صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : النكت والعيون |
أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)
قوله تعالى : { أتى أمرُ الله فلا تستعجلوهُ } فيه ثلاثة تأويلات : (2/363)
أحدها : أنه بمعنى سيأتي أمر الله تعالى .
الثاني : معناه دنا أمر الله تعالى .
الثالث : أنه مستعمل على حقيقة إتيانه في ثبوته واستقراره . وفي { أمر } أربعة أقاويل : أحدها : أنه إنذار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله أبو مسلم .
الثاني : أنه فرائضه وأحكامه ، قاله الضحاك .
الثالث : أنه وعيد أهل الشرك ونصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قاله ابن جريج .
الرابع : أنه القيامة ، وهو قول الكلبي . وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لما نزلت : { أتى أمر الله } رفعوا رؤوسهم فنزل { فلا تستعجلوه } أي فلا تستعجلوا وقوعه .
وحكى مقاتل بن سليمان أنه لما قرأ جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم { أتى أمر الله } نهض رسول الله خوفاً من حضورها حتى قرأ { فلا تستعجلوه } .
ويحتمل وجهين :
أحدهما : فلا تستعجلوا التكذيب فإنه لن يتأخر .
الثاني : فلا تستعجلوا أن يتقدم قبل وقته ، فإنه لن يتقدم .
يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2)
قوله عز وجل : { ينزل الملائكة بالروحِ من أمره على من يشاء من عبادِهِ } فيه خمسة تأويلات : (2/364)
أحدها : أن الروح ها هنا الوحي ، وهو النبوة ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه كلام الله تعالى وهو القرآن ، قاله الربيع ابن أنس .
الثالث : أنه بيان الحق الذي يجب اتباعه ، قاله ابن عيسى .
الرابع : أنها أرواح الخلق . قال مجاهد لا ينزل ملك إلا ومعه روح .
الخامس : أن الروح الرحمة ، قاله الحسن وقتادة .
ويحتمل تأويلاً سادساً : أن يكون الروح الهداية ، لأنها تحيا بها القلوب كما تحيي الروح الأبدان .
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7)
قوله تعالى : { خَلَقَ الإنسان من نطفةٍ فإذا هو خصيم مبين } . (2/365)
الخصيم المحتج في الخصومة ، والمبين هو المفصح عما في ضميره . وفي صفته بذلك ثلاثة أوجه :
أحدها : تعريف قدرة الله تعالى في إخراجه من النطفة المهينة إلى أن صار بهذه الحال في البيان والمكنة .
الثاني : ليعرفه نعم الله تعالى عليه في إخراجه إلى هذه الحال بعدما خلقه من نطفة مهينة .
الثالث : يعرفه فاحش ما ارتكب من تضييع النعمة بالخصومة في الكفر ، قاله الحسن . وذكر الكلبي أن هذه الآية نزلت في أُبي بن خلف الجمحي حين أخذ عظاماً نخرة فذراها وقال : أنُعادُ إذا صرنا هكذا .
قوله عز وجل : { والأنعام خلقها لكم فيها دفءٌ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه اللباس ، قاله ابن عباس .
الثاني : ما ستدفىء به من أصوافها وأوبارها وأشعارها ، قاله الحسن .
الثالث : أن الدفء صغار أولادها التي لا تركب ، حكاه الكلبي . { ومنافِعُ } فيها وجهان :
أحدهما : النسل ، قاله ابن عباس .
الثاني : يعني الركوب والعمل . { ومنها تأكلون } يعني اللبن واللحم . قوله عز وجل : { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن الرواح من المراعي إلى الأفنية ، والسراح انتشارها من الأفنية إلى المراعي .
الثاني : أنه على عموم الأحوال في خروجها وعودها من مرعى أو عمل أو ركوب وفي الجمال بها وجهان :
أحدهما : قول الحسن إذا رأوها : هذه نَعَمُ فلان ، قاله السدي .
الثاني : توجه الأنظار إليها ، وهو محتمل .
وقد قدم الرواح على السراح وإن كان بعده لتكامل درها ولأن النفس به أسَرُّ . { وتحمل أثقالكم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بِشِقِّ الأنفس } في البلد قولان :
أحدهما : أنه مكة لأنها من بلاد الفلوات .
الثاني : أنه محمول على العموم في كل بلد مسلكه على الظهر .
{ إلا بشق الأنفس } فيه وجهان :
أحدهما : أنكم لولاها ما بلغتموه إلا بشق الأنفس .
الثاني : أنكم مع ركوبها لا تبلغونه إلا بشق الأنفس ، فكيف بكم لو لم تكن .
وفي شق الأنفس وجهان :
أحدهما : جهد النفس ، مأخوذ من المشقة .
الثاني : أن الشق النصف فكأنه يذهب بنصف النفس .
وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)
قوله تعالى : { . . . ويخلق ما لا تعلمُون } فيه ثلاثة أقاويل : (2/366)
أحدها : ما لا تعلمون من الخلق ، وهو قول الجمهور .
الثاني : في عين تحت العرش ، قاله ابن عباس .
الثالث : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها أرض بيضاء مسيرة الشمس ثلاثين يوماً . مشحونة خلقاً لا يعلمون أن الله يعصى في الأرض ، قالوا : يا رسول الله فأين إبليس عنهم؟ قال « لا يعلمون أن الله خلق إبليس » ثم تلا { ويخلق ما لا تعلمون }
.
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13)
{ وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر } يحتمل وجهين : (2/367)
أحدهما : وعلى الله قصد الحق في الحكم بين عباده ومنهم جائر عن الحق في حكمه .
الثاني : وعلى الله أن يهدي إلى قصد الحق في بيان السبيل ، ومنهم جائر عن سبيل الحق ، أي عادل عنه لا يهتدي إليه . وفيهم قولان : أحدهما : أنهم أهل الأهواء المختلفة ، قاله ابن عباس .
الثاني : ملل الكفر .
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)
قوله عز وجل : { وَتَرَى الفلك مواخِرَ فيه } فيه خمسة أوجه : (2/368)
أحدها : أن المواخر المواقر ، قاله الحسن .
الثاني : أنها التي تجري فيه معترضة ، قاله أبو صالح .
الثالث : أنها تمخر الريح من السفن ، قاله مجاهد : لأن المخر في كلامهم هبوب الريح .
الرابع : أنها تجري بريح واحدة مقبلة ومدبرة ، قاله قتادة .
الخامس : أنها التي تشق الماء من عن يمين وشمال ، لأن المخر في كلامهم شق الماء وتحريكه قاله ابن عيسى .
{ ولتبتغوا من فضله } يحتمل وجهين :
أحدهما : بالتجارة فيه .
الثاني : بما تستخرجون من حليته ، وتأكلونه من لحومه .
قوله عز وجل : { وعلاماتٍ وبالنجم هم يهتدون } في العلامات ثلاثة أقاويل : أحدها : أنها معالم الطريق بالنهار ، وبالنجوم يهتدون بالليل ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنها النجوم أيضاً لأن من النجوم ما يهتدي بها ، قاله مجاهد وقتادة والنخعي .
الثالث : أن العلامات الجبال . وفي { النجم } قولان :
أحدهما : أنه جمع النجوم الثابتة ، فعبر عنها بالنجم الواحد إشارة إلى الجنس .
الثاني : أنه الجدي وحده لأنه أثبت النجوم كلها في مركزه .
وفي المراد بالاهتداء بها قولان :
أحدهما : أنه أراد الاهتداء بها في جميع الأسفار ، قاله الجمهور .
الثاني : أنه أراد الاهتداء به في القِبلة . قال ابن عباس : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى { وبالنجم هم يهتدون } قال « هو الجدي يا ابن عباس عليه قبلتكم ، وبه تهتدون في بركم وبحركم
» . قوله عز وجل : { وإن تعدوا نعمة اللهِ لا تحصوها } فيه وجهان :
أحدهما : لا تحفظوها ، قال الكلبي . الثاني : لا تشكروها وهو مأثور . ويحتمل المقصود بهذا الكلام وجهين :
أحدهما : أن يكون خارجاً مخرج الامتنان تكثيراً لنعمته أن تحصى .
الثاني : أنه تكثير لشكره أن يؤدى . فعلى الوجه الأول يكون خارجاً مخرج الامتنان . وعلى الوجه الثاني خارجاً مخرج الغفران .
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24)
قوله عز وجل : { وَإذَا قيل لهم ماذا أنزل ربُّكم } يعني وإذا قيل لمن تقدم ذِكره ممن لا يؤمن بالآخرة وقلوبهم منكرة بالبعث . (2/369)
{ مَّاذَا أنزل ربكم } يحتمل القائل ذلك لهم وجهين :
أحدهما : أنه قول بعض لبعض ، فعلى هذا يكون معناه ماذا نسب إلى إنزال ربكم ، لأنهم منكرون لنزوله من ربهم .
والوجه الثاني : أنه من قول المؤمنين لهم اختباراً لهم ، فعلى هذا يكون محمولاً على حقيقة نزوله منه .
{ قالوا أساطير الأولين } وهذا جوابهم عما سئلوا عنه ويحتمل وجهين :
أحدهما : أي أحاديث الأولين استرذالاً له واستهزاءَ به .
الثاني : أنه مثل ما جاء به الأولون ، تكذيباً له ولجميع الرسل .
لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25)
قوله عز وجل : { ليحملوا أوزارهم } أي أثقال كفرهم وتكذيبهم . (2/370)
{ كاملة يوم القيامة } يحتمل وجهين :
أحدهما : أنها لم تسقط بالتوبة .
الثاني : أنها لم تخفف بالمصائب .
{ ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علمٍ } يعني أنه قد اقترن بما حملوه من أوزارهم ما يتحملونه من أوزار من أضلوهم .
ويحتمل وجهين : أحدهما : أن المضل يتحمل أوزار الضال بإغوائه .
الثاني : أن الضال يتحمل أوزار المضل بنصرته وطاعته .
ويحتمل قوله تعالى { بغير علمٍ } وجهين :
أحدهما : بغير علم المضلّ بما دعا إليه .
الثاني : بغير علم الضال بما أجاب إليه .
ويحتمل المراد بالعلم وجهين :
أحدهما : يعني أنهم يتحملون سوء أوزارهم لأنه تقليد بغير استدلال ولا شبهة .
الثاني : أراد أنهم لا يعلمون بما تحملوه من أوزار الذين يضلونهم .
{ ألا ساءَ ما يزرون } يحتمل وجهين :
أحدهما : يعني أنهم يتحملون سوء أوزارهم .
الثاني : معناه أنه يسوؤهم ما تحملوه من أوزارهم . فيكون على الوجه الأول معجلاً في الدنيا ، وعلى الوجه الآخر مؤجلاً في الآخرة .
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27)
قوله عز وجل : { قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد } فيه قولان : (2/371)
أحدهما : أنه هدم بنيانهم من قواعدها وهي الأساس .
الثاني : أنه مثل ضربه الله تعالى لاستئصالهم .
{ فخرّ عليهم السقف من فوقهم } فيه وجهان :
أحدهما : فخرّ أعالي بيوتهم وهم تحتها ، فلذلك قال { من فوقهم } وإن كنا نعلم أن السقف عال إلا أنه لا يكون فوقهم إذ لم يكونوا تحته ، قاله قتادة .
الثاني : يعني أن العذاب أتاهم من السماء التي هي فوقهم ، قاله ابن عباس .
وفي الذين خر عليهم السقف من فوقهم ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه النمرود بن كنعان وقومه حين أراد صعود السماء وبنى الصرح . فهدمه الله تعالى عليه ، قاله ابن عباس وزيد بن أسلم .
الثاني : أنه بختنصر وأصحابه ، قاله بعض المفسرين .
الثالث : يعني المقتسمين الذين ذكرهم الله تعالى في سورة الحجر ، قاله الكلبي .
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)
قوله عز وجل : { الَّذِين تتوفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } قال عكرمة : نزلت هذه الآية في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا ، فأخرجتهم قريش إلى بدر كرها ، فقتلوا ، فقال الله { الذين تتوفاهم الملائكة } يعني بقبض أرواحهم . { ظالمي أنفسهم } في مقامهم بمكة وتركهم الهجرة . { فألقوا السّلَمَ } يعني في خروجهم معهم وفيه ثلاثة أوجه : (2/372)
أحدها : أنه الصلح ، قاله الأخفش .
الثاني : الاستسلام ، قاله قطرب .
الثالث : الخضوع ، قاله مقاتل . { ما كنا نعمل من سوء } يعني من كفر .
{ بَلَى إن الله عليمٌ بما كنتم تعملون } يعني إن أعمالهم أعمال الكفار .
قوله عز وجل : { . . . ولدار الآخرة خيرٌ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن الجنة خير من النار ، وهذا وإن كان معلوماً فالمراد به تبشيرهم بالخلاص منها .
الثاني : أنه أراد أن الآخرة خير من دار الدنيا ، قاله الأكثرون .
{ ولنعم دار المتقين } فيه وجهان :
أحدهما : ولنعم دار المتقين الآخرة . الثاني : ولنعم دار المتقين الدنيا ، قال الحسن : لأنهم نالوا بالعمل فيها ثواب الآخرة ودخول الجنة . قوله تعالى : { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين }
قيل معناه صالحين .
