صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : النكت والعيون |
لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)
قوله عز وجل : { لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ } قيل هم فقراء المهاجرين ، وفي أحصروا أربعة أقاويل : (1/202)
أحدها : أنهم منعوا أنفسهم من التصرف للمعاش خوف العدو من الكفار ، قاله قتادة ، وابن زيد .
والثاني : منعهم الكفار بالخوف منهم ، قاله السدي .
والثالث : منعهم الفقر من الجهاد .
والرابع : منعهم التشاغل بالجهاد عن طلب المعاش .
{ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ } فيه قولان :
أحدهما : يعني تصرفاً ، قاله ابن زيد .
والثاني : يعني تجارة ، قاله قتادة ، والسدي .
{ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ } يعني من قلة خبرته بهم ، ومن التعفف : يعني من التقنع والعفة والقناعة .
{ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ } السمة : العلامة ، وفي المارد بِهَا هُنَا قولان :
أحدهما : الخشوع ، قاله مجاهد .
والثاني : الفقر ، قاله السدي .
{ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً } فيه وجهان :
أحدهما : أن يسأل وله كفاية .
والثاني : أنه الاشتمال بالمسألة ، ومنه اشتق اسم اللحاف . فإن قيل : فهل كانوا يسألون غير إلحاف؟ قيل : لا؛ لأنهم كانوا أغنياء من التعفف ، وإنما تقدير الكلام لا يسألون فيكون سؤالهم إلحافاً .
قال ابن عباس في أهل الصُفَّة من المهاجرين : لم يكن لهم بالمدينة منازل ولا عشائر وكانوا نحو أربعمائة .
قوله عز وجل : { الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } اختلفوا في سبب نزولها على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها نزلت في عليٍّ كرم الله وجهه ، كانت معه أربعة دراهم فأنفقها على أهل الصفّة ، أنفق في سواد الليل درهماً ، وفي وضح النهار درهماً ، وسراً درهماً ، وعلانية درهماً ، قاله ابن عباس .
والثاني : أنها نزلت في النفقة على الخيل في سبيل الله لأنهم ينفقون بالليل والنهار سِرّاً وعلانية ، قاله أبو ذر ، والأوزاعي .
والثالث : أنها نزلت في كل مَنْ أنفق ماله في طاعة الله .
ويحتمل رابعاً : أنها خاصة في إباحة الارتفاق بالزروع والثمار ، لأنه يرتفق بها كل مار في ليل أو نهار ، في سر وعلانية ، فكانت أعم لأنها تؤخذ عن الإرادة وتوافق قدر الحاجة .
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275)
قوله عز وجل : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا } يعني يأخذون الربا فعبر عن الأخذ بالأكل لأن الأخذ إنما يراد للأكل ، والربا : هو الزيادة من قولهم : ربا السويق يربو إذا زاد ، وهو الزيادة على مقدار الدَّيْنِ لمكان الأجل . (1/203)
{ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } يعني من قبورهم يوم القيامة ، وفيه قولان :
أحدهما : كالسكران من الخمر يقطع ظهراً لبطن ، ونسب إلى الشيطان لأنه مطيع له في سكره .
والثاني : قاله ابن عباس ، وابن جبير ، ومجاهد ، والحسن : لا يقومون يوم القيامة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ ، يعني الذي يخنقه الشيطان في الدنيا من المس ، يعني الجنون ، فيكون ذلك في القيامة علامة لأكل الربا في الدنيا .
واختلفوا في مس الجنون ، هل هو بفعل الشيطان؟
فقال بعضهم : هذا من فعل الله بما يحدثه من غلبة السوداء فيصرعه ، ينسب إلى الشيطان مجازاً تشبيهاً بما يفعله من إغوائه الذي يصرعه .
وقال آخرون : بل هو من فعل الشيطان بتمكين الله له من ذلك في بعض الناس دون بعض ، لأنه ظاهر القرآن وليس في العقل ما يمنعه .
{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا } قيل إنه يعني ثقيفاً لأنهم كانوا أكثر العرب رباً ، فلمّا نهوا عنه قالوا : كيف ننهى عن الربا وهو مثل البيع فحكى الله تعالى ذلك عنهم ، ثم أبطل ما ذكروه من التشبيه بالبيع فقال تعالى :
{ وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } وللشافعي في قوله : { وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها من العامِّ الذي يجري على عمومه في إباحة كل بيع وتحريم كل ربا إلا ما خصهما دليل من تحريم بعض البيع وإحلال بعض الربا ، فعلى هذا اختلف في قوله ، هل هو من العموم الذي أريد به العموم ، أو من العموم الذي أريد به الخصوص على قولين :
أحدهما : أنه عموم أريد به العموم وإن دخله دليل التخصيص .
والثاني : أنه عموم أريد به الخصوص .
وفي الفرق بينهما وجهان : أحدهما : أن العموم الذي أريد به العموم : أن يكون الباقي من العموم من بعد التخصيص أكثر من المخصوص ، والعموم الذي أريد به الخصوص أن يكون الباقي منه بعد التخصيص أقل من المخصوص .
والفرق الثاني : أن البيان فيما أريد به الخصوص متقدِّم على اللفظ ، وأن ما أريد به العموم متأخِر عن اللفظ ومقترن به ، [ هذا ] أحد أقاويله :
والقول الثاني : أنه المجمل الذي لا يمكن [ أن ] يستعمل في إحلال بيع أو تحريمه إلا أن يقترن به بيان من سنّة الرسول ، وإن دل على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل .
وهذا فرق ما بين العموم والمجمل ، أن العموم يدل على إباحة البيوع في الجملة ولا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان .
فعلى هذا القول أنها مجملة اختلف في إجمالها ، هل هو لتعارض فيها أو لمعارضة غيرها لها على وجهين : (1/204)
أحدهما : أنه لمَّا تعارض ما في الآية من إحلال البيع وتحريم الربا وهو بيع صارت بهذا التعارض مجملة وكان إجمالها منها .
والثاني : أن إجمالها بغيرها لأن السنّة منعت من بيوع وأجازت بيوعاً فصارت بالسنة مجملة .
وإذا صح إجمالها فقد اختلف فيه :
هل هو إجمال في المعنى دون اللفظ ، لأن لفظ البيع معلوم في اللغة وإنما الشرع أجمل المعنى والحكم حين أحل بيعاً وحرّم بيعاً .
والوجه الثاني : أن الإجمال في لفظها ومعناها ، لأنه لما عدل بالبيع عن إطلاقه على ما استقر عليه في الشرع فاللفظ والمعنى محتملان معاً ، فهذا شرح القول الثاني .
والقول الثالث : أنها داخلة في العموم والمجمل ، فيكون عموماً دخله التخصيص ، ومجملاً لحقه التفسير ، لاحتمال عمومها في اللفظ وإجمالها في المعنى ، فيكون اللفظ عموماً دخله التخصيص ، والمعنى مجملاً لحقه التفسير .
والوجه الثاني : أن عمومها في أول الآية من قوله : { وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } ، وإجمالها في آخرها من قوله : { وَحَرَّمَ الرِّبَا } ، فيكون أولها عاماً دخله التخصيص ، وآخرها مجملاً لحقه التفسير .
والوجه الثالث : أن اللفظ كان مجملاً ، فلما بَيَّنَهُ الرسول صار عاماً ، فيكون داخلاً في المجمل قبل البيان ، في العموم بعد البيان .
ثم قال تعالى : { فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّه فَانتَهَى } في الموعظة وجهان :
أحدهما : التحريم .
والثاني : الوعيد .
{ فَلَهُ مَا سَلَفَ } قاله السدي : يعني ما أكل من الربا لا يلزمه رَدُّه .
{ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : في المحاسبة والجزاء .
والثاني : في العفو والعقوبة .
وقيل فيه وجه ثالث : في العصمة والتوفيق .
وقيل فيه وجه رابع : فأمره إلى الله والمستقل في تثبيته على التحريم أو انتقاله إلى الاستباحة .
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277)
قوله تعالى : { يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا } أي ينقصه شيئاً بعد شيء ، مأخوذ من محاق الشهر لنقصان الهلال فيه ، وفيه وجهان : (1/205)
أحدهما : يبطله يوم القيامة إذا تصدق به في الدنيا .
والثاني : يرفع البركة منه في الدنيا مع تعذيبه عليه في الآخرة .
{ وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ } فيه تأويلان :
أحدهما : يثمر المال الذي خرجت منه الصدقة .
والثاني : يضاعف أجر الصدقة ويزيدها ، وتكون هذه الزيادة واجبة بالوعد لا بالعمل .
{ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } في الكَفَّار وجهان :
أحدهما : الذي يستر نعم الله ويجحدها .
والثاني : هو الذي يكثر فعل ما يكفر به .
وفي الأثيم وجهان :
أحدهما : أنه من بَّيت الإِثم .
والثاني : الذي يكثر فعل ما يأثم به .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)
قوله عز وجل : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ } يحتمل وجهين : (1/206)
أحدهما : يأ أيها الذين أمنوا بألسنتهم اتقوا الله بقلوبكم .
والثاني : يأيها الذين أمنوا بقلوبهم اتقوا الله في أفعالكم .
{ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا } فيمن نزلت هذه الآية قولان :
أحدهما : أنها نزلت في ثقيف وكان بينهم وبين عامر وبني مخزوم ، فتحاكموا فيه إلى عتاب بن أسيد بمكة وكان قاضياً عليها من قِبَل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : دخلنا في الإسلام على أن ما كان لنا من الربا فهو باق ، وما كان علينا فهو موضوع ، فنزل ذلك فيهم وكتب به رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم .
والثاني أنها نزلت في بقية من الربا كانت للعباس ومسعود وعبد ياليل وحبيب بن ربيعة عند بني المغيرة .
قوله عز وجل : { وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا } محمول على أن مَنْ أربى قبل إسلامه ، وقبض بعضه في كُفْرِه وأسلم وقد بقي بعضه ، فما قبضه قبل إسلامه معفو عنه لا يجب عليه رد ، وما بقي منه بعد إسلامه ، حرام عليه لا يجوز له أخذه ، فأما المراباة بعد الإسلام فيجب رَدُّه فيما قبض وبقي ، فيرد ما قبض ويسقط ما بقي ، بخلاف المقبوض في الكفر ، لأن الإسلام يجبُّ ما قبله .
وفي قوله تعالى : { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } قولان :
أحدهما : يعني أن من كان مؤمنا فهذا حكمه .
والثاني : معناه إذا كنتم مؤمنين .
قوله عز وجل : { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا } يعني ترك ما بقي من الربا .
{ فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر فآذنوا بالمد ، بمعنى : فأعلِموا غيركم ، وقرأ الباقون بالقَصْر بمعنى فاعلموا أنتم ، وفيه وجهان :
أحدهما : إن لم تنتهوا عن الربا أموت النبي بحربكم .
والثاني : إن لم تنتهوا عنه فأنتم حرب الله ورسوله ، يعني أعداءه .
{ وَإِن تُبْتُم فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ } يعني التي دفعتم { لاَ تَظْلِمُونَ } بأن تأخذوا الزيادة على رؤوس أموالكم ، { وَلاَ تُظْلَمُونَ } بأن تمنعوا رؤوس أموالكم .
قوله عز وجل : { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ } قيل إن في قراءة أُبَيٍّ { ذَا عُسْرَةٍ } وهو جائز في العربية .
وفيه قولان :
أحدهما : أن الإِنظار بالعسرة واجب في دَيْن الربا خاصّة ، قاله ابن عباس ، وشريح .
والثاني : أنه عام يجب إنظاره بالعسرة في كل دَيْن ، لظاهر الآية ، وهو قول عطاء ، والضحاك ، وقيل إن الإِنظار بالعسرة في دَيْن الربا بالنص ، وفي غيره من الديون بالقياس .
