صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : النكت والعيون
المؤلف : أبوالحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58) وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (59)

قوله عز وجل : { وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الآيات معجزات الرسل جعلها الله تعالى من دلائل الإنذار تخويفاً للمكذبين .
الثاني : أنها آيات الانتقام تخويفاً من المعاصي .
الثالث : أنها تقلُّبُ الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهُّل ثم إلى مشيب ، لتعتبر بتقلب أحوالك فتخاف عاقبة أمْرك ، وهذا قول أحمد بن حنبل رحمه الله .

(2/436)


وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (60)

قوله عز وجل : { وإذا قلنا لك إنّ ربّك أحاط بالناس } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : معناه أحاطت بالناس قدرته فهم في قبضته ، قاله مجاهد وابن أبي نجيح .
الثاني : أحاط علمه بالناس ، قاله الكلبي .
الثالث : أنه عصمك من الناس أن يقتلوك حتى تبلغ رسالة ربك ، قاله الحسن وعروة وقتادة .
{ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للناس } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها رؤيا عين ليلة الإسراء به من مكة إلى بيت المقدس ، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والضحاك وابن أبي نجيح وابن زيد ، وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه أُسريَ به .
الثاني : أنها رؤيا نوم رأى فيها أنه يدخل مكة ، فعجل النبي صلى الله عليه وسلم قبل الوقت يوم الحيبية ، فرجع فقال ناس قد كان قال إنه سيدخلها فكانت رجعته فتنتهم ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً .
الثالث : أنها رؤيا منام رأى فيها قوماً يعلون على منابره ينزون نزو القردة . فساءه ، وهذا قول سهل بن سعد . وقيل إنه ما استجمع ضاحكاً حتى مات صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية .
{ والشجرة الملعونة في القرآن } فيها أربعة أقاويل :
أحدها : أنها شجرة الزقوم طعام الأثيم ، وقال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك وسعيد بن جبير وطاووس وابن زيد . وكانت فتنتهم بها قول أبي جهل وأشياعه : النار تأكل الشجر فكيف تنبتها .
الثاني : هي الكشوت التي تلتوي على الشجر ، قاله ابن عباس . الثالث : أنهم اليهود تظاهروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأحزاب ، قاله ابن بحر . الرابع : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه قوماً يصعدون المنابر ، فشق عليه ، فأنزل الله تعالى { والشجرة الملعونة في القرآن } قاله سعيد بن المسيب .
والشجرة كناية عن المرأة ، والجماعة أولاد المرأة كالأغصان للشجر .

(2/437)


وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62)

قوله عز وجل : { . . . لأحتنكن ذُرِّيته إلاّ قليلاً } فيه ستة تأويلات :
أحدها : معناه لأستولين عليهم بالغلبة ، قاله ابن عباس .
الثاني : معناه لأضلنهم بالإغواء .
الثالث : لأستأصلنهم بالإغواء .
الرابع : لأستميلنهم ، قاله الأخفش .
الخامس : لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحنكها إذا شد فيه حبل يجذبها وهو افتعال من الحنك إشارة إلى حنك الدابة .
السادس : معناه لأقطعنهم إلى المعاصي ، قال الشاعر :
أشْكوا إليك سَنَةً قد أجحفت ... جهْداً إلى جهدٍ بنا وأضعفت
واحتنكَتْ أَمْولُنا واجتلفت . ...

(2/438)


قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65)

قوله عز وجل : { واستفزز من استطعت منهم بصوتك } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : واستخف ، وهذا قول الكلبي والفراء .
الثاني : واستجهل .
الثالث : واستذل من استطعت ، قاله مجاهد .
{ بصوتك } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنه صوت الغناء واللهو ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه صوت المزمار ، قاله الضحاك .
الثالث : بدعائك إلى معصية الله تعالى وطاعتك ، قاله ابن عباس .
{ وأجلب عليهم بخيلك ورجَلِكِ } والجلب هو السوْق بجلبه من السائق ، وفي المثل : إذا لم تغلب فأجلب .
وقوله { بخيلك ورجلك } أي بكل راكب وماشٍ في معاصي الله تعالى .
{ وشاركهم في الأموال والأولاد } أما مشاركتهم في الأموال ففيها أربعة أوجه :
أحدها : أنها الأموال التي أصابوها من غير حلها ، قاله مجاهد .
الثاني : أنها الأموال التي أنفقوها في معاصي الله تعالى ، قاله الحسن .
الثالث : ما كانوا يحرّمونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، قاله ابن عباس .
الرابع : ما كانوا يذبحون لآلهتهم ، قاله الضحاك .
وأما مشاركتهم في الأولاد ففيها أربعة أوجه :
أحدها : أنهم أولاد الزنى ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه قتل الموؤودة من أولادهم ، قاله ابن عباس .
الثالث : أنه صبغة أولادهم في الكفر حتى هوّدوهم ونصّروهم ، قاله قتادة . الرابع : أنه تسمية أولادهم عبيد آلهتهم كعبد شمس وعبد العزَّى وعبد اللات ، رواه أبو صالح عن ابن عباس .

(2/439)


رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (66)

قوله عز وجل : { ربُّكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر } معناه يجريها ويسيرها ، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد ، قال الشاعر :
يا أيها الراكب المزجي مطيتُه ... سائل بني أسدٍ ما هذه الصوت

(2/440)


وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67)

قوله عز وجل : { وإذا مَسّكم الضُّرُّ في البحر ضَلَّ من تدعون إلا إياه } فيه وجهان : أحدهما : بطل من تدعون سواه ، كما قال تعالى { أضلَّ أعمالهم } [ محمد : 1 ] أي أبطلها .
الثاني : معناه غاب من تدعون كما قال تعالى { أئِذا ضَلَلْنا في الأرض } [ السجدة : 10 ] أي غِبْنَا .

(2/441)


أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69)

قوله عز وجل : { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البَرِّ } يحتمل وجهين :
أحدهما : يريد بعض البر وهو موضع حلولهم منه ، فسماه جانبه لأنه يصير بعد الخسف جانباً .
الثاني : أنهم كانوا على ساحل البحر ، وساحله جانب البر ، وكانوا فيه آمنين من أهوال البحر فحذرهم ما أمنوه من البر كما حذرهم ما خافوه من البحر .
{ أو يُرْسِلَ عليكم حاصباً } فيه وجهان :
أحدهما : يعني حجارة من السماء ، قاله قتادة .
الثاني : إن الحاصب الريح العاصف سميت بذلك لأنها تحصب أي ترمي بالحصباء . والقاصف الريح التي تقصف الشجر ، قاله الفراء وابن قتيبة .

(2/442)


وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)

قوله تعالى : { ولقد كَرّمنا بني آدم . . } فيه سبعة أوجه :
أحدها : يعني كرمناهم بإنعامنا عليهم .
الثاني : كرمناهم بأن جعلنا لهم عقولاً وتمييزاً .
الثالث : بأن جعلنا منهم خير أمة أخرجت للناس .
الرابع : بأن يأكلوا ما يتناولونه من الطعام والشراب بأيديهم ، وغيرهم يتناوله بفمه ، قاله الكلبي ومقاتل .
الخامس : كرمناهم بالأمر والنهي .
السادس : كرمناهم بالكلام والخط .
السابع : كرمناهم بأن سخّرنا جميع الخلق لهم .
{ . . . ورزقناهُمْ من الطيبات } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : ما أحله الله لهم .
الثاني : ما استطابوا أكله وشربه .
الثالث : أنه كسب العامل إذا نفع ، قاله سهل بن عبد الله .
{ وفضلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلاً } فيه أربعة أوجه :
أحدها : بالغلبة والاستيلاء .
الثاني : بالثواب والجزاء .
الثالث : بالحفظ والتمييز .
الرابع : بإصابة الفراسة .

(2/443)


يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (72)

قوله عز وجل : { يوم ندعوا كل أناسٍ بإمامِهمْ } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : بنبيِّهم ، قاله مجاهد .
الثاني : بكتابهم الذي أنزل عليهم أوامر الله ونواهيه ، قاله ابن زيد .
الثالث : بدينهم ، ويشبه أن يكون قول قتادة .
الرابع : يكتب أعمالهم التي عملوها في الدنيا من خير وشر ، قاله ابن عباس .
الخامس : بمن كانوا يأتمرون به في الدنيا فيتبعونه في خير أو شر ، أو على حق ، أو باطل ، وهو معنى قول أبو عبيدة .
قوله عز وجل : { ومن كان في هذه أعمى . . } يحتمل أربعة أوجه :
أحدها : من كان في الدنيا أعمى عن الطاعة { فهو في الآخرة أعمى } عن الثواب . الثاني : ومن كان في الدنيا أعمى عن الاعتبار { فهو في الآخرة أعمى } عن الاعتذار .
الثالث : ومن كان في الدنيا أعمى عن الحق { فهو في الآخرة أعمى } عن الجنة .
الرابع : ومن كان في تدبير دنياه أعمى فهو تدبير آخرته أعمى { وأضل سبيلاً } .

(2/444)


وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)

قوله تعالى : { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره } فيه قولان :
أحدهما : ما روى سعيد بن جبير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلم الحجر في طوافه فمنعته قريش وقالوا لا ندعك تستلم حتى تلم بآلهتنا فحدث نفسه وقال : « ما عليّ أن ألمَّ بها بعد أن يعدوني أستلم الحجر واللّه يعلم أني لها كاره » فأبى الله تعالى وأنزل عليه هذه الآية ، قاله مجاهد وقتادة .
الثاني : ما روى ابن عباس أن ثقيفاً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أجِّلْنا سنة حتى نأخذ ما نُهدي لآلهتنا ، فإذا أخذناه كسرنا آلهتنا وأسلمْنا ، فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطيعهم ، فأنزل الله هذه الآية .
{ لِتَفْتَريَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ } يحتمل وجهين :
أحدهما : لتدّعي علينا غير وحينا .
الثاني : لتعتدي في أوامرنا .
{ وإذاً لاتخذوك خليلاً } فيه وجهان :
أحدهما : صديقاً ، مأخوذ من الخُلة بالضم وهي الصداقة لممالأته لهم .
الثاني : فقيراً ، مأخوذ من الخلة بالفتح وهي الفقر لحاجته إليهم .
قوله عز وجل : { إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات } فيه قولان :
أحدهما : لأذقناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك .
الثاني : لأذقناك ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة ، حكاه الطبري :
وفي المراد بالضِّعف ها هنا وجهان :
أحدها : النصيب ، ومنه قوله تعالى { لكل ضِعفٌ } [ الأعراف : 38 ] أي نصيب .
الثاني : مثلان ، وذلك لأن ذنبك أعظم .
وفيه وجه ثالث : أن الضعف هو العذاب يسمى ضعف لتضاعف ألمه ، قاله أبان بن تغلب وأنشد قول الشاعر :
لمقتل مالكٍ إذ بان مني ... أبيتُ الليل في ضعفٍ أليم
قال قتادة : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين
» .

(2/445)


وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77)

قوله عز وجل : { وإن كادوا ليستفزونَك مِنَ الأرض ليخرجوك منها } في قوله { ليستفزّونك } وجهان :
أحدهما : يقتلونك ، قاله الحسن .
الثاني : يزعجونك باتسخفافك ، قاله ابن عيسى . قال الشاعر :
يُطِيعُ سَفِيهَ القوْمِ إذ يَسْتَفِزُّهُ ... ويعْصِي حَكِيماً شَيَّبَتْهُ الْهَزَاهِزُ
وفي قوله { ليخرجوك منها } أربعة أقاويل :
أحدها : أنهم اليهود أرادوا أن يخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ، فقالوا : إن أرض الأنبياء هي الشام وإن هذه ليست بأرض الأنبياء ، قاله سليمان التيمي .
الثاني : أنهم قريش هموا بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قبل الهجرة ، قاله قتادة .
الثالث : أنهم أرادوا إخراجه من جزيرة العرب كلها لأنهم قد أخرجوه من مكة . الرابع : أنهم أرادوا قتله ليخرجوه من الأرض كلها ، قاله الحسن .
{ وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلاً } يعني بعدك ، قال خلْفك وخلافك وقد قرئا جميعاً بمعنى بعدك ، ومنه قول الشاعر :
عَفَتِ الدِّيَارُ خِلاَفَها فَكَأَنَّما ... بَسَطَ الشَّوَاطبُ بَيْنَهُم حَصِيراً
وقيل خلفك بمعنى مخالفتك ، ذكره ابن الأنباري .
{ إلا قليلاً } فيه وجهان :
أحدهما : أن المدة التي لبثوها بعده ما بين إخراجهم له إلى قتلهم يوم بدر ، وهذا قوله من ذكر أنهم قريش .
الثاني : ما بين ذلك وقتل بني قريظة وجلاء بني النضير ، وهذا قول من ذكر أنهم اليهود .