ويحتمل طيبي الأنفس ثقة بما يلقونه من ثواب الله تعالى .
ويحتمل وجهاً ثالثاً أن تكون وفاتهم وفاة طيبة سهلة لا صعوبة فيها ولا ألم بخلاف ما تقبض عليه روح الكافر .
{ يقولون سلام عليكم } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون السلام عليهم إنذاراً لهم بالوفاة .
الثاني : أن يكون تبشيراً لهم بالجنة ، لأن السلام أمان .
{ ادخلوا الجنة } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون معناه أبشروا بدخول الجنة .
الثاني : أن يقولوا ذلك لهم في الآخرة .
{ بما كنتم تعملون } يعني في الدنيا من الصالحات .
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (34) وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42)
قوله عز وجل : { والذين هاجروا في الله من بَعْدِ ما ظُلِموا } يعني من بعد ما ظلمهم أهل مكة حين أخرجوهم إلى الحبشة بعد العذاب والإبعاد . (2/373)
{ لنبوئنهم في الدنيا حسنة } فيه أربعة أقاويل : أحدها : نزول المدينة ، قاله ابن عباس والشعبي وقتادة .
الثاني : الرزق الحسن ، قاله مجاهد .
الثالث : أنه النصر على عدوهم ، قاله الضحاك .
الرابع : أنه لسان صدق ، حكاه ابن جرير . ويحتمل قولاً خامساً : أنه ما استولوا عليه من فتوح البلاد وصار لهم فيها من الولايات .
ويحتمل قولاً سادساً : أنه ما بقي لهم في الدنيا من الثناء ، وما صار فيها لأولادهم من الشرف .
وقال داود بن إبراهيم : نزلت هذه الآية في أبي جندل بن سهل ، وقال الكلبي : نزلت في بلال وعمار وصهيب وخباب بن الأرتّ عذبهم أهل مكة حتى قالوا لهم ما أرادوا في الدنيا ، فلما خلوهم هاجروا إلى المدينة .
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا دفع إلى المهاجرين العطاء قال : هذا ما وعدكم الله في الدنيا ، وما خولكم في الآخرة أكثر ، ثم تلا عليهم هذه الآية :
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)
قوله عز وجل : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم } هذا خطابٌ لمشركي قريش . (2/374)
{ فاسألوا أهل الذكر إن كنت لا تعلمون } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن أهل الذكر العلماء بأخبار من سلف من القرون الخالية الذين يعلمون أن الله تعالى ما بعث رسولاً إلا من رجال الأمة ، وما بعث إليهم ملكاً .
الثاني : أنه عنى بأهل الذكر أهل الكتاب خاصة ، قاله ابن عباس ومجاهد .
الثالث : أنهم أهل القرآن ، قاله ابن زيد .
قوله تعالى : { . . . وأنزلنا إليك الذِّكر لتبين للناس ما نُزِّلَ إليهم } تأويلان :
أحدهما : أنه القرآن . الثاني : أنه العلم .
أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47)
قوله عز وجل : { أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين } فيه أربعة أوجه : (2/375)
أحدها : في إقبالهم وإدبارهم ، قاله ابن بحر .
الثاني : في اختلافهم ، قاله ابن عباس . الثالث : بالليل والنهار ، قاله ابن جريج .
الرابع : في سفرهم .
{ أو يأخذهم على تخوفٍ } فيه ستة أوجه :
أحدها : يعني على تنقص بأن يهلك واحد بعد واحد فيخافون الفناء ، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك .
الثاني : على تقريع بما قدموه من ذنوبهم ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً .
الثالث : على عجل ، وهذا قول الليث .
الرابع : أن يهلك القرية فتخاف القرية الأخرى ، قاله الحسن .
الخامس : أن يعاقبهم بالنقص من أموالهم وثمارهم ، قاله الزجاج . { فإن ربكم لرءُوف رحيم } أي لا يعاجل بل يمهل .
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50)
قوله عز وجل : { أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظِلالُهُ } فيه أربعة أوجه : (2/376)
أحدها : يرجع ظلالُه ، لأن الفيء الرجوع ، ولذلك كان اسماً للظل بعد الزوال لرجوعه .
الثاني : معناه تميل ظلاله ، قاله ابن عباس .
الثالث : تدور ظلاله ، قاله ابن قتيبة .
الرابع : تتحول ظلاله ، قاله مقاتل .
{ عن اليمين والشمائل } فيه وجهان :
أحدهما : يعني تارة إلى جهة اليمين ، وتارة إلى جهة الشمال ، قاله ابن عباس . لأن الظل يتبع الشمس حيث دارت .
الثاني : أن اليمين أول النهار ، والشمال آخر النهار ، قاله قتادة والضحاك .
{ سجداً لله } فيه ثلاث تأويلات :
أحدهما : أن ظل كل شيء سجوده ، قاله قتادة .
الثاني : أن سجود الظلال سجود أشخاصها ، قاله الضحاك .
الثالث : أن سجود الظلال كسجود الأشخاص تسجد لله خاضعة ، قاله الحسن . ومجاهد .
وقال الحسن : أما ظلك فيسجد لله ، وأما أنت فلا تسجد لله ، فبئس والله ما صنعت .
{ وهم داخرون } أي صاغرون خاضعون ، قال ذو الرمة :
فلم يبق إلا داخرُ في مخيس ... ومنحجر في غير أرضك حُجر
قوله عز وجل : { ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة } أما سجود ما في السموات فسجود خضوع وتعبد ، وأما سجود ما في الأرض من دابة فيحتمل وجهين :
أحدهما : أن سجوده خضوعه لله تعالى .
الثاني : أن ظهور ما فيه من قدرة الله يوجب على العباد السجود لله سبحانه .
وفي تخصيص الملائكة بالذكر ، وإن دخلوا في جملة من في السموات والأرض وجهان :
أحدهما : أنه خصهم بالذكر لاختصاصهم بشرف المنزلة فميزهم من الجملة بالذكر وإن دخلوا فيها .
الثاني : لخروجهم من جملة من يدب ، لما جعل الله تعالى لهم من الأجنحة فلم يدخلوا في الجملة ، فلذلك ذكروا .
وجواب ثالث : أن في الأرض ملائكة يكتبون أعمال العباد لم يدخلوا في جملة ملائكة السماء فلذلك أفردهم بالذكر .
{ وهم لا يستكبرون } يحتمل وجهين :
أحدهما : لا يستكبرون عن السجود لله تعالى .
الثاني : لا يستكبرون عن الخضوع لقدرة الله .
{ يخافون رَبَّهم من فوقهم } فيه وجهان :
أحدهما : يعني عذاب ربهم من فوقهم لأن العذاب ينزل من السماء .
الثاني : يخافون قدرة الله التي هي فوق قدرتهم وهي في جميع الجهات .
{ ويفعلون ما يؤمرون } فيه وجهان :
أحدهما : من العبادة ، قاله ابن عباس .
الثاني : من الانتقام من العصاة .
وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55)
قوله تعالى : { . . . وله الدين واصباً } (2/377)
في { الدين } ها هنا قولان :
أحدهما : أنه الإخلاص ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه الطاعة ، قاله ابن بحر .
وفي قوله تعالى : { واصباً } أربعة تأويلات :
أحدها : واجباً ، قاله ابن عباس .
الثاني : خالصاً ، حكاه الفراء والكلبي .
الثالث : مُتعِباً ، والوصب : التعب والإعياء ، قال الشاعر :
لا يشتكي الساق مِن أين ولا وصَبٍ ... ولا يزال أمام القوم يقتَفِرُ
الرابع : دائماً ، قاله الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك ، ومنه قوله تعالى { ولهم عذاب واصب } [ الصافات : 9 ] أي دائم ، وقال الدؤلي :
لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه ... يوماً بذم الدهر أجمع واصبا
قوله عز وجل : { . . . ثم إذا مَسّكُم الضُّرُّ فإليه تجأرون }
في { الضر } ها هنا ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنه القحط ، قاله مقاتل .
الثاني : الفقر ، قاله الكلبي .
الثالث : السقم ، قاله ابن عباس .
{ فإليه تجأرون } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : تضجون ، قاله ابن قتيبة .
الثاني : تستغيثون .
الثالث : تضرعون بالدعاء ، وهو في اللغة الصياح مأخوذ من جؤار الثور وهو صياحه .
وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60)
قوله عز وجل : { وإذا بُشِّر أحَدُهُم بالأنثى ظلَّ وجهُهُ مسودّاً وهو كظيمٌ } في قوله { مسودّاً } ثلاثة أوجه : (2/378)
أحدها : مسود اللون ، قاله الجمهور . الثاني : متغير اللون بسواد أو غيره ، قاله مقاتل . الثالث : ان العرب تقول لكل من لقي مكروهاً قد اسودّ وجهه غماً وحزناً ، قاله الزجاج .
ومنه : سَوَّدْت وجه فلان ، إذا سُؤتَه .
{ وهو كظيم } فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن الكظيم الحزين ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه الذي يكظم غيظه فلا يظهر ، قاله الأخفش .
الثالث : أنه المغموم الذي يطبق فاه فلا يتكلم من الفم ، مأخوذ من الكظامة وهو سد فم القربة ، قاله ابن عيسى .
{ . . . أيمسكُهُ على هُونٍ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : هو الهوان بلغة قريش ، قاله اليزيدي .
الثاني : هو القليل بلغة تميم ، قاله الفراء .
الثالث : هو البلاء والمشقة ، قاله الكسائي . قالت الخنساء :
نهينُ النفوس وهون النفو ... س يوم الكريهة أبقى لها
{ أم يدُسُّهُ في التراب } فيه وجهان :
أحدهما : أنها الموءُودة التي تدس في التراب قتلاً لها .
الثاني : أنه محمول على إخفائه عن الناس حتى لا يعرفوه كالمدسوس في التراب لخفائه عن الأبصار . وهو محتمل .
قوله عز وجل : { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء } يحتمل وجهين :
أحدهما : صفة السوء من الجهل والكفر .
الثاني : وصفهم الله تعالى بالسوء من الصاحبة والولد .
{ ولله المَثلُ الأعلى } فيه وجهان :
أحدهما : الصفة العليا بأنه خالق ورزاق وقادر ومُجازٍ . الثاني : الإخالص والتوحيد ، قاله قتادة .
وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62)
قوله عز وجل : { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم } يعني في الدنيا بالانتقام لأنه يمهلهم في الأغلب من أحوالهم . (2/379)
{ ما ترك عليها من دابّةٍ } يعني بهلاكهم بعذاب الاستئصال من أخذه لهم بظلمهم . { ولكن يؤخرهم إلى أجلٍ مسمى } فيه وجهان :
أحدهما : إلى يوم القيامة .
الثاني : تعجيله في الدنيا . فإن قيل : فكيف يعمهم بالهلاك مع أن فيهم مؤمناً ليس بظالم؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة :
أحدها : أنه يجعل هلاك الظالم انتقاماً وجزاء ، وهلاك المؤمن معوضاً بثواب الآخرة .
الثاني : ما ترك عليها من دابة من أهل الظلم .
الثالث : يعني أنه لو أهلك الآباء بالكفر لم يكن الأبناء ولا نقطع النسل فلم يولد مؤمن .
قوله عز وجل : { ويجعلون لله ما يكرهون } يعني من البنات . { وتصف ألسنتهم الكذب أنّ لهم الحُسنَى } فيه وجهان :
أحدهما : أن لهم البنين مع جعلهم لله ما يكرهون من البنات ، قاله مجاهد .
الثاني : معناه أن لهم من الله الجزاء الحسن ، قاله الزجاج . { لا جرم أن لهم النار } فيه أربعة أوجه :
أحدهما : معناه حقاً أن لهم النار . الثاني : معناه قطعاً أن لهم النار .
الثالث : اقتضى فعلهم أن لهم النار .
الرابع : معناه بلى إن لهم النار ، قاله ابن عباس .
{ وأنهم مفرطون } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : معناه منسيون ، قاله مجاهد .
الثاني : مضيّعون ، قاله الحسن .
الثالث : مبعدون في النار ، قاله سعيد بن جبير .
الرابع : متروكون في النار ، قاله الضحاك .
الخامس : مقدَّمون إلى النار ، قاله قتادة . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : « أنا فَرَطكم على الحوض » أي متقدمكم ، وقال القطامي :
فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا ... كما تعجّل فرّاطٌ لوُرّادِ
والفرّاط : المتقدمون في طلب الماء ، والورّاد : المتأخرون .
وقرأ نافع { مُفْرِطون } بكسر الراء وتخفيفها ، ومعناه مسرفون في الذنوب ، من الإفراط فيها .
وقرأ الباقون من السبعة { مفرطون } أي معجلون إلى النار متروكون فيها .
وقرأ أبو جعفر القارىء { مفَرِّطون } بكسر الراء وتشديدها ، ومعناه من التفريط في الواجب .
تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67)
قوله عز وجل : { وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بُطونه } أي نبيح لكم شرب ما في بطونه ، فعبر عن الإباحة بالسقي . (2/380)
{ مِن بين فرثٍ ودمٍ لبناً خالصاً } فيه وجهان :
أحدهما : خالصاً من الفرث والدم .
الثاني : أن المراد من الخالص هنا الأبيض ، قاله ابن بحر ومنه قول النابغة :
يصونون أجساداً قديمها نعيمُها ... بخالصةِ الأردان خُضْر المناكب
فخالصة الأردان أي بيض الأكمام ، وخضر المناكب يعني من حمائل السيوف . { سائغاً للشاربين } فيه وجهان :
أحدهما : حلال للشاربين .
الثاني : معناه لا تعافه النفس . وقيل : إنه لا يغص أحد باللبن . قوله عز وجل : { ومن ثَمَرات النخيل والأعناب تتخذون منه سَكراً ورزقاً حسَناً } فيها أربعة تأويلات :
أحدها : أن السكر الخمر ، والرزق الحسن التمر والرطب والزبيب . وأنزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر ثم حرمت من بعد . قال ابن عباس : السَّكر ما حرم من شرابه ، والرزق الحسن ما حل من ثمرته ، وبه قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير ومن ذلك قول الأخطل :
بئس الصُّحاة وبئس الشرب شربهم ... إذا جرى فيهم المزاءُ والسكُرُ
والسكر : الخمر ، والمزاء : نوع من النبيذ المسكر .
واختلف من قال بهذا هل خرج مخرج الإباحة أو مخرج الخبر على وجهين :
أحدهما : أنه خرج مخرج الإباحة ثم نسخ . قاله قتادة .
الثاني : أنه خرج مخرج الخبر أنهم يتخذون ذلك وإن لم يحل ، قاله ابن عباس .
الثاني : أن السّكَر : النبيذ المسكر ، والرزق الحسن التمر والزبيب ، قاله الشعبي والسدي .
وجعلها أهل العراق دليلاً على إباحة النبيذ .
الثالث : أن السكر : الخل بلغة الحبشة ، الرزق الحسن : الطعام .
الرابع : أن السكر ما طعم من الطعام وحل شربه من ثمار النخيل والأعناب وهو الرزق الحسن ، وبه قال أبو جعفر الطبري وأنشد قول الشاعر :
وَجَعلت عيب الأكرمين سكرا ...
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)
قوله عز وجل : { وأوحى ربك إلى النحل } فيه ثلاثة أوجه : (2/381)
أحدها : أن الوحي إليها هو إلهاماً ، قاله ابن عباس ومجاهد .
الثاني : يعني أنه سخرها ، حكاه ابن قتيبة .
الثالث : أنه جعل ذلك في غرائزها بما يخفى مثله على غيرها ، قاله الحسن .
{ أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشُون } فذكر بيوتها لما ألهمها وأودعه في غرائزها من صحة القسمة وحسن المنعة .
{ ومما يعرشون } فيه تأويلان :
أحدهما : أنه الكرم ، قاله ابن زيد .
الثاني : ما يبنون ، قاله أبو جعفر الطبري .
{ ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك } أي طرق ربك .
{ ذللاً } فيه أربعة أوجه : أحدها : مذللة ، قاله أبو جعفر الطبري .
الثاني : مطيعة ، قاله قتادة .
الثالث : أي لا يتوعر عليها مكان تسلكه ، قاله مجاهد .
الرابع : أن الذلل من صفات النحل وأنها تنقاد وتذهب حيث شاء صاحبها لأنها تتبع أصحابها حيث ذهبوا ، قاله ابن زيد .
{ يخرج من بطونها شرابٌ } يعني العسل .
{ مختلف ألوانُهُ } لاختلاف أغذيتها . { فيه شفاءٌ للناس } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن ذلك عائد إلى القرآن ، وأن في القرآن شفاء للناس أي بياناً للناس ، قاله مجاهد .
الثاني : أن ذلك عائد إلى الاعتبار بها أن فيه هدى للناس ، قاله الضحاك .
الثالث : أن ذلك عائد إلى العسل ، وأن في العسل شفاء للناس ، قاله ابن مسعود وقتادة . روى قتادة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر أن أخاه اشتكى بطنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « اذهب فاسق أخاك عسلاً » ثم جاء فقال : ما زاده إلا شدة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم « اذهب فاسق أخاك عسلاً » . ثم جاء فقال له : ما زاده إلا شدة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « اذهب فاسق أخاك عسلاً ، صدق الله وكذب بطن أخيك ، فسقاه فكأنه نشط من عِقال
»
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70)
قوله عز وجل : { ومنكم من يرد إلى أرذل العُمرِ } فيه أربعة أقاويل : أحدها : أوضعه وأنقصة ، قاله الجمهور . (2/382)
الثاني : أنه الهرم ، قاله الكلبي .
الثالث : ثمانون سنة ، حكاه قطرب .
الرابع : خمس وسبعون سنة ، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه . { لكيلا يعلم بعد عِلْمٍ شيئاً } يعني أنه يعود جاهلاً لا يعلم شيئاً كما كان في حال صغره .
أو لأنه قد نسي ما كان يعلم ، ولا يستفيد ما لا يعلم .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : أن يكون معناه لكي لا يعمل بعد علم شيئاً ، فعبر عن العمل بالعلم لافتقاره إليه ، لأن تأثير الكبر في عمله أبلغ من تأثيره في علمه .
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71)
قوله عز وجل : { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق } فيه ثلاثة أوجه : (2/383)
أحدها : أنه أغنى وأفقر ، ووسّع وضيّق .
الثاني : في القناعة والرغبة .
الثالث : في العلم والجهل . قال الفضيل بن عياض : أجلُّ ما رزق الإنسان معرفة تدله على ربه ، وعقل يدله على رشده .
وفي التفضيل وجهان :
أحدهما : أنه فضل السادة على العبيد ، قاله ابن قتيبة ومن يرى أن التفضيل في المال .
الثاني : أنه فضل الأحرار بعضهم على بعض ، قاله الجمهور .
{ فما الذين فُضِّلُوا بِرادِّي رزقهم على ما ملكت أيمانُهم فهم فيه سواء } فيه وجهان :
أحدهما : أن عبيدهم لما لم يشركوهم في أموالهم لم يجز لهم أن يشاركوا الله تعالى في ملكه ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة ، وفي هذا دليل على أن العبد لا يملك .
الثاني : أنهم وعبيدهم سواء في أن الله تعالى رزق جميعهم ، وأنه لا يقدر أحد على رزق عبده إلا أن يرزقه الله تعالى إياه كما لا يقدر أن يرزق نفسه ، حكاه ابن عيسى .
{ أفبنعمة الله يجحدون } وفيه وجهان : أحدهما : بما أنعم الله عليهم من فضله ورزقه ينكرون .
الثاني : بما أنعم الله عليهم من حججه وهدايته يضلون .
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72)
قوله عز وجل : { والّلهُ جَعَل لكُم مِن أنفسِكم أزواجاً } فيه وجهان : أحدهما : يعني جعل لكم من جنسكم مثلكم ، فضرب المثل من أنفسكم ، قاله ابن بحر . الثاني : يعني آدم خلق منه حوّاء ، قاله الأكثرون . { وجعل لكم مِن أزواجكم بنين وحفدة } وفي الحفدة خمسة أقاويل : (2/384)
أحدها : أنهم الأصهار أختان الرجل على بناته ، قاله ابن مسعود وأبو الضحى . وسعيد بن جبير وإبراهيم ، ومنه قول الشاعر :
ولو أن نفسي طاوعتني لأصبحت ... لها حَفَدٌ مما يُعَدّث كثيرُ
ولكنها نفس عليَّ أبيّة ... عَيُوفٌ لأَصهارِ للئام قَذور
الثاني : أنهم أولاد الأولاد ، قاله ابن عباس .
الثالث : أنهم بنو امرأة الرجل من غيره ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً .
الرابع : أنهم الأعوان ، قاله الحسن .
الخامس : أنهم الخدم ، قاله مجاهد وقتادة وطاووس ، ومنه قول جميل :
حفد الولائدُ حولهم وأسلمت ... بأكفهن أزِمّةَ الأجمال
وقال طرفة بن العبد :
يحفدون الضيف في أبياتهم ... كرماً ذلك منهم غير ذل
وأصل الحفد الإسراع ، والحفدة جمع حافد ، والحافد هو المسرع في العمل ، ومنه قولهم في القنوت وإليك نسعى ونحفد ، أي نسرع إلى العمل بطاعتك ، منه قول الراعي :
كلفت مجهولها نوقاً ثمانية ... إذا الحداة على أكسائها حفدوا
وذهب بعض العلماء في تفسير قوله تعالى { بنين وحفدة } البنين الصغار والحفدة الكبار . { ورزقكم من الطيبات } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : من الفيىء والغنيمة .
الثاني : من المباحات في البوادي .
الثالث : ما أوتيه عفواً من غير طلب ولا تعب .
{ أفبالباطِل يؤمنون } فيه وجهان :
أحدهما : بالأصنام .
الثاني : يجحدون البعث والجزاء .
{ وبنعمة الله يكفرون } فيها وجهان :
أحدهما : بالإسلام .
الثاني : بما رزقهم الله تعالى من الحلال آفة من أصنامهم . حكاه الكلبي .
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (74) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75)
قوله عز وجل : { ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء } فيه وجهان : (2/385)
أحدهما : أنه لا يملك ما لم يؤذن وإن كان باقياً معه .
الثاني : أن لسيده انتزاعه من يده وإن كان مالكاً له . { ومَن رزقناه مِنا رزقاً حسناً } يعني الحُرّ ، وفيه وجهان :
أحدهما : ملكه ما بيده .
الثاني : تصرفه في الاكتساب على اختياره .
وفي هذا المثل قولان :
أحدهما : أنه مثل ضربه الله للكافر لأنه لا خير عنده ، ومن رزقناه منا رزقاً حسناً هو المؤمن ، لما عنده من الخير ، وهذا معنى قول ابن عباس وقتادة .
الثاني : أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه والأوثان ، لأنها لا تملك شيئاً ، وإنهم عدلوا عن عبادة الله تعالى الذي يملك كل شيء ، قاله مجاهد .
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَم لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76)
قوله عز وجل : { وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكمُ لا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على مولاه أينما يوجهه لا يأْتِ بخير هل يستوي هو ومن يأمُرُ بالعدل وهو على صراط مستقيم } اختلف المفسرون في المثل المضروب بهذه الآية على ثلاثة أقاويل : (2/386)
أحدها : أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه وللوثن ، فالأبكم الذي لا يقدر على شيء هو الوثن ، والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى ، وهذا معنى قول قتادة .
الثاني : أنه مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر ، فالأبكم : الكافر ، والذي يأمر بالعدل : المؤمن ، قاله ابن عباس .
الثالث : أن الأبكم : عبد كان لعثمان بن عفان رضي الله عنه كان يعرض عليه الإسلام فيأبى . ومن يأمر بالعدل : عثمان ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً .
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79)
قوله عزوجل : { ولله غيب السموات والأرض } يحتمل خمسة أوجه : (2/387)
أحدها : ولله علم غيب السموات والأرض ، لأنه المنفرد به دون خلقه .
الثاني : أن المراد بالغيب إيجاد المعدومات وإعدام الموجودات .
الثالث : يعني فعل ما كان وما يكون ، وأما الكائن في الحال فمعلوم .
الرابع : أن غيب السماء الجزاء بالثواب العقاب . وغيب الأرض القضاء بالأرزاق والآجال .
{ وما أمْرُ الساعة إلاَّ كلمح البصر أو هو أقرب } لأنه بمنزلة قوله : { كن فيكون } وإنما سماها ساعة لأنها جزء من يوم القيامة وأجزاء اليوم ساعاته . وذكر الكلبي ومقاتل : أن غيب السموات هو قيام الساعة .
قال مقاتل : وسبب نزولها أن كفار قريش سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قيام الساعة استهزاء بها ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83)
قوله عز وجل : { والله جعل لكم مما خلق ظلالاً } فيه وجهان : (2/388)
أحدهما : البيوت ، قاله الكلبي .
الثاني : الشجر ، قاله قتادة .
{ وجعل لكم من الجبال أكناناً } الأكنان : جمع كِنّ وهو الموضع الذي يستكن فيه ، وفيه وجهان :
أحدهما أنه ظل الجبال .
الثاني : أنه ما فيها من غار أو شَرَف .
{ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحرّ } يعني ثياب القطن والكتان والصوف .
{ وسرابيل تقيكم بأسكم } يعني الدروع التي تقي البأس ، وهي الحرب .
قال الزجاج : كل ما لبس من قميص ودروع فهو سربال .
فإن قيل : فكيف قال : { وجعل لكم من الجبال أكناناً } ولم يذكر السهل وقال { تقكيم الحر } ولم يذكر البرد؟
فعن ذلك ثلاثة أجوبة :
أحدها : أن القوم كانوا أصحاب جبال ولم يكونوا أصحاب سهل ، وكانوا أهل حر ولم يكونوا أهل برد ، فذكر لهم نعمه عليه مما هو مختص بهم ، قاله عطاء .