وفي قوله : { إِلَى مَيْسَرَةٍ } قولان :
أحدهما : مفعلة من اليسر ، وهو أن يوسر ، وهو قول الأكثرين .
والثاني : إلى الموت ، قاله إبراهيم النخعي .
{ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ } يعني وأن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدّيْن خير لكم من أن تُنظروه ، روى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال : كان آخر ما نزل من القرآن آية الربا ، فدعوا الربا والرُّبْية ، وإن نبي الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها . (1/207)
قوله عز وجل : { وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ } أي اتقوا بالطاعة فيما أمرتم به من ترك الربا وما بقي منه .
و { يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ } فيه قولان :
أحدهما : يعني إلى جزاء الله .
والثاني : إلى ملك الله .
{ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } فيه تأويلان :
أحدهما : جزاء ما كسبت من الأعمال .
والثاني : ما كسبت من الثواب والعقاب .
{ وهم لا يظلمون } يعني بنقصان ما يستحقونه من الثواب ، ولا بالزيادة على ما يستحقونه من العقاب .
روى ابن عباس أن آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية . قال ابن عباس : مكث بعدها سبع ليال .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)
قوله عز وجل : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ } إلى آخر الآية . في { تداينتم } تأويلان : (1/208)
أحدهما : تجازيتم .
والثاني : تعاملتم .
وفي { فَاكْتُبُوهُ } قولان :
أحدهما : أنه ندب ، وهو قول أبي سعيد الخدري ، والحسن ، والشعبي .
والثاني : أنه فرض ، قاله الربيع ، وكعب .
{ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ } وعَدْل الكاتب ألاّ يزيد [ فيه ] إضراراً بمن هو عليه ، ولا ينقص منه ، إضراراً بمن هو له .
{ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ } وفيه أربعة أقاويل :
أحدهما : أنه فرض على الكفاية كالجهاد ، قاله عامر .
والثاني : أنه واجب عليه في حال فراغه ، قاله الشعبي أيضاً .
والثالث : أنه ندب ، قاله مجاهد .
والرابع : أن ذلك منسوخ بقوله تعالى : { وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } ، قاله الضحاك .
{ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ } يعني على الكاتب ، ويقرُّ به عند الشاهد .
{ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً } أي لا ينقص منه شيئاً .
{ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أنه الجاهل بالصواب فيما عليه أن يملّه على الكاتب ، وهو قول مجاهد .
والثاني : أنه الصبي والمرأة ، قاله الحسن .
والثالث : أنه المبذر لماله ، المُفْسِد في دينه ، وهو معنى قول الشافعي .
والرابع : الذي يجهل قدر المال ، ولا يمتنع من تبذيره ولا يرغب في تثميره .
{ أَوْ ضَعِيفاً } فيه تأويلان :
أحدهما : أنه الأحمق ، قاله مجاهد ، والشعبي .
والثاني : أنه العاجز عن الإِملاء إما بِعيٍّ أو خُرْسٍ ، قاله الطبري .
{ أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنه العييّ الأخرس ، قاله ابن عباس .
والثاني : أنه الممنوع عن الإِملاء إما بحبس أو عيبة .
والثالث : أنه المجنون .
{ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ } فيه تأويلان :
أحدهما : وليّ مَنْ عليه الحق ، وهو قول الضحاك ، وابن زيد .
والثاني : وليّ الحق ، وهو صاحبه ، قاله ابن عباس ، والربيع .
{ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَينِ مِن رِّجَالِكُمْ } فيه قولان :
أحدهما : من أهل دينكم .
والثاني : من أحراركم ، قاله مجاهد .
{ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ } يعني فإن لم تكن البينة برجلين ، فبرجل وامرأتين { مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ } فيه قولان :
أحدهما : أنهم الأحرار المسلمون العدول ، وهو قول الجمهور .
والثاني : أنهم عدول المسلمين وإن كانوا عبيدا ، وهو قول شريح ، وعثمان البتّي ، وأبي ثور .
{ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا } فيه وجهان :
أحدهما : لئلا تضل ، قاله أهل الكوفة .
والثاني : كراهة أن تضل ، قاله أهل البصرة .
وفي المراد به وجهان :
أحدهما : أن تخطىء .
والثاني : أن تَنْسَى ، قاله سيبويه .
{ فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى } فيه تأويلان : (1/209)
أحدهما : أنها تجعلها كَذَكَرٍ من الرجال ، قاله سفيان بن عيينة .
والثاني : أنها تذكرها إن نسيت ، قاله قتادة ، والسدي ، والضحاك ، وابن زيد .
{ وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : لتحَمُّلها وإثباتها في الكتاب ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، والربيع .
والثاني : لإِقامتها وأدائها عند الحاكم ، قاله مجاهد ، والشعبي ، وعطاء .
والثالث : أنها للتحمل والأداء جميعاً ، قاله الحسن .
واختلفوا فيه على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه ندب وليس بفرض ، قاله عطاء ، وعطية العوفي .
والثاني : أنه فرض على الكفاية ، قاله الشعبي .
والثالث : أنه فرض على الأعيان ، قاله قتادة ، والربيع .
{ وَلاَ تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ } وليس يريد بالصغير ما كان تافهاً حقيراً كالقيراط والدانق لخروج ذلك عن العرف المعهود .
{ ذلكم أقسط عند الله } أي أعدل ، يقال : أَقْسَطَ إِذا عَدَلَ فهو مُقْسِط ، قال تعالى : { وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [ الحجرات : 9 ] وقَسَطَ إذا جار ، قال تعالى : { وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً } [ الجن : 14 ] . { وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ } فيه وجهان :
أحدهما : أصحُّ لها ، مأخوذ من الاستقامة .
والثاني : أحفظ لها ، مأخوذ من القيام ، بمعنى الحفظ .
{ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : ألا ترتابوا بِمَنْ عليه حق أن ينكره .
والثاني : ألاّ ترتابوا بالشاهد أن يضل .
{ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن الحاضرة ما تعجّل ولم يداخله أجل في مبيع ولا ثمن .
والثاني : أنها ما يحوزه المشتري من العروض المنقولة .
{ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : تتناقلونها من يد إلى يد .
والثاني : تكثرون تبايعها في كل وقت .
{ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا } يعني أنه غير مأمور بكتْبِه وإن كان مباحاً .
{ وَأَشَهِدُوآ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } فيه قولان :
أحدهما : أنه فرض ، وهو قول الضحاك ، وداود بن علي .
والثاني : أنه ندب ، وهو قول الحسن ، والشعبي ، ومالك ، والشافعي .
{ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن المضارة هو أن يكتب الكاتب ما لم يُمْل عليه ، ويشهد الشاهد بما لم يُستشهد ، قاله طاووس ، والحسن ، وقتادة .
والثاني : أن المضارّة أن يمنع الكاتب أن يكتب ، ويمنع الشاهد أن يشهد ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وعطاء .
والثالث : أن المضارّة أن يدعى الكاتب والشاهد وهما مشغولان معذوران ، قاله عكرمة ، والضحاك ، والسدي ، والربيع .
ويحتمل تأويلاً رابعاً : أن تكون المضارّة في الكتابة والشهادة .
{ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } فيه تأويلان :
أحدهما : أن الفسوق المعصية ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك .
والثاني : أنه الكذب ، قاله ابن زيد .
ويحتمل ثالثاً : أن الفسوق المأثم .
وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)
قوله عز وجل : { وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ } قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : فرُهُن ، وقرأ الباقون فرِهَانٌ (1/210)
وفيها قولان :
أحدهما : أن الرُّهُن في الأموال ، والرِّهَان في الخيل .
والثاني : أن الرِّهَان جمع ، والرُهُن جمع الجمع مثل ثمار وثمر ، قاله الكسائي ، والفراء .
وفي قوله : { مَّقْبُوضَةٌ } وجهان :
أحدهما : أن القبض من تمام الرهن ، وهو قبل القبض غير تام ، قاله الشافعي ، وأبو حنيفة .
والثاني : لأنه من لوازم الرهن ، وهو قبل القبض التام ، قاله مالك .
وليس السفر شرطاً في جواز الرهن ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رَهَنَ دِرْعَه عند أبي الشحم اليهودي بالمدينة وهي حَضَرٌ ، ولا عَدَمُ الكاتب والشاهد شرطاً فيه لأنه زيادة وثيقة .
{ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً } يعني بغير كاتب ولا شاهد ولا رهن .
{ فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ } يعني في أداء الحق وترك المُطْل به .
{ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ } في ألا يكتم من الحق شيئاً .
{ وَلاَ تَكْتُمُوا الشِّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ } فيه تأويلان :
أحدهما : معناه فاجر قلبه ، قاله السدي .
والثاني : مكتسب لإِثم الشهادة .
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)
قوله عز وجل : { للهِ مَا فِي السَّمَواتِ وما في الأرض } في إضافة ذلك إلى الله تعالى قولان : (1/211)
أحدهما : أنه إضافة تمليك تقديره : الله يملك ما في السماوات وما في الأرض .
والثاني : معناه تدبير ما في السماوات وما في الأرض .
{ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ } إبداءُ ما في النفس هو العمل بما أضمروه ، وهو مُؤَاخَذ به ومُحَاسَب عليه ، وأما إخفاؤه فهو ما أضمره وحدّث به نفسه ولم يعمل به .
وفيما أراد به قولان :
أحدهما : أن المراد به كتمان الشهادة خاصة ، قاله ابن عباس ، وعكرمة ، والشعبي .
والثاني : أنه عام في جميع ما حدَّث به نفسه من سوء ، أو أضمر من معصية ، وهو قول الجمهور .
واختلف في هذه الآية ، هل حكمها ثابت في المؤاخذة بما أضمره وحدَّث به نفسه؟ أو منسوخ؟ على قولين :
أحدهما : أن حكمها ثابت في المؤاخذة بما أضمره ، واختلف فيه من قال بثبوته على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن حكمها ثابت على العموم فيما أضمره الإِنسان فيؤاخِذ به من يشاء ، ويغفر لمن يشاء ، قاله ابن عمر ، والحسن .
والثاني : حكمها ثابت في مؤاخذة الإِنسان بما أضمره وإن لم يفعله ، إلا أنَّ الله يغفره للمسلمين ويؤاخذ به الكافرين والمنافقين ، قاله الضحاك ، والربيع ، ويكون { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ } محمولاً على المسلمين ، { وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ } محمولاً على الكافرين والمنافقين .
والثالث : أنها ثابتة الحكم على العموم في مؤاخذته المسلمين بما حدث لهم في الدنيا من المصائب والأمور التي يحزنون لها ، ومؤاخذة الكافرين والمنافقين بعذاب الآخرة ، وهذا قول عائشة رضي الله عنها .
والقول الثاني : أن حكم الآية في المؤاخذة بما أضمره الإنسان وحدث به نفسه وإن لم يفعله منسوخ . واختلف من قال بنسخها فيما نسخت به على قولين :
أحدهما : بما رواه العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة قال : انزل الله { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُم أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ } فاشتد ذلك على القوم فقالوا : يا رسول الله إنا لمؤاخذون بما نُحَدِّثُ به أنفسنا ، هلكنا ، فأنزل الله تعالى : { لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } وهو أيضاً قول ابن مسعود .
والثاني : أنها نسخت بما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ } دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من شيء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا » . قال : فألقى الله الإيِمان في قلوبهم ، قال : فأنزل الله : { ءَامَنَ الرَّسُولُ } الآية . فقرأ : { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأَنَا } . فقال تعالى : قد فعلت . { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا } . قال : قد فعلت { ربنا ولا تحملنا ما لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } . قال : قد فعلت . { وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } . قال : قد فعلت .
