية والبكارة ، وهو أكثر حدود الجلد ، لأن فعل الزنى أغلظ من القذف بالزنى ، وزادت السنة على الجلد بتغريب عام بعده ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خُذُواْ عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مَائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ » ومنع العراقيون من التغريب اقتصاراً على الجلد وحده ، وفيه دفع السنة والأثر .
والجلد مأخوذ من وصول الضرب إلى الجلد . فأما المحصنان فحدهما الرجم بالسنة إما بياناً لقوله تعالى في سورة النساء : { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } [ النساء : 15 ] على قول فريق : وإما ابتداء فرض على قول آخرين . وروى زر بن حبيش عن أُبَيٍّ أن في مصحفه من سورة الأحزاب ذكر الرجم : « إِذَا زَنَى الشَّيخُ وَالشَّيخَةُ فَارْجُمَوهُمَا البَتَّةَ نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
» . { وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ } أي في طاعة الله ، وقد يعبر بالدين عن الطاعة .
{ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } أي إن كنتم تقيمون طاعة الله قيام من يؤمن بالله واليوم الآخر ، والرأفة الرحمة ولم ينه عنها لأن الله هو الذي يوقعها في القلوب وإنما نهى عما تدعو الرحمة إليه ، وفيه قولان :
أحدهما : أن تدعوه الرحمة إلى إسقاط الحد حتى لا يقام ، قاله عكرمة .
الثاني : أن تدعوه الرحمة إلى تخفيف الضرب حتى لا يؤلم ، قاله قتادة .
واستنبط هذا المعنى الجنيد فقال : الشفقة على المخالفين كالإِعراض عن المواقعين { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا } يعني بالعذاب الحد يشهده عند الإِقامة طائفة من المؤمنين ، ليكونوا زيادة في نكاله وبينة على إقامة حده واختلف في عددهم على أربعة أقاويل :
أحدها : أربعة فصاعداً ، قاله مالك والشافعي .
الثاني : ثلاثة فصاعداً ، قاله الزهري .
الثالث : اثنان فصاعداً ، قال عكرمة .
الرابع : واحد فصاعداً ، قاله الحسن ، وإبراهيم .
ولما شرط الله إيمان من يشهد عذابهما ، قال بعض أصحاب الخواطر : لا يشهد مواضع التأديب إلا من لا يستحق التأديب .

(3/154)


الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)

قوله : { الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً . . . } الآية . فيه خمسة أوجه :
أحدها : أنها نزلت مخصوصة في رجل من المسلمين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة يقال لها أم مهزول كانت من بغايا الجاهلية من ذوات الرايات وشرطت له أن تنفق عليه فأنزل الله هذه الآية فيه وفيها قاله عبد الله بن عمرو ، ومجاهد .
الثاني : أنها نزلت في أهل الصفة ، وكانوا قوماً من المهاجرين فقراء ولم يكن لهم بالمدينة مساكن ولا عشائر ، فنزلوا صفة المسجد ، وكانواْ نحو أربعمائة رجل يلتمسون الرزق بالنهار ويأوون إلى الصفة في الليل ، وكان بالمدينة بغايا متعالنات بالفجور مما يصيب الرجال بالكسوة والطعام ، فهمَّ أهل الصفة أن يتزوجوهن ليأووا إلى مساكنهن وينالوا من طعامهن وكسوتهن فنزلت فيهن هذه الآية ، قاله أبو صالح .
الثالث : معناه أن الزاني لا يزني إلا بزانية والزانية لا يزني بها إلا زان ، قاله ابن عباس .
الرابع : أنه عامٌّ في تحريم نكاح الزانية على العفيف ونكاح العفيفة على الزاني ثم نسخ بقوله تعالى : { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النَّسَاءِ } [ النساء : 3 ] قاله ابن المسيب
. الخامس : أنها مخصوصة في الزاني المحدود لا ينكح إلا زانية محدودة ولا ينكح غير محدودة ولا عفيفة ، والزانية المحدودة لا ينكحها إلا زان محدود ، ولا ينكحها غير محدود ولا عفيف ، قاله الحسن ، ورواه أبو هريرة مرفوعاً .
{ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } فيه وجهان
: أحدهما : الزنى .
الثاني : نكاح الزوانى .