الثاني : أنه اكتفى بذكر احدهما عن ذكر الآخر ، إذ كان معلوماً أن من اتخذ من الجبال أكناناً اتخذ من السهل ، واسرابيل التي تقي الحر تقي البرد ، قاله الفراء ، ومثله قول الشاعر :
وما أدري إذا يممتُ أرضاً ... أريد الخير أيهما يليني .
فكنى عن الشر ولم يذكره لأنه مدلول عليه .
الثالث : أنه ذكر الجبال لأنه قدم ذكر السهل بقوله تعالى : { والله جعل لكم من بيوتكم سكناً } وذكر الحرَّ دون البرد تحذيراً من حر جهنم وتوقياً لاستحقاقها بالكف عن المعاصي .
{ كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون } أي تؤمنون بالله إذا عرفتم نعمه عليكم . وقرأ ابن عباس { لعلكم تسلمون } بفتح التاء أي تسلمون من الضرر ، فاحتمل أن يكون عنى ضرر الحر والبرد واحتمل أن يكون ضرر القتال والقتل ، واحتمل أن يريد ضرر العذاب في الآخرة إن اعتبرتم وآمنتم .
قوله عز وجل : { يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : أنه عنى النبي صلى الله عليه وسلم يعرفون نبوته ثم ينكرونها ويكذبونه ، قاله السدي .
الثاني : أنهم يعرفون منا عدد الله تعالى عليهم في هذه السورة من النعم وأنها من عند الله وينكرونها بقولهم أنهم ورثوا ذلك عن آبائهم ، قاله مجاهد .
الثالث : أن انكارها أن يقول الرجل : لولا فلان ما كان كذا وكذا ولولا فلانٌ ما أصبت كذا ، قاله عون بن عبد الله .
الرابع : أن معرفتهم بالنعمة إقرارهم بأن الله رزقهم ، وإنكارهم قولهم : رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا .
الخامس : يعرفون نعمة الله بتقلبهم فيها ، وينكرونها بترك الشكر عليها .
ويحتمل سادساً : يعرفونها في الشدة ، وينكرونها في الرخاء .
ويحتمل سابعاً يعرفونها بأقوالهم ، وينكرونها بأفعالهم . قال الكلبي : هذه السورة تسمى سورة النعم ، لما ذكر الله فيها من كثرة نعمه على خلقه .
{ وأكثرهم الكفارون } فيه وجهان :
أحدهما : معناه وجميعهم كافرون ، فعبر عن الجميع بالأكثر ، وهذا معنى قول الحسن .
الثاني : أنه قال { وأكثرهم الكافرون } لأن فيهم من جرى عليه حكم الكفر تبعاً لغيره كالصبيان والمجانين ، فتوجه الذكر إلى المكلفين .
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (85) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (87) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88)
قوله عز وجل : { وألقوا إلى الله يومئذ السلم } يحتمل وجهين : (2/389)
أحدهما : استسلامهم لعذابه ، وخضوعهم لعزه .
الثاني : إقرارهم بما كانوا ينكرون من طاعته .
{ وضَلَّ عنهم ما كانوا يفترون } يحتمل وجهين :
أحدهما : وبطل ما كانوا يأملون .
الثاني : خذلهم ما كانوا به يستنصرون .
قوله عز وجل : { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زِدناهُم عذاباً فوق العذاب } فيه وجهان :
أحدهما : أن الزيادة هي عذاب الدنيا مع ما يستحق من عذاب الآخرة .
الثاني : أن أحد العذابين على كفرهم ، والعذاب الآخر على صدهم عن سبيل الله ومنعهم لغيرهم من الإيمان .
{ بما كانوا يفسدون } في الدنيا بالمعاصي .
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)
قوله عز وجل : { ويوم نبعث في كل أمةٍ شهيداً عليهم من أنفسِهم } وهم الأنبياء شهداء على أممهم يوم القيامة وفي كل زمان شهيد وإن لم يكن نبياً . وفيهم قولان : (2/390)
أحدهما : أنهم أئمة الهدى الذين هم خلفاء الأنبياء .
الثاني : أنهم العلماء الذين حفظ الله بهم شرائع أنبيائه .
{ وجئنا بك شهيداً على هؤلاء } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم شهيداً على أمته .
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)
قوله عز وجل : { إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان . . . } الآية . في تأويل هذه الآية ثلاثة أقاويل : (2/391)
أحدها : أن العدل : شهادة أن لا إله إلا الله ، والإحسان : الصبر على أمره ونهيه وطاعة الله في سره وجهره { وإيتاء ذي القربى } صلة الرحم ، { وينهى عن الفحشاء } يعني الزنى ، { والمنكر } القبائح . { والبغي } الكبر والظلم حكاه ابن جرير الطبري .
الثاني : أن العدل : القضاء بالحق ، والإحسان : التفضل بالإنعام ، وإيتاء ذي القربى : ما يستحقونه من النفقات . وينهى عن الفحشاء ما يستسر بفعله من القبائح . والمنكر : ما يتظاهر به منها فينكر . والبغي : منا يتطاول به من ظلم وغيره ، وهذا معنى ما ذكره ابن عيسى .
الثالث : أن العدل ها هنا استواء السريرة والعلانية في العمل لله . والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته . والفحشاء والمنكر : أن تكون علانيته أحسن من سريرته ، قاله سفيان بن عيينة . فأمر بثلاث ونهى عن ثلاث .
{ يعظكم لعلكم تذكرون } يحتمل وجهين : أحدهما : تتذكرون ما أمركم به وما نهاكم عنه .
الثاني : تتذكرون ما أعده من ثواب طاعته وعقاب معصيته .
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92)
قوله عز وجل : { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } يحتمل ثلاثة أوجه : (2/392)
أحدها : أنه النذور .
الثاني : ما عاهد الله عليه من عهد في طاعة الله .
الثالث : أنه التزام أحكام الدين بعد الدخول فيه .
{ ولا تنقضوا الأيمان بَعْدَ توكيدها } يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : لا تنقضوها بالامتناع بعد توكيدها بالالتزام .
الثاني : لا تنقضوها بالعذر بعد توكيدها بالوفاء .
الثالث : لا تنقضوها بالحنث بعد توكيدها بالِبّر .
وفي هذه الآية ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم . الثاني : أنها نزلت في الحلف الذي كان في الجاهلية بين أهل الشرك ، فجاء الإسلام بالوفاء به .
الثالث : أنها نزلت في كل عقد يمين عقده الإنسان على نفسه مختاراً يجب عليه الوفاء به ما لم تدع ضرورة إلى حله .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم : « فليأت الذي هو خير » محمول على الضرورة دون المباح . وأهل الحجاز يقولون . وكّدت هذه اليمين توكيداً ، وأهل نجد يقولون أكدتها تأكيداً .
قوله عز وجل : { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً } وهذا مثل ضربه الله تعالى لمن نقض عهده ، وفيه قولان :
أحدها : أنه عنى الحبْل ، فعبر عنه بالغزل ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه عنى الغزل حقيقة .
{ من بعد قوة } فيه قولان :
أحدهما : من بعد إبرام . قاله قتادة .
الثاني : أن القوة ما غزل على طاق ولم يثن .
{ أنكاثاً } يعني أنقاضاً ، واحده نكث ، وكل شيء نقض بعد الفتل أنكاثٌ .
وقيل أن التي نقضت غزلها من بعد قوة امرأة بمكة حمقاء ، قال الفراء : إنها ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة ، سميت جعدة لحمقها ، كانت تغزل الصوف ثم تنقضه بعدما تبرمه ، فلما كان هذا الفعل لو فعلتموه سفهاً تنكرونه كذلك نقض العهد الذي لا تنكرونه .
{ تتخذون أيمانكُمْ دَخَلاً بينكُمْ } فيه ستة تأويلات :
أحدها : أن الدخل الغرور .
الثاني : أن الدخل الخديعة .
الثالث : أنه الغل والغش .
الرابع : أن يكون داخل القلب من الغدر غير ما في الظاهر من لزوم الوفاء .
الخامس : أنه الغدر والخيانة ، قاله قتادة .
السادس : أنه الحنث في الأيمان المؤكدة .
{ أن تكون أمة هي أربى من أمة } أن أكثر عدداً وأزيد مدداً ، فتطلب بالكثرة أن تغدر بالأقل بأن تستبدل بعهد الأقل عهد الأكثر . وأربى : أفعل الربا ، قال الشاعر :
أسمر خطيّاً كأنّ كعوبه ... نوى القسب أو أربى ذراعاً على عشر
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93) وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96)
قوله عز وجل : { ما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ } فيه وجهان : (2/393)
أحدهما : يريد به أن الدنيا فانية ، والآخرة باقية .
الثاني : أن طاعتكم تفنى وثوابها يبقى .
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)
قوله عز وجل : { مَن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينهُ حياةً طيبة } فيها خمسة تأويلات : (2/394)
أحدها : أنها الرزق الحلال ، قاله ابن عباس . الثاني : أنها القناعة ، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن البصري .
الثالث : أن يكون مؤمناً بالله عاملاً بطاعته ، قاله الضحاك .
الرابع : أنها السعادة ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً .
الخامس : أنها الجنة ، قاله مجاهد وقتادة . ويحتمل سادساً : أن تكون الحياة الطيبة العافية والكفاية . ويحتمل سابعاً : أنها الرضا بالقضاء . { ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يجازى على أحسن الأعمال وهي الطاعة ، دون المباح منها . الثاني : مضاعفة الجزاء وهو الأحسن ، كما قال تعالى { من جاءَ بالحسنة فله عشر أمثالها } [ الأنعام : 160 ] .
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100)
قوله عز وجل : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } فيه ثلاثة أوجه : (2/395)
أحدها : فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله تعالى ، قاله الزجاج .
الثاني : فإذا كنت قارئاً فاستعذ بالله .
الثالث : أنه من المؤخر الذي معناه مقدم ، وتقديره : فإذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم فاقرأ القرآن .
والاستعاذة هي استدفاع الأذى بالأعلى من وجه الخضوع والتذلل والمعنى فاستعذ بالله من وسوسة الشيطان عند قراءتك لتسلم في التلاوة من الزلل ، وفي التأويل من الخطأ . وقد ذكرنا في صدر الكتاب معنى الرجيم .
قوله عز وجل : { إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : ليس له قدرة على أن يحملهم على ذنب لا يغفر ، قاله سفيان .
الثاني : ليس له حجة على ما يدعوهم إليه من المعاصي ، قاله مجاهد .
الثالث : ليس له عليهم سلطان لاستعاذتهم باللَّه منه ، لقوله تعالى { وإمّا ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم } [ فصلت : 36 ] .
الرابع : أنه ليس له عليهم سلطان بحال لأن الله تعالى صرف سلطانه عنهم حين قال عدو الله إبليس { ولأغوينهم أجميعن إلا عبادَك منهم المخلصين } [ الحجر : 39-40 ] فقال الله تعالى { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } [ الحجر : 42 ] وفي معنى السلطان وجهان :
أحدهما : الحجة ، ومنه سمي الوالي سلطاناً لأنه حجة الله تعالى في الأرض .
الثاني : أنها القدرة ، مأخوذ من السُّلْطَة ، وكذلك سمي السلطان سلطاناً لقدرته . { إنما سلطانه على الذين يتولونه } يعني يتبعونه .
{ والذين هُمْ به مشركون } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : والذين هم بالله مشركون ، قاله مجاهد . الثاني : والذين أشركوا الشيطان في أعمالهم ، قاله الربيع بن أنس .
الثالث : والذين هم لأجل الشيطان وطاعته مشركون ، قاله ابن قتيبة .
وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102)
قوله عز وجل : { وإذا بدّلنا آيةً مكان آيةٍ } فيه وجهان : (2/396)
أحدهما : شريعة تقدمت بشريعة مستأنفة ، قاله ابن بحر .
الثاني : وهو قول الجمهور أي نسخنا آية بآية ، إما نسخ الحكم والتلاوة وإما نسخ الحكم مع بقاء التلاوة .
{ والله أعلم بما ينزل } يعني أعلم بالمصلحة فيه ينزله ناسخاً ويرفعه منسوخاً . { قالوا إنما مفْتَرٍ } أي كاذب .
{ بل أكثرهم لا يعلمون } فيه وجهان : أحدهما : لا يعلمون جواز النسخ . الثاني : لا يعلمون سبب ورود النسخ .
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)
قوله عز وجل : { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمُه بشرٌ } اختلف في اسم من أراده المشركون فيما ذكروه من تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أربعة أقاويل : (2/397)
أحدها : أنه بلعام وكان قيناً بمكة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه يعلمه ، فاتهمته قريش أنه كان يتعلم منه ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه كان عبداً أعجمياً لامرأة بمكة ، يقال له أبو فكيهة ، كان يغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقرأ عليه ويتعلم منه ، فقالوا لمولاته احبسيه فحبستْه ، وقالت له : اكنس البيت وكل كناسته ، ففعل وقال : والله ما أكلت أطيب منه ولا أحلى ، وكان يسأل مولاته بعد ذلك أن تحبسه فلا تفعل .