والذي أقوله فيما أضمره وحدّث به نفسه ولم يفعله إنه مُؤَاخَذ بمأثم الاعتقاد دون الفعل ، إلا أن يكون كَفُّه عن الفعل ندماً ، فالندم توبة تمحص عنه مأثم الاعتقاد . (1/212)
قوله عز وجل : { ءَامَنَ الرَّسُولُ } إلى قوله : { وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ } أما إيمان الرسول فيكون بأمرين : تحمُّل الرسالة ، وإِبْلاَغ الأمة ، وأما إيمان المؤمنين فيكون بالتصديق والعمل .
{ كُلٌّ ءَامَنَ باللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } . والإِيمان بالله يكون بأمرين : بتوحيده ، وقبول ما أنزل على رسوله .
وفي الإِيمان بالملائكة وجهان :
أحدهما : الإِيمان بأنهم رسل الله إلى أنبيائه .
والثاني : الإِيمان بأن كل نفس منهم رقيب وشهيد .
{ وَكُتُبِهِ } قراءة الجمهور وقرأ حمزة : { وكِتَابِهِ } فمن قرأ { وَكُتُبِهِ } فالمراد به جميع ما أنزل الله منها على أنبيائه . ومن قرأ : { وَكِتَابِهِ } ففيه وجهان :
أحدهما : أنه عنى القرآن خاصة .
والثاني : أنه أراد الجنس ، فيكون معناه بمعنى الأول وأنه أراد جميع الكتب والإِيمان بها والاعتراف بنزولها من الله على أنبيائه .
وفي لزوم العمل بما فيها ما لم يرد نسخ قولان :
ثم فيما تقدم ذكره من إيمان الرسول والمؤمنين - وإن خرج مخرج الخبر- قولان :
أحدهما : أن المراد به مدحهم بما أخبر من إيمانهم .
والثاني : أن المراد به أنه يقتدي بهم مَنْ سواهم .
ثم قال تعالى : { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ } يعني في أن يؤمن ببعضهم دون بعض ، كما فعل أهل الكتاب ، فيلزم التسوية بينهم في التصديق ، وفي لزوم التسوية في التزام شرائعهم ما قدمناه من القولين ، وجعل هذا حكاية عن قولهم وما تقدمه خبراً عن حالهم ليجمع لهم بين قول وعمل وماض ومستقبل .
{ وَقَالُوا : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } أي سمعنا قوله وأطعنا أمره .
ويحتمل وجهاً ثانياً : أن يراد بالسماع القبول ، وبالطاعة العمل .
{ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا } معناه نسألك غفرانك ، فلذلك جاء به منصوباً .
{ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } يعني إلى جزائك .
ويحتمل وجهاً ثانياً : يريد به إلى لقائك لتقدم اللقاء على الجزاء .
لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)
قوله عز وجل : { لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } يعني طاقتها ، وفيه وجهان : (1/213)
أحدهما : وعدٌ من الله لرسوله وللمؤمنين بالتفضل على عباده ألاَّ يكلف نفساً إلا وسعها .
والثاني : أنه إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم ومن المؤمنين عن الله ، على وجه الثناء عليه ، بأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها .
ثم قال : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } يعني لها ما كسبت من الحسنات ، وعليها ما اكتسبت يعني من المعاصي . وفي كسبت واكتسبت وجهان :
أحدهما : أن لفظهما مختلف ومعناهما واحد .
والثاني : أن كسبت مستعمل في الخير خاصة ، واكتسبت مستعمل في الشر خاصّة .
{ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينآ } قال الحسن : معناه : قولوا ربنا لا تؤاخذنا . { إِن نَّسِينَا } فيه تأويلان :
أحدهما : يعني إن تناسينا أمرك .
والثاني : تركنا ، والنسيان : بمعنى الترك كقوله تعالى : { نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ } [ التوبة : 67 ] ، قاله قطرب .
{ أَوْ أَخْطَأْنَا } فيه تأويلان :
أحدهما : ما تأولوه من المعاصي بالشبهات .
والثاني : ما عمدوه من المعاصي التي هي خطأ تخالف الصواب .
وقد فَرَّقَ أهل اللسان بين « أخطأ » وخطيء ، فقالوا : « أخطأ » يكون على جهة الإِثم وغير الإِثم ، وخطىء : لا يكون إلا على جهة الإِثم ، ومنه قول الشاعر :
والناس يَلْحُون الأَميرَ إذا هُمُ ... خطئوا الصوابَ ولا يُلام المرْشدُ
{ رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : إصراً أي عهداً نعجز عن القيام به ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة .
الثاني : أي لا تمسخنا قردة وخنازير ، وهذا قول عطاء .
الثالث : أنه الذنب الذي ليس فيه توبة ولا كفارة ، قاله ابن زيد .
الرابع : الإِصر : الثقل العظيم ، قاله مالك ، والربيع ، قال النابغة :
يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم ... والحامل الإِصر عنهم بعدما عرضوا
{ كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا } يعني بني إسرائيل فيما حملوه من قتل أنفسهم .
{ . . وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } فيه قولان :
أحدهما : ما لا طاقة لنا به مما كُلِّفَهُ بنو إسرائيل .
الثاني : ما لا طاقة لنا به من العذاب .
{ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا } فيه وجهان :
أحدهما : مالكنا .
الثاني : وَلِيُّنا وناصرنا .
{ فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } روى عطاء بن السائب عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : { ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ } فلما انتهى إلى قوله تعالى : { غُفْرَانَكَ رَبِّنَا } قال الله تعالى : قد غفرت لكم ، فلما قرأ : { رَ بَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَو أَخْطَأْنَا } قال الله تعالى : لا أؤاخذكم ، فلما قرأ : { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا } قال الله تعالى : لا أحمل عليكم . فلما قرأ : { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمَّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } قال الله تعالى : لا أحملكم . فلما قرأ : { وَاعْفُ عَنَّا } قال الله تعالى : قد عفوت عنكم . فلما قرأ : { وَاغْفِرْ لَنَا } قال الله تعالى : قد غفرت لكم . فلما قرأ : { وَارْحَمْنَا } قال الله تعالى : قدر رحمتكم . فلما قرأ : { فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } قال الله تعالى : قد نصرتكم .
وروى مرثد بن عبد الله عن عقبة بن عامر الجهني قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « اقْرَؤُوا هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِنْ خَاتِمَةِ البَقَرَةِ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْطَانِيهَا مِن تَحتِ العَرْشِ (1/214)
» . وروى أبو سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « السُّورةُ الَّتِي تُذْكَرُ فِيهَا البَقَرةُ فُسْطَاطُ القُرْآنِ ، فَتَعَلَّمُوهَا فَإِنَّ تَعلِيمَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ ، وَلاَ يَسْتَطِيعُهَا البَطَلَةُ قِيلَ : وَمَنِ البَطَلَةُ؟ قَالَ : السَحَرَةُ
» .
الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4)
{ الم اللهُ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } وقد ذكرنا تفسير ذلك من قبل . (1/215)
فإن قيل : { الم } اسم من أسماء الله تعالى كان قوله : { اللهَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ } نعتاً للمسمى به ، وتفسيره أن { الم } هو الله لا إله إلا هو .
وإن قيل : إنه قسم كان واقعاً على أنه سبحانه لا إله إلا هو الحي القيوم ، إثباتاً لكونه إلهاً ونفياً أن يكون غيره إلهاً .
وإن قيل بما سواهما من التأويلات كان ما بعده مبتدأ موصوفاً ، وأن الله هو الذي لا إله إلا هو الحي القيوم .
ونزلت هذه الآية إلى نيف وثمانين آية من السورة في وفد نجران من النصارى لما جاؤوا يحاجّون النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا أربعة عشر رجلاً من أشرافهم .
{ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ } فيه وجهان :
أحدهما : بالعدل مما استحقه عليك من أثقال النبوة .
والثاني : بالعدل فيما اختصك به من شرف الرسالة .
وإن قيل بأنه الصدق ففيه وجهان :
أحدهما : بالصدق فيما تضمنه من أخبار القرون الخالية والأمم السالفة .
والثاني : بالصدق فيما تضمنه من الوعد بالثواب على طاعته ، والوعيد بالعقاب على معصيته .
{ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } أي لما قبله من كتاب ورسول ، وإنما قيل لما قبله { بَيْنَ يَدَيْهِ } لأنه ظاهر له كظهور ما بين يديه .
وفي قوله : { مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } قولان :
أحدهما : معناه مخبراً بما بين يديه إخبار صدق دل على إعجازه .
والثاني : معناه أنه يخبر بصدق الأنبياء فيما أتوا به على خلاف من يؤمن ببعض ويكفر ببعض .
قوله عز وجل : { . . . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللهِ } فيه وجهان :
أحدهما : بدلائله وحججه .
والثاني : بآيات القرآن ، قال ابن عباس يريد وفد نجران حين قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحاجّته .
{ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } يعني عذاب جهنم .
{ وَاللهُ عَزِيزٌ } فيه وجهان :
أحدهما : في امتناعه .
الثاني : في قدرته .
{ ذُو انتِقَامٍ } فيه وجهان :
أحدهما : ذو سطوة .
والثاني : ذو اقتضاء .
إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)
قوله عز وجل : { هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ } يعني القرآن . (1/216)
{ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } اختلف المفسرون في تأويله على سبعة أقاويل :
أحدها : أن المحكم الناسخ ، والمتشابه المنسوخ ، قاله ابن عباس ، وابن مسعود .
والثاني : أن المحكم ما أحكم الله بيان حلاله وحرامه فلم تشتبه معانيه ، قاله مجاهد .
والثالث : أن المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً ، والمتشابه ما احتمل أوجهاً ، قاله الشافعي ومحمد بن جعفر بن الزبير .
والرابع : أن المحكم الذي لم تتكرر ألفاظه ، والمتشابه الذي تكررت ألفاظه ، قاله ابن زيد .
والخامس : أن المحكم الفرائض والوعد والوعيد ، والمتشابه القصص والأمثال .
والسادس : أن المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره ، والمتشابه ما لم يكن إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه ، كقيام الساعة ، وطلوع الشمس من مغربها ، وخروج عيسى ونحوه ، وهذا قول جابر بن عبد الله .
والسابع : أن المحكم ما قام بنفسه ولم يحتج إلى استدلال .
ويحتمل ثامناً : أن المحكم ما كانت معاني أحكامه معقولة ، والمتشابه ما كانت معاني أحكامه غير معقولة ، كأعداد الصلوات ، واختصاص الصيام بشهر رمضان دون شعبان .
وإنما جعله محكماً ومتشابهاً استدعاء للنظر من غير اتكال على الخبر ، وقد روى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « القرآن على ثلاثة أجزاء : حلال فاتبعه ، وحرام فاجتنبه ، ومتشابه يشكل عليك فَكِلْه إلى عالمه
» . وأما قوله تعالى : { هُنَّ أُمُّ الْكِتَاِب } . ففيه وجهان :
أحدهما : أصل الكتاب .
والثاني : معلوم الكتاب .
وفيه تأويلان :
أحدهما : أنه أراد الآي التي فيها الفرائض والحدود ، قاله يحيى بن يعمر .
والثاني : أنه أراد فواتح السُّوَر التي يستخرج منها القرآن ، وهو قول أبي فاختة .
ويحتمل ثالثاً : أن يريد به أنه معقول المعاني لأنه يتفرع عنه ما شاركه في معناه ، فيصير الأصل لفروعه كالأم لحدوثها عنه ، فلذلك سماه أم الكتاب .
{ فَأََمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } فيه تأويلان :
أحدهما : ميل عن الحق .
والثاني : شك ، قاله مجاهد .
{ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنه الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من الحروف المقطعة من حساب الجُمّل في انقضاء مدة النبي صلى الله عليه وسلم .
والثاني : أنه معرفة عواقب القرآن في العلم بورود النسخ قبل وقته .