(3/155)


وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)

قوله : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ } يعني بالزنى
. { ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدآءِ } يعني ببينة على الزنى
. { فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } وهذا حد أوجبه الله على القاذف للمقذوفة يجب بطلبها ويسقط بعفوها ، وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه من حقوق الآدميين ، لوجوبه بالطلب ، وسقوطه بالعفو ، وهذا مذهب الشافعي .
الثاني : من حقوق الله لأنه لا ينتقل إلى مال ، وهذا مذهب أبي حنيفة .
الثالث : أنه من الحقوق المشتركة بين حق الله وحق الآدميين لتمازج الحقين وهذا مذهب بعض المتأخرين .
ولا يكمل حد القذف بعد البلوغ والعقل إلى بحريتهما وإسلام المقذوف وعفافه ، فإن كان المقذوف كافراً أو عبداً عُزِّر قاذفه ولم يحد ، وإن كان القاذف كافراً حُدّ حدّاً كاملاً ، وإن كان عبداً حُدّ نصف الحد .
{ وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلِئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } وهذا مما غلظ الله به القذف حتى علق به من التغليظ ثلاثة أحكام : وجوب الحد ، والتفسيق وسقوط الشهادة . ولم يجعل في القذف بغير الزنى حَدّاً لما في القذف بالزنى من تعدّي المعرّة إلا الأهل والنسل .
قوله : { إِلاَّ الَّذِينَ تابواْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُواْ } الآية . التوبة من القذف ترفع الفسق ولا تسقط الحدّ . واختلفوا في قبول الشهادة على أربعة أقوال :
أحدها : تقبل شهادته قبل الحد وبعده لارتفاع فسقه وعوده إلى عدالته وهذا مذهب مالك والشافعي وبه قال جمهور المفسرين .
الثاني : لا تقبل شهادته أبداً ، لا قبل الحد ولا بعده ، وهذا مذهب شريح .
الثالث : أنه تقبل شهادته بالتوبة قبل الحد ولا تقبل بعده ، وهذا مذهب أبي حنيفة .
الرابع : تقبل شهادته بعد الحد ولا تقبل قبله ، وهذا مذهب إبراهيم النخعي قال الشعبي : تقبل توبته ولا تقبل شهادته .
وفي صفة التوبة قولان :
أحدهما : أنها بإكذابه نفسه وقد رواه الزهري عن ابن المسيب أن عمر بن الخطاب جلد أبا بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحارث بن كلدة وقال لهم : من أكذب نفسه أحرز شهاته فأكذب نفسه شبل ونافع ، وأبى أبو بكرة أن يفعل ، قال الزهري ، وهو والله السنة فاحفظوه .
الثاني : أن توبته منه تكون بصلاح حاله وندمه على قذفه والاستغفار منه وترك العود إلى مثله ، قاله ابن جرير .

(3/156)


وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)

قوله : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ } يعني بالزنى .
{ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ } يعني يشهدون بالزنى إلى أنفسهم وهذا حكم خص الله به الأزواج في قذف نسائهم ليلاعنوا فيذهب حد القذف عنهم .
وفي سبب ذلك قولان :
أحدهما : ما رواه عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه فقال : يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء فوجدت رجلاً مع أهلي رأيت بعيني بأذني فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أتاه به وثقل عليه حتى أنزل الله فيه هذه الآية .
الثاني : ما رواه الأوزاعي عن الزهري عن سهل بن سعد عويمر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله رجل وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ فأنزل الله هذه الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ القُرْآنَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ » فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملاعنة فلاعنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « انظرواْ فَإِنْ جَاءتْ بِهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ العَينَينِ عَظِيمَ الأَلِيَتِينِ خَدْلَجَ السَّاقِينِ فَلاَ أَحْسَبُ عُوَيمِراً إِلاَّ قَدْ صَدَقَ عَلَيهَا ، وَإنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيمِرَ كَأَنَّهُ وَحْرَةٌ فَلاَ أَرَاهُ إِلاَّ كَاذباً » فجاءت به على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في تصديق عويمر وكان بعد ينسب إلى أمه ، قال سعيد بن جبير : ولقد صار أميراً بمصر وإنه ينسب إلى غير أب .
فإذا قذف الرجل زوجته بالزنى كان له اللعان منها إن شاء ، وإن لم يكن ذلك لقاذف سواه ، لأن الزوج لنفي نسب ليس منه ورفع فراش قد عرّه مضطر إلى لعانها دون غيره ، فإذا أراد ذلك لاعن بينهما حاكم نافذ الحكم في الجامع على المنبر أو عنده ، ويبدأ بالزوج وهي حاضرة فيقول : أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما قذفت به زوجتي هذه من الزنى بفلان إذا ذكره في قذفه ، وإن لم يذكره في لعانه كان لعانه نافذاً . وإن أراد نفي ولدها قال : إن هذا الولد من زنى ما هو مني فإذا أكمل ما وصفنا أعاده أربعاً كما قال الله تعالى :
{ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِم أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } والشهادة هنا يمين عبر عنها بلفظ الشهادة في قول مالك والشافعي ، وقال أبو حنيفة هي شهادة فرد بها لعان الكافر والمملوك ولو كانت شهادة ما جاز أن تشهد لنفسها وبلعنها ، والعرب تسمي الحلف بالله تعالى شهادة كما قال قيس بن الملوح :
وأشهَدُ عِنْدَ اللَّه أنِّي أُحِبُّها ... فهذَا لَهَا عِندي فَمَا عِنْدَها لِيا
أي أحلف بالله فيما وصفتها من الزنى ، وهو تأويل قوله : { وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } فإذا أكمل الخامسة فقد أكمل لعانه ، فتلاعن هي بعده على المنبر أو عنده فتقول وهو حاضر : أشهد بالله أن زوجي فلاناً هذا من الكاذبين فيما رماني به من الزنى وأن هذا - إن كان الزوج قد نفى في لعانه ولده منها - ما هو من زنى ، تقول كذلك أربعاً ، وهو تأويل قوله تعالى :