(2/446)


أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)

قوله عز وجل : { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل } .
أما دلوك الشمس ففيه تأويلان :
أحدهما : أنه غروبها ، وأن الصلاة المأمور بها صلاة المغرب ، ومنه قول ذي الرمة :
مصابيح ليست باللواتي تقودها ... نجومٌ ولا بالآفات الدوالك
قاله ابن مسعود وابن زيد ، ورواه مجاهد عن ابن عباس ، وهو مذهب أبي حنيفة .
الثاني : أنه زوالها ، والصلاة المأمور بها صلاة الظهر ، وهذا قول ابن عباس في رواية الشعبي عنه ، وهو قول أبي بردة والحسن وقتادة ومجاهد ، وهو مذهب الشافعي ومالك لرواية أبي بكر بن عمرو بن حزم عن ابن مسعود وعقبة بن عامر قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر » وقال الشاعر :
هذا مُقام قَدَامي رباح ... ذَيّبَ حتى دَلَكت بَراح
وبراح اسم الشمس ، والباء التي فيه من أصل الكلمة ، وذهب بعض أهل العربية إلى أن الباء التي فيها باء الجر ، واسم الشمس راح .
فمن جعل الدلوك اسماً لغروبها فلأن الإنسان يدلك عينيه براحته لتبينها ، ومن جعله اسماً لزوالها فلأنه يدلك عينيه براحته لشدة شعاعها . وقيل إن أصل الدلوك في اللغة هو الميل ، والشمس تميل عند زوالها وغروبها فلذلك انطلق على كل واحدٍ منهما .
وأما { غسق الليل } ففيه تأويلان :
أحدهما : أنه ظهور ظلامه ، قاله الفراء وابن عيسى ، ومنه قول زهير :
ظَلَّت تَجُودُ يَدَاها وهِيَ لاَهِيَةٌ ... حتى إذا جَنَحَ الإِظْلاَمُ والغَسَقُ
الثاني : أنه دنوّ الليل وإقباله ، وهوقول ابن عباس وقتادة . قال الشاعر :
إن هذا الليل قد غسقا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الصلاة المأمور بها قولان :
أحدهما : أنها صلاة المغرب ، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك
الثاني : هي صلاة العشاء الآخرة ، قاله أبو جعفر الطبري .
ثم قال { وقرآن الفَجْر إنّ قرآن الفجْر كان مشهوداً } في { قرآن } تأويلان :
أحدهما : أقم القراءة في صلاة الفجر ، وهذا قول أبي جعفر الطبري .
الثاني : معناه صلاة الفجر ، فسماها قرآناً لتأكيد القراءة في الصلاة ، وهذا قول أبي اسحاق الزجاج .
{ إن قرآن الفجر كان مشهوداً } فيه قولان :
أحدهما : إن من الحكمة أن تشهده بالحضور إليه في المساجد ، قاله ابن بحر .
الثاني : ان المراد به ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار
» وفي هذا دليل على أنها ليست من صلاة الليل ولا من صلاة النهار .
قوله عز وجل : { ومن الليل فتهجد به نافلة لك } أما الهجود فمن أسماء الأضداد ، وينطلق على النوم وعلى السهر ، وشاهد انطلاقه على السهر قول الشاعر :
ألا زارت وأهْلُ مِنىً هُجُود ... ولَيْتَ خَيَالَهَا بِمِنىً يعُود
وشاهد انطلاقه على النوم قول الشاعر :
أَلا طَرَقَتْنَا والرِّفَاقُ هُجُود ... فَبَاتَتْ بِعُلاَّت النّوالِ تجود

(2/447)


أما التهجد فهو السهر ، وفيه وجهان :
أحدهما : السهر بالتيقظ لما ينفي النوم ، سواء كان قبل النوم أو بعده .
الثاني : أنه السهر بعد النوم ، قاله الأسود بن علقمة .
وفي الكلام مضمر محذوف وتقديره : فتهجد بالقرآن وقيام الليل نافلة أي فضلاً وزيادة على الفرض .
وفي تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بأنها نافلة له ثلاثة أوجه :
أحدها : تخصيصاً له بالترغيب فيها والسبق إلى حيازة فضلها ، اختصاصها بكرامته ، قاله علي بن عيسى .
الثاني : لأنها فضيلة له ، ولغيره كفارة ، قاله مجاهد .
الثالث : لأنها عليه مكتوبة ولغيره مستحبة ، قاله ابن عباس .
{ عسى أن يبعثك ربُّك مقاماً محموداً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن المقام المحمود الشفاعة للناس يوم القيامة ، قاله حذيفة بن اليمان .
الثاني : أنه إجلاسه على عرشه يوم القيامة ، قاله مجاهد .
الثالث : أنه إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة .
ويحتمل قولاً رابعاً : أن يكون المقام المحمود شهادته على أمته بما أجابوه من تصديق أو تكذيب ، كما قال تعالى { وجئنا بك على هؤلاء شهيداً } [ النساء : 41 ] .

(2/448)


وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)

قوله عز وجل : { وقل ربِّ أدخلني مدخل صدقٍ وأخرجني مُخرج صدق } فيه سبعة أقاويل :
أحدها : أن مدخل الصدق دخوله إلى المدينة حين هاجر إليها ، ومخرج صدق بخروجه من مكة حين هاجر منها ، قاله قتادة وابن زيد .
الثاني : أدخلني مدخل صدق إلى الجنة وأخرجني مخرج صدق من مكة إلى المدينة ، قاله الحسن .
الثالث : أدخلني مدخل صدق فيما أرسلتني به من النبوة ، وأخرجني منه بتبليغ الرسالة مخرج صدق ، وهذا قول مجاهد .
الرابع : أدخلني في الإسلام مدخل صدق ، وأخرجني من الدنيا مخرج صدق ، قاله أبو صالح .
الخامس : أدخلني مكة مدخل صدق وأخرجني منها مخرج صدق آمناً ، قاله الضحاك .
السادس : أدخلني في قبري مدخل صدق ، وأخرجني منه مخرج صدق ، قاله ابن عباس .
السابع : أدخلني فيما أمرتني به من طاعتك مدخل صدق ، وأخرجني مما نهيتني عنه من معاصيك مخرج صدق ، قاله بعض المتأخرين .
والصدق ها هنا عبارة عن الصلاح وحسن العاقبة . { واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني مُلكاً عزيزاً أقهر به العصاة ، قاله قتادة .
الثاني : حجة بيّنة ، قاله مجاهد .
الثالث : أن السلطة على الكافرين بالسيف ، وعلى المنافقين بإقامة الحدود قاله الحسن .
ويحتمل رابعاً : أن يجمع له بين القلوب باللين وبين قهر الأبدان بالسيف .
قوله عز وجل : { وقُلْ جاء الحق وزهق الباطل } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن الحق هو القرآن ، والباطل هو الشيطان ، قاله قتادة .
الثاني : أن الحق عبادة الله تعالى والباطل عبادة الأصنام ، قاله مقاتل بن سليمان .
الثالث : أن الحق الجهاد ، والباطل الشرك ، قاله ابن جريج . { إن الباطل كان زهوقاً } أي ذاهباً هالكاً ، قال الشاعر :
ولقدْ شفَى نفسي وأبْرأ سُقْمَهَا ... إِقدامُهُ قهْراً له لَمْ يَزْهَق
وحكى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة ورأى فيها التصاوير أمر بثوب فبُل بالماء وجعل يضرب به تلك التصاوير ويمحوها ويقول { جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً }
.

(2/449)


وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)

قوله عز وجل : { وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين } يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : شفاء من الضلال ، لما فيه من الهدى .
الثاني : شفاء من السقم ، لما فيه من البركة .
الثالث : شفاء من الفرائض والأحكام ، لما فيه من البيان .
وتأويله الرحمة ها هنا على الوجوه الأُوَلِ الثلاثة :
أحدها : أنها الهدى .
الثاني : أنها البركة .
الثالث : أنها البيان .
{ ولا يزيد الظالمين إلا خساراً } يحتمل وجهين :
أحدهما : يزيدهم خساراً لزيادة تكذيبهم .
الثاني : يزيدهم خساراً لزيادة ما يرد فيه من عذابهم .

(2/450)


وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (84)

قوله عز وجل : { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه } يحتمل وجهين :
أحدهما : إذا أنعمنا عليه بالصحة والغنى أعرض ونأى وبعد من الخير .
الثاني : إذا أنعمنا عليه بالهداية أعرض عن السماع وبعُد من القبول وفي قوله { ونأى بجانبه } وجهان :
أحدهما : أعجب بنفسه ، لأن المعجب نافر من الناس متباعد عنهم .
الثاني : تباعد من ربه .
{ وإذا مَسّهُ الشر كان يئوساً } يحتمل إياسه من الفرج إذا مسه الشر وجهين :
أحدهما : بجحوده وتكذيبه .
الثاني : بعلمه بمعصيته أنه معاقب على ذنبه .
وفي { الشر } ها هنا ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنه الفقر ، قاله قتادة .
الثاني : أنه السقم ، قاله الكلبي .
الثالث : السيف ، وهو محتمل .
قوله عز وجل : { قُلْ كلٌّ يعمل على شاكلته } في ستة تأويلات :
أحدها : على حِدّته ، قاله مجاهد .
الثاني : على طبيعته ، قاله ابن عباس .
الثالث : على بيته ، قاله قتادة .
الرابع : على دينه ، قاله ابن زيد .
الخامس : على عادته .
السادس : على أخلاقه .
{ فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً } فيه وجهان :
أحدهما : أحسن ديناً .
الثاني : أسرع قبولاً .

(2/451)


وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)

قوله عز وجل : { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي } فيها خمسة أقاويل :
أحدها : أنه جبريل عليه السلام ، قاله ابن عباس . كما قال تعالى { نزل به الروح الأمين } [ الشعراء : 193 ] .
الثاني : ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه ، لكل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بجميع ذلك ، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
الثالث : أنه القرآن ، قاله الحسن ، كما قال تعالى { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا } [ الشورى : 52 ] فيكون معناه أن القرآن من أمر الله تعالى ووحيه الذي أنزل عليّ وليس هو مني .
الرابع : أنه عيسى ابن مريم هو من أمر الله تعالى وليس كما ادعته النصارى أنه ابن الله ، ولا كما افترته اليهود أنه لغير رشدة .
الخامس : أنه روح الحيوان ، وهي مشتقة من الريح . قال قتادة سأله عنها قوم من اليهود وقيل في كتابهم أنه إن أجاب عن الروح فليس بنبيّ فقال الله تعالى { قل الروح من أمر ربي } فلم يجبهم عنها فاحتمل ذلك ستة أوجه :
أحدها : تحقيقاً لشيء إن كان في كتابهم .
الثاني : أنهم قصدوا بذلك الإعنات كما قصدوا اقتراح الآيات .
الثالث : لأنه قد يتوصل إلى معرفته بالعقل دون السمع .
الرابع : لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سؤال ما لا يعني .
الخامس : قاله بعض المتكلمين ، أنه لو أجابهم عنها ووصفها؛ بأنها جسم رقيق تقوم معه الحياة ، لخرج من شكل كلام النبوة ، وحصل في شكل كلام الفلاسفة . فقال { من أمر ربي } أي هو القادر عليه .
السادس : أن المقصود من سؤالهم عن الروح أن يتبين لهم أنه محدث أو قديم ، فأجابهم بأنه محدث لأنه قال : { من أمر ربي } أي من فعله وخلقه ، كما قال تعالى { إنما أمرنا لشيء } .
فعلى هذا الوجه يكون جواباً لما سألوه ، ولا يكون على الوجوه المتقدمة جواباً .
{ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً } فيه وجهان :
أحدهما : إلا قليلاً من معلومات الله .
الثاني : إلا قليلاً بحسب ما تدعو الحاجة إليه حالاً فحالاً .
وفيمن أريد بقوله تعالى : { وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً } قولان :
أحدهما : أنهم اليهود خاصة ، قاله قتادة .
الثاني : النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الخلق .

(2/452)


وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89)

قوله عز وجل : { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك } فيه وجهان :
أحدهما : لأذهبناه من الصدور والكتب حتى لا يقدر عليه .
الثاني : لأذهبناه بقبضك إلينا حتى لا ينزل عليك .
{ ثم لا تجدُ لك به علينا وكيلاً } فيه وجهان :
أحدهما : أي لا تجد من يتوكل في رده إليك ، وهو تأويل من قال بالوجه الأول .
الثاني : لا تجد من يمنعنا منك ، وهو تأويل من قال بالوجه الثاني .
{ إلاّ رحمة من ربك } أي لكن رحمة من ربك أبقاك له وأبقاه عليك .
{ إنّ فضله كان عليك كبيراً } فيه وجهان :
أحدهما : جزيلاً لكثرته .
الثاني : جليلاً لعظيم خطره .

(2/453)


وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93)

قوله عز وجل : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجُر لنا من الأرض ينبوعاً } التفجير تشقيق الأرض لينبع الماء منها ، ومنه سمي الفجر لأنه ينشق عن عمود الصبح ، ومنه سمي الفجور لأنه شق الحق بالخروج إلى الفساد .
الينبوع : العين التي ينبع منها الماء ، قال قتادة ومجاهد : طلبوا عيوناً ببلدهم .
{ أو تكون لك جنةٌ من نخيلٍ وعنب } سألوا ذلك في بلد ليس ذلك فيه .
{ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً } أي قطعاً . قرىء بتسكين السين وفتحها ، فمن قرأ بالتسكين أراد السماء جميعها ، ومن فتح السين جعل المراد به بعض السماء ، وفي تأويل ذلك وجهان :
أحدهما : يعني حيزاً ، حكاه ابن الأنباري ، ولعلهم أرادوا به مشاهدة ما فوق السماء .
الثاني : يعني قطعاً ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة . والعرب تقول . أعطني كسفة من هذا الثوب أي قطعة منه . ومن هذا الكسوف لانقطاع النور منه ، وعلى الوجه الثاني لتغطيته بما يمنع من رؤيته .
{ أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً } فيه أربعة أوجه :
أحدها : يعني كل قبيلة على حدتها ، قاله الحسن .
الثاني : يعني مقابلة ، نعاينهم ونراهم ، قاله قتادة وابن جريج .
الثالث : كفيلاً ، والقبيل الكفيل ، من قولهم تقبلت كذا أي تكفلت به ، قاله ابن قتيبة .
الرابع : مجتمعين ، مأخوذ من قبائل الرأس لاجتماع بعضه إلى بعض ومنه سميت قبائل العرب لاجتماعها ، قاله ابن بحر .
قوله عز وجل : { أو يكون لك بيت من زخرف } فيه وجهان :
أحدهما : أن الزخرف النقوش ، وهذا قول الحسن .
الثاني : أنه الذهب ، وهذا قول ابن عباس وقتادة ، قال مجاهد : لم أكن أدري ما الزخرف حتى سمعنا في قراءة عبد الله : بيت من ذهب .
وأصله من الزخرفة وهو تحسين الصورة ، ومنه قوله تعالى { حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت } [ يونس : 24 ] .
والذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك نفر من قريش قال ابن عباس : هم عتبة ابن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو سفيان والأسود بن عبد المطلب بن أسد وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام وعبد الله بن أمية والعاص بن وائل وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج .

(2/454)


وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95)

قوله تعالى : { وما منع الناس أن يؤمنوا } يعني برسول الله صلى الله عليه وسلم .
{ إذ جاءَهم الهُدى } يحتمل وجهين :
أحدهما : القرآن .
الثاني : الرسول .
{ إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً } وهذا قول كفار قريش أنكروا أن يكون البشر رُسُل الله تعالى ، وأن الملائكة برسالاته أخص كما كانوا رسلاً إلى أنبيائه ، فأبطل الله تعالى عليهم ذلك بقوله :
{ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً } يعني أن الرسول إلى كل جنس يأنس بجنسه ، وينفر من غير جنسه ، فلو جعل الله تعالى الرسول إلى البشر ملكاً لنفروا من مقاربته ولما أنسوا به ولداخلهم من الرهب منه والاتقاء له ما يكفهم عن كلامه ويمنعهم من سؤاله ، فلا تعمّ المصلحة . ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليأنسوا به ويسكنوا إليه لقالوا لست ملكاً وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك ، وعادوا إلى مثل حالهم .

(2/455)


قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (96) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97)

قوله عز وجل : { ومن يهد الله فهو المهتدِ } معناه من يحكم الله تعالى بهدايته فهو المهتدي بإخلاصه وطاعته .
{ ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه } فيه وجهان :
أحدهما : ومن يحكم بضلاله فلن تجد له أولياء من دونه في هدايته .
الثاني : ومن يقض الله تعالى بعقوبته لم يوجد له ناصر يمنعه من عقابه .
{ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم } فيه وجهان :
أحدهما : أن ذلك عبارة عن الإسراع بهم إلى جهنم ، من قول العرب : قدم القوم على وجوههم إذا أسرعوا .
الثاني : أنه يسحبون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم كمن يفعل في الدنيا بمن يبالغ في هوانه وتعذيبه .
{ عُمْياً وبكماً وصماً } فه وجهان :
أحدهما : أنهم حشروا في النار عُمي الأبصار بُكم الألسن صُمّ الأسماع ليكون ذلك يزادة في عذابهم ، ثم أبصروا لقوله تعالى { ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها } [ الكهف : 53 ] وتكلموا لقوله تعالى { دَعوا هنالك ثبوراً } [ الفرقان : 13 ] وسمعوا ، لقوله تعالى { سمعوا لها تغيظاً وزفيراً } [ الفرقان : 12 ] .
وقال مقاتل بن سليمان : بل إذا قال لهم { اخسئوا فيها ولا تكلمُون } [ المؤمنون : 18 ] صاروا عمياً لا يبصرون ، صُمّاً لا يسمعون ، بكماً لا يفقهون .
الثاني : أن حواسهم على ما كانت عليه ، ومعناه عمي عما يسرّهم ، بكم عن التكلم بما ينفعهم ، صم عما يمتعهم ، قاله ابن عباس والحسن .
{ مأواهم جهنم } يعني مستقرهم جهنم .
{ كلما خبت زدناهم سعيراً } فيه وجهان :
أحدهما : كلما طفئت أوقدت ، قاله مجاهد .
الثاني : كلما سكن التهابها زدناهم سعيراً والتهاباً ، قاله الضحاك ، قال الشاعر :
وكُنّا كَالحَرِيقِ أَصَابَ غَاباً ... فَيَخْبُو سَاعَةً ويَهُبُّ سَاعا
وسكون التهابها من غير نقصان في الآمهم ولا تخفيف من عذابهم .

(2/456)


ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (98) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (100)

قوله عز وجل : { قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي } فيه وجهان :
أحدهما : خزائن الأرض الأرزاق ، قاله الكلبي .
الثاني : خزائن النعم ، وهذا أعم .
{ إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق } فيه وجهان :
أحدهما : لأمسكتم خشية الفقر ، والإنفاق الفقر ، قاله قتادة وابن جريج .
الثاني : يعني أنه لو ملك أحد المخلوقين خزائن الله تعالى لما جاد بها كجود الله تعالى لأمرين :
أحدهما : أنه لا بدّ أن يمسك منها لنفقته وما يعود بمنفعته .
الثاني : أنه يخاف الفقر ويخشى العدم ، والله عز وجل يتعالى في جوده عن هاتين الحالتين .
{ وكان الإنسان قتوراً } فيه تأويلان :
أحدهما : مقتراً ، قاله قطرب والأخفش .
الثاني : بخيلاً ، قاله ابن عباس وقتادة .
واختلف في هذا الآية على قولين :
أحدهما : أنها نزلت في المشركين خاصة ، قاله الحسن . الثاني : أنها عامة ، وهو قول الجمهور .

(2/457)


وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104)

قوله تعالى { ولقد آتينا موسى تسْع آيات بيناتٍ } فيها أربعة أقاويل :
أحدها : أنها يده وعصاه ولسانه والبحر والطوفان والجراد والقُمّل والضفادع والدم آيات مفصلات ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنها نحو من ذلك إلا آيتين منهن إحداهما الطمس ، والأخرى الحجر ، قاله محمد بن كعب القرظي .
الثالث : أنها نحو من ذلك ، وزيادة السنين ونقص من الثمرات ، وهو قول الحسن .
الرابع : ما روى صفوان بن عسال عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قوماً من اليهود سألوه عنها فقال : « لا تشركوا بالله شيئاً ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا تسحروا ، ولا تأكلوا الربا ، ولا تمشوا ببرىء الى السلطان ليقتله ، ولا تقذفوا محصنة ، ولا تفرُّوا من الزحف ، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدُوا في السبت » فقبلوا يده ورجله .
{ فاسأل بني إسرائيل . . } وفي أمره بسؤالهم وإن كان خبر الله أصدق من خبرهم ثلاثة أوجه :
أحدها : ليكون ألزم لهم وأبلغ في الحجة عليهم .
الثاني : فانظر ما في القرآن من أخبار بني إسرائيل فه سؤالهم ، قاله الحسن .
الثالث : إنه خطاب لموسى عليه أن يسأل فرعون في إطلاق بني إسرائيل قاله ابن عباس .
وفي قوله { إني لأظنك يا موسى مسحوراً } أربعة أوجه :
أحدها : قد سُحرت لما تحمل نفسك عليه من هذا القول والفعل المستعظمين .
الثاني : يعني ساحراً لغرائب أفعالك . الثالث : مخدوعاً .
الرابع : مغلوباً : قاله مقاتل .
{ . . . وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً } فيه خمسة أوجه :
أحدها : مغلوباً ، قاله الكلبي ومقاتل . وقال الكميت :
وَرَأَت قُضَاعَةُ في الأَيَا ... مِنِ رَأْيَ مَثْبُورٍ وَثَابِر
الثاني : هالك ، وهو قول قتادة .
الثالث : مبتلى ، قاله عطية .
الرابع : مصروفاً عن الحق ، قاله الفراء .
الخامس : ملعوناً ، قاله أبان بن تغلب وأنشد :
يا قَوْمَنَا لاَ تَرُومُوا حَرْبَنَا سَفَهاً
إِنّ السَّفَاهَ وإِنَّ البَغْيَ مَثْبُورُ
قوله عز وجل : { فأراد أن يستفزهم من الأرض } وفيه وجهان :
أحدهما : يزعجهم منها بالنفي عنها ، قاله الكلبي .
الثاني : يهلكهم فيها بالقتل . ويعني بالأرض مصر وفلسطين والأردن .
قوله عز وجل : { . . . فإذا جاءَ وعد الآخرة } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : وعد الإقامة وهي الكرة الآخرة ، قاله مقاتل .
الثاني : وعد الكرة الآخرة في تحويلهم إلى أرض الشام .
الثالث : نزول عيسى عليه السلام من السماء ، قاله قتادة .
{ جئنا بكم لفيفاً } فيه تأويلان :
أحدهما : مختلطين لا تتعارفون ، قاله رزين .
الثاني : جئنا بكم جميعاًً من جهات شتى ، قاله ابن عباس وقتادة . مأخوذ من لفيف الناس .

(2/458)


وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106)

قوله عز وجل : { وبالحق أنزلناه وبالحق نَزَل } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن إنزاله حق .
الثاني : أن ما تضمنه من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد حق .
{ وبالحق نزل } يحتمل وجهين :
أحدهما : وبوحينا نزل .
الثاني : على رسولنا نزل .
{ وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً } يعني مبشراً بالجنة لمن أطاع الله تعالى ، ونذيراً بالنار لمن عصى الله تعالى .
قوله عز وجل : { وقرآناً فرقناه } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : فرقنا فيه بين الحق والباطل ، قاله الحسن .
الثاني : فرّقناه بالتشديد وهي قراءة ابن عباس أي نزل مفرّقاً آية آية وهي كذلك في مصحف ابن مسعود وأُبيِّ بن كعب : فرقناه عليك .
الثالث : فصّلناه سُورَاً وآيات متميزة ، قاله ابن بحر .
{ لتقرأه على الناس على مُكْثٍ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني على تثبت وترسّل ، وهو قول مجاهد .
الثاني : أنه كان ينزل منه شيء ، ثم يمكثون بعد ما شاء الله ، ثم ينزل شيء آخر .
الثالث : أن يمكث في قراءته عليهم مفرقاً شيئاً بعد شيء ، قاله أبو مسلم .

(2/459)


قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)

قوله عز وجل : { قل آمنوا بِه أو لا تؤمنوا } يعني القرآن ، وهذا من الله تعالى على وجه التبكيت لهم والتهديد ، لا على وجه التخيير .
{ إن الذين أوتوا العلم من قَبله } فيهم وجهان :
أحدهما : أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله الحسن .
الثاني : أنهم أناس من اليهود ، قاله مجاهد .
{ إذا يتلى عليهم يخرُّون للأذقان سُجّداً } فيه قولان :
أحدهما : كتابهم إيماناً بما فيه من تصديق محمد صلى الله عليه وسلم .
الثاني : القرآن كان أناس من أهل الكتاب إذا سمعوا ما أنزل منه قالوا : سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ، وهذا قول مجاهد .
وفي قوله { يخرُّون للأذقان } ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الأذقان مجتمع اللحيين .
الثاني : أنها ها هنا الوجوه ، قاله ابن عباس وقتادة .
الثالث : أنها اللحى ، قاله الحسن .

(2/460)


قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)

قوله عز وجل : { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } في سبب نزولها قولان :
أحدهما : قاله الكلبي . أن ذكر الرحمن كان في القرآن قليلاً وهو في التوراة كثير ، فلما أسلم ناس من اليهود منهم ابن سلام وأصحابه ساءَهم قلة ذكر الرحمن في القرآن ، وأحبوا أن يكون كثيراً فنزلت .
الثاني : ما قاله ابن عباس أنه كان النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً يدعو « يا رحمن يا رحيم » فقال المشركون هذا يزعم أن له إِلهاً واحداً وهو يدعو مثنى ، فنزلت الآية .
{ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً } فيه قولان :
أحدهما : أنه عنى بالصلاة الدعاء ، ومعنى ذلك ولا تجهر بدعائك ولا تخافت به ، وهذا قول عائشة رضي الله عنها ومكحول . قال إبراهيم : لينتهين أقوام يشخصون بأبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم .
الثاني : أنه عنى بذلك الصلاة المشروعة ، واختلف قائلو ذلك فيما نهى عنه من الجهر بها والمخافتة فيها على خمسة أقاويل :
أحدها : أنه نهى عن الجهر بالقراءة فيها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة كان يجهر بالقراءة جهراً شديداً ، فكان إذا سمعه المشركون سبّوه ، فنهاه الله تعالى عن شدة الجهر ، وأن لا يخافت بها حتى لا يسمعه أصحابه ، ويبتغي بين ذلك سبيلاً ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه نهى عن الجهر بالقراءة في جميعها وعن الإسرار بها في جميعها وأن يجهر في صلاة الليل ويسر في صلاة النهار .
الثالث : أنه نهي عن الجهر بالتشهد في الصلاة ، قاله ابن سيرين .
الرابع : أنه نهي عن الجهر بفعل الصلاة لأنه كان يجهر بصلاته ، بمكة فتؤذيه قريش ، فخافت بها واستسر ، فأمره الله ألاّ يجهر بها كما كان ، ولا يخافت بها كما صار ، ويبتغي بين ذلك سبيلاً ، قاله عكرمة .
الخامس : يعني لا تجهر بصلاتك تحسنها مرائياً بها في العلانية ، ولا تخافت بها تسيئها في السريرة ، قال الحسن : تحسّن علانيتها وتسيء سريرتها .
وقيل : لا تصلّها رياءً ولا تتركها حياء . والأول أظهر .
روي أن أبا بكر الصديق كان إذا صلى خفض من صوته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم « لم تفعل هذا » قال : أناجي ربي وقد علم حاجتي ، فقال صلى الله عليه وسلم « أحسنت » . وكان عمر بن الخطاب يرفع صوته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : « لم تفعل هذا » فقال أُوقظ الوسنان وأطرد الشيطان فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « أحسنت » . فلما نزلت هذه الآية قال لأبي بكر : « ارفع شيئا » وقال لعمر : « أخفض شيئاً
» . قوله تعالى : { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً } يحتمل وجهين :
أحدهما : أمره بالحمد لتنزيه الله تعالى عن الولد .
الثاني : لبطلان ما قرنه المشركون به من الولد .
{ ولم يكن له شريك في الملك } لأنه واحد لا شريك له في ملك ولا عبادة .
{ ولم يكن له وليٌّ من الذل } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لم يحالف أحداً .
الثاني : لا يبتغي نصر أحد .
الثالث : لم يكن له وليٌّ من اليهود والنصارى لأنهم أذل الناس ، قاله الكلبي .
{ وكبره تكبيراً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : صِفه بأنه أكبر من كل شيء .
الثاني : كبّره تكبيراً عن كل ما لا يجوز في صفته .
الثالث : عظِّمْه تعظيماً والله أعلم .

(2/461)


الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5)

قوله عز وجل : { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب } يعني على محمد القرآن ، فتمدح بإنزاله لأنه أنعم عليه خصوصاً ، وعلىلخلق عموماً . { ولم يجعل له عوجاً } في { عوجاً } ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني مختلفاً ، قاله مقاتل ، ومنه قول الشاعر :
أدوم بودي للصديق تكرُّماً ... ولا خير فيمن كان في الود أعوجا
الثاني : يعني مخلوقاً ، قاله ابن عباس .
الثالث : أنه العدول عن الحق الى الباطل ، وعن الاستقامة إلى الفساد ، وهو قول علي بن عيسى .
والفرق بين العوج بالكسر والعوج بالفتح أن العوج بكسر العين ما كان في الدين وفي الطريق وفيما ليس بقائم منتصب ، والعوج بفتح العين ما كان في القناة والخشبة وفيما كان قائماً منتصباً .
{ قيِّماً } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنه المستقيم المعتدل ، وهذ قول ابن عباس والضحاك .
الثاني : أنه قيم على سائر كتب الله تعالى يصدقها وينفي الباطل عنها .
الثالث : أنه المعتمد عليه والمرجوع إليه كقيم الدار الذي يرجع إليه في أمرها ، وفيه تقديم وتأخير في قول الجميع وتقديره : أنزل الكتاب على عبده قيماً ولم يجعل له عوجاً ولكن جعله قيماً .
{ لينذر بأساً شديداً من لدنه } يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه عذاب الاستئصال في الدنيا .
الثاني : أنه عذاب جهنم في الآخرة .

(2/462)


فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)

قوله عز وجل : { فلعلك باخعٌ نفسك على آثارهم } فيه وجهان :
أحدهما : قاتل نفسك ، ومنه قول ذي الرُّمَّةِ :
ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه ... بشيء نحتَهُ عن يديك المقادِرُ
الثاني : أن الباخع المتحسر الأسِف ، قاله ابن بحر .
{ على آثارهم } فيه وجهان :
أحدهما : على آثار كفرهم .
الثاني : بعد موتهم .
{ إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً } يريد إن لم يؤمن كفار قريش بهذا الحديث يعني القرآن .
{ أسفاً } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أي غضباً ، قاله قتادة .
الثاني : جزعاً ، قاله مجاهد .
الثالث : أنه غمّاً ، قاله السدي .
الرابع : حزناً ، قاله الحسن ، وقد قال الشاعر :
أرى رجلاً منهم أسيفاً كأنما ... تضُمُّ إلى كشحيه كفّاً مخضبَّا
قوله عز وجل : { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } فيه خمسة أوجه :
أحدها : أنها الأشجار والأنهار التي زين الله الأرض بها ، قاله مقاتل .
الثاني : أنهم الرجال لأنهم زينة الأرض ، قاله الكلبي .
الثالث : أنهم الأنبياء والعلماء ، قاله القاسم .
الرابع : أن كل ما على الأرض زينة لها ، قاله مجاهد .
الخامس : أن معنى { زينة لها } أي شهوات لأهلها تزين في أعينهم وأنفسهم .
{ لنبلوهم أيهم أحْسَنُ عملاً } فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أيهم أحسن إعراضاً عنها وتركاً لها ، قاله ابن عطاء .
الثاني : أيهم أحسن توكلاً علينا فيها ، قاله سهل بن عبد الله .
الثالث : أيهم أصفى قلباً وأهدى سمتاً .
ويحتمل رابعاً : لنختبرهم أيهم أكثر اعتباراً بها .
ويحتمل خامساً : لنختبرهم في تجافي الحرام منها .
قوله عز وجل : { وإنّا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً } في الصعيد ثلاثة أقاويل :
أحدها : الأرض المستوية ، قاله الأخفش ومقاتل .
الثاني : هو وجه الأرض لصعوده ، قاله ابن قتيبة .
الثالث : أنه التراب ، قاله أبان بن تغلب .
وفي الجُرُز أربعة أوجه :
أحدها : بلقعاً ، قاله مجاهد .
الثاني : ملساء ، وهو قول مقاتل .
الثالث : محصورة ، وهو قول ابن بحر .
الرابع : أنها اليابسة التي لا نبات بها ولا زرع قال الراجز :
قد جرفتهن السُّنون الأجراز ...

(2/463)


أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12)

قوله عز وجل : { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً } أما الكهف فهو غار في الجبل الذي أوى إليه القوم . وأما الرقيم ففيه سبعة أقاويل :
أحدها : أنه اسم القرية التي كانوا منها ، قاله ابن عباس . الثاني : أنه اسم الجبل ، قاله الحسن .
الثالث : أنه اسم الوادي ، قاله الضحاك . قال عطية العوفي : هو واد بالشام نحو إبلة وقد روي أن اسم جبل الكهف بناجلوس ، واسم الكهف ميرم واسم المدينة أفسوس ، واسم الملك وفيانوس .
الرابع : أنه اسم كلبهم . قاله سعيد بن جبير ، وقيل هو اسم لكل كهف .
الخامس : أن الرقيم الكتاب الذي كتب فيه شأنهم ، قاله مجاهد . ماخوذ من الرقم في الثوب . وقيل كان الكتاب لوحاً من رصاص على باب الكهف ، وقيل في خزائن الملوك لعجيب أمرهم .
السادس : الرقيم الدواة بالرومية ، قاله أبو صالح .
السابع : أن الرقيم قوم من أهل الشراة كانت حالهم مثل حال أصحاب الكهف ، قاله سعيد بن جبير .
{ كانوا مِنْ آياتنا عجباً } فيه وجهان : أحدهما : معناه ما حسبت أنهم كانوا من آياتنا عجباً لولا أن أخبرناك وأوحينا إليك .
الثاني : معناه أحسبت أنهم أعجب آياتنا وليسوا بأعجب خلقنا ، قاله مجاهد . قوله عز وجل : { إذ أوى الفتية إلى الكهف } اختلف في سبب إيوائهم إليه على قولين :
أحدهما : أنهم قوم هربوا بدينهم إلى الكهف ، قاله الحسن . { فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرِنا رشداً } .
الثاني : أنهم أبناء عظماء وأشراف خرجوا فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد ، فقال أسَنُّهم : إني أجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده ، إن ربي رب السموات والأرض ، { فقالوا } جميعاً { ربُّنا ربُّ السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شَطَطَاً } ثم دخلوا الكهف فلبثوا فيه ثلاثمائةٍ سنين وازدادوا تسعاً ، قاله مجاهد .
قال ابن قتيبة : هم أبناء الروم دخلوا الكهف قبل عيسى ، وضرب الله تعالى على آذنهم فيه ، فلما بعث الله عيسى أخبر بخبرهم ، ثم بعثهم الله تعالى بعد عيسى في الفترة التي بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم . وفي { شططاً } ثلاثة أوجه :
أحدها : كذباً ، قاله قتادة .
الثاني : غلوّاً ، قاله الأخفش .
الثالث : جوراً ، قاله الضحاك .
قوله عز وجل : { فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً } والضرب على الآذان هو المنع من الاستماع ، فدل بهذا على أنهم لم يموتوا وكانوا نياماً ، { سنين عدداً } فيه وجهان :
أحدهما : إحصاء .
الثاني : سنين كاملة ليس فيها شهور ولا أيام .
وإنما ضرب الله تعالى على آذانهم وإن لم يكن ذلك من أسباب النوم لئلا يسمعوا ما يوقظهم من نومهم .
قوله عز وجل : { ثم بعثناهم } الآية . يعني بالعبث إيقاظهم من رقدتهم . { لنِعلَم } أي لننظر { أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : عدداً ، قاله مجاهد .
الثاني : أجلاً ، قاله مقاتل .
الثالث : الغاية ، قاله قطرب .
وفي الحزبين أربعة أقاويل :
أحدها : أن الحزبين هما المختلفان في أمرهم من قوم الفتية ، قاله مجاهد . الثاني : أن أحد الحزبين الفتية ،
والثاني : من حضرهم من أهل ذلك الزمان . الثالث : أن أحد الحزبين مؤمنون ، والآخر كفار .
الرابع : أن أحد الحزبين الله تعالى ، والآخر الخلق ، وتقديره : أنتم أعلم أم الله .

(2/464)


نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16)

قوله عز وجل : { وربطنا على قلوبهم . . } فيه وجهان :
أحدهما : ثبتناها .
الثاني : ألهمناها صبراً ، قاله اليزيدي .
{ . . . ولقد قلنا إذاً شططاً } فيه وجهان :
أحدهما : غُلواً .
الثاني : تباعداً .
قوله تعالى : { . . . لولا يأتون عليهم بسلطان بيّنٍ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : بحجة بينة ، قاله مقاتل .
الثاني : بعذر بيّن ، قاله قتادة .
الثالث : بكتاب بيّن ، قاله الكلبي .
قوله تعالى : { . . . ويهيىء لكم من أمركم مرفقاً } فيه وجهان : أحدهما : سعة .
الثاني : معاشاً .
ويحتمل ثالثاً : يعني خلاصاً ، ويقرأ { مِرْفقاً } بكسر الميم وفتح الفاء { ومَرفِقاً } بفتح الميم وكسر الفاء ، والفرق بينهما أنه بكسر الميم وفتح الفاء إذا وصل إليك من غيرك ، وبفتح الميم وكسر الفاء إذا وصل منك إلى غيرك .

(2/465)


وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17)

قوله عز وجل : { وترى الشمس إذا طَلَعَتْ تزوار عن كهفهم ذاتَ اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال } فيه وجهان
أحدهما : تعرض عنه فلا تصيبه .
الثاني : تميل عن كهفهم ذات اليمين .
{ وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : معنى تقرضهم تحاذيهم ، والقرض المحاذاة ، قاله الكسائي والفراء .
الثاني : معناه تقطعهم ذات الشمال أي أنها تجوزهم منحرفة عنهم ، من قولك قرضته بالمقراض أي قطعته .
الثالث : معناه تعطيهم اليسير من شعاعها ثم تأخذه بانصرافها ، مأخوذ من قرض الدراهم التي ترد لأنهم كانوا في مكان موحش ، وقيل لأنه لم يكن عليهم سقف يظلهم ولو طلعت عليهم لأحرقتهم .
وفي انحرافها عنهم في الطلوع والغروب قولان :
أحدهما : لأن كهفهم كان بإزاء بنات نعش فلذلك كانت الشمس لا تصيبه في وقت الشروق ولا في وقت الغروب ، قاله مقاتل .
الثاني : أن الله تعالى صرف الشمس عنهم لتبقى أجسامهم وتكون عبر لمن يشاهدهم أو يتصل به خبرهم .
{ وهم في فجوة منه } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : يعني في فضاء منه ، قاله قتادة .
الثاني : داخل منه ، قاله سعيد بن جبير .
الثالث : أنه المكان الموحش .
الرابع : أنه ناحية متسعة ، قاله الأخفش ، ومنه قول الشاعر :
ونحن ملأنا كلَّ وادٍ وفجوةٍ ... رجالاً وخيلاً غير ميلٍ ولا عُزْلِ

(2/466)


وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18)

قوله عز وجل : { وتحسبهم أيقاظاً وهم رقودٌ } الأيقاظ : المنتبهون .
قال الراجز :
قد وجدوا إخوانهم أيقاظا ... والسيف غياظ لهم غياظا
والرقود : النيام . قيل إن أعينهم كانت مفتوحة ويتنفسون ولا يتكلمون .
{ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال } يعني تقلب النيام لأنهم لو لم يقلبوا لأكلتهم الأرض لطول مكثهم . وقيل إنهم كانوا يقلبون في كل عام مرتين ، ستة أشهر على جنب . وستة أشهر على جنبٍ آخر ، قاله ابن عباس .
قال مجاهد : إنما قلبوا تسع سنين بعد ثلاثمائة سنة لم يقلبوا فيها .
وفيما تحسبهم من أجله أيقاظاً وهم رقود قولان :
أحدهما : لانفتاح أعينهم .
الثاني : لتقليبهم ذات اليمين وذات الشمال .
{ وكلبهم باسِطٌ ذِراعيه بالوصيد } في { كلبهم } قولان :
أحدهما : أنه كلب من الكلاب كان معهم ، وهو قول الجمهور . وقيل إن اسمه كان حمران .
الثاني : أنه إنسان من الناس كان طباخاً لهم تبعهم ، وقيل بل كان راعياً . وفي { الوصيد } خمسة تأويلات :
أحدها : أنه العتبة .
الثاني : أنه الفناء قاله ابن عباس .
الثالث : أنه الحظير ، حكاه اليزيدي .
الرابع : أن الوصيد والصعيد التراب ، قاله سعيد بن جبير .
الخامس : أنه الباب ، قاله عطية ، وقال الشاعر :
بأرض فضاءَ لا يُسَدُّ وَصيدها ... عليَّ ومعروفي بها غيرُ مُنْكَرِ
وحكى جرير بن عبيد أنه كان كلباً ربيباً صغيراً . قال محمد بن إسحاق كان اصفر اللون .
{ لو أطّلعت عليهم لوليت منهم فِراراً ولملِئت منهم رُعباً } فيه وجهان :
أحدهما : لطول أظفارهم وشعورهم يأخذه الرعب منهم فزعاً .
الثاني : لما ألبسهم الله تعالى من الهيبة التي ترد عنهم الأبصار لئلا يصل إليهم أحد حتى يبلغ الكتاب فيهم أجله .
حكى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : غزوت مع معاوية رضي الله عنه في بحر الروم فانتهينا إلى الكهف الذي فيه أصحاب الكهف ، فقال معاوية أريد أن أدخل عليهم فأنظر إليهم ، فقلت ليس هذا لك فقد منعه الله من هو خير منك ، قال تعالى { لو اطعلت عليهم لوليت منهم فراراً } الآية . فأرسل جماعة إليهم دخلوا الكهف أرسل الله عليهم ريحاً أخرجتهم .
وقيل إن هذه المعجزة من قومهم كانت لنبي قيل إنه كان أحدهم وهو الرئيس الذي اتبعوه وآمنوا به .

(2/467)


وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20)

قوله عز وجل : { وكذلك بعثناهم } يعني به إيقاظهم من نومهم . قال مقاتل : وأنام الله كلبهم معهم . { ليتساءلوا بينهم قال قائلٌ منهم كم لبثتم } ليعلموا قدر نومهم .
{ قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم } كان السائل منهم أحدهم ، والمجيب له غيره ، فقال لبثنا يوما لأنه أطول مدة النوم المعهود ، فلما رأى الشمس لم تغرب قال { أو بعض يوما } لأنهم أنيموا أول النهار ونبهوا آخره .
{ قالوا ربُّكم أعْلمُ بما لبثتم } وفي قائله قولان :
أحدهما : أنه حكاية عن الله تعالى أنه أعلم بمدة لبثهم .
الثاني : أنه قول كبيرهم مكسلمينا حين رأى الفتية مختلفين فيه فقال { ربكم أعلم بما لبثتم } فنطق بالصواب ورد الأمر إلى الله عالمه ، وهذا قول ابن عباس .
{ فابعثوا أحدكم بورقكم هذه الى المدينة } قرىء بكسر الراء وبتسكينها ، وهو في القراءتين جميعاً الدراهم ، وأما الورَق بفتح الراء فهي الإبل والغنم ، قال الشاعر :
إياك أدعو فتقبل مَلَقي ... كَفِّرْ خطاياي وثمِّرْ ورقي
يعني إبله وغنمه .
{ فلينظر أيها أزكي طعاماً } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أيها أكثر طعاماً ، وهذا قول عكرمة .
الثاني : أيها أحل طعاماً ، وهذا قول قتادة .
الثالث : أطيب طعاماً ، قاله الكلبي .
الرابع : أرخص طعاماً .
{ فليأتكم برزق مِنْه } فيه وجهان :
أحدهما : بما ترزقون أكله .
الثاني : بما يحل لكم أكله .
{ وليتلطف . . . } يحتمل وجهين :
أحدهما : وليسترخص .
الثاني : وليتلطف في إخفاء أمركم . وهذا يدل على جواز اشتراك الجماعة في طعامهم وإن كان بعضهم أكثر أكلاً وهي المناهدة ، وكانت مستقبحة في الجاهلية فجاء الشرع بإباحتها .
قوله عز وجل : { إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يرجموكم بأيديهم استنكاراً لكم ، قاله الحسن .
الثاني : بألسنتهم غيبة لكم وشتماً ، قاله ابن جريج .
الثالث : يقتلوكم . والرجم القتل لأنه أحد أسبابه . { أو يعيدوكم في ملتهم } يعني في كفرهم .
{ ولن تفلحوا إذاً أبداً } إن أعادوكم في ملتهم .

(2/468)


وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21)

قوله عز وجل : { وكذلك أعثرنا عليهم } فيه وجهان
أحدهما : أظهرنا أهل بلدهم عليهم .
الثاني : أطلعنا برحمتنا إليهم .
{ وليعلموا أن وعْدَ اللهِ حقٌّ . . . } يحتمل وجهين :
أحدهما : ليعلم أهل بلدهم أن وعد الله حق في قيام الساعة وإعادة الخلق أحياء ، لأن من أنامهم كالموتى هذه المدة الخارجة عن العادة ثم أيقظهم أحياء قادر على إحياء من أماته وأقبره .
الثاني : معناه ليرى أهل الكهف بعد علمهم أن وعد الله حق في إعادتهم . { إذ يتنازعون بينهم أمرهم } ذلك أنهم لما بعثوا أحدهم بورقهم إلى المدينة ليأتيهم برزق منها وطعام ، استنكروا شخصه واستنكرت ورقه لبعد العهد فحمل إلى الملك وكان صالحاً قد آمن ومن معه ، فلما نظر إليه قال : لعل هذا من الفتية الذين خرجوا على عهد دقيانوس الملك فقد كنت أدعو الله أن يريناهم ، وسأل الفتى فأخبره فانطلق والناس معه إليهم ، فلما دنوا من أهل الكهف وسمع الفتية كلامهم خافوهم ووصى بعضهم بعضاً بدينهم فلما دخلوا عليهم أماتهم الله ميتة الحق ، فحينئذ كان التنازع الذي ذكره الله تعالى فيهم .
وفي تنازعهم قولان :
أحدهما : أنهم تنازعوا هل هم أحياء أم موتى؛
الثاني : أنهم تنازعوا بعد العلم بموتهم هل يبنون عليهم بنياناً يعرفون به أم يتخذون عليهم مسجداً .
وقيل : إن الملك أراد أن يدفنهم في صندوق من ذهب ، فأتاه آت منهم في المنام فقال : أردت أن تجعلنا في صندوق من ذهب فلا تفعل فإنا من التراب خلقنا وإليه نعود فدعْنا .

(2/469)


سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)

قوله عز وجل : { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم } فأدخل الواو على انقطاع القصة لأن الخبر قد تم .
{ قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل } في المختلفين في عددهم قولان :
أحدهما : أنهم أهل المدينة قبل الظهور عليهم .
الثاني : أنهم أهل الكتاب بعد طول العهد بهم . وقوله تعالى : { رجماً بالغيب } قال قتادة قذفاً بالظن ، قال زهير :
وما الحرب إلاَّ ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجّم .
وقال ابن عباس : أنا من القليل الذي استثنى الله تعالى : كانوا سبعة وثامنهم كلبهم .
وقال ابن جريج ومحمد بن إسحاق : كانوا ثمانية ، وجعلا قوله تعالى :
{ وثامنهم كلبهم } أي صاحب كلبهم .
وكتب قومهم أسماءهم حين غابوا ، فلما بان أمرهم كتبت أسماؤهم على باب الكهف . قال ابن جريج : أسماؤهم مكسلمينا ويمليخا وهو الذي مضى بالورق يشتري به الطعام ، ومطرونس ، ومحسيميلنينا ، وكشوطوش ، وبطلنوس ويوطونس وبيرونس .
قال مقاتل : وكان الكلب لمكسلمينا وكان أسنهم وكان صاحب غنم . { فلا تمار فيهم إلاّ مراءً ظاهراً } فيه خمسة أوجه :
أحدها : إلا ما قد أظهرنا لك من أمرهم ، قاله مجاهد .
الثاني : حسبك ما قصصا عليك من شأنهم ، فلا تسألني عن إظهار غيره ، قاله قتادة .
الثالث : إلا مِراء ظاهراً يعني بحجة واضحة وخبر صادق ، قاله علي بن عيسى .
الرابع : لا تجادل فيهم أحداً ألا أن تحدثهم به حديثاً ، قاله ابن عباس .
الخامس : هو أن تشهد الناس عليهم . { ولا تستفت فيهم منهم أحداً } فيه وجهان : أحدهما : ولا تستفت يا محمد فيهم أحداً من أهل الكتاب ، قاله ابن عباس . ومجاهد وقتادة .
الثاني : أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ونهي لأمته .

(2/470)


وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24)

قوله عز وجل : { ولا تقولن لشيءإني فاعلٌ ذلك غداً } { إلا إن يشاء الله } قال الأخفش : فيه إضمار وتقديره : إلا أن تقول إن شاء الله ، وهذا وإن كان أمراً فهو على وجه التأديب والإرشاد أن لا تعزم على أمر إلا أن تقرنه بمشيئة الله تعالى لأمرين :
أحدهما : أن العزم ربما صد عنه بمانع فيصير في وعده مخلفاً في قوله كاذباً ، قال موسى عليه السلام { ستجدني إن شاء الله صابراً } [ الكهف : 70 ] ولم يصبر ولم يكن كاذباً لوجود الاستثناء في كلامه .
الثاني : إذعاناً لقدرة الله تعالى ، وإنه مدبر في أفعاله بمعونة الله وقدرته .
الثالث : يختص بيمينه إن حلف وهو سقوط الكفارة عنه إذا حنث .
{ واذكر ربك إذا نسيت } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنك إذا نسيت الشيء فاذكرالله ليذكرك إياه ، فإن فعل فقد أراد منك ما ذكرك ، وإلا فسيدلك على ما هو أرشد لك مما نسيته ، قاله بعض المتكلمين .
الثاني : واذكر ربك إذا غضبت ، قاله عكرمة ، ليزول عنك الغضب عند ذكره .
الثالث : واذكر ربك إذا نسيت الاستثناء بمشيئة الله في يمينك . وفي الذكر المأمور به قولان :
أحدهما : أنه ما ذكره في بقية الآية { وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً }
الثاني : أنه قول إن شاء الله الذي كان نسيه عند يمينه .
واختلفوا في ثبوت الاستثناء بعد اليمين على خمسة أقاويل :
أحدها : أنه يصح الاستثناء بها إلى سنة ، فيكون كالاستثناء بها مع اليمين في سقوط الكفارة ولا يصح بعد السنة ، قاله ابن عباس .
الثاني : يصح الاستثناء بها في مجلس يمينه ، ولا يصح بعد فراقه ، قاله الحسن وعطاء .
الثالث : يصح الاستثناء بها ما لم يأخذ في كلام غيره .
الرابع : يصح الاستثناء بها مع قرب الزمان ، ولا يصح مع بعده .
الخامس : أنه لا يصح الاستثناء بها إلا متصلاً بيمينه وهو الظاهر من مذهب مالك والشافعي رحمهما الله .

(2/471)


وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِع مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)

قوله عز وجل : { ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً } في قراءة ابن مسعود قالوا لبثوا في كهفهم . وفيه قولان :
أحدهما : أن هذا قول اليهود ، وقيل بل نصارى نجران أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً ، فرد الله تعالى عليهم قولهم وقال لنبيه { قل الله أعلم بما لبثوا }
واتلقول الثاني : أن هذا إخبار من الله تعالى بهذا العدد عن مدة بقائهم في الكهف من حين دخلوه إلى ما ماتوا فيه .
{ وازدادوا تسعاً } هو ما بين السنين الشمسية والسنين القمرية .
{ قل الله أعلم بما لبثوا } فيه وجهان :
أحدهما : بما لبثوا بعد مدتهم إلى نزول القرآن فيهم .
الثاني : الله أعلم بما لبثوا في الكهف وهي المدة التي ذكرها عن اليهود إذ ذكروا زيادة ونقصاناً .
قوله عز وجل : { . . . أبصر به وأسمع } فيه تأويلان :
أحدهما : أن الله أبصر وأسمع ، أي أبصر ، بما قال وأسمع لما قالوا . الثاني : معناه أبصرهم وأسمعهم ، ما قال الله فيهم .
{ ما لهم من دونه من وَليّ } فيه وجهان :
أحدهما : من ناصر .
الثاني : من مانع . { ولا يشرك في حكمه أحداً } فيه وجهان :
أحدهما : ولا يشرك في علم غيبه أحداً .
الثاني : أنه لم يجعل لأحد أن يحكم بغير حكمه فيصير شريكاً له في حكمه .

(2/472)


وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)

قوله تعالى : { . . . ولن تجد من دونه مُلتحداً } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : ملجأ ، قاله مجاهد ، قال الشاعر :
لا تحفيا يا أخانا من مودّتنا ... فما لنا عنك في الأقوام مُلتحد
الثاني : مهرباً ، قاله قطرب ، قال الشاعر :
يا لهف نفسي ولهفٌ غير مغنيةٍ ... عني وما مِنْ قضاء الله ملتحدُ
الثالث : معدلاً ، قاله الأخفش .
الرابع : ولياً ، قاله قتادة . ومعانيها متقاربة .
قوله عز وجل : { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } فيه وجهان :
أحدهما : يريدون تعظيمه . الثاني : يريدون طاعته . قال قتادة : نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فلما نزلت عليه قال : « الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر معهم
» . { يدعون ربهم بالغداة والعشي } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يدعونه رغبة ورهبة .
الثاني : أنهم المحافظون على صلاة الجماعة ، قاله الحسن .
الثالث : أنها الصلاة المكتوبة ، قاله ابن عباس ومجاهد .
ويحتمل وجهاً رابعاً : أن يريد الدعاء في أول النهار وآخره ليستفتحوا يومهم بالدعاء رغبة في التوفيق ، ويختموه بالدعاء طلباً للمغفرة .
{ يريدون وجهه } يحتمل وجهين :
أحدهما : بدعائهم .
الثاني : بعمل نهارهم . وخص النهار بذلك دون الليل لأن عمل النهار إذا كان لله تعالى فعمل الليل أولى أن يكون له .
{ ولا تعد عيناك عنهم . . } فيه وجهان :
أحدهما : ولا تتجاوزهم بالنظر إلى غيرهم من أهل الدنيا طلباً لزينتها ، حكاه اليزيدي . الثاني : ما حكاه ابن جريج أن عيينة بن حصن قال للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم : لقد آذاني ريح سلمان الفارسي وأصحابه فاجعل لنا مجلساً منك لا يجامعونا فيه ، واجعل لهم مجلساً لا نجامعهم فيه ، فنزلت .
{ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذِكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً } .
قوله { أغفلنا } فيه وجهان :
أحدهما : جعلناه غافلاً عن ذكرنا .
الثاني : وجدناه غافلاً عن ذكرنا .
وفي هذه الغفله لأصحاب الخواطر ثلاثة أوجه : أحدها : أنها إبطال الوقت بالبطالة ، قاله سهل بن عبد الله .
الثاني : أنها طول الأمل .
الثالث : أنها ما يورث الغفلة .
{ واتبع هواه } فيه وجهان :
أحدهما : في شهواته وأفعاله .
الثاني : في سؤاله وطلبه التمييز عن غيره .
{ وكان أمرُه فُرُطاً } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : ضيقاً ، وهو قول مجاهد .
الثاني : متروكاً ، قاله الفراء .
الثالث : ندماً قاله ابن قتيبة .
الرابع : سرفاً وإفراطاً ، قاله مقاتل .
الخامس : سريعاً . قاله ابن بحر . يقال أفرط إذا أسرف وفرط إذا قصر .

(2/473)


وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)

قوله عز وجل : { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } هذا وإن كان خارجاً مخرج التخيير فهو على وجه التهديد والوعيد ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنهم لا ينفعون الله بإيمانهم ولا يضرونه بكفرهم .
الثاني : فمن شاء الجنة فليؤمن ، ومن شاء النار فليكفر ، قاله ابن عباس .
الثالث : فمن شاء فليعرِّض نفسه للجنة بالإيمان ، ومن شاء فليعرض نفسه للنار بالكفر .
{ إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن سرادقها حائط من النار يطيف بهم ، قاله ابن عباس .
الثاني : هو دخانها ولهيبها قبل وصولهم إليها ، وهو الذي قال الله تعالى فيه { إلى ظلٍّ ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب } [ المرسلات : 30-31 ] . قاله قتادة .
الثالث : أنه البحر المحيط بالدنيا . روى يعلى بن أمية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « البحر هو جهنم » ثم تلا { ناراً أحاط بهم سرادقها } ثم قال « والله لا أدخلها أبداً ما دمت حياً ولا يصيبني منها قطرة » والسرادق فارسي معرب ، واصله سرادر .
{ وإن يستغيثوا يُغَاثوا بماءٍ كالمهل . . . } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أنه القيح والدم ، قاله مجاهد .
الثاني : دردي الزيت ، قاله ابن عباس .
الثالث : أنه كل شيء أذيب حتى انماع؛ قاله ابن مسعود .
الرابع : هو الذي قد انتهى حره ، قاله سعيد بن جبير ، قال الشاعر :
شاب بالماء منه مهلاً كريهاً ... ثم علّ المتون بعد النهال
وجعل ذلك إغاثة لاقترانه بذكر الاستغاثة .
{ . . . بئس الشراب وساءت مرتفقاً } في المرتفق أربعة تأويلات :
أحدها : معناه مجتمعاً ، قاله مجاهد ، كأنه ذهب إلى معنى المرافقة .
الثاني : منزلاً قاله الكلبي ، مأخوذ من الارتفاق .
الثالث : أنه من الرفق .
الرابع : أنه من المتكأ مضاف إلى المرفق ، ومنه قول أبي ذؤيب :
نامَ الخَلِيُّ وَبِتُّ الليْلَ مُرْتَفِقاً ... كَأَنَّ عَيْنِي فيها الصَّابُ مَذْبُوحُ

(2/474)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)

قوله عز وجل : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجْر من أحسن عملاً } روى البراء بن عازب أن أعرابياً قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال : إني رجل متعلم فأخبرني عن هذه الآية { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات } الآية فقال رسول الله صلى عليه وسلم « يا أعرابي ما أنت منهم ببعيد ولا هم ببعيد منك ، هم هؤلاء الأربعة الذين هم وقوف ، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فأعلم قومك أن هذه الآية نزلت فيهم
» . قوله عز وجل : { . . . ويلبسون ثياباً خُضْراً مِن سندس وإستبرق } أما السندس : ففيه قولان :
أحدهما : أنه من ألطف من الديباج ، قاله الكلبي .
الثاني : ما رَقَّ من الديباج ، واحده سندسة ، قاله ابن قتيبة . وفي الاستبرق قولان :
أحدهما : أنه ما غلظ من الديباج ، قاله ابن قتيبة ، وهو فارسي معرب ، أصله استبره وهو الشديد ، وقد قال المرقش :
تراهُنَّ يَلبْسنَ المشاعِرَ مرة ... وإسْتَبْرَقَ الديباج طوراً لباسُها
الثاني : أنه الحرير المنسوج بالذهب ، قاله ابن بحر .
{ متكئين فيها على الأرائك } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها الحجال ، قاله الزجاج .
الثاني : أنها الفُرُش في الحجال .
الثالث : أنها السرر في الحجال ، وقد قال الشاعر :
خدوداً جفت في السير حتى كأنما ... يباشرْن بالمعزاء مَسَّ الأرائكِ

(2/475)


وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36)

قوله تعالى : { واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين } الجنة : البستان ، فإذا جمع العنب والنخل وكان تحتها زرع فهي أجمل الجنان وأجداها نفعاً ، لثمر أعاليها وزرع أسافلها ، وهو معنى قوله { وجعلنا بينهما رزعاً } .
{ كلتا الجَنتين آتت أكلُها } أي ثمرها وزرعها ، وسماه أكُلاً لأنه مأكول .
{ ولم تظلم منه شيئاً } أي استكمل جميع ثمارها وزرعها .
{ وفجرنا خِلالهما نهراً } يعني أن فيهما أنهاراً من الماء ، فيكون ثمرها وزرعها بدوام الماء فيهما أو في وأروى ، وهذه غاية الصفات فيما يجدي ويغل .
وفي ضرب المثل في هاتين الجنتين قولان :
أحدهما : ما حكاه مقاتل بن سليمان أنه إخبار الله تعالى عن أخوين كانا في بني إسرائيل ورثا عن أبيهما مالاً جزيلاً ، قال ابن عباس ثمانية آلاف دينار . فأخذ أحدهما حقه وهو مؤمن فتقرب به إلى الله تعالى ، وأخذ الآخر حقه منه وهو كافر فتملك به ضياعاً منها هاتان الجنتان ، ولم يتقرب إلى الله تعالى بشيء منه ، فكان من حاله ما ذكره الله من بعد ، فجعله الله تعالى مثلاً لهذه الأمة .
والقول الثاني : أنه مثل ضربه الله تعالى لهذه الأمة ، وليس بخبر عن حال متقدمة ، ليزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة ، وجعله زجراً وإنذاراً .
قوله عز وجل : { وكان له ثمرٌ } قرأ عاصم بفتح الثاء والميم ، وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وإسكان الميم ، وقرأ الباقون ثُمُر بضم الثاء والميم . وفي اختلاف هاتين القراءتين بالضم والفتح قولان :
أحدهما : معناهما واحد ، فعلى هذا فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنه الذهب والفضة ، قاله قتادة ، لأنها أموال مثمرة .
الثاني : أنه المال الكثير من صنوف الأموال ، قاله ابن عباس لأن تثميره أكثر
الثالث : أنه الأصل الذي له نماء ، قاله ابن زيد ، لأن في النماء تثميراً .
والقول الثاني : أن معناهما بالضم وبالفتح مختلف ، فعلى هذا في الفرق . بينهما ، أربعة أوجه :
أحدها : أنه بالفتح جمع ثمرة ، وبالضم جمع ثمار .
الثاني : أنه بالفتح ثمار النخيل خاصة ، وبالضم جميع الأموال ، قاله ابن بحر .
الثالث : أنه بالفتح ما كان ثماره من أصله ، وبالضم ما كان ثماره من غيره .
الرابع : أن الثمر بالضم الأصل ، وبالفتح الفرع ، قاله ابن زيد .
وفي هذا الثمر المذكور قولان :
أحدهما : أنه ثمر الجنتين المتقدم ذكرهما ، وهو قول الجمهور .
الثاني : أنه ثمر ملكه من غير جنتيه ، وأصله كان لغيره كما يملك الناس ثماراً لا يملكون أصولها ، قاله ابن عباس ، ليجتمع في ملكه ثمار أمواله وثمار غير أمواله فيكون أعم مِلكا .
{ فقال لصاحبه } يعني لأخيه المسلم الذي صرف ماله في القُرب طلباً للثواب في الآخرة ، وصرف هذا الكافر ماله فيما استبقاه للدنيا والمكاثرة .
{ وهو يحاوره } أي يناظره ، وفيما يحاوره فيه وجهان :
أحدهما : في الإيمان والكفر .
الثاني : في طلب الدنيا وطلب الآخرة ، فجرى بينهما ما قصة الله تعالى من قولهما .

(2/476)


قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)

قوله تعالى : { فعسى ربّي أن يؤتين خيراً مِنْ جنتك } فيه وجهان :
أحدهما : خيراً من جنتك في الدنيا فأساويك فيها .
الثاني : وهو الأشهر خيراً من جنتك في الآخرة ، فأكون أفضل منك فيها .
{ ويرسل عليها حُسْباناً من السماء } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : يعني عذاباً ، قاله ابن عباس وقتادة .
الثاني : ناراً .
الثالث : جراداً .
الرابع : عذاب حساب بما كسبت يداك ، قاله الزجاج ، لأنه جزاء الآخرة . والجزاء من الله تعالى بحساب .
الخامس : أنه المرامي الكثيرة ، قاله الأخفش وأصله الحساب وفي السهام التي يرمى بها في طلق واحد ، وكان من رَمي الأساورة .
{ فتصبح صعيداً زلقاً } يعني أرضاً بيضاء لا ينبت فيها نبات ولا يثبت عليها قدم ، وهي أضر أرض بعد أن كانت جنة أنفع أرض .
{ أو يصبح ماؤها غوراً } يعني ويصبح ماؤها غوراً ، فأقام أو مقام الواو ، و { غوراً } يعني غائراً ذاهباً فتكون أعدم أرض للماء بعد أن كان فيها .
{ فلن تستطيع له طلباً } ويحتمل وجهين :
أحدهما : فلن تستطيع رد الماء الغائر . الثاني : فلن تستطيع طلب غيره بدلاً منه وإلى هذا الحد انتهت مناظرة أخيه وإنذاره .

(2/477)


وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)

قوله عز وجل : { وأحيط بثمرِهِ } أي أهلك ماله ، وهذا أول ما حقق الله به إنذار أخيه . { فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها } يحتمل وجهين :
أحدهما : يقلب كفيه ندماً على ما أنفق فيها وأسفاً على ما تلف .
الثاني : يقلب ملكه فلا يرى فيه عوض ما أنفق وهلك ، لأن الملك قد يعبر عنه باليد ، من قولهم في يده مال ، أي في ملكه .
{ وهي خاويةٌ على عروشِها } أي منقلبة على عاليها فجمع عليه بين هلاك الأصل والثمر ، وهذا من أعظم الجوائح مقابلة على بغيه .
قوله عز وجل : { ولم تكُنْ له فِئة ينصرونه منْ دونِ الله } فيه وجهان :
أحدهما : أن الفئة الجند ، قاله الكلبي .
الثاني : العشيرة ، قاله مجاهد .
{ وما كان منتصراً } فيه وجهان :
أحدهما : وما كان ممتنعاً ، قاله قتادة .
الثاني : وما كان مسترداً بدل ما ذهب منه .
قال ابن عباس : هما الرجلان ذكرهما الله تعالى في سورة الصافات حيث يقول :
{ إني كان لي قرين } إلى قوله { في سواء الجحيم } وهذا مثل قيل إنه ضرب لسلمان وخباب وصهيب مع أشراف قريش من المشركين .
قوله تعالى : { هنالك الولاية لله الحق } يعني القيامة . وفيه أربعة أوجه :
أحدها : أنهم يتولون الله تعالى في القيامة فلا يبقى مؤمن لا كافر إلا تولاه ، قاله الكلبي .
الثاني : أن الله تعالى يتولى جزاءهم ، قاله مقاتل .
الثالث : أن الولاية مصدر الولاء فكأنهم جميعاً يعترفون بأن الله تعالى هو الوليّ قاله الأخفش .
الرابع : أن الولاية النصر ، قاله اليزيدي .
وفي الفرق بين الولاية بفتح الواو وبين الولاية بكسرها وجهان :
أحدهما : أنها بفتح الواو : للخالق ، وبكسرها : للمخلوقين ، قاله أبو عبيدة .
الثاني : أنها بالفتح في الدين ، وبكسرها في السلطان .

(2/478)


وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)

قوله عز وجل : { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط به نباتُ الأرض } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن الماء اختلط بالنبات حين استوى .
الثاني : أن النبات اختلط بعضه ببعض حين نزل عليه الماء حتى نما .
{ فأصبح هشيماً تذروهُ الرياحُ } يعني بامتناع الماء عنه ، فحذف ذلك إيجازاً لدلالة الكلام عليه ، والهشيم ما تفتت بعد اليبس من أوراق الشجر والزرع ، قال الشاعر :
فأصبحت نيّماً أجسادهم ... يشبهها من رآها الهشيما
واختلف في المقصود بضرب هذا المثل على قولين :
أحدهما : أن الله تعالى ضربه مثلاً للدنيا ليدل به على زوالها بعد حسنها وابتهاجها :
الثاني : أن الله تعالى ضربه مثلاُ لأحوال أهل الدنيا أن مع كل نعمة نقمة ومع كل فرحة ترحة .
قوله عز وجل : { المال والبنون زينة الحياة الدنيا } لأن في المال جمالاً ونفعاً وفي { البنين } قوة ودفعاً فصارا زينة الحياة الدنيا .
{ والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ثواباً وخيرٌ أملاً } فيها أربعة تأويلات :
أحدها : أنها الصلوات الخمس ، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير .
الثاني : أنها الأعمال الصالحة ، قاله ابن زيد .
الثالث : هي الكلام الطيب . وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً ، وقاله عطية العوفي .
الرابع : هو قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، قاله عثمان بن عفان رضي الله عنه . وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هي الباقيات الصالحات
» . وفي { الصالحات } وجهان :
أحدهما : أنها بمعنى الصالحين لأن الصالح هو فاعل الصلاح .
الثاني : أنها بمعنى النافعات فعبر عن المنفعة بالصلاح لأن المنفعة مصلحة . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لما عُرج بي إلى السماء أريت إبراهيم فقال : مر أمتك أن يكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة ، فقلت وما غراس الجنة؟ قال : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
» . { خير عند ربك ثواباً } يعني في الآخرة ، { وخير أملاً } يعني عند نفسك في الدنيا ، ويكون معنى قوله { وخيرٌ أملاً } يعني أصدق أملاً ، لأن من الأمل كواذب وهذا أمل لا يكذب .

(2/479)


وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)

قوله عز وجل : { ويوم نُسَيِّر الجبال } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يسيرها من السير حتى تنتقل عن مكانها لما فيه من ظهور الآية وعظم الإعتبار .
الثاني : يسيرها أي يقللها حتى يصير كثيرها قليلاً يسيراً .
الثالث : بأن يجعلها هباء منثوراً .
{ وترى الأرض بارزة } فيه وجهان :
أحدهما : أنه بروز ما في بطنها من الأموات بخروجهم من قبورهم .
الثاني : أنها فضاء لا يسترها جبل ولا نبات .
{ وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً } فيه ثلاثة تأويلات .
أحدها : يعني فلم نخلف منهم أحداً ، قاله ابن قتيبة ، قال ومنه سمي الغدير لأنه ما تخلفه السيول .
الثاني : فلم نستخلف منهم أحداً ، قاله الكلبي .
الثالث : معناه فلم نترك منهم أحداً ، حكاه مقاتل .
قوله عز وجل : { وعُرِضوا على ربِّك صَفّاً } قيل إنهم يُعرضون صفاً بعد صف كالصفوف في الصلاة ، وقيل إنهم يحشرون عراة حفاة غرلاً ، فقالت عائشة رضي الله عنها فما يحتشمون يومئذ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم « { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } » [ عبس : 37 ] .
قوله عز وجل : { ووضع الكتابُ } فيه وجهان :
أحدهما : أنها كتب الأعمال في أيدي العباد ، قاله مقاتل .
الثاني : أنه وضع الحساب ، قاله الكلبي ، فعبر عن الحساب بالكتاب لأنهم يحاسبون على أعمالهم المكتوبة .
{ فترى المجرمين مشفقين مما فيه } لأنه أحصاه الله ونسوه .
{ ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يُغادِرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلاّ أحصاها }
وفي الصغيرة تأويلان :
أحدهما : أنه الضحك ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنها صغائر الذنوب التي تغفر باجتناب كبائرها .
وأما الكبيرة ففيها قولان :
أحدهما : ما جاء النص بتحريمه .
الثاني : ما قرن بالوعيد والحَدِّ .
ويحتمل قولاً ثالثاً : أن الصغيرة الشهوة ، والكبيرة العمل .
قال قتادة : اشتكى القوم الإحْصاء وما اشتكى أحد ظلماً ، وإياكم المحقرات من الذنوب فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه .
{ ووجَدوا ما عَملوا حاضِراً } يحتمل تأويلين :
أحدهما : ووجدوا إحصاء ما عملوا حاضراً في الكتاب .
الثاني : ووجدوا جزاء ما عملوا عاجلاً في القيامة .
{ ولا يظلم ربك أحداً } يعني من طائع في نقصان ثوابه ، أو عاص في زيادة عقابه .

(2/480)


وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50)

قوله عز وجل : { وإذ قلنا للملائكة اسجُدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجنِّ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه كان من الجن على ما ذكره الله تعالى . ومنع قائل هذا بعد ذلك أن يكون من الملائكة لأمرين :
أحدهما : أن له ذرية ، والملائكة لا ذرية لهم .
الثاني : أن الملائكة رسل الله سبحانه ولا يجوز عليهم الكفر ، وإبليس قد كفر ، قال الحسن : ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط ، وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس .
الثاني : أنه من الملائكة ، ومن قالوا بهذا اختلفوا في معنى قوله تعالى { كان من الجن } على ثلاثة أقاويل :
أحدها : ما قاله قتادة أنه كان من أفضل صنف من الملائكة يقال لهم الجن .
الثاني : ما قاله ابن عباس ، أنه كان من الملائكة من خزان الجنة ومدبر أمر السماء الدنيا فلذلك قيل من الجن لخزانة الجنة ، كما يقال مكي وبصري .
الثالث : أن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نار وإبليس منهم ، وخلق سائر الملائكة من نور ، قاله سعيد من جبير ، قاله الحسن : خلق إبليس من نار وإلى النار يعود .
الثالث : أن إبليس لم يكن من الإنس ولا من الجن ، ولكن كان من الجان ، وقد مضى من ذكره واشتقاق اسمه ما أغنى .
{ ففسق عن أمر ربه . . . } فيه وجهان :
أحدهما : أن الفسق الاتساع ومعناه اتسع في محارم الله تعالى :
الثاني : أن الفسق الخروج أي خرج من طاعة ربه ، من قولهم فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها ، وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من حجرها قال رؤبة بن العجاج :
يهوين من نجدٍ وغورٍ غائرا ... فواسقاً عن قصدها جوائرا
وفي قوله تعالى : { . . . بئس للظالمين بدلاً } وجهان :
أحدهما : بئس ما استبدلوا بطاعة الله طاعة إبليس ، قاله قتادة .
الثاني : بئس ما استبدلوا بالجنة النار .

(2/481)


مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51)

قوله عز وجل : { ما أشهدتهم خلق السموات والأرض } فيه وجهان :
أحدهما : ما أشهدت إبليس وذريته .
الثاني : ما أشهدت جميع الخلق خلق السموات والأرض .
وفيه وجهان :
أحدهما : ما أشهدتهم إياها استعانة بهم في خلقها .
الثاني : ما أشهدتهم خلقها فيعلموا من قدرتي ما لا يكفرون معه .
ويحتمل ثالثاً : ما أشهدتهم خلقها فيحيطون علماً بغيبها لاختصاص الله بعلم الغيب دونه خلقه .
{ ولا خلق أنفسهم } فيه وجهان :
أحدهما : ما استعنت ببعضهم على خلق بعض .
الثاني : ما أشهدت بعضهم خلق بعض .
ويحتمل ثالثاً : ما أعلمتم خلق أنفسهم فكيف يعلمون خلق غيرهم .
{ وما كنت متخذ المضلين عضدا } يحتمل وجهين :
أحدهما : يعني أولياء .
الثاني : أعواناً ، ووجدته منقولاً عن الكلبي .
وفيما أراد أنه لم يتخذهم فيه أعواناً وجهان :
أحدهما : أعواناً في خلق السموات والأرض .
الثاني : أعواناً لعبدة الأوثان ، قاله الكلبي .
وفي هؤلاء المضلين قولان :
أحدهما : إبليس وذريته .
الثاني : كل مضل من الخلائق كلهم .
قال بعض السلف : إذا كان ذنب المرء من قبل الشهوة فارْجُه ، وإذا كان من قبل الكبر فلا ترْجه ، لأن إبليس كان ذنبه من قبل الكبر فلم تقبل توبته ، وكان ذنب آدم من قبل الشهوة فتاب الله عليه . وقد أشار بعض الشعراء إلى هذا المعنى فقال :
إذا ما الفتى طاح في غيّه ... فَرَجِّ الفتى للتُّقى رَجّه
فقد يغلط الركب نهج الط ... ريق ثم يعود إلى نهجه

(2/482)


وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53)

قوله عز وجل : { . . . وجعلنا بينهم موبقاً } فيه ستة أقاويل :
أحدها : مجلساً ، قاله الربيع .
الثاني : مهلكاً ، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك ، قال الشاعر :
استغفر الله أعمالي التي سلفت ... من عثرةٍ إن تؤاخذني بها أبق
أي أهلك ، ومثله قول زهير :
ومن يشتري حسن الثناء بماله ... يصن عرضَه من كل شنعاء موبق
قال الفراء : جعل تواصلهم في الدنيا مهلكاً في الآخرة .
الثالث : موعداً ، قاله أبو عبيدة .
الرابع : عداوة ، قاله الحسن .
الخامس : أنه واد في جهنم ، قاله أنس بن مالك .
السادس : أنه واد يفصل بين الجنة والنار ، حكاه بعض المتأخرين .
قوله عز وجل : { ورأى المجرمون النّار } يحتمل وجهين :
أحدهما : أنهم عاينوا في المحشر .
الثاني : أنهم علموا بها عند العرض .
{ فظنُّوا أنهم مُواقعوها } فيه وجهان :
أحدهما : أنهم أمّلوا العفو قبل دخولها فلذلك ظنوا أنهم مواقعوها
الثاني : علموا أنهم مواقعوها لأنهم قد حصلوا في دار اليقين وقد يعبر عن العلم بالظن لأن الظن مقدمة العلم .
{ ولم يجدوا عنها مصرفاً } فيه وجهان :
أحدهما : ملجأ ، قاله الكلبي .
الثاني : معدلاً ينصرفون إليه ، قاله ابن قتيبة ، ومنه قول أبي كبير الهذلي :
أزهير هل عن شيبةٍ من مصرِف ... أم لا خلود لباذل متكلفِ
وفي المراد وجهان :
أحدهما : ولم يجد المشركون عن النار مصرفاً .
الثاني : ولم تجد الأصنام مصرفاً للنار عن المشركين .

(2/483)


وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54)

قوله تعالى : { ولقد صرَّفنا في هذا القرآن للناس من كلِّ مثَل } يحتمل وجهين :
أحدهما : ما ذكره لهم من العبر في القرون الخالية .
الثاني : ما أوضحه لهم من دلائل الربوبية ، فيكون على الوجه الأول جزاء ، وعلى الثاني بياناً .
{ وكان الإنسان أكثر شيءٍ جَدلاً } يحتمل وجهين :
أحدهما : عناداً ، وهو مقتضى الوجه الأول .
الثاني : حجاجاً وهو مقتضى القول الثاني . روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عليّ وفاطمة رضي الله عنهما وهما نائمان فقال : « الصلاة ، ألا تصليان » فقال علي رضي الله عنه : إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثها بعثها ، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول { وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً } [ الكهف : 54 ] .

(2/484)


وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (55) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56)

قوله عز وجل : { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءَهم الهُدى } فيه وجهان :
أحدهما : وما منع الناس أنفسهم أن يؤمنوا .
الثاني : ما منع الشيطان الناس أن يؤمنوا .
وفي هذا الهدي وجهان :
أحدهما : حجج الله الدالة على وحدانيته ووجوب طاعته .
الثاني : رسول الله صلى الله عليه وسلم المبعوث لهداية الخلق .
{ إلاّ أن تأتيهم سنةُ الأولين } أي عادة الأولين في عذاب الإستئصال .
{ أو يأتيهم العذاب قبلاً } قرأ عاصم وحمزة والكسائي { قُبُلاً } بضم القاف والباء وفيه وجهان :
أحدهما : تجاه ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه جمع قبيل معناه ضروب العذاب .
ويحتمل ثالثاً : أن يريد : من أمامهم مستقبلاً لهم فيشتد عليهم هول مشاهدته .
وقرأ الباقون قِبَلاً بكسر القاف ، وفيه وجهان :
أحدهما : مقابلة .
الثاني : معاينة .
ويحتمل ثالثاً : من قبل الله تعالى بعذاب من السماء ، لا من قبل المخلوقين ، لأنه يعم ولا يبقى فهو أشد وأعظم .
قوله عز وجل : { . . ليُدحضوا به الحقَّ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : ليذهبوا به الحق ، ويزيلوه ، قاله الأخفش .
الثاني : ليبطلوا به القرآن ويبدلوه ، قاله الكلبي .
الثالث : ليهلكوا به الحق .
والداحض الهالك ،
مأخوذ من الدحض وهو الموضع المزلق من الأرض الذي لا يثبت عليه خف ولا حافر ولا قدم ، قال الشاعر :
ردَيت ونجَى اليشكري حِذارُه ... وحادَ كما حادَ البعير عن الدحض
{ واتخدوا آياتي وما أنذروا هُزُواً } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن الآية البرهان ، وما أنذروا القرآن .
الثاني : الآيات القرآن وما أنذروا الناس .
ويحتمل قوله : { هزواً } وجهين :
أحدهما : لعباً .
الثاني : باطلاً .

(2/485)


وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59)

قوله عز وجل : { وربُّكَ الغفور } يعني للذنوب وهذا يختص به أهل الإيمان دون الكفرة .
{ ذو الرّحمة . . . } فيها أربعة أوجه :
أحدها : ذو العفو .
الثاني : ذو الثواب ، وهو على هذين الوجهين مختص بأهل الإيمان دون الكفرة .
الثالث : ذو النعمة .
الرابع : ذو الهدى ، وهو على هذين الوجهين يعم أهل الإيمان وأهل الكفر لأنه ينعم في الدنيا على الكافر كإنعامه على المؤمن ، وقد أوضح هذه للكافر كما أوضحه للمؤمن ، وإن اهتدى به المؤمن دون الكافر .
{ بل لهم موعدٌ } فيه وجهان :
أحدهما : أجل مقدر يؤخرون إليه .
الثاني : جزاء واجب يحاسبون عليه .
{ لن يجدوا مِن دونه مَوْئلاً } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : ملجأ ، قاله ابن عباس وابن زيد .
الثاني : محرزاً ، قاله مجاهد .
الثالث : ولياً ، قاله قتادة .
الرابع : منجى ، قاله أبو عبيدة . قال والعرب تقول : لا وألَت نفسه ، أي لا نجت ، ومنه قول الشاعر :
لا وألت نفسك خلّيْتها ... للعامريّين ولم تُكْلَمِ
أحدهما : أهلكناهم بالعذاب لما ظلموا بالكفر .
الثاني : أهلكناهم بأن وكلناهم إلى سوء تدبيرهم لما ظلموا بترك الشكر .
{ وجعلنا لمهلكهم مَوْعِداً } فيه وجهان :
أحدهما : أجلا يؤخرون إليه ، قاله مجاهد .
الثاني : وقتاً يهلكون فيه . وقرىء بضم الميم وفتحها ، فهي بالضم من أُهلك وبالفتح من هَلَك .

(2/486)


وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65)

قوله عز وجل : { وإذا قال موسى لفتاه } يعني يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى وسمي فتاهُ لملازمته إياه ، قيل في العلم ، وقيل في الخدمة ، وهو خليفة موسى على قومه من بعده .
وقال محمد بن إسحاق : إن موسى الذي طلب الخضر هو موسى بن منشى بن يوسف ، وكان نبياً في بني إسرائيل قبل موسى بن عمران .
والذي عليه جمهور المسلمين أنه موسى بن عمران .
{ لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يعني بحر الروم وبحر فارس ، أحدهما قبل المشرق ، والآخر قبل المغرب وحكى الطبري أنه ليس في الأرض مكان أكثر ماء منه .
والقول الثاني : هو بحر أرمينية مما يلي الأبواب .
الثالث : الخضرُ وإلياس ، وهما بحران في العلم ، حكاه السدي .
{ أو أمضي حُقباً } فيه خمسة أوجه :
أحدها : أن الحقب ثمانون سنة ، قاله عبد الله بن عمر .
الثاني : سبعون سنة ، قاله مجاهد .
الثالث : أن الحقب الزمان ، قاله قتادة .
الرابع : أنه الدهر ، قاله ابن عباس ، ومنه قول امرىء القيس :
نحن الملوك وأبناء الملوك ، لنا ... مِلكٌ به عاش هذا الناس أحقابا
الخامس : أنه سنة بلغة قيس ، قاله الكلبي . وفي قوله { لا أبْرحُ } تأويلان :
أحدهما : لا أفارقك ، ومنه قول الشاعر :
إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانةً ... وتحمل أُخرى أثقلتك الودائع
الثاني : لا أزال ، قاله الفراء ، ومنه قول الشاعر :
وأبرح ما أدام اللهُ قومي ... بحمد الله منتطقاً مجيداً
أي لا أزال . وقيل إنه قال { لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين } لأنه وعد أن يلقى عنده الخضر عليه السلام .
{ فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حُوتَهما } قيل إنهما تزودا حوتاً مملوحاً وتركاه حين جلسا ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه ضل عنهما حتى اتخذ سبيله في البحر سرباً ، فسمي ضلاله عنهما نسياناً منهما .
الثاني : أنه من النسيان له والسهو عنه .
ثم فيه وجهان :
أحدهما : أن الناسي له أحدهما وهو يوشع بن نون وحده وإن أضيف النسيان إليهما ، كما يقال نسي القوم زادهم إذا نسيه أحدهم .
الثاني : أن يوشع نسي أن يحمل الحوت ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء ، فصار كل واحد منهما ناسياً لغير ما نسيه الآخر .
{ فاتّخذ سبيله في البحر سَرَباً } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : مسلكاً ، قاله مجاهد وابن زيد .
الثاني : يبساً ، قاله الكلبي .
الثالث : عجباً ، قاله مقاتل .
قوله عز وجل : { فلما جاوَزا } يعني مكان الحوت .
{ قال لفَتاهُ } يعني موسى قال لفتاه يوشع بن نون .
{ آتِنا غداءَنا } والغداء الطعام بالغداة كما أن العشاء طعام العشي والإنسان إلى الغداء أشد حاجة منه إلى العشاء .
{ لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً } فيه وجهان : أحدهما : أنه التعب .
الثاني : الوهن .
{ قال أرأيت إذ أوينا الى الصخرة } فيه قولان :
أحدهما : قاله مقاتل ، إن الصخرة بأرض تسمى شره ان على ساحل بحر أيلة ، وعندها عين تسمى عين الحياة .

(2/487)


الثاني : أنها الصخرة التي دون نهر الزيت على الطريق .
{ فإني نسيت الحُوت } فيه وجهان :
أحدهما : فإني نسيت حمل الحوت .
الثاني : فإني نسيت أن أخبرك بأمر الحوت .
{ وما أنسانيه إلاّ الشيطان أن اذكُره } أي أنسانية بوسوسته إليّ وشغله لقلبي .
{ واتخذ سبيله في البحر عجباً } فيه قولان :
أحدهما : انه كان لا يسلك طريقاً في البحر إلا صار ماؤه صخراً فلما رآه موسى عجب من مصير الماء صخراً .
الثاني : أن موسى لما أخبره يوشع بأمر الحوت رجع إلى مكانه فرأى أثر الحوت في البحر ودائرته التي يجري فيها فعجب من عود الحوت حياً .
{ قال ذلك ما كُنّا نبغِ } أي نطلب ، وذلك أنه قيل لموسى إنك تلقى الخضر في موضع تنسى فيه متاعك ، فعلم أن الخضر بموضع الحوت .
{ فارتدَّا على آثارهما قَصصاً } أي خرجا إلى آثارهما يقصان أثر الحوت ويتبعانه .
{ فَوَجداَ عبْداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : النبوة ، قاله مقاتل :
الثاني : النعمة .
الثالث : الطاعة .
الرابع : طول الحياة .
{ وعلّمناه من لدُنا عِلْماً } قال ابن عباس لما اقتفى موسى أثر الحوت انتهى إلى رجل راقد وقد سجي عليه ثوبه ، فسلم عليه موسى ، فكشف ثوبه عن وجهه وردّ عليه السلام وقال : من أنت؟ قال : موسى . قال صاحب بني إسرائيل؟ قال : نعم . قال : وما لك في بني إسرائيل شغل ، قال : أمرت أن آتيك وأصحبك .
واختلفوا في الخضر هل كان مَلَكاً أو بشراً على قولين :
أحدهما : أنه كان ملكاً أمر الله تعالى موسى أن يأخذ عنه مما حمّله إياه من علم الباطن .
الثاني : أنه كان بشراً من الإنس .
واختلف من قال هذا على قولين :
أحدهما : كان نبياً لأن الإنسان لا يتعلم ولا يتبع إلا من هو فوقه؛ ولا يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي ، قال مقاتل : هو ليسع لأنه وسع علمه ست سموات وست أرضين .
الثاني : أنه لم يكن نبياً وإنما كان عبداً صالحاً أودعه الله تعالى مِن علْم باطن الأمور ما لم يودع غيره ، لأن النبي هو الداعي ، والخضر كان مطلوباً ولم يكن داعياً طالباً ، وقد ذكرأن سبب تسميته بالخضر لأنه كانه إذا صلى في مكان اخضرّ ما حوله .

(2/488)


قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70)

قوله عز وجل : { قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمنِ مما علمت رُشْداً } في الرشد هنا ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه العلم ، قاله مقاتل ويكون تقديره على أن تعلمني مما علمت علماً .
الثاني : معناه على أن تعلمني مما علمت لإرشاد الله لك .
الثالث : ما يرى في علم الخضر رشداً يفعله وغياً يجتنبه ، فسأله موسى أن يعلمه من الرشد الذي يفعله ، ولم يسأله أن يعلمه الغيّ الذي يجتنبه لأنه عرف الغي الذي يجتنبه ولم يعرف ذلك الرشد .
{ قال إنك لن تستطيع معي صبراً } يحتمل وجهين :
أحدهما : صبراً عن السؤال .
الثاني : صبراً عن الإنكار .
{ وكيف تصبر على ما لم تُحِطْ به خُبراً } فيه وجهان :
أحدهما : لم تجد له سبباً .
الثاني : لم تعرف له علماً ، لأن الخضر علم أن موسى لا يصبر إذا رأى ما بنكر ظاهره .
{ قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً } فوعد بالصبر والطاعة ثم استثنى بمشيئة الله تعالى حذراً مما يلي فأطاع ولم يصبر . وفي قوله : { ولا أعصي لك أمراً } وجهان :
أحدهما : لا ابتدىء بالإنكار حتى تبدأ بالإخبار .
الثاني : لا أفشي لك سراً ولا أدل عليك بشراً . فعلى الوجه الأول يكون مخالفاً . على الوجه الثاني : يكون موافقاً .

(2/489)


فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)

قوله عز وجل : { فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها } لأنه أراد أن يعبر في البحر إلى أرض أخرى فركب في السفينة وفيها ركاب ، فأخذ الخضر فأساً ومنقاراً فخرق السفينة حتى دخلها الماء وقيل إنه قلع منها لوحين فضج ركابها من الغرق .
ف { قال } له موسى { أخرقتها لتغرق أهلها } وإن كان في غرقها غرق جميعهم لكنه أشفق على القوم أكثر من إشفاقه على نفسه لأنها عادة الأنبياء .
ثم قال بعد تعجبه وإكباره { لقد جئت شيئاً إمْراً } فأكبر ثم أنكر ، وفي الإمر ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني منكراً ، قاله مجاهد .
الثاني : عجباً ، قاله مقاتل .
الثالث : أن الإمر الداهية العظيمة ، قاله أبو عبيدة وأنشد :
قد لقي الأقران مِنّي نُكْرا ... داهيةً دهياء إدّاً إمْرا
وهو مأخوذ من الإمر وهو الفاسد الذي يحتاج إلى الصلاح ، ومنه رجل إمر إذا كان ضعيف الرأي لأنه يحتاج أن يؤمر حتى يقوى رأيه ، ومنه أمِر القومُ إذا أكثروا لأنهم يحتاجون إلى من يأمرهم وينهاهم .
قوله عز وجل : { قال لا تؤاخذني بما نسيتُ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : بما نسيته وغفلت عنه فلم أذكره ، وقد رفعه أبي بن كعب .
الثاني : بما كأني نسيته ، ولم أنسه في الحقيقة . حكى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : لم ينس ولكنها معاريض الكلام .
الثالث : بما تركته من عهدك ، قاله ابن عباس ، مأخوذ من النسيان الذي هو الترك لا من النسيان الذي هو من السهو .
{ ولا تُرهقني مِنْ أمري عُسْراً } فيه أربعة أوجه :
أحدها : لا تعنفني على ما تركت من وصيتك ، قاله الضحاك .
الثاني : لا يغشني منك العسر ، من قولهم غلام مراهق إذا قارب أن يغشاه البلوغ ، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ارهقوا القبلة » أي اغشوها واقربوا منها .
الثالث : لا تكلفني ما لا أقدر عليه من التحفظ عن السهو والنسيان ، وهو معنى قول مقاتل :
الرابع : لا يلحقني منك طردي عنك .
قوله تعالى : { فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله } يعني انطلق موسى والخضر فاحتمل أن يكون يوشع تأخر عنهما ، لأن المذكور انطلاق اثنين وهو الأظهر لاختصاص موسى بالنبوة واجتماعه مع الخضر عن وحي ، واحتمل أن يكون معهما ولم يذكر لأنه تابع لموسى ، فاقتصر على ذكر المتبوع دون التابع لقول موسى : { ذلك ما كنا نبغي } فكان ذلك منه إشارة إلى فتاه يوشع .
واختلف في الغلام المقتول هل كان بالغاً ، فقال ابن عباس : كان رجلاً شاباً قد قبض على لحيته لأن غير البالغ لا يجري عليه القلم بما يستحق به القتل ، وقد يسمى الرجل غلاماً ، قالت ليلى الأخيلية في الحجّاج :
شفاها من الداء العُضال الذي بها ... غُلامٌ إذا هزَّ القَناةَ سقاها
وقال الأكثرون : كان صغيراً غير بالغ وكان يلعب مع الصبيان ، حتى مر به الخضر فقتله .

(2/490)


وفي سبب قتله قولان :
أحدهما : لأنه طبع على الكفر .
الثاني : لأنه أصلح بقتله حال أبويه . وفي صفة قتله قولان :
أحدهما : أنه أخذه من بين الصبيان فأضجعه وذبحه بالسكين ، قاله سعيد بن جبير .
الثاني : أنه أخذ حجراً فقتل به الغلام ، قاله مقاتل فاستعظم موسى ما فعله الخضر من قتل الغلام من غير سبب .
ف { قال أقتلت نَفْساً زَكيةً بغير نفْسٍ } فاختلف هل قاله استخباراً أو إنكاراً على قولين :
أحدهما : أنه قال ذلك استخباراً عنه لعلمه بأنه لا يتعدى في حقوق الله تعالى .
الثاني : أنه قاله إنكاراً عليه لأنه قال { لقد جئت شيئاً نُكراً }
قرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير { زاكية } وقرأ حمزة وابن عامر وعاصم والكسائي زكيّة بغير ألف .
واختلف في زاكية - وزكية على قولين : أحدهما : وهو قول الأكثرين أن معناهما واحد ، فعلى هذا اختلف في تأويل ذلك على ستة أوجه :
أحدها : أن الزاكية التائبة ، قاله قتادة .
الثاني : أنها الطاهرة ، حكاه ابن عيسى .
الثالث : أنها النامية الزائدة ، قاله كثير من المفسرين ، قال نابغة بني ذبيان :
وما أخرتَ من دُنياك نقص ... وإن قدّمْتَ عادَ لَك الزّكاءُ
يعني الزيادة .
الرابع : الزاكية المسلمة ، قاله ابن عباس لأن عنده أن الغلام المقتول رجل .
الخامس : أن الزاكية التي لم يحل دمها ، قاله أبو عمرو بن العلاء .
السادس : أنها التي لم تعمل الخطايا ، قاله سعيد بن جبير . والقول الثاني : أن بين الزاكية والزكية فرقاً ، وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن الزاكية في البدن ، والزكية في الدين ، وهذا قول أبي عبيدة .
الثاني : أن الزكية أشد مبالغة من الزاكية ، قاله ثعلب .
الثالث : أن الزاكية التي لم تذنب ، والزكية التي أذنبت ثم تابت فغفر لها ،
قاله أبو عمرو بن العلاء .
{ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً } فيه أربعة أوجه :
أحدها : شيئاً منكراً ، قاله الكلبي .
الثاني : أمراً فظيعاً قبيحاً ، وهذا معنى قول مقاتل .
الثالث : أنه الذي يجب أن ينكر ولا يفعل .
الرابع : أنه أشد من الإِمْر ، قاله قتادة .

(2/491)


قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76)

قوله عز وجل : { قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي } فيه أربعة أوجه :
أحدها : فلا تتابعني .
الثاني : فلا تتركني أصحبك ، قاله الكسائي .
الثالث : فلا تصحبني .
الرابع : فلا تساعدني على ما أريد .
{ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذراً } قد اعتذرت حين أنذرت .

(2/492)


فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78)

{ فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَآ أَتَيآ أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا } اختلف في هذه القرية على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها أنطاكية ، قاله الكلبي .
الثاني : أنها الأبُلة ، قاله قتادة .
الثالث : أنها باجروان بإرمينية ، قاله مقاتل .
{ فَأَبَوْا إِن يُضَيِّفُوهُمَا } يقال أضفت الرجل إذا نزل عليك فأنت مضيف . وضفت الرجل إذا نزلت عليه فأنت ضيف . وكان الطلب منهما الفاقة عُذراً فيهما . والمنع من أهل القرية لشحٍ أثموا به .
{ فَوَجَدَا فِيها جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ } أي كاد أن ينقض؛ ذلك على التشبيه بحال من يريد أن يفعل في التالي ، كقول الشاعر :
يريد الرمح صدر أبي براءٍ . . ... . ويرغب عن دماءِ بني عقيل
ومعنى ينقض يسقط بسرعة ، ويناقض ينشق طولاً . وقرأ يحيى بن يعمر { يُرِيدُ أَن يَنقَصَّ } بالصاد غير المعجمة ، من النقصان .
{ فَأَقَامَهُ } قال سعيد بن جبير : أقام الجدار بيده فاستقام ، وأصل الجدر الظهور ومنه الجدري لظهوره .
وعجب موسى عليه السلام وقد { اسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا } فأقام لهم الجدار ف { قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً } قال قتادة : شر القرى لا تضيف الضيف ولا تعرف لابن السبيل حقه .
قوله عز وجل : { قَالَ هَذا فِرَاقٌ بَيْنِي وَبَيْنِكَ } فيه وجهان :
أحدهما : هذا الذي قلته { فِرَاقٌ بَيْنِي وَبَيْنِكَ }
الثاني : هذا الوقت { فِرَاقٌ بَيْنِي وَبَيْنِكَ }
{ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً } يحتمل وجهين :
أحدهما : لم تستطع على المشاهدة له صبراً .
الثاني : لم تستطع على الإِمساك عن السؤال عنه صبراً . فروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى لَو صَبَرَ لاَقْتَبَسَ مِنْهُ أَلْفَ بَابٍ
» .

(2/493)