صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : النكت والعيون |
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)
قوله عز وجل : { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ } في قولان : (2/56)
أحدهما : إن تستنصروا الله ، فالفتح النصر ، فقد جاءكم فضل الله بنصرنا ، حكاه ابن الأنباري .
والثاني : معناه إن تستنصروا الله ، والفتح النصر ، فقد جاءكم نصر الله لنا عليكم ، وفي هذا الخطاب قولان .
أحدهما : أنه خطاب للمشركين لأنهم استنصروا يوم بدر بأن قالوا : اللهم أقطعنا للرحم وأظلمنا لصاحبه فانصره عليه ، فنصر الله تعالى نبيه والمسلمين عليهم .
ثم قال { وَإن تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيرٌ لَّكُمْ } لأن الاستنصار كان عليهم لا لهم . { وَإن تَعُودُواْ نَعُدْ } فيه وجهان :
أحدهما : وإن تعودوا إلى مثل هذا التكذيب نعد إلى مثل هذا التصديق .
والثاني : وإن تعودوا إلى مثل هذا الاستفتاح نعد إلى مثل هذا النصر .
والقول الثاني : أنه خطاب للمؤمنين نصرهم الله تعالى يوم بدر حين استنصروه { وَإن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } يعني عما فعلتموه في الأسرى والغنيمة .
{ وإن تَعودوا نعد } فيه وجهان :
أحدهما : وإن تعودوا إلى الطمع نعد إلى المؤاخذة .
الثاني : وإن تعودوا إلى مثل ما كان منكم في الأسرى والغنيمة نعد إلى الإنكار عليكم .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)
قوله عز وجل : { إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ } أما الدواب فاسم لكل ما دب على الأرض من حيوانها لدبيبه عليها مشياً ، وكان بالخيل أخص . والمراد بِشَرِّ الدواب الكفار لأنهم شر ما دبّ على الأرض من الحيوان . (2/57)
ثم قال : { الصُّمُّ } لأنهم لا يسمعون الوعظ . { الْبُكْمُ } والأبكم هو المخلوق أخرس ، وإنما وصفهم بالبكم لأنهم لا يقرون بالله تعالى ولا بلوازم طاعته .
{ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : لا يعقلون عن الله تعالى أمره ونهيه .
والثاني : لا يعتبرون اعتبار العقلاء .
قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في بني عبد الدار .
قوله عز وجل : { وَلَو عَلِمَ اللَّهُ فِيهِم خَيْراً } يحتمل وجهين :
أحدهما : اهتداء .
الثاني : إصغاء .
{ لأَسْمَعَهُمْ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدهما : لأسمعهم الحجج والمواعظ سماعَ تفهيم وتعليم ، قاله ابن جريج وابن زيد .
الثاني : لأسمعهم كلام الذين طلبوا إحياءهم من قصي بن كلاب وغيره يشهدون بنبوتك قاله بعض المتأخرين .
والثالث : لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه ، قاله الزجاج . { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَهُم مُّعْرِضُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : ولو أسمعهم الحجج والمواعظ لأعرضوا عن الإصغاء والتفهم .
والثاني : ولو أجابهم إلى ما اقترحوه لأعرضوا عن التصديق .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)
قوله عز وجل : { يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ } يعني أجيبوا الله والرسول قال كعب ابن سعد الغنوي . (2/58)
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
وإجابة الله تعالى هي طاعة أمره ، وإنما خرجت عن هذا اللفظ لأنها في مقابلة الدعاء إليها فصارت إجابة لها .
{ إذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ } فيه سبعة أقاويل :
أحدها : إذا دعاكم إلى الإيمان ، قاله السدي .
والثاني : إذا دعاكم إلى الحق ، قاله مجاهد .
والثالث : إذا دعاكم إلى ما في القرآن ، قاله قتادة .
والرابع : إذا دعاكم إلى الحرب وجهاد العدو ، قاله ابن إسحاق .
والخامس : إذا دعاكم إلى ما فيه دوام حياتكم في الآخرة ، ذكره علي بن عيسى .
والسادس : إذا دعاكم إلى ما فيه إحياء أمركم في الدنيا ، قاله الفراء .
والسابع : أنه على عموم الدعاء فيما أمرهم به .
روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أُبيّ وهو قائم يصلي فصرخ به قال : « يَاأُبيّ » قال فعجل في صلاته ، ثم جاء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مَا مَنَعَكَ إذْ دَعَوتُكَ أَنْ تُجِيبَنِي؟ » قال : يا رسول الله كنت أصلي ، فقال : « أَلَمْ تَجِدْ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ { اسْتَجِيْبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْْ } » قال بلى يا رسول الله ، لا أعود .
{ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } فيه لأهل التأويل سبعة أقاويل :
أحدها : يحول بين الكافر والإيمان ، وبين المؤمن والكفر ، قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير والضحاك .
والثاني : يحول بين المرء وعقله فلا يدري ما يعمل ، قاله مجاهد .
والثالث : يحول بين المرء وقلبه أن يقدر على إيمان أو كفر إلا بإذنه ، قاله السدي .
والرابع : معناه أنه قريب من قلبه يحول بينه وبين أن يخفى عليه شيء من سره أو جهره فصار أقرب من حبل الوريد ، وهذا تحذير شديد ، قاله قتادة .
والخامس : معناه يفرق بين المرء وقلبه بالموت فلا يقدر على استدراك فائت . ذكره علي بن عيسى .
والسادس : يحول بين المرء وما يتمناه بقلبه من البقاء وطول العمر والظفر والنصر ، حكاه ابن الأنباري .
والسابع : يحول بين المرء وما يوقعه في قلبه من رعب خوف أو قوة وأمن ، فيأمن المؤمن من خوفه ، ويخاف الكافر عذابه .
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)
قوله عز وجل : { وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً } فيها أربعة أقاويل : (2/59)
أحدها : أنه المنكر ، أمر الله تعالى المؤمنين ألا يقروه بين أظهرهم فيعمهم العذاب قاله ابن عباس .
والثاني : أنها الفتنة بالأموال والأولاد كما قال تعالى { إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُم فِتْنَةٌ } [ الأنفال : 28 ] قاله عبد الله بن مسعود .
والثالث : أن الفتنة ها هنا البلية التي يبلى الإنسان بها ، قاله الحسن .
والرابع : أنها نزلت في النكاح بغير وليّ ، قاله بشر بن الحارث .
ويحتمل خامساً : أنها إظهار البدع .
وفي قوله تعالى : { لاَ تُصِيَبنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُم خَاصَّةً } وجهان :
أحدهما : لا تصيبن الفتنة الذين ظلموا .
الثاني : لا يصيبن عقابُ الفتنة ، فتكون لأهل الجرائم عقوبة ، ولأهل الصلاح ابتلاء .
وفيه وجه ثالث : أنه دعاء للمؤمن أن لا تصيبه فتنة ، قاله الأخفش .
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)
قوله عز وجل : { وَاذْكُرُواْ إذْ أنتُم قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ } يريد بذلك قلتهم إذ كانوا بمكة وذلتهم باستضعاف قريش لهم . (2/60)
وفي هذا القول وجهان :
أحدهما : أن الله ذكّرهم بذلك نعمه عليهم .
والثاني : الإخبار بصدق وعده لهم .
{ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ } فيه قولان :
أحدهما : يعني بالناس كفار قريش ، قاله عكرمة وقتادة .
والثاني : فارس والروم ، قاله وهب بن منبه .
ثم بيّن ما أنعم به عليهم فقال { فَئَاوَاكُمْ } وفيه وجهان :
أحدهما : أي جعل لكم مأوى تسكنون فيه آمنين .
والثاني : فآواكم بالهجرة إلى المدينة ، قاله السدي .
{ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ } أي قواكم بنصره لكم على أعدائكم يوم بدر .
{ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ } يعني من الحلال ، وفيه قولان :
أحدهما : ما مكنكم فيه من الخيرات .
والثاني : ما أباحكم من الغنائم ، قاله السدي .
وقال الكلبي ومقاتل : نزلت هذه الآية في المهاجرين خاصة بعد بدر .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)
قوله عز وجل : { يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُواْ لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ } فيه قولان : (2/61)
أحدهما : لا تخونوا الله سبحانه والرسول عليه السلام كما صنع المنافقون في خيانتهم ، قاله الحسن والسدي .
والثاني : لا تخونوا الله والرسول فيما جعله لعباده من أموالكم .
ويحتمل ثالثاً : أن خيانة الله بمعصية رسوله ، وخيانة الرسول ، بمعصية كلماته .
{ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : فيما أخذتموه من الغنيمة أن تحضروه إلى المغنم .
الثاني : فيما ائتمن الله العباد عليه من الفرائض والأحكام أن تؤدوها بحقها ولا تخونوها بتركها .
والثالث : أنه على العموم في كل أمانة أن تؤدى ولا تخان .
{ وَأَنتُم تَعْلَمُونَ } فيه قولان :
أحدهما : وأنتم تعلمون أنها أمانة من غير شبهة .
والثاني : وأنتم تعلمون ما في الخيانة من المأثم بخلاف من جهل .
قال الكلبي ومقاتل : نزلت هذه الآية في أبي لُبابَة بن عبد المنذر أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة لنزلوا على حكم سعد فاستشاروه وكان قد أحرز أولاده وأمواله عندهم فأشار عليهم أن لا يفعلوا وأومأ بيده إلى حلقة أنه الذبح فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى قوله :
{ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُم فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن ما عند الله تعالى من الأجر خير من الأموال والأولاد .
والثاني : أن ما عند الله تعالى من أجر الحسنة التي يجازي عليها بعشر أمثالها أكثر من عقوبة السيئة التي لا يجازي عليها إلا بمثلها .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)
قوله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً } فيه أربعة تأويلات : (2/62)
أحدها : معنى فرقاناً أي هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل ، قاله ابن زيد وابن إسحاق .
والثاني : يعني مخرجاً في الدنيا والآخرة ، قاله مجاهد .
والثالث : يعني نجاة ، قاله السدي .
والرابع : فتحاً ونصراً ، قاله الفراء .
ويحتمل خامساً : يفرق بينكم وبين الكافر في الآخرة .
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)
قوله عز وجل { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ } وذلك أن قريشاً تآمروا في دار الندوة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمرو بن هشام : قيدوه واحبسوه في بيت نتربص به ريب المنون . وقال أبو البختري : أخرجوه عنكم على بعير مطرود تستريحوا منه ومن أذاه لكم . قال أبو جهل : ما هذا برأي ولكن اقتلوه وليجتمع عليه من كل قبيلة رجل فيضربوه بأسيافهم ضربة رجل واحد فترضى حينئذ بنو هاشم بالدية . فأوحى الله عز وجل بذلك إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فخرج إلى الغار مع أبي بكر رضي الله عنه ثم هاجر منه إلى المدينة ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة . (2/63)
فهذا بيان قوله تعالى : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ } وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : ليثبتوك في الوثاق ، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة .
والثاني : ليثبتوك في الحبس ، قاله عطاء وعبد الله بن كثير والسدي .
والثالث : معنى يثبتوك أي يخرجوك ، كما يقال قد أثبته في الحرب إذا أخرجته ، قاله بعض المتأخرين .
{ أَوْ يُخْرِجُوكَ } فيه وجهان :
أحدهما : أو يخرجوك من مكة إلى طرف من أطراف الأرض كالنفي .
والثاني : أو يخرجوك على بعير مطرود حتى تهلك ، أو يأخذك بعض العرب فتقتلك فتريحهم منك ، قاله الفراء .
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)
قوله عز وجل { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا } يحتمل وجهين : (2/64)
أحدهما : قد سمعنا هذا منكم ولا نطيعكم .
والثاني : قد سمعنا قبل هذا مثله فماذا أغناكم .
{ لَوْ نَشَآءَ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا } يحتمل وجهين :
أحدهما : مثل هذا في النظم والبيان معارضة له في الإعجاز .
والثاني : مثل هذا في الاحتجاج معارضة له في الاستدعاء إلى الكفر .
{ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ } يعني أحاديث الأولين ويحتمل وجهين :
أحدهما : أنه قصص من مضى وأخبار من تقدم .
والثاني : أنه مأخوذ عمن تقدم وليس بوحي من الله تعالى .
وقيل إن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة ، وقد قلته النبي صلى الله عليه وسلم صبراً في جملة ثلاثة من قريش : عقبه بن أبي معيط ، والمطعم بن عدي ، والنضر بن الحارث وكان أسير المقداد ، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل النضر قال المقداد : أسيري يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اللَّهُمْ أَعِنِ المِقْدَادَ » ، فقال : هذا أردت . وفيه أنزل الله تعالى الآية التي بعدها .
{ وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّْ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حَجَارَةً مِنَ السَّمَآءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } وفي هذا القول وجهان :
أحدهما : أنهم قالوا ذلك عناداً للحق وبغضاً للرسول صلى الله عليه وسلم .
والثاني : أنهم قالوا ذلك اعتقاداً أنه ليس بحق . وفيهم نزل قوله تعالى { سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } [ المعارج : 1 ] وفيهم نزل قوله تعالى : { رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا } [ ص : 16 ] . قال عطاء : لقد نزلت في النضر بضع عشرة آية من كتاب الله تعالى .
قوله عز وجل : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِم } يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه قال ذلك إكراماً لنبيه وتعظيماً لقدره أن يعذب قوماً هو بينهم . تعظيماً لحرمته .
والثاني : إرساله فيهم رحمة لهم ونعمة عليهم فلم يجز أن يعذبهم وهو فيهم حتى يستحقوا سلب النعمة بإخراجه عنهم .
{ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } فيه خمسة أقاويل :
أحدها : وما كان الله ليعذب مشركي أهل مكة وقد بقي فيهم من المسلمين قوم يستغفرون وهذا قول الضحاك وأبي مالك وعطية .
والثاني : لا يعذبهم في الدنيا وهم يستغفرون فيها فيقولون : غفرانك .
قال ابن عباس : كان المشركون بمكة يطوفون بالبيت ويقولون : لبيك لبيك لا شريك لك ، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم : « قَدْ قَدْ » فيقولون : إلا شريكاً هو لك ، تملكه وما ملك ، ويقولون غفرانك ، فأنزل الله تعالى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } قاله أبو موسى ويزيد بن رومان ومحمد بن قيس .
والثالث : أن الاستغفار في هذا الموضع الإسلام ، ومعنى الكلام : وما كان الله معذبهم وهم يسلمون ، قاله عكرمة ومجاهد .
والرابع : وما كان الله معذب من قد سبق له من الله الدخول في الإسلام ، قاله ابن عباس .
والخامس : معناه أنهم لو استغفروا لم يعذبوا استدعاء لهم إلى الاستغفار ، قاله قتادة والسدي وابن زيد .
والسادس : وما كان الله معذبهم أي مهلكهم وقد علم أن لهم أولاد وذرية يؤمنون ويستغفرون .
وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35)
قوله عز وجل { وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ البَيتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً } في المكاء قولان : (2/65)
أحدهما : أنه إدخال أصابعهم في أفواههم ، قاله مجاهد .
والثاني : هو أن يشبك بين أصابعه ويصفر في كفه بفيه فيكون المكاء هو الصفير ، ومنه قول عنترة :
وحليل غنيةٍ تركت مُجدّلا ... تمكو فريصته بشدق الأعلم
أي تصفر بالريح لما طعنته .
وأما التصدية ففيها خمسة أقاويل :
أحدهما : أنه التصفيق ، قاله ابن عباس وابن عمر والحسن ومجاهد وقتادة والسدي ومنه قول عمرو بن الإطنابة :
وظلواْ جميعاً لهم ضجة ... مكاء لدى البيت بالتصدية
والثاني : أنه الصد عن البيت الحرام ، قاله سعيد بن جبير وابن زيد .
والثالث : أن يتصدى بعضهم لبعض ليفعل مثل فعله ، ويصفر له إن غفل عنه ، قاله بعض المتأخرين .
الرابع : أنها تفعلة من صد يصد ، وهو الضجيج ، قاله أبو عبيدة . ومنه قوله تعالى : { إِذَا قَومُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ } [ الزخرف : 57 ] أي يضجون .
الخامس : أنه الصدى الذي يجيب الصائح فيرد عليه مثل قوله ، قاله ابن بحر .
فإن قيل : فلم سمَّى الله تعالى ما كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء والتصدية صلاة وليس منها؟
قيل عن ذلك جوابان :
أحدهما : أنهم كانوا يقيمون التصفيق والصفير مقام الدعاء والتسبيح فجعلوا ذلك صلاة وإن لم يكن في حكم الشرع صلاة .
والثاني : أنهم كانوا يعملون كعمل الصلاة .
{ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُم تَكْفُرُونَ } فيه قولان :
أحدهما : عذاب السيف يوم بدر ، قاله الحسن الضحاك وابن جريج وابن إسحاق .
والثاني : أنه يقال لهم في الآخرة { فَذُوقُواْ الْعَذَابَ } وفيه وجهان :
أحدهما : فالقوا .
الثاني : فجربوا .
وحكى مقاتل في نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى في المسجد الحرام قام من كفار بني عبد الدار بن قصي رجلان عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم يصفران كما يصفر المكاء والمكاء طائر ، ورجلان منهم عن يساره يصفقان بأيديهما ليخلطوا عليه صلاته وقراءته ، فنزلت هذه الآية فيهم .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37)
قوله عز وجل { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ } فيه قولان : (2/66)
أحدهما : أنها نفقة قريش في قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، قاله الضحاك . والثاني : أنه أبو سفيان استأجر معه يوم أُحد ألفين من الأحابيش ومنه كنانة ليقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سوى من انحاز إليه من العرب ، قاله سعيد ومجاهد والحكم بن عيينة ، وفي ذلك يقول كعب بن مالك :
وجئنا إلى موج من البحر وسطه ... أحابيش منهم حاسرٌ ومقنع
ثلاثة آلافٍ ونحن نَصِيَّة ... ثلاثُ مئينٍ إن كثرنا فأربع
{ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيهِم حَسْرَةً } يحتمل وجهين :
أحدهما : يكون إنفاقها عليهم حسرة وأسفاً عليها .
والثاني : تكون خيبتهم فيما أملوه من الظفر عليهم حسرة تحذرهم بعدها .
{ ثُمَّ يُغْلَبُونَ } وعد بالنصر فحقق وعده .
قوله عز وجل { لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ } فيه وجهان :
أحدهما : الحلال من الحرام .
الثاني : الخبيث ما لم تخرج منه حقوق الله تعالى ، والطيب : ما أخرجت منه حقوق الله تعالى .
يحتمل ثالثاً : أن الخبيث : ما أنفق في المعاصي ، والطيب : ما أنفق في الطاعات .
{ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ } أي يجمعه في الآخرة وإن تفرق في الدنيا { فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً } أي يجعل بعضه فوق بعض ، ومنه قوله تعالى : { ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً } [ النور : 43 ] .
وفي قوله تعالى { فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ } وإن كانت الأموال لا تعذّب وجهان :
أحدهما : أن يجعلها عذاباً في النار يعذبون بها ، كما قال تعالى : { يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ } [ التوبة : 35 ] الآية .
الثاني : أنه يجعل أموالهم معهم في جهنم لأنهم استطالوا بها وتقووا على معاصي الله فجعلها معهم في الذل والعذاب كما كانت لهم في الدنيا عزاً ونعيماً .
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)
قوله عز وجل { قَل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يَغْفِرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ } يحتمل وجيهن : (2/67)
أحدهما : إن ينتهوا عن المحاربة إلى الموادعة يغفر لهم ما قد سلف من المؤاخذة والمعاقبة .
والثاني : إن ينتهوا عن الكفر بالإسلام يغفر لهم ما قد سلف من الآثام .
{ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأُوَّلِينَ } تأويله على احتمال الوجهين الأولين :
فعلى الوجه الأول : تأويله : وإن يعودواْ إلى المحاربة فقد مضت سنة الأولين فيمن قتل يوم بدر وأسر ، قاله الحسن ومجاهد والسدي .
وعلى الوجه الثاني : فقد مضت سنة الأولين من الأمم السالفة فيما أخذهم الله به في الدنيا من عذاب الاستئصال .
قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في أهل مكة بعد أن دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وقال لهم : « ما ظَنُّكُم بِي وَمَا الَّذِي تَرَونَ أَنِّي صَانِعُ بِكُم؟ » قالوا : ابن عم كريم فإن تعف فذاك الظن بك وإن تنتقم فقد أسأنا ، فقال صلى الله عليه وسلم : « أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لإخْوَتِهِ : { لاَ تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } » [ يوسف : 92 ] فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)
قوله عز وجل : { وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } ذكر الله تعالى الفيء في سورة الحشر والغنيمة في هذه السورة . (2/68)
واختلفوا في الفيء والغنيمة على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الغنيمة ما ظهر عليه من أموال المشركين والفيء ما ظهر عليه من الأرض ، قاله عطاء بن السائب .
والثاني : أن الغنيمة ما أخذ عنوة ، والفيء ما أخذ عن صلح ، قاله الشافعي وسفيان الثوري .
والثالث : أن الفيء والغنيمة سواء وهو كل مال أخذ من المشركين ، وآية الفيء التي هي في سور الحشر منسوخة بآية الغنيمة التي في سورة الأنفال ، قاله قتادة .
وقوله تعالى { مِّن شَيْءٍ } يريد جميع ما وقع عليه اسم شيء مباح حواه المسلمون من أموال المشركين .
{ فإن لِلَه خُمُسَهُ }
أحدهما : أنه استفتاح كلام ، فلله الدنيا والآخرة وما فيهما ، ومعنى الكلام فأن للرسول خمسه ، قاله الحسن وعطاء وقتادة وإبراهيم والشافعي ، وروى نهشل عن الضحاك عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرّية فغنموا خمّس الغنيمة فصرف ذلك الخمس في خمسة ثم قرأ { وَاعلَمُواْ أَنَّمَا مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } وإنما قوله { فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسهُ } مفتاح كلام ، ولله ما في السموات وما في الأرض فجعل سهم الله وسهم الرسول واحد .
والثاني : أن سهم الله مستحق لبيته ، ومعناه فإن لبيت الله خمسه وللرسول وقد روى الربيع بن أنس عن أبي العالية الرياحي قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة تكون أربعة أخماس لمن شهدها ، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة وهو سهم الله ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم فيكون سهم للرسول ، وسهم لذي القربى ، وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل .
وقوله تعالى { وَلِلرَّسُولِ } فيه قولان :
أحدهما : أنه مفتاح كلام اقترن بذكر الله وليس للرسول من ذلك شيء كما لم يكن لله من ذلك شيء ، وأن الخمس مقسوم على أربعة أسهم ، وهذا قول ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة .
والثاني : أن ذلك للرسول وهو قول الجمهور .
واختلفوا في سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على خمسة أقاويل :
أحدها : أنه للخليفة بعده ، قاله قتادة .
والثاني : أنه لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم إرثاً ، وهذا قول من جعل النبي موروثاً .
والثالث : أن سهم الرسول صلى الله عليه وسلم مردود على السهام الباقية ويقسم الخمس على أربعة .
والرابع : أنه مصروف في مصالح المسلمين العامة ، قاله الشافعي . والخامس : أن ذلك مصروف في الكراع والسلاح ، وروي أن ذلك فعل أبي بكر وعمر ، رواه النخعي .
أما قوله تعالى { وَلِذِي الْقُرْبَى } فاختلف فيه على ثلاثة أقاويل : أحدها : أنهم بنو هاشم ، قاله مجاهد . (2/69)
والثاني : أنهم قريش كلها ، روى سعيد المقري قال : كتب نجدة إلى عبد الله بن عباس يسأله عن ذي القربى ، قال : فكتب إليه عبد الله بن عباس : كنا نقول إننا هم فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا : قريش كلها ذوو قربى .
الثالث : أنهم بنو هاشم وبنو المطلب ، قاله الشافعي والطبري .