(3/157)


{ وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ } أي يدفع ، وفي هذا العذاب قولان
: أحدهما : أنه الحد ، وهو مذهب مالك ، والشافعي .
الثاني : أنه الحبس ، وهو مذهب أبي حنيفة .
{ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ باللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبِينَ } ثم تقول في الخامسة وأن عليّ غضب الله إن كان زوجي من الصادقين فيما رماني به من الزنى وهو تأويل قوله تعالى :
{ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللَّه عَلَيَهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ } والغضب في لعانها بدلاً من اللعنة في لعان زوجها ، وإذا تم اللعان وقعت الفرقة المؤبدة بينهما ، وبماذا تقع؟ فيه أربعة أقاويل :
أحدها : بلعان الزوج وحده وهو مذهب الشافعي .
الثاني : بلعانهما معاً ، وهو مذهب مالك .
الثالث : بلعانهما وتفريق الحاكم بينهما ، وهو مذهب أبي حنيفة .
والرابع : بالطلاق الذي يوقعه الزوج بعد اللعان ، وهو مذهب أحمد بن حنبل ثم حرمت عليه أبداً .
واختلفوا في إحلالها له إن أكذب بعد اللعان نفسه على قولين :
أحدهما : تحل ، وهو مذهب أبي حنيفة .
والثاني : لا تحل ، وهو مذهب مالك والشافعي . وإذا نفى الزوج الولد باللعان لحق بها دونه ، فإن أكذب نفسه لحق به الولد حياً أو ميتاً ، وألحقه أبو حنيفة به في الحياة دون الموت .
قوله تعالى : { وَلَولاَ فَضْلُ اللَّه عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ } في فضل الله ورحمته هنا وجهان :
أحدهما : أن فضل الله الإسلام ورحمته القرآن ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : أن فضل الله منه ، ورحمته نعمته ، قاله السدي .
وفي الكلام محذوف اختلف فيه على قولين :
أحدهما : أن تقديره : لولا فضل الله عليكم ورحمته بإمهاله حتى تتوبوا لهلكتم .
الثاني : تقديره : لولا فضل الله عليكم ورحمته بكم لنال الكاذب منكم عذابٌ عظيم .
{ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ } فيكون المحذوف على القول الأول الجواب وبعض الشرط ، وعلى الثاني الجواب وحده بعد استيفاء الشرط .

(3/158)


إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)

قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ } في الإِفك وجهان
: أحدهما : أنه الإِثم ، قاله أبو عبيدة .
الثاني : أنه الكذب . قال الشاعر :
شهيدٌ على الإِفك غَيْرِ الصَّوابِ ... وما شَاهِدُ الإِفك كَالأَحْنَفِ
{ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ } وهم زعماء الإِفك ، حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وعبد الله بن أبي بن سلول وزيد بن رفاعة وحمنة بنت جحش ، وسبب الإفك أن عائشة رضي الله عنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق سنة ست فضاع عقد لها من جزع أطفار وقد توجهت لحاجتها فعادت في طلبه ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزله فَرُفِعَ هودجها ولم يُشْعَرْ بها أنها ليست فيه لخفتها وعادت فلم تر في المنزل أحداً فأدركها صفوان بن المعطل فحملها على راحلته وألحقها برسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم فيها وفي صفوان من تكلم وقدمت المدينة وانتشر الإِفك وهي لا تعلم به ثم علمت فأخذها من ذلك شيء عظيم إلى أن أنزل الله براءتها بعد سبعة وثلاثين يوماً من قدوم المدينة هذه الآية .
و { لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي لا تحسبواْ ما ذكر من الإِفك شراً لكم بل هو خير لكم لأن الله قد بَرَّاً منه وأبان عليه .
وفي المراد بهذا القول قولان :
أحدهما : أن المقصود به عائشة وصفوان لأنهما قصدا بالإِفك ، قاله يحيى ابن سلام .
الثاني : أن المقصود به النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعائشة رضي الله عنهما ، قاله ابن شجرة .
{ لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ } أي له عقاب ما اكتسب من الإِثم بقدر إِثمه .
{ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ } الآية قرىء بكسر الكاف وضمها ، وفي الفرق بينما وجهان :
أحدهما : أن كبره بالضم معظمه وبالكسر مأثمه .
الثاني : أنه بالضم في النسب وبالكسر في النفس .
وفي متولي كبره قولان :
أحدهما : أنه عبد الله بن أبيّ ، والعذاب العظيم جهنم ، وهذا قول عائشة وعروة بن الزبير وابن المسيب .
الثاني : أنه مسطح بن أثاثة ، والعذاب العظيم ذهاب بصره في الدنيا :
حكاه يحيى بن سلام .

