صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : النكت والعيون
المؤلف : أبوالحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)

قوله عز وجل : { أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ } وفي تسميتهم مساكين أربعة أوجه :
أحدها : لفقرهم وحاجتهم .
الثاني : لشدة ما يعانونه في البحر ، كما يقال لمن عانى شدة قد لقي هذا المسكين جهداً .
الثالث : لزمانة كانت بهم وعلل .
الرابع : لقلة حيلتهم وعجزهم عن الدفع عن أنفسهم ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم « مِسْكِينٌ رَجُلٌ لاَ امرأة له » فسماه مسكيناً لقلة حيلته وعجزه عن القيام بنفسه لا لفقره ومسكنته .
وقرأ بعض أئمة القراء « لِمَسَّاكِينَ » بتشديد السين ، والمساكون هم الممسكون ، وفي تأويل ذلك وجهان :
أَحدهما : لممسكون لسفينتهم للعمل فيها بأنفسهم .
الثاني : الممسكون لأموالهم شحاً فلا ينفقونها .
{ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا } أي أن أُحْدِثَ فيها عيباً .
{ وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ } في قوله { وَرَآءَهُم مَّلِكٌ } وجهان :
أحدهما : أنه خلفهم ، وكان رجوعهم عليه ولم يعلموا به ، قاله الزجاج .
الثاني : أنه كان أمامهم . وكان ابن عباس يقرأ : { وَكَانَ أَمَامَمُم مَّلِكٌ }
واختلف أهل العربية في استعمال وراء موضع أمام على ثلاثة أقاويل :
أحدها : يجوز استعماله بكل حال وفي كل مكان وهو من الأضداد ، قال الله تعالى { مِن وَرَائِهِم جَهَنَّمُ } أي من أمامهم وقدامهم جهنم قال الشاعر :
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا
يعني أمامي .
الثاني : أن وراء يجوز أن يستعمل في موضع أمام في المواقيت والأزمان لأن الإنسان قد يجوزها فتصير وراءه ولا يجوز في غيرها .
الثالث : أنه يجوز في الأجسام التي لا وجه لها كحجرين متقابلين كل واحد منهما وراء الآخر ، ولا يجوز في غيره قاله ابن عيسى .
{ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً } قرأ ابن مسعود : يأخذ كل سفينة صالحة غصباً . وهكذا كان الملك يأخذ كل سفينة جيدة غصباً ، فلذلك عباها الخضر لتسلم من الملك . وقيل إن اسم الملك هُدَد بن بُدَد ، وقال مقاتل : كان اسمه مندلة بن جلندى بن سعد الأزدي .

(2/494)


وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81)

قوله عز وجل : { وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنَ فَخَشِينآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً } قال سعيد بن جبير : وجد الخضر غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً ظريفاً فأضجعه وذبحه ، وقيل كان الغلام سداسياً وقيل أنه أراد بالسداسي ابن ست عشرة سنة ، وقيل بل أراد أن طوله ستة أشبار ، قاله الكلبي : وكان الغلام لصاً يقطع الطريق بين قرية أبيه وقرية أمه فينصره أهل القريتين ويمنعون منه .
قال قتادة : فرح به أبواه حين ولد ، وحزنا عليه حين قتل ، ولو بقي كان فيه هلاكهما . قيل كان اسم الغلام جيسور . قال مقاتل وكان اسم أبيه كازير ، واسم أمه سهوى .
{ فَخَشِينآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْياناً وَكُفْراً } فيه ثلاة أوجه :
أحدهما : علم الخضر أن الغلام يرهق أبويه طغياناً وكفراً لأن الغلام كان كافراً قال قتادة : وفي قراءة أُبي { وَأَمَّا الغُلامُ فَكَانَ كَافِراً وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ } فعبر عن العلم بالخشية .
الثاني : معناه فخاف ربك أن يرهق الغلام أبويه طغياناً وكفراً ، فعبر عن الخوف بالخشية قال مقاتل : في قراءة أبي { فَخَافَ رَبُّكَ } والخوف ها هنا استعارة لانتفائه عن الله تعالى .
الثالث : وكره الخضر أن يرهق الغلام أبويه بطغيانه وكفره إثماً وظلماً فصار في الخشية ها هنا ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها العلم .
الثاني : أنها الخوف .
الثالث : الكراهة .
وفي { يُرْهِقَهُمَا } وجهان :
أحدهما : يكفلهما ، قاله ابن زيد .
الثاني : يحملهما على الرهق وهو الجهد . { فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا ربهما خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : خيراً منه إسلاماً ، قاله ابن جريج .
الثاني : خيراً منه علماً ، قاله مقاتل .
الثالث : خيراً منه ولداً .
وكانت أمه حبلى فولدت ، وفي الذي ولدته قولان :
أحدهما : ولدت غلاماً صالحاً مسلماً ، قاله ابن جريج .
الثاني : ولدت جارية تزوجها نبي فولدت نبياً هدى الله على يديه أمة من الأمم .
{ وَأَقْرَبَ رُحْماً } فيه ثلاثة أوجه : أحدها : يعني أكثر براً بوالديه من المقتول ، قاله قتادة ، وجعل الرحم البر ، ومنه قول الشاعر :
طريدٌ تلافاه يزيد برحمةٍ ... فلم يُلْف من نعمائه يتعذَّرُ
الثاني : أعجل نفعاً وتعطفاً ، قال أبو يونس النحوي وجعل الرحم المنفعة والتعطف ، ومنه قول الشاعر :
وكيف بظلم جارية . . . ... ومنها اللين والرحم
الثالث : أقرب أن يرحما به ، والرُّحم الرحمة ، قاله أبو عَمْرو بن العلاء ، ومنه قول الشاعر :
أحنى وأرحمُ مِن أمٍّ بواحدِها ... رُحْماً وأشجع من ذي لبدةٍ ضاري

(2/495)


وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)

قوله تعالى : { وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الَْمَدِينَةِ } زعم مقاتل أن اسم الغلامين صرم وصريم ، واسم أبيهما كاشخ ، واسم أمهما رهنا ، وأن المدينة قرية تسمى عيدشى .
وحقيقة الجدار ما أحاط بالدار حتى يمنع منها ويحفظ بنيانها ، ويستعمل في غيرها من حيطانها مجازاً .
{ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا } وفي هذا الكنز ثلاثة أقاويل : أحدها : صحف علم ، قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد .
الثاني : لوح من ذهب مكتوب فيه حِكَم ، قاله الحسن ، وروى ابن الكلبي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « { وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا } ، كَانَ الكَنزُ لَوحاً مِن ذَهَبٍ مَكْتُوباً فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ عَجَبٌ لِّمِنَ يُؤِمِنُ بِالمَوتِ كَيْفَ يَفْرَحُ ، عَجَبٌ لِّمَن يُوقِنُ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ ، عَجَبٌ لِّمَن يُوقِنُ بِزَوالِ الدُّنيَا وَتَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا كَيفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
» . الثالث : كنز : مال مذخور من ذهب وفضة ، قاله عكرمة وقتادة .
{ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا } قيل إنهما حفظا لصلاح أبيهما السابع ، قال محمد بن المنكدر : إن الله تعالى يحفظ عبده المؤمن في ولده وولد ولده وفي ذريته وفي الدويرات حوله . وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .
واختلف أهل العلم في بقاء الخضر عليه السلام إلى يوم ، فذهب قوم إلى بقائه لأنه شرب من عين الحياة . وذهب آخرون إلى أنه غير باقٍ لأنه لو كان باقياً لعرف ، ولأنه لا يجوز أن يكون بعد نبينا صلى الله عليه وسلم نبي وهذا قول من زعم أن الخضر نبي .

(2/496)


وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84)

قوله عز وجل : { وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ } اختلف فيه هل كان نبياً؟ فذهب قوم إلى أنه نبي مبعوث فتح الله على يده الأرض وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يكن نبياً ولا ملكاً ، ولكنه كان عبداً صالحاً أحب الله وأحبه الله ، وناصح لله فناصحه الله ، وضربوه على قرنه فمكث ما شاء الله ثم دعاهم إلى الهدى فضربوه على قرنه الآخر ، ولم يكن له قرنان كقرني الثور .
واختلف في تسميته بذي القرنين على أربعة أقاويل :
أحدها : لقرنين في جانبي رأسه على ما حكى علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
الثاني : لأنه كانت له ضفيرتان فَسُمِّيَ بهما ذو القرنين ، قاله الحسن .
الثالث : لأنه بلغ طرفي الأرض من المشرق والمغرب ، فَسُمِّيَ لاستيلائه . على قرني الأرض ذو القرنين ، قاله الزهري .
الرابع : لأنه رأى في منامه أنه دنا من الشمس حتى أخذ بقرنيها في شرقها وغربها ، فقص رؤياه على قومه فَسُمِّيَ ذو القرنين ، قال وهب بن منبه .
وحكى بن عباس أن ذا القرنين هو عبد الله بن الضحاك بن معد ، وحكى محمد بن إسحاق أنه رجل من إهل مصر اسمه مرزبان بن مردبة اليوناني ولد يونان بن يافث بن نوح . وقال معاذ بن جبل : كان رومياً اسمه الاسكندروس . قال ابن هشام : هو الإِسكندر وهو الذي بنى الإسكندرية .
قوله عز وجل : { إِنَّا مَكَنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : باستيلائه على ملكها .
الثاني : بقيامه بمصالحها .
{ وَأَتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً } فيه وجهان :
أحدهما : من كل شيء علماً ينتسب به إلى إرادته ، قاله ابن عباس وقتادة .
الثاني : ما يستعين به على لقاء الملوك وقتل الأعداء وفتح البلاد .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : وجعلنا له من كل أرض وليها سلطاناً وهيبة .

(2/497)


فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)

قوله عز وجل : { فَأَتْبَعَ سَبَاً } فيه أربعة أوجه :
أحدها : منازل الأرض ومعالمها .
الثاني : يعني طرقاً بين المشرق والمغرب ، قاله مجاهد ، وقتادة .
الثالث : طريقاً إلى ما أريد منه .
الرابع : قفا الأثر ، حكاه ابن الأنباري .
{ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } قرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص { حَمِئَةٍ } وفيها وجهان :
أحدهما : عين ماء ذات حمأة ، قاله مجاهد ، وقتادة .
الثاني : يعني طينة سوداء ، قاله كعب .
وقرأ بن الزبير ، والحسن : { فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ } وهي قراءة الباقين يعني حارة .
فصار قولاً ثالثاً : وليس بممتنع أن يكون ذلك صفة للعين أن تكون حمئة سوداء حامية ، وقد نقل مأثوراً في شعر تُبَّع وقد وصف ذا القرنين بما يوافق هذا فقال :
قد كان ذو القرنين قبلي مسلماً . . ... ملكاً تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمرٍ من حكيم مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها ... في عين ذي خُلُبٍ وثاطٍ حرمد
الخُلُب : الطين . والثأط : الحمأة . والحرمد : الأسود .
ثم فيها وجهان : أحدهما : أنها تغرب في نفس العين .
الثاني : أنه وجدها تغرب وراء العين حتى كأنها تغيب في نفس العين .
{ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } فيه وجهان :
أحدهما : أنه خيره في عقابهم أو العفو عنهم .
الثاني : إما أن تعذب بالقتل لمقامهم على الشرك وإما أن تتخذ فيهم حُسناً بأن تمسكهم بعد الأسر لتعلمهم الهدى وتستنقذهم من العَمَى ، فحكى مقاتل أنه لم يؤمن منهم إلا رجل واحد .

(2/498)


ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91)

قوله عز وجل : { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً } قرىء بقطع الألف ، وقرىء بوصلها وفيها وجهان :
أحدهما : معناهما واحد .
الثاني : مختلف . قال الأصمعي : بالقطع إذا لحق ، وبالوصل إذا كان على الأثر ، وإن لم يلحق .
{ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ } قرىء بكسر اللام ، وقرىء بفتح اللام ، وفي اختلافهما وجهان :
أحدهما : معناهما واحد .
الثاني : معناهما مختلف . وهي بفتح اللام الطلوع ، وبكسرها الموضع الذي تطلع منه . والمراد بمطلع الشمس ومغربها ابتداء العمارة وانتهاؤها .
{ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً } يعني من دون الشمس ما يسترهم منها من بناء أو شجر أو لباس . وكانوا يأوون إذا طلعت عليهم إلى أسراب لهم ، فإذا زالت عنهم خرجوا لصيد ما يقتاتونه من وحش وسمك .
قال ابن الكلبي : وهم تاريس وتأويل ومنسك .
وهذه الأسماء والنعوت التي نذكرها ونحكيها عمن سلف إن لم تؤخذ من صحف النبوة السليمة لم يوثق بها ، ولكن ذكرت فذكرتها . وقال قتادة . هم الزنج .