واختلفوا في سهمهم اليوم على أربعة أقاويل :
أحدها : أنه لهم أبداً كما كان لهم من قبل ، قاله الشافعي .
والثاني : أنه لقرابة الخليفة القائم بأمور الأمة .
والثالث : أنه إلى الإمام يضعه حيث شاء .
والرابع : أن سهمهم وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مردود على باقي السهام وهي ثلاثة ، قاله أبو حنيفة .
وأما { وَالْيَتَامَى } فهم من اجتمعت فيهم أربعة شروط :
أحدها : موت الأب وإن كانت الأم باقية ، لأن يتم الآدميين بموت الآباء دون الأمهات ويتم البهائم بموت الأمهات دون الآباء . والثاني : الصغر ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لاَ يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ
» . والثالث : الإٍسلام لأنه مال المسلمين .
والرابع : الحاجة لأنه معد للمصالح .
ثم فيهم قولان :
أحدهما : أنه لأيتام أهل الفيء خاصة .
والثاني : أنه لجميع الأيتام .
وأما { الْمَسَاكِينِ } فهم الذين لا يجدون ما يكفيهم .
وأما أبناء السبيل فهم المسافرون من ذوي الحاجات ، والإٍسلام فيهم معتبر . وهل يختص بأله الفيء؟ على القولين . وقال مالك : الخمس موقوف على رأي الإمام فيمن يراه أحق به ، وإنما ذكرت هذه الأصناف لصدق حاجتها في وقتها .
قوله عز وجل { وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَومَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ } وهو يوم بدر فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل .
إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)
قوله عز وجل : { إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا } يعني شفير الوادي ببدر ، الأدنى إلى المدينة . (2/70)
{ وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى } يعني شفير الوادي الأقصى إلى مكة .
وقال الأخفش : عدوه الوادي هو ملطاط شفيره الذي هو أعلى من أسفله ، وأسفل من أعلاه .
{ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ } يعني عير أبي سفيان أسفل الوادي ، قال الكلبي : على شاطىء البحر بثلاثة أميال .
{ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتََلْفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : ولو تواعدتم أن تتفقوا مجتمعين لاختلفتم في الميعاد ، بالتقديم والتأخير والزيادة والنقصان من غير قصد لذلك .
والثاني : ولو تواعدتم ثم بلغكم كثرة عدوكم مع قلة عددكم لتأخرتم فنقضتم الميعاد ، قاله ابن إٍسحاق .
والثالث : ولو تواعدتم ثم بلغكم كثرة عدوكم من غير معونة الله لكم لأخلفتم بالقواطع والعوائق في الميعاد .
قوله عز وجل { . . . لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } فيه وجهان :
أحدهما : ليقتل ببدر من قتل من مشركي قريش عن حجة ، وليبقى من بقي عن قدرة .
والثاني : ليكفر من قريش من كفر بعد الحجة ببيان ما وعدوا ، ويؤمن من آمن بعد العلم بصحة إيمانهم .
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)
قوله عز وجل : { إذْ يُرِيكُهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً } فيه وجهان : (2/71)
أحدهما : أن الله أرى نبيه صلى الله عليه وسلم قلة المشركين عياناً ، وقوله { فِي مَنَامِكَ } يريد في عينيك التي هي محل النوم ، قاله الحسن .
والثاني : أنه ألقى عليه النوم وأراه قلتهم في نومه ، وهو الظاهر ، وعليه الجمهور .
وإنما أراه ذلك على خلاف ما هو به لطفاً أنعم به عليه وعلى أمته ، ليكون أثبت لقلوبهم وأقدم لهم على لقاء عدوهم ، ولولا ذلك لما جازت هذه الحالة من الله تعالى في نبيه صلى الله عليه وسلم .
{ وَلَوْ أَرَاكَهُمُ كَثِيراً لَّفِشِلْتُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : لاختلفتم في لقائهم أو الكف عنهم .
والثاني : لجبنتم عنهم وانهزمتم منهم .
{ . . . وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : سلّم من الفشل .
والثاني : لجبنتم عنهم وانهزمتم منهم ولكن الله سلم من العدو .
وفيه ثالث : ولكن الله سلم أمره فيهم حتى نفذ ما حكم فيهم به من هلاكهم .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)
قوله عز وجل { . . . وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ } والفشل هو التقاعد عن القتال جبناً . (2/72)
{ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يريد بالريح القوة ، وضرب الريح لها مثلاً .
والثاني : يريد بالريح الدولة . ومعناه فتذهب دولتكم ، قاله أبو عبيدة .
والثالث : يريد ريح النصر التي يرسلها الله عز وجل لنصر أوليائه وهلاك أعدائه قاله قتادة وابن زيد .
ويحتمل رابعاً ، أن الريح الهيبة ، وريح القوم هيبتهم التي تتقدمهم كتقدم الريح . ويكون معنى الكلام . فتذهب ريحكم وهيبتكم .
وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)
{ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ النَّاسِ } هم قريش حين خرجوا في حماية العير فنجا بها أبو سفيان ، فقال لهم أبو جهل : لا نرجع حتى نرِد بدراً وننحر جزوراً ونشرب خمراً وتعزف علينا القيان ، فكان من أمر الله فيهم ما كان . (2/73)
قوله عز وجل { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالَهُمْ } قال المفسرون : ظهر لهم في صورة سراقة بن جعشم من بني كنانة فزين للمشركين أعمالهم .
يحتمل وجهين :
أحدهما : زين لهم شركهم .
والثاني : زين لهم قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفيه وجه ثالث : أنه زين لهم قوتهم حتى اعتمدوها .
{ وَقَالَ : لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ } يعني أنكم الغالبون دون المؤمنين .
{ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : يعني أني معكم . وفي جواركم ينالني ما نالكم .
الثاني : مجير لكم وناصر . فيكون على الوجه الأول من الجوار ، وعلى الوجه الثاني من الإجارة .
{ فَلَمَّا تَرَآءَتِ الْفِئَتَانِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : فئة المسلمين وفئة المشركين .
والثاني : المسلمون ومن أمدوا به من الملائكة . فكانوا فئتين .
{ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ } والنكوص أن يهرب ذليلاً خازياً ، قال الشاعر :
وما ينفعل المستأخرين نكوصهم ... ولا ضَرّ أهل السابقات التقدم .
{ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ } يعني من الملائكة الذين أمد الله بهم رسوله والمؤمنين .
{ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ } وإنما ذكر خوفه من الله تعالى في هذا الموضع ولم يذكره في امتناعه من السجود لآدم لأنه قد كان سأل الإنظار إلى قيام الساعة فلما رأى نزول الملائكة ببدر تصور قيام الساعة فخاف فقال { إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .
قوله عز وجل { إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } فيهم ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم قوم في قلوبهم شك كانوا تكلموا بالإسلام وهم بمكة ، قاله ابن عباس ومجاهد .
والثاني : أنهم المشركون ، قاله الحسن .
والثالث : أنهم قوم مرتابون لم يظهروا العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم بخلاف المنافقين .
والمرض في القلب كله هو الشك ، وهو مشهور في كلام العرب ، قال الشاعر :
ولا مرضاً أتقيه إني لصائن ... لعرضي ولي في الأليّة مفخر
وقوله تعالى { غَرَّ هَؤُلآءِ } يعني المسلمين .
{ دينُهُمْ } يعني الإسلام ، لأن الله تعالى قلل المشركين في أعين المسلمين ليتقدموا عليهم ، وقلَّل المسلمين في أعين المشركين ليستهينوا بهم حتى أظفر بهم المسلمين فقتلوا من قتلوا وأسروا من أسروا .
وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51)
قوله عز وجل { وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وَجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } فيه قولان : (2/74)
أحدهما : يتوفاهم ملك الموت عند قبض أرواحهم ، قاله مقاتل .
والثاني : قتل الملائكة لهم حين قاتلوهم يوم بدر .
{ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدبَارَهُمْ } تأويله على القول الأول : يضربون وجوههم يوم القيامة إذا واجهوهم ، وأدبارهم إذا ساقوهم إلى النار .
وتأويله على القول الثاني يحتمل وجهين :
أحدهما : يضربون وجوههم ببدر لما قاتلوا ، وأدبارهم لما انهزموا .
والثاني : أنهم جاءوهم من أمامهم وورائهم ، فمن كان من أمامهم ضرب وجوههم ، ومن كان من ورائهم ضرب أدبارهم .
كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54)
قوله عز وجل { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } يحتمل خمسة أوجه : (2/75)
أحدها : لم يك مغيراً نعمة أنعمها عليهم بالنصر لهم على أعدائهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من الثقة به والتوكل عليه .
والثاني : لم يك مغيراً نعمته عليهم في كف أعدائهم عنهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعته والكف عن معصيته .
والثالث : لم يك مغيراً نعمته عليهم في الغنى والسعة حتى يغيروا ما بأنفسهم . من تأدية حق الله تعالى منه .
والرابع : لم يك مغيراً نعمته في الثواب والجزاء حتى يغيروا ما بأنفسهم من الإيمان .
والخامس : لم يك مغيراً نعمته عليهم في الإرشاد حتى يغيروا ما بأنفسهم من الانقياد .
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57)
قوله عز وجل : { فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ } فيه وجهان : (2/76)
أحدهما : تصادفهم .
والثاني : تظفر بهم .
{ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنذر بهم من خلفهم ، قال الشاعر من هذيل :
أطوِّف في الأباطح كلَّ يوم ... مخافة أن يشرِّد بي حكيم .
وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58)
قوله عز وجل { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً } يعني في نقض العهد . (2/77)
{ فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ } أي فألق إليهم عهدهم حتى لا ينسبوك إلى الغّدر . بهم . والنبذ هو الإلقاء . قال الشاعر :
فهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي
وفي قوله تعالى { عَلَى سَوَآءٍ } خمسة أوجه :
أحدها : على مهل ، قال الوليد بن مسلم .
والثاني : على محاجزة مما يفعل بهم ، قاله ابن بحر .
والثالث : على سواء في العلم حتى لا يسبقوك إلى فعل ما يريدونه بك .
والرابع : على عدل من غير حيف ، واستشهد بقول الراجز :
فاضرب وجوه الغد والأعداء ... حتى يجيبوك إلى السواء
أي إلى العدل .
والخامس : على الوسط واستشهد قائله بقول حسان :
يا ويح أنصار النبي ورهطه ... بعد المغيب في سواء الملحد
وذكر مجاهد أنها نزلت في بني قريظة .
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)
قوله عز وجل { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ } فيه خمسة أقاويل : (2/78)
أحدها : أن القوة ذكور الخيل ، ورباط الخيل إناثها ، وهذا قول عكرمة .
والثاني : القوة السلاح ، قاله الكلبي .
والثالث : القوة التصافي واتفاق الكلمة .
والرابع : القوة الثقة بالله تعالى والرغبة إليه .
والخامس : القوة الرمي . روى يزيد بن أبي حبيب عن أبي عليّ الهمزاني عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر : « { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قوة } أَلاَ إِنَّ القُوةَ الرميُ » قالها ثلاثاً .
{ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ } على قول عكرمة إناثها خاصة ، وعلى قول الجمهور على العموم الذكور والإناث .
وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ارتبطوا الخيل فَإِنَّ ظُهُورَهَا لَكُم عِزٌّ ، وَأَجْوَافَهَا لَكُم كَنزٌ » . { تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : عدو الله بالكفر وعدوكم بالمباينة .
والثاني : عدو الله هو عدوكم لأن عدو الله عدو لأوليائه . والإرهاب : التخويف .
{ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ } فيه خمسة أقاويل :
أحدها : هم بنو قريظة ، قاله مجاهد .
والثاني : أهل فارس والروم قاله السدي .
والثالث : المنافقون؛ قاله الحسن وابن زيد .
والرابع : الشياطين ، قاله معاذ بن جبل .
والخامس : كل من لا تعرفون عداوته ، قاله بعض المتأخرين .
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)
قوله عز وجل { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } فيه ثلاثة أوجه : (2/79)
أحدها : وإن مالوا إلى الموادعة فَمِلْ إليها .