(3/159)


لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)

قوله تعالى : { لَّوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ } هلا إذا سمعتم الإِفك
. { ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً } فيه وجهان
: أحدهما ظن بعضهم ببعض خيراً كما يظنون بأنفسهم .
الثاني : ظنواْ بعائشة عفافاً كظنهم بأنفسهم .
{ إِفْكٌ مُّبِينٌ } أي كذب بيِّن
. قوله تعالى : { لَّوْلاَ جَآءُو عَلَيِهِ } أي هلا جاءُوا عليه لو كانوا صادقين .
{ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءِ } يشهدون بما قالوه
. { فَإِذَا لَمْ يأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ } الآية . .

(3/160)


وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)

قوله تعالى : { وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ } يحتمل وجهين
: أحدهما : أن يكون وعيداً بما له عند الله من العقاب .
الثاني : أريد به تكذيب المؤمنين الذي يصدقون ما أنزل الله من كتاب .
واختلف هل حد النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب الإِفك على قولين :
أحدهما : أنه لم يحدّ أحداً منهم لأن الحدود إنما تقام بإقرار أو بينة ولم يتعبدنا الله أن نقيمها بإخباره عنها كما لم يتعبدنا بقتل المنافقين وإن أخبر بكفرهم .
والقول الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم حد في الإِفك حسان بن ثابت وعبد الله بن أبي ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت حجش وكانوا ممن أفصح بالفاحشة رواه عروة بن الزبير وابن المسيب عن عائشة رضي الله عنها فقال بعض شعراء المسلمين :
لقد ذاق حسان الذي كان أهله ... وحمنةُ إذ قالا هجيراً ومسطح
وابن سلول ذاق في الحدّ خزيه ... كما خاض في إفك من القول يفصح
تعاطوْا برجم الغيب زوج نبيّهم ... وسخطة ذي العرش العظيم فأبرحوا
وآذواْ رسول الله فيها فجللوا ... مخازي تبقى عمموها وفضحواْ
فصبت عليهم محصدات كأنها ... شآبيب قطر من ذرى المزن تسفح
حكى مسروق أن حسان استأذن على عائشة فقلت أتأذنين له فقالت : أو ليس قد أصابه عذاب عظيم . فمن ذهب إلى أنهم حدوا زعم أنها أرادت بالعذاب بالعظيم الحد ، ومن ذهب إلى أنهم لم يحدّوا زعم أنها أرادت بالعذاب العظيم ذهاب بصره ، قاله سفيان . قال حسان بن ثابت يعتذر من الإفك :
حَصَانٌ رزانٌ ما تُزَنّ بِرِيبَةٍ ... وتُصْبِحُ غَرْثَى من لُحُومِ الغَوَافِلِ
فإن كنتُ قد قلتُ الذي بُلِّغْتُم ... فلا رَفَعَتْ سَوْطِي إليَّ أنامِلِي
فكيفَ ووُدِّي ما حَيِيتُ ونُصْرَتِي ... لآلِ رسُولِ اللَّهِ زَينِ المَحَافِلِ
قوله تعالى : { إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ } فيه وجهان
: أحدهما : هو أن تتحدث به وتلقيه بين الناس حتى ينتشر .
الثاني : أن يتلقاه بالقبول إذا حدث به ولا ينكره . وحكى ابن أبي مليكة أنه سمع عائشة تقرأ إذ تلِقونه بكسر اللام مخففة وفي تأويل هذه القراءة وجهان :
أحدهما : ترددونه ، قاله اليزيدي .
الثاني : تسرعون في الكذب وغيره ، ومنه قول الراجز :
. . . . . . . . . . . . . . . ... جَاءَتْ به عنسٌ من الشام تَلِقْ
أي تسرع .

(3/161)


وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)

قوله تعالى : { لاَ تَبَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } فيه أربعة أوجه
: أحدها : خطايا الشيطان ، قاله يحيى بن سلام .
الثاني : آثاره ، قاله ابن شجرة .
الثالث : هو تخطي الشيطان الحلال إلى الحرام والطاعة إلى المعصية ، قاله ابن عيسى .
الرابع : هو النذور في المعاصي ، قاله أبو مجلز .
ويحتمل خامساً : أن تكون خطوات الشيطان الانتقال من معصية إلى أخرى مأخوذ من نقل القدم بالخطو من مكان إلى مكان .