والثالث : أن ذلك نزل في وفد نجران لمَّا حاجّوا النبي صلى الله عليه وسلم في المسيح ، فقالوا : أليس كلمة الله وروحه؟ قال :
« بلى » فقالوا : حسبنا ، فأنزل الله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وابْتَغَآءَ تَأْوِيلِهِ } وهو قول الربيع . (1/217)
وفي قوله تعالى : { ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } أربعة تأويلات :
أحدها : الشرك ، قاله السدي .
والثاني : اللّبْس ، قاله مجاهد .
الثالث : الشبهات التي حاجّ بها وفد نجران .
والرابع : إفساد ذات البَيْن .
{ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ } في التأويل وجهان :
أحدهما : أنه التفسير .
والثاني : أنه العاقبة المنتظرة .
{ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : تأويل جميع المتشابه ، لأن فيه ما يعلمه الناس ، وفيه ما لا يعلمه إلا الله ، قاله الحسن .
والثاني : أن تأويله يوم القيامة لما فيه من الوعد والوعيد ، كما قال الله تعالى : { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَومَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ } [ الأعراف : 53 ] يعني يوم القيامة ، قاله ابن عباس .
والثالث : تأويله وقت حلوله ، قاله بعض المتأخرين .
{ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } فيه وجهان :
أحدهما : يعني الثابتين فيه ، العاملين به .
والثاني : يعني المستنبطين للعلم والعاملين ، وفيهم وجهان :
أحدهما : أنهم داخلون في الاستثناء ، وتقديره : أن الذي يعلم تأويله الله والراسخون في العلم جميعاً .
روى ابن أبي نجيح عن ابن عباس أنه قال : أنا ممن يعلم تأويله .
الثاني : أنهم خارجون من الاستثناء ، ويكون معنى الكلام : ما يعلم تأويله إلا الله وحده ، ثم استأنف فقال : { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } .
{ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا } يحتمل وجهين :
أحدهما : علم ذلك عند ربنا .
والثاني : ما فصله من المحكم والمتشابه ، فنزل من عند ربنا .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)
قوله عز وجل : { كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ } فيه وجهان : (1/218)
أحدهما : أن الدأب : العادة ، ( أي ) كعادة آل فرعون والذين من قبلهم .
والثاني : أن الدأب هنا الاجتهاد ، مأخوذ من قولهم : دأبت في الأمر ، إذا اجتهدت فيه .
فإذا قيل إنه العادة ففيما أشار إليه من عادتهم وجهان :
أحدهما : كعادتهم في التكذيب بالحق .
والثاني : كعادتهم من عقابهم على ذنوبهم .
وإذا قيل إنه الاجتهاد ، احتمل ما أشار إليه من اجتهادهم وجهين :
أحدهما : كاجتهادهم في نصرة الكفر على الإِيمان .
والثاني : كاجتهادهم في الجحود والبهتان .
وفيمن أشار إليهم أنهم كدأب آل فرعون قولان :
أحدهما : أنهم مشركو قريش يوم بدر ، كانوا في انتقام الله منهم لرسله والمؤمنين ، كآل فرعون في انتقامه منهم لموسى وبني إسرائيل ، فيكون هذا على القول الأول تذكيراً للرسول والمؤمنين بنعمة سبقت ، لأن هذه الآية نزلت بعد بدر استدعاء لشكرهم عليها ، وعلى القول الثاني وعداً بنعمة مستقبلة لأنها نزلت قبل قتل يهود بني قينقاع ، فحقق وعده وجعله معجزاً لرسوله .
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13)
قوله عز وجل : { قُل لِّلَّذِينَ كَفَرواْ سَتُغْلَبُونَ } الآية . في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال : (1/219)
أحدها : أنها نزلت في قريش قبل بدر بسنة ، فحقق الله قوله ، وصدق رسوله ، وأنجز وعده بمن قتل منهم يوم بدر ، قاله ابن عباس ، والضحاك .
والثاني : أنها نزلت في بني قينقاع لمَّا هلكت قريش يوم بدر ، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام ، وحذرهم مثل ما نزل بقريش ، فأبوا وقالوا : لسنا كقريش الأغمار الذين لا يعرفون الناس ، فأنزل الله فيهم هذه الآية ، قاله قتادة ، وابن إسحاق .
والثالث : أنها نزلت في عامة الكفار .
وفي الغلبة هنا قولان :
أحدهما : بالقهر والاستيلاء ، إن قيل إنها خاصة .
والثاني : بظهور الحجة ، إن قيل إنها عامة .
وفي { وَبِئْسَ الْمِهَادُ } قولان :
أحدهما : بئس ما مهدوا لأنفسهم ، قاله مجاهد .
والثاني : معناه بئس القرار ، قاله الحسن .
وفي بئس وجهان : أحدهما : أنه مأخوذ من البأس ، وهو الشدة .
والثاني : أنه مأخوذ من البأساء وهو الشر .
قوله عز وجل : { قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ } يعني المؤمنين من أهل بدر .
{ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ } يعني مشركي قريش .
{ يَرَونَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ } وفي مثليهم قولان :
أحدهما : أنهم مثلان زائدان على العدد المُتَحَقِّق ، فيصير العدد ثلاثة أمثال ، قاله الفراء .
والثاني : هو المزيد في الرؤية ، قاله الزجاج .
اختلفوا في المخاطب بهذه الرؤية على قولين :
أحدهما : أنها الفئة المؤمنة التي تقاتل في سبيل الله ، بأن أراهم الله مشركي قريش يوم بدر مثلي عدد أنفسهم ، لأن عدة المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ، وعدة المشركين في رواية عليٍّ وابن مسعود ألف ، وفي رواية عروة ، وقتادة ، والربيع ما بين تسعمائة إلى ألف ، فقلَّلهم الله في أعينهم تقوية لنفوسهم ، قاله ابن مسعود ، والحسن .
والثاني : أن الفئة التي أراها الله ذلك هي الفئة الكافرة ، أراهم الله المسلمين مثلي عددهم مكثراً لهم ، لتضعف به قلوبهم . والآية في الفئتين هي تقليل الكثير في أعين المسلمين ، وتكثير القليل في أعين المشركين ، وما تقدم من الوعد بالغلبة ، فتحقق ، قتلاً ، وأسراً ، وسبياً .
{ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ } يعني من أهل طاعته . وفي التأييد وجهان :
أحدهما : أنه المعونة .
والثاني : القوة .
{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصَارِ } فيه وجهان :
أحدهما : أن في نصرة الله لرسوله يوم بدر مع قلة أصحابه عبرة لذوي البصائر والعقول .
والثاني : أن فيما أبصره المشركون من كثرة المسلمين مع قلتهم عبرة لذوي الأعين والبصائر .
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)
قوله عز وجل : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ } معنى زين : أي حُسِّن حب الشهوات ، والشهوة من خَلْق الله في الإنسان ، لأنها ضرورة لا يقدر على دفعها . (1/220)
وفي المُزّيِّن لحب الشهوات ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه الشيطان ، لأنه لا أحد أشد ذَمًّا لها من الله تعالى الذي خَلَقَها ، قاله الحسن .
الثاني : تأويل أن الله زين حب الشهوات لِمَا جعله في الطبائع من المنازعة كما قال تعالى : { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَّهَا } [ الكهف : 7 ] ، قاله الزجاج .
والثالث : أن الله زين من حبها ما حَسُن ، وزين الشيطان من حبها ما قَبُح . { وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ } اختلفوا في مقدار القنطار على سبعة أقاويل :
أحدها : أنه ألف ومائتا أوقية ، وهو قول معاذ بن جبل ، وأبي هريرة ورواه زر بن حبيش عن أُبيّ بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « القِنْطَارُ أَلفٌ وَمِائَتا أُوقِيَّةٍ
» . والثاني : أنه ألف ومائتا دينار ، وهو قول الضحاك ، والحسن ، وقد رواه الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم .
والثالث : أنه اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار ، وهو قول ابن عباس .
والرابع : أنه ثمانون ألفاً من الدراهم ، أو مائة رطل من الذهب ، وهو قول سعيد بن المسيب ، وقتادة .
والخامس : أنه سبعون ألفاً ، قاله ابن عمر ، ومجاهد .
والسادس : أنه ملء مسك ثور ذهباً ، قاله أبو نضرة .
والسابع : أنه المال الكثير ، وهو قول الربيع .
وفي { المُقَنْطَرَةِ } خمسة أقاويل :
أحدها : أنها المضاعفة ، وهو قول قتادة .
والثاني : أنها الكاملة المجتمعة .
والثالث : هي تسعة قناطير ، قاله الفراء .
والرابع : هي المضروبة دراهم أو دنانير ، وهو قول السدي .
والخامس : أنها المجعولة كذلك ، كقولهم دراهم مدرهمة .
ويحتمل وجهاً سادساً : أن القناطير المذكورة مأخوذة من قنطرة الوادي ، إما لأنها بتركها مُعَدَّة كالقناطر المعبورة ، وإما لأنها معدة لوقت الحاجة ، والقناطير مأخوذة من عقد الشيء وإحكامه كالقنطرة .
{ وَالْخَيلِ الْمُسَوَّمَةِ } فيها خمسة تأويلات :
أحدها : أنها الراعية ، قاله سعيد بن جبير ، والربيع ، ومنه قوله تعالى : { وفيه تسيمون } أي ترعون .
والثاني : أن المسومة الحسنة ، قاله مجاهد ، وعكرمة ، والسدي .
والثالث : أنها المعلَّمة ، قاله ابن عباس ، وقتادة .
والرابع : أنها المعدة للجهاد ، قاله ابن زيد .
والخامس : أنها من السيما مقصورة وممدود ، قاله الحسن ، قال الشاعر :
غلامٌ رماه اللهُ بالحُسْن يافعاً ... له سيمياء لا تَشُقُّ على البصر
{ والأنْعَامِ } هي الإِبل ، والبقر ، والغنم من الضأن والمعز ، ولا يقال النعم لجنس منها على الإِنفراد إلا للإِبل خاصة .
{ والْحَرْثِ } هو الزرع .
ويحتمل وجهاً ثانياً : أن يريد أرض الحرث لأنها أصل ، ويكون الحرث بمعنى المحروث .
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)
قوله عز وجل : { الصَّابِرِينَ } فيه ثلاثة تأويلات : (1/221)
أحدها : الصابرين عما نهوا عنه من المعاصي .
والثاني : يعني في المصائب .
والثالث : الصائمين .
ويحتمل رابعاً : الصابرين عما زُيِّن للناس من حب الشهوات .
{ وَالصَّادِقِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : في قولهم .
والثاني في القول والفعل والنيَّة ، والصدق في القول : الإخبار بالحق ، والصدق في الفعل : إتمام العمل ، والصدق في النية : إمضاء العزم .
{ وَالْقَانِتِينَ } فيه تأويلان :
أحدهما : يعني المطيعين ، قاله قتادة .
والثاني : معناه القائمون على العبادة ، قاله الزجاج .
{ والْمُنفِقِينَ } فيه تأويلان :
أحدهما : في الجهاد .
والثاني : في جميع البِرِّ .
{ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بالأْسْحَارِ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها يعني المصلين بالأسحار ، قاله قتادة .
والثاني : أنهم المستغفرون قولاً بالأسحار يسألون الله تعالى المغفرة ، قاله ابن عمر ، وابن مسعود وأنس بن مالك .
والثالث : أنهم يشهدون الصبح في جماعة ، قاله زيد بن أسلم . والسحر من الليل هو قبيل الفجر .
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)
قوله عز وجل : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ } في هذه الشهادة من الله ثلاثة أقاويل : (1/222)
أحدها : بمعنى قضى الله أنه لا إله إلا هو .
والثاني : يعني بَيَّنَ الله أنه لا إله إلا هو .
والثالث : أنها الشهادة من الله بأنه لا إله إلا هو .
ويحتمل أمرين :
أحدهما : أن يكون معناها الإِخبار بذلك ، تأكيداً للخبر بالمشاهدة ، كإخبار الشاهد بما شاهد ، لأنه أوكد للخبر .