والثاني : وإن توقفوا عن الحرب مسالمة لك فتوقف عنهم مسالمة لهم .
والثالث : وإن أظهروا الإسلام فاقبل منهم ظاهر إسلامهم وإن تخلف باطن اعتقادهم .
وفيه ثلاثة أقاويل : أحدها : أنها عامة في موادعة كل من سألها من المشركين ثم نسخت بقوله تعالى { فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُم } [ التوبة : 5 ] قاله الحسن وقتادة وابن زيد .
والثاني : أنها في أهل الكتاب خاصة إذا بذلوا الجزية .
والثالث : أنها في قوم معينين سألوا الموادعة فأمر بإجابتهم .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)
قوله عز وجل { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } فيه وجهان : (2/80)
أحدهما : حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين الله ، قاله الكلبي ومقاتل .
والثاني : حسبك الله أن تتوكل عليه والمؤمنون أن تقاتل بهم .
قال الكلبي : نزلت هذه الآية بالبيداء من غزوة بدر قبل القتال .
قوله عز وجل { يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرَّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ وَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُواْ أَلفاً } يعين يقاتلوا ألفاً قال مجاهد : وهذا يوم بدر جعل على كل رجل من المسلمين قتال عشرة من المشركين فشق ذلك عليهم فنسخ بقوله تعالى : { الأَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُم } .
وقال ابن بحر : معناه أن الله تعالى ينصر كل رجل من المسلمين على عشرة من المشركين ، وقد مضى تفسير هاتين الآيتين من قبل .
مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69)
قوله عز وجل { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ } وهذا نزل في أسرى بدر حين استقر رأي النبي صلى الله عليه وسلم فيهم بعد مشاورة أصحابه على الفداء بالمال ، كل أسير بأربعة آلاف درهم ، فأنكر الله تعالى ذلك عليه وأنه ما كان له أن يفادي الأسرى . (2/81)
{ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ } فيه وجهان :
أحدهما هو الغلبة والاستيلاء ، قاله السدي .
والثاني : هو كثرة القتل ليُعزَّ به المسلمون ويذل به المشركين . قاله مجاهد .
{ يُرِيدُونَ عَرَضَ الْدُّنْيَا } يعني المال ، سماه عرضاً لقلة بقائه .
{ وَاللَّهُ يُرِيدُ الأَخِرَةَ } يعني العمل بما يوجب ثواب الآخرة .
{ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } يعني ما أخذتموه من المال في فداء أسرى بدر .
وفي قوله { لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ } أربعة أقاويل :
أحدها : لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر أن يعذبهم لمسهم فيما أخذوه من فداء أسرى بدر عذاب عظيم ، قاله مجاهد وسعيد بن جبير .
والثاني : لولا كتاب من الله سبق في أنه سيحل لكم الغنائم لمسكم في تعجلها من أهل بدر عذاب عظيم ، قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وعبيدة .
والثالث : لولا كتاب من الله سبق أن لا يؤاخذ أحداً بعمل أتاه على جهالة لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ، قاله ابن اسحاق .
والرابع : لولا كتاب من الله سبق وهو القرآن الذي آمنتم به المقتضي غفران الصغائر لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم شاور أبا بكر وعمر في أسرى بدر فقال أبو بكر : هم قومك وعشيرتك فاستبقهم لعل الله أن يهديهم ، وقال عمر : هم أعداء الله وأعداء رسوله كذبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم ، فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعد انصرافه عنهم إلى قول أبي بكر وأخذ فدء الأسرى ليتقوى به المسلمون ، وقال : « أَنتُم عَالَةٌ بعيني المُهَاجِرِينَ » فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : « لَو عُذِّبْنَا فِي هَذَا الأمْرِ يَا عُمَرُ لَمَا نَجَا غَيْرُكَ » ثم إن الله تعالى بيَّن تحليل الغنائم والفداء بقوله { فَكُلُوْا مِمَّا غَنِمْتُمْ حََلاَلاً طَيِّباً } .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71)
قوله عز وجل { يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِّمَن فِي أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مَِّمَّآ أُخِذَ مِنْكُمْ } يحتمل وجهين : (2/82)
أحدهما : أحل مما أخذ منكم .
الثاني : أكثر مما أخذ منكم .
قيل إن هذه الآية نزلت لما أسر العباس بن عبد المطلب مع أسرى بدر وأخذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فداء نفسه وابني أخويه عقيل ونوفل فقال : يا رسول الله كنت مسلماً وأخرجت مكرهاً ولقد تركتني فقيراً أتكفف الناس . قال : « فَأَيْنَ الأَمْوَالُ الَّتِي دَفَعْتَهَا إِلَى أُمِّ الْفَضْلِ عِنْدَ خُرُوجِكَ » فقال : إن الله لزيدنا ثقة بنبوتك . قال العباس . فصدق الله وعده فيما آتاني وإن لي لعشرين مملوكاً كل مملوك يضرب بعشرين الفاً في التجارة فقد أعطاني الله عز وجل خيراً مما أخذ مني يوم بدر .
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72)
قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ } يعني بالله . (2/83)
{ وَهَاجَرُواْ } يعني هاجروا وتركوا ديارهم في طاعة الله .
{ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِم وَأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } والمجاهدة بالمال : النفقة ، والمجاهدة بالنفس القتال ، وهؤلاء هم المهاجرون مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة .
ثم قال { وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ } يعني الأنصار الذين آووا المهاجرين في منازلهم ونصروا النبي صلى الله عليه وسلم ونصروهم .
{ أَوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } فيه تأويلان :
أحدهما : أولئك بعضهم أعوان بعض ، قاله الجمهور . والثاني : أولئك بعضهم أولى بميراث بعض . قال ابن عباس : جعل الله تعالى الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام .
ثم قال تعالى { وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ } يعني ما لكم من ميراثهم من شيء حتى يهاجروا فكانوا يعلمون ذلك حتى أنزل الله تعالى { وَأُولُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُم أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كَتَابِ اللَّهِ } يعني في الميراث فنسخت التي قبلها وصار التوارث لذوي الأرحام ، قاله مجاهد وعكرمة والحسن والسدي .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)
قوله عز وجل { وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } فيه وجهان : (2/84)
أحدهما : بعضهم أنصار بعض ، قاله قتادة وابن إسحاق .
والثاني : بعضهم وارث بعض ، قاله ابن عباس وأبو مالك .
{ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ . . . } فيه تأويلان :
أحدهما : إلاَّ تناصروا أيها المؤمنون { تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ } يعني بغلبة الكفار .
{ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } بضعف الإيمان ، قاله ابن اسحاق وابن جرير .
والثاني : إلاّ تتوارثوا بالإسلام والهجرة { تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ } باختلاف الكلمة . { وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } بتقوية الخارج على الجماعة ، قاله ابن عباس وابن زيد والله أعلم . { وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّاً لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 74 ) والَّذِينَ ءَامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ( 75 ) }
بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2)
قوله عز وجل { بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ } في ترك افتتاح هذه السورة ب { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } قولان : (2/85)
أحدهما : أنها والأنفال كالسورة الواحدة في المقصود لأن الأولى في ذكر العهود ،
والثانية في رفع العهود ، وهذا قول أُبي بن كعب قال ابن عباس : وكانتا تدعيان القرينتين ، ولذلك وضعتا في السبع الطول .
وحكاه عن عثمان بن عفان .
الثاني : أن { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } أمان ، وبراءة نزلت برفع الأمان ، وهذا قول ابن عباس ، ونزلت سنة تسع فأنفذها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليقرأها في الموسم بعد توجه أبي بكر رضي الله عنه إلى الحج ، وكان أبو بكر صاحب الموسم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم « لا يُبِلِّغُ عَنِّي إِلاَّ رَجُلٌ مِنِّي » حكى ذلك الحسن وقتادة ومجاهد .
وحكى الكلبي أن الذي أنفذه رسول الله صلى لله عليه وسلم من سورة التوبة عشر آيات من أولها .
حكى مقاتل أنها تسع آيات تقرأ في الموسم ، فقرأها علي رضي الله عنه في يوم النحر على جمرة العقبة .
وفي قوله تعالى { بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } وجهان :
أحدهما : أنها انقطاع العصمة منهما .
والثاني : أنها انقضاء عهدهما .
ثم قال تعالى { فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } وهذا أمان . وفي قوله { فَسِيُحواْ فِي الأَرْضِ } وجهان :
أحدهما : انصرفوا فيها إلى معايشكم .
والثاني : سافروا فيها حيث أردتم .
وفي السياحة وجهان :
أحدهما : أنها السير على مهل .
والثاني : أنها البعد على وجل .
واختلفوا فيمن جعل له أمان هذه الأربعة الأشهر على أربعة أقاويل :
أحدها : أن الله تعالى جعلها أجلاً لمن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمنه أقل من أربعة أشهر ولمن كان أجل أمانه غير محدود ثم هو بعد الأربعة حرب ، فأما من لا أمان له فهو حرب ، قاله ابن إٍسحاق .
والثاني : أن الأربعة الأشهر أمان أصحاب العهد من كان عهده أكثر منها حط إليها ، ومن كان عهده أقل منها إليها ، ومن لم يكن له من رسول الله عهد جعل له أمان خمسين ليلة من يوم النحر إلى سلخ المحرم لقوله تعالى { فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } قاله ابن عباس والضحاك وقتادة .
والثالث : أن الأربعة الأشهر عهد المشركين كافة ، المعاهد منهم وغير المعاهد ، قاله الزهري ومحمد بن كعب ومجاهد .
والرابع : أن الأربعة ألاشهر عهد وأمان لمن لم يكن له من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ولا أمان ، أما أصحاب العهود فهم على عهودهم إلى انقضاء مددهم ، قاله الكلبي . واختلفوا في أول مَدَى الأربعة الأشهر على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن أولها يوم يوم الحج الأكبر وهو يوم النحر ، وآخرها انقضاء العاشر من شهر ربيع الآخر ، قاله محمد بن كعب ومجاهد والسدي . (2/86)
والثاني : أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، قاله الزهري .
والثالث : أن أولها يوم العشرين من ذي القعدة ، وآخرها يوم العشرين من شهر ربيع الأول ، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك اليوم ثم صار في السنة الثانية في العشر من ذي الحجة وفيها حجة الوداع ، لأجل ما كانوا عليه في الجاهلية من النسىء ، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم فيه حتى نزل تحريم النسىء وقال : « إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ
» { وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ } أي لا تعجزونه هرباً ولا تفوتونه طلباً .
{ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الكَافِرِينَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : بالسيف لمن حارب والجزية لمن استأمن .
والثاني : في الآخرة بالنار .
وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3)
قوله عز وجل { وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ } في الأذان ها هنا ثلاثة أقاويل : (2/87)
أحدها : أنه القصص ، وهذا قول تفرد به سليمان بن موسى النشابي .
والثاني : أنه النداء بالأمر الذي يسمع بالأذن ، حكاه علي بن عيسى .
الثالث : أنه الإعلام ، وهذا قول الكافة .
وفي { يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ } ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه يوم عرفة ، قاله عمر بن الخطاب وابن المسيب وعطاء . وروى ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم عرفة وقال : « هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ » والثاني : أنه يوم النحر ، قاله عبد الله بن أبي أوفى والمغيرة بن شعبه وسعيد بن جبير والشعبي والنخعي .
وروي مرة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : خطبنا رسول الله صلى عليه وسلم على ناقته الحمراء وقال « أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا؟ يَوْمُ النَّحْرِ وَهَذَا يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ » . والثالث : أنها أيام الحج كلها ، فعبر عن الأيام باليوم ، قاله مجاهد وسفيان ، قال سفيان : كما يقال يوم الجمل ويوم صفين ، أي أيامه كلها .
أحدها : أنه سمي بذلك لأنه كان في سنة اجتمع فيها حج المسلمين والمشركين ، ووافق أيضاً عيد اليهود والنصارى ، قاله الحسن .
والثاني : أن الحج الأكبر القِران ، والأصغر الإفراد ، قاله مجاهد .