(3/162)


وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)

قوله تعالى : { وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ } وقرىء ولا يتأل وفي اختلاف القراءتين وجهان :
أحدهما : أن معناهما متقارب واحد وفيه وجهان :
أحدهما : أي لا يقتصر مأخوذ من قولهم لا ألوت أي لا قصرت ، قاله ابن بحر .
الثاني : لا يحلف مأخوذ من الألية وهي اليمين .
- والقول الثاني : معناهما مختلف فمعنى يأتل أي يألو أو يقصر ، ومعنى يتأل أي يحلف .
{ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } أي لا يحلفوا ألاّ يبروّا هؤلاء ، وهذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه كان ينفق على مسطح بن أثاثة فلما خاض في الإِفك ونشره حلف أبو بكر ألا يبره وكان ابن خالته فنهاه الله عن يمينه وندبه إلى بره مع إساءته . وهذا معنى لا يألو جهداً فالمنهى عنه فيها التوقف عن بر من أساء وأن نقابله بالتعطف والإِغضاء ، فقال : { ولْيَعْفُواْ ولْيَصْفَحُواْ } وفيها وجهان
: أحدهما : أن العفو عن الأفعال والصفح عن الأقوال .
الثاني : أن العفو ستر الذنب من غير مؤاخذة والصفح الإِغضاء عن المكروه .
{ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُم } أي كما تحبون أن يغفر الله لكم ذنوبكم فاغفروا لمن أساء إليكم ، فلما سمع أبو بكر هذا قال : بلى يا رب وعاد إلى برِّه وكفّر عن يمينه .

(3/163)


الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)

قوله تعالى : { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبيثِينَ } الآية . فيه ثلاثة أقاويل
: أحدها : الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال ، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء ، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال ، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء ، قاله ابن زيد .
الثاني : الخبيثات من الأعمال للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من الأعمال والطيبات من الأعمال للطيبين من الناس ، والطيبون من الناس للطيبات من الأعمال قاله مجاهد وقتادة .
الثالث : الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس ، والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلام ، والطيبات من الكلام للطيبين من الناس ، والطيبون من الناس للطيبات من الكلام قاله ابن عباس والضحاك . وتأول بعض أصحاب الخواطر : الخبيثات الدنيا ، والطيبات الآخرة .
{ أُوْلئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ } فيه ثلاثة أقاويل
: أحدها : أن عائشة وصفوان مبرآن من الإِفك المذكور فيهما ، قاله الفراء .
الثاني : أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مبرآت من الفواحش ، قاله ابن عيسى .
الثالث : أن الطيبين والطيبات مبرؤون من الخبيثين والخبيثات ، قاله ابن شجرة .

(3/164)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29)

قوله تعالى : { لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْر بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأُنِسُواْ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : حتى تستأذنوا . واختلف من قال بهذا التأويل فقال ابن عباس : أخطأ الكاتب فيه فكتب تستأنسوا وكان يقرأ : حتى تستأذنوا . وقال غيره : لأن الاستئذان مؤنس فعبر عنه بالاستئناس ، وليس فيه خطأ من كاتب ولا قارىء .
الثاني : معناه حتى تؤنسوا أهل البيت بالتنحنح فيعلموا بقدومك عليهم ، قاله مجاهد .
الثالث : أن تستأنسوا يعني أن تعلموا فيها أحداً استأذنوه فتسلموا عليه ومنه قوله تعالى : { فإن آنستم منهم رشداً } [ النساء : 6 ] أي علمتم ، قاله ابن قتيبة . وقال ابن الأعرابي الاستئناس الاستثمار ، والإيناس اليقين . والإذن يكون بالقول والإشارة . فإن جاهر فسؤال ، فقد روى قتادة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رَسُولُ الرَّجُلِ إِذْنُهُ فَإِنِ اسْتَأَذَنَ ثَلاَثاً وَلَمْ يُؤْذَنْ لَه ولَّى فلم يُراجِعْ فِي الاسْتِئْذَانِ
» روى الحسن البصري أن [ أبا موسى ] الأشعري استأذن على عمر رضي الله عنه ثلاثاً فلم يؤذن له فرجع فأرسل إليه عمر فقال : ما ردّك؟ فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مَنِ اسْتَأَذَنَ ثلاثاً فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِع » فقال عمر : لتجيئني على بينة أو لأجعلنك نكالاً فأتى طلحة فشهد له قال الحسن : الأولى إذنٌ ، والثانية مؤامرة ، والثالثة : عزمة ، إن شاءواْ أذنوا وإن شاءوا ردوا .
ولا يستأذن وهو مستقبل الباب إن كان مفتوحاً ، وإن أذن لأول القوم فقد أذن لآخرهم ، ولا يقعدوا على الباب بعد الرد فإن للناس حاجات .
{ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أُهْلِهَا } والسلام ندب والاستئذان حتم . وفي السلام قولان :
أحدهما : أنه مسنون بعد الإذن على ما تضمنته الآية من تقديم الإِذن عليه .
الثاني : مسنون قبل الإذن وإن تأخر في التلاوة فهو مقدم في الحكم وتقدير الكلام حتى تسلموا وتستأذنوا لما روى محمد بن سيرين أن رجلاً استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أأدخل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل عنده : « قُمْ فَعَلِّمْ هذَا كَيْفَ يَسْتَأْذِنُ فإِنَّهُ لَمْ يُحْسِنْ » فسمعها الرجل فسلم واستأذن .
وأولى من إطلاق هذين القولين أن ينظر فإن وقعت العين على العين قبل الإِذن فالأولى تقديم السلام ، وإن لم تقع العين على العين قبل الإذن فالأولى تقديم الاستئذان على السلام .
فأما الاستئذان على منازل الأهل فإن كانوا غير ذي محارم لزم الاستئذان عليهم كالأجانب وإن كانوا ذوي محارم وكان المنزل مشتركاً هو فيه وهم ساكنون لزم في دخوله إنذارهم إما بوطءٍ . أو نحنحة مفهمة إلا الزوجة فلا يلزم ذلك في حقها بحال لارتفاع العودة بينهما . وإن لم يكن المنزل مشتركاً ففي الاستئذان عليهم وجهان :
أحدهما : أنها النحنحة والحركة .
الثاني : القول كالأجانب . ورى صفوان عن عطاء بن يسار أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : « أستأذن على أمي » ؟ فقال :