الثالث : أنهما غلامان لبني الحضرمي ، وكانا من أهل عين التمر صيقلين يعملان السيوف اسم أحدها يسار ، والآخر جبر ، وكانا يقرآن التوراة ، وكان رسول الله ربما جلس إليهما ، قاله حصين بن عبد الله بن مسلم .
الرابع : أنه سلمان الفارسي ، قاله الضحاك .
{ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي } في يلحدون تأويلان : أحدهما : يميلون إليه .
الثاني : يعترضون به ، يعني أن لسان من نسبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التعلم منه أعجمي .
{ وهذا لسانٌ عربيٌ مبين } يعني باللسان القرآن لأنه يقرأ باللسان ، والعرب تقول : هذا لسان فلان ، تريد كلامه ، قال الشاعر :
لسان السوء تهديها إلينا ... وخُنْتَ وما حسبتُك أن تخونا
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109)
قوله عز وجل : { مَن كفر بالله من بعد إيمانه } ذكر الكلبي أنها نزلت في عبد الله بن أبي سرح ومقيس بن صبابة وعبد الله بن خطل وقيس بن الوليد بن المغيرة ، كفروا بعد إيمانهم ثم قال تعالى : (2/398)
{ إلا من أُكره وقلبُه مطمئن بالإيمان } قال الكلبي : نزل ذلك في عمار بن ياسر وأبويه ياسر وسُمية وبلال وصهيب وخبّاب ، أظهروا الكفر بالإكراه وقلوبهم مطمئنة بالإيمان .
ثم قال تعالى : { ولكن من شرح بالكُفْر صدراً } وهم من تقدم ذكرهم ، فإذا أكره على الكفر فأظهره بلسانه وهو معتقد الإيمان بقلبه ليدفع عن نفسه بما أظهر ، ويحفظ دينه بما أضمر فهو على إيمانه ، ولو لم يضمره لكان كافراً .
وقال بعض المتكلمين : إنما يجوز للمكرَه إظهارُ الكفر عل وجه التعريض دون التصريح الباتّ . لقبح التصريح بالتكذيب وخطره في العرف والشرع ، كقوله إن محمداً كاذب في اعتقادكم ، أو يشير لغيره ممن يوافق اسمه لاسمه إذا عرف منه الكذب ، وهذا لعمري أولى الأمرين ، ولم يَصِرِ المكرَه بالتصريح كافر .
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113)
قوله تعالى : { وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنةً مطمئنةً } يريد بالقرية أهلها { آمنة } يعني من الخوف . { مطمئنة } بالخصب والدعة . (2/399)
{ يأتيها رِزقُها } فيه وجهان :
أحدهما : أقواتها .
الثاني : مرادها . { رغداً } فيه وجهان :
أحدهما : طيباً .
الثاني : هنيئاً .
{ من كُلِّ مكانٍ } يعني منها بالزراعة ، ومن غيرها بالتجارة ، ليكون اجتماع الأمرين لهم أوفر لسكنهم وأعم في النعمة عليها .
{ فكفرت بأنعم الله } يحتمل وجهين .
أحدهما : بترك شكره وطاعته .
الثاني : بأن لا يؤدوا حقها من مواساة الفقراء وإسعاف ذوي الحاجات .
وفي هذه القرية التي ضربها الله تعالى مثلاً أقاويل :
أحدها : أنها مكة ، كان أمنها أن أهلها آمنون لا يتفاوزون كالبوادي .
{ فأذاقها اللهُ لباسَ الجوع والخوْف } وسماه لباساً لأنه قد يظهر عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس ، وقيل إن القحط بلغ بهم إلى أن أكلوا القد والعلهز وهو الوبر يخلط بالدم ، والقِد أديم يؤكل ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة .
الثاني : أنها المدينة آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم كفرت بأنعم الله بقتل عثمان بن عفان وما حدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بها من الفتن ، وهذا قول عائشة وحفصة رضي الله عنهما .
الثالث : أنه مثل مضروب بأي قرية كانت على هذه الصفة من سائر القرى .
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119)
قوله عز وجل : { ثم إنّ ربّك للذين عملوا السُّوء بجهالةٍ } فيه وجهان : (2/400)
أحدها : بجهالة أنها سوء .
الثاني : بجهالة لغلبة الشهوة عليهم مع العلم بأنها سوء .
ويحتمل ثالثاً : أنه الذي يعجل بالإقدام عليها ويعد نفسه بالتوبة .
{ ثم تابوا مِنْ بعد ذلك وأصْلَحوا } لأنه مجرد التوبة من السالف إذا لم يصلح عمله في المستأنف لا يستحق ولا يستوجب الثواب .
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)
قوله عز وجل : { إنّ إبراهيم كان أمّةً } فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : يُعلّم الخير ، قاله ابن مسعود وإبراهيم النخعي . قال زهير : (2/401)
فأكرمه الأقوام من كل معشر ... كرام فإن كذبتني فاسأل الأمم
يعني العلماء .
الثاني : أمة يقتدى به ، قاله الضحاك . وسمي أمة لقيام الأمة به . الثالث : إمام يؤتم به ، قاله الكسائي وأبو عبيدة . { قانتاً لله } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : مطيعاً لله ، قاله ابن مسعود .
الثاني : إن القانت هو الذي يدوم على العبادة لله .
الثالث : كثير الدعاء لله عز وجل .
{ حنيفاً } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : مخلص ، قاله مقاتل .
الثاني : حاجّا ، قاله الكلبي .
الثالث : أنه المستقيم على طريق الحق ، حكاه ابن عيسى .
{ ولم يَكُ من المشركين } فيه وجهان :
أحدهما : لم يك من المشركين بعبادة الأصنام .
الثاني : لم يك يرى المنع والعطاء إلا من اللَّه .
{ وآتيناه في الدنيا حسنة } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أن الحسنة النبوة ، قاله الحسن .
الثاني : لسان صدق ، قاله مجاهد .
الثالث : أن جميع أهل الأديان يتولونه ويرضونه ، قاله قتادة .
الرابع : أنها تنوية الله بذكره في الدنيا بطاعته لربه . حكاه ابن عيسى .
ويحتمل خامساً : أنه بقاء ضيافته وزيارة الأمم لقبره .
{ وإنه في الآخرة لمن الصالحين } فيه وجهان :
أحدهما : في منازل الصالحين في الجنة .
الثاني : من الرسل المقربين .
قوله عز وجل : { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً } فيه قولان :
أحدهما : اتباعه في جميع ملته إلا ما أمر بتركه ، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي ، وهذا دليل على جواز الأفضل للمفضول لأن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء .
الثاني : اتباعه في التبرؤ من الأوثان والتدين بالإسلام ، قاله أبو جعفر الطبري .
إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124)
قوله عز وجل : { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه } وهم اليهود وفي اختلافهم في السبت ثلاثة أقاويل : (2/402)
أحدها : أن بعضهم جعله أعظم الأيام حُرْمَةً لأن الله فرغ من خلق الأشياء فيه .
الثاني : أن بعضهم جعل الأحد أعظم حُرمة منه لأن الله ابتدأ خلق الأشياء فيه .
الثالث : أنهم عدلوا عما أمروا به من تعظيم الجمعة تغليباً لحرمة السبت والأحد ، قاله مجاهد وابن زيد .
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)
قوله عز وجل : { ادعُ إلى سبيل ربِّك } يعني إلى دين ربك وهو الإسلام . (2/403)
{ بالحكمة } فيها تأويلان :
أحدهما : بالقرآن ، قاله الكلبي .
الثاني : بالنبوة ، وهو محتمل .
{ والموعظة الحسنة } فيها تأويلان :
أحدهما : بالقرآن في لين من القول ، قاله الكلبي .
الثاني : بما فيه من الأمر والنهي ، قاله مقاتل .
{ وجادلْهُم بالتي هي أحسنُ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : يعني بالعفو .
الثاني : بأن توقظ القلوب ولا تسفه العقول . الثالث : بأن ترشد الخلف ولا تذم السلف .
الرابع : على قدر ما يحتملون . روى نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أمرنا معاشر الأنبياء أن نكلم الناس على قدر عقولهم
» .
وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)
قوله عز وجل : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عُوقبتم به } فيها قولان : (2/404)
أحدهما : أنها نزلت في قتلى أحُد حين مثلت بهم قريش .
واختلف قائل ذلك في نسخه على قولين :
أحدهما : أنها منسوخة بقوله تعالى : { واصبر وما صبرك إلا بالله }
الثاني : أنها ثابتة غير منسوخة فهذا أحد القولين .
والقول الثاني : أنها نزلت في كل مظلوم ان يقتص من ظالمه ، قاله ابن سيرين ومجاهد { واصبر } فيه وجهان :
أحدهما : اصبر على ما أصابك من الأذى ، وهو محتمل .
الثاني : واصبر بالعفو عن المعاقبة بمثل ما عاقبوا من المثلة بقتلى أُحد ، قاله الكلبي .
{ وما صبر إلا بالله } يحتمل وجهين :
أحدهما : وما صبر إلا بمعونة الله .
الثاني : وما صبرك إلا لوجه الله .
{ ولا تحزن عليهم } فيه وجهان :
أحدهما : إن لم يقبلوا .
الثاني : إن لم يؤمنوا .
{ ولا تك في ضيقٍ مما يمكرون } قرأ بن كثير { ضيق } بالكسر وقرأ الباقون بالفتح . وفي الفرق بينهما قولان :
أحدهما : أنه بالفتح ما قل ، وبالكسر ما كثر ، قاله أبو عبيدة .
الثاني : أنه بالفتح ما كان في الصدر ، وبالكسر ما كان في الموضع الذي يتسع ويضيق ، قاله الفراء .
قوله عز وجل : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } اتقوا يعني فيما حرم الله عليهم . والذين هم محسنون فيما فرضه الله تعالى ، فجمع في هذه الآية اجتناب المعاصي وفعل الطاعات .
وقوله : { مع الذين اتقوا } أي ناصر الذي اتقوا . وقال بعض أصحاب الخواطر : من اتقى الله في أفعاله أحْسَنَ إليه في أحواله ، والله أعلم .
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)
قوله عز وجل : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى } أما قوله { سبحان } ففيه تأويلان : (2/405)
أحدهما : تنزيه الله تعالى من السوء ، وقيل بل نزه نفسه أن يكون لغيره في إسراء عبده تأثير .
الثاني : معناه برأه الله تعالى من السوء ، وقد قال الشاعر :
أقول لمّا جاءني فَخْرُه ... سبحان مِنْ علقمةَ الفاخِر
وهو ذكر تعظيم لله لا يصلح لغيره ، وإنما ذكره الشاعر على طريق النادر ، وهو من السبح في التعظيم وهو الجري فيه إلى أبعد الغايات . وذكر أبان بن ثعلبة أنها كلمة بالنبطية « شبهانك » . وقد ذكر الكلبي ومقاتل : إن { سبحان } في هذا الموضع بمعنى عجب ، وتقدير الآية : عجب من الذي أسرى بعبده ليلاً ، وقد وافق على هذا التأويل سيبويه وقطرب ، وجعل البيت شاهداً عليه ، وأن معناه عجبٌ من علقمة الفاخر . ووجه هذا التأويل أنه إذا كان مشاهدة العجب سبباً للتسبيح صار التسبيح تعجباً فقيل عجب ، ومثله قول بشار :
تلقي بتسبيحةٍ مِنْ حيثما انصرفت ... وتستفزُّ حشا الرائي بإرعاد
وقد جاء التسبيح في الكلام على أربعة أوجه :
أحدها : أن يستعمل في موضع الصلاة ، من ذلك قوله تعالى : { فلولا أنه كان من المسبِّحينَ } [ الصافات : 143 ] أي من المصلين .
الثاني : أن يستعمل في الاستثناء ، كما قال بعضهم في قوله تعالى : { ألم أقل لكم لولا تسبحون } [ القلم : 28 ] أي لولا تستثنون .
الثالث : النور ، للخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال « لأحرقت سبحات وجهه » أي نور وجهه .
الرابع : التنزيه ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن التسبيح فقال : « تنزيه الله تعالى عن السوء
» . وقوله تعالى : { أسرى بعبده } أي بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، والسُّرى : سير الليل ، قال الشاعر :
وليلة ذا ندًى سَرَيت ... ولم يلتني مِنْ سُراها ليت
وقوله { من المسجد الحرام } فيه قولان :
أحدهما : يعني من الحرم ، والحرم كله مسجد . وكان صلى الله عليه وسلم حين أُسرى به نائماً في بيت أم هانىء بنت أبي طالب ، روى ذلك أبو صالح عن أم هانىء .
الثاني : أنه أسرى به من المسجد ، وفيه كان حين أسري به روى ذلك أنس بن مالك . ثم اختلفوا في كيفية إسرائه على قولين :
أحدهما : أنه أسريَ بجسمه وروحه ، روى ذلك ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو هريرة وحذيفة بن اليمان .
واختلف قائلو ذلك هل دخل بيت المقدس وصلى فيه أم لا ، فروى أبو هريرة أنه صلى فيه بالأنبياء ، ثم عرج به إلى السماء ، ثم رجع به الى المسجد الحرام فصلى فيه صلاة الصبح من صبيحة ليلته .