والثالث : أن الحج الأكبر هو الحج ، والأصغر هو العمرة ، قاله عطاء والشعبي .
إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)
قوله عز وجل { فَإِذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ } الآية . في الأشهر الحرم قولان : (2/88)
أحدهما : أنها رجب وذو العقدة وذو الحجة والمحرم ، ثلاثة سرد وواحد فرد ، وهذا رأي الجمهور .
والثاني : أنها الأربعة الأشهر التي جعلها الله تعالى أن يسيحوا فيها آمنين وهي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع عشر من شهر ربيع الآخر ، قاله الحسن .
{ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } فيه قولان :
أحدهما : في حل أو حرم .
والثاني : في الأشهر الحرم وفي غيرها . والقتل وإن كان بلفظ الأمر فهو على وجه التخيير لوروده بعد حظر اعتباراً بالأصلح .
{ وَخُذُوهُم } فيه وجهان :
أحدهما : على التقديم والتأخير ، وتقديره فخذوا المشركين حيث وجدتموهم واقتلوهم .
والثاني : أنه على سياقه من غير تقديم ولا تأخير ، وتقديره : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم .
{ وَاحْصُرُوهُم } على وجه التخيير في اعتبار الأصلح من الأمرين .
وفي قوله { وَاحْصُرُوهُم } وجهان :
أحدهما : أنه استرقاقهم .
والثاني : أنه الفداء بمال أو شراء .
{ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } فيه وجهان :
أحدهما : أن يطلبوا في كل مكان فيكون القتل إذا وجدوا ، والطلب إذا بعدوا .
والثاني : أن يفعل بهم كل ما أرصده الله تعالى لهم فيما حكم به تعالى عليهم من قتل أو استرقاق أو مفاداة أو منٍّ ليعتبر فيها فعل الأَصلح منها .
ثم قال تعالى { فَإِن تَابُواْ } أي أسلموا ، لأن التوبة من الكفر تكون بالإسلام .
{ وَأَقَامُواْ الْصَلاَةَ } فيه وجهان :
أحدهما : أي اعترفوا بإقامتها ، وهو مقتضى قول أبي حنيفة ، لأنه لا يقتل تارك الصلاة إذا اعترف بها .
الثاني : أنه أراد فعل الصلاة ، وهو مقتضى قول مالك والشافعي ، لأنهما يقتلان تارك الصلاة وإن اعترف بها .
{ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ } يعني اعترفوا بها على الوجهين معاً ، لأن تارك الزكاة لا يقتل مع الاعتراف بها وتؤخذ من ماله جبراً ، وهذا إجماع .
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6)
قوله عز وجل { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ . . . } الآية : وفي كلام الله وجهان أي إن استأمنك فأمِّنه . (2/89)
أحدهما : أنه عني سورة براءة خاصة ليعلم ما فيها من حكم المقيم على العهد . وحكم الناقض له والسيرة في المشركين والفرق بينهم وبين المنافقين .
الثاني : يعني القرآن كله ، ليهتدي به من ضلاله ويرجع به عن كفره .
{ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ } يعني إن أقام على الشرك وانقضت مدة الأمان .
{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : الرشد من الغيّ .
والثاني : استباحة رقابهم عند انقضاء مدة أمانهم .
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7)
قوله عز وجل { كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِيْنَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ . . . } الآية . يحتمل وجهين : (2/90)
أحدهما : إذا لم يعطوا أماناً .
الثاني : إذا غدروا وقاتلوا .
وفي قوله { إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } أربعة أقاويل :
أحدها : أنهم قوم من بني بكر بن كنانة ، قاله ابن إٍسحاق .
والثاني : أنهم قريش ، وهو قول ابن عباس .
والثالث : خزاعة ، قاله مجاهد .
والرابع : بنو ضمرة ، قاله الكلبي .
{ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ } يعني فما أقاموا على الوفاء بالعهد فأقيموا عليه ، فدل على أنهم إذا نقضوا العهد سقط أمانهم وحلّت دماؤهم .
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)
قوله عز وجل { كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ } يعني يقووا حتى يقدروا على الظفر بكم . وفي الكلام محذوف وتقديره : كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم . (2/91)
{ لاَ يرْقُبُوْ فِيكُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : لا يخافوا : قاله السدي .
الثاني : لا يراعوا .
{ إِلأَ وَلاَ ذِمَّةً } وفي الإلّ سبعة تأويلات .
أحدها : أنه العهد ، وهوقول ابن زيد .
والثاني : أنه اسم الله تعالى ، قاله مجاهد ، ويكون معناه لا يرقبون الله فيكم .
والثالث : أنه الحلف ، وهو قول قتادة .
والرابع : أن الإل اليمين ، والذمة العهد ، قاله أبو عبيدة ، ومنه قول ابن مقبل :
أفسد الناس خلوف خلفوا ... قطعوا الإلَّ وأعراق الرَّحِم
والخامس : أنه الجوار ، قاله الحسن .
والسادس : أنه القرابة ، قاله ابن عباس والسدي ، ومنه قول حسان :
وأُقسم إن إلَّك من قريش ... كإل السّقْبِ من رَأل النعام
والسابع : أن الإل العهد والعقد والميثاق واليمين ، وأن الذمة في هذا الموضع التذمم ممن لا عهد له ، قاله بعض البصريين .
{ وَلاَ ذِمَّةً } فيها ثلاثة أوجه :
أحدها : الجوار ، قاله ابن بحر .
الثاني : أنه التذمم ممن لا عهد له ، قاله بعض البصريين .
والثالث : أنه العهد وهو قول أبي عبيدة .
{ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ } يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : يرضونك بأفواههم في الوفاء وتأبى قلوبهم إلا الغدر .
والثاني : يرضونكم بأفواههم في الطاعة وتأبى قلوبهم إلا المعصية .
والثالث : يرضونكم بأفواهم في الوعد بالإيمان وتأبى قلوبهم إلا الشرك ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرضيه من المشركين إلا بالإيمان .
{ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : في نقض العهد وإن كان جميعهم بالشرك فاسقاً .
والثاني : وأكثرهم فاسق في دينه وإن كان كل دينهم فسقاً .
اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11)
قوله عز وجل { اشْتَرَواْ بَئَايَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً } في آيات الله تعالى ها هنا وجهان : (2/92)
أحدهما : حججه ودلائله .
والثاني : آيات الله التوراة التي فيها صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والثمن القليل : ما جعلوه من ذلك بدلاً . وفي صفته بالقليل وجهان :
أحدهما : لأنه حرام ، والحرام قليل .
والثاني : لأنها من عروض الدنيا التي بقاؤها قليل .
وفيمن أريد بهذه الآية قولان :
أحدهما : أنهم الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان على طعامه ، وهذا قول مجاهد ومن زعم أن الآيات حجج الله تعالى .
والثاني : أنهم قوم من اليهود دخلوا في العهد ثم رجعوا عنه وهذا قول من زعم أنها آيات التوراة .
{ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ } يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : عن دين الله تعالى في المنع منه .
والثاني : عن طاعة الله في الوفاء بالعهد .
والثالث : عن قصد بيت الله حين أحصر بالحديبيّة .
وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12)
قوله عز وجل { وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ } أي نقضوا عهدهم الذي عقدوه بأيمانهم . (2/93)
{ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : إظهار الذم له .
والثاني : إظهار الفساد فيه .
{ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ } فيهم ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم رؤساء المشركين .
والثاني : أنهم زعماء قريش ، قاله ابن عباس .
والثالث : أنهم الذين كانوا قد هموا بإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله قتادة .
{ إِنَّهُم لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ } قراءة الجمهور بفتح الألف ، من اليمين لنقضهم إياها . وقرأ ابن عامر : { إِنَّهُم لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ } بكسر الألف ، وهي قراءة الحسن . وفيها إذا كسرت وجهان :
أحدهما : أنهم كفرة لا إيمان لهم .
والثاني : أنهم لا يعطون أماناً .
أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)
قوله عز وجل : { . . . وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً } فيها ثلاثة أقاويل : (2/94)
أحدها : أنها الخيانة ، قاله قتادة .
والثاني : أنهم البطانة ، قاله قطرب ومقاتل ، ومنه قول الشاعر :
وجعلت قومك دون ذاك وليجة ... ساقوا إليك الخير غير مشوب
والثالث : أنه الدخول في ولاية المشركين ، من قولهم ولج فلان في كذا إذا دخل فيه قال طرفة بن العبد :
رأيت القوافي يتلجن موالجاً ... تضايق عنها أن تولجها الإبر
مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18)
قوله عز وجل { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّهِ } يعني المسجد الحرام . وفيه وجهان : (2/95)
أحدهما : ما كان لهم أن يعمروها بالكفر لأن مساجد الله تعالى تعمر بالإيمان .
والثاني : ما كان لهم أن يعمروه بالزيارة له والدخول إليه .
{ شَاهِدِينَ عَلَى أنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن فيما يقولونه أو يفعلونه دليل على كفرهم كما يدل عليه إقرارهم ، فكأن ذلك منهم هو شهادتهم على أنفسهم ، قاله الحسن .
والثاني : يعني شاهدين على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكفر لأنهم كذبوه وأكفروه وهو من أنفسهم ، قاله الكلبي .
والثالث : أن النصراني إذا سئل ما أنت؟ قال : نصراني ، واليهودي إذا سئل قال : يهودي ، وعابد الوثن يقول : مشرك ، وكان هؤلاء كفار وإن لم يقروا بالكفر ، قاله السدي .
ثم قال تعالى { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ } في هذه المساجد قولان :
أحدهما : أنها مواضع السجود من المصلى ، فعلى هذا عمارتها تحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : بالمحافظة على إقامة الصلاة .
والثاني : بترك الرياء .
والثالث : بالخشوع والإعراض عما ينهى .
والقول الثاني : أنها بيوت الله تعالى المتخذة لإقامة الصلوات ، فعلى هذا عمارتها تحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : إنما يعمرها بالإيمان من آمن بالله تعالى .
والثاني : إنما يعمرها بالزيارة لها والصلاة فيها من آمن بالله تعالى .
والثالث : إنما يرغب في عمارة بنائها من آمن بالله تعالى .
{ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ وَأَقَامَ الْصَّلاَةَ وَءَاتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِن الْمُهْتَدِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه قال ذلك لهم تحذيراً من فعل ما يخالف هدايتهم .
والثاني : أن كل { عَسَى } من الله واجبة وإن كانت من غيره ترجياً ، قاله ابن عباس والسدي .
أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22)
قوله عز وجل : { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } يعني بعمارته السدانة والقيام به . (2/96)
{ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الأخِر وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ } لأن قريشاً فضلت ذلك على الإيمان بالله ، فرد الله تعالى عليهم وأعلمهم أنهما لا يستويان ، وأن ذلك مع الكفر محبط .
وحكى مقاتل أن هذا الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب ، وهو صاحب السقاية ، وفي شيبة بن عثمان وهو صاحب السدانة وحاجب الكعبة أُسرا يوم بدر فعيرا بالمقام على الكفر بمكة وأغلظ لهما المهاجرون ، فقالا نحن أفضل منكم أجراً نعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج فنزل هذا فيهم .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)
قوله عز وجل { قُلْ إِن كَانَ ءَآبَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا } يعني اكتسبتموها . (2/97)
{ وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا } فيها وجهان :
أحدهما : أنها أموال التجارات إذا نقص سعرها وكسد سوقها .
والثاني : أنهن البنات الأيامى إذا كسدن عند آبائهن ولم يخطبن . { وَمَسَاكِنَ تَرْضَونَهَا } وهذا نزل في قوم أسلموا بمكة فأقاموا بها ولم يهاجروا إِشفاقاً على فراق ما ذكره الله تعالى ميلاً إليه وحبّاً له فذمهم الله تعالى على ذلك وقال : { . . . فَتَربَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه فتح مكة ، قاله مجاهد .
والثاني : حتى يأتي الله بأمره من عقوبة عاجلة أو آجلة ، قاله الحسن .
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27)
قوله عز وجل { ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ . . } الآية ، وفي السكينة ثلاثة أقاويل : (2/98)
أحدها : أنها الرحمة ، قاله علي بن عيسى .