(3/165)


« نعم » فقال إني أخدمها فقال : « استأذن عليها » فعاوده ثلاثاً : فقال : « أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً » قال : لا قال : « فَاسْتَأْذِنْ عَلَيهَا » .
قوله تعالى : { فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً } يعني يأذن لكم
. { فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُم } ولا يجوز التطلع إلى المنزل ليرى من فيه فيستأذنه إذا كان الباب مغلقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ لأَجْلِ البَصَرِ ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَفْتُوحاً فَيَجُوزُ إِذا كَانَ خَارِجاً أَنْ يَنْظُرَ لأَنَّ صَاحِبَهُ بالفتح قَدْ أَبَاحَ النَّظَرَ
» { وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ } وهنا ينظر فإن كان بعد الدخول عن إذن لزم الانصراف وحرم اللبث ، وإن كان قبل الدخول فهو رد الإِذن ومنع من الدخول . ولا يلزمه الانصراف عن موقفه من الطريق إلا أن يكون فناء الباب المانع فيكفي عنه ، قال قتادة : لا تقعد على باب قوم ردوك فإن للناس حاجات .
قوله تعالى : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ } فيها خمسة أقاويل :
أحدها : أنها الخانات المشتركة ذوات البيوت المسكونة ، قاله محمد بن الحنفية رضي الله عنه .
الثاني : أنها حوانيت التجار ، قاله الشعبي .
الثالث : أنها منازل الأسفار ومناخات الرجال التي يرتفق بها مارة الطريق في أسفارهم ، قاله مجاهد .
الرابع : أنها الخرابات العاطلات ، قاله قتادة .
الخامس : أنها بيوت مكة ، ويشبه أن يكون قول مالك .
{ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ } فيه ثلاثة أقاويل
: أحدها : أنها عروض الأموال التي هي متاع التجار ، قاله مجاهد .
الثاني : أنها الخلاء والبول سمي متاعاً لأنه إمتاع لهم ، قاله عطاء .
الثالث : أنه المنافع كلها ، قاله قتادة ، فلا يلزم الاستئذان في هذه المنازل كلها . قال الشعبي : حوانيت التجار إذنهم جاءوا ببيوتهم فجعلوها فيها وقالوا للناس : هَلُمّ .

(3/166)


قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)

قوله تعالى : { قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ } وفي { مِنْ } في هذا الموضع ثلاثة أقوايل
: أحدها : أنها صلة وزائدة وتقدير الكلام : قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم ، قاله السدي .
الثاني : أنها مستعملة في مضمر وتقديره ، يغضوا أبصارهم عما لا يحل من النظر ، وهذا قول قتادة .
الثالث : أنها مستعملة في المظهر ، لأن غض البصر عن الحلال لا يلزم وإنما يلزم غضها عن الحرام فلذلك دخل حرف التبعيض في غض الأبصار فقال : من أبصارهم ، قاله ابن شجرة .
ويحرم من النظر ما قصد ، ولا تحرم النظرة الأولى الواقعة سهواً . روى الحسن البصري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ابنُ آدَمَ لَكَ النَّظْرَةُ الأَولَى وَعَلَيكَ الثَّانِيَة
» . { وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ } فيه قولان
: أحدهما : أنه يعني بحفظ الفرج عفافه ، والعفاف يكون عن الحرام دون المباح ولذلك لم يدخل فيه حرف التبعيض كما دخل غض البصر .
الثاني : قاله أبو العالية الرياحي المراد بحفظ الفروج في هذا الموضع سترها عن الأبصار حتى لا ترى ، وكل موضع في القرآن ذكر فيه الفرج فالمراد به الزنى إلا في هذا الموضع فإن المراد به الستر ، وسميت فروجاً لأنها منافذ الأجواف ومسالك الخارجات .

