صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : النكت والعيون |
وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78)
قوله عز وجل : { . . . هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً } في الآية هنا وجهان : (1/495)
أحدهما : أن الآية الفرض كما قال تعالى : { وَأَنَزَلْنَا فِيهَا ءَايَاتٍ } [ النور : 1 ] أي فرضاً ، ويكون معنى الكلام هذه ناقة الله عليكم فيها فرض أن تذروها { تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ } أي لا تعقروها .
والثاني : أنها العلامة الدالة على قدرته .
والآية فيها آيتان :
إحداهما : أنها خرجت من صخرة ملساء تمخضت بها كما تتمخض المرأة ثم انفلقت عنها على الصفة التي طلبوها .
والثانية : أنه كان لها شرب يوم ، ولهم شرب يوم يخصهم لا تقرب فيه ماءهم ، حكي ذلك عن أبي الطفيل والسدي وابن إسحاق .
قوله عز وجل : { . . . وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ } فيه وجهان :
أحدهما : يعني أنزلكم في الأرض وهي أرض الحجر بين الشام والمدينة .
والثاني : فيها من منازل تأوون إليها ، ومنه قولهم : بوأته منزلاً ، إذا أمكنته منه ليأوي إليه ، قال الشاعر :
وَبُوِّئَتْ فِي صَمِيمِ مَعْشَرِهَا ... فَتَمَّ فِي قَوْمِهَا مَبْوَؤُهَا
أي مكنت من الكرم في صميم النسب .
{ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً } والقصور ما شيد وعلا من المنازل اتخذوها في سهول الأرض ليصيِّفوا فيها .
{ وَتَنْحِتَونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً } لتكون مساكنهم في الشتاء لأنها أحصن وأبقى وأدفأ فكانوا طوال الآمال طوال الأعمار .
{ فَاْذْكُرُوا ءَالآءَ اللَّهِ } فيه ما قدمنا ، أي نعمه أو عهوده .
{ ولا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفسِدِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : لا تعملوا فيها بالمعاصي .
والثاني : لا تدعوا إلى عبادة غير الله .
وفي العبث وجهان :
أحدهما : أنه السعي في الباطل .
والثاني : أنه الفعل المؤدي لضير فاعله .
قوله عز وجل : { فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } فيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها حركة الأرض تضطرب من تحتهم .
والثاني : أنها الصيحة ، قاله مجاهد ، والسدي .
والثالث : أنها زلزلة أهلكوا بها ، قاله ابن عباس .
{ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِم جَاثِمِينَ } قال محمد بن مروان السدي : كل ما في القرآن من { دَارِهِمْ } فالمراد به مدينتهم ، وكل ما فيه من { دِيَارِهِم } فالمراد به مساكنهم ، وفي الجاثم قولان :
أحدهما : أنه البارك على ركبتيه لأنهم أصبحوا موتى على هذه الحال .
والثاني : معناه أنهم أصبحوا كالرماد الجاثم لأن الصاعقة أحرقتهم .
وقيل : إنه كان بعد العصر .
{ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ } أي خرج من بين أظهرهم ، وقيل إن صالحاً خرج عنهم إلى رملة فلسطين بمن آمن معه من قومه وهم مائة وعشرة ، وقيل إنه لم تهلك أمة ونبيها بين أظهرها .
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82)
قوله عز وجل : { . . . إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَّهَّرُونَ } فيه وجهان : (1/496)
أحدهما : من إتيان الأدبار .
والثاني : يتطهرون بإتيان النساء في الأطهار ، قال الشاعر :
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا سَدُّوا مَآزِرَهُم ... دَونَ النِّسَاءِ وَلَو بَانَتْ بِأَطْهَارِ
فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)
{ فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ } فيه وجهان : (1/497)
أحدها : فخلصناه .
والثاني : على نجوة من الأرض ، وقيل : إن أهله ابنتاه واسمهما زينا ورميا . { مِنَ الْغَابِرِينَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : من الباقين في الهلكى ، والغابر الباقي ، ومنه قول الراجز :
فَمَا وَنَى مُحَمَّدٌ مُذْ أَنْ غَفَر ... لَهُ الإِلَهُ مَا مََضَى وَمَا غَبَر
والثاني : من الغابرين في النجاة ، من قولهم : قد غبر عنا فلان زماناً إذا غاب ، قال الشاعر :
أَفَبَعْدَنَا أو بَعْدَهُمْ ... يُرْجَى لِغَابِرِنَا الْفَلاَحُ
والثالث : من الغابرين في الغم ، لأنها لقيت هلاك قومها ، قاله أبو عبيدة .
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)
قوله عز وجل : { وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوِعَدُونَ } الصراط : الطريق ، قال الشاعر : (1/498)
شَحَنَّا أَرْضَهُمْ بِالْخَيْلِ حَتَّى ... تَرَكْنَاهُمْ أَذَلَّ مِنَ الصِّرَاطِ
وفي المراد به ثلاثة أقاويل :
أحدهما : أنهم كانوا يقعدون على الطريق إلى شعيب يؤذون من قصده للإيمان به ويخوفونه بالقتل ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة .
والثاني : أنه نهاهم عن قطع الطريق ، قاله أبو هريرة .
والثالث : أنهم العشارون نهاهم عن تعشير أموال الناس .
{ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ } ويحتمل وجهين :
أحدهما : تصدون المؤمنين عن طاعة الله وعبادته .
والثاني : تصدون من أراد الإيمان بإغوائه ومخادعته .
{ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً } قال قتادة : يعني تبغون السبيل عوجاً عن الحق .
والفرق بين العوج بالكسر وبالفتح أن العوج بكسر العين ما كان في الدين ، ولا يُرَى ، والعوج بفتح العين ما كان في العود ، وما يرى .
{ وَاذْكُرواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ } حكى الزجاج فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : كثر عددكم بعد القلة قال ابن عباس : وذلك أن مدين بن إبراهيم تزوج زينا بنت لوط وولد آل مدين منها .
والثاني : كثركم بالغنى بعد الفقر .
والثالث : كثركم بالقوة بعد الضعف .
وذكر بعض المفسرين وجهاً رابعاً : أنه كثرهم بطول الأعمار بعد قصرها من قبل .
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)
قوله عز وجل : { قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إنْ عُدنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إذْ نَجّانَا اللَّهُ مِنْهَا } والفرق بين الملة والدين أن الملة ما شرعه الله ، والدين ما اعتقده الناس تقرباً إلى الله ، فصار كل دين ملة وليس كل ملة ديناً . (1/499)
فإن قيل : فالعود إلى الشيء الرجوع إليه بعد الخروج منه فهل كان شعيب على ملة قومه من الكفر حتى يقول : { إنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم } .
في الجواب عنه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن هذه حكاية عمن اتبع شعيباً من قومه الذين كانوا قبل اتباعه على ملة الكفر .
الثاني : أنه قال ذلك على التوهم أنه لو كان عليها لم يعد إليها .
والثالث : أنه يطلق ذكر العَود على المبتدىء بالفعل وإن لم يسبق منه فعل مثله سن قولهم : قد عاد عليّ من فلان مكروه وإن لم يسبقه بمثله كقول الشاعر :
لَئِن كَانَت الأَيَّامُ أَحْسَنَّ مَرَّةً ... إِلَيَّ فَقَدْ عَادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ
أَتَى دَونَ حُلْوِ الْعَيْشِ شَيْءٌ أُمِرُّهُ ... كُرُوبٌ عَلَى آثَارِهِنّ كُرُوبُ
ثم قال : { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا } فيه قولان :
أحدهما : أن نعود في القرية إلاّ أن يشاء الله ، قاله بعض المتكلمين .
والثاني : وهو قول الجمهور أن نعود في ملة الكفر وعبادة الأوثان .
فإن قيل فالله تعالى لا يشاء عبادة الأوثان فما وجه هذا القول من شعيب؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه قد كان في ملتهم ما يجوز التعبد به .
والثاني : أنه لو شاء عبادة الوثن لكانت عبادته طاعة لأنه شاءه كتعبده بتعظيم الحجر الأسود .
والثالث : أن هذا القول من شعيب علىلتعبيد والامتناع كقوله تعالى : { حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ } [ الأعراف : 40 ] وكقولهم : حتى يشيب الغراب .
ثم قال : { رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَومِنَا بِالْحَقِّ وََأَنتَ خَيرُ الْفَاتِحِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : اكشف بيننا وبين قومنا ، قاله قتادة .
والثاني : احكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين . وذكر الفراء ، أن أهل عُمان يسمون القاضي الفاتح والفتاح . وقال غيره : إنه لغة مراد ، قال الشاعر :
أَلاَ أَبْلِغْ بَنِي عُصَمَ رَسُولاً ... بِأَنِّي عَنْ فَتَّاحِكُمُ غَنِي
وقد قال ابن عباس : كنت لا أدري ما قوله : { رَبَّنَا افتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ } حتى سمعت بنت ذي يزن تقول : تعالَيْ أفاتحك ، يعني أقاضيك .
وقيل : إنه سمي بذلك لأنه يفتح باب العلم الذي قد انغلق على غيره .
فإن قيل : فما معنى قوله { بِالْحَقِّ } ومعلوم أن الله لا يحكم إلا بالحق؟ .
ففي الجواب عنه أربعة أوجه : أحدها : أنه قال ذلك صفة لحكمه لا طلباً له .
والثاني : أنه سأل الله أن يكشف لمخالفه من قومه أنه على حق .
والثالث : أن معناه احكم بيننا الذي هو الحق ، قاله ابن بحر .
والرابع : احكم في الدنيا بنصر الحق ، قاله السدي .
وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92)
قوله عز وجل : { الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيبَاً كَأنَ لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا } فيه أربعة تأويلات : (1/500)
أحدها : كأنك لم يقيموا فيها ، قاله ابن قتيبة .
والثاني : كأن لم يعيشوا فيها ، قاله الأخفش .
والثالث : كأن لم ينعموا فيها ، قاله قتادة .
والرابع : كأن لم يعمروا فيها ، قاله ابن عباس .
{ الَّذِينَ كَذَّبُوْا شُعَيْباً كَانُواْ هَمُ الخَاسِرِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : بالكفر .
والثاني : بالهلاك ، قاله ابن عباس .
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)
قوله عز وجل : { وَمَآ أرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِّيٍ إلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَها بِالبَأْسآءِ وَالضَّرَّآءِ } فيه أربعة أقاويل : (2/1)
أحدها : أن البأساء : القحط ، والضراء : الأمراض والشدائد ، قاله الحسن .
والثاني : أن البأساء الجوع ، والضراء : الفقر ، قاله ابن عباس .
والثالث : أن البأساء : البلاء ، والضراء الزمانة .
والرابع : أن البأساء : ما نالهم من الشدة في أنفسهم .
والضراء : ما نالهم في أموالهم ، حكاه علي بن عيسى .
ويحتمل قولاً خامساً : أن البأساء الحروب .
{ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : يتوبون .
الثاني : يدعون ، قاله ابن عباس .
قوله عز وجل : { ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ } فيه وجهان :
أحدهما : مكان الشدة الرخاء ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، ومجاهد .
والثاني : مكان الخير والشر .
{ حَتَّى عَفَواْ } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : حتى كثروا ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والسدي ، قال لبيد :
وَأنَاسٌ بَعْدَ قَتْلٍ قَدْ عَفَواْ ... وَكَثِيرٌ زَالَ عَنْهُمْ فَانْتَقَلْ
والثاني : حتى أعرضواْ ، قاله ابن بحر .
والثالث : حتى سُرّوا ، قاله قتادة .
والرابع : حتى سمنوا ، قاله الحسن ، ومنه قول بشر بن أبي حازم :
فَلَمَّا أَنْ عَفَا وَأَصَابَ مَالاً ... تَسَمَّنَ مَعْرِضاً فِيهِ ازْوِرَارُ
{ وَّقَالُوْا قَدْ مَسَّ ءَابَاءَنَا الضَّرَّاءُ والسَّرَّآءُ } أي الشدة والرخاء يعنون ليس البأساء والضراء عقوبة على تكذيبك وإنما هي عادة الله في خلقه أن بعد كل خصب جدباً وبعد كل جدب خصباً .
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)
قوله عز وجلَّ : { . . . لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم } فيه وجهان : أحدهما : لرزقنا ، قاله السدي . (2/2)
والثاني : لوسعنا .
{ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ } : ( بركات السماء : القطر . وبركات الأرض .
النبات والثمار ويحتمل أن تكون بركات السماء قبول الدعاء . وبركات الأرض : تسهيل الحاجات .
أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (100)
وفي قوله تعالى : { فَهُم لاَ يَسْمَعُونَ } أي لا يقبلون ، كما قال في الصلاة ، سمع الله لمن حمده ، أي قبل الله ممن حمده ، وقال الشاعر : (2/3)
دَعَوْتُ اللَّهَ حَتَّى خِفْتُ أَلاَّ ... يَكُونَ اللَّهُ يَسْمَعُ مَا أَقُولُ
أي يقبل .
تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)
قوله عز وجل : { وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِّنْ عَهْدٍ } في قوله : { مِنْ عَهْدٍ } قولان : (2/4)
أحدهما : أن العهد الطاعة ، يريد : ما وجدنا لأكثرهم من طاعة لأنبيائهم ، لأنه قال بعده { وَإن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمُ لَفَاسِقِينَ } وتكون { مِنْ } في هذا الموضع على هذا التأويل زائدة .
والثاني : أنه محمول على ظاهر العهد أي من وفاء بعهده .
وفي المراد بالعهد هنا ثلاثة أقاويل . أحدها : الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظهر آدم قاله أبو جعفر الطبري .
والثاني : ما جعله الله في عقولهم من وجوب شكر النعمة ، وأن الله هو المنعم ، قاله علي بن عيسى .
والثالث : أنه ما عهد إليهم مع الأنبياء أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ، قاله الحسن { وإن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُم لَفَاسِقِينَ } في قوله { لَفَاسِقِينَ } وجهان :
أحدهما : خارجين عن طاعته .
والثاني : خائنين في عهده ، وهذا يدل على أن العصاة أكثر من المطيعين .
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108)
قوله عز وجل : { حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ } في { حَقِيقٌ } وجهان : (2/5)
أحدهما : حريص ، قاله أبو عبيدة .
والثاني : واجب ، مأخوذ من وجوب الحق .
وفي قوله : { إلاَّ الْحَقَّ } وجهان :
أحدهما : إلا الصدق .
والثاني : إلا ما فرضه الله عليّ من الرسالة .
قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)
قوله عز وجل : { قَالُواْ أَرْجِه وَأَخَاهُ } فيه قولان : (2/6)
أحدهما : معناه أخِّرْهُ ، قاله ابن عباس والحسن .
والثاني : أحبسه ، قاله قتادة والكلبي .
{ وَأَرْسِلْ فِي المَدَائِنِ حَاشِرِينَ } قال ابن عباس : هم أصحاب الشُرَط وهو قول الجماعة أرسلهم في حشر السحرة وكانوا اثنين وسبعين رجلاً .
قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122)
قوله عز وجل : { وَأَوْحِيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } قال ابن عباس : العصا أول آيات موسى وكانت من آس الجنة ، طولها عشرة أذرع بطول موسى ، قصد باب فرعون فألقى عليه الفزع ، فشاب فخضب بالسواد استحياء من قومه ، فكان فرعون أول من خضب بسواد . (2/7)
{ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ } معنى تلقف هو سرعة التناول إلا أن المراد هنا سرعة ابتلاعه بالفم . قال أبو حاتم : وهي في بعض القراءات تلقم بالميم والتشديد ، قال الشاعر :
أَنْتَ عَصَا مُوسَى الَّتِي لَمْ تَزَلْ ... تَلْقَمُ مَا يَأْفِكُهُ السَّاحِرُ
وفي قوله : { مَا يأْفِكُونَ } وجهان :
أحدهما : معناه يقلبون ، ومنه المؤتفكات أي المنقلبات ، قاله ابن عيسى .
والثاني : معناه يكذبون لأن الإفك هو الكذب ، قاله مجاهد .
فإن قيل : فلم أمر موسى السحرة أن يلقو وذلك منهم كفر ولا يجوز أن يأمر به نبي؟
قيل عن ذلك جوابان .
أحدهما : أن مضمون أمره إن كنتم محقين فألقوا .
والثاني : القول على ما يصح ويجوز لا على ما يفسد ويستحيل .
قوله : { فَوَقَعَ الْحَقُّ } أي ظهر الحق ، قاله الحسن ، ومجاهد ، وفي الحق الذي ظهر فيه قولان :
أحدهما : ظهرت عصا موسى على حبال السحرة .
والثاني : ظهرت نبوة موسى على ربوبية فرعون .
قوله عز وجل : { وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ } في سجودهم قولان :
أحدهما : أنهم سجدوا لموسى تسليماً له وإيماناً به .
والثاني : أنهم سجدوا لله إقراراً بربوبيته ، لأنهم { قَالُوا ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } .
وفي سجودهم قولان :
أحدهما : أن الله ألهمهم ذلك لطفاً بهم .
والثاني : أن موسى وهارون سجدا شكراً لله عند ظهور الحق على الباطل فاقتدوا بهما في السجود لله طاعة .
قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)
قوله عز وجل : { وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ . . . } الآية : { الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ } فيهم ثلاثة أقاويل : (2/8)
أحدها : أنه أشرافهم .
والثاني : رؤساؤهم .
والثالث : أنهم الرهط والنفر الذين آمنوا معهم .
والفرق بين الرهط والنفر من وجهين :
أحدهما : كثرة الرهط وقلة النفر .
والثاني : قوة الرهط وضعف النفر ، وفي تسميتهم بالملأ وجهان :
أحدهما : أنهم مليئون بما يراد منهم .
والثاني : لأنهم تملأ النفوس هيبتهم .
وفيه وجه ثالث : لأنهم يملأون صدور المجالس .
فإن قيل : فما وجه إقدامهم على الإنكار على فرعون مع عبادتهم له؟ قيل : لأنهم رأوا منه خلاف عادته وعادة الملوك في السطوة بمن أظهر العناد وخالف ، وكان ذلك من لطف الله بموسى .
وفي قوله : { لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ } وجهان :
أحدهما : ليفسدوا فيها بعبادة غيرك والدعاء إلى خلاف دينك .
والثاني : ليفسدوا فيها بالغلبة عليها وأخذ قومه منها .
ثم قالوا : { وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ } فإن قيل : فما وجه قولهم ذلك له وهم قد صدقوه على قوله : { أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى } [ النازعات : 24 ] . قيل الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه كان يعبد الأصنام وكان قومه يعبدونه ، قاله الحسن .
والثاني : أنه كان يعبد ما يستحسن من البقر ولذلك أخرج السامري عجلاً جسداً له خوار وقال هذا إلهكم وإله موسى ، وكان معبوداً في قومه ، قاله السدي .
والثالث : أنها كنت أصناماً يعبدها قومه تقرباً إليه ، قاله الزجاج .
وقرأ ابن عباس { وَيَذَرَكَ وَإِلاَهَتَكَ } أي وعبادتك .
قال الحسن : وكان فرعون يَعبُد ويُعبَد . وعلى هذه القراءة يسقط السؤال . وذكر ابن قتيبة في هذه القراءة تأويلاً ثانياً؛ أن الإلاهة الشمس ، والعرب تسمي الشمس الإلاهة واستشهد بقول الأعشى :
وَلَمْ أَذْكُرِ الرُّعْبَ حَتَّى انْتَقَلْتُ ... قُبَيْلَ الإِلاَهَةِ مِنْهَا قرِيباً
يعني الشمس ، فيكون تأويل الآية : ويذرك والشمس حتى تعبد فعلى هذا يكون السؤال متوجهاً عنه ما تقدم .
{ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيي نِسَاءَهُمْ } وإنما عدل عن قتل موسى إلى قتل الأبناء لأنه علم أنه لا يقدر عل قتل موسى إما لقوته وإما تصوره أنه مصروف عن قتله ، فعدل إلى قتل الأبناء ليستأصل قوم موسى من بني إسرائيل فيضعف عن فرعون { وَنَسْتَحِيي نِسَاءَهُمُ } فيه قولان :
أحدهما : أن نفتش أرحامهن فننظر ما فيهن من الولد ، مأخوذ من الحياء وهو اسم من أسماء الفرج ، حكاه ابن بحر .
والثاني : الأظهر أن معناه : نستبقيهن أحياء لضعفهن عن المنازعة وعجزهن عن المحاربة .
قوله عز وجل : { قَالَ مُوسَى لِقَومِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه أمرهم بذلك تسلية لهم من وعيد فرعون كما يقول من نالته شدة : استعنت بالله .
والثاني : أنه موعد منه بأن الله سيعينهم على فرعون إن استعانوا به .
ثم قال : { وَاصْبِرُواْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : واصبروا على ما أنتم فيه من الشدة طمعاً في ثواب الله .
والثاني : أنه أمرهم بالصبر انتظاراً لنصر الله . (2/9)
{ إنَّ الأَرْضِ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه قال ذلك تسلية لقومه في أن الدنيا لا تبقي على أحد فتبقي على فرعون لأنها تنتقل من قوم إلى قوم .
والثاني : أنه أشعرهم بذلك أن الله يورثهم أرض فرعون .
{ وَالْعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : يريد في الآخرة بالثواب .
والثاني : في الدنيا بالنصر .
قوله عز وجل : { قالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أن الأذى من قبل ومن بعد أخذ الجزية . قاله الحسن .
والثاني : أن الأذى من قبل : تسخيرهم بني إسرائيل في أعمالهم لنصف النهار وإرسالهم في بقيته ليكسبوا لأنفسهم . والأذى من بعد : تسخيرهم في جميع النهار بلا طعام ولا شراب ، قاله جويبر .
والثالث : أن الأذى الذي كان من قبل : الاستعباد وقتل الأبناء ، والذي كان من بَعد : الوعيد بتجديد ذلك عليهم ، حكاه ابن عيسى .
والرابع : أن الأذى الذي كان من قبل أنهم كانوا يضربون اللبن ويعطيهم التبن ، والأذى من بعد أن صاروا يضربون اللبن ويجعل عليهم التبن ، قاله الكلبي ، وفي قولهم : { مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } قولان :
أحدهما : من قبل أن تأتينا بالرسالة ومن بعد ما جئتنا بها ، قاله ابن عباس .
والثاني : من قبل أن تأتينا بعهد الله إليك أنه يخلصنا ومن بعد ما جئتنا به . وفي هذا القول منهم وجهان :
أحدهما : أنه شكوى ما أصابهم من فرعون واستعانة بموسى .
والثاني : أنهم قالوه استبطاء لوعد موسى ، حكاه ابن عيسى .
{ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِك عَدُوَّكُمْ } { عَسَى } في اللغة طمع وإشفاق . قال الحسن عسى من الله واجبة ، وقال الزجاج : { عَسَى } من الله يقين .
{ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } في قوله : { فَينظُرَ } وجهان :
أحدهما : فيرى .
والثاني : فيعلم وفي قول موسى ذلك لقومة أمران :
أحدهما : الوعد بالنصر والاستخلاف في الأرض .
والثاني : التحذير من الفساد فيها لأن الله تعالى ينظر كيف يعملون .
وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131)
قوله عز وجل : { وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بالسِّنِينَ } فيه قولان : (2/10)
أحدهما : يعني بالجوع ، قاله مجاهد ، وقتادة .
والثاني : أن معنى السنين الجدوب ، قاله الحسن .
والعرب تقول : أخذتهم السنة إذا قحطوا وأجدبوا .
وقال الفراء : المراد بالسنين الجدب والقحط عاماً بعد عام .
قوله عز وجل : { فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَعَهُ } في الحسنة والسيئة هنا وجهان :
أحدهما : أن الحسنة الخصب ، السيئة القحط .
والثاني : أن الحسنة الأمن ، والسيئة ، الخوف .
{ قَالُوا لَنَا هَذِهِ } أي كانت حالنا في أوطاننا وقبل اتباعنا لك ، جهلاً منهم بأن الله تعالى هو المولى لها .
{ وَإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ } أي يتشاءَمون بموسى ويقولون هذا من اتباعنا إياك وطاعتنا لك ، على ما كانت العرب تزجر الطير فتتشاءم بالبارح وهو الذي يأتي من جهة الشمال ، وتتبرك بالسانح وهو الذي يأتي من جهة اليمين ، ثم قال رداً لقولهم .
{ أَلآ إنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ } أي طائر البركة وطائر الشؤم .
وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135)
قوله عز وجل : { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ . . . } أما الطوفان ففيه ستة أقاويل : (2/11)
أحدها : أنه الغرق بالماء الزائد ، قاله ابن عباس .
والثاني : أنه الطاعون ، قاله مجاهد .
والثالث : أنه الموت ، قاله عطاء . وروت عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الطُّوفَانُ الْمَْوتُ » .
والرابع : أنه أمر من الله طاف بهم ، وهو مروي أيضاً عن ابن عباس .
والخامس : أنه كثرة المطر والريح ، واستدل قائل ذلك بقول الحسن بن عرفطة :
غَيَّرَ الْجِدَّةَ مِنْ عِرْفَانِهِ ... خُرُقُ الرِّيحِ وَطُوفَانُ الْمَطَرِ
والسادس : أنه عذاب من السماء ، واستدل قائل ذلك بقول أبي النجم :
وَمَرَّ طُوفَانٌ فِبِتُّ شَهْراً ... فَرْداً شَآبِيبَ وَشَهْراً مدراً
{ وَالْقُمَّلَ } فيه خمسة أقاويل :
أحدها : أنه الدَبَى وهو صغار الجراد لا أجنحة له .
والثاني : أنه السوس الذي في الحنطة قاله ابن عباس .
والثالث : البراغيث ، قاله ابن زيد .
والرابع : القردان ، قاله أبو عبيدة .
والخامس : هو دواب سود صغار ، قاله الحسن ، وسعيد بن جبير ، وشاهده قول الأعشى .
قَوْماً تُعَالِجُ قُمَّلاً أَبْنَاؤهُهُمْ ... وَسَلاَسِلاً أُجُداً وَبَاباً مُؤْصَداً
وواحد القمل قملة .
وأما الضفادع فواحدها ضفدع وهو مشهور . وقيل إنه كان يوجد في فراشهم وآنيتهم ، ويدخل في ثيابهم فيشتد أذاه لهم .
وأما الدم ففيه قولان :
أحدهما : أن ماء شربهم كان يصير دماً عبيطاً ، فكان إذا غرف القبطي من الماء صار دماً وإذا غرف الإسرائيلي كان ماء .
والثاني : أنه رعاف كان يصيبهم ، قاله زيد بن أسلم .
{ ءَاياتٍ مُّفَصَّلاَتٍ } فيها قولان :
أحدهما : مبينات لنبوة موسى .
والثاني : مفصل بعضها عن بعض لأن هذه الآيات لم تجتمع في وقت واحد بل كانت تأتي شهراً بعد شهر فيكون في تفرقتها مع الإنذار إعذار ، وكان بين كل آيتين شهر .
{ فَاسْتَكْبَرُواْ } فيه وجهان :
أحدهما : عن الانزجار بالآيات .
والثاني : عن الإيمان بموسى .
{ وَكَانُواْ قَوماً مُجْرِمِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : كافرين .
والثاني : متعدّين .
قوله عز وجل : { وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيهِمُ الرّجْزُ } - فيه قولان :
أحدهما : أنه العذاب ، قاله الحسن ، ومجاهد ، وقتادة ، وابن زيد .
والثاني : هو الطاعون أصابهم فمات به من القبط سبعون ألف إنسان ، قاله سعيد بن جبير .
{ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : بما تقدم إليك به أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك .
والثاني : ما هداك به أن تفعله في قومك ، قاله السدي .
والثالث : أن ذلك منهم على معنى القسم كأنهم أقسموا عليه بما عهد عنده أن يدعو لهم .
{ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ } هذا قول قوم فرعون ، ويحتمل وجهين :
أحدهما : لنصدقنك يا موسى أنك نبي .
والثاني : لنؤمنن بك يا الله أنك إله واحد .
فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)
قوله عز وجل : { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ } يحتمل وجهين : (2/12)
أحدهما : يستقلون .
والثاني : يستذلون وهم بنو إِسرائيل .
{ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يريد الشرق والغرب ، قاله ابن عيسى .
والثاني : أرض الشام ومصر ، قاله الحسن .
والثالث : أرض الشام وحدها شرقها وغربها ، قاله قتادة .
{ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا } فيه قولان :
أحدهما : بالخصب .
والثاني : بكثرة الأنهار والأشجار والثمار .
{ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ } فيها قولان :
أحدهما : أن تمام كلمة الحسنى ما وعدهم من هلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض بقوله : { عَسَى رَبُّكُم أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُم وَيَسْتَخْلِفَكُم } وسماها الحسنى لأنه وعد بما يحبون .
والثاني : هو قوله تعالى : { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِنَ لَهُم فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } [ القصص : 5 ، 6 ] .
وفي قوله : { بِمَا صَبَرُواْ } وجهان :
أحدهما : بما صبروا على أذى فرعون .
والثاني : بما صبروا على طاعة الله .
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139)
قوله عز وجل : { إِنَّ هَؤُلاَءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ } في { متبر } ثلاثة أوجه : (2/13)
أحدها : باطل ، قاله الكلبي .
والثاني : ضلال ، حكاه أبو اليسع .
والثالث : مهلك ، ومنه التبر ، الذهب . وفي تسميته بذلك قولان :
أحدهما : لأن موسى يهلكه .
والثاني : لكسره ، وكل إناء مكسور متبّر قاله الزجاج . وقال الضحاك هي كلمة نبطية لما ذكرنا .
قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)
قوله عز وجل : { وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ ءَآلِ فِرْعَوْنَ } قال هذا يذكر بالنعمة . (2/14)
{ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذابِ } أي أشد العذاب .
{ يُقَتّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ } أي يقتلون أبناءكم صغاراً ويستحيون نساءكم للاسترقاق والاستخدام كباراً .
{ وَفِي ذَلِكُم بَلاَءٌ مِن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن ما فعله فرعون بكم من قتل الأبناء واسترقاق النساء بلاء عليكم عظيم ، قاله الكلبي .
والثاني : أنه ابتلاء لكم واختبار عظيم ، قاله الأخفش .
والثالث : أن في خلاصكم من ذلك بلاء عظيم ، أي نعمة عظيمة ، قاله ابن قتيبة .
وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)
قوله عز وجل : { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ } فيها قولان : (2/15)
أحدهما : أن الثلاثين ليلة شهرٌ أمر بصيامه ، والعشر بعدها أجل لمناجاة ربه .
والثاني : أن الأربعين كلها أجل لمناجاة ربه ، أجل في الأول ثلاثين ليلة ثم زيدت عشراً بعدها . وقد قيل إنه ذو القعدة وعشر من ذي الحجة ، حكي ذلك عن مجاهد ، وابن جريج ، ومسروق .
{ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } يعني أن اجتماع الأجلين تمام أربعين ليلة ، ليدل بذلك على أن العشر هي ليال وليست ساعات .
فإن قيل : فمعلوم أن العشر مع الثلاثين مستكملة أربعين ، فما معنى قوله : { فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيلَةً } .
فعن ذلك ثلاثة أجوبة :
أحدها : أنه تأكيد في الذرك فلم يمتنع .
والثاني : كان وعده إلى الجبل الذي كلمه فيه .
والثالث : لينفي تمام الثلاثين بالعشر أن يكون من جملة الثلاثين لأن تمام الشيء بعض منه .
فإن قيل : فلم زاد في أجل وعده بعد الثلاثين عشراً جعلها أجلاً ثانياً فأخر بها موعده؟
قيل عن ذلك جوابان :
أحدهما : أن قومه تأخروا عنه في الأجل الأول فزاده الله لتأخرهم عنه أجلاً ثانياً ليحضروا .
والثاني : لأن قومه عبدوا العجل بعده فزاده الله أجلاً ثانياً عقوبة لهم .
ويحتمل جواباً ثالثاً : أن الله فعل ذلك به اختباراً لقومه ليتميز به المؤمن من المنافق ويعرف به المتيقن من المرتاب .
والفرق بين الميقات والوقت وإن كانا من جنس واحد أن الميقات ما قدر لعمل ، والوقت قد لا يتقدر لعمل .
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)
قوله عز وجل : { . . . قَالَ رَبِّ أَرِني أَنظُرُ إِلَيْكَ } الآية ، في سؤال موسى ذلك لربه ثلاثة أقاويل : أحدها : ليرد عليه من جواب الله ما يحتج به على قومه حين قالوا : { لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } [ البقرة : 55 ] مع علم موسى بأنه لا يجوز أن يراه في الدنيا . (2/16)
والثاني : أنه كان يعلم ذلك باستدلال فأجب أن يعلمه ضرورة .
والثالث : أنه جوّز ذلك وظنه وأن رؤيته في الدنيا ممكنة ، قاله الحسن ، والربيع ، والسدي .
فأجابه الله بأن { قَالَ لَن تَرَانِي } .
ثم أظهر في الجواب ما يعلم به استحالة مسألته فقال : { وَلَكِن انظُرْ إلىَ الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } لأن الجبل إذا لم يستقر لرؤيته فالإنسان بذلك أولى .
{ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ للِجَبَلِ } معنى تجلى ظهر مأخوذ من جلاء العروس إذا ظهرت ، ومن جلاء المرآة إذا أضاءت .
وفي تجليه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه ظهر بآياته التي أحدثها في الجبل لحاضري الجبل .
والثاني : أنه أظهر للجبل من ملكوته ما تدكدك به ، لأن الدنيا لا تقوم لما يبرز من ملكوت السماء .
والثالث : أنه أبرز قدر الخنصر من العرش .
والرابع : ظهر أمره للجبل .
{ جَعَلَهُ دَكّاً } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : يعني مستوياً بالأرض ، مأخوذ من قولهم ناقة دكاء إذا لم يكن لها سنام ، قاله ابن قتيبة وابن عيسى .
والثاني : أنه ساخ في الأرض ، قاله الحسن وسفيان .
والثالث : أنه صار تراباً ، قاله ابن عباس .
والرابع : أنه صار قطعاً .
قال مقاتل : وكان أعظم جبل بمدين تقطع ست قطع تفرقت في الأرض ، صار منها بمكة ثلاثة أجبل : ثبير وغار ثور وحراء . وبالمدينة ثلاثة أجبل : رضوى وأحد وورقان . والله أعلم .
{ وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً } فيه قولان :
أحدهما : ميتاً ، قاله قتادة .
والثاني : مغشياً عليه ، قاله ابن عباس ، والحسن ، ابن زيد .
قال ابن عباس : أخذته الغشية الخميس من يوم عرفة وأفاق عشية الجمعة وفيه نزلت عليه التوراة وهو يوم النحر العاشر من ذي الحجة ، وفيها عشر آيات أنزلها الله في القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم في ثماني عشرة من سورة بني إسرائيل .
{ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيكَ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه تاب من الإقدام على المسألة قبل الإذن فيها .
والثاني : أنه تاب من اعتقاده جواز رؤيته في الدنيا .
والثالث : أنه قال ذلك على جهة التسبيح وعادة المؤمنين عند ظهور الآيات . الدالة على عظيم قدرته .
{ وَأَنَّاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } فيه قولان :
أحدهما : أول المؤمنين بأنه لا يراك شيء من خلقك ، قاله ابن عباس ، والحسن :
والثاني : وأنا أول المؤمنين من قومي باستعظام سؤال الرؤية .
قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)
قوله عز وجل : { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ . . . } الآية في { وَكَتَبْنَا لَهُ } قولان : (2/17)
أحدهما : فرضنا ، كقوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } [ البقرة : 183 ] أي فرض .
والثاني : أنه كتابة خط بالقلم في ألواح أنزلها الله عليه .
واختلفوا في الألواح من أي شيء كانت على أربعة أقاويل :
أحدها : أنها كانت من زمرد أخضر ، قاله مجاهد .
والثاني : أنها كانت من ياقوت ، قاله ابن جبير .
والثالث : أنها كانت من زبرجد ، قاله أبو العالية .
والرابع : قاله الحسن كانت الألواح من خشب ، واللوح مأخوذ من أن المعاني تلوح بالكتابة فيه .
وفي قوله : { مِن كُلِّ شَيْءٍ } قولان :
أحدهما : من كل شيء يحتاج إليه في دينه من الحلال والحرام والمباح والمحظور والواجب وغير الواجب .
والثاني : كتب له التوراة فيها من كل شيء من الحكم والعبر .
وفي قوله : { مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً . . . } تأويلان :
أحدهما : أن الموعظة النواهي ، والتفصيل : الأوامر ، وهو معنى قول الكلبي .
والثاني : الموعظة : الزواجر ، والتفصيل : الأحكام ، وهو معنى قول مقاتل .
قال : وكانت سبعة ألواح .
{ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : بجد واجتهاد قاله السدي .
والثاني : بطاعة ، قاله الربيع بن أنس .
والثالث : بصحة عزيمة ، قاله علي بن عيسى .
والرابع : بشكر ، قاله جويبر .
{ وَأمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا } لم يقل ذلك لأن فيها غير حسن ، وفيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن أحسنها : المفروضات ، وغير الأحسن : المباحات .
والثاني : أنه الناسخ دون المنسوخ .
والثالث : أن فعل ما أمر به أحسن من ترك ما نهي عنه لأن العمل أثقل من الترك وإن كان طاعة .
{ سَأُرِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِينَ } فيها أربعة أقاويل :
أحدها : هي جهنم ، قاله الحسن ، ومجاهد .
والثاني : هي منازل من هلك بالتكذيب من عاد وثمود والقرون الخالية ، لتعتبروا بها وبما صاروا إليه من النكال ، قاله قتادة .
والثالث : أنها منازل سكان الشام الجبابرة والعمالقة .
والرابع : أنها دار فرعون وهي مصر .
وقرأ قسامة بن زهير { سَأُوْرِثُكُمْ } .
سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)
قوله عز وجل : { سَأَصْرِفُ عَنْ ءَاياتي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } فيه ثلاثة أوجه : (2/18)
أحدها : سأمنعهم من فهم القرآن ، قاله سفيان بن عيينة .
والثاني : سأجعل جزاءهم على كفرهم ضلالهم عن الاهتداء بما جاء به من الحق .
والثالث : سأصرفهم عن دفع الانتقام عنهم .
وفي { يَتَكَبَّرُونَ } وجهان :
أحدهما : يحقرون الناس ويرون أن لهم عليهم فضلاً .
والثاني : يتكبرون عن الإيمان واتباع الرسول .
{ وَإن يَرَوْاْ كُلَّ ءَآيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بها وإن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشُدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } فيه وجهان :
أحدهما : أن الرشد الإيمان ، والغي : الكفر .
والثاني : أن الرشد الهداية . والغي : الضلال .
{ ذَلَكَ بِأَنَّهُمْ كذَّبُواْ بِآَيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنَها غَافِلِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : غافلين عن الإيمان .
والثاني : غافلين عن الجزاء .
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)
قوله عز وجل { وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً } في الأسف خمسة أقاويل : (2/19)
أحدها : أنه المتأسف على فوت ما سلف قاله علي بن عيسى .
والثاني : أنه الحزين ، قاله ابن عباس .
والثالث : هو الشديد الغضب ، قاله الأخفش .
والرابع : المغتاظ ، قاله السدي .
والخامس : النادم ، قاله ابن قتيبة .
وفي غضبه وأسفه قولان :
أحدهما : غضبان من قومه على عبادة العجل؟ أسفاً على ما فاته من مناجاة ربه .
والثاني : غضبان على نفسه في ترك قومه حتى ضلوا ، أسفاً على ما رأى في قومه من ارتكاب المعاصي .
وقال بعض المتصوفة إن غضبه للرجوع عن مناجاة الحق إلى مخاطبة الخلق .
{ قَالَ بِئْسَ مَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدي } يعني بعباة العجل .
{ أَعَجِلْتُم أَمْرَ رَبِّكُمْ } فيه قولان :
أحدهما : يعني وعد ربكم الذي وعدني به من الأربعين ليلة ، وذلك أنه قَدَّروا أنه قد مات لمَّا لم يأت على رأس الثلاثين ليلة ، قاله الحسن ، والسدي .
والثاني : وعد ربكم بالثواب على عبادته حتى عدلتم إلى عبادة غيره ، قاله بعض المتأخرين . والفرق بين العجلة والسرعة أن العجلة : التقدم بالشيء قبل وقته ، والسرعة : عمله في أقل أوقاته .
{ وَأَلْقَى الألْوَاحَ } وفي سبب إلقائها قولان :
أحدهما : غضباً حين رأى عبادة العجل ، قاله ابن عباس .
والثاني : أنه ألقاها لما رأى فيها فضائل غير قومه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله ، قال : رب فاجعلهم أمتي قال : تلك أمة أحمد ، فاشتد عليه فألقاها ، قاله قتادة .
وكانت التوراة سبعة أسباع فلما ألقى موسى الألواح فتكسرت رفع منها ستة أسباعها وكان فيما رفع تفصيل كل شيء الذي قال الله { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ من كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْضِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ } وبقي الهدى والرحمة في السبع الباقي ، وهو الذي قاله الله : { أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفي نُسْخَتِهَا هُدىً وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ } .
وقال ابن عباس : ألقى موسى الألواح فتكسرت ورفعت إلا سدُسها .
{ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ } فيه قولان :
أحدهما : أنه أخذ بأذنه .
والثاني : أخذ بجملة رأسه .
فإن قيل : فلم قصده بمثل هذا الهوان ولا ذنب له؟
فعن ذلك جوابان .
أحدهما : أن هذا الفعل مما قد يتغير حكمه بالعادة فيجوز أن يكون في ذلك الزمان بخلاف ما هو عليه الآن من الهوان .
والثاني : أن ذلك منه كقبض الرجل منا الآن على لحيته وعضه على شفته { قَالَ ابْنَ أُمَّ } فيه وجهان :
أحدهما : أنه قال ذلك لأنه كان أخاه لأمه ، قاله الحسن .
والثاني : أنه قال ذلك على عادة العرب استعطافاً بالرحم ، كما قال الشاعر :
يَا ابْنَ أُمِّي وَيَا شقيقَ نَفْسِي ... أَنْتَ خَلَّيْتَنِي لأَمْرٍ شَدِيدٍ
{ فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ } يعني من خالفه في عبادة العجل لأنهم قد صاروا لمخالفتهم له أعداء .
{ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَومِ الظَّالِمِينَ } أي لا تغضب عليّ كغضبك عليهم ولست منهم فأدركته الرقة : { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لَي ولأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } .
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)
قوله عز وجل : { وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ } أما التوبة من السيئات فهي الندم على ما سلف والعزم على ألاّ يفعل مثلها . فإن قيل فالتوبة إيمان فما معنى قوله : { ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ } فالجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه : (2/20)
أحدها : يعني أنهم تابوا من المعصية واستأنفوا عمل الإيمان بعد التوبة .
والثاني : يعني أنهم تابوا بعد المعصية وآمنوا بتلك التوبة .
والثالث : وآمنوا بأن الله قابل التوبة .
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)
قوله عز وجل : { وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لّمِيقَاتِنَا } وفي الكلام محذوف وتقديره : واختار موسى من قومه سبعين رجلاً . (2/21)
وفي قوله : { لِّمِيقَاتِنَا } قولان :
أحدهما : أنه الميقات المذكور في سؤال الرؤية .
والثاني أنه ميقات غير الأول وهو ميقات التوبة من عبادة العجل .
{ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ } وفيها ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها الزلزلة ، قاله الكلبي .
والثاني : أنه الموت . قال مجاهد : ماتوا ثم أحياهم .
والثالث : أنها نار أحرقتهم فظن موسى أنهم قد هلكوا ولم يهلكوا ، قاله الفراء .
{ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ } وفي سبب أخذها لهم قولان :
أحدهما : لأنهم سألوا الرؤية ، قاله ابن إِسحاق .
والثاني : لأنهم لم ينهوا عن عبادة العجل قاله ابن عباس .
{ . . . أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَل السُّفَهَاءُ مِنَّآ } فيه قولان :
أحدهما : أنه سؤال استفهام خوفاً من أن يكون الله قد عمهم بانتقامه كما قال تعالى : { وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَّةً } [ الأنفال : 25 ] .
والثاني : أنه سؤال نفي ، وتقديره : إنك ل تعذب إلاَّ مذبناً فكيف تهلكنا بما فعل السفهاء منا .
فحكى أن الله أمات بالرجفة السبعين الذين اختارهم موسى من قومه ، لا موت فناء ولكن موت ابتلاء ليثبت به من أطاع وينتقم به ممن عصى وأخذت موسى غشية ثم أفاق موسى وأحيا الله الموتى ، فقال :
{ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ } فيه وجهان :
أحدهما : أن المراد بالفتنة العذاب ، قاله قتادة .
والثاني : أن المراد بها الابتلاء والاختبار .
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)
قوله عز وجل : { وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدَّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الأَخِرَةِ } في الحسنة هنا ثلاثة أقاويل : (2/22)
أحدها : أنها النعمة سميت حسنة لحسن موقعها في النفوس .
والثاني : أنها الثناء الصالح .
والثالث : أنها مستحقات الطاعة .
{ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : معناه تبنا إليك ، قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وقتادة ، وإبراهيم .
والثاني : رجعنا بالتوبة إليك ، لأنه من هاد يهود إذا رجع ، قاله علي بن عيسى .
والثالث : يعني تقربنا بالتوبة إليك من قولهم : ما له عند فلان هوادة ، أي ليس له عنده سبب يقربه منه ، قاله ابن بحر .
{ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ } وفيه قولان :
أحدهما : من أشاء من خلقي كما أصيب به قومك .
الثاني : من أشاء في التعجيل والتأخير .
{ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } فيها ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن مخرجها عام ومعناها خاص ، تأويل ذلك : ورحمتي وسعت المؤمنين بي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } الآية قاله ابن عباس .
والثاني : أنها على العموم في الدنيا والخصوص في الآخرة ، وتأويل ذلك : ورحمتي وسعت في الدنيا البر والفاجر ، وفي الآخرة هي للذين اتقوا خاصة ، قاله الحسن ، وقتادة .
والثالث : أنها التوبة ، وهي على العموم ، قاله ابن زيد .
{ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } فيه قولان :
أحدهما : يتقون الشرك ، قاله ابن عباس .
والثاني : يتقون المعاصي ، قاله قتادة .
{ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } فيها قولان :
أحدهما : أنها زكاة أموالهم لأنها من أشق فرائضهم ، وهذا قول الجمهور . والثاني : معناه أي يطيعون الله ورسوله ، قاله ابن عباس والحسن ، وذهبا إلى أنه العمل بما يزكي النفس ويطهرها من صالحات الأعمال .
فأما المكنّى عنه بالهاء التي في قوله : { فَسَأَكْتُبُهَا } فقد قيل إن موسى لما انطلق بوفد بني إسرائيل كلّمه الله وقال : إني قد بسطت لهم الأرض طهوراً ومساجد يصلون فيها حيث أدركتهم الصلاة إلا عند مرحاض أو قبر أو حمّام ، وجعلت السكينة في قلوبهم ، وجعلتهم يقرؤون التوراة عن ظهر ألسنهم ، قال فذكر موسى ذلك لبني إسرائيل ، فقالوا لا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا فاجعلها لنا في تابوت ، ولا نقرأ التوراة إلا نظراً ، ولا نصلي إلا في السكينة ، فقال الله تعالى { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } يعني ما مضى من السكينة والصلاة والقراءة ، ثم بيَّن من هم فقال :
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)
{ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمّيَّ } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وفي تسميته بالأمي ثلاثة أقاويل : (2/23)
أحدها : أنه لا يكتب .
الثاني : لأنه من أم القرى وهي مكة .
الثالث : لأن من العرب أمة أمية .
{ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبَاً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ } لأن في التوراة في السفر الخامس : إني سأقيم لهم نبياً من إخوتهم مثلك ، واجعل كلامي في فيه فيقول لهم كل ما أوصيته به . وفيها : وأما ابن الأمة فقد باركت عليه جداً جداً وسأدخره لأمة عظيمة .
وفي الإنجيل بشارة بالفارقليط في مواضع : يعطيكم فارقليط آخر يكون معكم الدهر كله .
وفيها قول المسيح للحواريين : أنا أذهب وسيأتيكم الفارقليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه ، إنه نذيركم يجمع بين الحق ويخبركم بالأمور المزمعة ويمدحني ويشهد لي . فهذا تفسير { يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ } .
ثم قال : { يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ } . وهو الحق .
{ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الُْنكَرِ } وهو الباطل وإنما سمي الحق معروفاً لأنه معروف الصحة في العقول ، وسمي الباطل منكراً لأنه منكر الصحة في العقول .
ثم قال : { وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّباتِ } يعني ما كانت الجاهلية تحرمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام .
{ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ } يعني ما كانوا يستحلونه من لحم الخنزير والدماء .
{ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ } فيه تأويلان :
أحدهما : أنه عهدهم الذي كان الله تعالى أخذه على بني إسرائيل .
والثاني : أنه التشديد على بني إٍسرائيل الذي كان في دينهم من تحريم السبت وتحريم الشحوم والعروق وغير ذلك من الأمور الشاقة ، قاله قتادة .
{ والأَغْلاَلَ التَّي كَانَتْ عَلَيهِمْ } فيها تأويلان :
أحدهما : أنه الميثاق الذي أخذه عليهم فيما حرمه عليهم ، قاله ابن أبي طلحة .
والثاني : يعني ما بيَّنه الله تعالى في قوله : { غُلَّتْ أَيْدِيِهِمْ } [ المائدة : 64 ] .
{ فَالَّذِينَ أَمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ . . . } فيه وجهان :
أحدهما : يعني عظموه ، قاله علي بن عيسى .
والثاني : منعوه من أعدائه ، قاله أبو جعفر الطبري . ومنه تعزير الجاني لأنه يمنعه من العود إلى مثله .
{ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ } يعني القرآن ، آمنوا به من بعده فروى قتادة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : « أَيُّ الخَلْقِ أَعْجَبُ إِلَيكُم إِيماناً؟ » قالوا : الملائكة فقال نبي اللَّه ( ص ) : « المَلائِكةُ عِندَ رَبِّهم فَمَا لَهُم لاَ يُؤْمِنُونَ . » فقالوا : النبيون ، فقال : « يُوحَى إِلَيهِم فَمَا لَهُم لاَ يُؤْمِنُونَ » قالوا : نحن يا نبي الله . فقال « أَنَا فِيكُم فَمَا لَكُم لاَ تُؤْمِنونَ ، » فقالوا : يا نبي الله فمن هم؟ قال : « هُم قَومٌ يَكُونُونَ بَعْدَكُم يَجِدُونَ كِتاباً فِي وَرَقٍ فَيُؤُمِنُونَ بِهِ » فهو معنى قوله : { وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ } .
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)
قوله عز وجل : { وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يهْدُونَ بِالْحَقِّ } فإن قيل فهذا يدل على أن في اليهود من هم على حق . (2/24)
الجواب عند ذلك من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنهم الذين تمسكوا بالحق في وقت ضلالتهم بقتل أنبيائهم ، ولا يدل هذا على استدامة حاله على الأبد .
والثاني : أنهم قوم وراء الصين لم تبلغهم دعوة الإسلام ، قاله ابن عباس ، والسدي .
والثالث : أنهم من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وابن صوريا وغيرهما ، قاله الكلبي .
وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)
قوله عز وجل : { وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ } اختلف في المأخوذ منه تسمية القرية على وجهين : (2/25)
أحدهما : لأن الماء يقرى إليها أي يجمع ، من قولهم قرى الماء في حوضه إذا جمعه .
والثاني : لأن الناس يجتمعون إليها كما يجتمع الماء فى الحوض .
واختلف في هذه القرية على قولين :
أحدهما : أنها بيت المقدس ، قاله قتادة .
والثاني : هي أرض الشام ، قاله الحسن .
فإنه قيل : فكيف سمى المأوى مسكناً والإنسان في مسكنه متحرك؟ قيل لأنه يترك فيه التصرف فصار في أكثر أحواله ساكناً وإن كان في بعضها متحركاً .
وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163)
قوله عز وجل : { وَاسْأَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كَانَتُ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ } فيها خمسة أقاويل : (2/26)
أحدها : أنها أيلة ، قاله ابن عباس ، وعكرمة ، والسدي .
والثاني : أنها بساحل مدين ، قاله قتادة .
والثالث : أنها مدين قرية بين أيلة والطور ، حكاه أبو جعفر الطبري .
والرابع : أنها قرية يقال لها مقتا بين مدين وعينونا ، قاله ابن زيد .
والخامس : ما قاله ابن شهاب أن القرية التي كانت حاضرة البحر طبرية ، والقرية التي قال فيها { وَاضْرِبْ لَهَم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ } [ يس : 13 ] . أنطاكية .
وسؤالهم عن هذه القرية إنما هو سؤال توبيخ على ما كان منهم فيها من سالف الخطيئة وقبيح المعصية .
{ إذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ } هو تعديهم فيه بفعل ما نهوا عنه .
{ إِذْ تَأْتِيهِم حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِم شُرَّعاً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن معنى { شُرَّعاً } أي طافية على الماء ظاهرة ، قاله ابن عباس ، ومنه شوارع البلد لظهورها .
والثاني : أنها تأتيهم من كل مكان ، قاله عطية العوفي .
والثالث : أنها شرّع على أبوابهم كأنها الكباش البيض رافعة رؤوسها حكاه بعض المتأخرين فتعدَّوا فأخذوها في السبت ، قاله الحسن .
وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)
قوله عز وجل : { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُوا بِهِ } نسوا يعني تركوا ، والذي ذكروا به أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر . (2/27)
{ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَونَ عَنِ السُّوءِ } وهم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .
{ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ } وهم الذين تركوا المعروف وفعلوا المنكر .
{ بِعَذَابٍ بَئِيَس } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : شديد ، قاله مجاهد .
والثاني : رديء ، قاله الأخفش .
الثالث : أنه العذاب المقترن بالفقر وهو البؤس .
وأما الفرقة الثالثة التي لم تنه ولم تفعل ففيها قولان :
أحدهما : أنها نُجِّيَتْ مع الذين نهوا .
والثاني : ما قاله ابن عباس : لا أدري ما فعل بها .
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167)
قوله عز وجل : { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ } فيه قولان : (2/28)
أحدهما : أنه تفعُّل من الإذن ومعناه أعلم ، قاله الحسن ، ومنه قول الأعشى :
أَذَّنَ الْقَوْمُ جِيرَتِي بِخُلُوفِ ... صَرَمُوا حَبْلَ آلِفٍ مَأْلُوفِ
والثاني : معناه نادى وأقسم ، قاله الزجاج .
{ ليَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ } يعني على اليهود .
{ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ } والمبعوثون هم العرب ، وسوء العذاب هو الذلة وأخذ الجزية ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، وقتادة .
ويقال إن أول من وضع الخراج وجباه من الأنبياء موسى ، فجبى الخراج سبع سنين وقيل ثلاث عشرة ثم أمسك إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال سعيد بن المسيب : استحب أن أبعث في الجزية الأنباط . ولا أعلم لاستحبابه ذلك وجهاً إلا أن يكون لأنهم من قوم بختنصر فهم أشد انتقاماً ، أو لأنها قد كانت تؤخذ منهم على استيفائها لأجل المقابلة أحرص .
وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)
قوله عز وجل : { وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً . . . } أي فرقناهم فيها فرقاً . وفي تفريقهم فيها ثلاثة أوجه : (2/29)
أحدها : زيادة في الانتقام منهم .
والثاني : ليذهب تعاونهم .
والثالث : ليتميز الصالح من المفسر لقوله تعالى : { مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دَونَ ذَلِكَ } ثم قال : { وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : بالثواب والعقاب .
والثاني : بالنعم والنقم . والثالث : بالخصب والجدب .
قوله عز وجل : { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } معناه فخلفهم خلف ، والخلف بتسكين اللام مستعمل في الذم . وبفتح اللام مستعمل في الحمد . وقال أبو عبيدة . معناها [ واحد ] مثل الأثر والإثر ، والأول أظهر وهو في قول الشعراء أشهر ، قال بعضهم :
خلفت خلفاً ليت بهم ... كان ، لا بِكَ التلف
وفي الخلف وجهان :
أحدهما : القرن ، قاله الفراء .
والثاني : أنه جمع خالف .
{ وَرِثُواْ الْكِتَابَ } يعني انتقل إليهم انتقال الميراث من سلف إلى خلف وفيهم قولان :
أحدهما : أنهم من خلف اليهود من أبنائهم . والكتاب الذي ورثوه التوراة لانتقالها لهم .
والثاني : أنهم النصارى : لأنهم خلف من اليهود . والكتاب الذي ورثوه : الإنجيل لحصوله معهم ، قاله مجاهد .
{ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى } يعني الرشوة على الحكم في قول الجميع وسماه عرضاً لقلة بقائه . وفي وصفه بالأدنى وجهان :
أحدهما : لأخذه في الدنيا الدانية .
والثاني : لأنه من المحرمات الدنية .
{ وَيَقُولُونَ : سَيُغْفرُ لَنَا } يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه مغفور ، لا نؤاخذ به .
والثاني : أنه ذنب لكن الله قد يغفره لنا تأميلاً منهم لرحمته .
{ وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } فيه وجهان :
أحدهما : أنهم أهل إصرار على الذنوب ، قاله مجاهد وقتادة والسدي .
والثاني : أنهم لا يشبعهم شيء ، فهم لا يأخذونه لحاجة ، قاله الحسن .
{ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ } يحتمل وجهين :
أحدهما : ألا يقولوا على الله إلا الحق في تحريم الحكم بالرشا .
والثاني : في جميع الطاعات والمعاصي والأوامر والنواهي .
{ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ } فيه تأويلان :
أحدهما : تركوا ما فيه أن يعملوا به حتى صار دارساً .
والثاني : أنهم قد تلوه ودرسوه فهم لا يجهلون ما فيه ويقومون على مخالفته مع العلم به .
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)
قوله عز وجل : { وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ . . . } فيه ثلاثة أوجه : (2/30)
أحدها : زعزعناه ، قاله ابن قتيبة ، ومنه قول العجاج :
قد جرّبوا أخلاقنا الجلائلا . . ... ونتقوا أحلامنا الأثاقلا
والثاني : بمعنى جذبناه ، والنتق : الجذب ومنه قيل للمرأة الولود ناتق ، قال النابغة :
لم يحرموا حسن الغذاء وأمهم ... طفحت عليك بناتقٍ مذكار .
واختلف في سبب تسميتها ناتقاً ، فقيل لأن : خروج أولادها بمنزلة الجذب . وقيل : لأنها تجذب ماء الفحل تؤديه ولداً .
والثالث : معناه ورفعناه عليهم من أصله .
قال الفراء : رفع الجبل على عسكرهم فرسخاً في فرسخ .
قال مجاهد : وسبب رفع الجبل عليهم أنهم أبوا أن يقبلوا فرائض التوراة لما فيها من المشقة ، فوعظهم موسى فلم يقبلوا ، فرفع الجبل فوقهم وقيل لهم : إن أخذتموه بجد واجتهاد وإلا ألقي عليكم . قال ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة : فأخذوه بقوة ثم نكثوا بعد .
واختلف في سبب رفع الجبل عليهم هل كان انتقاماً منهم أو إنعاماً عليهم؟ على قولين :
أحدهما : أنه كان انتقاماً بالخوف الذي دخل عليهم .
والثاني : كان إنعاماً لإقلاعهم به عن المعصية .
{ . . . وَظّنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ } فيه قولان :
أحدهما : أنه غلب في نفوسهم انه واقع بهم على حقيقة الظن .
والثاني : أنهم تيقنوه لما عاينوا من ارتفاعه عليهم ، قاله الحسن .
{ خُذُواْ مَا ءَاتَيْنَاكُمْ } يعني التوارة .
{ بِقُوَّةٍ } يحتمل وجهين :
أحدهما : بجد واجتهاد .
والثاني : بنية صادقة وطاعة خالصة .
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)
قوله عز وجل : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّتَهُمْ } أُختلف في الذين أخرجهم وأخذ ذلك عليهم على قولين : (2/31)
أحدهما : أنه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد وجعل فيها من المعرفة ما علمت به من خاطبها . واختلف من قال بهذا هل كان ذلك قبل نزوله إلى الأرض على قولين :
أحدهما : أنه كان في الجنة قبل هبوطه إلى الأرض .
والثاني : أنه فعل ذلك بعد هبوطه إليها .
والقول الثاني : في الأصل أنه خلق الأرواح والأجساد معاً وذلك في الأرض عند جميع من قال بهذا التأويل .
فعلى هذا فيه قولان :
أحدهما : أنه أخرجهم كالذر وألهمهم هذا فقالوه ، قال الكلبي ومقاتل : وذلك أن الله مسح ظهر آدم بين مكة والطائف فخرج من صفحة ظهره اليمنى ذرية كالذر بيض ، فهم أصحاب الميمنة . وخرج من صفحة ظهره اليسرى ذرية كالذر سود ، فهم أصحاب المشأمة ، فلما شهدوا على أنفسهم جميعاً من آمن منهم ومن كفر أعادهم .
والثاني : أنه أخرج الذرية قرناً بعد قرن وعصراً بعد عصر .
وفي { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } قولان :
أحدهما : هو أنه دلهم على أنفسهم بما شهدوه من قدرته ، قاله بعض المتكلمين .
والثاني : هو إشهادهم على أنفسهم بما اعترفوا من ربوبيته ووحدانيته . وفيه على التأويل قولان :
أحدهما : أنه قال ذلك للآباء من بني آدم حين أخرج من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ليعلمهم أنه خلق ذرياتهم بعد أن لم يكونوا كان هو الخالق لهم لأنهم كانوا ذرية مثلهم لمن تقدمهم كما صار هؤلاء ذرية لهم فاعترفوا بذلك حين ظهرت لهم الحجة ، قاله ابن بحر .
والقول الثاني : أنه قال ذلك للذرية حين أخذهم من ظهور آبائهم ، وهذا قول الأكثرين فعلى هذا فيه قولان :
أحدهما : أنه قال لهم : { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } على لسان الأنبياء بعد أن كملت عقولهم .
والثاني : أنه جعل لهم عقولاً علموا بها ذلك فشهدوا به على أنفسهم . وفي أصل الذرية قولان :
أحدهما : لأنهم يخرجون من الأصلاب كالذر .
والثاني : أنه مأخوذ من ذَرَأ الله الخلق إذا أحدثهم وأظهرهم .
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)
قوله عز وجل : { وَاتْلُ عَلَيْهِم نَبَأَ اْلَّذِيّ ءاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فانَسَلَخَ مِنْهَا } فيه ثلاثة أقاويل : (2/32)
أحدها : أنه بلعام بن عوراء ، واختلفوا فيه فقيل كان من اليمن ، وقيل كان من الكنعانيين ، وقيل من بني صال بن لوط ، قاله ابن عباس ، وابن مسعود .
والثاني : أنه أمية بن أبي الصلت الثقفي ، قاله عبد الله بن عمرو .
والثالث : أنه من أسلم من اليهود والنصارى ونافق ، قاله عكرمة .
وفي الآيات التي أوتيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه اسم الله الأعظم الذي تجاب به الدعوات ، قاله السدي وابن زيد .
والثاني : أنها كتاب من كتب الله . قاله ابن عباس .
والثالث : أنه أوتي النبوة فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه ، قاله مجاهد ، وهو غير صحيح لأن الله لا يصطفي لنبوته إلا من يعلم أن لا يخرج عن طاعته إلى معصيته .
وفي قوله : { فَانسَلَخَ مِنهَا } وجهان :
أحدهما : فانسلخ من العلم بها لأنه سيسلب ما أوتي منها بالمعصية . والثاني : أنه انسلخ منها أي من الطاعة بالمعصية مع بقاء علمه بالآيات حتى حكي أن بلعام رُيثي على أن يدعو على قوم موسى بالهلاك فسها فدعا على قومه فهلكوا .
{ فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الشيطان صيره لنفسه تابعاً بإجابته له حين أغواه .
والثاني : أن الشيطان متبع من الإنس على ضلالته من الكفر .
والثالث : أن الشيطان لحقه فأغواه ، يقال اتبعت القوم إذا لحقتهم ، وتبعتهم إذا سرت خلفهم ، قاله ابن قتيبة .
{ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : من الهالكين .
الثاني : من الضالين .
قوله عز وجل : { وَلَو شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } فيه وجهان :
أحدهما : يعني لأمتناه فلم يكفر .
والثاني : لحلنا بينه وبين الكفر فيصير إلى المنزلة المرفوعة معصوماً ، قاله مجاهد .
{ وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ } أي ركن إليها . وفي ركونه إليها وجهان :
أحدهما : أنه ركن إلى أهلها في استنزالهم له ومخادعتهم إياه .
والثاني : أنه ركن إلى شهوات الأرض فشغلته عن طاعة الله ، وقد بين ذلك قوله تعالى { وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } .
ثم ضرب مثله بالكلب { . . . إِن تَحْمِْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ } وفي تشبيهه بالكلب اللاهث وجهان :
أحدهما : لدناءته ومهانته .
الثاني : لأن لهث الكلب ليس بنافع له .
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)
قوله عز وجل : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ } ، { ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ } أي خلقنا ممن يصير إلى جهنم بكفره ومعصيته . (2/33)
و { كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ } فيه قولان :
أحدهما : أراد أولاد الزنى لأنهم من النطف الخبيثة مخلوقين ، فهم أكثر الناس إسراعاً إلى الكفر والمعصية فيصيرون جامعين بين [ سوء ] المعتقد وخبث المولد .
والقول الثاني : أنه على العموم في أولاد الزنى والرِشدة فيمن ولد من نكاح أو سفاح لأنهم مؤاخذون على أفعالهم لا على مواليدهم التي خبثت بأفعال غيرهم .
{ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا } الحق .
{ وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا } الرشد .
{ وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا } الوعظ ، فصاروا بترك استعمالها بمثابة من عَدِمها ، قال مسكين الدرامي :
أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يُواري جارتي الجدر
وأصم عما كان بينهما ... سمعي وما في سمعي الوقر
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)
قوله عز وجل : { وَلِلَّهِ الأَسْمآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } قال ابن عباس : كل أسمائه حسنى وفي المراد بالحسنى ها هنا وجهان : (2/34)
أحدهما : ما مالت إليه القلوب من ذكره بالعفو والرحمة دون السخط والنقمة .
والثاني : أسماؤه التي يستحقها لنفسه ولفعله ومنها صفات هي طريقة المعرفة به ، وهي تسعة :
القديم الأول قبل كل شيء . والباقي بعد فناء كل شيء . والقادر الذي لا يعجزه شيء والعالم الذي لا يخفى عليه شيء . والحي الذي لا يموت . والواحد الذي ليس كمثله شيء والسميع البصير الذي لا يعزب عنه شيء والغني بنفسه عن كل شيء .
وفي دعائه بها وجهان :
أحدهما : نداؤه بها عند الرغبة إليه في الدعاء والطلب .
والثاني : تعظيمه بها تعبداً له بذكرها .
{ وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : معناه يكذبون ، قاله ابن عباس .
والثاني : يشركون ، قاله قتادة .
والثالث : يحوّرون ، قاله الأخفش .
وفي إلحادهم فيها قولان :
أحدهما : اشتقاقهم آلهتهم من أسماء الله ، كما سموا بعضها باللات اشتقاقاً من الله ، وبعضها بالعزى اشتقاقاً من العزيز ، قاله ابن عباس ، ومجاهد .
والثاني : تسميتهم الأوثان آلهة والله عز وجل أبا المسيح وعزير .
وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)
قوله عز وجل : { وَمِمَّنْ خَلَقَنْآ أُمَّةٌ يَهُدُونَ بِالْحَقِّ } فيهم قولان : (2/35)
أحدهما : العلماء .
والثاني : أنهم هذه الأمة . روى ذلك قتادة ، وابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)
قوله تعالى : { وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِأَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } والاستدراج أن تنطوي على حالة منزلة بعد منزلة . (2/36)
وفي اشتقاقه قولان :
أحدهما : أنه مشتق من الدرج لانطوائه على شيء بعد شيء .
والثاني : أنه مشتق من الدرجة لانحطاطه من منزلة بعد منزلة .
وفي المشار إليه باستدراجهم قولان :
أحدهما : استدراجهم إلى الهلكة .
والثاني : الكفر .
وقوله : { مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : لا يعلمون بالاستدراج .
والثاني : لا يعلمون بالهلكة .
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)
قوله عز وجل : { مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِي لَهُ } فيه قولان : (2/37)
أحدهما : معنى يضله يحكم بضلالته في الدين .
والثاني : يضله عن طريق الجنة إلى النار .
{ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } والطغيان إفراط العدوان .
وفي { يَعْمَهُونَ } وجهان :
أحدهما : يتحيرون ، والعمه في القلب كالعمى في العين .
والثاني : يترددون ، قاله قطرب واستشهد بقول الشاعر :
متى يعمه إلى عثمان يعمه ... إلى ضخم السرادق والقطار .
يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187)
قوله عز وجل : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ } فيه قولان : (2/38)
أحدهما : أن السائل عنها اليهود ، قاله ابن عباس .
والثاني : أن السائل عنها قريش ، قاله الحسن ، وقتادة .
{ أَيَّانَ مُرْسَاهَا } أما { أَيَّانَ } فمعنى متى ، ومنه قول الراجز :
أيان تقضي حاجتي أيانا ... أما ترى لنجحها أوانا
وأما { مُرْسَاهَا } ففيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : قيامها ، قالها السدي .
والثاني : منتهاها ، قاله ابن عباس .
والثالث : ظهورها ، قاله الأخفش .
{ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّيِ لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ } لا يعلم وقتها إلا هو ، نفياً أن يعلمها غير الله { ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : كبر على أهل السموات والأرض مجيء الساعة ، قاله الحسن .
والثاني : ثقل عليهم قيام الساعة ، قاله السدي .
والثالث : معناه عظم وصفها على أهل السموات والأرض ، قاله ابن جريج .
{ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً } يعني على غفلة لأنه لا يعلمها غير الله ، ولم ترد الأخبار عنها من جهة الله فصار مجيئها بغتة وذلك أشد لها كما قال الشاعر :
وأنكأ شيء حين يفجؤك البغتُ ... { يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا } فيه تأويلان :
أحدهما : معناه عالِمٌ بها ، قاله مجاهد ، والضحاك ، وابن زيد ، ومعمر .
والثاني : معنى الكلام يسألونك عنها كأن حفي بهم ، على التقديم والتأخير ، أي كأنك بينك وبينهم مودة توجب برهم ، من قوله : { إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } [ مريم : 46 ] قاله ابن عباس .
قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)
قوله عز وجل : { قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً } أي لا أملك القدرة عليهما من غير مانع ولا صاد . (2/39)
{ إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ } أن يملكني إياه فأملكه بمشيئته .
{ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : لاستكثرت من العمل الصالح ، قاله الحسن ، وابن جريج .
والثاني : لأعددت من السنة المخصبة للسنة المجدبة ، قاله الفراء .
والثالث : وهو شاذ : لاشتريت في الرخص وبعْت في الغلاء .
{ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدهما : ما بي جنون كما زعم المشركون ، قاله الحسن .
والثاني : ما مسني الفقر لاستكثاري من الخير .
والثالث : ما دخلت على شبهة .
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)
{ فَلَمَّا ءَاتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا ءَاتَاهُمَا } وذلك أن إبليس قال لحواء سَمِّيه : عبد الحارث ، يعني نفسه لأنه اسمه في السماء كان « الحارث » فسمته عبد الله فمات ، ثم حملت ولداً ثانياً فقال لها ذلك فلم تقبل ، فمات ، ثم حملت ثالثاً فقال لها ولآدم ، أتظنان الله تارك عبده عندكما؟ لا والله ليذهبن به كما ذهب بالآخرين فسمياه بذلك فعاش ، فهذا معنى قوله : { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا ءَاتَاهُمَا } أي في الاسم ، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : خدعهما مرتين خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض . (2/40)
وقال الحسن وقتادة : إن المكنّى عنه بقوله : { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا ءَاتَاهُمَا } ابن آدم وزوجته ، وليس براجع إلى آدم وحواء .
أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (195) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)
قوله عز وجل : { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا } يعني الأصنام ، يعني أرجل يمشون بها في مصالحكم . (2/41)
{ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا } يعني في الدفع عنكم .
{ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا } يعني مضاركم من منافعكم .
{ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } دعاءَكم وتضرعكم .
فإن قيل فلم أنكر عبادة من لا رجل له ولا يد ولا عين؟
قيل عنه جوابان :
أحدهما : أن من عبد جسماً لا ينفع كان ألوم ممن عبد جسماً ينفع .
والثاني : أنه عرفهم أنهم مفضلون عليها ، فكيف يعبدون من هم أفضل منه .
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)
قوله عز وجل : { خُذِ الْعَفْوَ } فيه ثلاثة أقاويل : (2/42)
أحدها : العفو من أخلاق الناس وأعمالهم ، قاله ابن الزبير ، والحسن ، ومجاهد .
الثاني : خذ العفو من أموال المسلمين ، وهذا قبل فرض الزكاة ثم نسخ بها ، قاله الضحاك والسدي وأحد قولي ابن عباس .
والثالث : خذ العفو من المشركين ، وهذا قبل فرض الجهاد ، قاله ابن زيد .
{ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } فيه قولان :
أحدهما : معناه بالمعروف ، قاله عروة وقتادة .
والثاني : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لجبريل حين نزلت عليه هذه الآية { خُذِ الْعَفْوَ وَأَْمُرْ بِالْعُرْفِ } : « يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا » قال : لا أدري أسأل العالم ، قال « ثُمَّ عَادَ جِبْرِيلُ فَقَالَ » « يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك ، وتعفو عمَّن ظلمك » قاله ابن زيد .
{ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } فإن قيل فكيف أمر بالإعراض مع وجوب الإنكار عليهم؟
قيل : إنما أراد الإعراض عن السفهاء استهانة بهم . وهذا وإن كان خطاباً لنبيِّه عليه السلام فهو تأديب لجميع خلقه .
قوله عز وجل : { وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعٌ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن النزغ الانزعاج .
والثاني : الغضب .
والثالث : الفتنة ، قاله مقاتل .
{ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } سميع بجهل من جهل ، عليم بما يزيل عنك النزغ .
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202)
قوله عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَآئِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ } قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة { طَآئِفٌ } ، وقرأ الباقون { طَيْفٌ } واختلف في هاتين القراءتين على قولين : (2/43)
أحدهما : أن معناهما واحد وإن اختلف اللفظان ، فعلى هذا اختلف في تأويل ذلك على أربعة تأويلات :
أحدها : أن الطيف اللمم كالخيال يلم بالإنسان .
والثاني : أنه الوسوسة ، قاله أبو عمرو بن العلاء .
والثالث : أنه الغضب ، وهو قول مجاهد .
والرابع ، أنه الفزع ، قاله سعيد بن جبير .
والقول الثاني : أن معنى الطيف والطائف مختلفان ، فالطيف اللمم ، والطائف كل شيء طاف بالإنسان .
{ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُمْ مُّبْصِرُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : علموا فإذا هم منتهون .
والثاني : اعتبروا فإذا هم مهتدون .
وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)
قوله عز وجل : { وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا } فيه ثلاثة أوجه : (2/44)
أحدها : معناه هلا أتيتنا بها من قبل نفسك ، وهذا قول مجاهد ، وقتادة .
والثاني : معناه هلا اخترتها لنفسك .
والثالث : معناه هلا تقبلتها من ربك ، قاله ابن عباس .
وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)
قوله عز وجل { وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَآنُ فِاسْتَمِعُوا لَهُ } أي لقراءته . (2/45)
{ وَأَنصِتُواْ } أي لا تقابلوه بكلام ولا إعراض { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } .
واختلفوا في موضع هذا الإنصات على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها نزلت في المأموم خلف الإمام ينصت ولا يقرأ ، قاله مجاهد .
والثاني : أنها نزلت في خطبة الجمعة ينصت الحاضر لاستماعها ولا يتكلم ، قالته عائشة ، وعطاء .
والثالث : ما قاله ابن مسعود : كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة ، سلام على فلان ، سلام على فلان ، فجاء القرآن من { وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ } .
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)
قوله عز وجل : { وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } وفي هذا الذكر ثلاثة أوجه : (2/46)
أحدها : أنه ذكر القرءاة في الصلاة خلف الإمام سراً في نفسه قاله قتادة .
والثاني : أنه ذكر بالقلب باستدامة الفكر حتى لا ينسى نعم الله الموجبة لطاعته .
والثالث : ذكره باللسان إما رغبة إليه في دعائه أو تعظيماً له بالآية . وفي المخاطب بهذا الذكر قولان :
أحدهما : أنه المستمع للقرآن إما في الصلاة أو الخطبة ، قاله ابن زيد .
والثاني : أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ومعناه عام في جميع المكلفين .
ثم قال : { تَضَرُّعاً وَخِيفَةً } أما التضرع فهو التواضع والخشوع ، وأما الخيفة فمعناه مخافة منه .
{ وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ } يعني أسرَّ القول إما بالقلب أو باللسان على ما تقدم من التأويلين .
ثم قال تعالى : { بالْغُدُوِّ وَالأَصْالِ } فيه وجهان :
أحدهما : بالبكر والعشيات .
والثاني : أن الغدو آخر الفجر صلاة الصبح ، والآصال آخر العشي صلاة العصر ، قاله مجاهد ، ونحوه عن قتادة .
{ وَلاَ تَكُنِ مِّنَ الْغَافِلِينَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : عن الذكر .
والثاني : عن طاعته في كل أوامره ونواهيه ، قاله الجمهور .
{ وَيُسَبِّحُونَهُ وََلَهُ يَسْجُدُونَ } وهذا أول سجدات التلاوة في القرآن .
وسبب نزولها ما قاله كفار مكة { وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً } [ الفرقان : 60 ] .
فأنزل الله تعالى هذه الآية وأعلمهم أن الملائكة المقربين إذا كانوا على هذه الحال في الخضوع والرغبة فأنتم بذلك أولى والله أعلم بالصواب .
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)
قوله عز وجل : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ } وهذا الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله أصحابه يوم بدر عن الأنفال . (2/47)
وفي هذه الأنفال التي سألوه عنها خمسة أقاويل :
أحدها : أنها الغنائم ، وهذا قول ابن عباس ، وعكرمة ، وقتادة ، والضحاك ،
الثاني : أنها السرايا التي تتقدم الجيش ، وهذا قول الحسن .
الثالث : الأنفال ما ندّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال من دابة أو عبد ، وهذا أحد قولي ابن عباس .
الرابع : أن الأنفال الخمس من الفيء والغنائم التي جعلها الله تعالى لأهل الخمس ، وهذا قول مجاهد .
الخامس : أنها زيادات يزيدها الإمام بعض الجيش لما قد يراه من الصلاح .
والأنفال جمع نَفَل ، وفي النفل قولان :
أحدهما : أنه العطية ، ومنه قيل للرجل الكثير العطاء : نوفل ، قال الشاعر :
يأتي الظلامة منه النوفل الزُّفَرُ ... فالنوفل : الكثير العطاء . والزفر : الحمال للأنفال ، ومنه سمي الرجل زفر .
والقول الثاني : أن النفل الزيادة من الخير ومنه صلاة النافلة . قال لبيد بن ربيعة :
إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل
واختلفوا في سبب نزول هذه الآية على أربعة أقاويل :
أحدها : ما رواه ابن عباس قال : لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « مَنْ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ كَذَا وَكذَا » فسارع إليه الشبان وبقي الشيوخ تحت الرايات ، فلما فتح الله تعالى عليهم جاءوا يطلبون ما جعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الشيوخ : لا تستأثروا علينا فإنا كنا ردءاً لكم ، فأنزل الله تعالى { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ } الآية .
الثاني : ما روى محمد بن عبيد بن سعد بن أبي وقاص قال : لما كان يوم بدر قُتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص بن أميةَ وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكتيفة فجئت به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : هبه لي يا رسول الله ، فقال : « اطْرَحْهُ فِى القَبض » فطرحته ورجعت وبي من الغم ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي وأخذ سلبي ، قال : فما تجاوزت إلا قريباً حتى نزلت عليه سورة الأنفال فقال : « اذْهَبْ فُخُذْ سَيْفَك » .
الثالث : أنها نزلت في المهاجرين والأنصار ممن شهد بدراً فاختلفوا وكانوا أثلاثاً فنزلت { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ } الآية . فملّكه الله رسوله فقسمه كما أراه الله ، قاله عكرمة والضحاك وابن جريج .
والرابع : أنهم لم يعلموا حكمها وشكّوا في إحلالها لهم مع تحريمها على من كان قبلهم فسألوا عنها ليعلموا حكمها من تحليل أو تحريم فأنزل الله تعالى هذه الآية .
ثم اختلف أهل العلم في نسخ هذه الآية على قولين :
أحدهما : أنها منسوخة بقوله تعالى : { وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } [ الانفال : 41 ] . الآية ، قاله عكرمة ، ومجاهد ، والسدي .
والقول الثاني : أنها ثابتة الحكم ومعنى ذلك؛ قل الأنفال لله ، وهي لا شك لله مع الدنيا بما فيها والآخرة ، والرسول يضعها في مواضعها التي أمره الله بوضعها فيها ، قاله ابن زيد .
{ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : أن يرد أهل القوة على أهل الضعف .
الثاني : أن يسلِّموا لله وللرسول ليحكما في الغنيمة بما شاء الله .
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)
قوله عز وجل : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } فيه أحدهما : خافت . (2/48)
الثاني : رَقّتْ .
{ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْ ءَايَاتُهُ } يعني آيات القرآن بما تضمنته من أمر ونهي . { زَادَتْهُمْ إِيمَاناً } فيه وجهان :
أحدهما : تصديقاً .
الثاني : خشية .
{ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : فيما يخافونه من الشدة في الدنيا .
الثاني : فيما يرجونه من ثواب أعمالهم في الآخرة .
كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)
قوله عز وجل : { كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ } فيه قولان : (2/49)
أحدهما : كما أخرجك ربك من مكة إلى المدينة بالحق مع كراهه فريق من المؤمنين كذلك ينجز وعدك في نصرك على أعدائك بالحق .
والثاني : كما أخرجك ربك من بيتك مِن المدينة إلى بدر بالحق كذلك جعل لك غنيمة بدر بالحق .
وفي قوله : { بِالْحَقِّ } وجهان :
أحدهما : أنك خرجت ومعك الحق .
الثاني : أنه أخرجك بالحق الذي وجب عليك .
{ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : كارهون خروجك .
الثاني : كارهون صرف الغنيمة عنهم لأنهم لم يعلموا أن الله تعالى قد جعلها لرسوله دونهم .
قوله عز وجل : { يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ } يعني في القتال يوم بدر .
و { بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : بعد ما تبين لهم صوابه .
الثاني : بعد ما تبين لهم فرضه .
وفي المجادل له قولان :
أحدهما : أنهم المشركون ، قاله ابن زيد .
الثاني : أنهم طائفة من المؤمنين وهو قول ابن عباس ، وابن إسحاق ، لأنهم خرجوا لأخذ العير المقبلة من الشام مع أبي سفيان فلما فاتهم ذلك أمروا بالقتال فجادلوا طلباً للرخصة وقالوا ما تأهبنا في الخروج لقتال العدو ، فأنزل الله تعالى : { كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ } يعني كأنهم في قتال عدوهم يساقون إلى الموت ، رعباً وأسفاً لأنه أشد لحال من سيق إلى الموت أن يكون ناظراً له وعالماً به .
قوله عز وجل : { وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ } الآية . وسبب ذلك أن عير قريش لما أقبلت من الشام مع أبي سفيان همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج لأخذها ، وسار فبلغ ذلك قريشاً فخرجت للمنع عنها ، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بخروجها شاور أصحابه ، فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك ، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد وقال : « سِيرُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ وَأَبْشِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الْطَّائِفَتَينِ وَاللَّهِ لَكَأَنِي أَنْظُرُ الآنَ إِلَى مَصَارِعِ الْقَومِ » فذلك معنى قوله { وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّآئِفَتَيْنِ } يعني العير التي مع أبي سفيان أو الظفر بقريش الخارجين للمنع منها .
{ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ } أي غير ذات الحرب وهي العير لأن نفوسهم في لقائها أسكن ، وهم إلى ما فيها من الأموال أحوج .
وفي الشوكة التي كُني بها عن الحرب وجهان :
أحدهما : أنها الشدة فكُني بها عن الحرب لما فيها من الشدة ، وهذا قول قطرب .
والثاني : أنها السلاح ، وكُني بها عن الحرب لما فيها من السلاح ، من قولهم رجل شاكٍ في السلاح ، قاله ابن قتيبة . (2/50)
{ وَيُريدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ } فيه قولان :
أحدهما : إظهار الحق بإعزاز الدين في وقته على ما تقدم من وعده .
والثاني : أن الحق في أمره لكم أن تجاهدوا عدوكم .
وفي صفة ذلك وجهان لأصحاب الخواطر .
أحدهما : يحق الحق بالإقبال عليه ويبطل الباطل بالإعراض عنه .
الثاني : يحق الحق بالقبول ويبطل الباطل بالرد .