والثاني : أنها الأمن والطمأنينة .
والثالث : أنها الوقار ، قاله الحسن .
{ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } فيه وجهان :
أحدهما : الملائكة .
والثاني : أنه تكثيرهم في أعين أعدائهم ، وهو محتمل .
{ وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ } فيه وجهان :
أحدهما : بالخوف والحذر .
والثاني : بالقتل والسبي .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)
قوله عز وجل { قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخرِ } فإن قيل : فأهل الكتاب قد آمنوا بالله واليوم الآخر فكيف قال ذلك فيهم ، ؟ (2/99)
ففيه جوابان :
أحدهما : أن إقرارهم باليوم الآخر يوجب الإقرار بجميع حقوقه ، فكانوا بترك الإقرار بحقوقه كمن لا يقرّ به .
والثاني : أنه ذمّهم ذم من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر للكفر بنعمته ، وهم في الذم بالكفر كغيرهم .
{ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه ما أمر الله سبحانه وتعالى بنسخه من شرائعهم .
والثاني : ما أحله لهم وحرمه عليهم .
{ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِ } والحق هنا هو الله تعالى ، وفي المراد بدينه في هذا الموضع وجهان :
أحدهما : العمل بما في التوراة من اتباع الرسول ، قاله الكلبي .
والثاني : الدخول في دين الإسلام لأنه ناسخ لما سواه من الأديان ، وهو قول الجمهور .
{ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ } فيه وجهان :
أحدهما : يعني من آباء الذين أوتوا الكتاب .
الثاني : من الذين أوتوا الكتاب بين أظهرهم لأنه في اتباعه كآبائهم .
{ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ } فيه تأويلان :
أحدهما : حتى يضمنوا الجزية وهو قول الشافعي لأنه يرى أن الجزية تجب انقضاء الحول وتؤخذ معه .
والثاني : حتى يدفعوا الجزية .
وفي الجزية وجهان :
أحدهما : أنها من الأسماء المجملة لا يوفق على علمها إلا بالبيان .
والثاني : أنها من الأسماء العامة التي يجب إجراؤها على عمومها إلا ما خص بالدليل .
ثم قال تعالى { عَن يَدٍ } وفيه أربعة تأويلات :
أحدها : عن غنى وقدرة .
والثاني : أنها من عطاء لا يقابله جزاء ، قاله أبو عبيدة .
والثالث : أن يروا أن لنا في أخذها منهم يداً عليهم بحقن دمائهم بها .
والرابع : يؤدونها بأيديهم ولا ينفذونها مع رسلهم كما يفعله المتكبرون .
{ وَهُمْ صَاغِرُونَ } فيه خمسة أقاويل :
أحدها : أن يكونوا قياماً والآخذ لها جالساً ، قاله عكرمة .
والثاني : أن يمشوا بها وهم كارهون ، قاله ابن عباس .
والثالث : أن يكونوا أذلاء مقهورين ، قاله الطبري .
والرابع : أن دفعها هو الصَّغار بعينه .
والخامس : أن الصغار أن تجري عليهم أحكام الإسلام ، قاله الشافعي .
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)
قوله عز وجل { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيرٌ ابْنُ اللَّهِ } الآية . أما قول اليهود ذلك فسببه أن بختنصر لما أخرب بيت المقدس أحرق التوراة حتى لم يبق بأيديهم شيء منها ، ولم يكونوا يحفظونها بقلوبهم ، فحزنوا لفقدها وسألوا الله تعالى ردها عليهم ، فقذفها الله في قلب عزير ، فحفظها وقرأها عليهم فعرفوها فلأجل ذلك قالوا إنه ابن الله . (2/100)
واختلف فيمن قال ذلك على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن ذلك كان قول جميعهم ، وهو مروي عن ابن عباس .
والثاني : أنه قول طائفة من سلفهم .
والثالث : أنه قول جماعة ممن كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
واختلف فيهم على قولين :
أحدهما : أنه فنحاص وحده ، ذكر ذلك عبيد بن عمير وابن جريج .
والثاني : أنهم جماعة وهم سلام ابن مشكم ونعمان بن أبي أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف ، وهذا مروي عن ابن عباس .
فإن قيل : فإذا كان ذلك قول بعضهم فلم أضيف إلى جميعهم؟
قيل : لأن من لم يقله عند نزول القرآن لم ينكره ، فلذلك أضيف إليهم إضافة جمع وإن تلفظ به بعضهم .
{ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ } وهذا قول جميعهم ، واختلف في سبب قولهم لذلك على قولين :
أحدهما : أنه لما خلق من غير ذكر من البشر قالوا إنه ابن الله ، تعالى الله عن ذلك .
الثاني : أنهم قالوا ذلك لأجل من أحياه من الموتى وأبرأه من المرضى .
{ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْواهِهِمْ } معنى ذلك : وإن كانت الأقوال كلها من الأفواه : أنه لا يقترن به دليل ولا يعضده برهان ، فصار قولاً لا يتجاوز الفم فلذلك خص به .
{ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ من قبلُ } أي يشابهون ، مأخوذ من قولهم امرأة ضهياء إذا لم تحض تشبيهاً بالرجال ومنه ما جاء في الحديث : « أَجرَأُ النَّاسِ عَلى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ خَلْقَهُ » أي يشبهون به .
وفيهم ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن قولهم ذلك يضاهي قول عبدة الأوثان في اللات والعزى ومناة وأن الملائكة بنات الله ، قاله ابن عباس وقتادة .
والثاني : أن قول النصارى المسيح ابن الله يضاهي قول اليهود عزير ابن الله ، قاله الطبري .
والثالث : أنهم في تقليد أسلافهم يضاهون قول من تقدمهم ، قاله الزجاج .
{ قَاتََلَهُمُ اللَّهُ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : معناه لعنهم الله ، قاله ابن عباس ومنه قول عبيد بن الأبرص :
قاتلها الله تلحاني وقد علمت ... أني لنفسي إفسادي وإصلاحي
والثاني : معناه قتلهم الله ، قاله بعض أهل العربية .
والثالث : أن الله تعالى فيما أعده لعذابهم وبينه من عداوتهم التي هي في مقابلة عصيانهم وكفرهم كأنه مقاتل لهم .
{ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } معناه كيف يُصرفون عن الحق إلى الإفك وهو الكذب .
قوله عز وجل { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ } أما الأحبار منهم العلماء ، واحدهم حَبْر سمي بذلك لأنه يحبر المعاني أي يحسنها بالبيان عنها .
وأما الرهبان فجمع راهب ، مأخوذ من رهبة الله تعالى وخشيته ، غير أنه صار بكثرة الاستعمال يتناول نُسّاك النصارى .
وقوله { أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ } يعني آلهة لقبولهم منهم تحريم ما يحرمونه عليهم وتحليل ما يحلونه لهم ، فلذلك صاروا لهم كالأرباب وإن لم يقولوا إنهم أرباب ، وقد روي مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم .
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)
قوله عز وجل { يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ } وفي نوره قولان : (2/101)
أحدهما : أنه القرآن والإسلام ، قاله الحسن وقتادة .
والثاني : أنه آياته ودلائله لأنه يهتدى بها كما يهتدى بالأنوار .
وإنما خص ذلك بأفواههم لما ذكرنا أنه ليس يقترن بقولهم دليل .
{ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ } وليس يريد تمامه من نقصان لأن نوره لم يزل تاماً . ويحتمل المراد به وجهين :
أحدهما : إظهار دلائله .
والثاني : معونة أنصاره .
قوله عز وجل { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم أرسله الله إلى خلقه بالهدى ودين الحق .
وفيها أربعة تأويلات :
أحدها : أن الهدى البيان ، ودين الحق الإسلام ، قاله الضحاك .
والثاني : أن الهدى الدليل ، ودين الحق المدلول عليه .
والثالث : معناه بالهدى إلى دين الحق .
والرابع : أن معناهما واحد وإنما جمع بينهما تأكيداً لتغاير اللفظين .
{ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } فيه ستة تأويلات :
أحدها : يعني عند نزول عيسى عليه السلام فإنه لا يعبد الله تعالى إلاّ بالإٍسلام ، قاله أبو هريرة .
والثاني : معناه أن يعلمه شرائع الدين كله ويطلعه عليه ، قاله ابن عباس .
والثالث : ليظهر دلائله وحججه ، وقد فعل الله تعالى ذلك ، وهذا قول كثير من العلماء .
والرابع : ليظهره برغم المشركين من أهله .
والخامس : أنه وارد على سبب ، وهو أنه كان لقريش رحلتان رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن والعراق فلما أسلموا انقطعت عنهم الرحلتان للمباينة في الدين فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى عليه : { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } يعني في بلاد الرحلتين وقد أظهره الله تعالى فيهما . والسادس : أن الظهور الاستعلاء ، ودين الإسلام أعلى الأديان كلها وأكثرها أهلاً ، قد نصره الله بالبر والفاجر والمسلم والكافر ، فروى الربيع بن أنس عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إِنَّ اللَّهِ يُؤَيِّدُ بِأَقْوَامٍ مَا لَهُم فِي الأَخِرَةِ مِن خَلاَقٍ
» .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)
قوله عز وجل { يَآ أَيُّهَا الَّذِِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُون أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ } الآية : في قولان : (2/102)
أحدهما : أنه أخذ الرشا في الحكم ، قاله الحسن .
والثاني : أنه على العموم من أخذه بكل وجه محرم .
وإنما عبر عن الأخذ بالأكل لأن ما يأخذونه من هذه الأموال هي أثمان ما يأكلون ، وقد يطلق على أثمان المأكول اسم الأكل ، كما قال الشاعر :
ذر الآكلين الماء فما أرى ... ينالون خيراً بعد أكلهم الماء
أي ثمن الماء .
{ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه منعهم من الحق في الحكم بقبول الرشا .
والثاني : أنه منعهم أهل دينهم من الدخول في الإسلام بإدخال الشبهة عليهم . { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } وفي هذا الكنز المستحق عليه هذا الوعيد ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الكنز كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤدَّ زكاته ، سواء كان مدفوناً أو غير مدفون ، قاله ابن عمر والسدي والشافعي والطبري .
والثاني : أن الكنز ما زاد على أربعة آلاف درهم ، أديت منه الزكاة أم لم تؤد ، قاله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فقد قال : أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة ، وما فوقها كنز .
والثالث : أن الكنز ما فضل من المال عن الحاجة إليه ،
روى عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد قال : لما نزل قوله تعالى { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ . . . } الآية . قال النبي صلى الله عليه وسلم : « تبّاً لِلذَهَبِ وَالْفِضَّةِ » قال : فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : فأي المال نتخذ؟ فقال عمر ابن الخطاب : أنا أعلم لكم ذلك ، فقال : يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم وقالوا : فأي المال نتخذ؟ فقال : « لِسَاناً ذَاكِراً وَقَلْباً شَاكِراً وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى دِينِه » . وروى قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال : مات رجل من أهل الصفّة فوجد في مئزرة دينار ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « كَيَّةٌ » ثم مات آخر فوجد في مئزره ديناران فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « كَيَّتَانِ
» والكنز في اللغة هو كل شيء مجموع بعضه إلى بعض سواء كان ظاهراً على الأرض أو مدفوناً فيها ، ومنه كنز البُرّ ، قال الشاعر :
لا دَرَّ دري إن أطعمت نازلهم ... قِرف الحتى وعندي البُرّ مكنوز
الحتى : سَويق المقل . يعني وعندي البُرّ مجموع .
فإن قيل : فقد قال الله تعالى : { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ } فذكر جنسين ثم قال { وَلاَ يُنفِقُونَهَا } والهاء كناية ترجع إلى جنس واحد ، ولم يقل : وَلاَ يُنفِقُونَهَما لترجع الكناية إليهما .