وروى حذيفة بن اليمان أنه لم يدخل بيت المقدس ولم يُصلّ فيه ولا نزل عن البراق حتى عرج به ، ثم عاد إلى ملكه .
والقول الثاني : أن النبي صلى الله عليه السلام أسري بروحه ولم يسر بجسمه ، روى ذلك عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما فُقِدَ جَسَدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن الله أسرى بروحه . (2/406)
وروي عن معاوية قال : كانت رؤيا من الله تعالى صادقة ، وكان الحسن يتأول قوله تعالى { وما جَعَلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنةً للناس } [ الإسراء : 60 ] أنها في المعراج ، لأن المشركين كذبوا ذلك وجعلوا يسألونه عن بيت المقدس وما رأى في طريقه فوصفه لهم ، ثم ذكر لهم أنه رأى في طريقه قعباً مغطى مملوءاً ماء ، فشرب الماء ثم غطاه كما كان ، ثم ذكر لهم صفة إبل كانت لهم في طريق الشام تحمل متاعاً ، وأنها تقدُم يوم كذا مع طلوع الشمس ، يقدمها جمل أورق؛ فخرجوا في ذلك اليوم يستقبلونها ، فقال قائل منهم : هذه والله الشمس قد أشرقت ولم تأت ، وقال آخر : هذه والله العير يقدُمها جمل أورق كما قال محمد . وفي هذا دليل على صحة القول الأول أنه أسرى بجسمه وروحه .
وقوله تعالى : { إلى المسجد الأقصى } يعني بيت المقدس ، وهو مسجد سليمان بن داود عليهما السلام وسمي الأقصى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام .
ثم قال تعالى : { الذي باركنا حوله } فيه قولان :
أحدهما : يعني بالثمار ومجاري الأنهار .
الثاني : بمن جعل حوله من الأنبياء والصالحين ولهذا جعله مقدساً . وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال « يقول الله تعالى : يا شام أنت صفوتي من بلادي وأنا سائق إليك صفوتي من عبادي
» . { لنريه من آياتنا } فيه قولان :
أحدهما : أن الآيات التي أراه في هذا المسرى أن أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة ، وهي مسيرة شهر .
الثاني : أنه أراه في هذا المسرى آيات .
وفيها قولان :
أحدهما : ما أراه من العجائب التي فيها اعتبار .
الثاني : من أري من الأنبياء حتى وصفهم واحداً واحداً .
{ إنه هو السميع البصير } فيه وجهان :
أحدهما : أنه وصف نفسه في هذه الحال بالسميع والبصير ، وإن كانتا من صفاته اللازمة لذاته في الأحوال كلها لأنه حفظ رسوله عند إسرائه في ظلمة الليل فلا يضر ألا يبصر فيها ، وسمع دعاءه فأجابه إلى ما سأل ، فلهذين وصف الله نفسه بالسميع البصير .
الثاني : أن قومه كذبوه عن آخرهم بإسرائه ، فقال : السميع يعني لما يقولونه من تصديق أو تكذيب ، البصير لما يفعله من الإسراء والمعراج .
وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)
قوله عز وجل : { وآتينا موسى الكتاب } يعني التوراة . (2/407)
{ وجعلناه هدًى لبني إسرائيل } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن موسى هدى لبني إسرائيل .
الثاني : أن الكتاب هدى لبني إسرائيل .
{ ألاّ تتخذوا من دوني وكيلاً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : شريكاً ، قاله مجاهد .
الثاني : يعني ربّاً يتوكلون عليه في أمورهم ، قاله الكلبي .
الثالث : كفيلاً بأمورهم ، حكاه الفراء .
قوله عز وجل : { ذرية من حملنا مع نوح } يعني موسى وقومه من بني إسرائيل ذرية من حملهم الله تعالى مع نوح في السفينة وقت الطوفان .
{ إنّه كان عبداً شكوراً } يعني نوحاً ، وفيه قولان :
أحدهما : أنه سماه شكوراً لأنه كان يحمد الله تعالى على طعامه ، قاله سلمان .
الثاني : أنه كان يستجد ثوباً إلا حمد الله تعالى عند لباسه ، قاله قتادة .
ويحتمل وجهين :
أحدهما : أن نوحاً كان عبداً شكوراً فجعل الله تعالى موسى من ذريته .
الثاني : أن موسى كان عبداً شكوراً إذ جعله تعالى من ذرية نوح .
وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8)
قوله تعالى : { وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب } . (2/408)
معنى قضينا ها هنا : أخبرنا .
ويحتمل وجهاً ثانياً : أن معناه حكمنا ، قاله قتادة .
ومعنى قوله : { وقضينا إلى بني إسرائيل } أي قضينا عليهم .
{ لتفسدن في الأرض مرتين } الفاسد الذي فعلوه قتلهم للناس ظلماً وتغلبهم على أموالهم قهراً ، وإخراب ديارهم بغياً . وفيمن قتلوه من الأنبياء في الفساد الأول قولان :
أحدهما : أنه زكريا قاله ابن عباس .
الثاني : أنه شعياً ، قاله ابن إسحاق ، وأن زكريا مات حتف أنفه .
أما المقتول من الأنبياء في الفساد الثاني فيحيى بن زكريا في قول الجميع قال مقاتل : وإن كان بينهما مائتا سنة وعشر .
{ فإذا جاء وعْد أولاهما } يعني أولى المرتين من فسادهم .
{ بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأسٍ شديدٍ } في قوله بعثنا وجهان :
أحدهما : خلينا بينكم وبينهم خذلاناً لكم بظلمكم ، قاله الحسن .
الثاني : أمرنا بقتالكم انتقاماً منكم .
وفي المبعوث عليهم في هذه المرة الأولى خمسة أقاويل :
أحدها : جالوت وكان ملكهم طالوت إلى أن قتله داود عليه السلام ، قاله ابن عباس وقتادة .
الثاني : أنه بختنصر ، وهو قول سعيد بن المسيب .
الثالث : أنه سنحاريب ، قاله سعيد بن جبير .
الرابع : أنهم العمالقة وكانوا كفاراً ، قاله الحسن .
الخامس : أنهم كانوا قوماً من أهل فارس يتجسسون أخبارهم ، وهو قول مجاهد .
{ . . . فجاسوا خلال الديار } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : يعني مشوا وترددوا بين الدور والمساكن ، قال ابن عباس وهو أبلغ في القهر .
الثاني : معناه فداسوا خلال الديار ، ومنه قول الشاعر :
إِلَيْكَ جُسْتُ اللَّيْلَ بِالمَطِيِّ ... الثالث : معناه فقتولهم بين الدور والمساكن ، ومنه قول حسان بن ثابت :
ومِنَّا الَّذِي لاقَى بِسَيْفِ مُحَمَّدٍ ... فَجَاس بهِ الأَعْدَاءَ عَرْضَ العَسَاكر
الرابع : معناه فتشوا وطلبوا خلال الديار ، قاله أبو عبيدة .
الخامس : معناه نزلوا خلال الديار ، قاله قطرب ، ومنه قول الشاعر :
فَجُسنا ديارهم عَنْوَةً ... وأبنا بساداتهم موثَقينا
قوله عز وجل : { ثم رددنا لكم الكرة عليهم } يعني الظفر بهم ، وفي كيفية ذلك ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن بني إسرائيل غزوا ملك بابل واستنقذوا ما فيه يديه من الأسرى والأموال . الثاني : أن ملك بابل أطلق من في يده من الأسرى ، وردّ ما في يده من الأموال .
الثالث : أنه كان بقتل جالوت حين قتله داود .
{ وأمددناكم بأموالٍ وبنين } بتجديد النعمة عليهم .
{ وجعلناكم أكثر نفيراً } فيه وجهان :
أحدهما : أكثر عزاً وجاهاً منهم .
الثاني : أكثر عدداً ، وكثرة العدد تنفر عدوهم منهم ، قال تُبع بن بكر :
فأكرِم بقحْطَانَ مِن وَالِدٍ ... وحِمْيَرَ أَكْرِم بقَوْمٍ نَفِيراً
قال قتادة : فكانوا بها مائتي سنة وعشر سنين ، وبعث فيهم أنبياء .
قوله عز وجل : { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } لأن الجزاء بالثواب يعود إليها ، فصار ذلك إحساناً لها .
{ وإن أسأتُم فلها } أي فإليها ترجع الإساءة لما يتوجه إليها من العقاب ، فرغَّب في الإحسان وحذر من الإساءة .
ثم قال تعالى : { فإذا جاءَ وعْدُ الآخرة ليسوءُوا وجُوهكم } يعني وعد المقابلة على فسادهم في المرة الثانية . وفيمن جاءهم فيها قولان : أحدهما : بختنصّر ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه انطياخوس الرومي ملك أرض نينوى ، وهو قول مقاتل ، وقيل إنه قتل منهم مائة ألف وثمانين ألفاً ، وحرق التوراة وأخرب بيت المقدس ، ولم يزل على خرابه حتى بناه المسلمون . (2/409)
{ وليدخلوا المسجد كما دَخلوه أوّل مرّة } يعني بيت المقدس .
{ وليتبروا ما علوا تتبيراً } فيه تأويلان :
أحدهما : أنه الهلاك والدمار .
الثاني : أنه الهدم والإخراب ، قاله قطرب ، ومنه قول لبيد :
وما النَّاسُ إلا عَامِلان فَعَامِلٌ ... يُتَبِّرُ مَا يَبْنِي وَآخَرُ رَافِعٌ
قوله عز وجل : { عسى ربُّكم أن يرحمكم } يعني مما حل بكم من الانتقام منكم .
{ وإن عدتم عدنا } فيه تأويلان : أحدهما : إن عدتم إلى الإساءة عدنا إلى الانتقام ، فعادوا . قال ابن عباس وقتادة : فبعث الله عليهم المؤمنين يذلونهم بالجزية والمحاربة إلى يوم القيامة .
الثاني : إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى القبول ، قاله بعض الصالحين .
{ وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً } فيه تأويلان :
أحدهما : يعني فراشاً ومهاداً ، قاله الحسن : مأخوذ من الحصير المفترش .
الثاني : حبساً يحبسون فيه ، قاله قتادة ، مأخوذ من الحصر وهو الحبس . والعرب تسمي الملك حصيراً لأنه بالحجاب محصور ، قال لبيد :
ومقامَةِ غُلْبِ الرِّقَابِ كَأَنَّهُمْ ... جِنٌّ لَدَى بَابِ الحَصِير قِيَامُ
إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10)
قوله عز وجل : { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } فيها تأويلان : (2/410)
أحدهما : شهادة أن لا إله إلا الله ، قاله الكلبي والفراء .
الثاني : ما تضمه من الأوامر والنواهي التي هي أصوب ، قاله مقاتل .
وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11)
قوله عز وجل : { ويدعو الإنسان بالشر دُعاءَه بالخير } فيه وجهان من التأويل : (2/411)
أحدها : أن يطلب النفع في العاجل بالضر العائد عليه في الآجل .
الثاني : أن يدعوا أحدهم على نفسه أو ولده بالهلاك ، ولو استجاب دعاءه بهذا الشر كما استجاب له بالخير لهلك .
{ وكان الإنسان عجولاً } فيه تأويلان :
أحدهما : عجولاً في الدعاء على نفسه وولده وما يخصه ، وهذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد .
الثاني : أنه عنى آدم حين نفخ فيه الروح ، حتى بلغت الى سُرّته فأراد أن ينهض عجلاً ، وهذا قول إبراهيم والضحاك .
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12)
قوله عز وجل : { وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل } فيه قولان : (2/412)
أحدهما : أنها ظلمة الليل التي لا نبصر فيها الطرقات كما لا نبصر ما محي من الكتاب ، وهذا من أحسن البلاغة ، وهو معنى قول ابن عباس .
الثاني : أنها اللطخة السوداء التي في القمر ، وهذا قول علي وقتادة ليكون ضوء القمر أقل من ضوء الشمس فيميز به الليل من النهار .
{ وجعلنا آية النهار مبصرة } فيه قولان :
أحدهما : أنها الشمس مضيئة للأبصار .
الثاني : موقظة .
وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)
قوله عز وجل : { وكل إنسان ألزمنا طائره في عنقه } فيه قولان : (2/413)
أحدهما : ألزمناه عمله من خير أو شر مثل ما كانت العرب تقوله سوانح الطير وبوارحه ، والسانح : الطائر يمر ذات اليمين وهو فأل خير ، والبارح : الطائر يمر ذات الشمال وهو فأل شر ، وأضيف إلى العنق .
الثاني : أن طائره حظه ونصيبه ، من قول العرب : طار سهم فلان إذا خرج سهمه ونصيبه منه ، قاله أبو عبيدة .
{ ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً } يعني كتاب طائره الذي في عنقه من خير أو شر .
ويحتمل نشر كتابه الذي يلقاه وجهين :
أحدهما : تعجيلاً للبشرى بالحسنة ، والتوبيخ بالسيئة .
الثاني : إظهار عمله من خير أو شر .