(2/499)


ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96)

قوله عز وجل : { حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ } بالفتح قرأ ابن كثير وابو عمرو وعاصم في رواية حفص . وقرأ الباقون بين السُّدين وبالضم ، واختلف فيهما على قولين .
أحدهما : أنهما لغتان معناهما واحد .
الثاني : أن معناهما مختلف .
وفي الفرق بينهما ثلاثة أوجه :
أحدها : أن السد بالضم من فعل الله عز وجل وبالفتح من فعل الآدميين .
الثاني : أنه بالضم الاسم ، وبالفتح المصدر ، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك . والسدان جبلان ، قيل إنه جعل الروم بينهما ، وفي موضعهما قولان :
أحدهما : فيما بين إرمينية وأذربيجان .
الثاني : في منقطع الترك مما يلي المشرق .
{ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } أي من دون السدين ، وفي { يَفْقَهُونَ } قراءتان :
إحداهما : بفتح الياء والقاف يعني أنهم لا يفهمون كلام غيرهم .
والقراءة الثانية : بضم الياء وكسر القاف ، أي لا يفهم كلامهم غيرهم .
قوله عز وجل : { قَالُواْ يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ } وهما من ولد يافث بن نوح ، واسمهما مأخوذ من أجت النار إذا تأججت ، ومنه قول جرير :
وأيام أتين على المطايا ... كأن سمومهن أجيج نارٍ
واسمها في الصحف الأولى ياطغ وماطغ . وكان أبو سعيد الخدري يقول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لاَ يَمُوتُ الرَّجُلُ منهُمْ حتى يُولَدُ لِصُلْبِهِ أَلْفُ رَجُلٍ
» . واختلف في تكليفهم على قولين :
أحدهما : أنهم مكلفون لتمييزهم .
الثاني : أنهم غير مكلفين لأنهم لو كلفوا لما جاز ألاَّ تبلغهم دعوة الإسلام .
{ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً } قرأ حمزة والكسائي : { خَرَاجاً } وقرأ الباقون { خَرْجاً } وفي اختلاف القراءتين ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الخراج الغلة ، والخرج الأجرة .
الثاني : أن الخراج اسم لما يخرج من الأرض ، والخرج ما يؤخذ عن الرقاب ، قاله أبو عمرو بن العلاء .
الثالث : أن الخرج ما يؤخذ دفعة ، والخراج ثابت مأخوذ في كل سنة ، قاله ثعلب .
قوله عز وجل : { قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ } يعني خير من الأجر الذي تبذلونه لي .
{ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ } فيه وجهان :
أحدهما : بآلة ، قاله الكلبي .
الثاني : برجال ، قاله مقاتل .
{ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً } فيه وجهان :
أحدهما : أنه الحجاب الشديد .
الثاني : أنه السد المتراكب بعضه على بعض فهو أكبر من السد .
{ ءاتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها قطع الحديد ، قاله ابن عباس ومجاهد .
الثاني : أنه فلق الحديد ، قاله قتادة .
الثالث : أنه الحديد المجتمع ، ومنه الزَّبور لاجتماع حروفه في الكتابة ، قال تبع اليماني :
ولقد صبرت ليعلموه وحولهم ... زبر الحديد عشيةً ونهاراً
{ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ } قال ابن عباس ومجاهد والضحاك : الصدفان : جبلان ، قال عمرو بن شاش :
كلا الصدفين ينفذه سناها ... توقد مثل مصباح الظلام
وفيهما وجهان :
أحدهما : أن كل واحد منهما محاذ لصاحبه ، مأخوذ من المصادفة في اللقاء ، قاله الأزهري .
الثاني : قاله ابن عيسى ، هما جبلان كل واحد منهما منعزل عن الآخر كأنه قد صدف عنه .

(2/500)


ثم فيه وجهان :
أحدهما : : أن الصدفين اسم لرأسي الجبلين
الثاني : اسم لما بين الجبلين .
ومعنى قوله : { سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ } أي بما جعل بينهما حتى وارى رؤوسهما وسوّى بينهما .
{ قَالَ انفُخُوا } يعني أي في نار الحديد .
{ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً } يعني ليناً كالنار في الحر واللهب .
{ قَالَ ءَاتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً } فيه أربعة أوجه :
أحدها : أن القطر النحاس ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك .
الثاني : أنه الرصاص حكاه ابن الأنباري .
الثالث : أنه الصفر المذاب ، قاله مقاتل ، ومنه قول الحطيئة :
وألقى في مراجل من حديد ... قدور الصُّفر ليس من البُرام
الرابع : أنه الحديد المذاب ، قاله أبو عبيدة وأنشد :
حُساماً كلون الملح صار حديده ... حراراً من أقطار الحديد المثقب
وكان حجارته الحديد وطينه النحاس .

(3/1)


فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99)

قوله عز وجل : { فَمَا اسْطَاعُواْ أَن يَظْهَرُوهُ } أي يعلوه . { وَمَا اسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً } يعني من أسفله ، قاله قتادة ، وقيل إن السد وراء بحر الروم بين جبلين هناك يلي مؤخرهما البحر المحيط . وقيل : ارتفاع السد مقدار مائتي ذراع ، وعرضه نحو خمسين ذراعاً وأنه من حديد شبه المصمت . ورُوي أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إِنِّي رَأَيتُ السَّدَّ : « قَالَ : انعَتهُ » قَالَ : هُوَ كَالبَرَدِ المُحَبَّر ، طَريقُه سَودَاءُ وَطَريقُه حَمْرَاءُ ، « قَالَ قَدْ رَأَيتَهُ
» . قوله عز وجل : { قَالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَّبِّي } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن عمله رحمة من الله تعالى لعباده .
الثاني : أن قدرته على عمله رحمة من الله تعالى له .
{ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ } قال ابن مسعود : وذلك يكون بعد قتل عيسى عليه السلام الدجال في حديث مرفوع . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إِنَّهُم يَدْأَبُونَ فِي حَفْرِهِم نَهَارُهُم حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا وَكَادُواْ يُبْصِرُونَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالُوا نَرْجِعُ غَداً فَنَحْفُرُ بَقِيَّتَهُ ، فَيَعُودُونَ مِنَ الغَدِ وَقَدِ اسْتَوَى كَمَا كَانَ ، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قَالُواْ : غَداً إِنْ شَاءَ اللَّهُ نَنْقُبُ بَقيَّتَهُ ، فَيَرْجِعُونَ إِلَيهِ فَيَنْقُبُونَهُ فِإِذِنِ اللَّهِ ، فَيَخْرُجُونَ مِنهُ عَلَى النَّاسِ مِن حُصُونِهِم ، ثُمَّ يَرْمُونَ نبلاً إِلَى السَّمَاءِ فِيَرْجِعُ إِلَيهِم فِيهَا أَمْثَالُ الدِّمَاءِ ، فَيَقُولُونَ قَدْ ظَفَرْنَا عَلَى أَهْلِ ألأَرْضِ وَقَهَرْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَعالَى عَلَيهِم مَّا يَهْلِكُهُم
» . { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي } فيه قولان :
أحدهما : يوم القيامة ، قاله ابن بحر .
الثاني : هو الأجل الذي يخرجون فيه .
{ جَعَلَهُ دَكَّآءَ } يعني السد ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أرضاً ، قاله قطرب .
الثاني : قطعاً ، قاله الكلبي .
الثالث : هدماً حتى اندك بالأرض فاستوى معها ، قاله الأخفشس ، ومنه قول الأغلب :
هل غيرغادٍ غاراً فانهدم ... قوله عز وجل : { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم القوم الذين ذكرهم ذو القرنين يوم فتح السد يموج بعضهم في بعض .
الثاني : الكفار في يوم القيامة يموج بعضهم في بعض .
الثالث : أنهم الإِنس والجن عند فتح السد .
وفيه وجهان :
أحدهما : يختلط بعضهم ببعض .
الثاني : يدفع بعضهم بعضاً ، مأخوذ من موج البحر .

(3/2)


وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102)

قوله عز وجل : { الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن الضلال كالمغطي لأعينهم عن تَذَكُّر الانتقام .
الثاني : أنهم غفلوا عن الاعتبار بقدرته الموجبة لذكره .
{ وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً } فيه وجهان :
أحدهما : أن المراد بالسمع ها هنا العقل ، ومعناه لا يعقلون الثاني : أنه معمول على ظاهره في سمع الآذان . وفيه وجهان :
أحدهما : لا يستطيعونه استثقالاً .
الثاني : مقتاً .
قوله عز وجل : { إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً } فيه تأويلان :
أحدهما : أن النزل الطعام ، فجعل جهنم طعاماً لهم ، قاله قتادة .
الثاني : أنه المنزل ، قاله الزجاج .

(3/3)


قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106)

قوله عز وجل : { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً } فيهم خسمة أقاويل :
أحدها : أنهم القسيسون والرهبان ، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
الثاني : أنهم الكتابيون اليهود والنصارى ، قاله سعد بن أبي وقاص .
الثالث : هم أهل حروراء من الخوارج ، وهذا مروي عن علي رضي الله عنه .
الرابع : هم أهل الأهواء .
الخامس : أنهم من يصطنع المعروف ويمن عليه .
ويحتمل سادساً : أنهم المنافقون بأعمالهم المخالفون باعتقادهم .
ويحتمل سابعاً : أنهم طالبو الدنيا وتاركو الآخرة .
قوله تعالى : { . . . فَلاَ نُقِيمُ لهُمْ يَوْمَ الْقيَامَةِ وَزْناً } فيه أربعة أوجه :
أحدها : لهوانهم على الله تعالى بمعاصيهم التي ارتكبوها يصيرون محقورين لا وزن لهم .
الثاني : أنهم لخفتهم بالجهل وطيشهم بالسفه صاروا كمن لا وزن لهم . الثالث : أن المعاصي تذهب بوزنهم حتى لا يوازنوا من خفتهم شيئاً . روي عن كعب أنه قال : يجاء بالرجل يوم القيامة . فيوزن بالحبة فلا يزنها ، يوزن بجناح البعوضة فلا يزنها ، ثم قرأ : { فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً }
الرابع : أن حسناتهم تُحبَط بالكفر فتبقى سيئاتهم . فيكون الوزن عليهم لا لهم .

(3/4)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108)

قوله عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُم جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً } في { الْفِرْدَوْسِ } خمسة أقاويل :
أحدها : أن الفردوس وسط الجنة وأطيب موضع فيها ، قاله قتادة .
الثاني : أنه أعلى الجنة وأحسنها ، رواه ضمرة مرفوعاً .
الثالث : أنه البستان بالرومية ، قاله مجاهد .
الرابع : أنه البستان الذي جمع محاسن كل بستان ، قاله الزجاج .
الخامس : أنه البستان الذي فيه الأعناب ، قاله كعب .
واختلف في لفظه على أربعة أقاويل :
أحدها : أنه عربي وقد ذكرته العرب في شعرها ، قاله ثعلب .
الثاني : أنه بالرومية ، قاله مجاهد .
الثالث : انه بالنبطية ، فرداساً ، قاله السدي .
الرابع : بالسريانية ، قاله أبو صالح .
قوله عز وجل : { خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } أي متحولاً وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : بدلاً ، قاله الضحاك .
الثاني : تحويلاً ، قاله مقاتل .
الثالث : حيلة ، أي لا يحتالون منزلاً غيرها .
وقيل إنه يقول أولهم دخولاً إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس أحد أفضل مني ، ويقول آخرهم دخولاً إنما أخرني الله لأنه ليس أحد أعطاه الله مثل ما أعطاني .

(3/5)


قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109)

قوله عز وجل : { قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه وعد بالثواب لمن أطاعه ، ووعيد بالعقاب لمن عصاه ، قاله ابن بحر ومثله { لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي }
الثاني : أنه العلم بالقرآن ، قاله مجاهد .
الثالث : وهذا إنما قاله الله تعالى تبعيداً على خلقه أن يُحصواْ أفعاله ومعلوماته ، وإن كانت عنده ثابتة محصية .

(3/6)


قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)

قوله عز وجل : { . . . فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلُ عَمَلاً صَالِحاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني فمن كان يخاف لقاء ربه ، قاله مقاتل ، وقطرب .
الثاني : من كان يأمل لقاء ربه .
الثالث : من كان يصدّق بلقاء ربه ، قاله الكلبي .
وفي لقاء ربه وجهان :
أحدهما : معناه ثواب ربه ، قاله سعيد بن جبير .
الثاني : من كان يرجو لقاء ربه إقراراً منه بالعبث إليه والوقوف بين يديه .
{ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه الخالص من الرياء ، قاله ذو النون المصري .
الثاني : أن يلقى الله به فلا يستحي منه ، قاله يحيى بن معاذ .
الثالث : أن يجتنب المعاصي ويعمل بالطاعات .
{ وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً } فيه وجهان :
أحدهما : أن الشرك بعباته الكفر ، ومعناه لا يُعْبَد معه غيرُه ، قاله الحسن .
الثاني : أنه الرياء ، ومعناه ولا يرائي بعمله أحداً ، قاله سعيد بن جبير ، ومجاهد .
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أَخْوَفُ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكَ وَالشَّهْوَةَ الخَفِيَّةَ » قيل : أتشرك أمتك بعدك؟ قال : « لاَ ، أَمَّا أَنَّهُم لاَ يَعْبُدونَ شَمْساً وَلاَ قَمَراً وَلاَ حَجراً وَلاَ وَثَناً وَلكِنّهُم يُرَاءُونَ بِعَمَلِهِم » فقيل : يا رسول الله وذلك شرك؟ فقال : « نَعَم » . قيل : وما الشهوة الخفية ، قال : « يُصْبِحُ أَحَدُهُم صَائِماً فَتَعْرِضُ لَهُ الشَّهْوَةُ مِن شَهَواتِ الدُّنْيَا فَيُفْطِرَ لَهَا وَيَتْرُكَ صَوْمَهُ
» . وحكى الكلبي ومقاتل : أن هذه الآية نزلت في جندب بن زهير العامري أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : إنا لنعمل العمل نريد به وجه الله فيثنى به علينا فيعجبنا ، وأني لأصلي الصلاة فأطولها رجاء أن يثنى بها عليّ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ أَنَا خَيرُ شَرِيكٍ فَمَنْ أَشَرَكَنِي فِي عَمَلٍ يَعْمَلُهُ لِي أَحَداً مِن خَلْقِي تَرَكْتُهُ وذلِكَ الشَّرِيكَ » ونزلت فيه هذه الآية : { فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً } فتلاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل إنها آخر آية نزلت من القرآن .

(3/7)


كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)

قوله تعالى : { كهيعص } فيه ستة أقاويل :
أحدها : أنه اسم من أسماء القرآن ، قاله قتادة .
الثاني : أنه اسم من أسماء الله ، قاله علي كرم الله وجهه .
الثالث : أنه استفتاح السورة ، قاله زيد بن أسلم .
الرابع : أن اسم السورة ، قاله لحسن .
الخامس : أنه من حروف الجُمل تفسيرلا إله إلا الله ، لأن الكاف عشرون والهاء خمسة والياء عشرة والعين سبعون والصاد تسعون . كذلك عدد حروف لا إله إلا الله ، حكه أبان بن تغلب .
السادس : أنها حروف أسماء الله .
فأما الكاف فقد اختلفوا فيها من أي اسم هي على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها من كبير ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنها من كاف ، قاله الضحاك .
الثالث : أنها من كريم ، قاله ابن جبير .
وأما الهاء فإنها من هادٍ عند جميعهم .
وأما الياء ففيها أربعة أقاويل :
أحدها : أنها من يمن ، قاله ابن عباس .
الثاني : من حكيم قاله ابن جبير .
الثالث : أنها من ياسين حكاه سالم .
الرابع : أنها من يا للنداء وفيه على هذا وجهان :
أحدهما : يا من يجيب من دعاه ولا يخيب من رجاه لما تعقبه من دعاء زكريا .
الثاني : يا من يجير ولا يجار عليه ، قاله الربيع بن أنس . وأما العين ففيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها من عزيز ، قاله ابن جبير . الثاني : أنها من عالم ، قاله ابن عباس .
الثالث : من عدل ، قاله الضحاك . وأما الصاد فإنها من صادق في قول جميعهم فهذا بيان للقول السادس .
ويحتمل سابعاً : أنها حروف من كلام أغمضت معانيه ونبه على مراده فيه يحتمل أن يكون : كفى وهدى من لا يعص فتكون الكاف من كفى والهاء من هدى والباقي حروف يعصى لأن ترك المعاصي يبعث على امتثال الأوامر واجتناب النواهي ، فصار تركها كافياً من العقاب وهادياً إلى الثواب وهذا أوجز وأعجز من كل كلام موجز لأنه قد جمع في حروف كلمة معاني كلام مبسوط وتعليل أحكام وشروط .
ثم ذكر حال من كفاه وهداه فقال : { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّآ } فذكر رحمته حين أجابه إلى ما سألِه فاحتمل وجهين :
أحدهما : أنه رحمه بإجابته له .
الثاني : أنه إجابة لرحمته له .
قوله تعالى : { . . . . نِدآءً خَفِيّاً } [ فيه قولان ] .
أحدهما : قاله ابن جريج ، سراً لا رياء فيه . قال قتادة إن الله يعلم القلب النقي ويسمع الصوت الخفي فأخفى زكريا نداءه لئلا ينسب إلى الرياء فيه .
الثاني : قاله مقاتل ، إنما أخفى لئلا يهزأ الناس به ، فيقولون انظروا إلى هذا الشيخ يسأل الولد .
ويحتمل ثالثاً : أن إخفاء الدعاء أخلص للدعاء وأرجى للإِجابة للسنة الواردة فيه : إن الذي تدعونه ليس بأصم .
قوله تعالى : { . . . إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي } أي ضعف وفي ذكره وهن العظم دون اللحم وجهان :

(3/8)


أحدهما : أنه لما وهن العظم الذي هو أقوى كان وهن اللحم والجلد أولى .
الثاني : أنه اشتكى ضعف البطش ، والبطش إنما يكون بالعظم دون اللحم .
{ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً } هذا من أحسن الاستعارة لأنه قد ينشر فيه الشيب كما ينشر في الحطب شعاع النار .
{ وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً } أي خائباً ، أي كنت لا تخيبني إذا دعوتك ولا تحرمني إذا سألتك .
قوله تعالى : { وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ . . . } فيهم أربعة أقاويل :
أحدها : العصبة ، قاله مجاهد وأبو صالح .
الثاني : الكلالة ، قاله ابن عباس .
الثالث : الأولياء أن يرثوا علمي دون من كان من نسلي قال لبيد :
ومولى قد دفعت الضيم عنه ... وقد أمسى بمنزلةِ المُضيمِ
الرابع : بنو العلم لأنهم كانواْ شرار بني إسرائيل .
وسموا موالي لأنهم يلونه في النسب لعدم الصلب .
وفيما خافهم عليه قولان :
أحدهما : أنه خافهم على الفساد في الأرض .
الثاني : أنه خافهم على نفسه في حياته وعلى أشيائه بعد موته .
ويجوز أن يكون خافهم على تبديل الدين وتغييره . روى كثير ابن كلثمة أنه سمع علي بن الحسين عليهما السلام يقرأ : { وَإِنِّي خِفْتُ } بالتشديد بمعنى قلّت .
وفي قوله : { مِن وَرَآءِي } وجهان :
أحدهما : من قدامي وهو قول الأخفش .
الثاني : بعد موتي ، قاله مقاتل .
قوله تعالى : { . . فَهَبْ لِي مِن لَّدنكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوة ، قاله أبو صالح .
الثاني : يرثني ويرث من آل يعقوب العلم والنبوة ، قاله الحسن .
الثالث : يرثني النبوة ويرث من آل يعقوب الأخلاق ، قاله عطاء .
الرابع : يرثني العلم ويرث من آل يعقوب الملك ، قاله ابن عباس ، فأجابه الله إلى وراثة العلم ويرث من آل يعقوب الملك ، قاله ابن عباس . فأجابه الله إلى وراثة العلم ولم يجبه إلى وارثة الملك . قال الكلبي : وكان آل يعقوب أخواله وهو يعقوب بن ماثان وكان فيهم الملك ، وكان زكريا من ولد هارون بن عمران أخي موسى . قال مقاتل ويعقوب بن ماثان هو أخو عمران أبي مريم لأن يعقوب وعمران إِبنا ماثان ، فروى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيَّآ مَا كَانَ عَلَيهِ مِن وَرثَتِهِ
» . { وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً } فيه وجهان :
أحدهما : مرضياً في أخلاقه وأفعاله .
الثاني : راضياً بقضائك وقدرك .
ويحتمل ثالثاً : أن يريد نبياً .

(3/9)


يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7)

قوله تعالى : { يَا زَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى } فتضمنت هذه البشرى ثلاثة أشياء :
أحدها : إجابة دعائه وهي كرامة .
الثاني : إعطاؤه الولد وهو قوة .
الثالث : أن يفرد بتسميته . فدل ذلك على أمرين :
أحدهما : اختصاصه به . الثاني : على اصطفائه له . قال مقاتل سماه يحيى لأنه صبي بين أب شيخ وأم عجوز
{ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيَّاً } فيه ثلاثة اقاويل :
أحدها : أي لم تلد مثله العواقر ، قاله ابن عباس . فيكون المعنى لم نجعل له مثلاً ولا نظيراً .
الثاني : أنه لم نجعل لزكريا من قبل يحيى ولداً ، قاله مجاهد .
الثالث : أي لم يسم قبله باسمه أحد ، قاله قتادة .

(3/10)


قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)

قوله تعالى : { . . . أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ } أي ولد .
{ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً } أي لا تلد وفي تسميتها عاقراً وجهان :
أحدهما : لأنها تصير إذا لم تلد كأنها تعقر النسل أي تقطعه .
الثاني : لأن في رحمها عقراً يفسد المني ، ولم يقل ذلك عن شك بعد الوحي ولكن على وجه الاستخبار : أتعيدنا شابين؟ أو ترزقنا الولد شيخين؟
{ وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتيّاً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يعني سناً ، قاله قتادة . الثاني : أنه نحول العظم ، قاله ابن جريج .
الثالث : أنه الذي غيره طول الزمان إلى اليبس والجفاف ، قاله ابن عيسى قال الشاعر :
إنما يعذر الوليد ولا يعذر ... من كان في الزمان عتياً
قال قتادة : كان له بضع وسبعون سنة وقال مقاتل خمس وتسعون سنة . وقرأ ابن عباس : { عِسِيّاً } وهي كذلك في مصحف أبي من قولهم للشيخ إذا كبر : قد عسا وعتا ومعناهما واحد .

(3/11)


قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)

قوله تعالى : { . . . اجْعَل لِّي ءَايَةً } أي علامة وفيها وجهان :
أحدهما : أنه سأل الله آية تدله على البشرى بيحيى منه لا من الشيطان لأن إبليس أوهمه ذلك ، قاله الضحاك .
الثاني : سأله آية تدله على أن امرأته قد حملت .
{ قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً } فيه وجهان :
أحدهما : أنه اعتقل لسانه ثلاثاً من غير مرض وكان إذا أراد أن يذكر الله انطلق لسانه وإذا أراد أن يكلم الناس اعتقل ، وكانت هذه الآية ، قاله ابن عباس
الثاني : اعتقل من غير خرس ، قاله قتادة والسدي .
{ سَوِيّاً } فيه تأويلان :
أحدهما : صحيحاً من غير خرس ، قاله قتادة .
الثاني : ثلاث ليال متتابعات ، قاله عطية ، فيكون السوي على الوجه الأول راجعاً إلى لسانه ، وعلى الثاني إلى الليالي .
قوله تعالى : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرَابِ } قال ابن جريج أشرف على قومه من المحراب . وفي { الْمِحْرَابِ } وجهان :
أحدهما : أنه مصلاة ، قاله ابن زيد .
الثاني : أنه الشخص المنصوب للتوجه إليه في الصلاة .
وفي تسميته محراباً وجهان :
أحدهما : أنه للتوجه إليه في صلاته كالمُحَارِب للشيطان صلاته .
الثاني : أنه مأخوذ من منزل الأشراف الذي يحارب دونه ذباً عن أهله فكأن الملائكة تحارب عن المصلي ذباً عنه ومنعاً منه .
{ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشيّاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أوصى إليهم ، قاله ابن قتيبة .
الثاني : أشار إليهم بيده ، قاله الكلبي .
الثالث : كتب على الأرض . والوحي في كلام العرب الكتابة ومنه قول جرير :
كأن أخا اليهود يخط وحياً ... بكافٍ من منازلها ولام
{ أَنَ سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً } أي صلواْ بكرة وعشياً ، قاله الحسن وقتادة ، وقيل للصلاة تسبيح لما فيها من التسبيح .

(3/12)


يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)

قوله تعالى : { يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ } وفي قائله قولان :
أحدهما : أنه قول زكريا ليحيى حين نشأ .
الثاني : قول الله ليحيى حين بلغ .
وفي هذا { الْكِتَابَ } قولان :
أحدهما : صحف إبراهيم .
الثاني : التوراة .
{ بِقُوَّةٍ } فيه وجهان :
أحدهما : بجد واجتهاد ، قاله مجاهد .
الثاني : العمل بما فيه من أمر والكف عما فيه من نهي ، قاله زيد بن أسلم .
{ وَءَاتَينَاهُ الْحُكُمَ صَبِيّاً } فيه أربعة أوجه :
أحدها : اللب ، قاله الحسن .
الثاني : الفهم ، قاله مقاتل .
الثالث : الأحكام والمعرفة بها .
الرابع : الحكمة . قال معمر : إن الصبيان قالوا ليحيى إذهب بنا نلعب فقال ما للعب خلقت ، فأنزل الله { وَءَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً } . قاله مقاتل وكان ابن ثلاث سنين .
قوله تعالى : { وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا } فيه ستة تأويلات :
أحدها : رحمة من عندنا ، قاله ابن عباس وقتادة ، ومنه قول الشاعر :
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيكَ بعض الشر أهون من بعض
أي رحمتك وإحسانك .
الثاني : تعطفاً ، قاله مجاهد .
الثالث : محبة ، قاله عكرمة .
الرابع : بركة ، قاله ابن جبير .
الخامس : تعظيماً .
السادس : يعني آتينا تحنناً على العباد .
ويحتمل سابعاً : أن يكون معناه رفقاً ليستعطف به القلوب وتسرع إليه الإِجابة { وَزَكَاةً } فيها هنا ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنها العمل الصالح الزاكي ، قاله ابن جريج .
الثاني : زكيناه بحسن الثناء كما يزكي الشهود إنساناً .
الثالث : يعني صدقة به على والديه ، قاله ابن قتيبة . { وَكَانَ تَقِيّاً } فيه وجهان :
أحدهما مطيعاً لله ، قاله الكلبي . الثاني : باراً بوالديه ، قاله مقاتل .

(3/13)


وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21)

قوله تعالى : { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ } يعني في القرآن { إِذ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا } فيه وجهان :
أحدهما : انفردت ، قاله قتادة .
الثاني : اتخذت .
{ مَكَاناً شَرْقِيّاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : ناحية المشرق ، قاله الأخفش ولذلك اتخذت النصارى المشرق قبلة .
الثاني : مشرقة داره التي تظلها الشمس ، قاله عطية .
الثالث : مكاناً شاسعاً بعيداً ، قاله قتادة .
قوله تعالى : { فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : حجاباً من الجدران ، قاله السدي .
الثاني : حجاباً من الشمس جعله الله ساتراً ، قاله ابن عباس
الثالث : حجاباً من الناس ، وهو محتمل ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنها اتخذت مكاناً تنفرد فيه للعبادة .
الثاني : أنها اتخذت مكاناً تعتزل فيه أيام حيضها .
{ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا } الآية : فيه قولان :
أحدهما : يعني الروح التي خلق منها المسيح حتى تمثل لها بشراً سوياً .
الثاني : أنه جبريل ، قاله الحسن وقتادة ، والسدي ، وابن جريج ، وابن منبه .
وفي تسميته له روحاً وجهان :
أحدهما : لأنه روحاني لا يشوبه شيء غير الروح ، وأضافه إليه بهذه الصفة تشريفاً له .
الثاني : لأنه تحيا به الأرواح .
واختلفوا في سبب حملها على قولين :
أحدهما : أن جبريل نفخ في جيب درعها وكُمِّهَا فَحَمَلَتْ ، قاله ابن جريج ، منه قول أميه بن أبي الصلت :
فأهوى لها بالنفخ في جيب درعها ... فألقت سويّ الخلق ليس بتوأم
الثاني : أنه ما كان إلا أن حملت فولدته ، قاله ابن عباس .
واختلفوا في مدة حملها على أربعة أقاويل : أحدها : تسعة أشهر ، قاله الكلبي . الثاني : تسعة أشهر . حكى لي ذلك أبو القاسم الصيمري .
الثالث : يوماً واحداً .
الرابع : ثمانية أشهر ، وكان هذا آية عيسى فإنه لم يعش مولوداً لثمانية أشهر سواه .
قوله تعالى : { قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً } لأن مريم خافت جبريل على نفسها حين دنا فقالت { إِنِّي أَعُوذُ } أي أمتنع { بِالرَّحْمَنِ مِنكَ } فاستغاثت بالله في امتناعها منه .
فإن قيل : فلم قالت { إن كُنتَ تَقِيّاً } والتقي مأمون وإنما يستعاذ من غير التقي؟
ففيه وجهان : أحدهما : أن معنى كلامها إن كنت تقياً لله فستمتنع من استعاذتي وتنزجر عني من خوفه ، قاله أبو وائل .
الثاني : أنه كان اسماً لرجل فاجر من بني إسرائيل مشهور بالعهر يُسَمَّى تقياً فخافت أن يكون الذي جاءها هو ذلك الرجل المسمى تقياً الذي لا يأتي إلا للفاحشة فقالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ، قاله بن عباس .

(3/14)


فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23)

قوله تعالى : { فَأجَآءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ } فيه وجهان :
أحدهما : معناه ألجأها ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، ومنه قول الشاعر :
إذ شددنا شدة صادقة ... فأجأناكم إلى سفح الجبل
الثاني : معناه فجأها المخاض كقول زهير :
وجارٍ سارَ معتمداً إلينا ... أجاءته المخافة والرجاء .
وفي قراءة ابن مسعود { فَأَوَاهَا }
{ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها خافت من الناس أن يظنوا بها سوءاً قاله السدي .
الثاني : لئلا يأثم الناس بالمعصية في قذفها .
الثالث : لأنها لم تَرَ في قومها رشيداً ذا فراسة ينزهها من السوء ، قاله جعفر بن محمد رحمهما الله .
{ وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : لم أخلق ولم أكن شيئاً ، قاله ابن عباس .
الثاني : لا أعرف ولا يدرى من أنا ، قاله قتادة .
الثالث : النسي المنسي هو السقط ، قاله الربيع ، وأبو العالية .
الرابع : هو الحيضة الملقاة ، قاله عكرمة ، بمعنى خرق الحيض .
الخامس : معناه وكنت إذا ذكرت لم أطلب حكاه اليزيدي . والنسي عندهم في كلامهم ما أعقل من شيء حقير قال الراجز :
كالنسي ملقى بالجهاد البسبس . ...

(3/15)


فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)

قوله تعالى : { فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهآ أَلاَّ تَحْزَنِي } فيه قولان :
أحدهما : أن المنادي لها من تحتها جبريل ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، والضحاك ، والسدي .
الثاني : أنه عيسى ابنها ، قاله الحسن ، ومجاهد .
وفي قوله من تحتها وجهان :
أحدهما : من أسفل منها في الأرض وهي فوقه على رأسه ، قاله الكلبي .
الثاني : من بطنها : قاله بعض المتكلمين ، بالقبطية .
{ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } فيه قولان :
أحدهما : أن السريّ هو ابنها عيسى ، لأن السري هو الرفيع الشريف مأخوذ من قولهم فلان من سروات قومه أي من أشرافهم ، قاله الحسن ، فعلى هذا يكون عيسى هو المنادي من تحتها { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً }
الثاني : أن السريّ هو النهر ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وابن جبير ، وقتادة ، والضحاك ، لتكون النخلة لها طعاماً ، والنهر لها شراباً ، وعلى هذا يكون جبريل هو المنادي لها { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } .
الثاني : أنه عربي مشتق من السراية فَسُمِّيَ السريّ لأنه يجري فيه ومنه قول الشاعر :
سهل الخليقة ماجد ذو نائلٍ ... مثل السريّ تمده الأنهار
وقيل : إن اسم السري يطلق على ما يعبره الناس من الأنهار وثباً . وروى أبان بن تغلب في تفسيره القرآن خبراً عن عدد لم يسمهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث شداد بن ثمامة مصدقاً لبني كعب بن مذحج وكتب له كتاباً : « عَلَى مَا سَقَتْهُ المَرَاسِمُ وَالجَدَاوِلُ وَالنَّوَاهِرُ وَالدَّوَافِعُ العُشْرُ وَنِصْفُ العشر بقيمة عَدْلٍ إِلاَّ الضَّوَامَرَ وَاللَّوَاقِحَ وَمَا َأطل الصور من الجفن . وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ إِلاَّ العَقِيلَ وَالأَكِيلَ وَالربِيَّ . ومن كل ثلاثين بقرةً جِذْعٌ أَوْ جِذْعَةٌ إِلاَّ العَاقِرَ وَالنَّاشِطَ وَالرَّاشِحَ . وَمِن كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ المُوَّبلَةِ مُسِنَّةٌ مِنَ الغَنَمِ . وَلاَ صَدَقَةَ فِي الخَيلِ وَلاَ فِي الإِبِلِ العَامِلةِ . شَهِدَ جِرِيرٌ بِن عَبدِ اللَّهِ بن جَابرٍ البَجْلِي وَشَدَّادُ بن ثُمَامَةَ وَكَتَبَ المُغِيرَةُ بن شُعْبةِ » فالمراسل العيون ، والجداول الأنهار الصغار ، والنواهر الدوالي ، والدوافع الأودية ، والضوامر ما لم تحمل من النخل ، واللواقح الفحول ، والجفن الكرم ، وما أطلاه من الزرع عفو ، والعقيل فحل الغنم والأَيل الذي يُرَبَّى للأكل . والربي التي تربي ولدها والعاقر من البقر التي لا تحمل ، والناشط الفحل الذي ينشط من أرض إلى أرض والراشح الذي يحرث الأرض .
قوله تعالى : { وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ . . . . } الآية . اختلف في النخلة . على أربعة أقاويل :
أحدها : كانت برنية .
الثاني : صرفاتة ، قاله أبو داود .
الثالث : قريناً .
الرابع : عجوة ، قاله مجاهد .
وفي { الجَنِي } ثلاثة أقاويل :
أحدها : المترطب البسر ، قاله مقاتل .
الثاني : البلح لم يتغير ، قاله أبو عمرو بن العلاء .
الثالث : أنه الطري بغباره . وقيل لم يكن للنخلة رأس وكان في الشتاء فجعله الله آية . قال مقاتل فاخضرت وهي تنظر ثم حملت وهي تنظر ثم نضجت وهي تنظر .

(3/16)


قوله تعالى : { فَكُلِي } يعني من الرطب الجني .
{ وَاشْرَبِي } يعني من السريّ .
{ وَقَرِّي عَيْناً } يعني بالولد ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : جاء يقر عينك سروراً ، قاله الأصمعي ، لأن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة .
الثاني : طيبي نفساً ، قاله الكلبي .
الثالث : تسكن عينك ولذلك قيل ما شيء خير للنفساء من الرطب والتمر .
{ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً } يعني إما للإِنكار عليك وإما للسؤال لك .
{ فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً } فيه تأويلان :
أحدهما : يعني صمتاً ، وقد قرىء في بعض الحروف : { لِلرَّحَمْنِ صَمْتاً } وهذا تأويل ابن عباس وأنس بن مالك والضحاك .
الثاني : صوماً عن الطعام والشراب والكلام ، قاله قتادة . { فَلَنْ أُكَلَّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً } فيه وجهان :
أحدهما : أنها امتنعت من الكلام ليتكلم عنها ولدها فيكون فيه براءة ساحتها ، قاله ابن مسعود ووهب بن منبه وابن زيد .
الثاني : أنه كان من صام في ذلك الزمان لم يكلم الناس ، فأذن لها في المقدار من الكلام قاله السدي .

(3/17)


فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)

قوله تعالى : { . . . شَيْئاً فَرِيّاً } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : أنه القبيح من الإفتراء ، قاله الكلبي .
الثاني : أنه العمل العجيب ، قاله الأخفش .
الثالث : العظيم من الأمر ، قاله مجاهد ، وقتادة ، والسدي .
الرابع : أنه المتصنع مأخوذ من الفرية وهو الكذب ، قاله اليزيدي .
الخامس : أنه الباطل .
قوله تعالى : { يَآ أُخْتَ هَارُونَ . . . } وفي هذا الذي نسبت إليه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه كان رجلاً صالحاً من بني إسرائيل ينسب إليه من يعرف بالصلاح ، قاله مجاهد وكعب ، والمغيرة بن شعبة يرفعه للنبي صلى الله عليه وسلم
الثاني : أنه هارون أخو موسى فنسبت إليه لأنها من ولده كما يقال يا أخا بني فلان ، قاله السدي .
الثالث : أنه كان أخاها لأبيها وأمها ، قاله الضحاك .
الرابع : أنه كان رجلاً فاسقاً معلناً بالفسق ونسبت إليه ، قاله ابن جبير .
{ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً } أي زانية . وسميت الزانية بغياً لأنها تبغي الزنا أي تطلبه .
قوله تعالى : { فَأشَارَتْ إِلَيْهِ } فيه قولان :
أحدهما : أشارت إلى الله فلم يفهموا إشارتها ، قاله عطاء .
الثاني : أنها أشارت إلى عيسى وهو الأظهر ، إما عن وحي الله إليها ، وإما لثقتها بنفسها في أن الله تعالى سيظهر براءتها ، فأشارت إلى الله إليها ، فأشارت إلى عيسى أن كلموه فاحتمل وجهين :
أحدهما : أنها أحالت الجواب عليه استكفاء .
الثاني : أنها عدلت إليه ليكون كلامه لها برهاناً ببراءتها .
{ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ } وفي { كَانَ } في هذا الموضع وجهان :
أحدهما : أنها بمعنى يكون تقديره من يكون في المهد صبياً قاله ابن الأنباري .
الثاني : أنها صلة زائدة وتقديره من هو في المهد ، قاله ابن قتيبة .
وفي { الْمَهْدِ } وجهان :
أحدهما : أنه سرير الصبي المعهود لمنامه .
الثاني : إنه حجرها الذي تربيه فيه ، قاله قتادة . وقيل إنهم غضبوا وقالوا : لسخريتها بنا أعظم من زناها ، قاله السدي . فلما تكلم قالوا : إن هذا لأمر عظيم .
{ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ } وإنما قدم إقراره بالعبودية ليبطل به قول من ادعى فيه الربوبية وكان الله هو الذي أنطقه بذلك لعلمه بما يتقوله الغالون فيه .
{ ءَآتَانِيَ الْكِتَابَ } أي سيؤتيني الكتاب .
{ وَجَعَلَنِي نَبِيَّاً } فيه وجهان :
أحدهما : وسيجعلني نبياً ، والكلام في المهد من مقدمات نبوته .
الثاني : أنه كان في حال كلامه لهم في المهد نبياً كامل العقل ولذلك كانت له هذه المعجزة ، قاله الحسن . وقال الضحاك : تكلم وهو ابن أربعين . [ يوماً ] .
قوله تعالى : { وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : نبياً ، قاله مجاهد .
الثاني : آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر .
الثالث : معلماً للخير ، قاله سفيان .
الرابع : عارفاً بالله وداعياً إليه .
{ وأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ } فيها وجهان :
أحدهما : الدعاء والإِخلاص . الثاني : الصلوات ذات الركوع والسجود .
ويحتمل ثالثاً : أن الصلاة الإِستقامة مأخوذ من صلاة العود إذا قوّم اعوجاجه بالنار .
{ وَالزَّكَاة . . } فيها وجهان :
أحدهما : زكاة المال .
الثاني : التطهير من الذنوب .
ويحتمل ثالثاً : أن الزكاة الاستكثار من الطاعة ، لأن الزكاة في اللغة النماء والزيادة .

(3/18)


قوله تعالى : { وَبَرَّاً بِوَالِدَتِي } يحتمل وجهين : أحدهما : بما برأها به من الفاحشة .
الثاني : بما تكفل لها من الخدمة .
{ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً } فيه وجهان :
أحدهما : أن الجبار الجاهل بأحكامه ، الشقي المتكبر عن عبادته .
الثاني : أن الجبار الذي لا ينصح ، والشقي الذي لا يقبل النصيحة .
ويحتمل ثالثاً : أن الجبار الظالم للعباد ، والشقي الراغب في الدنيا .
قوله تعالى : { وَالْسَّلاَمُ عَلَيَّ . . . } الآية . فيه وجهان :
أحدهما : يعني بالاسلام السلامة ، يعني في الدنيا ، { وَيَوْمَ أَمُوتُ } يعني في القبر ، { وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيَّاً } يعني في الآخرة ، لأن له أحوالاً ثلاثاً : في الدنيا حياً ، وفي القبر ميتاً ، وفي الآخرة مبعوثاً ، فسلم في أحواله كلها ، وهو معنى قول الكلبي .
الثاني : يعني بالسلام { يَوْمَ وُلِدتُّ } سلامته من همزة الشيطان فإنه ليس مولود يولد إلا همزه الشيطان وذلك حين يستهل ، غير عيسى فإن الله عصمه منها . وهو معنى قوله تعالى : { وَإِنِّي أُعِذُهَا وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } { وَيَوْْمَ أَمُوتُ } يعني سلامته من ضغطة القبر لأنه غير مدفون في الأرض { وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً } لم أر فيه على هذا الوجه ما يُرضي .
ويحتمل أن تأويله على هذه الطريقة سلامته من العرض والحساب لأن الله ما رفعه إلى السماء إلا بعد خلاصه من الذنوب والمعاصي .
قال ابن عباس ثم انقطع كلامه حتى بلغ مبلغ الغلمان .

(3/19)


ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37)

قوله تعالى : { ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الحق هو الله تعالى .
الثاني : عيسى وسماه حقاً لأنه جاء بالحق .
الثالث : هو القول الذي قاله عيسى من قبل .
{ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : يشكّون ، قاله الكلبي .
الثاني : يختلفون لأنهم اختلفوا في الله وفي عيسى ، فقال قوم هو الله ، وقال آخرون هو ابن الله ، وقال آخرون هو ثالث ثلاثة . وهذه الأقاويل الثلاثة للنصارى .
وقال المسلمون : هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم .
ونسبته اليهود إلى غير رشدة فهذا معنى قوله : { الَّذِي فِيهِ تَفْتَرُونَ } بالفاء معجمة من فوق .
قال ابن عباس ففرّ بمريم ابن عمها معها ابنها إلى مصر فكانواْ فيها اثنتي عشرة سنة حتى مات الملك الذي كانوا يخافونه .

(3/20)


أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)

قوله تعالى : { أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } فيه وجهان :
أحدهما : يعني لئن كانوا في لدنيا صماً عمياً عن الحق فما أسمعهم له وأبصرهم به في الآخرة يوم القيامة ، قاله الحسن ، وقتادة .
الثاني : أسمع بهم اليوم وأبصر كيف يصنع بهم يوم القيامة يوم يأتوننا ، قاله أبو العالية .
ويحتمل ثالثا : أسمع أمَّتَك بما أخبرناك من حالهم فستبصر يوم القيامة ما يصنع بهم .
قوله تعالى : { وَأَنذرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ } فيه وجهان :
أحدهما : يوم القيامة إذا قضي العذاب عليهم ، قاله الكلبي .
الثاني : يوم الموت إذ قضى الموت انقطاع التوبة واستحقاق الوعيد ، قاله مقاتل .

(3/21)


قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48)

قال تعالى : { . . . لأَرْجُمَنَّكَ } فيه وجهان :
أحدهما : بالحجارة حتى تباعد عني ، قاله الحسن .
الثاني : لأرجمنك بالذم باللسان والعيب بالقول ، قاله الضحاك ، والسدي ، وابن جريج .
{ وَاهْجُرنِي مَلِيّاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : دهراً طويلاً ، قاله الحسن ، ومجاهد ، وابن جبير ، والسدي ، ومنه قول مهلهل .
فتصدعت صم الجبال لموته ... وبكت عليه المرملات ملياً
الثاني : سوياً سليماً من عقوبتي ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، والضحاك ، وعطاء .
الثالث : حيناً ، قاله عكرمة .
قوله تعالى : { قَالَ سَلاَمٌ عَلَيكَ } هذا سلام إبراهيم على أبيه ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه سلام توديع وهجر لمقامه على الكفر ، قاله ابن بحر .
الثاني : وهو أظهر أنه سلام بر وإكرام ، فقابل جفوة أبيه بالبر تأدية لحق الأبوة وشكراً لسالف التربية .
ثم قال : { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي } وفيه وجهان :
أحدهما : سأستغفر لك إن تركت عبادة الأوثان .
الثاني : معناه سأدعوه لك بالهداية التي تقتضي الغفران . { إنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } فيه خمسة أوجه :
أحدها : مُقَرِّباً .
الثاني : مُكْرِماً .
الثالث : رحيماً ، قاله مقاتل .
الرابع : عليماً ، قاله الكلبي .
الخامس : متعهداً .

(3/22)


فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)

قوله تعالى : { . . . وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً } فيه وجهان :
أحدهما : جعلنا لهم ذكراً جميلاً وثناءً حسناً ، قاله ابن عباس ، وذلك أن جمع الملك بحسن الثناء عليه .
الثاني : جعلناهم رسلاً لله كراماً على الله ، ويكون اللسان بمعنى الرسالة : قال الشاعر :
أتتني لسان بني عامر ... أحاديثهما بعد قول ونكر .
ويحتمل قولاً [ ثالثاً ] أن يكون الوفاء بالمواعيد والعهود .

(3/23)


وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53)

قوله تعالى : { وَنَادَينَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ } والطور جبل بالشام ناداه الله من ناحيته اليمنى . وفيه وجهان :
أحدهما : من يمين موسى . الثاني : من يمين الجبل ، قاله مقاتل .
{ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه قربه من الموضع الذي شرفه وعظمه بسماع كلامه .
الثاني : أنه قربه من أعلى الحجب حتى سمع صريف القلم ، قاله ابن عباس ، وقال غيره : حتى سمع صرير القلم الذي كتب به التوراة .
الثالث : أنه قربه تقريب كرامة واصطفاء لا تقريب اجتذاب وإدناء لأنه لا يوصف بالحلول في مكان دون مكان فيقرب من بعد أو يبعد من قرب ، قاله ابن بحر .
وفي قوله : { نَجِيّاً } ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه مأخوذ من النجوى ، والنجوى لا تكون إلا في الخلوة ، قاله قطرب .
الثاني : نجاه لصدقه مأخوذ من النجاة .
الثالث : رفعه بعد التقريب مأخوذ من النجوة وهو الإِرتفاع ، قال الحسن لم يبلغ موسى من الكلام الذي ناجاه به شيئاً .

(3/24)


وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)

قوله تعالى : { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ } وصفه بصدق الوعد لأنه وعد رجلاً أن ينتظره ، قال ابن عباس : حولاً حتى أتاه . وقال يزيد الرقاشي : انتظره اثنين وعشرين يوماً . وقال مقاتل : انتظره ثلاثة أيام .
{ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ } فيه وجهان :
أحدهما : يأمر قومه فسماهم أهله .
الثاني : أنه بدأ بأهله قبل قومه . وفي الصلاة والزكاة ما قدمناه . وهو على قوله الجمهور : إسماعيل بن إبراهيم . وزعم بعض المفسرين أنه ليس بإسماعيل بن إبراهيم لأن إسماعيل مات قبل إبراهيم ، وإن هذا هو إسماعيل بن حزقيل بعثه الله إل قومه فسلخوا جلدة رأسه ، فخيره الله تعالى فيما شاء من عذابهم فاستعفاه ورضي بثوابه وفوض أمرهم إليه في عفوه أو عقوبته .

(3/25)


وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)

قوله تعالى : { . . . . وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } فيه قولان :
أحدهما : أن إدريس رفع إلى السماء الرابعة ، وهذا قول أنس بن مالك في حديث مرفوع ، وأبي سعيد الخدري ، وكعب ، ومجاهد .
الثاني : رفعه إلى السماء السادسة ، قاله ابن عباس ، والضحاك ، وهو مرفوع في السماء .
واختلفوا في موته فيها على قولين :
أحدهما : أنه ميت فيها ، قاله مقاتل وقيل أنه مات بين السماء الرابعة والخامسة .
الثاني : أنه حيّ فيها لم يمت مثل عيسى . روى ابن إسحاق أن إدريس أول من أُعْطِي النبوة من ولد آدم وأول من خط بالقلم ، وهو أخنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن آنوش بن شيث بن آدم . وحكى ابن الأزهر عن وهب بن منبه أن إدريس أول من اتخذ السلاح وجاهد في سبيل الله وسبى ، ولبس الثياب وإنما كانوا يلبسون الجلود ، وأول من وضع الأوزان والكيول ، وأقام علم النجوم ، والله أعلم .

(3/26)


أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58)

قوله تعالى : { . . . خَرّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً } أي سُجّداً لله ، وبكياً جمع باك ، ليكون السجود رغبة والبكاء رهبة . وقد روي في الحديث : « فَهذَا السُّجُودُ فَأَينَ البُكَاءُ؟ » يعني هذه الرغبة فأين الرهبة؟ لأن الطاعة لا تخلص إلا بالرغبة والرهبة .

(3/27)


فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60)

قوله تعالى : { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } الآية . في الفرق بين الخلْف بتسكين اللام والخلف بتحريكها وجهان :
أحدهما : أنه بالفتح إذا خلفه من كان من أهله ، وبالتسكين إذا خلفه من ليس من أهله .
الثاني : أن الخلْف بالتسكين مستعمل في الذم ، وبالفتح مستعمل في المدح قال لبيد :
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلفٍ كجلد الأجْرب
وفي هذا الخلف قولان :
أحدهما : أنهم اليهود من بعد ما تقدم من الأنبياء ، قاله مقاتل . الثاني : أنهم من المسلمين .
فعلى هذا في قوله { من بَعْدِهِم } قولان :
أحدهما : من بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، من عصر الصحابة وإلى قيام الساعة كما روى الوليد بن قيس حكاه إبراهيم عن عبيدة .
الثاني : إنهم من بعد عصر الصحابة . روى الوليد بن قيس عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يَكُونُ بَعْدَ سِتِّينَ سَنَةً { خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ } » . الآية .
وفي إضاعتهم الصلاة قولان :
أحدهما : تأخيرها عن أوقاتها ، قال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز .
الثاني : تركها ، قاله القرظي .
ويحتمل ثالثاً : أن تكون إضاعتها الإِخلال باستيفاء شروطها .
{ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً } فيه خمسة أقاويل :
أحدها : أنه واد في جهنم ، قالته عائشة وابن مسعود .
الثاني : أنه الخسران ، قاله ابن عباس .
الثالث : أنه الشر ، قاله ابن زيد .
الرابع : الضلال عن الجنة . الخامس : الخيبة ، ومنه قول الشاعر :
فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً
من يغو : أي من يخب .

(3/28)


جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63)

قوله تعالى : { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً } فيه وجهان :
أحدهما : الكلام الفاسد .
الثاني : الخلف ، قاله مقاتل .
{ إلاَّ سَلاَماً } فيه وجهان :
أحدهما : إلا السلامة .
الثاني : تسليم الملائكة عليهم ، قاله مقاتل .
{ وَلَهُمْ رَزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشيًّاً } فيه وجهان :
أحدهما : أن العرب إذا أصابت الغداء والعشاء نعمت ، فأخبرهم الله أن لهم في الجنة غداء وعشاء ، وإن لم يكن في الجنة ليل ولا نهار .
الثاني : معناه مقدار البكرة ومقدار العشي من أيام الدنيا ، قاله ابن جريج . وقيل إنهم يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وغلق الأبواب ، ومقدار النهار . برفع الحجب وفتح الأبواب .
ويحتمل أن تكون البكرة قبل تشاغلهم بلذاتهم ، والعشي بعد فراغهم من لذاتهم ، لأنه يتخللها فترات انتقال من حال إلى حال .

(3/29)


وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)

قوله تعالى : { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ } فيه قولان :
أحدهما : أنه قول أهل الجنة : إننا لا ننزل موضعاً من الجنة إلا بأمر الله ، قاله ابن بحر .
الثاني : أنه قول جبريل عليه السلام ، لما ذكر أن جبريل أبطأ على النبي صلى الله عليه وسلم باثنتي عشرة ليلة ، فلما جاءه قال : « غِبْتَ عَنِّي حَتَّى ظَنَّ المُشْرِكُونَ كلَّ ظَنٍ » . فنزلت { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ ربِّكَ }
ويحتمل وجهين :
أحدهما : إذا أُمِرْنَا نزلنا عليك .
الثاني : إذا أَمَرَكَ ربك نَزَّلَنا عليك الأمر على الوجه الأول متوجهاً إلى النزول ، وعلى الثاني متوجهاً إلى التنزيل .
{ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا } فيه قولان :
أحدهما : { مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } من الآخرة ، { وَمَا خَلْفَنَا } من الدنيا .
{ وَمَا بَيْنَ ذلِكَ } يعني ما بين النفختين ، قاله قتادة .
والثاني : { مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } أي ما مضى أمامنا من الدنيا ، { وَمَا خَلْفَنَا } ما يكون بعدنا من الدنيا والآخرة . { وَمَا بَيْن ذلِكَ } ما مضى من قبل وما يكون من بعد ، قاله ابن جرير .
ويحتمل ثالثاً : { مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } : السماء ، { وَمَا خلْفَنَا } : الأرض . { وَمَا بَيْنَ ذلِكَ } ما بين السماء والأرض .
{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } فيه وجهان :
أحدهما : أي ما نسيك ربك .
الثاني : وما كان ربك ذا نسيان .
قوله عز وجل : { . . . . هَل تعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } فيه أربعة أوجه :
أحدها : يعني مِثْلاً وشبيهاً ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، مأخوذ من المساماة .
الثاني : أنه لا أحد يسَمى بالله غيره ، قاله قتادة ، والكلبي .
الثالث : أنه لا يستحق أحد أن يسمى إلهاً غيره .
الرابع : هل تعلم له من ولد ، قاله الضحاك ، قال أبو طالب :
أمّا المسمى فأنت منه مكثر ... لكنه ما للخلود سبيلُ

(3/30)


وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70)

قوله عز وجل : { . . . حَوْلَ جَهَنَّمَ } فيها قولان :
أحدهما : أن جهنم اسم من أسماء النار .
الثاني : أنه إسم لأعمق موضع في النار ، كالفردوس الذي هو اسم لأعلى موضع في الجنة .
{ جِثِيّاً } فيه قولان :
أحدهما : [ جماعات ] ، قاله الكلبي والأخفش .
الثاني : بُروكاً على الرُّكَب ، قاله عطية .
قوله عز وجل : { ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ } الشيعة الجماعة المتعاونون . قال مجاهد : والمراد بالشيعة الأمة لاجتماعهم وتعاونهم .
وفي { ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ } وجهان :
أحدهما : لننادين ، قاله ابن جريج .
الثاني : لنستخرجن ، قاله مقاتل .
{ عِتِيّاً } فيه خمسة أوجه :
أحدها : أهل الإِفتراء بلغة بني تميم ، قاله بعض أهل اللغة .
الثاني : جرأة ، قاله الكلبي .
الثالث : كفراً ، قاله عطية .
الرابع : تمرداً .
الخامس : معصية .
قوله عز وجل : { . . . أَوْلَى بِهَا صليّاً } فيه وجهان :
أحدها : دخولاً ، قاله الكلبي .
الثاني : لزوماً .

(3/31)


وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)

قوله عز وجل : { وَإِنّ مِنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } فيه قولان :
أحدهما : يعني الحمى والمرض ، قاله مجاهد . روى أبو هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود رجلاً من أصحْابه فيه وعك وأنا معه ، فقال رسول الله : « أَبْشِرْ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : هِي نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي المُؤْمِنِ لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ » أي في الآخرة .
الثاني : يعني جهنم . ثم فيه قولان :
أحدهما : يعني بذلك الكافرين يردونها دون المؤمن؛ قاله عكرمة ويكون قوله : { وَإِن مِّنْكُمْ } أي منهم كقوله تعالى : { وَسَقَاهُم رَبُّهُم شَرَاباً طَهُوراً } ثم قال : { إِنَّ هذَا كَانَ لَكُم جَزَاءً } أي لهم .
الثاني : أنه أراد المؤمن والكافر . روى ابن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال « الزَّالُّونَ وَالزَّالاَّت يَومَئذٍ كَثِيرٌ » وفي كيفية ورودها قولان :
أحدهما : الدخول فيها . قال ابن عباس : ليردنها كل بر وفاجر . لكنها تمس الفاجر دون البر . قال وكان دعاء من مضى : اللهم أخرجني من النار سالماً ، وأدخلني الجنة عالماً .
والقول الثاني : أن ورود المسلم عليها الوصول إليها ناظراً لها ومسروراً بالنجاة منها ، قاله ابن مسعود ، وذلك مثل قوله تعالى : { وَلَمَّا وَرَدَ مَآء مَدْيَنَ } [ القصص : 23 ] أي وصل . وكقول زهير بن أبي سلمى :
ولما وردن الماء زُرْقاً جِمامُه ... وضعن عِصيَّ الحاضر المتخيمِ
ويحتمل قولاً ثالثاً : أن يكون المراد بذلك ورود عرضة القيامة التي تجمع كل بر وفاجر :
{ كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً } فيه تأويلان :
أحدهما : قضاء مقتضياً ، قاله مجاهد . الثاني : قسماً واجباً ، قاله ابن مسعود .

(3/32)


وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74)

قوله عز وجل : { . . . أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً } فيه وجهان :
أحدهما : منزل إقامة في الجنة أو النار .
والثاني : يعني كلام قائم بجدل واحتجاج أي : أمّن فلجت حجته بالطاعة خير أم من دحضت حجته بالمعصية ، وشاهده قول لبيد :
ومقام ضيق فرجتهْ ... بلساني وحسامي وجدل
{ وَأحْسَنُ نَدِيّاً } فيه وجهان :
أحدهما : أفضل مجلساً .
الثاني : أوسع عيشاً .
ويحتمل ثالثاً : أيهما خير مقاماً في موقف العرض ، من قضى له بالثواب أو العقاب؟
{ وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } منزل إقامة في الجنة أو في النار ، وقال ثعلب : المقام بضم الميم : الإِقامة ، وبفتحها المجلس .
قوله تعالى : { أَثَاثاً وَرِءْيَاً } فيه أربعة أوجه :
أحدها : أن الأثاث : المتاع ، والرئي : المنظر ، قاله ابن عباس . قال الشاعر :
أشاقت الظعائن يوم ولوا ... بذي الرئي الجميل من الأثاث .
الثاني : أن الأثاث ما كان جديداً من ثياب البيت ، والرئي الارتواء من النعمة .
الثالث : الأثاث ما لا يراه الناس . والرئي ما يراه الناس .
الرابع : معناه أكثر أموالاً وأحسن صوراً .
ويحتمل خامساً : أن الأثاث ما يعد للاستعمال ، والرئي ما يعد للجمال .

(3/33)


قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76)

قوله تعالى : { وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوُاْ هُدىً } فيه وجهان :
أحدهما : يزيدهم هدى بالمعونة في طاعته والتوفيق لمرضاته .
الثاني : الإِيمان بالناسخ والمنسوخ ، قاله الكلبي ومقاتل ، فيكون معناه : ويزيد الله الذين اهتدوا بالمنسوخ هدى بالناسخ .
ويحتمل ثالثاً : ويزيد الله الذين اهتدوا إلى طاعته هدى إلى الجنة .

(3/34)


أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80)

قوله عز وجل : { أَفَرَءَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بَئَآياتِنَا . . . } اختلف فيمن نزلت هذه الآية فيه على قولين :
أحدهما : في العاص بن وائل السهمي ، قاله جبار وابن عباس ومجاهد .
الثاني : في الوليد بن المغيرة ، قاله الحسن .
{ . . . مَالاً وَوَلَداً } قرأ حمزة والكسائي { ووُلْداً } بضم الواو ، وقرأ الباقون بفتحها ، فاختلف في ضمها وفتحها على وجهين :
أحدهما : أنهما لغتان معناهما واحد ، يقال ولَدَ ووُلْد ، وعَدَم وعُدْم ، وقال الحارث ابن حلزة .
ولقد رأيت معاشراً ... قد ثمَّروا مالاً ووُلْدا
والثاني : أن قيساً الوُلْد بالضم جميعاً ، والولد بالفتح واحداً .
وفي قوله تعالى : { لأُتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً } وجهان :
أحدهما : أنه أراد في الجنة استهزاء بما وعد الله على طاعته وعبادته ، قاله الكلبي .
الثاني : أنه أراد في الدنيا ، وهو قول الجمهور . وفيه وجهان محتملان :
أحدهما : إن أقمت على دين آبائي وعبادة ألهتي لأوتين مالاً وولداً .
الثاني : معناه لو كنت أقمت على باطل لما أوتيت مالاً وولداً .
{ أطَّلَعَ الْغَيْبَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : معناه أعلم الغيب أنه سيؤتيه على كفره مالاً وولداً .
الثاني : أعلم الغيب لما آتاه الله على كفره .
{ أمِ أتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَن عَهْداً } فيه وجهان :
أحدهما : يعني عملاً صالحاً قدمه ، قاله قتادة .
الثاني : قولاً عهد به الله إليه ، حكاه ابن عيسى .
قوله عز وجل : { وَنَرِثُه مَا يَقُولُ } فيه وجهان :
أحدهما : أن الله يسلبه ما أعطاه في الدنيا من مال وولد .
الثاني : يحرمه ما تمناه في الآخرة من من مال وولد .
{ وَيَأْتِينَا فَرْداً } فيه وجهان :
أحدهما : بلا مال ولا ولد .
الثاني : بلا ولي ولا ناصر .

(3/35)


وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84)

قوله عز وجل : { . . . سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ } فيه وجهان :
أحدهما : سيجحدون أن يكونوا عبدوها لما شاهدوا من سوء عاقبتها .
الثاني : سيكفرون بمعبوداتهم ويكذبونهم .
{ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } فيه خمسة أوجه :
أحدها : أعواناً في خصومتهم ، قاله مجاهد .
الثاني : قرناء في النار يلعنونهم ، قاله قتادة .
الثالث : يكونون لهم أعداء ، قاله الضحاك .
الرابع : بلاء عليهم ، قاله ابن زيد .
الخامس : أنهم يكذبون على ضد ما قدروه فيهم وأمّلوه منهم ، قاله ابن بحر .
قوله عز وجل : { تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : تزعجهم إزعاجاً حتى توقعهم في المعاصي ، قاله قتادة .
الثاني : تغويهم إغواء ، قاله الضحاك .
الثالث : تغريهم إغراء بالشر : إمض إمض في هذا الأمر حتى توقعهم في النار ، قاله ابن عباس .
قوله عز وجل : { . . . إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : نعد أعمالهم عداً ، قاله قطرب .
الثاني : نعد أيام حياتهم ، قاله الكلبي .
الثالث : نعد مدة إنظارهم إلى وقت الإِنتقام منهم بالسيف والجهاد ، قاله مقاتل .

(3/36)


يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87)

{ . . . وَفْداً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : ركباناً ، قاله الفراء .
الثاني : جماعة ، قاله الأخفش .
الثالث : زوّاراً ، قاله ابن بحر .
قوله عز وجل : { وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : مشاة ، قاله الفراء .
الثاني : عطاشاً .
الثالث : أفراداً .
{ إلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحَمنِ عَهْداً } فيه وجهان :
أحدهما : . . .

(3/37)


وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)

{ شَيْئاً إِدّاً } فيه وجهان :
أحدهما : منكراً ، قاله ابن عباس .
الثاني : عظيماً ، قاله مجاهد . قال الراجز :
في لهث منه وحبك إدّ ...

(3/38)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)

قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمنُ وُدّاً } فيه وجهان :
أحدهما : حباً في الدنيا مع الأبرار ، وهيبة عند الفجار .
الثاني : يحبهم الله ويحبهم الناس ، قال الربيع بن أنس : إذا أحب الله عبداً ألقى له المحبة في قلوب أهل السماء ، ثم ألقاها في قلوب أهل الأرض .
ويحتمل ثالثاً : أن يجعل لهم ثناء حسناً . قال كعب : ما يستقر لعبد ثناء في الدنيا حتى يستقر من أهل السماء . وحكى الضحاك عن ابن عباس : أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه جعل له ودّاً في قلوب المؤمنين .
قوله عز وجل : { قَوْماً لُّدّاً } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : فجّاراً ، قاله مجاهد .
الثاني : أهل إلحاح في الخصومة ، مأخوذ من اللدود في الأفواه ، فلزومهم الخصومة بأفواههم كحصول اللدود في الأفواه ، قاله ابن بحر .
قال الشاعر :
بغوا لَدَدَي حَنقاً عليَّ كأنما ... تغلي عداوة صدرهم في مِرجل
الثالث : جدالاً بالباطل ، قاله قتادة ، مأخوذ من اللدود وهو شديد الخصومة . قال الله تعالى : { وَهُوَ الْخِصَامِ } وقال الشاعر :
أبيت نجياً للهموم كأنني ... أخاصم أقواماً ذوي جدلٍ لُدّا
قوله عز وجل : { وِكْزَاً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : صوتاً ، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك .
الثاني : حِسّاً ، قاله ابن زيد .
الثالث : أنه ما لا يفهم من صوت أو حركة ، قاله اليزيدي .

(3/39)


طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)

قوله عز وجل : { طه } فيه سبعة أقاويل :
أحدها : أنه بالسريانية يا رجل؛ قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وحكى الطبري : أنه بالنبطية يا رجل؛ وقاله ابن جبير ، والسدي كذلك .
وقال الكلبي : هو لغة عكل ، وقال قطرب : هو بلغة طيىء وأنشد ليزيد بن مهلهل :
إن السفاهة ( طه ) من خليقتكم ... لا قدس الله أرواح الملاعين
الثاني : أنه اسم من أسماء الله تعالى وَقَسَمٌ أَقْسَمَ بِِهِ ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً .
الثالث : أنه اسم السورة ومفتاح لها .
الرابع : أنه اختصار من كلام خص الله رسوله بعلمه .
الخامس : أن حروف مقطعه يدل كل حرف منها على معنى .
السادس : معناه : طوبى لمن اهتدى ، وهذا قول محمد الباقر بن علي زين العابدين رحمهما الله .
السابع : معناه طَإِ الأَرْضَ بقدمك ، ولا تقم على إحدى رجليك يعني في الصلاة ، حكاه ابن الأنباري .
ويحتمل ثامناً : أن يكون معناه طهّر ، ويحتمل ما أمره بتطهيره وجهين :
أحدهما : طهر قلبك من الخوف .
والثاني : طهر أُمَّتَك من الشرك .
قوله تعالى : { مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْْءَانَ لِتَشْقَى } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : بالتعب والسهر في قيام الليل ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه جواب للمشركين لما قالواْ : إنه بالقرآن شقى ، قاله الحسن .
الثالث : معناه لا تشْقِ بالحزن والأسف على كفر قومك ، قاله ابن بحر .
قوله تعالى : { إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى } فيه وجهان :
أحدهما : إلا إنذاراً لمن يخشى الله .
والثاني : إلا زجراً لمن يتقي الذنوب .
والفرق بين الخشية والخوف : أن الخوف فيما ظهرت أسبابه والخشية فيما لم تظهر أسبابه .
قوله عز وجل : { لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : له ملك السموات والأرض .
الثاني : له تدبيرها .
الثالث : له علم ما فيها .
وفي { . . . الثَّرَى } وجهان :
أحدها : كل شيء مُبْتلّّ ، قاله قتادة .
الثاني : أنه التراب في بطن الأرض ، قاله الضحاك .
الثاني : أنها الصخرة التي تحت الأرض السابعة ، وهي صخرة خضراء وهي سجِّين التي فيها كتاب الفجار ، قاله السدي .
قوله عز وجل : { وَإِن تَجْهَرْ بَالْقَوْلِ } فم حاجتك إلى الجهر؟ لأن الله يعلم بالجهر وبالسر .
{ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأخْفَى } فيه ستة تأويلات :
أحدها : أن « السِّرَّ » ما حدَّث به العبد غيره في السر . « وأَخْفَى » ما أضمره في نفسه ، ولم يحدّث به غيره ، قاله ابن عباس .
الثاني : أن السر ما أَضمره العبد في نفسه . وأخفى منه ما لم يكن ولا أضمره أحد في نفسه قاله قتادة وسعيد بن جبير .
الثالث : يعلم أسرار عباده ، وأخفى سر نفسه عن خلقه ، قاله ابن زيد .
الرابع : أن السر ما أسره الناس ، وأخفى : الوسوسة ، قاله مجاهد .
الخامس : أن السر ما أسره من علمه وعمله السالف ، وأخفى : وما يعلمه من عمله المستأنف ، وهذا معنى قول الكلبي .
السادس : السر : العزيمة ، وما هو أخفى : هو الهم الذي دون العزيمة .

(3/40)


وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10)

قوله تعالى : { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى } أي قد أتاك حال موسى فيما اجتباه ربه لنبوته وحمله من رسالته . واحتمل ذلك أن يكون ذلك بما قصه عليه في هذا الموضع ، واحتمل أن يكون بما عرفه في غيره .
{ إِذْ رَءَا نَاراً } وكانت عند موسى ناراً ، وعند الله نوراً ، قال مقاتل : وكانت ليلة الجمعة في الشتاء .
{ فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُواْ } أي أقيموا . والفرق بين المكث والإقامة أن الإقامة تدوم والمكث لا يدوم .
{ إِنِّي أَنَسْتُ نَاراً } فيه وجهان :
أحدهما : رأيت ناراً .
والثاني : إني آنست بنار .
{ لَّعَلِّي ءَآتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ } أي بنار تصطلون بها .
{ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً } فيه وجهان :
أحدهما : هادياً يهديني الطريق ، قاله قتادة .
والثاني : علامة أستدل بها على الطريق . وكانوا قد ضلوا عنه فمكثوا بمكانهم بعد ذهاب موسى ثلاثة أيام حتى مر بهم راعي القرية فأخبره بمسير موسى ، فعادوا مع الراعي إلى قريتهم وأقامواْ بها أربعين سنةً حتى أنجز موسى أمر ربه .

(3/41)


فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16)

قوله تعالى : { فلمَّآ أتَاهَا } يعني النار ، التي هو نور { نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَاْ رَبُّكَ } وفي هذا النداء قولان :
أحدهما : أنه تفرد بندائه .
الثاني : أن الله أنطق النور بهذا النداء فكان من نوره الذي لا ينفصل عنه ، فصار نداء منه أعلمه به ربه لتسكن نفسه ويحمل عنه أمره فقدم تأديبه بقوله : { فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ } الآية . وفي أمرْه بخلعهما قولان :
أحدهما : ليباشر بقدميه بركة الوادي المقدس ، قاله علي بن أبي طالب ، والحسن ، وابن جريج .
والثاني : لأن نعليه كانتا من جلد حمار ميت ، قاله كعب ، وعكرمة ، وقتادة .
{ إِنَكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ } فيه وجهان :
أحدهما : أن المقدس هو المبارك ، قاله ابن عباس ، ومجاهد .
والثاني : أنه المطهر ، قاله قطرب ، وقال الشاعر :
وأنت وصول للأقارب مدره ... برىء من الآفات من مقدس
وفي { طُوىً } خسمة تأويلات :
أحدها : أنه اسم من طوى لأنه مر بواديها ليلاً فطواه ، قاله ابن عباس .
الثاني : سمي طوى لأن الله تعالى ناداه مرتين . وطوى في كلامهم بمعنى مرتين ، لأن الثانية إذا أعقبتها الأولى صارت كالمطوية عليها .
الثالث : بل سمي بذلك لأن الوادي قدس مرتين ، قاله الحسن .
الرابع : أن معنى طوى : طَإِ الوادي بقدمك ، قاله مجاهد .
الخامس : أنه الاسم للوادي قديماً ، قاله ابن زيد :
فخلع موسى نعليه ورمى بهما وراء الوادي .
قوله تعالى : { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : وأقم الصلاة لتذكرني فيها ، قاله مجاهد .
والثاني : وأقم الصلاة بذكري ، لأنه لا يُدْخَلُ في الصلاة إلا بذكره .
الثالث : وأقم الصلاة حين تذكرها ، قاله إبراهيم . وروى سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « مَنْ نَسِيَ صَلاَةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا » قال تعالى : { وَأَقِمِ الصَلاَةَ لِذَكرِي } .
قوله تعالى : { أكَادُ أُخْفِيهَا } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أي لا أظهر عليها أحداً ، قاله الحسن ، ويكون أكاد بمعنى أريد .
الثاني : أكاد أخفيها من نفسي ، قاله ابن عباس ومجاهد ، وهي كذلك في قراة أُبَيّ « أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي » ويكون المقصود من ذلك تبعيد الوصول إلى علمها . وتقديره : إذا كنت أخفيها من نفسي فكيف أظهرها لك؟
الثالث : معناه أن الساعة آتية أكاد . انقطع الكلام عند أكاد وبعده مضمر أكاد آتي بها تقريباً لورودها ، ثم استأنف : أخفيها لتجزى كل نفسٍ بما تسعى . قاله الأنباري ، ومثله قول ضابىء البرجمي :
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تكرت على عثمان تبكي حلائله
أي كدت أن أقتله ، فأضمره لبيان معناه .
الرابع : أن معنى -أخفيها : أظهرها ، قاله أبو عبيدة وأنشد :
فإن تدفنوا الداءَ لا نخفيه ... وأن تبعثوا الحرب لا نقعد
يقال أخفيت الشيء أي أظهرته وأخفيته إذا كتمته ، كما يقال أسررت الشيء إذا كتمته ، وأسررته إذا أظهرته .
وفي قوله : { وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ } وجهان :
أحدهما : أسر الرؤساء الندامة عن الأتباع الذي أضلوهم . والثاني : أسر الرؤساء الندامة . قال الشاعر :
ولما رأى الحجاج أظهر سيفه ... أسر الحروري الذي كان أضمرا
{ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى } فيه وجهان :
أحدهما : أنه على وجه القسم من الله ، إن كل نفس تجزى بما تسعى .
الثاني : أنه إخبار من الله أن كل نفس تجزى بما تسعى .
قوله عز وجل : { فَتَرْدَى } فيه وجهان : أحدهما : فتشقى .
الثاني : فتنزل .

(3/42)


وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21)

{ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى } ليس هذا سؤال استفهام ، وإنما هو سؤال تقرير لئلاّ يدخل عليه ارتياب بعد انقلابها حيةٌ تسعى .
{ قَالَ هِيَ عَصَايَ } فتضمن جوابه أمرين :
أحدهما : الإِخبار بأنها عصا وهذا جواب كافٍ .
الثاني : إضافتها إلى ملكه ، وهذه زيادة ذكرها ليكفي الجواب بما سئل عنه .
ثم أخبر عن حالها بما لم يُسأل عنه ليوضح شدة حاجته إليها واستعانته بها لئلا يكون عابئاً بحملها ، فقال : { أَتَوكَّؤُاْ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَ عَلَى غَنَمِي } أي أخبط بها ورق الشجر لترعاه غنمي . قال الراجز :
أهش بالعصا على أغنامي ... من ناعم الأراك والبشام .
وقرأ عكرمة « وأهس » بسين غير معجمة . وفي الهش والهس وجهان :
أحدهما : أنهما لغتان معناهما واحد .
والثاني : أن معناهما مختلف ، فالهش بالمعجمة : خبط الشجر ، والهس بغير إعجام زجر الغنم .
{ وَلِيَ فِيهَا مَئَارِبُ أُخْرَى } أي حاجات أخرى ، فنص على اللازم وكنّى عن العارض ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه كان يطرد بها السباع ، قاله مقاتل :
الثاني : أنه كان يَقْدَحُ بها النار ، ويستخرج الماء بها .
الثالث : أنها كانت تضيء له بالليل ، قاله الضحاك .

(3/43)


وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35)

قوله عز وجل : { وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : إلى عضدك ، قاله مجاهد .
الثاني : إلى جيبك .
الثالث : إلى جنبك فعبر عن الجنب بالجناح لأنه مائل في محل الجناح .
قوله عز وجل : { رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي } يحتمل وجهين :
أحدهما : لحفظ مناجاته .
الثاني : لتبليغ رسالته .
{ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي } يحتمل وجهين :
أحدهما : ما لا يطيق .
الثاني : في معونتي بالقيام على ما حملتني .
{ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها عقدة كانت بلسانه من الجمرة التي ألقاها بفيه في صغر عند فرعون .
الثاني : عقدة كانت بلسانه عند مناجاته لربه ، حتى لا يكلم غيره إلا بإذنه .
الثالث : استحيائه من الله من كلام غيره بعد مناجاته .
{ يَفْقَهُواْ قَوْلِي } يحتمل وجهين :
أحدهما : ببيان كلامه .
الثاني : بتصديقه على قوله .
{ وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي } وإنما سأل الله أن يجعل له وزيراً إلا أنه لم يرد أن يكون مقصوراً على الوزارة حتى يكون شريكاً في النبوة ، ولولا ذلك لجاز أن يستوزره من غير مسألة .
{ هَارُونَ أَخِي اشدُدْ بِهِ أَزْرِي } فيه وجهان :
أحدهما : أن الأزر : الظهر في موضع الحقوين ومعناه فقوّ به نفسي . قال أبو طالب :
أليس أبونا هاشمٌ شد أزره ... وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب
الثاني : أن يكون عوناً يستقيم به أمري . قال الشاعر :
شددت به أزري وأيقنت أنه ... أخ الفقر من ضاقت عليه مذاهبه
فيكون السؤال على الوجه الأول لأجل نفسه وعلى الثاني لأجل النبوة . وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين ، وكان في جبهة هارون شامة ، وكان على أنف موسى شامة ، وعلى طرف لسانه [ شامه ] .

(3/44)


قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40)

قوله عز وجل : { وَأَلْقَيتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي } فيه أربعة أوجه :
أحدها : حببتك إلى عبادي ، قاله سلمى بن كميل .
الثاني : يعني حسناً وملاحة ، قاله عكرمة .
الثالث : رحمتي ، قاله أبو جعفر ( الطبري ) . الرابع : جعلت من رآك أحبك ، حتى أحبك فرعون فسلمت من شره وأحبتك آسية بنت مزاحم فتبنتك ، قاله ابن زيد .
ويحتمل خامساً : أن يكون معناه : وأظهرت عليك محبتي لك وهي نعمة عليك لأن من أحبه الله أوقع في القلوب محبته .
{ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عيْنِي } فيه وجهان :
أحدهما : لتغذي على إرادتي ، قاله قتادة .
الثاني : لتصنع على عيني أمك بك ما صنعت من إلقائك في اليم ومشاهدتي .
ويحتمل ثالثاً : لتكفل وتربى على اختياري ، ويحتمل قوله : { عَلَى عَيْنِي } وجهين :
أحدهما : على اختياري وإرادتي .
الثاني : بحفظي ورعايتي .
{ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحزَنَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : تقر عينها بسلامتك ولا تحزن بفراقك .
الثاني : تقر بكفالتك ولا تحزن بنفقتك .
{ وَقَتَلْتَ نَفْساً } يعني القبطي .
{ فَنَجَّينَاكَ مِنَ الْغَمِّ } يحتمل وجهين :
أحدهما : سلمناك من القَوَد .
الثاني : أمناك من الخوف .
{ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أخبرناك حتى صلحت للرسالة .
الثاني : بلوناك بلاء بعد بلاء ، قاله قتادة .
الثالث : خلصناك تخليصاً محنة بعد محنة ، أولها أنها حملته في السنة التي كان يذبح فرعون فيها الأطفال ثم إلقاؤه في اليم ، ومنعه الرضاع إلا من ثدي أمه ، ثم جره بلحية فرعون حتى همّ بقتله ، ثم تناوله الجمرة بدل التمرة ، فدرأ ذلك عنه قتل فرعون ، ثم مجيىء رجل من شيعته يسعى بما عزموا عليه من قتله قاله ابن عباس .
وقال مجاهد : أخلصناك إخلاصاً .
{ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى } فيه وجهان :
أحدهما : على قدر الرسالة والنبوة ، قاله قاله قتادة .
الثاني : على موعدة ، قاله قتادة ، ومجاهد .
ويحتمل ثالثاً : جئت على مقدار في الشدة وتقدير المدة ، قال الشاعر :
نال الخلافة أو كانت له قدراً ... كما أتى ربه موسى على قدر

(3/45)


وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)

{ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } يحتمل وجهان :
أحدهما : خلقتك ، مأخوذ من الصنعة .
الثاني : اخترتك ، مأخوذ من الصنيعة . { لِنَفْسِي } فيه وجهان :
أحدهما : لمحبتي .
الثاني : لرسالتي .
قوله تعالى : { وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكرِي } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : لا تفترا في ذكري ، قال الشاعر :
فما ونى محمد مذ أن غفر ... له الإله ما مضى وما غبر
الثاني : لا تضعفا في رسالتي ، قاله قتادة .
الثالث : لا تبطنا ، قاله ابن عباس .
الرابع : لا تزالا ، حكاه أبان واستشهد بقول طرفة :
كأن القدور الراسيات أمامهم ... قباب بنوها لا تني أبداً تغلي
قوله تعالى : { فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً } فيه وجهان :
أحدهما : لطيفاً رقيقاً .
الثاني : كنّياه ، قاله السدي وقيل إن كنية فرعون أبو مرة ، وقيل أبو الوليد .
ويحتمل ثالثاً : أن يبدأه بالرغبة قبل الرهبة ، ليلين بها فيتوطأ بعدها من رهبة ووعيد قال بعض المتصوفة : يا رب هذا رفقك لمن عاداك ، فكيف رفقك بمن والاك؟
وقيل إن فرعون كان يحسن لموسى حين رباه ، فأراد أن يجعل رفقه به مكافأة له حين عجز موسى عن مكافأته .

(3/46)


قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48)

قوله تعالى : { أَن يَفْرُطَ عَلَيْنآ } فيه وجهان :
أحدهما : أن يعجل علينا ، قال الراجز : قد أفرط العلج علينا وعجل .
الثاني : يعذبنا عذاب الفارط في الذنب ، وهو المتقدم فيه ، قاله المبرد ويقال لمن أكثر في الشيء أفرط ، ولمن نقص منه فرّط .
{ أَوْ أَن يَطْغَى } أي يقتلنا .

(3/47)


قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52)

قوله تعالى : { رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أعطى كل شيء زوجه من جنسه ، ثم هداه لنكاحه ، قاله ابن عباس والسدي .
الثاني : أعطى كل شيء صورته ، ثم هداه إلى معيشته ومطعمه ومشربه ، قاله مجاهد قال الشاعر :
وله في كل شيء خلقهُ ... وكذلك الله ما شاء فعل
يعني بالخلقة الصورة .
الثالث : أعطى كلاً ما يصلحه ، ثم هداه له ، قاله قتادة .
ويحتمل رابعاً : أعطى كل شيءٍ ما ألهمه من علم أو صناعة وهداه إلى معرفته .
قوله تعالى : { فَمَا بَالُ الْقُرونِ الأَُولَى } وهي جمع قرن ، والقرن أهل كل عصر مأخوذ من قرانهم فيه .
وقال الزجاج : القرن أهل كل عصر وفيه نبي أو طبقة عالية في العلم ، فجعله من اقتران أهل العصر بأهل العلم ، فإذا كان زمان فيه فترة وغلبة جهل لم يكن قرناً .
واختلف في سؤال فرعون عن القرون على أربعة أوجه :
أحدها : أنه سأله عنها فيما دعاه إليه من الإيمان ، هل كانوا على مثل ما يدعو إليه أو بخلافه .
الثاني : أنه قال ذلك له قطعاً للاستدعاء ودفعاً عن الجواب .
الثالث : أنه سأله عن ذنبهم ومجازاتهم .
الرابع : أنه لما دعاه إلى الإِقرار بالبعث قال : ما بال القرون الأولى لم تبعث .
{ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي } فرد موسى علم ذلك إلى ربه .
{ فِي كِتَابٍ } { لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى } أي لم يجعل علم ذلك في كتاب لأنه يضل أو ينسى .
ويحتمل إثباته في الكتاب وجهين :
أحدهما : أن يكون له فضلاً له وحكماً به .
الثاني : ليعلم به ملائكته في وقته .
وفي قوله : { لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى } وجهان :
أحدهما : لا يخطىء فيه ولا يتركه .
الثاني : لا يضل الكتاب عن ربي ، ولا ينسى ربي ما في الكتاب ، قاله ابن عباس .
قال مقاتل : ولم يكن في ذلك [ الوقت ] عند موسى علم القرون الأولى ، لأنه علمها من التوراة ، ولم تنزل عليه إلا بعد هلاك فرعون وغرقه .

(3/48)


الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56)

قوله تعالى : { لأُوْلِي النُّهَى } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أولي الحكم .
الثاني : أولي العقل ، قاله السدي .
الثالث : أولي الورع .
وفي تسميتهم بذلك وجهان :
أحدهما : لأنهم ينهون النفس عن القبيح .
الثاني : لأنه ينتهي إلى آرائهم .
{ وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا كُلَّهَا } فيه وجهان :
أحدهما : حجج الله الدالة على توحيده .
الثاني : المعجزات الدالة على نبوة موسى ، يعني التي أتاها موسى ، وإلا فجميع الآيات لم يرها .
{ فَكَذَّبَ وَأَبَى } يعني فكذب الخبر وأبى الطاعة .
ويحتمل وجهاً آخر : يعني فجحد الدليل وأبى القبول .

(3/49)


قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59)

قوله تعالى : { مَكَاناً سُوىً } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : منصفاً بينهم .
الثاني : عدلاً بيننا وبينك ، قاله قتادة والسدي .
الثالث : عدلاً وسطاً ، قاله أبو عبيدة وأنشد :
وإن أبانا كان حَلّ ببلدة ... سوى بين قيس قيس عيلان والغزر
الرابع : مكاناً مستوياً يتبين للناس ما بيناه فيه ، قاله ابن زيد .
ويقرأ سُوى بضم السين وكسرها ، وفيهما وجهان :
أحدهما : أن : معناهما واحد وإن اختلف لفظهما .
والثاني : أن معناهما ، فهو بالضم المنصف ، وبالكسر العدل .
قوله تعالى : { يَوْمُ الزِّينَةِ } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه يوم عيد كان لهم ، قاله مجاهد وابن جريج والسدي وابن زيد وابن إسحاق .
الثاني : يوم السبت ، قاله الضحاك .
الثالث : عاشوراء ، قاله ابن عباس .
الرابع : أنه يوم سوق كانوا يتزينون فيها ، قاله قتادة .

(3/50)


فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64)

قوله تعالى : { لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِباً } فيه وجهان :
أحدهما : لا تفترواْ على الله كذباً بسحركم .
الثاني : بتكذيبي وقولكم م جئت به سحر .
{ فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ } فيهلككم ويستأصلكم ، قال الفرزدق :
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتاً أو مُجَلَّف
فالمسحت : المستأصل ،
والمجلف : المهلك .
{ فَتَنَازَعُوآ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : فيما هيؤوه من الحبال والعصي ، قاله الضحاك .
والثاني : فيمن يبتدىء بالإِلقاء .
{ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أن النجوى التي أسروها أن قالوا : إن كان هذا سحراً فسنغلبه ، وإن كان السماء فله أمره ، قاله قتادة .
الثاني : أنه لما قال لهم { وَيْلَكُمْ } الآية . قالوا : ما هذا بقول ساحر ، قاله ابن منبه .
الثالث : أنه أسروا النجوى دون موسى وهارون بقولهم ، { إنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ . . . } الآيات ، قاله مقاتل والسدي .
الرابع : أنهم أسرواْ النجوى . إن غَلَبَنَا موسى اتبعناه ، قاله الكلبي .
قوله تعالى : { قَالُواْ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ } هذه قراءة أبي عمرو وهي موافقة للإِعراب مخالفة للمصحف . وقرأ الأكثرون : إن هذان الساحران ، فوافقوا المصحف فيها ، ثم اختلفوا في تشديد إنّ فخففها ابن كثير وحفص فسلما بتخفيف إن من مخالفة المصحف ومن فساد الإِعراب ، ويكون معناها : ما هذان إلا ساحران . وقرأ أُبَيّ : إن ذان إلا ساحران ، وقرأ باقي القراء بالتشديد : إنَّ هذان لساحران . فوافقوا المصحف وخالفوا ظاهر الإِعراب . واختلف من قرأ بذلك في إعرابه على أربعة أقاويل :
أحدها : أن هذا على لغة بلحارث بن كعب وكنانة بن زيد يجعلون رفع الإِثنين ونصبه وخفضه بالألف ، وينشدون :
فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى ... مساغاً لِناباهُ الشجاع لصمّما
والوجه الثاني : لا يجوز أن يحمل القرآن على ما اعتل من اللغات ويعدل به عن أفصحها وأصحها ، ولكن في « إن » هاء مضمرة تقديرها إنّه هذان لساحران ، وهو قول متقدمي النحويين .
الثالث : أنه بَنَى « هذان » على بناء لا يتغير في الإِعراب كما بَنَى الذين على هذه الصيغة في النصب والرفع .
الرابع : أن « إن » المشددة في هذا الموضع بمعنى نعم ، كما قال رجل لابن الزبير : لعن الله ناقة حملتني إليك ، فقال ابن الزبير : إنّ وصاحبها . وقال عبد الله بن قيس الرقيات :
بكى العواذل في الصبا ... ح يلمنني وألومُهُنّة
ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنْه
أي نعم
{ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقتِكُمْ الْمُثْلَى } في قائل هذه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه قول السحرة .
الثاني : أنه قول قوم فرعون .
الثالث : قول فرعون من بين قومه ، وإن أشير به إلى جماعتهم .
وفي تأويله خمسة أوجه :
أحدها : ويذهبا بأهل العقل والشرف . قاله مجاهد .
الثاني : ببني إسرائيل ، وكانوا أولي عدد ويسار ، قاله قتادة .
الثالث : ويذهبا بالطريقة التي أنتم عليها في السيرة قاله ابن زيد .
الرابع : ويذهبا بدينكم وعبادتكم لفرعون ، قاله الضحاك .
الخامس : ويذهبا بأهل طريقتكم المثلى ، [ والمثلى مؤنث ] الأمثل والمراد بالأمثل الأفضل ، قال أبو طالب :
وإنا لعمرو الله إن جدّ ما أرى ... لتلتبسن أسيافنا بالأماثل
قوله تعالى : { فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : جماعتكم على أمرهم في كيد موسى وهارون .
الثاني : معناه أحكموا أمركم ، قال الراجز :
يا ليت شعري والمنى لا تنفع ... هل أغدوا يوماً وأمري مجمع
أي محكم .
{ ثُمَّ ائْتُواْ صَفّاً } أي اصطفواْ ولا تختلطواْ .
{ . . . مَنِ اسْتَعْلَى } أي غلب .

(3/51)


قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70)

قوله تعالى : { قَالَ بَلْ أَلْقُواْ . . . } الآية . في أمر موسى للسحرة بالإِلقاء- وإن كان ذلك كفراً لا يجوز أن يأمر به - وجهان :
أحدهما : إن اللفظ على صفة الأمر ، ومعناه معنى الخبر ، وتقديره : إن كان إلقاؤكم عندكم حجة فألقواْ .
الثاني : إن ذلك منه على وجه الاعتبار ليظهر لهم صحة نبوته ووضوح محبته ، وأن ما أبطل السحر لم يكن سحراً .
وختلفوا في عدد السحرة فحكي عن القاسم بن أبي بزة أنهم كانواْ سبعين ألف ساحر ، وحكي عن ابن جريج أنهم كانواْ تسعمائة ساحر ، ثلاثمائة من العريش ، وثلاثمائة من الفيوم ، ويشكون في الثلاثمائة من الإسكندرية ، وحكى أبو صالح عن ابن عباس أنهم كانواْ اثنين وسبعين ساحراً ، منهم اثنان من القبط وسبعون من بني إسرائيل ، كانواْ في أول النهار سحرة وفي آخرة شهداء .
{ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى } يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه يخيل ذلك لفرعون .
الثاني : لموسى كذلك .
{ فَأَوْجسَ فِي نَفْسِهِ خِيِفَةً مُّوسَى } وفي خوف وجهان :
أحدهما : أنه خاف أن يلتبس على الناس أمرهم فيتوهمواْ أنهم فعلواْ مثل فعله وأنه من جنسه .
الثاني : لما هو مركوز في الطباع من الحذر . وأوجس : بمعنى أسر .
{ قُلْنَا لاَ تَخَفْ . . . } الآية . تثبيتاً لنفسه ، وإزالة لخوفه .
قوله تعالى : { وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ } أي تأخذه بفيها ابتلاعاً بسرعة ، فقيل إنها ابتلعت حمل ثلاثمائة بعير من الحبال والعصي ، ثم أخذها موسى ورجعت عصا كما كانت .
وفيها قولان :
أحدهما : أنها كانت من عوسج ، قاله وهب .
الثاني : من الجنة ، قاله ابن عباس ، قال : وبها قتل موسى عوج بن عناق .
{ فَأَلْقِيَ السَّحْرةُ سُجَّداً } طاعة لله وتصديقاً لموسى .
{ قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى } أي بالرب الذي دعا إليه هارون وموسى ، لأنه رب لنا ولجميع الخلق ، فقيل إنهم ، ما رفعوا رؤوسهم حتى رأواْ الجنة وثواب أهلها ، فعند ذلك .

(3/52)


قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)

{ قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ } وقيل إن امرأة فرعون كانت تسأل : من غلب؟ فقيل لها : موسى وهارون . فقالت : آمنت برب موسى وهارون فأرسل إليها فرعون فقال : فخذواْ أعظم صخرة فحذَّرُوها ، فإن أقامت على قولها [ فألقوها عليها ] ، فنزع [ الله ] روحها ، فألقيت الصخرة على جسدها وليس فيه روح .
{ وَالَّذِي فَطَرَنَا } فيه وجهان :
أحدهما : أنه قسم .
الثاني : بمعنى [ ولا ] على الذي فطرنا .
{ فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ } فيه وجهان :
أحدهما : فاصنع ما أنت صانع .
الثاني : فاحكم ما أنت حاكم .
{ إِنَّمَا تَقْضِي هذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَآ } يحتمل وجهين :
أحدهما : إن التي تنقضي وتذهب هذه الحياة الدنيا ، وتبقى الآخرة .
قوله تعالى : { وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } فيه وجهان :
أحدهما : والله خير منك وأبقى ثواباً إن أُطيع ، وعقاباً إن عُصِي .
الثاني : خير منك ثواباً إن أطيع وأبقى منك عقاباً إن عُصِي .

(3/53)


إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76)

قوله عز وجل : { لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى } يحتمل وجهين :
أحدهما : لا ينتفع بحياته ولا يستريح بموته ، كما قال الشاعر :
ألا من لنفسٍ لا تموت فينقضي ... شقاها ولا تحيا حياة لها طعم
الثاني : أن نفس الكافر معلقة بحنجرته كما أخبر الله عنه فلا يموت بفراقها . ولا يحيا باستقرارها .

(3/54)