فعن ذلك جوابان :
أحدهما : أن الكناية راجعة إلى الكنوز ، وتقديره : ولا ينفقون الكنوز في سبيل الله . (2/103)
والثاني : أنه قال ذلك اكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر لدلالة الكلام على اشتراكهما فيه ، كما قال تعالى { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً } [ الجمعة : 11 ] ولم يقل إليهما ، وكقول الشاعر :
إن شرخ الشباب والشعر الأسود ما لم يُعاص كان جنوناً ... ولم يقل يعاصيا .
ثم إن الله تعالى غلَّظ حال الوعيد بما ذكره بعد هذا من قوله :
{ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ } وإنما غلظ بهذا الوعيد لما في طباع النفوس من الشح بالأموال ليسهل لهم تغليظ الوعيد إخراجها في الحقوق .
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)
قوله عز وجل { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شهْراً } يعني شهور السنة ، وإنما كانت اثني عشر شهراً لموافقة الأهلة ولنزول الشمس والقمر في اثني عشر برجاً يجريان فيها على حساب متفق كما قال الله تعالى { الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } [ الرحمن : 5 ] . (2/104)
{ . . . مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } يعني أن من الاثني عشر شهراً أربعة حرم ، يعني بالحرم تعظيم انتهاك المحارم فيها ، وهو ما رواه صدقة بن يسار عن ابن عمر قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى في وسط أيام التشريق فقال : « أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ فَهُوَ اليَومُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهراً مِنهَا أَرْبَعَةٌ حَرُمٌ ، أَوّلُهُنَّ رَجَبُ مُضَرَ بيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ
» . { ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } فيه وجهان :
أحدهما : أي ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوفي ، قاله ابن قتيبة .
والثاني : يعني القضاء الحق المستقيم ، قاله الكلبي .
{ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } فيه أربعة أوجه :
أحدها : فلا تظلموها بمعاصي الله تعالى في الشهور الاثني عشر كلها ، قاله ابن عباس .
والثاني : فلا تظلموها بمعاصي الله في الأربعة الأشهر ، قاله قتادة .
والثالث : فلا تظلموا أنفسكم في الأربعة الأشهر الحرم بإحلالها بعد تحريم الله تعالى لها ، قاله الحسن وابن إسحاق .
والرابع : فلا تظلموا فيها أنفسكم أي تتركوا فيها قتال عدوكم ، قاله ابن بحر .
فإن قيل : فلم جعل بعض الشهور أعظم حرمة من بعض؟
قيل : ليكون كفهم فيها عن المعاصي ذريعة إلى استدامة الكف في غيرها توطئة للنفس على فراقها مصلحة منه في عباده ولطفاً بهم .
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)
قوله عز وجل { إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ . . . } أما النسيء في الأشهر فهو تأخيرها ، مأخوذ من بيع النسيئة ، ومنه قوله تعالى { مَا نَنسَخُ مِنْ ءَايَةٍ أَوْنُنسِهَا } أي نؤخرها . (2/105)
وفي نَسْء الأشهر قولان .
أحدهما : أنهم كانوا يؤخرون السنة أحد عشر يوماً حتى يجعلوا المحرم صفراً ، قاله ابن عباس .
والثاني : أنهم كانوا يؤخرون الحج في كل سنتين شهراً .
قال مجاهد : فحج المسلمون في ذي الحجة عامين ، ثم حجوا في المحرم عامين : ثم حجوا في صفر عامين ، ثم في ذي القعدة عامين الثاني منهما حجة أبي بكر قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم من قابل في ذي الحجة فذلك حين يقول : « إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ
» وكان المنادى بالنسيء في الموسم : من بني كنانة على ما حكاه أبو عبيدة ، وقال شاعرهم عمير بن قيس :
ألسنا الناسئين على مَعَدٍّ ... شهور الحل نجعلُها حَراماً
واختلف في أول من نسأ الشهور منهم ، فقال الزبير بن بكار : أول من نسأ الشهور نعيم بن ثعلبة بن الحارث ابن مالك بن كنانة .
وقال أيوب بن عمر الغفاري : أول من نسأ الشهور القَلمّس الأكبر وهو عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة ، وآخر من نسأ الشهور أبو ثمامة جنادة بن عوف إلى أن نزل هذا التحريم سنة عشر وكان ينادي إني أنسأ الشهور في كل عام ، ألا أن أبا ثمامة لا يجاب ولا يعاب ، فحرم الله سبحانه بهذه الآية النسيء وجعله زيادة في الكفر .
ثم قال تعالى { . . . لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ } أي ليوافقوا فحرموا أربعة أشهر كما حرم الله تعالى أربعة أشهر .
{ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ } فيه وجهان :
أحدهما : أن الله تعالى زينها بالشهرة لها والعلامة المميزة بها لتجتنب .
الثاني : أن أنفسهم والشيطان زين لهم ذلك بالتحسين والترغيب ليواقعوها ، وهو معنى قول الحسن .
وفي { سُوءُ أَعْمَالِهِمْ } ها هنا وجهان :
أحدهما : أنه ما قدمه من إحلالهم ما حرم الله تعالى وتحريمهم ما أحله الله .
الثاني : أنه الرياء ، قاله جعفر بن محمد .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)
قوله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلتُمْ إِلَى الأَرْضِ } قال الحسن ومجاهد : دُعوا إلى غزوة تبوك فتثاقلوا فنزل ذلك فيهم . (2/106)
وفي قوله { اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ } ثلاثة أوجه :
أحدها : إلى الإقامة بأرضكم ووطنكم .
والثاني : إلى الأرض حين أخرجت الثمر والزرع . قال مجاهد : دعوا إلى ذلك أيام إدراك النخل ومحبة القعود في الظل .
الثالث : اطمأننتم إلى الدنيا ، فسماها أرضاً لأنها فيها ، وهذا قول الضحاك .
وقد بينه قوله تعالى { أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الأَخَرَةِ } يعني بمنافع الدنيا بدلاً من ثواب الآخرة .
والفرق بين الرضا والإرادة أن الرضا لما مضى ، والإرادة لما يأتي .
{ فَمَا مَتَاعُ الَْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الأخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ } لانقطاع هذا ودوام ذاك .
قوله عز وجل { إِلاَّ تَنفِرُواْ } يعني في الجهاد .
{ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً } قال ابن عباس : احتباس القطر عنهم هو العذاب الأليم الذي أوعدتم ويحتمل أن يريد بالعذاب الأليم أن يظفر بهم أعداؤهم .
{ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } يعني ممن ينفر إذا دُعي ويجيب إذا أُمر .
{ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً } فيه وجهان :
أحدهما : ولا تضروا الله بترك النفير ، قاله الحسن .
والثاني : ولا تضرّوا الرسول ، لما تكفل الله تعالى به من نصرته ، قاله الزجاج .
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)
قوله تعالى { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ } يعني إلا تنصروا أيها الناس النبي صلى الله عليه وسلم بالنفير معه وذلك حين استنفرهم إلى تبوك فتقاعدوا فقد نصره الله . (2/107)
{ إِذْ أَخَرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ } يعني من مكة ولم يكن معه من يحامي عنه ويمنع منه إلا الله تعالى ، ليعلمهم بذلك أن نصره نبيه ليس بهم فيضره انقطاعهم وقعودهم ، وإنما هو من قبل الله تعالى فلم يضره قعودهم عنه .
وفي قوله { فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ } وجهان :
أحدهما : بإرشاده إلى الهجرة حتى أغناه عن معونتهم .
والثاني : بما تكفل به من إمداده بملائكته .
{ ثَانِيَ اثْنَيْنِ } أي أحد اثنين ، وللعرب في هذ مذهب أن تقول خامس خمسة أي أحد خمسة .
{ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ } يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر حين خرجا من مكة دخلا غاراً في جبل ثور ليخفيا على من خرج من قريش في طلبهم .
والغار عمق في الجبل يدخل إليه .
قال مجاهد : مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار مع أبي بكر ثلاثاً .
قال الحسن : جعل الله على باب الغار ثمامة وهي شجرة صغيرة ، وقال غيره : ألهمت العنكبوت فنسجت على باب الغار .
وذهب بعض المتعمقة في غوامض المعاني إلى أن قوله تعالى { إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ } أي في غيرة على ما كانوا يرونه من ظهور الكفر فغار على دين ربه . وهو خلاف ما عليه الجمهور .
{ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبهِ لاَ تَحْزَنْ } يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لصاحبة أبي بكر « لا تَحْزَنْ » فاحتمل قوله ذلك له وجهين :
أحدهما : أن يكون تبشيراً لأبي بكر بالنصر من غير أن يظهر منه حزن .
والثاني : أن يكون قد ظهر منه حزن فقال له ذلك تخفيفاً وتسلية . وليس الحزن خوفاً وإنما هو تألم القلب بما تخيله من ضعف الدين بعد الرسول فقال له النبي صلى الله عليه وسلم « لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا » أي ناصرنا على أعدائنا .
{ . . . فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } فيها قولان :
أحدهما : على النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله الزجاج .
والثاني : على أبي بكر لأن الله قد أعلم نبيه بالنصر .
وفي السكينة أربعة أقاويل :
أحدها : أنها الرحمة ، قاله ابن عباس .
والثاني : أنها الطمأنينة ، قاله الضحاك .
والثالث : الوقار ، قاله قتادة .
والرابع : أنها شيء يسكن الله به قلوبهم ، قاله الحسن وعطاء .
{ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } فيه وجهان :
أحدهما : بالملائكة .
والثاني : بالثقة بوعده واليقين بنصره .
وفي تأييده وجهان :
أحدهما : إخفاء أثره في الغار حين طلب .
والثاني : المنع من التعرض له حين هاجر .
{ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْسُّفْلَى } يحتمل وجهين :
أحدهما : بانقطاع الحجة .
والثاني : جعل كلمة الذين كفروا السفلى بذُلّ الخوف ، وكلمة الله هي العليا بعز الظفر .
{ وَكَلِمَةُ اللهِ هيَ العُلْيَا } بظهور الحجة .
انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)
قوله عز وجل { انفِرُواْ خِفَافاً وثِقَالاً } فيه عشرة تأويلات : (2/108)
أحدها : يعني شباباً وشيوخاً ، قاله الحسن وعكرمة ومجاهد .
والثاني : في اليسر والعسر فقراء وأغنياء ، قاله أبو صالح .
والثالث : مشاغيل وغير مشاغيل ، قاله الحكم .
والرابع : نشاطاً وغير نشاط ، قاله ابن عباس وقتادة .
والخامس : ركباناً ومشاة ، قاله أبو عمرو الأوزاعي .
والسادس : ذا صنعة وغير ذي صنعة ، قاله ابن زيد .
والسابع : ذا عيال وغير ذي عيال ، قاله زيد بن أسلم .
والثامن : أصحاء وغير أصحاء ومرضى ، قاله جويبر .
والتاسع : على خفة البعير وثقله ، قاله علي بن عيسى والطبري .
والعاشر : خفافاً إلى الطاعة وثقالاً عن المخالفة .
ويحتمل حادي عشر : خفافاً إلى المبارزة ، وثقالاً في المصابرة .
{ وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } أما الجهاد بالنفس فمن فروض الكفايات إلا عند هجوم العدو فيصير متعيناً .
وأما بالمال فبزاده وراحلته إذا قدر على الجهاد بنفسه ، فإن عجز عنه بنفسه فقد ذهب قوم إلى أن بذل المال يلزم بدلاً عن نفسه . وقال جمهورهم : لا يجب لأن المال في الجهاد تبع النفس إلا سهم سبيل الله من الزكاة .
{ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : أن الجهاد خير لكم من تركه إلى ما أبيح من القعود عنه .
والثاني : معناه أن الخير في الجهاد لا في تركه .
{ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : إن كنتم تعلمون صدق الله تعالى فيما وعد به من ثوابه وجنته .
والثاني : إن كنتم تعلمون أن الخير في الجهاد .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : إن كنتم تعلمون أن لله تعالى يريد لكم الخير .
لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42)
قوله عز وجل { لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً } أي لو كان الذي دُعيتم إليه عرضاً قريباً . وفيه وجهان : (2/109)
أحدهما : يعني بالعرض ما يعرض من الأمور السهلة .
والثاني : يعني الغنيمة .
{ وَسَفَراً قَاصِداً } أي سهلاً مقتصداً .