والثاني : أنه أحدث من أفعاله المشاهدة ما قامت مقام الشهادة بأن لا إله إلا هو ، فأما شهادة الملائكة وأولي العلم ، فهي اعترافهم بما شاهدوه من دلائل وحدانيته .
{ قَآئِماً بِالْقِسْطِ } أي بالعدل .
ويحتمل قيامه بالعدل وجهين :
أحدهما : أن يتكفل لهم بالعدل فيهم ، من قولهم قد قام فلان بهذا الأمر إذا تكفل به ، فيكون القيام بمعنى الكفالة .
والثاني : معناه أن قيام ما خلق وقضى بالعدل أي ثباته ، فيكون قيامه بمعنى الثبات .
قوله عز وجل : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ } فيه وجهان :
أحدهما : أن المتدين عند الله بالإِسلام من سلم من النواهي .
والثاني : أن الدين هنا الطاعة ، فصار كأنه قال : إن الطاعة لله هي الإِسلام .
وفي أصل الإسلام قولان :
أحدهما : أن أصله مأخوذ من السلام وهو السلامة ، لأنه يعود إلى السلامة .
والثاني : أن أصله التسليم لأمر الله في العمل بطاعته .
{ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } في أهل الكتاب الذين اختلفوا ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم أهل التوراة من اليهود ، قاله الربيع .
والثاني : أنهم أهل الإِنجيل من النصارى ، قاله محمد بن جعفر بن الزبير .
والثالث : أنهم أهل الكتب كلها ، والمراد بالكتاب الجنس من غير تخصيص ، وهو قول بعض المتأخرين .
وفيما اختلفوا فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : في أديانهم بعد العلم بصحتها .
والثاني : في عيسى وما قالوه فيه من غلو وإسراف .
والثالث : في دين الإِسلام .
وفي قوله تعالى : { بَغْياً بَيْنَهُمْ } وجهان :
أحدهما : طلبهم الرياسة .
والثاني : عدولهم عن طريق الحق .
قوله عز وجل : { فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ : أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ } الآية . فيه وجهان :
أحدهما : أي أسلمت نفسي ، ومعنى أسلمت : انقدت لأمره في إخلاص التوحيد له .
والثاني : أن معنى أسلمت وجهي : أخلصت قصدي إلى الله في العبادة ، مأخوذ من قول الرجل إذا قصد رجلاً فرآه في الطريق هذا وجهي إليك ، أي قصدي .
{ وَالأُمِّيِّينَ } هم الذين لا كتاب لهم ، مأخوذ من الأمي الذي لا يكتب ، قال ابن عباس : هم مشركو العرب .
{ ءَأَسْلَمْتُمْ } هو أمر بالإِسلام على صورة الاستفهام .
فإن قيل : في أمره تعالى عند حِجَاجِهمْ بأن يقول : { أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ } عدول عن جوابهم وتسليم لحِجَاجِهم ، فعنه جوابان :
أحدهما : ليس يقتضي أمره بهذا القول النهي عن جوابهم والتسليم بحِجَاجِهم ، وإنما أمره أن يخبرهم بما يقتضيه معتقده ، ثم هو في الجواب لهم والاحْتِجَاج على ما يقتضيه السؤال .
والثاني : أنهم ما حاجُّوه طلباً للحق فيلزمه جوابهم ، وإنما حاجُّوه إظهاراً للعناد ، فجاز له الإِعراض عنهم بما أمره أن يقول لهم .
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22)
قوله عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِّيِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ } قرأ حمزة : ويقاتلون الذين يأمرون ، وقيل : إنها كذلك في مصحف ابن مسعود . (1/223)
وفي { الْقِسْطِ } هنا وجهان :
أحدهما : العدل .
والثاني : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
{ فَبَشِّرْهُم بِعَذابٍ أَلِيمٍ } رُوِيَ عن أبي عبيدة بن الجراح قال : قلت : يا رسول الله أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ قال : رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بمعروف أو نهى عن منكر ، ثم قرأ هذه الآية ، ثم قال : « يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ، فقتلوا جميعاً في آخر النهار من ذلك اليوم
» . { فَبَشِّرْهُم } أي فأخبرهم ، والأغلب في البشارة إطلاقها على الإِخبار بالخير ، وقد تستعمل في الإِخبار بالشّر كما استعملت في هذا الموضع وفي تسميتها بذلك وجهان :
أحدهما : لأنها تغير بَشْرَةَ الوجه بالسرور في الخير ، وبالغم في الشر .
والثاني : لأنها خبر يستقبل به البشرة .
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25)
قوله عز وجل : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ } يعني حظاً لأنهم علموا بعض ما فيه . { يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ } في الكتاب الذي دعوا إليه قولان : (1/224)
أحدهما : أنه التوراة ، دعي إليها اليهود فأبوا ، قاله ابن عباس .
والثاني : القرآن ، لأن ما فيه موافق لما في التوراة من أصول الدين ، قاله الحسن وقتادة .
وفي قوله تعالى : { لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } ثلاثة أقاويل :
أحدها : نبوة النبي صلى الله عليه وسلم .
والثاني : أمر إبراهيم وأن دينه الإِسلام .
والثالث : أنه حد من الحدود .
{ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ } قال ابن عباس :
هذا الفريق المتولي هم زعماء يهود بني قينقاع : النعمان بن أوفى ، وبحري بن عمرو بن صوريا تولوا عنه في حد الزنى لما أخبرهم أنه الرجم ، ورجم اليهوديين الزانيين .
فإن قيل : التولِّي عن الشيء هو الإعراض عنه ، قيل : معناه يتولَّى عن الداعي ويعرض عما دُعِيَ إليه .
قوله عز وجل : { . . . قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ } هذا من قول اليهود ، واختلفوا فيها على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها الأيام التي عبدوا فيها العجل وهي أربعون يوماً ، قاله قتادة ، والربيع .
والثاني : أنها سبعة أيام ، وهذا قول الحسن .
والثالث : أنها متقطعة لانقضاء العذاب فيها ، وهذا قول بعض المتأخرين .
{ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ } فيه قولان :
أحدهما : هو قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه ، قاله قتادة .
والثاني : هو قولهم لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات ، قاله مجاهد .
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)
قوله عز وجل : { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلكِ } فيه ثلاثة تأويلات : (1/225)
أحدها : يريد به ملك أمر الدنيا والآخرة .
والثاني : مالك العباد وما ملكوه ، قاله الزجاج .
والثالث : مالك النبوة ، قاله مجاهد .
{ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن المُلك هنا النبوة ، قاله مجاهد .
والثاني : أنه الإيمان .
والثالث : أنه السلطان .
روى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل مُلْك فارس والروم في أمته ، فأنزل الله هذه الآية .
{ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ } يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : تعز من تشاء بالطاعة ، وتذل من تشاء بالمعصية .
والثاني : تعز من تشاء بالنصر ، وتذل من تشاء بالقهر .
والثالث : تعز من تشاء بالغنى ، وتذل من تشاء بالفقر .
{ بِيَدِكَ الْخَيْرُ } أي أنت قادر عليه ، وإنما خَصَّ الخير بالذكر وإن كان قادراً على الخير والشر ، لأنه المرغوب في فعله .
قوله تعالى : { تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ } فيه قولان :
أحدهما : معناه تدخل نقصان الليل في زيادة النهار ، ونقصان النهار في زيادة الليل ، وهو قول جمهور المفسرين .
والثاني : أن معناه تجعل الليل بدلاً من النهار ، وتجعل النهار بدلاً من الليل ، وهو قول بعض المتأخرين .
{ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ } قرأ نافع وحمزة والكسائي : الميّت بالتشديد ، وقرأ الباقون بالتخفيف .
واختلفوا في معناه بالتخفيف والتشديد ، فذهب الكوفيون إلى أن الميْت بالتخفيف الذي قد مات ، وبالتشديد الذي لم يمت بعد .
وحكى أبو العباس عن علماء البصريين بأسرهم أنهما سواء ، وأنشد لابن الرعلاء القلابي :
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما المْيتُ ميّت الأحياء
إنما الميْتُ من يعيش كئيباً ... كاسفاً بالُه قليل الرجاء
وفي تأويل إخراج الحي من الميت قولان :
أحدهما : أنه يخرج الحيوان الحي في النطفة الميتة ، ويخرج النطفة الميتة من الحيوان الحي ، وهذا قول ابن مسعود ، ومجاهد ، وقتادة ، والسدي .
والثاني : أنه يخرج المؤمن من الكافر ، ويخرج الكافر من المؤمن ، وهذا قول الحسن .
وقال قتادة : وإنما سَمَّى الله يحيى بن زكريا بيحيى لأن الله عز وجل أحياه بالإيمان .
{ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } فيه ثلاثة أقاويل مضت .
لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)
قوله عز وجل : { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً وءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ } في آل عمران قولان : (1/226)
أحدهما : أنه موسى وهارون ابنا عمران .
والثاني : أنه المسيح ، لأن مريم بنت عمران ، وهذا قول الحسن .
وفيما اصطفاهم به ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه اصطفاهم باختيار دينهم لهم ، وهذا قول الفراء .
والثاني : أنه اصطفاهم بتفضيلهم في الأمور التي ميزهم بها على أهل زمانهم .
والثالث : أنه اصطفاهم باختيارهم للنبوة ، وهذا قول الزجاج .
قوله تعالى : { ذُرِّيَّةَ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } فيه قولان :
أحدهما : أنهم صاروا ذرية بالتناصر لا بالنسب ، كما قال تعالى : { المُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ } [ التوبة : 67 ] يعني في الاجتماع على الضلال ، وهذا قول الحسن ، وقتادة .
والثاني : أنهم في التناسل والنسب ، إذ جميعهم من ذرية آدم ، ثم من ذرية نوح ، ثم من ذريةإبراهيم ، وهذا قول بعض المتأخرين .
إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)
{ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ : رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً } فيه ثلاثة أقاويل : - (1/227)
أحدها : محرراً أي مُخْلَصاً للعبادة ، وهذا قول الشعبي .
والثاني : يعني خادماً للبيعة ، وهذا قول مجاهد .
والثالث : يعني عتيقاً من الدنيا لطاعة الله ، وهذا قول محمد بن جعفر بن الزبير .
قوله تعالى : { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ : ربِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى } إنما قالت ذلك اعتذاراً من العدول عن نذرها لأنها أنثى .
ثم قال تعالى : { وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم التاء ، فيكون ذلك راجعاً إلى اعتذارها بأن الله أعلم بما وضعت ، وقرأ الباقون بجزم التاء ، فيكون ذلك جواباً من الله تعالى لها بأنه أعلم بما وضعت منها .
ثم قال تعالى : { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى } لأن الأُنثى لا تصلح لما يصلح له الذكر من خدمة المسجد المقدس ، لما يلحقها من الحيض ، ولصيانة النساء عن التبرج ، وإنما يختص الغلمان بذلك .
{ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } فيه تأويلان :
أحدهما : معناه : من طعن الشيطان الذي يستهل به المولود صارخاً ، وقد روى ذلك أبو هريرة مرفوعاً .
والثاني : معناه من إغوائه لها ، وهذا قول الحسن ، ومعنى الرجيم المرجوم بالشهب .
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)
قوله عز وجل : { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } معناه أنه رضيها في النذر الذي نذرته بإخلاص العبادة في بيت المقدس . (1/228)
{ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً } يعني أنشأها إنشاءً حسناً في غذائها وحسن تربيتها .
{ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } قرأ أهل الكوفة { وَكَفَّلَهَا } بالتشديد ، ومعنى ذلك أنه دفع كفالتها إلى غيره . وقرأ الباقون : { كفَلَهَا } بالتخفيف ، ومعنى ذلك أنه أخذ كفالتها إليه .
{ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ } وهو معروف ، وأصله أنه أكرم موضع في المجلس .
{ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً } فيه قولان :
أحدهما : أن الرزق الذي أتاها فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف ، وهذا قول ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، والسدي .
والثاني : أنها لم تطعم ثدياً قط حتى تكلمت في المهد ، وإنما كان يأتيها رزقها من الجنة ، وهذا قول الحسن .
واختلف في السبب الذي يأتيها هذا الرزق لأجله على قولين :
أحدهما : أنه كان يأتيها بدعوة زكريا لها .
والثاني : أنه كان ذلك يأتيها لنبوة المسيح عليه السلام .
{ قَالَ : يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا ؟ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ } فيه قولان :
أحدهما : أن الله تعالى كان يأتيها بالرزق .
والثاني : أن بعض الصالحين من عباده سخره الله تعالى لها لطفاً منه بها حتى يأتيها رزقها . والأول أشبه .
{ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } فيه قولان :
أحدهما : أنه حكاية عن قول مريم بعد أن قالت هو من عند الله .
والقول الثاني : أنه قول الله تعالى بعد أن قطع كلام مريم .
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)
قوله تعالى : { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } اختلف في سبب دعائه على قولين : (1/229)
أحدهما : أن الله تعالى أذن له في المسألة لأن سؤال ما خالف العادة يُمْنَع منه إلا عن إذن لتكون الإجابة إعجازاً .
والثاني : أنه لما رآى فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف طمع في رزق الولد من عاقر .
{ قَالَ : رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً } يعني هب لي من عندك ولداً مباركاً ، وقصد بالذرية الواحد .
{ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ } أي تجيب الدعاء ، لأن إجابة الدعاء بعد سماعه .
قوله تعالى : { فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ } قرأ حمزة ، والكسائي : { فَنَادَاه الْمَلآئِكَةُ } ، وفي مناداته قولان :
أحدهما : أنه جبريل وحده ، وهو قول السدي .
والثاني : جماعة من الملائكة .
{ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى } قيل إنما سمّاه يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان ، وسماه بهذا اسم قبل مولده .
{ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ } فيه قولان :
أحدهما : بكتاب من الله ، وهذا قول أبي عبيدة وأهل البصرة .
والثاني : يعني المسيح ، وهذا قول ابن عباس ، وقتادة ، والربيع ، والضحاك ، والسدي .
واختلفوا في تسميته كلمة من الله على قولين :
أحدهما : أنه خلقه بكلمته من غير أب .
والثاني : أنه سُمِيَ بذلك لأن الناس يهتدون به في دينهم كما يهتدون بكلام الله عز وجل .
{ وَسَيِّداً } فيه خمسة أقاويل :
أحدها : أنه الخليفة ، وهو قول قتادة .
والثاني : أنه التقي ، وهو قول سالم .
والثالث : أنه الشريف ، وهو قول ابن زيد .
والرابع : أنه الفقيه العالم ، وهو قول سعيد بن المسيب .
والخامس : سيد المؤمنين ، يعني بالرياسة عليهم ، وهذا قول بعض المتكلمين .
{ وَحَصُوراً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه كان عِنَّيناً لا ماء له ، وهذا قول ابن مسعود ، وابن عباس ، والضحاك .
والثاني : أنه كان لا يأتي النساء ، وهو قول قتادة ، والحسن .
والثالث : أنه لم يكن له ما يأتي به النساء ، لأنه كان معه مثل الهْدبة ، وهو قول سعيد بن المسيب .
قوله عز وجل : { قَالَ : رَبِّ أَنَّى يِكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ } وإنما جاز له أن يقول : وقد بلغني الكبر لأنه بمنزلة الطالب له .
{ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ } أي لا تلد .
فإن قيل : فَلِمَ راجع بهذا القول بعد أن بُشَّرَ بالولد ، ففيه جوابان :
أحدهما : أنه راجع ليعلم على أي حال يكون منه الولد ، بأن يُرّدّ هو وامرأته إلى حال الشباب ، أم على حال الكبر ، فقيل له : كذلك الله يفعل ما يشاء ، أي على هذه الحال ، وهذا قول الحسن .
والثاني : أنه قال ذلك استعظاماً لمقدور الله وتعجباً . (1/230)
قوله عز وجل : { قَالَ : رَبِّ اجْعَل لِّي ءَايَةً } أي علامة لوقت الحمل ليتعجل السرور به .
{ قَالَ : ءَايَتُكَ ألاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : تحريك الشفتين وهو قول مجاهد .
والثاني : الإشارة ، وهو قول قتادة .
والثالث : الإيماء ، وهو قول الحسن .
{ وَاذْكُرْ رَّبَّكَ كَثِيراً } لم يمنع من ذكر الله تعالى ، وذلك هي الآية .
{ وَسَبِّحْ بِالْعَشِّيِ وَالإِبْكَارِ } والعشي : من حين زوال الشمس إلى أن تغيب ، وأصل العشي الظلمة ، ولذلك كان العشى ضعف البصر ، فَسُمَّي ما بعد الزوال عِشاءً لا تصاله بالظلمة . وأما الإبكار فمن حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى ، وأصله التعجيل ، لأنه تعجيل الضياء .
وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)
قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ : يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصطفاك } فيه قولان : (1/231)
أحدهما : اصطفاها على عالمي زمانها ، وهذا قول الحسن .
والثاني : أنه اصطفاها لولادة المسيح ، وهو قول الزجاج .
{ وَطَهَّرَكِ } فيه قولان :
أحدهما : طهرك من الكفر ، وهو قول الحسن ومجاهد .
والثاني : طهرك من أدناس الحيض والنفاس ، وهو قول الزجاج .
{ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَالَمِينَ } فيه قولان :
أحدهما : انه تأكيد للاصطفاء الأول بالتكرار . والثاني : أن الاصطفاء الأول للعبادة ، والاصطفاء الثاني لولادة المسيح . قوله عز وجل : { يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يعني أخلصي لربك ، وهو قول سعيد .
والثاني : معناه أديمي الطاعة لربك ، وهو قول قتادة .
والثالث : أطيلي القيام في الصلاة ، وهو قول مجاهد .
{ وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ } وفي تقديم السجود على الركوع قولان :
أحدهما : أنه كان مقدماً في شريعتهم وإن كان مؤخراً عندنا .
والثاني : أن الواو لا توجب الترتيب ، فاستوى حكم التقديم في اللفظ وتأخيره ، وأصل السجود والانخفاض الشديد والخضوع ، كما قال الشاعر :
فكلتاهما خَرّت وأسجّدّ رأسُها ... كما سَجَدتْ نصرانةٌ لم تحنف
وكذلك الركوع إلا أن السجود أكثر إنخفاضاً .
وفي قوله تعالى : { وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ } قولان :
أحدهما : معناه وافعلي كفعلهم .
والثاني : يعني مع الراكعين في صلاة الجماعة .
قوله تعالى : { ذَلِكَ مِنْ أَنبَآءِ الْغَيْبِ } يعني ما كان من البشرى بالمسيح .
{ نُوحِيهِ إِلَيْكَ } وأصل الوحي إلقاء المعنى إلى صاحبه ، والوحي إلى الرسل الإلقاء بالإنزال ، وإلى النحل بالإلهام ، ومن بعض إلى بعض بالإشارة ، كما قال تعالى : { فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيٍّا } . قال العجاج :
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... أوحى لها القرار فاستقرّت
{ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } فيه قولان :
أحدهما : أنهم تشاجروا عليها وتنازعوا فيها طلباً لكفالتها ، فقال زكريا : أنا أحق بها لأن خالتها عندي ، وقال القوم : نحن أحق بها لأنها بنت إمامنا وعالمنا ، فاقترعوا عليها بإلقاء أقلامهم وهي القداح مستقبلة لجرية الماء ، فاستقبلت عصا زكريا لجرية الماء مصعدة ، وانحدرت أقلامهم فقرعهم زكريا ، وهو معنى قوله تعالى : { وَكَفَّلَهَا } وهذا قول ابن عباس ، وعكرمة ، والحسن ، والربيع .
والقول الثاني : أنهم تدافعوا كفالتها لأن زكريا قد كان كفل بها من غير اقتراع ، ثم لحقهم أزمة ضعف بها عن حمل مؤونتها ، فقال للقوم : ليأخذها أحدكم فتدافعوا كفالتها وتمانعوا منها ، فأقرع بينهم وبين نفسه فخرجت القرعة له ، وهذا قول سعيد .
إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)
قوله تعالى : { إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ : يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ } وفي تسميته بالمسيح قولان : (1/232)
أحدهما : لأنه مُسِحَ بالبركة ، وهذا قول الحسن وسعيد .
والثاني : أنه مُسِحَ بالتطهر من الذنوب .
قوله تعالى : { وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ } وفي سبب كلامه في المهد قولان :
أحدهما : لتنزيه أمه مما قُذِفَتْ به .
والثاني : لظهور معجزته .
واختلفوا هل كان في وقت كلامه في المهد نبياً على قولين :
أحدهما : كان في ذلك الوقت نبياً لظهور المعجزة منه .
والثاني : أنه لم يكن في ذلك الوقت نبياً وإنما جعل الله ذلك تأسيساً لنبوتّه .
والمهد : مضجع الصبي ، مأخوذ من التمهيد .
ثم قال تعالى : { وَكَهْلاً } وفيه قولان :
أحدهما : أن المراد بالكهل الحليم ، وهذا قول مجاهد .
والثاني : أنه أراد الكهل في السنّ .
واختلفوا : بلوغ أربع وثلاثين سنة .
والثاني : أنه فوق حال الغلام ودون حال الشيخ ، مأخوذ من القوة من قولهم اكتهل البيت إذ طال وقوي .
فإن قيل فما المعنى في الإخبار بكلامه كهلاً وذلك لا يستنكر ؟ ففيه قولان :
أحدها : أنه يكلمهم كهلاً بالوحي الذي يأتيه من الله تعالى .
والثاني : انه يتكلم صغيراً في المهد كلام الكهل في السنّ .
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)
قوله تعالى : { فَلَمَّا أَحَسَّ عَيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ : مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ } فيه ثلاثة أقاويل : (1/233)
أحدها : يعني من أنصاري مع الله .
والثاني : معناه من أنصاري في السبيل إلى الله ، وهذا قول الحسن .
والثالث : معناه من ينصرني إلى نصر الله .
وواحد الأنصار نصير .
{ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ : نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ } اخْتُلِف في تسميتهم بالحواريين على ثلاثة أقاويل :
أحدها : انهم سُمُّوا بذلك لبياض ثيابهم ، وهذا قول سعيد بن جبير .
والثاني : أنهم كانوا قَصَّارين يبيضون الثياب ، وهذا قول ابن أبي نجيح .
والثالث : أنهم خاصة الأنبياء ، سموا بذلك لنقاء قلوبهم ، وهذا قول قتادة ، والضحاك . وأصل الحواري : الحَوَر وهو شدة البياض ، ومنه الحواري من الطعام لشدة بياضه ، والحَوَر نقاء بياض العين .
واختلفوا في سبب استنصار المسيح بالحواريين على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه استنصر بهم طلباً للحماية من الكفار الذين أرادوا قتله حين أظهر دعوته ، وهذا قول الحسن ، ومجاهد .
والثاني : أنه استنصر بهم ليتمكن من إقامة الحجة وإظهار الحق .
والثالث : لتمييز المؤمن الموافق من الكافر المخالف .
قوله تعالى : { . . . فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } فيه قولان :
أحدهما : يعني صِلْ ما بيننا وبينهم بالإخلاص على التقوى .
والثاني : أثْبِتْ أسماءنا مع أسمائهم لننال ما نالوا من الكرامة .
قوله تعالى : { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } فيه قولان :
أحدهما : أنهم مكروا بالمسيح عليه السلام بالحيلة عليه في قتله ، ومكر الله في ردهم بالخيبة لإلقاء شبه المسيح على غيره ، وهو قول السدي .