(3/167)


وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)

قوله تعالى : { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ . . . } والزينة ما أدخلته المرأة على بدنها حتى زانها وحسنها في العيون كالحلي والثياب والكحل والخضاب ، ومنه قوله تعالى : { خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ } قال الشاعر :
يأخذ زينتهن أحسن ما ترى ... وإذا عطلن فهن غير عواطل
والزينة زينتان : ظاهرة وباطنة ، فالظاهرة لا يجب سترها ولا يحرم النظر إليها لقوله تعالى : { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } وفيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها الثياب ، قاله ابن مسعود .
الثاني : الكحل والخاتم ، قاله ابن عباس ، والمسور بن مخرمة .
الثالث : الوجه والكفان ، قاله الحسن ، وابن جبير ، وعطاء .
وأما الباطنة فقال ابن مسعود : القرط والقلادة والدملج والخلخال ، واختلف في السوار فروي عن عائشة أنه من الزينة الظاهرة ، وقال غيرها هو من الباطنة ، وهو أشبه لتجاوزه الكفين ، فأما الخضاب فإن كان في الكفين فهو من الزينة الظاهرة ، وإن كان في القدمين فهو من الباطنة ، وهذا الزينة الباطنة يجب سترها عن الأجانب ويحرم عليها تعمد النظر إليها فأما ذوو المحارم فالزوج منهم يجوز له النظر والالتذاذ ، وغيره من الآباء والأبناء والإخوة يجوز لهم النظر ويحرم عليهم الالتذاذ .
روى الحسن والحسين رضي الله عنهما [ أنهما ] كانا يدخلان على أختهما أم كلثوم وهي تمتشط .
وتأول بعض أصحاب الخواطر هذه الزينة بتأويلين :
أحدهما : أنها الدنيا فلا يتظاهر بما أوتي منها ولا يتفاخر إلا بما ظهر منها ولم ينستر .
الثاني : أنها الطاعة لا يتظاهر بها رياءً إلا ما ظهر منها ولم ينكتم ، وهما بعيدان .
{ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهنَّ } الخمر المقانع أمِرن بإلقائها على صدورهن تغطية لنحورهن فقد كن يلقينها على ظهورهن بادية نحورهن ، وقيل : كانت قمصهن مفروجة الجيوب كالدرعة يبدو منها صدروهن فأمرن بإلقاء الخمر لسترها . وكني عن الصدور بالجيوب لأنها ملبوسة عليها .
ثم قال : { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ } يعني الزينة الباطنة إبداؤها للزوج استدعاء لميله وتحريكاً لشهوته ولذلك لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم السلتاء والمرهاء فالسلتاء التي لا تختضب ، والمرهاء التي لا تكتحل تفعل ذلك لانصراف شهوة الزوج عنها فأمرها بذلك استدعاء لشهوته ، ولعن صلى الله عليه وسلم المفشلة والمسوفة ، المسوفة التي إذا دعاها للمباشرة قالت سوف أفعل ، والمفشلة التي إذا دعاها قالت إنها حائض وهي غير حائض ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لُعِنَتِ الغَائِصَةُ وَالمُغَوِّصَةُ » فالغائصة التي لا تعلم زوجها بحيضها حتى يصيبها ، والمغوصة التي تدعى أنها حائض ليمتنع زوجها من إصابتها وليست بحائض .
واختلف أصحابنا في تعمد كل واحد من الزوجين النظر إلى فرج صاحبه تلذذاً به على وجهين :
أحدهما : يجوز كما يجوز الاستمتاع به لقوله تعالى : { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } [ البقرة : 187 ] .
الثاني : لا يجوز لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :

(3/168)


« لَعَنَ اللَّهُ النَّاظِرَ وَالمَنْظُورَ إِلَيهِ
» . فأما ما سوى الفرجين منهما فيجوز لكل واحدٍ منهما أن يتعمد النظر إليه من صاحبه وكذلك الأمة مع سيدها .
{ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ } إلى قوله : { أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ } وهؤلاء كلهم ذوو محارم بما ذكر من الأسباب والأنساب يجوز أبداً نظر الزينة الباطنة لهم من غير استدعاء لشهوتهم ، ويجوز تعمد النظر من غير تلذذ .
والذي يلزم الحرة أن تستر من بدنها مع ذوي محارمها ما بين سرتها وركبتها ، وكذلك يلزم مع النساء كلهن أو يستتر بعضهن من بعض ما بين السرة والركبة وهو معنى قوله :
{ أو نِسَآئِهِنَّ } وفيهن وجهان
: أحدهما : أنهن المسلمات لا يجوز لمسلمة أن تكشف جسدها عند كافرة ، قاله الكلبي .
والثاني : أنه عام في جميع النساء .
ثم قاله تعالى : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } يعني عبيدهن ، فلا يحل للحرة عبدها ، وإن حل للرجل أمته ، لأن البضع إنما يستحقه مالكه ، وبضع الحرة لا يكون ملكاً لعبدها ، وبضع الأمة ملك لسيدها .
واختلف أصحابنا في تحريم ما بطن من زينة الحرة على عبدها ، على ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها تحل ولا تحرم ، وتكون عورتها معه كعورتها مع ذوي محرمها ، ما بين السرة والركبة لتحريمه عليها ولاستثناء الله تعالى له مع استثنائه من ذوي محرمها وهو مروي عن عائشة وأم سلمة .
والثاني : أنها تحرم ولا تحل وتكون عورتها معه كعورتها مع الرجال والأجانب وهو ما عدا الزينة الظاهرة من جميع البدن إلا الوجه والكفين ، وتأول قائل هذا الوجه قوله تعالى : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } على الإِماء دون العبيد ، وتأوله كذلك سعيد بن المسيب ، وعطاء ، ومجاهد .
والثالث : أنه يجوز أن ينظر إليها فضلاء ، كما تكون المرأة في ثياب بيتها بارزة الذراعين والساقين والعنق اعتباراً بالعرف والعادة ، ورفعاً لما سبق ، وهو قول عبد الله بن عباس ، وأما غير عبدها فكالحر معها ، وإن كان عبداً لزوجها وأمها .
ثم قال تعالى : { أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَة مِنَ الرِّجَالِ } فيه ثمانية أوجه :
أحدها : أنه الصغير لأنه لا إرب له في النساء لصغره ، وهذا قول ابن زيد .
والثاني : أنه العنين لأنه لا إرب له في النساء لعجزه ، وهذا قول عكرمة ، والشبعي .
والثالث : أنه الأبله المعتوه لأنه لا إرب له في النساء لجهالته ، وهذا قول سعيد بن جبير ، وعطاء .
والرابع : أنه المجبوب لفقد إربه ، وهذا قول مأثور .
والخامس : أنه الشيخ الهرم لذهاب إربه ، وهذا قول يزيد بن حبيب .
والسادس : أنه الأحمق الذي لا تشتهيه المرأة ولا يغار عليه الرجل ، وهذا قول قتادة .
والسابع : أنه المستطعم الذي لا يهمه إلا بطنه ، وهذا قول مجاهد .
والثامن : أنه تابع القوم يخدمهم بطعام بطنه ، فهو مصروف لا لشهوة ، وهو قول الحسن .
وفيما أخذت منه الإربة قولان :
أحدها : أنها مأخوذة من العقل من قولهم رجل أريب إذا كان عاقلاً .

(3/169)


والثاني : أنها مأخوذة من الأرب وهو الحاجة ، قاله قطرب .
ثم أقول : إن الصغير والكبير والمجبوب من هذه التأويلات المذكورة في وجوب ستر الزينة الباطنة منهم ، وإباحة ما ظهر منها معهم كغيرهم ، فأما الصغير فإن لم يظهر على عورات النساء ولم يميز من أحوالهن شيئاً فلا عورة للمرأة معه .
[ فإِن كان مميزاً غير بالغ ] لزم أن تستر المرأة منه ما بين سرتها وركبتها وفي لزوم ستر ما عداه وجهان :
أحدهما : لا يلزم لأن القلم غير جار عليه والتكليف له غير لازم .
والثاني : يلزم كالرجل لأنه قد يشتهي ويشتهى .
وفي معنى قوله تعالى : { أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } ثلاثة أوجه :
الأول : لعدم شهوتهم .
والثاني : لم يعرفوا عورات النساء لعدم تمييزهم .
والثالث : لم يطيقوا جماع النساء .
وأما الشيخ فإن بقيت فيه شهوة فهو كالشباب ، فإن فقدها ففيه وجهان :
أحدهما : أن الزينة الباطنة معه مباحة والعورة معه ما بين السرة والركبة .
والثاني : أنها معه محرمة وجميع البدن معه عورة إلا الزينة الظاهرة ، استدامة لحاله المتقدمة .
وأما المجبوب والخصي ففيهما لأصحابنا ثلاثة أوجه :
أحدها : استباحة الزينة الباطنة معهما .
والثاني : تحريمها عليهما .
والثالث : إباحتها للمجبوب وتحريمها على الخصي .
والعورة إنما سميت بذلك لقبح ظهورها وغض البصر عنها ، مأخوذ من عور العين .
ثم قال تعالى : { وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ } قال قتادة : كانت المرأة إذا مشت تضرب برجلها ليسمع قعقعة خلخالها ، فنهين عن ذلك .
ويحتمل فعلهن ذلك أمرين : فإما أن يفعلن ذلك فرحاً بزينتهن ومرحاً وإما تعرضاً للرجال وتبرجاً ، فإن كان الثاني فالمنع منه حتم ، وإن كان الأول فالمنع منه ندب .

(3/170)