{ اقرأ كتابك } يحتمل وجهين :
أحدهما : لما في قراءته من زيادة التقريع والتوبيخ .
والثاني : ليكون إقراره بقراءته على نفسه .
{ كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً } فيه قولان :
أحدهما : يعني شاهداً .
والثاني : يعني حاكماً بعملك من خير أو شر . ولقد أنصفك من جعلك حسيباً على نفسك بعملك .
مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)
قوله عز وجل : { مَن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } يعني لما يحصل له من ثواب طاعته . (2/414)
{ ومَن ضلّ فإنما يضل عليها } يعني لما يحصل عليه من عقاب معصيته .
{ ولا تزر وازِرةٌ وزر أخرى } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لا يؤاخذ أحد بذنب غيره .
الثاني : لا يجوز لأحد أن يعصى لمعصية غيره .
الثالث : لا يأثم أحد بإثم غيره .
ويحتمل رابعاً : أن لا يتحمل أحد ذنب غيره ويسقط مأثمه عن فاعله .
{ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } فيه وجهان :
أحدهما : وما كنا معذبين على الشرائع الدينية حتى نبعث رسولاً مبيناً ، وهذا قول من زعم أن العقل تقدم الشرع .
الثاني : وما كنا معذبين على شيء من المعاصي حتى نبعث رسولاً داعياً ، وهذا قول من زعم أن العقل والشرع جاءا معاً .
وفي العذاب وجهان :
أحدهما : عذاب الآخرة . وهو ظاهر قول قتادة .
الثاني : عذاب بالاستئصال في الدنيا ، وهو قول مقاتل .
وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)
قوله عز وجل : { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها . . } الآية في قوله { وإذا أردنا أن نهلك قرية } ثلاثة أقاويل : (2/415)
أحدها : معناه إذا أردنا أن نحكم بهلاك قرية .
والثاني : معناه وإذا أهلكنا قرية ، وقوله { أردنا } صلة زائدة كهي في قوله تعالى : { جداراً يريد أن ينقض } [ الكهف : 77 ]
الثالث : أنه أراد بهلاك القرية فناء خيارها وبقاء شرارها .
{ أمرنا مترفيها } الذي عليه الأئمة السبعة من القراء أن أمرنا مقصور مخفف ، وفيه وجهان :
أحدهما : أمرنا متفريها بالطاعة ، لأن الله تعالى لا يأمر إلا بها ، { ففسقوا فيها } أي فعصوا بالمخالفة ، قاله ابن عباس .
الثاني : معناه : بعثنا مستكبريها ، قاله هارون ، وهي في قراءة أبيِّ : بعثنا أكابر مجرميها .
وفي قراءة ثانية { أمّرنا مترفيها } بتشديد الميم ، ومعناه جعلناهم أمراء مسلطين ، قاله أبو عثمان النهدي .
وفي قراءة ثالثة { آمَرْنا مُترفيها } ممدود ، ومعناه أكثرنا عددهم ، من قولهم آمر القوم إذا كثروا ، لأنهم مع الكثرة يحتاجون إلى أمير يأمرهم وينهاهم ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم « خير المال مهرة أو سُكة مأبورة » أي كثيرة النسل ، وقال لبيد :
إن يغبطوا يهبطوا وإن أمِروا ... يوماً يصيروا إلى الإهلاك والنكد
وهذا قول الحسن وقتادة .
وفي { مترفيها } ثلاثة تأويلات :
أحدها جباروها ، قاله السن .
الثاني : رؤساؤها ، قاله علي بن عيسى .
الثالث : فساقها ، قاله مجاهد .
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)
قوله عز وجل : { وكم أهلكنا من القرون من بعد نُوح } واختلفوا في مدة القرن على ثلاثة أقاويل : (2/416)
أحدها : أنه مائة وعشرون سنة ، قاله عبد الله بن أبي أوفى .
الثاني : أنه مائة سنة ، قاله عبد الله بن بُسْر المازني . الثالث : أنه أربعون سنة ، روى ذلك محمد بن سيرين عن النبي صلى الله عليه وسلم .
كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)
قوله عز وجل : { كُلاًّ نُمِدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربِّكَ } يعني البر والفاجر من عطاء ربك في الدنيا دون الآخرة . (2/417)
{ وما كان عطاء ربك محظوراً } فيه تأويلان :
أحدهما : منقوصاً ، قاله قتادة .
الثاني : ممنوعاً ، قاله ابن عباس .
لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22) وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)
قوله عز وجل : { وقضى ربُّك ألاّ تبعدوا إلاّ إياه } معناه وأمر ربك ، قاله ابن عباس والحسن وقتادة . وكان ابن مسعود وأبيّ بن كعب يقرآن { ووصى ربك } قاله الضحاك ، وكانت في المصحف : { ووصى ربك } لكن ألصق الكاتب الواو فصارت { وقضى ربك } . (2/418)
{ وبالوالدين أحساناً } معناه ووصى بالوالدين إحساناً ، يعني أن يحسن إليهما بالبر بهما في الفعل والقول .
{ إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما } فيه وجهان :
أحدهما : يبلغن كبرك وكما عقلك .
الثاني : يبلغان كبرهما بالضعف والهرم .
{ فلا تقل لهما أفٍّ } يعني حين ترى منهما الأذى وتميط عنهما الخلا ، وتزيل عنهما القذى فلا تضجر ، كما كانا يميطانه عنك وأنت صغير من غير ضجر .
وفي تأويل { أف } ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه كل ما غلظ من الكلام وقبح ، قاله مقاتل .
الثاني : أنه استقذار الشيء وتغير الرائحة ، قاله الكلبي .
الثالث : أنها كلمة تدل على التبرم والضجر ، خرجت مخرج الأصوات المحكية . والعرب أف وتف ، فالأف وسخ الأظفار ، والتُّف ما رفعته من الأرض بيدك من شيء حقير .
{ وقل لهما قولاً كريماً } فيه وجهان :
أحدهما : ليناً .
والآخر : حسناً . قال ابن عباس : نزلت هذه الآية والآية التي بعدها في سعد بن أبي وقاص .
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25)
قوله عز وجل : { . . . إنه كان للأوّابين غفوراً } فيهم خمسة أقاويل : (2/419)
أحدها : أنهم المحسنون ، وهذا قول قتادة .
والثاني : أنهم الذين يصلّون بين المغرب والعشاء ، وهذا قول ابن المنكدر يرفعه .
الثالث : هم الذي يصلون الضحى ، وهذا قول عون العقيلي .
والرابع : أنه الراجع عن ذنبه الذي يتوب ، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد .
والخامس : أنه الذي يتوب مرة بعد مرة ، وكلما أذنب بادر بالتوبة وهذا قول سعيد بن المسيب .
وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28)
قوله عز وجل : { وإما تعرضَنَّ عنهم ابتغاء رحمةٍ من ربّك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً } فيه تأويلان : أحدهما : معناه إذا أعرضت عمن سألك ممن تقدم ذكره لتعذره عندك { ابتغاء رحمة من ربك ترجوها } أي انتظاراً للزرق منه { فقل لهم قولاً ميسوراً } أي عِدْهم خيراً ورد عليهم رداً جميلاً ، وهذا قول الحسن ومجاهد . الثاني : معناه إذا أعرضت عمن سألك حذراً أن ينفقه في معصية فمنعته ابتغاء رحمة له فقل لهم قولاً ميسوراً ، أي ليناً سهلاً ، وهذا قول ابن زيد . (2/420)
وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30)
قوله عز وجل : { إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } أي ويقتر ويقلل . (2/421)
{ إنه كان بعباده خبيراً بصيراً } يحتمل وجهين :
أحدهما : خبيراً بمصالحهم بصيراً بأمورهم .
والثاني : خبيراً بما أضمروا بصيراً بما عملوا .
وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)
قوله عز وجل : { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاقٍ } يعني وأد البنات أحياء خيفة الفقر . (2/422)
{ نحن نرزقهم وإياكُم إنّ قتلهم كان خطئاً كبيراً }
والخِطءُ العدول عن الصواب بعمد ، والخطأ العدول عنه بسهو ، فهذا الفرق بين الخِطْءِ والخطأ ، وقد قال الشاعر :
الخِطْءُ فاحشةٌ والبِرُّ نافِلةٌ ... كعَجْوةٍ غرسَتْ في الأرض تؤتَبرُ
الثاني : أن الخطء ما كان إثماً ، والخطأ ما لا إثم فيه ، وقرأ الحسن خطاء بالمد .
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33)
قوله عز وجل : { ولا تقتلوا النفس التي حَرَّم الله إلاَّ بالحق } يعني إلا بما تستحق به القتل . (2/423)
{ ومَن قُتِل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه القود ، قاله قتادة .
الثاني : أنه الخيار بين القود أو الدية أو العفو ، وهذا قول ابن عباس والضحاك .
الثالث : فقد جعلنا لوليه سلطاناً ينصره وينصفه في حقه .
{ فلا يُسْرِف في القَتل } فيه قولان :
أحدهما : فلا يسرف القاتل الأول في القتل تعدياً وظلماً ، إن وليّ المقتول كان منصوراً ، قاله مجاهد .
الثاني : فلا يسرف وليّ المقتول في القتل .
وفي إسرافه أربعة أوجه :
أحدها : أن يقتل غير قاتله ، وهذا قول طلق بن حبيب .
الثاني : أن يمثل إذا اقتص ، قاله ابن عباس .
الثالث : أن يقتل بعد أخذ الدية ، قاله يحيى .
الرابع : أن يقتل جماعة بواحد ، قاله سعيد بن جبير وداود .
{ إنه كان منصوراً } فيه وجهان :
أحدهما : أن الولي كان منصوراً بتمكينة من القود ، قاله قتادة . الثاني : أن المقتول كان منصوراً بقتل قاتله ، قاله مجاهد .
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35)
قوله عز وجل : { ولا تقربوا مال اليتيم إلاّ بالتي هي أحسن } وإنما خص اليتيم بالذكر لأنه إلى ذلك أحوج ، والطمع في ماله أكثر . وفي قوله { إلاّ بالتي هي أحسن } قولان : (2/424)
أحدهما : حفظ أصوله وتثمير فروعه ، وهو محتمل .
الثاني : أن التي هي أحسن التجارة له بماله .
{ حتى يَبْلُغَ أَشدَّه } وفي الأشد وجهان : أحدهما : أنه القوة .
الثاني : المنتهى .
وفي زمانه ها هنا قولان :
أحدهما : ثماني عشرة سنة .
والثاني : الاحتلام مع سلامة العقل وإيناس الرشد .
{ وأوفوا بالعهد } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنها العقود التي تنعقد بين متعاقدين يلزمهم الوفاء بها ، وهذا قول أبي جعفر الطبري .
الثاني : أنه العهد في الوصية بمال اليتيم يلزم الوفاء به .
الثالث : أنه كل ما أمر الله تعالى به أو نهى فهو من العهد الذي يلزم الوفاء به .
{ إن العهد كان مسئولاً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن العهد كان مطلوباً ، قاله السدي .
الثاني : أن العهد كان مسئولا عنه الذي عهد به ، فيكون ناقض العهد هو المسئول .
الثالث : أن العهد نفسه هو المسئول بم نقِضت ، كما تُسأل الموءُودة بأي ذنب قتلت .
قوله عز وجل : { . . . وزنُوا بالقسطاس المستقيم } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه القبان . قاله الحسن .
الثاني : أنه الميزان صغر أو كبر ، وهذا قول الزجاج .
الثالث : هو العدل .
واختلف من قال بهذا على قولين :
أحدهما : أنه رومي ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه عربي مشتق من القسط ، قاله ابن درستويه .
{ ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً } فيه وجهان :
أحدهما : أحسن باطناً فيكون الخير ما ظهر ، وحسن التأويل ما بطن .
الثاني : أحسن عقابة ، تأويل الشيء عاقبته .
وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)
قوله عز وجل : { ولا تقف ما ليس لك به عِلْمٌ } فيه ثلاثة تأويلات : (2/425)
أحدها : معناه لا تقل ما ليس لك به علم فلا تقل رأيت ، ولم تر ، ولا سمعت ، ولم تسمع ، ولا علمت ولم تعلم . وهذا قول قتادة .
الثاني : معناه ولا ترم أحد بما ليس لك به علم ، وهذا قول ابن عباس . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : « نحن بني النضر كنانة لا نقْفُو أمنا ولا ننتفي من أبينا
» . الثالث : أنه من القيافة وهو اتباع الأثر ، وكأنه يتبع قفا المتقدم ، قال الشاعر :
ومِثْلُ الدُّمى شُمُّ العَرَنِينِ سَاكِنٌ ... بِهِنَّ الْحَيَاءُ لا يُشِعْنَ التَّقَافِيَا
أي التقاذف .
{ إن السمع والبصر والفؤاد كلُّ أُولئك كان عنه مسئولاً } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون الإنسان هو المسئول عن السمع والبصر والفؤاد لأنه يعمل بها إلى الطاعة والمعصية .