{ لاَّتَّبُعُوكَ } يعني في الخروج معك .
{ وَلَكِنْ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ } والشقة هي القطعة من الأرض التي يشق ركوبها على صاحبها لبعدها .
{ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : لو استطعنا فراق أوطاننا وترك ثمارنا .
والثاني : لو استطعنا مالاً نستمده ونفقةً نخرج بها لخرجنا معكم في السفر الذي دعوا إليه فتأخروا عنه وهو غزوة تبوك .
ثم جاءوا بعد ذلك يحلفون بما أخبر الله عنهم من أنهم لو استطاعوا لخرجوا تصديقاً لقوله تعالى وتصحيحاً لرسالة نبيه صلى الله عليه وسلم .
{ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : يهلكون أنفسهم باليمين الكاذبة .
والثاني : يهلكون أنفسهم بالتأخر عن الإجابة .
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47)
قوله عز وجل { وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً } فيه وجهان : (2/110)
أحدهما : صدق العزم ونشاط النفس .
والثاني : الزاد والراحلة في السفر ، ونفقة الأهل في الحضر . { وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انْبَِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ } وإنما كره انبعاثهم لوقوع الفشل بتخاذلهم كعبد الله بن أبي بن سلول ، والجد بن قيس .
{ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : مع القاعدين بغير عذر ، قاله الكلبي .
والثاني : مع القاعدين بعذر من النساء والصبيان ، حكاه علي بن عيسى . وفي قائل ذلك قولان :
أحدهما : أنه النبي صلى الله عليه وسلم ، غضباً عليهم ، لعلمه بذلك منهم .
والثاني : أنه قول بعضهم لبعض .
قوله عز وجل { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً } يعني اضطراباً حكاه ابن عيسى .
والثاني : فساداً ، قاله ابن عباس .
فإن قيل : فلم يكونوا في خبال فيزدادوا بهؤلاء الخارجين خبالاً .
قيل هذا من الاستثناء المنقطع ، وتقديره : ما زادوكم قوة ، ولكن أوقعوا بينكم خبالاً .
{ وَلأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ } أما الإيضاع فهو إسراع السير ، ومنه قول الراجز :
يا ليتني فيها جذع ... أخُبّ فيها وأضَعْ
وأما الخلال فهو من تخلل الصفوف وهي الفُرَج تكون فيها ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : « تَرَاصُّوا فِي الصُّفُوفِ وَلاَ يَتَخَلَّلْكُمْ ، كَأَولاَدِ الحذف يَعْنِي الشَّيَاطِينَ » والخلال هو الفساد ، وفيه ها هنا وجهان :
أحدهما : لأسرعوا في إفسادكم .
والثاني : لأوضعوا الخلف بينكم .
وفي الفتنة التي يبغونها وجهان :
أحدهما : الكفر .
والثاني : اختلاف الكلمة وتفريق الجماعة .
{ وَفِيكُمْ سّمَّاعُونَ لَهُمْ } وفيهم ثلاثة أقاويل :
أحدها : وفيكم من يسمع كلامهم ويطيعهم ، قاله قتادة وابن إسحاق .
والثاني : وفيكم عيون منكم ينقلون إلى المشركين أخباركم ، قاله الحسن .
لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48)
قوله عز وجل { لَقَدْ ابْتَغَؤا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ } يعين إيقاع الخلاف وتفريق الكلمة . { وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ } يحتمل أربعة أوجه : (2/111)
أحدها : معاونتهم في الظاهر وممالأة المشركين في الباطن .
والثاني : قولهم بأفواههم ما ليس في قلوبهم .
والثالث : توقع الدوائر وانتظار الفرص .
والرابع : حلفهم بالله لو استطعنا لخرجنا معكم .
{ حَتَّى جَآءَ الْحَقُّ } يعني النصر .
{ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ } يعني الدين .
{ وَهُمْ كَارِهُونَ } يعني النصر وظهور الدين .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49)
قوله عز وجل { وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي } يعني في التأخر عن الجهاد . (2/112)
{ وَلاَ تَفْتِنِّي } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : لا تكسبني الإثم بالعصيان في المخالفة ، قاله الحسن وقتادة وأبو عبيدة والزجاج .
والثاني : لا تصرفني عن شغلي ، قاله ابن بحر .
والثالث : أنها نزلت في الجد بن قيس قال : ائذن لي ولا تفتني ببنات بني الأصفر فإني مشتهر بالنساء ، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد .
{ أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ } فيها وجهان :
أحدهما : في عذاب جهنم لقوله تعالى : { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ }
والثاني : في محنة النفاق وفتنة الشقاق .
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)
قوله عز وجل { إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ } يعني بالحسنة النصر . (2/113)
{ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ } أي أخذنا حذرنا فسلمنا .
{ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ } أي بمصيبتك وسلامتهم .
قال الكلبي : عنى بالحسنة النصر يوم بدر ، وبالمصيبة النكبة يوم أحد .
قوله عز وجل { قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا } فيه وجهان :
أحدهما : إلا ما كتب الله لنا في اللوح المحفوظ أنه يصيبنا من خير أو شر ، لا أن ذلك بأفعالنا فنذمّ أو نحمد ، وهو معنى قول الحسن .
والثاني : إلا ما كتب الله لنا في عاقبة أمرنا أنه ينصرنا ويعز دينه بنا .
{ هُوَ مَوْلاَنَا } فيه وجهان :
أحدهما : مالكنا .
والثاني : حافظنا وناصرنا .
{ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } أي على معونته وتدبيره .
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54)
قوله عز وجل { قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ } يعني النصر أو الشهادة وكلاهما حسنة لأن في النصر ظهور الدين ، وفي الشهادة الجنة . (2/114)
{ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : عذاب الاستئصال في الدنيا .
والثاني : عقاب العصيان في الآخرة .
{ أَوْ بِأَيْدِينَا } يعني بقتل الكافر عند الظفر والمنافق مع الإذن فيه .
فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)
قوله عز وجل { فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُم وَلآ أَوْلاَدُهُمْ . . . } فيه خمسة أقاويل : (2/115)
أحدها : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة ، قاله ابن عباس وقتادة ويكون فيه تقديم وتأخير .
والثاني : إنما يريد الله ليعذبهم بما فرضه من الزكاة في أموالهم ، يعني المنافقين . وهذا قول الحسن .
والثالث : ليعذبهم بمصائبهم في أموالهم أولادهم ، قاله ابن زيد .
والرابع : ليعذبهم ببني أولادهم وغنيمة أموالهم ، يعني المشركين ، قاله بعض المتأخرين .
والخامس : يعذبهم بجمعها وحفظها وحبها والبخل بها والحزن عليها ، وكل هذا عذاب .
{ وَتَزْهَقَ أَنفُسُهمْ } أي تهلك بشدة ، من قوله تعالى { وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ } [ الإٍسراء : 81 ] .
قوله عز وجل { لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ . . . } الآية ، أما الملجأ ففيه أربعة أوجه :
أحدها : أنه الحرز ، قاله ابن عباس .
والثاني : الحصن ، قاله قتادة .
والثالث : الموضع الحريز من الجبل ، قاله الطبري .
والرابع : المهرب ، قاله السدي . ومعاني هذه كلها متقاربة . وأما المغارات ففيها وجهان :
أحدهما : أنها الغيران في الجبال ، قاله ابن عباس .
والثاني : المدخل الساتر لمن دخل فيه ، قاله علي بن عيسى .
وأما المدَّخل ففيه وجهان :
أحدهما : أنه السرب في الأرض ، قاله الطبري .
والثاني : أنه المدخل الضيق الذي يدخل فيه بشدة .
{ لَوَلَّوْا إِلَيْهِ } يعني هرباً من القتال وخذلاناً للمؤمنين .
{ وَهُمْ يَجْمَحُونَ } أي يسرعون ، قال مهلهل :
لقد جمحت جماحاً في دمائهم ... حتى رأيت ذوي أحسابهم خمدوا
وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59)
قوله عز وجل { وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ . . . } الآية ، فيه قولان : (2/116)
أحدهما : أنه ثعلبة بن حاطب كان يقول : إنما يعطي محمد من يشاء ويتكلم بالنفاق فإن أعطي رضي وإن منع سخط ، فنزلت فيه الآية .
الثاني : ما روى الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً إذ جاءه الخويصرة التميمي فقال : اعدْل يا رسول الله ، فقال : « وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلْ إِن لَّمْ أَعْدِلْ » ؟ « فقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه ، فقال » دَعْهُ « . فأنزل الله تعالى { وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ } الآية .
وفي معنى يلمزك ثلاثة أوجه :
أحدها : يروزك ويسألك ، قاله مجاهد .
والثاني : يغتابك ، قاله ابن قتيبة .
والثالث : يعيبك ، قال رؤبة :
قاربت بين عَنَقي وحجزي ... في ظل عصري باطلي ولمزي
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)
قوله عز وجل { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرآءِ وَالْمَسَاكِينِ } اختلف أهل العلم فيها على ستة أقاويل : (2/117)
أحدها : أن الفقير المحتاج المتعفف عن المسألة . والمسكين : المحتاج السائل ، قاله ابن عباس والحسن وجابر وابن زيد والزهري ومجاهد وزيد .
والثاني : أن الفقير هو ذو الزمانة من أهل الحاجة ، والمسكين : هو الصحيح الجسم منهم ، قاله قتادة .
والثالث : أن الفقراء هم المهاجرون ، والمساكين : غير المهاجرين ، قاله الضحاك بن مزاحم وإبراهيم .
والرابع : أن الفقير من المسلمين ، والمسكين : من أهل الكتاب ، قاله عكرمة .
والخامس : أن الفقير الذي لا شيء له لأن الحاجة قد كسرت فقاره ، والمسكين الذي له ما لا يكفيه لكن يسكن إليه ، قاله الشافعي .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ليس المسكين الذي لا مال له ولكن المسكين الأخلق الكسب . قال ابن عليّة : الأخلق المحارف عندنا وقال الشاعر :
لما رأى لُبَدُ النُّسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل
والسادس : أن الفقير الذي له ما لا يكفيه ، والمسكين : الذي ليس له شيء يسكن إليه قاله أبو حنيفة .
ثم قال { وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } وهم السعاة المختصون بجبايتها وتفريقها قال الشاعر :
إن السُّعاة عصوك حين بعثتهم ... لم يفعلوا مما أمرت فتيلا
وليس الإمام من العاملين عليها ولا والي الإقليم .
وفي قدر نصيبهم منها قولان :
أحدهما : الثمن ، لأنهم أحد الأصناف الثمانية ، قال مجاهد والضحاك .
والثاني : قدر أجور أمثالهم ، قاله عبد الله بن عمر .
{ وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ } وهم قوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم بالعطية ، وهم صنفان : مسلمون ومشركون .
فأما المسلمون فصنفان : صنف كانت نياتهم في الإسلام ضعيفة فتألفهم تقوية لنياتهم ، كعقبة بن زيد وأبي سفيان بن حرب والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس . وصنف آخر منهم كانت نياتهم في الإسلام حسنة فأعطوا تألفاً لعشائرهم من المشركين مثل عدي بن حاتم . ويعطي كِلا الصنفين من سهم المؤلفة قلوبهم .
وأما المشركون فصنفان : صنف يقصدون المسلمين بالأذى فيتألفهم دفعاً لأذاهم مثل عامر بن الطفيل ، وصنف كان لهم ميل إلى الإسلام تألفهم بالعطية ليؤمنوا مثل صفوان بن أمية .
وفي تألفهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسهم المسمى لهم من الصدقات قولان :
أحدهما : يعطونه ويتألفون به ، قاله الحسن وطائفة .
والثاني : يمنعون منه ولا يعطونه لإعزاز الله دينه عن تألفهم ، قاله جابر ، وكلا القولين محكي عن الشافعي .
وقد روى حسان بن عطية قال : قال عمر رضي الله عنه وأتاه عيينة بن حصن يطلب من سهم المؤلفة قلوبهم فقال قد أغنى الله عنك وعن ضربائك { وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ } ( الكهف : 29 ) أي ليس اليوم مؤلفة .