{ لِيُحِقَّ الْحَقَّ } معناه ليظهر الحق يعني الإسلام .
{ ويُبْطِلَ الْبَاطِلَ } أي يذهب بالباطل يعني الشرك .
قال الحسن . هذه الآية نزلت قبل قوله : { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ } وهي في القراءة بعدها .
روى سماك عن عكرمة قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر عليك بالعير ليس دونها شيء فقال له العباس وهو أسير في أيديهم : ليس لك ذلك ، فقال : « لم؟ » فقال : لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك .
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)
قوله عز وجل : { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } فيه وجهان : (2/51)
أحدهما : تستنصرون .
الثاني : تستجيرون .
والفرق بين المستنصر والمستجير أن المستنصر : طالب الظفر ، والمستجير : طالب الخلاص .
والفرق بين المستغيث والمستعين أن المستغيث : المسلوب القدرة ، والمستعين الضعيف القدرة .
{ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ } أي فأعانكم .
والفرق بين الاستجابة والإجابة أن الإجابة ما لم يتقدمها امتناع . { أَنَِّي مُمِدُّكُم بَأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : مع كل ملك ملك ، وهو قول ابن عباس فتكون الألف ألفين . قال الشاعر :
إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا
الثاني : معناه متتابعين ، قاله السدي ، وقتادة .
الثالث : معنى مردفين أي ممدّين ، والإرداف إمداد المسلمين بهم ، قاله مجاهد .
{ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى } فيه وجهان :
أحدهما : أن البشرى هي في مددهم بألف من الملائكة بشروهم بالنصر فكانت هي البشرى التي ذكرها الله تعالى .
والثاني : البشرى النصرة التي عملها الله لهم .
{ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : بالبشرى .
والثاني : بالملائكة .
واختلفوا في قتال الملائكة معهم على قولين :
أحدهما : لم يقاتلوا وإنما نزلوا بالبشرى لتطمئن به قلوبهم ، وإلا فملك واحد يهلك جميع المشركين كما أهللك جبريل قوم لوط .
الثاني : أن الملائكة قاتلت مع النبي صلى الله عليه وسلم كما روى ابن مسعود أنه سأله أبو جهل : من أين كان يأتينا الضرب ولا نرى الشخص؟ قال : « مِن قِبَلِ الْمَلاَئِكَةِ » فقال : هم غلبونا لا أنتم .
وقوله : { وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ } لئلا يتوهم أن النصر من قبل الملائكة لا من قبل الله تعالى .
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14)
قوله تعالى : { إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسُ أَمَنَةً مِّنْهُ } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وكثيراً من أصحابه غشيهم النعاس ببدر . (2/52)
قال سهل بن عبد الله : النعاس يحل في الرأس مع حياة القلب ، والنوم يحل في القلب بعد نزول من الرأس ، فهوَّمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ناموا فبشر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصر فأخبر به أبا بكر .
وفي امتنان الله تعالى عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان :
أحدهما : قوّاهم بالاستراحة على القتال من الغد .
الثاني : أن أمَّنَهم بزوال الرعب من قلوبهم ، كما قال : الأمن منيم ، والخوف مسهر .
وقوله تعالى : { أََمَنَةً مِّنْهُ } يعني به الدعة وسكون النفس من الخوف وفيه وجهان :
أحدهما : أمنة من العدو .
الثاني : أمنة من الله سبحانه وتعالى .
{ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ } لأن الله تعالى أنزل عليهم ماء السماء معونة لهم بثلاثة أمور :
أحدها : الشرب وإن كانوا على ماء .
الثاني : وهو أخص أحواله بهم في ذلك المكان وهو أن الرمل تلبد بالماء حتى أمكن المسلمين القتال عليه .
والثالث : ما وصفه الله تعالى به من حال التطهير .
وفي تطهيرهم به وجهان :
أحدهما : من وساوس الشيطان التي ألقى بها في قلوبهم الرعب ، قاله زيد بن أسلم .
والثاني : من الأحداث والأنجاس التي نالتهم ، قاله الجمهور .
قال ابن عطاء : أنزل عليهم ماءً طهر به ظواهر أبدانهم ، وأنزل عليهم رحمة نقّى بها سرائر قلوبهم .
وإنما خصه الله تعالى بهذه الصفة لأمرين .
أحدهما : أنها أخص صفاته .
والثاني : أنها ألزم صفاته .
ثم قال : { وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشّيَطانِ } فيه قولان :
أحدهما : وسوسته أن المشركين قد غلبوهم على الماء ، قاله ابن عباس .
والثاني : كيده وهو قوله : ليس لكم بهؤلاء القوم طاقة ، قاله ابن زيد .
{ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : ثقة بالنصر .
والثاني : باستيلائهم على الماء .
{ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ } فيه قولان :
أحدهما : بالصبر الذي أفرغه الله تعالى حتى يثبتوا لعدوهم ، قاله أبو عبيدة .
والثاني : تلبيد الرمل بالمطر الذي لا يثبت عليه قدم ، وهو قول ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك .
قوله عز وجل : { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ } معناه معينكم ويحتمل أن يكون معناه إني معكم في نصرة الرسول ، فتكون الملائكة لتثبيت المؤمنين ، والله تعالى متولي النصر بما ألقاه من الرعب في قلوب المشركين .
{ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ ءَامَنُواْ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : فثبوتهم بحضوركم معهم في الحرب .
والثاني : بقتالكم معهم يوم بدر ، قاله الحسن .
والثالث : بإخبارهم أنه لا بأس عليهم من عدوهم .
{ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ } يعني الخوف ، ويحتمل أحد وجهين :
إما أن يكون إلقاء الرعب بتخاذلهم ، وإما أن يكون بتكثير المسلمين في أعينهم . (2/53)
وفي ذلك وجهان :
أحدهما : أنه قال ذلك للملائكة معونة لهم .
والثاني : أنه قال ذلك له ليثبتوا به الذين آمنوا . { فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ } فيه خمسة أقاويل :
أحدها : فاضربوا الأعناق ، وفوق صلة زائدة في الكلام ، قاله عطية والضحاك .
وقد روى المسعودي عن القاسم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لأُُعَذِّبَ بَعَذَابِ اللَّهِ وَإِنَّمَا بُعِثْتُ بِضَرْبِ الأَعْنَاقِ وَشَدِّ الْوَثَاقِ » . والثاني : معناه واضربوا الرؤوس فوق الأعناق ، قاله عكرمة .
والثالث : فاضربوا على الأعناق .
والرابع : فاضربوا على الأعناق .
والخامس : فاضربوا فوق جلدة الأعناق .
{ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } يعني المفاصل من أطراف الأيدي والأرجل والبنان : أطراف الأصابع من اليدين والرجلين .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)
قوله عز وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً } والزحف : الدنو قليلاً قليلاً . (2/54)
{ فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ } يعني بالهزيمة منهم والانصراف عنهم . وفيه قولان :
أحدهما : أن هذا على العموم في تحريم الهزيمة بعد لقاء العدو .
والثاني : مخصوص وهو أن الله تعالى أوجب في أول الإِسلام على كل رجل من المسلمين أن يقف بإزاء عشرة من المشركين لا يحل له بعد اللقاء أن ينهزم عنهم وذلك بقوله : { إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَابرُونَ يَغْلِبُواْ مِائَتَينِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةُ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِنَ الَّذينَ كَفرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } [ الأنفال : 65 ] وفيه وجهان :
أحدهما : لا يعلمون ما فرضه الله تعالى عليه من الإسلام .
الثاني : لا يعلمون ما فرضه الله تعالى عليهم من القتال .
ثم نسخ ذلك عنهم بعد كثرتهم واشتداد شوكتهم فأوجب الله تعالى على كل رجل لاقى المشركين محارباً أن يقف بإزاء رجلين بعد أن كان عليه أن يقف بإزاء عشرة تخفيفاً ورخصة وذلك قوله تعالى : { الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وعَلِمَ أَنَّ فِيكُم ضَعْفاً } .
قرىء بضم الضاد وفتحها ، وفي اختلاف القراءتين وجهان :
أحدهما : أنهما لغتان ومعناهما واحد ، قاله الفراء .
والثاني : معناهما مختلف .
وفي اختلافهما وجهان :
أحدهما : أنها بالفتح : الضعف في الأموال ، وبالضم : الضعف في الأحوال .
الثاني : أنها بالفتح : الضعف في النيات ، وبالضم : الضعف في الأبدان . وقيل بعكس الوجهين في الوجهين .
ثم قال : { فَإِن يَكُن مِّنكم مَّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مَائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ ألْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَينِ بِإِذنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } فيه تأويلان :
أحدهما : مع الصابرين على القتال في معونتهم على أعدائهم .
الثاني : مع الصابرين على الطاعة في قبول عملهم وإجزال ثوابهم ، فصار حتماً على من لاقى عدوه من المشركين زحفاً أن لا ينهزم مع القوة على المصابرة حتى يقضي الله من أمره ما شاء فأما الهزيمة مع العجز عن المصابرة فإن قاتله أكثر من مثليه جاز أن يُولي عنهم منهزماً ، وإن قاتله مثلاه فمن دون حرم عليه أن يوليّ عنهم منهزماً على صفتين : إما أن يتحرف لقتال وهو أن يهرب ليطلب ، ويفر ليكر فإن الحرب كرٌ وفرٌ ، وهرب وطلب ، وإما أن يتحيز إلى فئة أخرى ليقاتل معها ، قربت الفئة أو بعدت ، وذلك ظاهر في قوله تعالى :
{ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَومَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ } أي صار بالمكان الذي يحق عليه غضب الله ، مأخوذ من المبوأ وهو المكان .
ومذهب الشافعي وأصحابه وموافقيه أن هذا على العموم ، محكوم به في كل مسلم لاقى عدواً ، وبه قال عبد الله بن عباس .
وحكي عن الحسن ، وقتادة ، والضحاك : أن ذلك خاص في أهل بدر ، وبه قال أبو حنيفة .
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)
قوله عز وجل : { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ } يحتمل وجهين : (2/55)
أحدهما : ولكن الله قتلهم بسوقهم إليكم حتى أمكنكم منهم .
والثاني : ولكن الله قتلهم بمعونته لكم حين ألقى في قلوبهم الرعب وفي قلوبكم النصر .
وفيه وجه ثالث قاله ابن بحر : ولكن الله قتلهم بالملائكة الذين أمدكم بهم .
وقيل لم تقتلوهم بقوتكم وسلاحكم ولكن الله قتلهم بخذلانهم وقبض أرماحهم .
{ وَمَا رَمَيْتَ إذَ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : ما حكاه ابن عباس ، وعرة ، والسدي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قبض يوم بدر قبضة من تراب رماهم بها وقال : « شَاهَتِ الْوُجُوهُ » أي قبحت ومنه قول الحطيئة :
أرى لي وجهاً شوه الله خلقه . . ... فقُبح من وجهٍ وقبح حامله .
فألقى الله تعالى القبضة في أبصارهم حتى شغلتهم بأنفسهم وأظفر الله المسلمين بهم ، فهو معنى قوله تعالى : { وَمَا رَمَيْتَ إذَ رَمَيْتَ وَلَكِنَ اللَّهَ رَمَى } . الثاني : معناه وما ظفرت إذ رميت ولكن الله أظفرك ، قاله أبو عبيدة .
الثالث : وما رميت قلوبهم بالرعب إذ رميت وجوههم بالتراب ولكن الله ملأ قلوبهم رعباً .
والقول الرابع : أنه أرد رمى أصحابه بالسهم فأصاب رميهم .
وقوله تعالى : { وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } يعني بما أرسله من الريح المعينة لسهامهم حتى سددت وأصابت . والمراد بالرمي الإصابة لأن معى الرمي محمول على الإصابة ، فإن لم يصب قيل رمى فأخطأ . وإذا قيل مطلقاً :
قد رمى ، لم يعقل منه إلا الإصابة . ألا ترى إلى قول امرىء القيس :
فرماها في فرائصها . ... فاستغنى بذكر الرمي عن وصفه بالإصابة .
وقال ذو الرمة في الرأي :
رمى فأخطأ والأقدار غالبةٌ . . ... فانصاع والويل هجيراه والحربُ
قوله عز وجل : { وَليُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَناً } قال أصحاب الخواطر : البلاء الحسن ما يورثك الرضا به والصبر عليه .
وقال المفسرون : البلاء الحسن ها هنا النعمة بالظفر والغنيمة .