الثاني : أن السمع والبصر والفؤاد تُسأل عن الإنسان ليكونوا شهوداً عليه ، وله ، بما فعل من طاعة وما ارتكب من معصية ، ويجوز أن يقال أولئك لغير الناس ، كما قال جرير :
ذُمّ المنازِلِ بَعْدَ منزِلِةِ اللِّوى ... والْعَيْشَ بَعْدَ أُولَئكَ الأَيَّامِ
وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38)
قوله عز وجل : { ولا تمش في الأرض مَرَحاً } فيه خمسة أوجه : (2/426)
أحدها : أن المرح شدة الفرح بالباطل .
الثاني : أنه الخيلاء في المشي ، قاله قتادة .
الثالث : أنه البطر والأشر .
الرابع : أنه تجاوز الإنسان قدره .
الخامس : التكبر في المشي .
{ إنّك لن تخرِقَ الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً } فيه وجهان :
أحدهما : إنك لن تخرق الأرض من تحت قدمك ولن تبلغ الجبال طولاً بتطاولك زجراً له عن تجاوزه الذي لا يدرك به غرضاً .
الثاني : أنه مثل ضربه الله تعالى له ، ومعناه كما أنك لن تخرق الأرض في مشيك ، ولن تبلغ الجبال طولاً فإنك لا تبلغ ما أردت بكبرك وعجبك ، إياساً له من بلوغ إرادته .
ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (40) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (41)
قوله عز وجل : { ولقد صرفنا في هذا القرآن } فيه وجهان : (2/427)
أحدهما : كررنا في هذا القرآن من المواعظ والأمثال .
الثاني : غايرنا بين المواعظ باختلاف أنواعها .
{ ليذكروا } فيه وجهان :
أحدهما : ليذكروا الأدلة . الثاني : ليهتدوا إلى الحق .
{ وما يزيدهم الا نفوراً } فيه وجهان :
أحدهما : نفوراً عن الحق والاتباع له .
الثاني : عن النظر والاعتبار . وفي الكلام مضمر محذوف ، وتقديره ولقد صرفنا الأمثال في هذا القرآن .
قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43)
قوله عز وجل : { قل لو كان مََعَهُ آلهةٌ كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً } فيه وجهان : (2/428)
أحدهما : لطلبوا إليه طريقاً يتصلون به لأنهم شركاء؛ قاله سعيد بن جبير .
الثاني : ليتقربوا إليه لأنهم دونه ، قاله قتادة .
تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44)
قوله عز وجل : { وإن من شيءٍ إلاّ يُسَبِّحُ بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } فيه ثلاثة أقاويل : (2/429)
أحدها : وإن من شيء من الأحياء الا يسبح بحمده ، فأما ما ليس بحي فلا ، قاله الحسن .
الثاني : إن جميع المخلوقات تسبح له من حي وغير حي حتى صرير الباب ، قاله إبراهيم .
الثالث : أن تسبيح ذلك ما يظهر فيه من لطيف صنعته وبديع قدرته الذي يعجز الخلق عن مثله فيوجب ذلك على من رآه تسبيح الله وتقديسه ، كما قال الشاعر :
تُلْقِي بِتَسْبِيحَةٍ مِنْ حَيْثُما انْصَرَفَتْ ... وتَسْتَقِرُّ حَشَا الرَّائِي بإِرْعَادِ
كَأَنَّمَا خُلِقتْ مِن قِشْرِ لُؤْلُؤةٍ ... فَكُلُّ أَكْنَافِها وَجْهٌ لِمِرْصَادِ
وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46)
قوله عز وجل : { وإذا قرأت القرآن جلعنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً } فيه وجهان : (2/430)
أحدهما : أي جعلنا القرآن حجاباً ليسترك عنهم إذا قرأته .
الثاني : جعلنا القرآن حجاباً يسترهم عن سماعه إذا جهرت به . فعلى هذا فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنهم لإعراضهم عن قراءتك كمن بينك وبينهم حجاباً في عدم رؤيتك . قاله الحسن .
والثاني : أن الحجاب المستور أن طبع الله على قلوبهم حتى لا يفقهوه ، قاله قتادة .
الثالث : أنها نزلت في قوم كانوا يؤذونه في الليل إذا قرأ ، فحال الله بينه وبينهم من الأذى ، قاله الزجاج .
{ مستوراً } فيه وجهان :
أحدهما : أن الحجاب مستور عنكم لا ترونه .
الثاني : أن الحجاب ساتر عنكم ما وراءه ، ويكون مستور بمعنى ساتر ، وقيل إنها نزلت في بني عبد الدار .
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (47) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48)
قوله عز وجل : { نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى } في هذه النجوى قولان : (2/431)
أحدهما : أنه ما تشاوروا عليه في أمر النبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة .
الثاني : أن هذا في جماعة من قريش منهم الوليد بن المغيرة كانوا يتناجون بما ينفّرون به الناس عن اتباعه صلى الله عليه وسلم . قال قتادة : وكانت نجواهم أنه مجنون ، وأنه ساحر ، وأنه يأتي بأساطير الأولين .
{ إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجُلاً مسحوراً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه سحر فاختلط عليه أمره ، يقولون ذلك تنفيراً عنه .
الثاني : أن معنى مسحور مخدوع ، قاله مجاهد .
الثالث : معناه أن له سحراً ، أي رئة ، يأكل ويشرب فهو مثلكم وليس بملك ، قاله أبو عبيدة ، ومنه قول لبيد :
فَإِنْ تَسْأَلِينَا فِيمَ نَحْنُ فَإِنَّنَا ... عَصَافِيرُ مِنْ هذَا الأَنَامِ الْمُسَحَّرِ
وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (52)
قوله عز وجل : { وقالوا أئِذا كُنّا عظاماً ورفاتاً } فيه تأويلان : (2/432)
أحدهما : أن الرفات التراب ، قاله الكلبي والفراء .
الثاني : أنه ما أرفت من العظام مثل الفتات ، قاله أبو عبيدة ، قال الراجز :
صُمَّ الصَّفَا رَفَتَ عَنْهَا أَصْلُهُ ... قوله عز وجل : { قل كونوا حجارةً أو حديداً } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : معناه إن عجبتم من إنشاء الله تعالى لكم عظاماً ولحماً فكونوا أنتم حجارة أو حديداً إن قدرتم ، قاله أبو جعفر الطبري .
الثاني : معناه أنكم : لو كنتم حجارة أو حديداً لم تفوتوا الله تعالى إذا أرادكم إلا أنه أخرجه مخرج الأمر لأنه أبلغ من الإلزام ، قاله علي بن عيسى .
الثالث : معناه لو كنتم حجارة أو حديداً لأماتكم الله ثم أحياكم . { أو خَلْقاً ممّا يكبر في صدوركم } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه عنى بذلك السموات والأرض والجبال لعظمها في النفوس ، قاله مجاهد .
الثاني : أنه أراد الموت لأنه ليس شيء أكبر في نفس ابن آدم منه وقد قال أمية ابن أبي الصلت :
نادوا إلههمُ ليسرع خلقهم ... وللموت خلق للنفوس فظيعُ
وهذا قول ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص .
الثالث : أنه أراد البعث لأنه كان أكبر شيء في صدروهم قاله الكلبي .
الرابع : ما يكبر في صدوركم من جميع ما استعظمتموه من خلق الله تعالى ، فإن الله يميتكم ثم يحييكم ثم يبعثكم ، قاله قتادة . { . . . فسينغضون إليك رءُوسَهُم } قال ابن عباس وقتادة ، أي يحركون رؤوسهم استهزاء وتكذيباً ، قال الشاعر :
قلت لها صلي فقالت مِضِّ ... وحركت لي رأسها بالنغضِ
قوله عز وجل : { يَوْمَ يدعوكم فتستجيبون بحمده } في قوله تعالى يدعوكم قولان :
أحدهما : أنه نداء كلام يسمعه جميع الناس يدعوهم الله بالخروج فيه إلى أرض المحشر .
الثاني : أنها الصيحة التي يسمعونها فتكون داعية لهم إلى الاجتماع في أرض القيامة .
وفي قوله : { فتستجيبون بحمده } أربعة أوجه :
أحدها : فتستجيبون حامدين لله تعالى بألسنتكم .
الثاني : فتستجيبون على ما يقتضي حمد الله من أفعالكم .
الثالث : معناه فستقومون من قبوركم بحمد الله لا بحمد أنفسكم .
الرابع : فتستجيبون بأمره ، قاله سفيان وابن جريج .
{ وتظنون إن لبثتم إلاّ قليلاً } فيه خمس أوجه :
أحدها : إن لبثتم إلا قليلاً في الدنيا لطول لبثكم في الآخرة ، قاله الحسن .
الثاني : معناه الاحتقار لأمر الدنيا حين عاينوا يوم القيامة ، قاله قتادة .
الثالث : أنهم لما يرون من سرعة الرجوع يظنون قلة اللبث في القبور .
الرابع : أنهم بين النفختين يرفع عنهم العذاب فلا يعذبون ، وبينهما أربعون سنة فيرونها لاستراحتهم قليقلة؛ قاله الكلبي .
الخامس : أنه لقرب الوقت ، كما قال الحسن كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل .
وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53)
قوله عز وجل : { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } فيه أربعة أوجه : (2/433)
أحدها : أنه تصديق النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به .
{ إنّ الشيطان ينزغُ بينهم } في تكذيبه .
الثاني : أنه امتثال أوامر الله تعالى ونواهيه ، قاله الحسن .
الثالث : أنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الرابع : أن يرد خيراً على من شتمه .
وقيل إنها نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد شتمه رجل من بعض كفار قريش ، فهم به عمر ، فأنزل الله تعالى فيه { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن }
.
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (54) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (55)
قوله عز وجل : { إن يشاء يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم } فيه ثلاثة أوجه : (2/434)
أحدها : إن يشأ يرحمكم بالهداية أو يعذبكم بالإضلال .
الثاني : إن يشاء يرحمكم فينجيكم من أعدائكم أو يعذبكم بتسلطهم عليكم ، قاله الكلبي .
الثالث : إن يشأ يرحمكم بالتوبة أو يعذبكم بالإقامة ، قاله الحسن :
{ وما أرسلناك عليهم وكيلاً } فيه وجهان :
أحدهما : ما وكلناك أن تمنعهم من الكفر بالله سبحانه ، وتجبرهم على الإيمان به .
الثاني : ما جعلناك كفيلاً لهم تؤخذ بهم ، قاله الكلبي ، قاله الشاعر :
ذكرت أبا أرْوَى فَبِتُّ كأنني ... بِرَدِّ الأمور الماضيات وكيلُ
وكيل : أي كفيل .
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57)
قوله عز وجل : { أولئك الذين يدعون يبتغُون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقْرَبُ } الآية فيها ثلاثة أقاويل : (2/435)
أحدها : أنها نزلت في نفر من الجن كان يعبدهم قوم من الإنس ، فأسلم الجن ابتغاء الوسيلة عند ربهم ، وبقي الإنس على كفرهم؛ قاله عبد الله بن مسعود .
الثاني : أنهم الملائكة كانت تعبدهم قبائل من العرب ، وهذا مروي عن ابن مسعود أيضاً .
الثالث : هم وعيسى وأُمُّهُ ، قاله ابن عباس ومجاهد . وهم المعنيّون بقوله تعالى { قلِ ادعُوا الذين زعمتم مِن دونه }
وتفسيرها أن قوله تعالى { اولئك الذين يدعون } يحتمل وجهين :
أحدهما : يدعون الله تعالى لأنفسهم .
الثاني : يدعون عباد الله الى طاعته .
وقوله تعالى : { يبتغون إلى ربهم الوسيلة } وهي القربة ، وينبني تأويلها على احتمال الوجهين في الدعاء .
فإن قيل إنه الدعاء لأنفسهم كان معناه يتوسلون إلى الله تعالى بالدعاء إلى ما سألوا .
وإن قيل دعاء عباد الله إلى طاعته كان معناه أنهم يتوسلون لمن دعوه إلى مغفرته .
{ أيهم أقرَبُ } تأويله على الوجه الأول : أيهم أقرب في الإجابة . وتأويله على الوجه الثاني : أيهم أقرب إلى الطاعة .
{ ويرجون رحمته ويخافون عذابهُ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون هذا الرجاء والخوف في الدنيا .
الثاني : أن يكونا في الآخرة .
فإن قيل إنه في الدنيا احتمل وجهين :
أحدهما : أن رجاء الرحمة التوفيق والهداية ، وخوف العذاب شدة البلاء . وإن قيل إن ذلك في الآخرة احتمل وجهين :
أحدهما : أن رجاء الرحمة دوام النعم وخوف عذاب النار .
الثاني : أن رجاء الرحمة العفو ، وخوف العذاب مناقشة الحساب .
ويحتمل هذا الرجاء والخوف وجهين : أحدهما : أن يكون لأنفسهم إذا قيل إن أصل الدعاء كان لهم .
الثاني : لطاعة الله تعالى إذا قيل إن الدعاء كان لغيرهم . ولا يمتنع أن يكون على عمومه في أنفسهم وفيمن دعوه .
قال سهل بن عبد الله : الرجاء والخوف ميزانان على الإنسان فإذا استويا استقامت أحواله ، وإن رجح أحدهما بطل الآخر .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا » .