صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : النكت والعيون
المؤلف : أبوالحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79)

قوله تعالى : { لاَ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى } قال ابن جريج : قال أصحاب . موسى له : هذا فرعون قد أدركنا ، وهذا البحر وقد غشينا ، فأنزل الله هذه الآية . أي لا تخاف دركاً من فرعون ولا تخشى من البحر غرقاً إن غشيك .

(3/55)


يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82)

قوله تعالى : { وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ } وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لا تكفروا به .
الثاني : لا تدّخرواْ منه لأكثر من يوم وليلة ، قال ابن عباس : فدُوّد عليهم ما ادخروه ، ولولا ذلك ما دَوّد طعام أبداً .
الثالث : لا تستعينوا برزقي على معصيتي .
{ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي } قرىء بضم الحاء وبكسرها ومعناه بالضم ينزل ، وبالكسر يجب .
{ فَقَدْ هَوَى } فيه وجهان :
أحدهما : فقد هوى في النار .
الثاني : فقد هلك في الدنيا .
قوله عز وجل : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً } أي غفار لمن تاب من الشرك { وآمن } يعني بالله ورسوله و { عمل صالحاً } يريد العمل بأوامره والوقوف عند نواهيه .
{ ثُمَّ اهْتَدَى } فيه ستة تأويلات :
أحدها : ثم لم يشك في إيمانه ، قاله ابن عباس .
الثاني : لزم الإِيمان حتى يموت ، قاله قتادة .
الثالث : ثم أخذ بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، قاله الربيع بن أنس .
الرابع : ثم أصاب العمل ، قاله ابن زيد .
الخامس : ثم عرف جزاء عمله من خير بثواب ، أو شر بعقاب ، قاله الكلبي .
السادس : ثم اهتدى في ولاية أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله ثابت .

(3/56)


وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89)

قوله تعالى : { غَضْبَانَ أَسِفاً } فيه خمسة أوجه :
أحدها : أن الأسف أشد الغضب .
الثاني : الحزين ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، والسدي .
الثالث : أنه الجزع ، قاله مجاهد .
الرابع : أنه المتندم .
الخامس : أنه المتحسِّر .
قوله تعالى : { أَلَمْ يَعِدُكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حسناً } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه وعدكم النصر والظفر .
الثاني : أنه قوله : { وِإِنِّي لَغَفَّارٌ } الآية .
الثالث : التوراة فيها هدى ونور ليعملواْ بما فيها فيستحقواْ ثواب عملهم .
الرابع : أنه ما وعدهم به في الآخرة على التمسك بدينه في الدنيا ، قاله الحسن .
وفي قوله تعالى : { فَأَخَلَفْتُم مَّوْعِدِي } وجهان :
أحدهما : أنه وعدهم على أثره للميقات فتوقفوا .
{ قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : بطاقتنا ، قاله قتادة والسدي .
الثاني : لم نملك أنفسنا عند ذلك للبلية التي وقعت بنا ، قاله ابن زيد .
الثالث : لم يملك المؤمنون منع السفهاء من ذلك والموعد الذي أخلفوه أن وعدهم أربعين فعدّوا الأربعين عشرين يوماً ليلة وظنوا أنهم قد استكملوا الميعاد ، وأسعدهم السامري أنهم قد استكملوه .
{ وَلْكِنَّا حُمِّلْنآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ } أي حملنا من حلي آل فرعون ، لأن موسى أمرهم أن يستعيروا من حليهم ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والسدي . وقيل : جعِلت حملاً .
والأوزار : الأثقال ، فاحتمل ذلك على وجهين :
أحدهما : أن يراد بها أثقال الذنوب لأنهم قد كان عندهم غلول .
الثاني : أن يراد أثقال الحمل لأنه أثقلهم وأثقل أرجلهم .
قوله تعالى : { فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ } الآية . قال قتادة . أن السامري قال لهم حين استبطأ القومُ موسى : إنما احتبس عليكم من أجل ما عندكم من الحلي ، فجمعوه ورفعوه للسامري ، فصاغ منه عجلاً ، ثم ألقى عليه قبضة قبضها من أثر الرسول وهو جبريل ، وقال معمر : الفرس الذي كان عليه جبريل هو الحياة فلما ألقى القبضة عيه صار عجلاً جَسَداً له خوار .
والخوار صوت الثور ، وفيه قولان :
أحدهما : أنه صوت حياة خلقه ، لأن العجل المُصَاغُ انقلب بالقبضة التي من أثر الرسول فصار حيواناً حياً ، قاله الحسن ، وقتادة ، والسدي ، وقال ابن عباس : خار العجل خورة واحدة لم يتبعها مثلها .
الثاني : أن خواره وصوته كان بالريح ، لأنه عمل فيه خروقاً فإذا دخلت الريح فيه خار ولم يكن فيه حياة ، قاله مجاهد .
{ فقالوا هذا إلهكم وإله موسى } يعني أن السامري قال لقوم موسى بعد فراغه من العجل : هذا إلهكم وإله موسى ، يعني ليسرعوا إلى عبادته .
{ فَنَسِيَ } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : فنسي السامري إسلامه وإيمانه ، قاله ابن عباس .
الثاني : فنسي السامري قال لهم : قد نسي موسى إلهه عندكم ، قاله قتادة ، والضحاك .
الثالث : فنسي أن قومه لا يصدقونه في عبادة عجل لا يضر ولا ينفع ، قاله ابن بحر .
الرابع : أن موسى نسي أن قومه قد عبدوه العجل بعده ، قاله مجاهد .
{ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً } يعني أفلا يرى بنو إسرائيل أن العجل الذي عبدوه لا يرد عليهم جواباً .
{ وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } ؟ فكيف يكون إِلهاً .
قال مقاتل : لما مضى من موعد موسى خمسة وثلاثون يوماً أمر السامري بني إسرائيل أن يجمعواْ ما استعاروه من حلي آل فرعون ، وصاغه عجلاً في السادس والثلاثين والسابع والثامن ودعاهم إلى عبادة العجل في التاسع فأجابوه ، وجاءهم موسى بعد استكمال الأربعين .

(3/57)


وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)

قوله تعالى : { قَالَ يَا هارُونَ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ } يعني بعبادة العجل .
{ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ } فيه وجهان :
أحدهما : ألا تتبعني في الخروج ولا تقم مع من ضل .
الثاني : ألا تتبع عادتي في منعهم والإِنكار عليهم ، قاله مقاتل .
{ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي } وقال موسى لأخيه هارون : أخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين فلمّا أقام معهم ولم يبالغ في منعهم والإِنكار عليهم نسبه إلى العصيان ومخالفة أمره .
{ قَالَ يَا بْنَ أُمَّ } فيه قولان :
أحدهما : لأنه كان أخاه لأبيه وأمه .
الثاني : أنه كان أخاه لأبيه دون أمه ، وإنما قال يا ابن أم ترفيقاً له واستعطافاً .
{ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي } فيه قولان :
أحدهما : أنه أخذ شعره بيمينه ، ولحيته بيسراه ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه أخذ بأذنه ولحيته ، فعبر عن الأذن بالرأس ، وهو قول من جعل الأذن من الرأس .
واختلف في سبب أخذه بلحيته ورأسه على ثلاثة أقوال :
أحدها : ليسر إليه نزول الألواح عليه ، لأنها نزلت عليه في هذه المناجاة . وأراد أن يخفيها عن بني إسرائيل قبل التوبة ، فقال له هارون : لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ليشتبه سراره على بني إسرائيل .
الثاني : فعل ذلك لأنه وقع في نفسه أن هارون مائل إلى بني إسرئيل فيما فعلوه من أمر العجل ، ومثل هذا لا يجوز على الأنبياء .
الثالث : وهو الأشبه - أنه فعل ذلك لإِمساكه عن الإِنكار على بني إسرئيل الذين عبدوا العجل ومقامه بينهم على معاصيهم .
{ إِنِّي خَشيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرآئِيلَ } وهذا جواب هارون عن قوله : { أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي } وفيه وجهان :
أحدهما : فرقت بينهم بما وقع من اختلاف معتقدهم .
الثاني : [ فرقت ] بينهم بقتال مَنْ عَبَدَ العجل منهم .
وقيل : إنهم عبدوه جميعاً إلا اثني عشر ألفاً بقوا مع هارون لم يعبدوه .
{ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي } فيه وجهان :
أحدهما : لم تعمل بوصيتي ، قاله مقاتل .
الثاني : لم تنتظر عهدي ، قاله أبو عبيدة .

(3/58)


قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98) كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (101)

قوله عز وجل : { قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ } الخطب ما يحدث من الأمور الجليلة التي يخاطب عليها ، قال الشاعر :
آذنت جارتي بوشك رحيل ... بكرا جاهرت بخطب جليل
وفي السامري قولان :
أحدهما أنه كان رجلاً من أهل كرمان ، تبع موسى من بني إسرائيل ، قاله الطبري ، وكان اسمه موسى بن ظفر .
أحدهما : أنه كان رجلاً من أهل كرمان ، تبع موسى من بني إسرئيل ، قاله الطبري ، وكان اسمه موسى بن ظفر . وفي تسميته بالسامري قولان :
أحدهما : أنه كان من قبيلة يقال لها سامرة ، قاله قتادة .
الثاني : لأنه كان من قرية تسمى سامرة .
{ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ } فيه وجهان :
أحدهما : نظرت ما لم ينظروه ، قاله أبو عبيدة .
الثاني : بما لم يفطنواْ له ، قاله مقاتل .
وفي بصرت وأبصرت وجهان :
أحدهما : أنَّ معناهما واحد .
الثاني : أن معناها مختلف ، بأبصرت بمعنى نظرت ، وبَصُرت بمعنى فطنت .
{ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً } قرأه الجماعة بالضاد المعجمة ، وقرأ الحسن بصاد غير معجمة ، والفرق بينهما أن القبضة بالضاد المعجمة ، بجميع الكف ، وبصاد غير معجمة : بأطراف الأصابع { مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ } فيه قولان :
أحدهما : أن الرسول جبريل .
وفي معرفته قولان :
أحدهما : لأنه رآه يوم فلق البحر فعرفه .
الثاني : أن حين ولدته أمه [ جعلته في غار ] - حذراً عليه من فرعون حين كان يقتل بني إسرائيل وكان جبريل يغذوه صغيراً لأجل البلوى ، فعرفه حين كبر ، فأخذ قبضة تراب من حافر فرسه وشدها في ثوبه { فَنَبَذْتُهَا } يعني فألقيتها ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه ألقاها فيما سبكه من الحلي بصياغة العجل حتى خار بعد صياغته .
الثاني : أنه ألقاها في جوف العجل بعد صياغته حتى ظهر خواره ، فهذا تفسيره على قول من جعل الرسول جبريل .
والقول الثاني : أن الرسول موسى ، وأن أثره شريعته التي شرعها وسنته التي سنها ، وأن قوله : { فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَأ } أي طرحت شريعة موسى ونبذت سنته ، ثم اتخذت العجل جسداً له خوار .
{ وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي } فيه وجهان :
أحدهما : حدثتني نفسي . قاله ابن زيد .
الثاني : زينت لي نفسي ، قاله الأخفش .
قوله عز وجل : { قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ } فيه قولان :
أحدهما : أن قوله : { فَاذْهَبْ } وعيد من موسى ، ولذا [ فإن ] السامري خاف فهرب فجعل يهيم في البرية مع الوحوش والسباع ، لا يجد أحداً من الناس يمسه ، حتى صار كالقائل لا مساس ، لبعده عن الناس وبعد الناس منه . قالت الشاعرة :
حمال رايات بها قنعاسا ... حتى يقول الأزد لا مساسا
القول الثاني : أن هذا القول من موسى [ كان ] تحريماً للسامري ، وأن موسى أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه ولا يخالطوه ، فكان لا يَمَسُّ وَلاَ يُمَسُّ ، قال الشاعر :
تميم كرهط السامري وقوله ... ألا لا يريد السامري مساسا
أي لا يُخَالِطُونَ وَلاَ يُخَالَطُون .
{ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ } يحتمل وجهين :
أحدهما : في الإِمهال لن يقدم .
الثاني : في العذاب لن يؤخر .
قوله عز وجل : { وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً } فيه وجهان :
أحدهما : أحاط بكل شيء حتى لم يخرج شيء من علمه .
الثاني : وسع كل شيء علماً حتى لم يخل شيء عن علمه به .

(3/59)


يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (104)

قوله عز وجل : { وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئَذٍ زُرْقاً } فيه ستة أقاويل :
أحدها : عُمياً ، قاله الفراء .
الثاني : عطاشاً قد أزرقت عيونهم من شدة العطش ، قاله الأزهري .
الثالث : تشويه خَلْقِهم بزرقة عيونهم وسواد وجوههم .
الرابع : أنه الطمع الكاذب إذ تعقبته الخيبة ، وهو نوع من العذاب .
الخامس : أن المراد بالزرقة شخوص البصر من شدة الخوف ، قال الشاعر :
لقد زرقت عيناك يا بن مكعبر ... كما كل ضبي مِن اللؤم أزرق
قوله عز وجل : { يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ } أي يتسارُّون بينهم ، من قوله تعالى : { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } [ الإسراء : 110 ] أي لا تُسرّ بها .
{ إن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً } العشر على طريق التقليل دون التحديد وفيه وجهان :
أحدهما : إن لبثتم في الدنيا إلا عشراً ، لما شاهدوا من سرعة القيامة ، قاله الحسن .
الثاني : إن لبثتم في قبوركم إلاّ عشراً لما ساواه من سرعة الجزاء .
قوله تعالى : { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : نحن أعلم بما يقولونه مما يتخافتون به بينهم .
الثاني : نحن أعلم بما يجري بينهم من القول في مدد ما لبثوا .
{ إذ يقول أمثلهم طريقةً } فيه وجهان :
أحدهما : أوفرهم عقلاً .
الثاني : أكبرهم سداداً .
{ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً } لأنه كان عنده أقصر زماناً وأقل لبثاً ، ثم فيه وجهان :
أحدهما : لبثهم في الدنيا .
الثاني : لبثهم في القبور .

(3/60)


وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108)

قوله عز وجل { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً } فيه قولان :
أحدهما : أنه يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها كما يذري الطعام .
الثاني : تصير كالهباء .
{ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً } في القاع ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه الموضع المستوي الذي لا نبات فيه ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وابن زيد .
الثاني : الأرض الملساء .
الثالث : مستنقع الماء ، قاله الفراء .
وفي الصفصف وجهان : أحدهما : أنه ما لا نبات فيه ، قاله الكلبي .
الثاني : أنه المكان المستوي ، كأنه قال على صف واحد في استوائه ، قاله مجاهد .
{ لاَّ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلآَ أَمْتاً } فيه خمسة أقاويل :
أحدها : عوجاً يعني وادياً ، ولا أمتاً يعني ربابية ، قاله ابن عباس .
الثاني : عوجاً يعني صدعاً ، ولا أمتاً يعني أكمة ، قاله الحسن .
الثالث : عوجاً يعني ميلاً . ولا أمتاً يعني أثراً ، وهو مروي عن ابن عباس .
الرابع : الأمت الجذب والانثناء ، ومنه قول الشاعر :
ما في انطلاق سيره من أمت ... قاله قتادة .
الخامس : الأمت أن يغلظ مكان في الفضاء أو الجبل ، ويدق في مكان ، حكاه الصولي ، فيكون الأمت من الصعود والارتفاع .
قوله تعالى : { وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمنِ } قال ابن عباس : أي خضعت بالسكون ، قال الشاعر :
لما آتى خبر الزبير تصدعت ... سور المدينة والجبال الخشع
{ إلاَّ هَمْساً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه الصوت الخفي ، قاله مجاهد .
الثاني : تحريك الشفة واللسان ، وقرأ أُبيّ : فلا ينطقون إلا همساً .
الثالث : نقل الأقدام ، قال ابن زيد ، قال الراجز :
وهن يمشين بنا هَمِيسا ... يعني أصوات أخفاف الإِبل في سيرها .

(3/61)


يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112)

قوله عز وجل : { وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ } فيه خسمة أوجه :
أحدها : أي ذلت ، قاله ابن عباس .
الثاني : خشعت ، قاله مجاهد ، والفرق بين الذل والخشوع- وإن تقارب معناهما- هو أنّ الذل أن يكون ذليل النفس ، والخشوع : أن يتذلل لذي طاعة . قال أمية بن الصلت :
وعنا له وجهي وخلقي كله ... في الساجدين لوجهه مشكورا
الثالث : عملت ، قاله الكلبي .
الرابع : استسلمت ، قاله عطية العوفي .
الخامس : أنه وضع الجبهة والأنف على الأرض في السجود ، قاله طلق بن حبيب .
{ الْقَيُّومِ } فيها ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنه القائم على كل نفس بما كسبت ، قاله الحسن .
الثاني : القائم بتدبير الخلق .
الثالث : الدائم الذي لا يزول ولا يبيد .
{ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً } يعني شركاً .
قوله تعالى : { فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً } فيه وجهان :
أحدهما : فلا يخاف الظلم بالزيادة في سيئاته ، ولا هضماً بالنقصان من حسناته ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وقتادة .
الثاني : لا يخاف ظلماً بأن لا يجزى بعمله ، ولا هضماً بالانتقاص من حقه ، قاله ابن زيد ، والفرق بين الظلم والهضم أن الظلم المنع من الحق كله ، [ والهضم ] المنع من بعضه ، والهضم ظلم وإن افترقا من وجه ، قال المتوكل الليثي :
إن الأذلة واللئام لمعشر ... مولاهم المتهضم المظلوم

(3/62)


وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)

قوله تعالى : { أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : حذراً ، قاله قتادة .
الثاني : شرفاً لإِيمانهم ، قاله الضحاك .
الثالث : ذِكراً يعتبرون به .
قوله تعالى : { . . . . وَلاَ تَعْجَل بِالْقُرءَانِ } الآية . فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : لا تسأل إنزاله قبل أن يقضى ، أي يأتيك وحيه .
الثاني : لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله ، قاله عطية .
الثالث : لا تعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبريل من إبلاغه ، لأنه كان يعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبريل من إبلاغه خوف نسيانه ، قاله الكلبي .
{ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً } يحتمل أربعة أوجه :
أحدها : زدني أدباً في دينك ، لأن ما يحتاج إليه من علم دينه لنفسه أو لأمته لا يجوز أن يؤخره الله عنده حتى يلتمسه منه .
الثاني : زدني صبراً على طاعتك وجهاد أعدائك ، لأن الصبر يسهل بوجود العلم .
الثالث : زدني علماً بقصص أنبيائك ومنازل أوليائك .
الرابع : زدني علماً بحال أمتي وما تكون عليه من بعدي .
ووجدت للكلبي جواباً .
الخامس : معناه : { وَقُل رَّبِّ زَدِنِي عِلْماً } لأنه كلما ازداد من نزول القرآن عليه ازداد علماً به .

(3/63)


وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)

قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَهِدْنآ إِلَى ءَادَمَ . . . } فيه تأويلان :
أحدهما : يعني فترك أمر ربه ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه نسي من النسيان والسهو ، قال ابن عباس : إنما أخذ الإِنسان من أنه عهد إليه فنسي .
{ . . . وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : صبراً ، قاله قتادة .
الثاني : حفظاً قاله عطية .
الثالث : ثباتاً . قال ابن أمامة : لو قرنت أعمال بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه على حلمهم ، وقد قال الله : { وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } .
الرابع : عزماً في العودة إلى الذنب ثانياً .
قوله عز وجل : { فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى } يعني أنت وزوجك لأنهما في استواء العلة واحد . ولم يقل : فتشقيا لأمرين :
أحدهما : لأنه المخاطب دونها .
الثاني : لأنه الكادّ والكاسب لها ، فكان بالشقاء أخص .

(3/64)


قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)

قوله تعالى : { فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ } وعمل بما فيه { فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى } لا يضل في الدنيا ولا يشقى .
قال ابن عباس : ضمن الله لمن يقرأ القرآن ويعمل بما فيه ألاّ يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة .
{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : كسباً حراماً ، قاله عكرمة .
الثاني : أن يكون عيشه منغَّصاً بأن ينفق من لا يوقن بالخلف ، قاله ابن عباس .
الثالث : أنه عذاب القبر ، قاله ابو سعيد الخدري وابن مسعود وقد رفعه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
الرابع : أنه الطعام الضريع والزقوم في جهنم ، قاله الحسن ، وقتادة ، وابن زيد . والضنك في كلامهم الضيق قال ، عنترة :
إن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
ويحتمل خامساً : أن يكسب دون كفايته .
{ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أعمى في حال ، وبصير في حال .
الثاني : أعمى عن الحجة ، قاله مجاهد .
الثالث : أعمى عن وجهات الخير لا يهتدي لشيء منها .

(3/65)


وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (128) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)

قوله عز وجل : { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ } فيه وجهان :
أحدهما : بأن جعل الجزاء يوم القيامة ، قاله ابن قتيبة .
الثاني : بتأخيرهم إلى يوم بدر . { لَكَاَن لِزَاماً } فيه وجهان :
أحدهما : لكان عذاباً لازماً .
الثاني : لكان قضاء ، قاله الأخفش .
{ وَأَجَلٌ مُسَمّىً } فيه وجهان :
أحدهما : يوم بدر .
والثاني : يوم القيامة ، قاله قتادة . وقال في الكلام تقديم وتأخير ، وتقديره : ولولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاماً .
قوله تعالى : { فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ } يعني من الإِيذاء والافتراء .
{ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } قبل طلوع الشمس صلاة الفجر ، وقبل غروبها صلاة العصر .
{ وَمِنْ ءَانآءِ اللَّيْلِ . . . } ساعاته ، وأحدها إنىً ، وفيه وجهان :
أحدهما : هي صلاة الليل كله ، قاله ابن عباس .
الثاني : هي صلاة المغرب والعشاء والآخرة .
{ . . . أَطْرَافِ النَّهَارِ } فيه وجهان :
أحدهما : صلاة الفجر لأنها آخر النصف الأول ، وأول النصف الثاني : قاله قتادة .
الثاني : أنها صلاة التطوع ، قاله الحسن .
{ لَعَلّكَ تَرْضَى } أي تعطى ، وقرأ عاصم والكسائي { تُرضى } بضم التاء يعني لعل الله يرضيك بكرامته ، وقيل بالشفاعة .

(3/66)


وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)

قوله عز وجل : { وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ . . . } فيه وجهان :
أحدهما : أنه أراد بمد العين النظر .
الثاني : أراد به الأسف .
{ أَزْوَاجاً } أي أشكالاً ، مأخوذ من المزاوجة .
{ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } قال قتادة : زينة الحياة الدنيا .
{ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } يعني فيما متعاناهم به من هذه الزهرة ، وفيه وجهان :
أحدهما : لنفتنهم أي لنعذبهم به ، قاله ابن بحر .
الثاني : لنميلهم عن مصالحهم وهو محتمل .
{ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى } فيه وجهان :
أحدهما : أنه القناعة بما يملكه والزهد فيما لا يملكه .
الثاني : وثواب ربك في الآخرة خير وأبقى مما متعنا به هؤلاء في الدنيا .
ويحتمل ثالثاً : أن يكون الحلال المُبْقِي خيراً من الكثير المُطْغِي .
وسبب نزولها ما رواه أبو رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم استلف من يهودي طعاماً فأبى أن يسلفه إلا برهن ، فحزن وقال : « إني لأمين في السماء وأمين في الأرض ، أحمل درعي إليه » فنزلت هذه الآية .
وروى أنه لما نزلت هذه الآية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديه فنادى : من لم يتأدب بأدب الله تعالى تقطعت نفسه على الدنيا حسرات .
قوله عز وجل : { وَأْمُرْ أَهْلََكَ بِالصَّلاَةِ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه أراد أهله المناسبين له .
والثاني : أنه أراد جميع من اتبعه وآمن به ، لأنهم يحلون بالطاعة له محل أهله .
{ وَاصْطَبِرْ عَلَيهَا } أي اصبر على فعلها وعلى أمرهم بها .
{ وَلاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ } هذا وإن كان خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم فالمراد به جميع الخلق أنه تعالى يرزقهم ولا يسترزقهم ، وينفعهم ولا ينتفع بهم ، فكان ذلك أبلغ في الامتنان عليهم .
{ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } أي وحسن العاقبة لأهل التقوى .

(3/67)


وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135)

{ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ } أي منتظر ، ويحتمل وجهين :
أحدهما : منتظر النصر على صاحبه .
الثاني : ظهور الحق في عمله .
{ فَتَرَبَّصُواْ } وهذا تهديد .
{ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى } يحتمل وجهين :
أحدهما : فستعلمون بالنصر من أهدى إلى دين الحق .
الثاني : فستعلمون يوم القيامة من أهدى إلى طريق الجنة ، والله أعلم . .

(3/68)


اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6)

قوله عز وجل : { اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ } أي اقترب منهم ، وفيه قولان :
أحدهما : قرب وقت عذابهم ، يعني أهل مكة ، لأنهم استبطؤواْ ما وُعِدواْ به من العذاب تكذيباً ، فكان قتلهم يوم بدر ، قاله الضحاك .
الثاني : قرب وقت حسابهم وهو قيام الساعة .
وفي قربه وجهان :
أحدهما : لا بُد آت ، وكل آت قريب .
الثاني : لأن الزمان لكثرة ما مضى وقلة ما بقي قريب .
{ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : في غفلة بالدنيا معرضون عن الآخرة .
الثاني : في غفلة بالضلال ، معرضون عن الهدى .
قوله تعالى : { مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ } التنزيل مبتدأ التلاوة لنزوله سورة بعد سورة . وآية بعد آية ، كما كان ينزله الله عليه في وقت بعد وقت .
{ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ } أي استمعوا تنزيله فتركوا قبوله .
{ وَهُمْ يَلْعَبُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : أي يلهون .
الثاني : يشتغلون . فإن حمل تأويله على اللهو احتمل ما يلهون به وجهين : أحدهما : بلذاتهم .
الثاني : بسماع ما يتلى عليهم .
وإن حمل تأويله على الشغل احتمل ما يشتغلون به وجهين : أحدهما : بالدنيا ، لأنها لعب كما قال تعالى : { إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } [ الحديد : 20 ] .
الثاني : يتشاغلون بالقَدْحِ فيه والاعتراض عليه .
قال الحسن : كلما جدد لهم الذكر استمروا على الجهل .
قوله عز وجل : { لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : يعني غافله باللهو عن الذكر ، قاله قتادة .
الثاني : مشغلة بالباطل عن الحق ، قاله ابن شجرة ، ومنه قول امرىء القيس :
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محوِلِ
أي شغلتها عن ولدها .
ولبعض أصحاب الخواطر وجه ثالث : أنها غافلة عما يراد بها ومنها .
{ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ } فيه وجهان :
أحدهما : ذكره ابن كامل أنهم أخفوا كلامهم الذي يتناجون به ، قاله الكلبي .
الثاني : يعني أنهم أظهروه وأعلنوه ، وأسروا من الأضداد المستعملة وإن كان الأظهر في حقيقتها أن تستعمل في الإِخفاء دون الإِظهار إلا بدليل .
{ هَلْ هَذَآ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } إنكاراً منهم لتميزه عنهم بالنبوة .
{ أَفَتأتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } ويحتمل وجهين :
أحدهما : أفتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر .
الثاني : أفتعدلون إلى الباطل وأنتم تعرفون الحق .
قوله تعالى : { بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أهاويل أحلام رآها في المنام ، قاله مجاهد .
الثاني : تخاليط أحلام رآها في المنام ، قاله قتادة ، ومنه قول الشاعر :
كضعث حلمٍ غُرَّ منه حالمه . ... الثالث : أنه ما لم يكن له تأويل ، قاله اليزيدي .
وفي الأحلام تأويلان :
أحدهما : ما لم يكن له تأويل ولا تفسير ، قاله الأخفش .
الثاني : إنها الرؤيا الكاذبة ، قاله ابن قتيبة ، ومنه قول الشاعر :
أحاديث طسم أو سراب بفدفَدٍ ... ترقوق للساري وأضغاث حالم

(3/69)


وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9)

قوله عز وجل : { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ } الآية . فيهم ثلاثة أوجه :
أحدها : أهل التوراة والإِنجيل ، قاله الحسن ، وقتادة .
الثاني : أنهم علماء المسلمين ، قاله علي رضي الله عنه .
الثالث : مؤمنو أهل الكتاب ، قاله ابن شجرة .
قوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً . . . } الآية . فيه وجهان :
أحدهما : معناه وما جعلنا الأنبياء قبلك أجساداً لا يأكلون الطعام ولا يموتون فنجعلك كذلك ، وذلك لقولهم : { مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } [ المؤمنون : 24 ] قاله ابن قتيبة .
الثاني : إنما جعلناهم جسداً يأكلون الطعام وما كانواْ خالدين ، فلذلك جعلناك جسداً مثلهم ، قاله قتادة .
قال الكلبي : أو الجسد هو الجسد الذي فيه الروح ويأكل ويشرب ، فعلى مقتضى هذا القول يكون ما لا يأكل ولا يشرب جسماً . وقال مجاهد : الجسد ما لا يأكل ولا يشرب ، فعلى مقتضى هذا القول يكون ما يأكل ويشرب نفساً .

(3/70)


لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10) وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15)

قوله تعالى : { لَقَدْ أَنزَلنا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ } الآية . فيه خمسة تأويلات :
أحدها : فيه حديثكم ، قاله مجاهد .
الثاني : مكارم أخلاقكم ومحاسن أعمالكم ، قاله سفيان .
الثالث : شرفكم إن تمسكتم به وعملتم بما فيه ، قاله ابن عيسى .
الرابع : ذكر ما تحتاجون إليه من أمر دينكم .
الخامس : العمل بما فيه حياتكم ، قاله سهل بن عبدالله .
قوله تعالى : { فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنآ } أي عيانواْ عذابنا .
{ إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : من القرية .
الثاني : من العذاب ، والركض : الإِسراع .
قوله تعالى : { لاَ تَرْكُضُواْ وَارْجِعُواْ إِلى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ } أي نعمكم ، والمترف المنعم .
{ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لعلكم تسألون عن دنياكم شيئاً ، استهزاء بهم ، قاله قتادة .
الثاني : لعلكم تقنعون بالمسألة ، قاله مجاهد .
الثالث : لتسألوا عما كنتم تعملون ، قاله ابن بحر .
قوله تعالى : { فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ } يعني ما تقدم ذكره من قولهم { يا ويلنا إنا كنا ظالمين } .
{ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ } فيه قولان : أحدهما : بالعذاب ، قاله الحسن .
الثاني : بالسيف ، قال مجاهد : حتى قتلهم بختنصر .
والحصيد قطع الاستئصال كحصاد الزرع . والخمود : الهمود كخمود النار إذا أطفئت ، فشبه خمود الحياة بخمود النار ، كما يقال لمن مات قد طفىء تشبيهاً بانطفاء النار .

(3/71)


وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20)

قوله تعالى : { لَوْ أَرَدْنَا أَن نَتَّخِذَ لَهْواً } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : ولداً ، قاله الحسن .
الثاني : أن اللهو النساء ، قاله مجاهد . وقال قتادة : اللهو بلغة اهل اليمن المرأة . قال ابن جريج : لأنهم قالواْ : مريم صاحبته وعيسى ولده .
الثالث : أنه اللهو الذي هو داعي الهوى ونازع الشهوة ، كما قال الشاعر :
ويلعينني في اللهو أن لا أحبه ... وللهو داعٍ لبيب غير غافلِ
{ لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ } أي من عندنا إن كنا فاعلين . قال ابن جريج : لاتخذنا نساء وولداً من أهل السماء وما اتخذنا من أهل الأرض .
{ إِن كُنََّا فَاعِلِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : وما كنا فاعلين ، قاله ابن جريج .
الثاني : أنه جاء بمعنى الشرط ، وتقدير الكلام لو كنا لاتخذناه بحيث لا يصل علمه إليكم .
قوله تعالى : { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الحق الكلام المتبوع ، والباطل المدفوع . ومعنى يدمغه أي يذهبه ويهلكه كالمشجوج تكون دامغة في أم رأسه تؤدي لهلاكه .
الثاني : أن الحق القرآن ، والباطل إبليس .
الثالث : أن الحق المواعظ والباطل المعاصي ، قاله بعض أهل الخواطر .
ويحتمل رابعاً : أن الحق الإِسلام ، والباطل الشرك .
{ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } فيه وجهان :
أحدهما : هالك ، قاله قتادة .
الثاني : ذاهب ، قاله ابن شجرة .
قوله عز وجل : { وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : لا يملون ، قاله ابن زيد .
الثاني : لا يعيون ، قاله قتادة .
الثالث : لا يستنكفون ، قاله الكلبي .
الرابع : لا ينقطعون ، مأخوذ من الحسير وهو البعير المنقطع بالإِعياء ، قال الشاعر :
بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب

(3/72)


أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)

قوله تعالى : { أَمِ اتَّخَذُواْ ءَالِهَةً مِّنَ الأَرْضِ } أي مما خلق في الأرض .
{ هُمُ يُنشِرُونَ } فيه قولان :
أحدهما : يخلقون ، قاله قطرب .
الثاني : قاله مجاهد ، يحيون ، يعني الموتى ، يقال : أنشر الله الموتى فنشروا أي أحياهم فحيوا ، مأخوذ من النشر بعد الطي ، قال الشاعر :
حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجباً للميت الناشِر
قوله تبارك وتعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمآ } يعني في السماء والأرض .
{ ءَالهِةٌ إِلاَّ اللَّهُ } فيه وجهان :
أحدهما : معناه سوى الله ، قاله الفراء .
الثاني : أن « إلا » الواو ، وتقديره : لو كان فيهما آلهة والله لفسدتا ، أي لهلكتا بالفساد فعلى الوجه الأول يكون المقصود به إبطال عباد غيره لعجزه عن أن يكون إلهاً لعجزه عن قدرة الله ، وعلى الوجه الآخر يكون المقصود به إثبات وحدانية الله عن أن يكون له شريك يعارضه في ملكه .
قوله عز وجل : { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لا يسأل الخلق الخالق عن قضائه في خلقه ، وهو يسأل الخلق عن عملهم ، قاله ابن جريج .
الثاني : لا يسأل عن فعله ، لأن كل فعله صواب وهولا يريد عليه الثواب ، وهم يسألون عن أفعالهم ، لأنه قد يجوز أن تكون في غير صواب ، وقد لا يريدون بها الثواب إن كانت صواباً فلا تكون عبادة ، كما قال تعالى : { ليسأل الصادقين عن صدقهم } [ الأحزاب : 8 ] .
الثالث : لا يُحْاسَب على أفعاله وهم يُحْسَبُونَ على أفعالهم ، قاله ابن بحر .
ويحتمل رابعاً : لا يؤاخذعلى أفعاله وهم يؤاخذون على أفعالهم .

(3/73)


أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)

قوله تعالى : { هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي } فيه وجهان :
أحدهما : هذا ذكر من معي بما يلزمهم من الحلال والحرام ، وذكر من قبلي ممن يخاطب من الأمم بالإِيمان ، وهلك بالشرك ، قاله قتادة .
الثاني : ذكر من معي بإخلاص التوحيد في القرآن ، وذكر من قبلي في التوراة والإِنجيل ، حكاه ابن عيسى .
قوله تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } فيه وجهان :
أحدهما ما بين أيديهم من أمر الآخرة ، وما خلفهم من أمر الدنيا ، قاله الكلبي .
الثاني : ما قدموا وما أخروا من عملهم ، قاله ابن عباس .
وفيه الثالث : ما قدموا : ما عملوا ، وما أخروا : يعني ما لم يعملوا ، قاله عطية .
{ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى } فيه وجهان :
أحدهما : لا يستغفرون في الدنيا إلا لمن ارتضى .
الثاني : لا يشفعون يوم القيامة إلا لمن ارتضى .
وفيه وجهان :
أحدهما : لمن ارتضى عمله ، قاله ابن عيسى .
الثاني : لمن رضي الله عنه ، قاله مجاهد .

(3/74)


أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33)

قوله عز جل : { أَنَّ السَّموَاتِ وَألأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين ففتق الله بينهما بالهواء ، قاله ابن عباس .
الثاني : أن السموات كانت مرتتقة مطبقة ففتقها الله سبع سموات وكانت الأرض كذلك ففتقها سبع أرضين ، قاله مجاهد .
الثالث : أن السموات كانت رتقاً لا تمطر ، والأرض كانت رتقاً لا تنبت ، ففتق السماء بالمطر ، والأرض بالنبات ، قاله عكرمة ، وعطية ، وابن زيد .
والرتق سدُّ ، والفتق شق ، وهما ضدان ، قال عبد الرحمن بن حسان :
يهون عليهم إذا يغضبو ... ن سخط العداة وإرغامُها
ورتق الفتوق وفتق الرتو ... ق ونقض الأمور وإبرامها
{ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن خلق كل شيء من الماء ، قاله قتادة .
الثاني : حفظ حياة كل شيء حي بالماء ، قاله قتادة .
الثالث : وجعلنا من ماء الصلب كل شيء حي ، قاله قطرب .
{ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } يعني أفلا يصدقون بما يشاهدون .
قوله تعالى : { وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ } والرواسي الجبال ، وفي تسميتها بذلك وجهان :
أحدهما : لأنها رست في الأرض وثبتت ، قال الشاعر :
رسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرعٌ لا يزال طويل
الثاني : لأن الأرض بها رست وثبتت . وفي الرواسي من الجبال قولان :
أحدهما : أنها الثوابت : قاله قطرب .
الثاني : أنها الثقال قاله الكلبي .
{ أَن تَمِيدَ بِهِم } فيه وجهان :
أحدهما : لئلا تزول بهم .
الثاني : لئلا تضطرب بهم . الميد الاضطراب .
{ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً } في الفجاج وجهان : أحدهما : أنها الأعلام التي يهتدى بها .
الثاني : الفجاج جمع فج وهو الطريق الواسع بين جبلين . قال الكميت :
تضيق بنا النجاح وهنّ فج ... ونجهل ماءها السلم الدفينا
{ لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : سبل الاعتبار ليهتدوا بالاعتبار بها إلى دينهم .
الثاني : مسالك ليهتدوا بها إلى طرق بلادهم .
قوله تعالى : { وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : محفوظاً من أن تسقط على الأرض .
الثاني : محفوظاً من الشياطين ، قاله الفراء .
الثالث : بمعنى مرفوعاً ، قاله مجاهد .
ويحتمل رابعاً : محفوظاً من الشرك والمعاصي .
قوله عز وجل : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } فيه قولان :
أحدهما : أن الفلك السماء ، قاله السدي .
الثاني : أن القطب المستدير الدائر بما فيه من الشمس والقمر والنجوم ومنه سميت فلكة المغزل لاستدارتها ، قال الشاعر :
باتت تقاسي الفلك الدّوار ... حتى الصباح تعمل الأقتار
وفي استدارة الفلك قولان :
أحدهما : أنه كدوران الأكرة .
الثاني : كدوران الرحى قاله الحسن ، وابن جريج .
واختلف في الفلك على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه السماء تدور بالشمس والقمر والنجوم .
الثاني : أنه استدارة في السماء تدور فيها النجوم مع ثبوت السماء ، قاله قتادة .
الثالث : أنها استدارة بين السماء والأرض تدور فيها النجوم ، قاله زيد بن أسلم .
{ يَسْبَحُونَ } وجهان :
أحدهما : يجرون ، قاله مجاهد .
الثاني : يدورون قاله ابن عباس ، فعلى الوجه الأول يكون الفلك مديرها ، وعلى الثاني تكون هي الدائرة في الفلك .

(3/75)


وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)

قوله عز وجل : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } فيها أربعة أوجه :
أحدها : بالشدة والرخاء ، قاله ابن عباس .
الثاني : أن الشر : الفقر والمرض ، والخير الغنى والصحة ، قاله الضحاك .
الثالث : أن الشر : غلبة الهوى على النفس ، والخير : العصمة من المعاصي ، قاله التستري .
الرابع : ما تحبون وما تكرهون . لنعلم شكركم لما تحبون ، وصبركم على ما تكرهون ، قاله ابن زيد .
{ فِتْنَةً } فيه وجهان : أحدهما : اختباراً . الثاني : ابتلاء .

(3/76)


وَإِذَا رَآَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (40)

قوله عز وجل : { خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } فيه قولان :
أحدهما : أن المعنيّ بالإِنسان آدم ، فعلى هذا في قوله : { مِنْ عَجَلٍ } ثلاثة تأويلات :
أحدها : أي معجل قبل غروب الشمس من يوم الجمعة وهو آخر الأيام الستة ، قاله مجاهد والسدي .
الثاني : أنه سأل ربه بعد إكمال صورته ونفخ الروح في عينيه ولسانه أن يعجل إتمام خلقه وإجراء الروح في جميع جسده ، قاله الكلبي .
الثالث : أن معنى { من عجل } أي من طين ، ومنه قول الشاعر :
والنبع في الصخرة الصماء منبته ... والنخل ينبت بين الماء والعجل
والقول الثاني : أن المعنى بالإِنسان الناس كلهم ، فعلى هذا في قوله : { من عجل } ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني خلق الإِنسان عجولاً ، قاله قتادة .
الثاني : خلقت العجلة في الإِنسان قاله ابن قتيبة .
الثالث : يعني أنه خلق على حُب العجلة .
والعجلة تقديم الشيء قبل وقته ، والسرعة تقديمه في أول أوقاته .

(3/77)


وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (41) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43)

قوله عز وجل : { قُلْ مَن يَكْلُؤُكُم . . . } الآية . أي يحفظكم ، قال ابن هرمة :
إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها
ومخرج اللفظ مخرج الاستفهام ، والمراد به النفي ، تقديره : قل لا حافظ لكم بالليل والنهار من الرحمن . قوله تعالى : { . . وَلاَ هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : يجارون ، قاله ابن عباس ، من قولهم : إن لك من فلان صاحباً ، أي مجيراً ، قال الشاعر :
ينادي بأعلى صوته متعوذاً ... ليصحب منها والرماح دواني
الثاني : يحفظون ، قاله مجاهد .
الثالث : ينصرون ، وهو مأثور .
الرابع : ولا يصحبون من الله بخير ، قاله قتادة .

(3/78)


بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44) قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (45) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)

قوله تعالى : { نأَتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } فيه أربعة أوجه :
أحدها : ننقصها من أطرافها عند الظهور عليها أرضاً بعد أرض وفتحها بلداً بعد بلد ، قاله الحسن .
الثاني : بنقصان أهلها وقلة بركتها ، قاله ابن أبي طلحة .
الثالث : بالقتل والسبي ، حكاه الكلبي .
الرابع : بموت فقهائها وعلمائها ، قاله عطاء ، والضحاك .
ويحتمل خامساً : بجور ولاتها وأمرائها .

(3/79)


وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50)

قوله تعالى : { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : التوراة التي فرق فيها بين الحق والباطل ، قاله مجاهد ، وقتادة .
الثاني : هو البرهان الذي فرق بين حق موسى وباطل فرعون ، قاله ابن زيد .
الثالث : هو النصر والنجاة فنصر موسى وأشياعه ، وأهلك فرعون وأتباعه قال الكلبي .

(3/80)


وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56)

قوله عز وجل : { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ } فيه وجهان :
أحدهما : رشْده : النبوة ، حكاه ابن عيسى .
الثاني : هو أن هداه صغيراً ، قاله مجاهد ، وقتادة .
{ مِن قَبْلُ } فيه وجهان :
أحدهما : من قبل أن يرسل نبياً .
الثاني : من قبل موسى وهارون .
{ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : عالمين أنه أهل لإِيتاء الرشد .
الثاني : أنه يصلح للنبوة .

(3/81)


وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)

قوله تعالى : { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً } قراءة الجمهور بضم الجيم ، وقرأ الكسائي وحده بكسرها ، وفيه وجهان :
أحدهما : حُطاماً ، قاله ابن عباس ، وهو تأويل من قرأ بالضم .
الثاني : قِطعاً مقطوعة ، قال الضحاك : هو أن يأخذ من كل عضوين عضواً ويترك عضواً وهذا تأويل من قرأ بالكسر ، مأخوذ من الجذ وهو القطع ، قال الشاعر :
جَّذذ الأصنام في محرابها ... ذاك في الله العلي المقتدر
{ قَالُواْ فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ } أي بمرأى من الناس .
{ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يشهدون عقابه ، قاله ابن عباس .
الثاني : يشهدون عليه بما فعل ، لأنهم كرهواْ أن يعاقبوه بغير بينة ، قاله الحسن ، وقتادة ، والسدي .
الثالث : يشهدون بما يقول من حجة ، وما يقال له من جواب ، قاله ابن كامل .
قوله تعالى : { قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ } الآية . فيه وجهان :
أحدهما : بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسألوهم ، فجعل إضافة الفعل إليهم مشروطاً بنطقهم تنبيهاً لهم على فساد اعتقادهم .
الثاني : أن هذا القول من إبراهيم سؤال إلزام خرج مخرج الخبر وليس بخبر ، ومعناه : أن من اعتقد أن هذه آلهة لزمه سؤالها ، فلعله فعله [ كبيرهم ] فيجيبه إن كان إلهاً ناطقاً .
{ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ } أي يخبرون ، كما قال الأحوص :
ما الشعر إلا خطبةٌ من مؤلفٍ ... لمنطق حق أو لمنطق باطل

(3/82)


فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)

قوله تعالى : { فَرَجَعُواْ إِلَى أَنفُسِهِمْ } فيه وجهان :
أحدهما : أن رجع بعضهم إلى بعض .
الثاني : أن رجع كل واحد منهم إلى نفسه متفكراً فيما قاله إبراهيم ، فحاروا عما أراده من الجواب فأنطقهم الله تعالى الحق { فَقَالُواْ : إِنَّكم أَنتُمُ الظَّالِمُونَ } يعني في سؤاله ، لأنها لو كانت آلهة لم يصل إبراهيم إلى كسرها ، ولو صحبهم التوفيق لآمنوا هذا الجواب لظهور الحق فيه على ألسنتهم .
{ ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَى رُءوسِهِمْ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه أنها رجعوا إلى شِركهم بعد اعترافهم بالحق .
الثاني : يعني أنهم رجعواْ إلى احتجاجهم على إبراهيم بقولهم : { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤلآءِ يَنطِقُونَ } .
الثالث : أنهم نكسواْ على رؤوسهم واحتمل ذلك منهم واحداً من أمرين : إما انكساراً بانقطاع حجتهم ، وإما فكراً في جوابهم فأنطقهم الله بعد ذلك بالحجة إذعاناً لها وإقراراً بها ، بقولهم : { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلآءِ يَنطِقُونَ } فأجابهم إبراهيم بعد اعترافهم بالحجة .

(3/83)


قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70)

{ قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَانْصُرُواْ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } وفي الذي أشارعليهم بذلك قولان :
أحدهما : أنه رجل من أعراب فارس يعني أكراد فارس ، قاله ابن عمر ، ومجاهد . وابن جريج .
الثاني : أنه هيزون فخسف الله به الأرض وهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة . وقيل إن إبراهيم حين أوثق ليلقى في النار فقال : لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين ، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك .
وقال عبد الله بن عمر : كانت كلمة إبراهيم حين أُلقي في النار : حسبي الله ونعم الوكيل .
قال قتادة : فما أحرقت النار منه إلا وثاقه .
قال ابن جريج : ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست وعشرين سنة .
وقال كعب : لم يبق في الأرض يومئذ إلا من يطفىء عن إبراهيم النار ، إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه ، فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها .
قال الكلبي : بنواْ له أتوناً ألقوه فيه ، وأوقدوا عليه النار سبعة أيام ، ثم أطبقوه عليه وفتحوه من الغد ، فإذا هو عرق أبيض لم يحترق ، وبردت نار الأرض فما أنضجت يومئذ كراعاً .
قوله تعالى : { قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ } جعل الله فيها برداً يدفع حرها ، وحراً يدفع بردها ، فصارت سلاماً عليه .
قال أبو العالية : ولو لم يقل « سلاماً » لكان بردها أشد عليه من حرها ، ولو لم يقل « على إبراهيم » لكان بردها باقيا على الأبد .

(3/84)


وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73) وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75)

قوله تعالى : { وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً } قيل إن لوط كان ابن أخي إبراهيم فآمن به ، قال تعالى : { فَأَمَنَ لَهُ لُوطُ } [ العنكبوت : 26 ] فلذلك نجاهما الله .
{ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } [ فيه ] ثلاثة أقاويل :
أحدها : من أرض العراق إلى أرض الشام قاله قتادة ، وابن جريج .
الثاني : إلى أرض بيت المقدس ، قاله أبو العوام .
الثالث : إلى مكة ، قاله ابن عباس .
وفي بركتها ثلاثة أقاويل : أحدها : أن منها بعث الله أكثر الأنبياء .
الثاني : لكثرة خصبها ونمو نباتها .
الثالث : عذوبة مائها وتفرقه في الأرض منها . قال أبو العالية : ليس ماء عذب إلا يهبط من السماء إلى الصخرة التي ببيت المقدس ، ثم يتفرق في الأرض .
قال كعب الأحبار ، والذي نفسي بيده إن العين التي بدارين لتخرج من تحت هذه الصخرة ، يعني عيناً في البحر .
قوله تعالى : { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } فيها ثلاثة أوجه :
أحدها : أن النافلة الغنيمة ، قال لبيد :
لله نافلة الأفضل . ... الثاني : أن النافلة الابن ، حكاه السدي .
الثالث : أنها الزيادة في العطاء . وفيما هو زيادة قولان :
أحدهما : أن يعقوب هو النافلة ، لأنه دعا بالولد فزاده الله ولد الولد ، قاله ابن عباس وقتادة .
الثاني : أن إسحاق ويعقوب هما جميعاً نافلة ، لأنهما زيادة على ما تقدم من النعمة عليه ، قاله مجاهد ، وعطاء .
قوله وجل : { وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً } فيه تأويلان :
أحدهما : أنه القضاء بالحق بين الخصوم قاله ابن عيسى .
الثاني : النبوة ، قاله . . . . . . . .
{ عِلْمَاً } يعني فهماً .
{ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيةِ الَّتي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَآئِثَ } وهي قرية سدوم .
وفي الخبائث التي كانوا يعملونها قولان :
أحدهما : اللواط .
الثاني : الضراط { ونجيناه } قيل من قلب المدائن ورمي الحجارة .

(3/85)


وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77)

قوله تعالى : { وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ } يعني إذ دعانا على قومه من قبل إبراهيم .
{ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ } ويحتمل وجهاً آخر إذ نجيناه من أذية قومه حين أغرقهم الله .
ويحتمل ثالثاً : نجاته من مشاهدة المعاصي في الأرض بعد أن طهرها الله بالعذاب .
{ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِأَيَاتِنَا } فيه وجهان :
أحدهما : نصرناه عليهم بإجابة دعائه فيهم . الثاني : معناه خلصناه منهم بسلامته دونهم .

(3/86)


وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82)

قوله عز وجل : { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكَمَانِ فِي الْحَرْثِ } فيه قولان :
أحدها : أنه كان زرعاً وقعت فيه الغنم ليلاً ، قاله قتادة .
الثاني : كان كرماً نبتت عناقيده ، قاله ابن مسعود ، وشريح .
{ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ } قال قتادة : النفش رعي الليل ، والهمل : رعي النهار ، قال الشاعر :
متعلقة بأفناء البيوت ... ناقشاً في عشا التراب
{ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } وفي حكمهما قولان :
أحدهما : أنه كان متفقاً لم يختلفا فيه ، لأن الله حين أثنى عليهم دل على اتقافهما في الصواب ويحتمل قوله تبارك وتعالى : { فَفَهَّمْنَاهَا } على أنه فضيلة له على داود لأنه أوتي الحكم في صغره ، وأوتي داود الحكم في كبره ، وإن اتفقا عليه ولم يختلفا فيه لأن الأنبياء معصومون من الغلط والخطأ لئلا يقع الشك في أمورهم وأحكامهم ، وهذا قول شاذ من المتكلمين .
والقول الثاني : وهو قول الجمهور من العلماء والمفسرين أن حكمهما كان مختلفاً أصاب فيه سليمان ، واخطأ داود ، فأما حكم سليمان فإنه قضى لصاحب الحرث ، وأما حكم سليمان فإنه رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث لينتفع بدرّها ونسلها ، ويدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليأخذ بعمارته ، فإذا عاد في السنة ابن مسعود ، ومجاهد . فرجع داود إلى قضاء سليمان فحكم به ، فقال الله تعالى : { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } فجعل الحق معه وفي حكمه ، ولا يمتنع وجود الغلط والخطأ من الأنبياء كوجوده من غيرهم . لكن لا يقرون عليه وإن أقر عليه غيرهم ، ليعود الله بالحقائق لهم دون خلقه ، ولذلك تسمى بالحق وتميز به عن الخلق . واختلف القائلون بهذا في حمله على العموم في جميع الأنبياء على قولين :
أحدهما : أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم مخصوص منهم بجواز الخطأ عليهم دونه قاله أبو علي بن أبي هريرة رضي الله عنه ، وفرق بينه وبين غيره من جميع الأنبياء ، لأنه خاتم الأنبياء فلم يكن بعده من يستدرك غلطه ، ولذلك عصمه الله منه ، وقد بعث بعد غيره من الأنبياء مَنْ يستدرك غلطه .
والقول الثاني : أنه على العموم في جميع الأنبياء ، وأن نبينا وغيره من الأنبياء في تجويز الخطأ على سواء ، إلا أنهم لا يقرون على إمضائه ، فلم يعتبر فيه استدراك مَنْ بعدهم من الأنبياء ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سألته امرأة عن العدة ، فقال لها : « اعْتَدِّي حَيْثُ شِئْتِ » ثم قال : « يَا سُبْحَانَ اللَّهِ ، امْكُثِي فِي بَيتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ » وقال رجل : أرأيتَ إن قُتِلتُ صابراً محتسباً أيحجزني عن الجنة شيء؟ فقال : ( لاَ ) ، ثم دعاه فقال : « إِلاَّ الدَّينُ كَمَا أَخْبَرَنِي بِهِ جِبْرِيلُ » . ولا يوجد منه إلاّ ما جاز عليه .
ثم قال تعال : { وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } قال الحسن : لولا هذه الآية لرأيت أن القضاة قد هلكوا ، ولكنه أثنى على سليمان على صوابه وعذر داود باجتهاده .

(3/87)


فإن قيل : فكيف نقض داود حكمه باجتهاد سليمان؟ فالجواب عنه من وجهين :
أحدهما : يجوز أن يكون داود ذكر حكمه على الإِطلاق وكان ذلك منه على طريق الفتيا فذكره لهم ليلزمهم إياه ، فلما ظهر له ما هو أقوى في الاجتهاد منه عاد إليه .
الثاني : أنه يجوز أن يكون الله أوحى بهذا الحكم إلى سليمان فلزمه ذلك ، ولأجل النص الوارد بالوحي رأى أن ينقض اجتهاده ، لأن على الحاكم أن ينقض حكمه بالاجتهاد إذا خالف نصاً .
على أن العلماء قد اختلفوا في الأنبياء ، هل يجوز لهم الاجتهاد في الأحكام؟ فقالت طائفة يجوز لهم الاجتهاد لأمرين :
أحدهما : أن الاجتهاد في الاجتهاد فضيلة ، فلم يجز أن يحرمها الأنبياء .
الثاني : أن الاجتهاد أقوى فكان أحبها ، وهم [ في ] التزام الحكم به أولى ، وهذا قول من جوز من الأنبياء وجود الغلط .
وقال الآخرون : لا يجوز للأنبياء أن يجتهدوا في الأحكام ، لأن الاجتهاد إنما يلجأ إليه الحاكم لعدم النص ، والأنبياء لا يعدمون النص لنزول الوحي عليهم ، فلم يكن لهم الإجتهاد وهذا قول من قال بعصمة الأنبياء من الغلط والخطأ
فأما ما استقر عليه شرعنا فيما أفسدته البهائم من الزرع فقد روى سعيد بن المسيب أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطاً وأفسدته ، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم على أهل المواشي بحفظ مواشيهم ليلاً ، وعلى أهل الحوائط بحفظ حوائطهم نهاراً ، فصار ما أفسدته البهائم بالليل مضموناً ، وما أفسدته نهاراً غير مضمون لأن حفظها شاق على أربابها ، ولا يشق عليهم حفظها نهاراً ، فصار الحفظ في الليل واجباً على أرباب المواشي فضمنوا ما أفسدته مواشيهم ، والحفظ في النهار واجباً على أرباب الزروع ، فلم يحكم لهم - مع تقصيرهم - بضمان زرعهم ، وهذا من أصح قضاء وأعدل حكم ، رفقاً بالفريقين ، وتسهيلاً على الطائفتين ، فليس ينافي هذا ما حكم داود [ به ] وسليمان عليهما السلام من أصل الضمان ، لأنهما حكما به في رعي الليل ، وإنما يخالف من صفته ، فإن الزرع في شرعنا مضمون لأنهما حكما بنقصانه من زائد وناقص ، ولا تعرض للبهائم المفسدة إذا وصل الضمان إلى المستحق .
ثم قال تعالى : { وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه أتى كل واحد منهما من الحكم والعلم مثل ما آتى الآخر وفي المراد بالحكم والعلم وجهان محتملان :
أحدهما : أن الحكم القضاء ، والعلم الفتيا .
الثاني : أن الحكم الاجتهاد ، والعلم النص .
قوله عز وجل : { وَسَخَّرْنَا مََعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : ذللنا .
الثاني : ألهمنا .
{ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ } وفي تسبيحها ثلاثة أوجه :
أحدها : أن سيرها معه هو تسبيحها ، قاله ابن عيسى ، والتسبيح مأخوذ من السباحة .
الثاني : أنها صلواتها معه ، قاله قتادة .
الثالث : أنه تسبيح مسموع كان يفهمه ، وهذا قول يحيى بن سلام .
قوله عز وجل : { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ . . . } فيه وجهان :

(3/88)


أحدهما : اللبوس الدرع الملبوس ، قاله قتادة .
الثاني : أن جيمع السلاح لبوس عند العرب .
{ لِتُحْصِنَكُم مِّنْ بَأسِكُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : من سلاحكم ، قاله ابن عباس .
الثاني : حرب أعدائكم ، قاله الضحاك . قوله عز وجل : { وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً } معناه وسخرنا لسليمان الريح ، والعصوف شدة حركتها والعصف التبن ، فسمي به شدة الريح لأنها تعصفه لشدة تكسيرها له .
{ تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا } هي أرض الشام ، وفي بركتها ثلاثة أقاويل :
أحدها : بمن بعث فيها من الأنبياء .
الثاني : أن مياه أنهار الأرض تجري منها .
الثالث : بما أودعها الله من الخيرات ، قاله قتادة : ما نقص من الأرض زيد في أرض الشام ، وما نقص من الشام زيد في فلسطين ، وكان يقال هي أرض المحشر والمنشر .
وكانت الريح تجري بسليمان وأصحابه إلى حيث شاء . قال مقاتل : وسليمان أول من استخرج اللؤلؤ بغوص الشياطين .

(3/89)


وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)

قوله تعالى : { وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي } الآية . حكى الحسن البصري : أن أيوب آتاه الله مالاً وولداً فهلك ماله ، ومات أولاده ، فقال : ربِّ قد أَحْسَنْتَ إِليَّ الإِحسانَ كُلَّه ، كنتُ قبل اليوم شَغَلَنِي حُبُّ المالِ بالنهارِ ، وشَغَلَنِي حُبُّ الولدِ بالليلِ ، فالآن أُفَرِغُ لك سمعي وبصري وليلي ونهاري بالحمد والذكر فلم ينفذ لإِبليس فيه مكر ، ولا قدر له على فتنة ، فَبُلِي في بَدَنِهِ حتى قرح وسعى فيه الدود ، واشتد به البلاء حتى طرح على مزبلة بني إسرائيل ، ولم يبق أحد يدنو منه غير زوجته صبرت معه ، تتصدق وتطعمه ، وقد كان آمن به ثلاثة من قومه ، رفضوا عند بلائه ، وأيوب يزداد حمداً لله وذكراً ، وإبليس يجتهد في افتتانه فلا يصل إليه حتى شاور أصحابه ، فقالوا : أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة من أين أتيته؟ قال : من قبل امرأته ، فقالوا شأنك أيوب من قبل امرأته قال : أصبتم فأتاها فذكر لها ضر أيوب بعد جماله وماله وولده ، فصرخت ، فطمع عدو الله فيها ، فأتاها بسخلة ، فقال ليذبح أيوب هذه السخلة لي ويبرأ ، فجاءت إلى أيوب فصرخت وقالت يا أيوب حتى متى يعذبك ربك ولا يرحمك؟ أين المال؟ أين الولد؟ أين لونك الحسن؟ قد بلى ، وقد تردد الدواب ، اذبح هذه السخلة واسترح . قال لها أيوب أتاك عدو الله فنفخ فيك فوجد فيك رفقاً فأجبتيه؟ أرأيت ما تبكين عليه من المال والولد والشباب والصحة من أعطانيه؟ فقالت الله ، قال : فكم متعنا به؟ قالت : ثمانين سنة ، قال : منذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء؟ فقالت : منذ سبع سنين وأشهر قال : ويلك والله ما أنصفت ربك ، ألا صبرت حتى نكون في هذا البلاء ثمانين سنة والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة ، ثم طردها وقال : ما تأتيني به عليَّ حرام إن أكلته ، فيئس إبليس من فتنته .
ثم بقي أيوب وحيداً فخر ساجداً وقال : ربِّ ،
{ مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأنتَ أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } وفيه خمسة أوجه :
أحدها : أن الضر المرض ، قاله قتادة .
الثاني : أنه البلاء الذي في جسده ، قاله السدّي ، حتى قيل إن الدودة كانت تقع من جسده فيردها في مكانها ويقول : كلي مما رزقك الله .
الثالث : أنه الشيطان كما قال في موضع آخر { أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بنُصُبٍ وَعَذَابٍ } [ ص : 41 ] قاله الحسن .
الرابع : أنه وثب ليصلي فلم يقدر على النهوض ، فقال : مسني الضر ، إخباراً عن حاله ، لا شكوى لبلائه ، رواه أنس مرفوعاً .
الخامس : أنه انقطع الوحي عنه أربعين يوماً فخاف هجران ربه ، فقال : مسني الضر ، وهذا قول جعفر الصادق رحمه الله .
وفي مخرج قوله : { مَسَّنِيَ الضُّرُّ } أربعة أوجه :
أحدها : أنه خارج مخرج الاستفهام ، وتقديره أيمسني الضر وأنت أرحم الراحمين .
الثاني : أنت أرحم بي أن يمسني الضر .

(3/90)


الثالث : أنه قال [ ذلك ] استقالة من ذنبه ورغبة إلى ربه .
الرابع : أنه شكا ضعفه وضره استعطافاً لرحمته ، فكشف بلاءه فقيل له : { ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ } [ ص : 42 ] فركض برجله فنبعت عين ، فاغتسل منها وشرب فذهب باطن دائه وعاد إليه شبابه وجماله ، وقام صحيحاً ، وضاعف الله له ما كان من أهل ومال وولده .
ثم إن امرأته قالت : إن طردني فإلى من أكلِه؟ فَرَجَعَتْ فلم تَرَهُ ، فجعلت تطوف وتبكي ، وأيوب يراها وتراه فلا تعرفه فلما سألته عنه وكلمته فعرفته ، ثم إن الله رحمها لصبرها معه على البلاء ، فأمره أن يضربها بضِغث ليبّر في يمينه ، قاله ابن عباس . وكانت امرأته ماخيرا بنت ميشا بن يوسف بن يعقوب .
{ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وءَاتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ } .
قال ابن مسعود : رد الله إليه أهله الذين أهلكهم بأعيانهم ، وأعطاه مثلهم معهم . قال الفراء كان لأيوب سبع بنين وسبع بنات فماتواْ في بلائه ، فلما كشف الله ضره رَدّ عليه بنيه وبناته وولد له بعد ذلك مثلهم ، قال الحسن : وكانوا ماتوا قبل آجالهم فأحياهم الله فوفاهم آجالهم ، وأن الله أبقاه حتى أعطاهم من نسلهم مثلهم .

(3/91)


وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86)

قوله تعالى : { وَذَا الْكِفْلِ } فيه قولان :
أحدهما : أنه لم يكن نبياً وكان عبداً صالحاً كُفِلَ لنبي قيل إنه اليسع بصيام النهار وقيام الليل ، وألا يغضب ، ويقضي بالحق ، فوفى به فأثنى الله عليه ، قاله أبو موسى ، ومجاهد ، وقتادة .
الثاني : أنه كان نبياً كفل بأمر فوفى به ، قاله الحسن .
وفي تسميته بذي الكفل ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه كان . . . .
الثاني : لأنه كفل بأمر فوفى به .
الثالث : لأن ثوابه ضعف ثواب غيره ممن كان في زمانه .

(3/92)


وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)

قوله تعالى : { وَذَا النُّونِ } وهو يونس بن متى ، سمي بذلك لأنه صاحب الحوت ، كما قال تعالى : { فَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ } [ القلم : 48 ] والحوت النون ، نسب إليه لأنه ابتلعه ، ومنه قول الشاعر :
يا جيد القصر نِعم القصر والوادي ... وجيداً أهله من حاضر بادي
توفي قراقره والوحش راتعه ... والضب والنون والملاح والحادي
يعني أنه يجتمع فيه صيد البر والبحر ، وأهل المال والظهر ، وأهل البدو والحضر .
{ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يعني مراغماً للملك وكان اسمه حزقيا ولم يكن به بأس ، حكاه النقاش .
الثاني : مغاضباً لقومه ، قاله الحسن .
الثالث : مغاضباً لربه ، قاله الشعبي ، ومغاضبته ليست مراغمة ، لأن مراغمة الله كفر لا تجوز على الأنبياء ، وإنما هي خروجه بغير إذن ، فكانت هي معصيته .
وفي سبب ذهابه لقومه وجهان :
أحدهما : أنه كان في خُلُقِه ضيق ، فلما حملت عليه أثقال النبوة ضاق ذرعه بها ولم يصبر لها ، وكذلك قال الله : { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُل } [ الأحقاف : 35 ] قاله وهب .
الثاني : أنه كان من عادة قومه أن من كذب قتلوه ، ولم يجربواْ عليه كذباً ، فلما أخبرهم أن العذاب يحل بهم ورفعه الله عنهم ، قال لا أرجع إليهم كذّاباً ، وخاف أن يقتلوه فخرج هارباً .
{ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : فظن أن لن نضيق طرقه ، ومنه قوله : { وَمَن قَدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } [ الطلاق : 7 ] أي ضيق عليه ، قاله ابن عباس .
الثاني : فظن أن لن نعاقبه بما صنع ، قاله قتادة ، ومجاهد .
الثالث : فظن أن لن نحكم عليه بما حكمنا ، حكاه ابن شجرة ، قال الفراء : معناه لن نُقِدرَ عليه من العقوبة ما قَدَّرْنَا ، مأخوذ من القدر ، وهو الحكم دون القدرة ، وقرأ ابن عباس : نقدّر بالتشديد ، وهو معنى ما ذكره الفراء ، ولا يجوز أن يكون محمولاً على العجز عن القدرة عليه لأنه كفر .
الرابع : أنه على معنى استفهام ، تقديره : أفظن أن لن نقدر عليه ، فحذف ألف الاستفهام إيجازاً ، قاله سليمان بن المعتمر .
{ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ } فيه قولان :
أحدهما : أنها ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة جوف الحوت ، قاله ابن عباس ، وقتادة . الثاني : وقتادة .
الثاني : أنها ظلمة الحوت في بطن الحوت ، قاله سالم بن أبي الجعد .
ويحتمل ثالثاً : أنها ظلمة الخطيئة ، وظلمة الشدة ، وظلمة الوحدة .
{ أَن لاَّ إِلهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } يعني لنفسي في الخروج من غير أن تأذن لي ، ولم يكن ذلك عقوبة من الله ، لأن الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا ، وإنما كان تأديباً ، وقد يؤدب من لا يستحق العقاب كالصبيان .
قوله تعالى : { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ } وفي استجابة الدعاء قولان :
أحدهما : أنه ثواب من الله للداعي ولا يجوز أن يكون غير ثواب .
والثاني : أنه استصلاح فربما كان ثواباً وربما كان غير ثواب .
{ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ } يحتمل وجهين :
أحدهما : من الغم بخطيئته .
الثاني : من بطن الحوت لأن الغم التغطية . وقيل : إن الله أوحى إلى الحوت ألاّ تكسر له عظماً ، ولا تخدش له جلداً .
وحينما صار في بطنه : قال يا رب اتخذتَ لي مسجداً في مواضع ما اتخذها أحد .
وفي مدة لبثه في بطن الحوت ثلاثة أقاويل :
أحدها : أربعون يوماً .
الثاني : ثلاثة أيام .
الثالث : من ارتفاع النهار إلى آخره . قال الشعبي : أربع ساعات ، ثم فتح الحوت فاه فرأى يونس ضوء الشمس ، فقال : سبحانك إني كنت من الظالمين ، فلفظه الحوت .

(3/93)


وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)

{ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : خلياًمن عصمتك ، قاله ابن عطاء .
الثاني : عادلاً عن طاعتك .
الثالث : وهو قول الجمهور يعني وحيداً بغير ولد .
{ وَأَنتَ خَيْرُ الَْوَارِثينَ } أي خير من يرث العباد من الأهل والأولاد ، ليجعل رغبته إلى الله في الولد والأهل لا بالمال ، ولكن ليكون صالحاً ، وفي النبوة تالياً .
قوله تعالى : { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهْبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } فيه وجهان :
أحدهما : أنها كانت عاقراً فَجُعَِلَتْ ولوداً . قال الكلبي : وَلَدَتْ له وهو ابن بضع وسبعين سنة .
والثاني : أنها كانت في لسانها طول فرزقها حُسْنَ الخَلْقِ ، وهذا قول عطاء ، وابن كامل .
{ . . . يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ } أي يبادرون في الأعمال الصالحة ، يعني زكريا ، وامرأته ، ويحيى .
{ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً } فيه أربعة أوجه :
أحدها : رغباً في ثوابنا ورهباً من عذابنا .
الثاني : رغباً في الطاعات ورهباً من المعاصي .
والثالث : رغباً ببطون الأكف ورهباً بظهور الأكف .
والرابع : يعني طمعاً وخوفاً .
ويحتمل وجهاً خامساً : رغباً فيما يسعون من خير ، ورهباً مما يستدفعون من شر .
{ وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني متواضعين ، وهذا قول ابن عباس .
والثاني : راغبين راهبين ، وهو قول الضحاك .
والثالث : أنه وضع اليمنى على اليسرى ، والنظر إلى موضع السجود في الصلاة .

(3/94)


وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (91)

قوله عز وجل : { الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } فيه وجهان :
أحدها : عفّت فامتنعت عن الفاحشة .
والثاني : أن المراد بالفَرْج فَرْجُ درعها منعت منه جبريل قبل أن تعلم أنه رسول .
{ فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } أي أجرينا فيها روح المسيح كما يجري الهواء بالنفخ ، فأضاف الروح إليه تشريفاً له ، وقيل بل أمر جبريل فحلّ جيب ردعها بأصابعه ثم نفخ فيه فحملت من وقتها .
{ وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا ءَايَةً لِّلْعَالَمِينَ } لأنها حملت من غير مسيس ، ووُلد عيسى من غير ذَكَرٍ ، مع كلامه في المهد ، ثم شهادته ببراءتها من الفاحشة ، فكانت هذه هي الآية ، قال الضحاك : ولدته في يوم عاشوراء .

(3/95)


إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94)

قوله عز وجل : { إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَةً وَاحِدَةً } معناه أن دينكم دين واحد ، وهذا قول ابن عباس ، وقتادة .
ويحتمل عندي وجهين آخرين :
أحدهما : أنكم خلق واحد ، فلا تكونوا إلا على دين واحد .
والثاني : أنكم أهل عصر واحد ، فلا تكونوا إلا على دين واحد .
{ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } فأوصى ألا يعبد سواه .
{ وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : اختلفوا في الدين ، قاله الأخفش .
الثاني : تفرقوا ، قاله الكلبي .

(3/96)


وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97)

قوله عز وجل : { وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } فيه تأويلان :
أحدهما : معناه حرام على قرية وجدناها هالكة بالذنوب أنهم لا يرجعون إلى التوبة ، وهو قول عكرمة .
الثاني : وحرام على قرية أهلكناها بالعذاب أنهم لا يرجعون إلى الدنيا ، وهذا قول الحسن ، وقرأ أبن عباس : وحَرُم على قرية ، وتأويلها ما قاله سفيان : وجب على قرية أهلكناها . [ أنهم لا يرجعون قال : لا يتوبون ] .
قوله عز وجل : { حَتَّى إِذَا فُتِحتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ } أي فتح السد ، وهو من أشراط الساعة ، وروى أبو هريرة عن زينب بنت جحش قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نائماً في بيته ، فاستيقظ محمرة عيناه ، فقال : « لاَ إِله إِلاَّ اللَّهَ ثَلاَثاً ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍ قَدِ اقْتَرَبَ ، فُتِحَ اليَومَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجُ مِثْلَ هذَا » وأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عِقْدِ التِّسْعِينَ .
ويأجوج ومأجوج قيل إنهما أخوان ، وهما ولدا يافث بن نوح ، وفي اشتقاق اسميهما قولان :
أحدهما : أنه مشتق من أَجّت النار .
والثاني : من الماء الأُجاج . وقيل إنهم يزيدون على الإِنس الضعف .
{ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ } وفي حدب الأرض ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه فجاجها وأطرافها ، قاله ابن عباس .
والثاني : حولها .
الثالث : تلاعها وآكامها ، مأخوذ من حدبة الظهر ، قال عنترة :
فما رعشت يداي ولا ازْدَهاني ... تواترهم إليَّ من الحِداب
وفي قوله : { يَنسِلُونَ } وجهان :
أحدها : معناه يخرجون ، ومنه قول امرىء القيس :
فسلي ثيابي من ثيابك تنسلِ ... والثاني : معناه يسرعون ، ومنه قول الشاعر :
عسلان الذئب أمسى قارباً ... برد الليل عليه فنسل
وفي الذي هم من كل حدب ينسلون قولان :
أحدهما : هم يأجوج ومأجوج ، وهذا قول ابن مسعود .
الثاني : أنهم الناس يحشرون إلى الموقف .

(3/97)


إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103)

قوله تعالى : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : وقود جهنم ، وهو قول بن عباس .
الثاني : معناه حطب جهنم ، وقرأ علي بن أبي طالب وعائشة : حطب جهنم .
الثالث : أنهم يُرمَون فيها كما يُرْمَى بالحصباء ، حتى كأن جهنم تحصب بهم ، وهذا قول الضحاك ، ومنه قول الفرزدق :
مستقبلين شمال الشام يضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور
يعني الثلج ، وقرأ ابن عباس : حضب جهنم ، بالضاد معجمة . قال الكسائي : حضبت النار بالضاد المعجمة إذا أججتها فألقيت فيها ما يشعلها من الحطب .
قوله عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى } فيها ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنها الطاعة لله تعالى : حكاه ابن عيسى .
والثاني : السعادة من الله ، وهذا قول ابن زيد .
والثالث : الجنة ، وهو قول السدي .
ويحتمل تأويلاً رابعاً : أنها التوبة .
{ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } يعني عن جهنم . وفيهم ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم عيسى والعزير والملائكة الذين عُبِدوا من دون الله وهم كارهون وهذا قول مجاهد .
الثاني : أنهم عثمان وطلحة والزبير ، رواه النعمان بن بشيرعن علي بن أبي طالب .
الثالث : أنها عامة في كل من سبقت له من الله الحسنى .
وسبب نزول هذه الآية ما حكي أنه لما نزل قوله تعالى : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دَونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } قال المشركون : فالمسيح والعزير والملائكة قد عُبِدُوا ، فأنزل الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مَّنَّا الْحُسْنَى أُولئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } يعني عن جهنم ، ويكون قوله : { مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } محمولاً على من عذبه ربه .
قوله عز وجل : { لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الفزع الأكبر النفخة الأخيرة ، وهذا قول الحسن .
والثاني : أنه ذبْحُ الموتِ ، حكاه ابن عباس .
والثالث : حين تطبق جهنم على أهلها ، وهذا قول ابن جريج .
ويحتمل تأويلاً رابعاً : أنه العرض في المحشر .

(3/98)


يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104)

قوله عز وجل : { يَومَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن السجل الصحيفة تطوى على ما فيها من الكتابة ، وهذا قول مجاهد ، وقتادة .
الثاني : أنه الملك .
الثالث : أنه كاتب يكتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا قول ابن عباس .

(3/99)


وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)

قوله عز وجل : { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الزبور الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه ، والذكر أُمّ الكتاب الذي عنده في السماء ، وهذا قول مجاهد .
والثاني : أن الزبور من الكتب التي أنزلها الله تعالى على مَنْ بعد موسى من أنبيائه ، وهذا قول الشعبي .
{ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ } فيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها أرض الجنة يرثها أهل الطاعة ، وهذا قول سعيد بن جبير ، وابن زيد .
والثاني : أنها الأرض المقدسة يرثها بنو إسرائيل ، وهذا قول الكلبي .
والثالث : أنها أرض الدنيا ، والذي يرثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا قول ابن عباس .
قوله عز وجل : { إِنَّ فِي هذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ } أما قوله { إِنَّ فِي هذَا } ففيه قولان :
أحدهما : يعني في القرآن .
والثاني : في هذه السورة .
وفي قوله : { لَبَلاَغاً لَّقُوْمٍ عَابِدِينَ } وجهان :
أحدهما : أنه بلاغ إليهم يَكُفُّهُم عن المعصية ويبعثهم على الطاعة .
الثاني : أنه بلاغ لهم يبلغهم إلى رضوان الله وجزيل ثوابه .
وفي قوله : { عَابِدِينَ } وجهان :
أحدهما : مطيعين .
والثاني : عالمين .
قوله عز وجل : { وَمَا أرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } فيما أريد بهذه الرحمة وجهان :
أحدهما : الهداية إلى طاعة الله واستحقاق ثوابه .
الثاني : أنه ما رفع عنهم من عذاب الاستئصال .
وفي قوله : { لِلْعَالَمِينَ } وجهان :
أحدهما : من آمن منهم ، فيكون على الخصوص في المؤمنين إذا قيل إن الرحمة الهداية .
الثاني : الجميع ، فيكون على العموم في المؤمنين والكافرين إذا قيل إن الرحمة ما رفع عنهم من عذاب الاستئصال .

(3/100)


قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (109) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112)

قوله عز وجل : { فَإِن تَوَلَّواْ } يعني أعرضوا ، وفيه وجهان :
أحدهما : عنك .
والثاني : عن القرآن .
{ فَقُلْ ءَاذَنْتَكُمْ عَلَى سَوآءٍ } فيه سبعة تأويلات :
أحدها : على امر بَيِّنٍ سَوِي ، وهذا قول السدي .
والثاني : على مَهْل ، وهذا قول قتادة .
والثالث : على عدل ، وهذا قول الفراء .
والرابع : على بيان علانية غير سر ، وهذا قول الكلبي .
والخامس : على سَواءٍ في الإِعلام يظهر لبعضهم ميلاً عن بعض ، وهذا قول علي بن عيسى .
والسادس : استواء في الإِيمان به .
والسابع : معناه أن من كفر به فهم سواء في قتالهم وجهادهم ، وهذا قول الحسن .
قوله عز وجل : { وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } فيه وجهان :
أحدهما : لعل تأخير العذاب فتنة لكم .
والثاني : لعل رفع عذاب الاستئصال فتنة لكم .
وفي هذه الفتنة ثلاثة أوجه :
أحدها : هلاك لكم .
والثاني : محنة لكم .
والثالث : إحسان لكم .
{ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : إلى يوم القيامة ، وهذا قول الحسن .
والثاني : إلى الموت ، وهذا قول قتادة .
والثالث : إلى أن يأتي قضاء الله تعالى فيهم .
قوله عز وجل : { قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ } فيه وجهان :
أحدهما : عجّل الحكم بالحق .
الثاني : معناه افصل بيننا وبين المشركين بما يظهر به الحق للجميع ، وهذا معنى قول قتادة .
{ وَرَبُّنَا الرَّحَمنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : على ما تكذبون ، قاله قتادة .
والثاني : على ما تكتمون ، قاله الكلبي .
وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم إذا شهد قتالاً قرأ هذه الآية . والله أعلم .

(3/101)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)

قوله عز وجل : { يأيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } في زلزلتها قولان :
أحدهما : أنها في الدنيا ، وهي أشراط ظهورها ، وآيات مجيئها .
والثاني : أنها في القيامة .
وفيها قولان :
أحدهما : أنها نفخ الصور للبعث .
والثاني : أنها عند القضاء بين الخلق .
{ يَوْمَ تَرَوْنَهَا } يعني زلزلة الساعة
. { تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } وفيه أربعة أوجه
: أحدها : تسلو كل مرضعة عن ولدها ، قاله الأخفش .
والثاني : تشتغل عنه ، قاله قطرب ، ومنه قول عبد الله بن رواحة :
ضرباً يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
والثالث : تلهو عنه ، قاله الكلبي ، ومنه قول امرىء القيس
:
أذاهِلٌ أنت عن سَلْماك لا برحت ... أم لست ناسيها ما حنّت النيبُ
والرابع : تنساه ، قاله اليزيدي ، قال الشاعر :
تطاولت الأيام حتى نسيتها ... كأنك عن يوم القيامة ذاهل
{ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا } قال الحسن : تذهل الأم عن ولدها لغير فطام ، وتلقي الحامل ما في بطنها لغير تمام .
{ وَتَرَى النَّاس سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى } قال ابن جريج : هم سكارى من الخوف ، وما هم بسكارى من الشراب .

(3/102)


وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4)

قوله عز وجل : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } فيه قولان
: أحدهما : أن يخاصم في الدين بالهوى ، قاله سهل بن عبد الله .
والثاني : أن يرد النص بالقياس ، قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث .

(3/103)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)

قوله عز وجل : { يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنْتُم فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ } يعني آدم .
{ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } يعني ولده
. { ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ } يعني أن النطفة تصير في الرحم علقة
. { ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ } يعني أن العلقة تصير مضغة ، وذلك مقدار ما يمضع من اللحم .
{ مُّخَلَّقَةٍ وَغِيْرِ مُخَلَّقَةٍ } فيه أربعه تأويلات
: أحدها : أن المخلقة ما صار خلقاً ، وغير مخلقة ما دفعته الأرحام من النطف فلم يصير خلقاً ، وهو قول ابن مسعود .
والثاني : معناه تامة الخلق وغير تامة الخلق ، وهذا قول قتادة .
والثالث : معناه مصورة وغير مصورة كالسقط ، وهذا قول مجاهد .
والرابع : يعني التام في شهوره ، وغير التام ، قاله الضحاك ، قال الشاعر :
أفي غير المخلقة البكاءُ ... فأين العزم ويحك والحَياءُ
{ لِّنُبيِّنَ لَكُمْ } يعني في القرآن بدء خلقكم وتنقل أحوالكم
. { وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلّى أَجَلٍ مُّسَمًّى } قال مجاهد : إلى التمام
. { ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ } وقد ذكرنا عدد الأشُدّ
. { وَمِنْكُم مَّن يُتَوَفّى } فيه وجهان
: أحدهما : يعني قبل أن تبلغ إلى أرذل العمر .
والثاني : قبل بلوغ الأَشُدّ .
{ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : الهرم ، وهو قول يحيى بن سلام .
والثاني : إلى مثل حاله عند خروجه من بطن أمّه ، حكاه النقاش .
والثالث : ذهاب العقل ، قاله اليزيدي .
{ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً } فيه وجهان
: أحدهما : لا يستفيد علماً ما كان به عالماً .
الثاني : لا يعقل بعد عقله الأول شيئاً .
ويحتمل عندي وجهاً ثالثاً : أنه لا يعمل بعد علمه شيئاً ، فعبر عن العمل بالعلم [ لافتقاره إليه لأن تأثير الكبر في العمل أبلغ من تأثيره في العلم ] .
{ وتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً } فيه ثلاثة تأويلات
: أحدها : غبراء ، وهذا قول قتادة .
والثاني : يابسة لا تنبت شيئاً ، وهذا قول ابن جريج .
والثالث : أنها الدراسة ، والهمود : الدروس ، ومنه قول الأعشى :
قالت قتيلة ما لجسمك شاحباً ... وأرى ثيابك باليات همَّدا
{ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } وفي { اهْتَزَّتْ } وجهان
: أحدهما : معناه أنبتت ، وهو قول الكلبي .
والثاني : معناه اهتز نباتها واهتزازه شدة حركته ، كما قال الشاعر :
تثني إذا قامت وتهتز إن مشت ... كما اهتز غُصْن البان في ورق خضرِ
{ وَرَبَتْ } وجهان
: أحدهما : معناه أضعف نباتها .
والثاني : معناه انتفخت لظهور نباتها ، فعلى هذا الوجه يكون مقدماً ومؤخراً وتقديره : فإذا أنزلنا عليها الماء رَبتْ واهتزت ، وهذا قول الحسن وأبي عبيدة ، وعلى الوجه الأول لا يكون فيه تقديم ولا تأخير .
{ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } فيه وجهان
: أحدهما : يعني من كل نوع ، وهو قول ابن شجرة .
والثاني : من كل لون لاختلاف ألوان النبات بالخضرة والحمرة والصفرة .
{ بَهِيجٍ } يعني حسن الصورة .

(3/104)


وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10)

قوله عز وجل : { . . . ثَانِيَ عِطْفِهِ } فيه وجهان
: أحدهما : لاَوِي عنقه إعراضاً عن الله ورسوله ، وهذا قول مجاهد ، وقتادة .
الثاني : معناه لاَوِي عنقه كِبْرا عن الإِجابة ، وهذا قول ابن عباس .
قال المفضل : والعِطف الجانب ، ومنه قولهم فلان ينظر في أعطافه أي في جوانبه . قال الكلبي : نزلت في النضر بن الحارث .
{ لِيضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ } فيه وجهان
: أحدهما : تكذيبه للرسول وإعراضه عن أقواله .
والثاني : فإذا أراد أحد من قومه الدخول في الإسلام أحضره وأقامه وشرط له وعاتبه وقال : هذا خير لك مما يدعوك إليه محمد ، حكاه الضحاك .

(3/105)


وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13)

قوله عز وجل : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني على وشك وهو قول مجاهد ، لكونه منحرفاً بين الإِيمان والكفر .
والثاني : على شرط ، وهو قول ابن كامل .
والثالث : على ضعف في العبادة كالقيام على حرف ، وهو قول علي بن عيسى .
ويحتمل عندي تأويلاً رابعاً : أن حرف الشي بعضه ، فكأنه يعبد الله بلسانه ويعصيه بقلبه .
{ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ } وهذا قول الحسن .
الثاني : أن ذلك نزل في بعض قبائل العرب وفيمن حول المدينة من أهل القرى ، كانوا يقولون : نأتي محمداً فإن صادفنا خيراً اتبعناه ، وإلا لحقنا بأهلنا ، وهذا قول ابن جريج ، فأنزل الله تعالى : { فإِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأنَّ بِهِ } .
ويحتمل وجهين آخرين :
أحدهما : اطمأن بالخير إلى إيمانه .
الثاني : اطمأنت نفسه إلى مقامه .
{ وَإِن أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ } أي محنة في نفسه أو ولده أو ماله
. { انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ } يحتمل عندي وجهين
: أحدهما : رجع عن دينه مرتداً .
الثاني : رجع إلى قومه فزعاً .
{ خَسِرَ الدُّنْيَا والآخرة } خسر الدنيا بفراقه ، وخسر الآخرة بنفاقه
. { ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانِ الْمُبِينُ } أي البيِّن لفساد عاجله وذَهَاب آجله
. قوله عز وجل : { لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئسْ الْعَشِيرُ } يعني الصنم ، وفيه وجهان :
أحدهما : أن المولى الناصر ، والعشير الصاحب ، وهذا قول ابن زيد .
والثاني : المولى المعبود ، والعشير الخليط ، ومنه قيل للزوج عشير لخلطته مأخوذ من المعاشرة .

(3/106)


إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)

قوله عز وجل : { مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ } فيه ثلاثة تأويلات
: أحدها : أن يرزقه الله ، وهو قول مجاهد ، والنصر الرزق ، ومنه قول الأعشى .
أبوك الذي أجرى عليّ بنصره ... فأنصب عني بعده كل قابل
والثالث : معناه أن لن يمطر أرضه ، ومنه قول رؤبة :
إني وأسطار سطران سطرا ... لقائل يا نصرَ نصرٍ نصرا
إني عبيدة : يقال للأرض الممطرة أرض منصورة .
{ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } والنصر في الدنيا بالغلبة ، وفي الآخرة بظهور الحجة .
ويحتمل وجهاً آخر أن يكون النصر في الدنيا علو الكلمة ، وفي الآخرة علو المنزلة .
{ فَلْيَمْدُدْ بِسبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ } فيه تأويلان :
أحدهما : فليمدد بحبل إلى سماء الدنيا ليقطع الوحي عن محمد ثم لينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ أي يذهب الكيد منه ما يغيظه من نزول الوحي عليه ، وهذا قول ابن زيد .
والثاني : فليمدد بحبل إلى سماء بيته وهو سقفه ، ثم لِيخْنقَ به نفسه فلينظر هل يذهب ذلك بغيظه من ألا يرزقه الله تعالى ، وهذا قول السدي .

(3/107)


أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18)

قوله عز وجل : { وَمَن يُهِن اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكرمٍ } فيه وجهان
: أحدهما : ومن يهن الله فيدخله النار فما له من مكرم فيدخله الجنة .
{ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ } من ثواب وعقاب ، وهذا قول يحيى بن سلام
. والثاني : ومن يهن الله بالشقوة فما له من مكرم بالسعادة .
{ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءَ } من شقوة ، وهذا قول الفراء وعلي بن عيسى
. ويحتمل عندي وجهاً ثالثاً : ومن يهن الله بالإِنتقام فما له من مكرم بالإنعام ، إن الله يفعل ما يشاء من إنعام وانتقام .

(3/108)


هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)

قوله عز وجل : { هذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ } والخصمان ها هنا فريقان ، وفيهما أربعة أقاويل :
أحدها : أنهما المسلمون والمشركون حين اقتتلوا في بدر ، وهذا قول أبي ذر ، وقال محمد بن سيرين : نزلت في الثلاثة الذين بارزوا يوم بدر ثلاثة من المشركين فقتلوهم .
والثاني : أنهم أهل الكتاب قالوا : نبينا قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم .
ونحن خير منكم ، فقال المسلمون كتابنا يقضي على كتابكم ، ونبينا خاتم الأنبياء .
ونحن أولى بالله منكم ، وهذا قول قتادة .
والثالث : أنهم أهل الإِيمان والشرك في اختلافهم في البعث والجزاء ، وهذا قول مجاهد ، والحسن ، وعطاء .
والرابع : هما الجنة والنار اختصمتا ، فقالت النار : خلقني الله لنقمته ، وقالت الجنة : خلقني الله لرحمته ، وهذا قول عكرمة .
{ فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعْتَ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ } معناه أن النار قد أحاطت بها كإحاطة الثياب المقطوعة إذا لبسوها عليهم ، فصارت من هذا الوجه ثياباً ، لأنها بالإِحاطة كالثياب .
{ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ } ها هنا هو الماء الحار ، قال الشاعر :
كأن الحميم على متنها ... إذا اغترفته بأطساسها
جُمان يحل على وجنةٍ ... علته حدائد دوّاسها
وضم الحميم إلى النار وإن كانت أشد منه لأنه ينضج لحومهم ، والنار بانفرادها تحرقها ، فيختلف به العذاب فيتنوع ، فيكون أبلغ في النكال .
وقيل إنها نزلت في ثلاثة من المسلمين قتلوا ثلاثة من المشركين يوم بدر حمزة بن عبد المطلب قتل عتبة بن ربيعة ، وعليّ بن أبي طالب قتل الوليد بن عتبة ، وعبيدة بن الحارث قتل شيبة بن ربيعة .
قوله تعالى : { يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : يحرق به وهو قول يحيى بن سلام .
والثاني : يقطع به ، وهو قول الحسن .
والثالث : ينضج به ، وهو قول الكلبي ومنه قول العجاج :
شك السفافيد الشواء المصطهرْ ... والرابع : يذاب به ، وهو قول مجاهد ، مأخوذ من قولهم : صهرت الألية إذا أذبتها ، ومنه قول ابن أحمر :
تروي لقى ألقى في صفصفٍ ... تصهره الشمس فما ينْصهِر
{ وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ } والمقامع : جمع مقمعة ، والمقمعة ما يضرب به الرأس لا يعي فينكب أو ينحط .

(3/109)


إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)

قوله عز وجل : { وَهُدُواْ إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ } فيه أربعة تأويلات
: أحدها : أنه قول لا إله إلا الله ، وهو قول الكلبي .
والثاني : أنه الإِيمان ، وهو قول الحسن .
والثالث : القرآن ، وهو قول قطرب .
والرابع : هو الأمر بالمعروف .
ويحتمل عندي تأويلاً خامساً : أنه ما شكره عليه المخلوقون وأثاب عليه الخالق .
{ وَهُدُواْ إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ } فيه تأويلان
: أحدهما : الإِسلام ، وهو قول قطرب .
والثاني : الجنة .
ويحتمل عندي تأويلاً ثالثاً : أنه ما حمدت عواقبه وأمنت مغبته .

(3/110)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)

قوله عز وجل : { . . . وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ } فيه قولان :
أحدهما : أنه أراد المسجد نفسه ، ومعنى قوله : { الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ } أي قبلة لصلاتهم ومنسكاً لحجهم .
{ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ } وهو المقيم ، { وَالْبَادِ } وهو الطارىء إليه ، وهذا قول ابن عباس .
والقول الثاني : أن المراد بالمسجد الحرام جميع الحرم ، وعلى هذا في قوله :
{ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } وجهان
: أحدهما : أنهم سواء في دوره ومنازله ، وليس العاكف المقيم أولى بها من البادي المسافر ، وهذا قول مجاهد ومَنْ منع بيع دور مكة كأبي حنيفة .
والثاني : أنهما سواء في أن من دخله كان آمناً ، وأنه لا يقتل بها صيداً ولا يعضد بها شجراً .
{ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } والإِلحاد : الميل عن الحق والباء في قوله : { بِإِلْحَادٍ } زائدة كزيادتها في قوله تعالى : { تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ } [ المؤمنون : 20 ] ومثلها في قول الشاعر :
نحن بنو جعدة أصحاب الفلج ... نضرب بالسيف ونرجو بالفَرَجِ
أي نرجو الفرج ، فيكون تقدير الكلام : ومن يرد فيه إلحاداً بظلم
. وفي الإِلحاد بالظلم أربعة تأويلات :
أحدها : أنه الشرك بالله بأن يعبد فيه غير الله ، وهذا قول مجاهد ، وقتادة .
والثاني : أنه استحلال الحرام فيه ، وهذا قول ابن مسعود .
والثالث : استحلال الحرام متعمداً ، وهذا قول ابن عباس .
والرابع : أنه احتكار الطعام بمكة ، وهذا قول حسان بن ثابت .
قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمرته عام الحديبية .

(3/111)


وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)

قوله عز وجل : { وَإِذْ بَوَّأنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ } فيه وجهان
: أحدهما : معناه وطأنا له مكان البيت ، حكاه ابن عيسى .
والثاني : معناه عرفناه مكان البيت بعلامة يستدل بها .
وفي العلامة قولان :
أحدهما : قاله قطرب ، بعثت سحابة فتطوقت حيال الكعبة فبنى على ظلها .
الثاني : قاله السدي ، كانت العلامة ريحاً هبت وكنست حول البيت يقال لها الخجوج .
{ أَن لاَّ تُشْرِكَ بِي شَيْئاً } أي لا تعبد معي إلهاً غيري
. { وَطَهِّرْ بَيْتِيَ } فيه ثلاثة أوجه
: أحدها : من الشرك وعبادة الأوثان ، وهذا قول قتادة .
الثاني : من الأنجاس والفرث والدم الذي كان طرح حول البيت ، ذكره ابن عيسى .
والثالث : من قول الزور ، وهو قول يحيى بن سلام .
{ لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } أما الطائفون فيعني بالبيت وفي { الْقَائِمِينَ } قولان
: أحدهما : يعني القائمين في الصلاة ، وهو قول عطاء .
والثاني : المقيمين بمكة ، وهو قول قتادة .
{ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } يعني في الصلاة ، وفي هذا دليل على ثواب الصلاة في البيت . وحكى الضحاك أن إبراهيم لما حضر أساس البيت وحد لَوْحاً ، عليه مكتوب : أنا الله ذو بكّة ، خلقت الخير والشر ، فطوبى لمن قَدَّرْتُ على يديه الخير ، وويلٌ لمن قدرت على يديه الشر .
وتأول بعض أصحاب الخواطر قوله : { وَطَهِّرْ بَيْتِيَ } يعني القلوب .
{ لِلطَّآئِفِينَ } يعني حجاج الله ، { وَالْقَآئِمِينَ } يعني الإِيمان ، { وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } يعني الخوف والرجاء .
قوله عز وجل : { وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ } يعني أَعْلِمْهُم ونَادِ فيهم بالحق ، وفيه قولان :
أحدهما : أن هذا القول حكاية عن أمر الله سبحانه لنبيه إبراهيم ، فروي أن إبراهيم صعد جبل أبي قبيس فقال : عباد الله إن الله سبحانه وتعالى قد ابتنى بيتاً وأمَرَكُمْ بحجه فَحُجُّوا ، فأجابه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء : لبيك داعي ربنا لبيك . ولا يحجه إلى يوم القيامة إلا من أجاب دعوة إبراهيم ، وقيل إن أول من أجابه أهل اليمن ، فهم أكثر الناس حجاً له .
والثاني : أن هذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس بحج البيت .
{ يَأْتُوكَ رِجَالاً } يعني مشاة على أقدامهم ، والرجال جمع راجل
. { وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ } أي جملٍ ضامر ، وهو المهزول ، وإنما قال { ضَامِرٍ } لأنه ليس يصل إليه إلا وقد صار ضامراً .
{ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ } أي بعيد ، ومنه قول الشاعر :
تلعب لديهن بالحريق ... مدى نياط بارح عميق

(3/112)


لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)

قوله عز وجل : { لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ } فيه ثلاثة تأويلات
: أحدها : أنه شهود المواقف وقضاء المناسك .
والثاني : أنها المغفرة لذنوبهم ، قاله الضحاك .
والثالث : أنها التجارة في الدنيا والأجر في الآخرة ، وهذا قول مجاهد .
{ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامِ مَّعْلُومَاتٍ } فيها ثلاثة أقاويل
: أحدها : أنها عشر ذي الحجة آخرها يوم النحر ، وهذا قول ابن عباس ، والحسن ، وهو مذهب الشافعي .
والثاني : أنها أيام التشريق الثلاثة ، وهذا قول عطية العوفي .
والثالث : أنها يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر ، وهذا قول الضحاك .
{ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ } يعني على نحر ما رزقهم نحره من بهيمة الأنعام ، وهي الأزواج الثمانية من الضحايا والهدايا .
{ فَكَلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } في الأكل والإِطعام ثلاثة أوجه
: أحدها : أن الأكل والإِطعام واجبان لا يجوز أن يخل بأحدهما ، وهذا قول أبي الطيب بن سلمة .
والثاني : أن الأكل والإطعام مستحبان ، وله الاقتصار على أيهما شاء وهذا قول أبي العباس بن سريج .
والثالث : أن الأكل مستحب والإطعام واجب ، وهذا قول الشافعي ، فإن أطعم جميعها أجزأه ، وإن أكل جميعها لم يُجْزه ، وهذا فيما كان تطوعاً ، وأما واجبات الدماء فلا يجوز أن نأكل منها .
وفي { الْبآئِسَ الْفَقِيرَ } خمسة أوجه :
أحدها : أن الفقير الذي به زمَانةٌ ، وهو قول مجاهد .
والثاني : الفقير الذي به ضر الجوع .
والثالث : أن الفقير الذي ظهر عليه أثر البؤس .
والرابع : أنه الذي يمد يده بالسؤال ويتكفف بالطلب .
والخامس : أنه الذي يؤنف عن مجالسته .
قوله عز وجل : { ثُمَّ لْيَقْضَواْ تَفَثَهُمْ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : مناسك الحج ، وهو قول ابن عباس ، وابن عمر .
والثاني : حلق الرأس ، وهو قول قتادة ، قال أمية بن أبي الصلت .
حفوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثاً ... . . . . . . . . . . . . . .
والثالث : رمي الجمار ، وهو قول مجاهد
. والرابع : إزالة قشف الإِحرام من تقليم ظفر وأخذ شعر وغسل واستعمال الطيب ، وهو قول الحسن .
وقيل لبعض الصلحاء : ما المعنى في شعث المحرم؟ قال : ليشهد الله تعالى منك الإِعراض عن العناية بنفسك فيعلم صدقك في بذلها لطاعته .
وسئل الحسن عن التجرد في الحج فقال : جرّد قلبك من السهو ، ونفسك من اللهو ولسانك من اللغو ، ثم يجوز كيف شئت .
وقال الشاعر :
قضوا تفثاً ونحباً ثم سارواْ ... إلى نجدٍ وما انتظروا علياً
{ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ } وهو تأدية ما نذروه في حجهم من نحر أو غيره
. { وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } يعني طواف الإِفاضة ، وهو الواجب في الحج والعمرة ، ولا يجوز في الحج إلا بعد عرفة ، وإن جاز السعي .
وفي تسمية البيت عتيقاً أربعة أوجه :
أحدها : أن الله أعتقه من الجبابرة ، وهو قول ابن عباس .
الثاني : لأنه عتيق لم يملكه أحد من الناس ، وهو قول مجاهد .
والثالث : لأنه أعتق من الغرق في الطوفان ، وهذا قول ابن زيد .

(3/113)