والثاني : مكروا بإضمار الكفر ، ومكر الله بمجازاتهم بالعقوبة ، وإنما جاز قوله : { وَمَكَرَ اللَّهُ } على مزواجة الكلام وإن خرج عن حكمه ، نحو قوله : { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } [ البقرة : 194 ] وليس الثاني اعتداءً ، وأصل المكر : الالتفاف ، ولذلك سمي الشجر الملتف مكراً ، والمكر هو الاحتيال على الإنسان لالتفاف المكروه به .
والفرق بين المكر والحيلة أن الحيلة قد تكون لإظهار ما يعسر من غير قصد إلى الإضرار ، والمكر : التوصل إلى إيقاع المكروه به .
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58)
قوله تعالى : { إِذْ قَالَ اللَّهُ : يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } فيه أربعة أقاويل : (1/234)
أحدها : معناه إني قابضك برفعك إلى السماء من غير وفاة بموت ، وهذا قول الحسن ، وابن جريج ، وابن زيد .
والثاني : متوفيك وفاة نوم للرفع إلى السماء ، وهذا قول الربيع .
والثالث : متوفيك وفاة بموت ، وهذا قول ابن عباس .
والرابع : أنه من المقدم والمؤخر بمعنى رافعك ومتوفيك بعده ، وهذا قول الفراء .
وفي قوله تعالى : { وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } قولان :
أحدهما : رافعك إلى السماء .
والثاني : معناه رافعك إلى كرامتي .
{ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } فيه قولان :
أحدهما : أن تطهيره منهم هو منعهم من قتله .
الثاني : أنه إخراجه من بينهم .
{ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } فيه تأويلان :
أحدهما : فوقهم بالبرهان والحجة .
والثاني : بالعز والغلبة .
وفي المعنيّ بذلك قولان :
أحدهما : أن الذين آمنوا به فوق الذين كذّبوه وكذَبوا عليه ، وهذا قول الحسن ، وقتادة ، والربيع ، وابن جريج .
والثاني : أن النصارى فوق اليهود ، لأن النصارى أعز واليهود أذل ، وفي هذا دليل على أنه لا يكون مملكة إلى يوم القيامة بخلاف الروم .
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63)
قوله تعالى : { فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ } فيه تأويلان : أحدهما : في عيسى . (1/235)
والثاني : في الحق .
{ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ : تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ } والذين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة هم نصارى نجران . وفي قوله : { نَبْتَهِلْ } تأويلان :
أحدهما : معناه نلتعن .
والثاني : ندعو بهلاك الكاذب ، ومنه قول لبيد :
... ... ... ... ... ... ... ... نظر الدهر إليهم فابتهل
أي دعا عليهم بالهلاك .
فلما نزلت هذه الآية أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيد علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ثم دعا النصارى إلى المباهلة ، فأحجموا عنها ، وقال بعضهم لبعض : إن باهلتموه اضطرم الوادي عليكم ناراً .
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)
قوله تعالى : { قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } الآية وفي المقصود بذلك قولان : (1/236)
أحدهما : أنهم نصارى نجران ، وهذا قول الحسن والسدي وابن زيد .
والثاني : انهم يهود المدينة ، وهذا قول قتادة ، والربيع ، وابن جريح .
{ وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ } فيه تأويلان :
أحدهما : هو طاعة الاتباع لرؤسائهم في أوامرهم بمعاصي الله ، وهذا قول ابن جريح .
والثاني : سجود بعضهم لبعض ، هذا قول عكرمة .
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)
قوله تعالى : { يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ } وسبب نزول هذه الآية أن اليهود والنصارى اجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتنازعوا في أمره فقالت اليهود : ما كان إلا يهودياً ، وقالت النصارى : ما إلا نصرانياً ، فنزلت هذه الآية تكذيباً للفريقين بما بيَّنه من نزول التوراة والإنجيل من بعده . (1/237)
قوله تعالى : { هَأَنتُمْ هَؤُلآءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ } يعني ما وجدوه في كتبهم .
{ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ } يعني من شأن إبراهيم .
{ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } يعني شأن إبراهيم .
{ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } فالتمسوه من عِلَلِه .
وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)
قوله تعالى : { يَأَهل الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } فيه ثلاثة تأويلات : (1/238)
أحدها : وأنتم تشهدون بما يدل على صحتها من كتابكم الذي فيه البشارة بها ، وهذا قول قتادة ، والربيع ، والسدي .
والثاني : وأنتم تشهدون بمثلها من آيات الأنبياء التي تقرون بها .
والثالث : وأنتم تشهدون بما عليكم فيه الحجة .
قوله تعالى : { يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ } فيه تأويلان :
أحدهما : تحريف التوارة والإنجيل ، وهذا قول الحسن ، وابن زيد .
والثاني : الدعاء إلى إظهار الإسلام في أول النهار والرجوع عنه في آخره قصداً لتشكيك الناس فيه ، وهذا قول ابن عباس ، وقتادة .
والثالث : الإيمان بموسى وعيسى والكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم .
{ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ } يعني ما وجدوه عندهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، والبشارة به في كتبهم عناداً من علمائهم .
{ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } يعني الحق بما عرفتموه من كتبكم .
قوله تعالى : { وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبعَ دِينَكُمْ } فيه قولان :
أحدهما : معناه لا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم .
والثاني : لا تعترفوا بالحق إلا لمن تبع دينكم .
واخْتُلِفَ في تأويل ذلك على قولين :
أحدهما : أنهم كافة اليهود ، قال ذلك بعضهم لبعض ، وهذا قول السدي ، وابن زيد .
والثاني : أنهم يهود خبير قالوا ذلك ليهود المدينة ، وهذا قول الحسن .
واختلف في سبب نهيهم أن يؤمنوا إلا لِمَنْ تَبعَ دينهم على قولين :
أحدهما : أنهم نُهُوا عن ذلك لِئَلاً يكون طريقاً لعبدة الأوثان إلى تصديقه ، وهذا قول الزجاج .
والثاني : أنهم نُهُوا عن ذلك لِئَلاَّ يعترفوا به فيلزمهم العمل بدينه لإقرارهم بصحته .
{ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ } فيه قولان :
أحدهما : أن في الكلام حذفاً ، وتقديره : قل إن الهدى هدى الله ألاَّ يُؤْتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم أُّيها المسلمون ، ثم حذف « لا » من الكلام لدليل الخطاب عليها مثل قوله تعالى : { يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا } [ النساء : 176 ] أي لا تضلوا ، وهذا معنى قول السدى ، وابن جريج . والثاني : أن معنى الكلام : قل إن الهدى هدى الله فلا تجحدوا أن يُؤْتى أحد مثل ما أوتيتم .
{ أَوْ يُحَآجُّوكُم عِندَ رَبِّكُم } فيه قولان :
أحدهما : يعني ولا تؤمنوا أن يُحَاجّوكم عند ربكم لأنه لا حجة لهم ، وهذا قول الحسن ، وقتادة .
والثاني : إن معناه حتى يُحَاجُّوكم عند ربكم ، على طريق التبعيد ، كما يقال : لا تلقاه أو تقوم الساعة ، وهذا قول الكسائي ، والفراء .
قوله تعالى : { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ } فيه قولان :
أحدهما : أنها النبوة ، وهو قول الحسن ، ومجاهد ، والربيع .
والثاني : القرآن والإسلام ، وهذا قول ابن جريج .
واختلفوا في النبوة هل تكون جزاءً على عمل ؟ على قولين :
أحدهما : أنها جزاء عن استحقاق .
والثاني : أنها تفضل لأنه قال : { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ } .
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)
قوله تعالى : { وَمِن أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّه إِلَيكَ } اختلفوا في دخول الباء على القنطار والدينار على قولين : (1/239)
أحدهما : أنها دخلت لإلصاق الأمانة كما دخلت في قوله تعالى : { وَلِيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ } [ الحج : 29 ] .
والثاني : أنها بمعنى ( على ) وتقديره : ومن أهل الكتاب من إن تأمنه على قنطار .
{ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيهِ قَائِماً } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : إلا ما دمت عليه قائماً بالمطالبة والإقتضاء ، وهذا قول قتادة ، ومجاهد .
والثاني . بالملازمة .
والثالث : قائماً على رأسه ، وهو قول السدي .
{ ذَلِكَ بِأَنَّهُم قَالُوا : لَيسَ عَلَينَا فِي الأُمِّيِينَ سَبِيلٌ } يعني في أموال العرب ، وفي سبب استباحتهم له قولان :
أحدهما : لأنهم مشركون من غير أهل الكتاب ، وهو قول قتادة ، والسدي .
والثاني : لأنهم تحولوا عن دينهم الذي عاملناهم عليه ، وهذا قول الحسن وابن جريج ، وقد روى سعيد بن جبير قال : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كَذَّبَ اللهُ أَعْدَاءَ اللهِ ، مَا مِن شَيءٍ كَانَ في الجَاهِليَّةِ إلاَّ وَهُوَ تَحتَ قَدَميَّ إلاَّ الأمَانَةَ فَإنَّها مُؤَدَّاةٌ إِلَى الَبرِّ وَالفَاجِرِ
» .
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)
قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِم ثَمَناً قَلِيلاً } وفي العهد قولان : (1/240)
أحدهما : ما أوجب الله تعالى على الإنسان من طاعته وكَفَّه عن معصيته .
والثاني : ما في عقل الإنسان من الزجر عن الباطل والانقياد إلى الحق .
{ أَولَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُم فِي الآخِرةِ } . وفي أصل الخلاق قولان :
أحدهما : أن أصله من الخّلق بفتح الخاء وهو النفس ، وتقدير الكلام لا نصيب لهم .
والثاني : أن أصله الخُلق بضم الخاء لأنه نصيب مما يوجبه الخُلُق الكريم .
{ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ } فيه قولان :
أحدهما : لا يكلمهم الله بما يسرهم ، لكن يكلمهم بما يسوءهم وقت الحساب لأنه قال : { ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا حِسَابَهُم } .
والثاني : لا يكلمهم أصلاً ولكن يرد حسابهم إلى الملائكة .
{ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيهِم يَومَ الْقِيَامَةِ } فيه قولان :
أحدهما : لا يراهم .
والثاني : لا يَمِنُ عليهم .
{ وَلاَ يُزَكِّيهِم } أي لا يقضي بزكاتهم .
واختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها نزلت في قوم من أحبار اليهود : أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق ، وكعب بن الأشرف ، وحيي بن أخطب كتبوا كتاباً بأيديهم ، ثم حلفوا أنه من عند الله فيما ادعوا به ليس عليهم في الأميين سبيل ، وهو قول الحسن ، وعكرمة .
والثاني : أنها نزلت في الأشعث وخصيم له تنازعاً في أرض ، فقام ليحلف ، فنزلت هذه الآية ، فنكل الأشعث واعترف بالحق .
والثالث : أنها نزلت في رجل حلف يميناً فاجرة في تنفيق سلعته في البيع ، وهذا قول عامر ، ومجاهد .
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)
قوله تعالى : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ : كُونُوا عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللَّهِ } سبب نزولها ما روى ابن عباس أن قوماً من اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أتدعونا إلى عبادتك كما دعا المسيح النصارى ، فنزلت هذه الآية . (1/241)
{ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : فقهاء علماء ، وهو قول مجاهد .
والثاني : حكماء أتقياء ، وهو قول سعيد بن جبير .
والثالث : أنهم الولاة الذين يربّون أمور الناس ، وهذا قول ابن زيد .
وفي أصل الرباني قولان :
أحدها : أنه الذي يربُّ أمور الناس بتدبيره ، وهو قول الشاعر :
وكنت امرءَاً أفضت إليك ربابتي ... وقبلك ربتني - فضعت - ربوبُ
فسمي العالم ربّانياً لأنه بالعلم يدبر الأمور .
والثاني : أنه مضاف إلى عالم الرب ، وهو علم الدين ، فقيل لصاحب العلم الذي أمر به الرب ربّاني .
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82)
قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ } في الميثاق قولان : (1/242)
أحدهما : أنه أخذ ميثاق النبيين أن يأخذوا على قومهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا قول علي ، وابن عباس ، وقتادة ، والسدي .
والثاني : أنه أخذ ميثاقهم ليؤمنن بالآخرة ، وهذا قول طاووس .
{ ثُمَّ جَآءَكُم رَسُولٌ } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم .
{ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ } يعني من التوارة ، والإنجيل .
{ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُم وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي } والإصر : العهد ، وفيه تأويلان :
أحدهما : معناه : قبلتم على ذلك عهدي .
والثاني : أخذتم على المُتَّبِعِين لكم عهدي .
{ قَالُوا : أَقْرَرْنَا . قَالَ : فَاشْهَدُواْ } يعني على أممكم بذلك .
{ وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ } عليكم ، وعليهم .
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)
قوله تعالى : { وَلَهُ أَسَلَمَ مَن فِي السَّموَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً } فيه ستة أقاويل : (1/243)
أحدها : أن المؤمن أسلم طوعاً والكافر أسلم عند الموت كَرْهاً ، وهذا قول قتادة .
والثاني : أنه الإقرار بالعبودية وإن كان فيه من أشرك في العبادة ، وهذا قول مجاهد .
والثالث : أنه سجود المؤمن طائعاً وسجود ظل الكافر كرهاً ، وهو مروي عن مجاهد أيضاً .
والرابع : طوعاً بالرغبة والثواب . وكرهاً بالخوف من السيف ، وهو قول مطر .
والخامس : أن إسلام الكاره حين أخذ منه الميثاق فأقر به ، وهذا قول ابن عباس .
والسادس : معناه أنه أسلم بالانقياد والذلة ، وهو قول عامر الشعبي ، والزجاج .
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)
قول الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَن تُقْبَلَ تَوبَتُهُمْ } فيه أربعة تأويلات : (1/244)
أحدها : أنهم اليهود كفروا بالمسيح ثم ازدادوا كفراً بمحمد لن تقبل توبتهم عند موتهم ، وهذا قول قتادة .
والثاني : أنهم أهل الكتاب لن تقبل توبتهم من ذنوب ارتكبوها مع الإقامة على كفرهم ، وهذا أبي العالية .
والثالث : أنهم قوم ارتدوا ثم عزموا على إظهار التوبة على طريق التورية ، فأطلع الله نبيهَّ وعلى سريرتهم ، وهذا قول ابن عباس .
والرابع : أنهم اليهود والنصارى كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم به قبل مبعثه ، ثم ازدادوا كفراً إلى حضور آجالهم ، وهذا قول الحسن .
لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)
قوله تعالى : { لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون } في البر ثلاثة تأويلات : (1/245)
أحدهما : أن البر ثواب الله تعالى .
والثاني : أنه فعل الخير الذي يستحق به الثواب .
والثالث : أن البر الجنة ، وهو قول السدي .
وفي قوله تعالى : { حَتَّى تُنفِقُواْ } ثلاثة أقاويل :
أحدها : في الصدقات المفروضات ، وهو قول الحسن .
والثاني : في جميع الصدقات فرضاً وتطوعاً ، وهو قول ابن عمر .
والثالث : في سبيل الخير كلها من صدقة وغيرها .
وروى عمرو بن دينار قال : لما نزلت هذه الآية { لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } جاء زيد بن حارثة بفرس له يقال لها ( سَبَل ) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : تَصَدَّقْ بهذه يا رسول الله ، فأعطاها ابنه أسامة ، فقال : يا رسول الله إنما أردت أن أتصدق بها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قَدْ قُبِلَتْ صَدَقَتُك
» .
كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95)
{ كلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَآئِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَآئِيلُ عَلَى نَفْسِهِ } سبب نزول هذه الآية أن اليهود أنكروا تحليل النبي صلى الله عليه وسلم لحوم الإبل ، فأخبر الله تعالى بتحليلها لهم حين حرَّمها إسرائيل على نفسه ، لأنه لما أصابه وجع العرق الذي يقال له عرق النسا ، نذر تحريم العروق على نفسه ، وأحب الطعام إليه ، وكانت لحوم الإبل من أحب الطعام إليه . (1/246)
واختلفوا في تحريم إسرائيل على نفسه هل كان بإذن الله تعالى أم لا _ على اختلافهم في اجتهاد الأنبياء ... على قولين :
أحدهما : لم يكن إلا بإذنه وهو قول من زعم أن ليس لنبي أن يجتهد .
والثاني : باجتهاده من غير إذن ، وهو قول من زعم أن للنبي أن يجتهد .
واختلفوا في تحريم اليهود ذلك على أنفسهم على قولين :
أحدهما : أنهم حرموه على أنفسهم اتباعاً لإسرائيل .
والثاني : أن التوراة نزلت بتحريمها فحرموها بعد نزولها ، والأول أصح .
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)
{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً } لا اختلاف بين أهل التفسير أنه أول بيت وضع للعبادة ، وإنما اختلفوا هل كان أول بيت وضع لغيرها على قولين : (1/247)
أحدهما : أنه قد كانت قْبْله بيوت كثيرة ، وهو قول الحسن .
والثاني : أنه لم يوضع قبله بيت ، وهذا قول مجاهد ، وقتادة .
وفي { بَكَّة } ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن بكة المسجد ، ومكة : الحرم كله ، وهذا قول ابن شهاب ، وضمرة بن ربيعة .
والثاني : أن بكة هي مكة ، وهو قول أبي عبيدة .
والثالث : أن بكة موضع البيت ، ومكة غيره في الموضع يريد القرية ، وروي ذلك عن مالك .
وفي المأخوذ منه بكة قولان :
أحدهما : أنه مأخوذ من الزحمة ، يقال تَبَاّك القوم بعضهم بعضاً إذا ازدحموا ، فبكة مُزْدَحَمُ الناس للطواف .
والقول الثاني : أنها سميت بكة ، لأنها تَبُكُّ أعناق الجبابرة ، إذ ألحدواْ فيها بظلم لم يهملواْ .
وفي قوله : { مُبَارَكاً } تأويلان :
أحدهما : أن بركته ما يستحق من ثواب القصد إليه .
والثاني : أنه آمن لمن دخله حتى الوحش ، فيجتمع فيه الصيد والكلب . { فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ } الآية في مقام إبراهيم أثر قدميه وهو حجر صلد؟ والآية في غير المقام : أمن الخائف ، وهيبة البيت وامتناعه من العلو عليه ، وتعجيل العقوبة لمن عتا فيه ، وما كان في الجاهلية من أصحاب الفيل .
{ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً } معناه أنه عطَّف عليه قلوب العرب في الجاهلية فكان الجاني إذا دخله أمِنَ .
وأما في الإسلام ففيه قولان :
أحدهما : أنه من النار ، وهذا قول يحيى بن جعدة .
والثاني : من القتال بحظر الإيجال على داخليه ، وأما الحدود فتقام على من جنى فيه .
واختلفواْ في الجاني إذ دخله في إقامة الحد عليه فيه قولان :
أحدهما : تقام عليه ، وهو مذهب الشافعي .
والثاني : لا تقاوم حتى يُلجأ إلى الخروج منه ، وهو مذهب أبي حنيفة .
{ وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلاً } وفي الاستطاعة ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها بالمال ، وهي الزاد والراحلة ، وهو قول الشافعي .
والثاني : أنها بالبدن ، وهو قول مالك .
والثالث : أنها بالمال والبدن ، وهو قول أبي حنيفة .
{ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } وفيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني [ من كفر ] بفرض الحج فلم يره واجباً ، وهو قول ابن عباس .
والثاني : هو لا يرى حَجَّهُ براً ولا تركه مأثماً ، وهو قول زيد بن أسلم . والثالث : اليهود ، لأنه لما نزل قوله تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنهُ } فقالواْ نحن مسلمون فأُمِرُوا بالحج فلم يحجوا ، فأنزل الله هذه الآية .
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)
{ قُلْ يَا أهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ } فيه قولان : (1/248)
أحدهما : أن صدهم عن سبيل ما كانوا عليه من الإغراء بين الأوس والخزرج حتى يتذكروا حروب الجاهلية فيتفرقوا ، وذلك من فعل اليهود خاصة ، وهو قول ابن زيد .
والثاني : أنه تكذيبهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وإنكارهم ثبوت صفته في كتبهم ، وذلك من فعل اليهود والنصارى ، وهذا قول الحسن .
{ تَبْغُونَهَا عِوَجاً } أي تطلبون العِوَجَ وهو بكسر العين العدول عن طرائق الحق ، والعَوَج بالفتح ميلُ منتصب من حائط أو قناة .
{ وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ } فيه قولان :
أحدهما : يعني عقلاء ، مثل قوله تعالى : { أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } [ ق : 37 ] . والثاني : يعني شهوداً على ما كان من صَدّهم عن سبيل الله ، وقيل من عنادهم وكذبهم .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا } يعني الأوس والخزرج . (1/249)
{ إِن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } يعني اليهود في إغرائهم بينكم .
{ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ } .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } فيه أربع أقاويل : (1/250)
أحدها : هو أن يُطَاع فلا يُعْصى ، ويُشْكَر فلا يكفر ويُذْكَر فلا يُنْسى ، وهو قول ابن مسعود ، والحسن ، وقتادة .
والثاني : هو اتقاء جميع المعاصي ، وهو قول بعض المتصوفين .
والثالث : هو أن يعترفواْ بالحق في الأمن والخوف .
والرابع : هو أن يُطَاع ، ولا يُتَّقى في ترك طاعته أحدٌ سواه .
واختلفواْ في نسخها على قولين :
أحدهما : هي محكمة ، وهو قول ابن عباس ، وطاووس .
والثاني : هي منسوخة بقوله تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم } [ التغابن : 16 ] وهو قول قتادة ، والربيع ، والسدي ، وابن زيد .
{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْل اللَّهِ جَمِيعاً } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : الحبل : كتاب الله تعالى ، وهو قول ابن مسعود ، وقتادة ، والسدي ، روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « كِتَابُ اللهِ هُوَ حَبْلُ اللهِ المَمْدُودُ مِنَ السَّماءِ إَلى الأرْضِ
» . والثاني : أنه دين الله وهو الإسلام ، وهذا قول ابن زيد .
والثالث : أنه عهد الله ، وهو قول عطاء .
والرابع : هو الإخلاص لله والتوحيد ، وهو قول أبي العالية .
والخامس : هو الجماعة ، وهو مروي عن ابن مسعود .
وسُمَّي ذلك حبلاً لأن المُمْسِكَ به ينجو مثل المتمسك بالحبل ينجو من بئر أو غيرها .
{ وَلاَ تَفَرَّقُواْ } فيه قولان :
أحدهما : عن دين الله الذي أمر فيه بلزوم الجماعة ، وهذا قول ابن مسعود ، وقتادة .
والثاني : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
{ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُمْ } وفيمن أريد بهذه الآية قولان :
أحدهما : أنهم مشركو العرب لِمَا كان بينهم من الصوائل ، وهذا قول الحسن .
والثاني : أنهم الأوس والخزرج لِمَا كان بينهم من الحروب في الجاهلية حتى تطاولت مائة وعشرين سنة إلى أن ألَّفَ الله بين قلوبهم بالإسلام فتركت تلك الأحقاد ، وهذا قول ابن إسحاق .
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)
{ يَومَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } يعني به يوم القيامة ، لأن الناس فيه بين مُثَابٌ بالجنة ومُعاقَبٌ بالنار فوصِف وجه المُثَاب بالبياض لإسفاره بالسرور ، ووصف وجه المُعَاقَب بالسواد لإنكسافه بالحزن . (1/251)
{ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُم تَكْفُرُونَ } وفي هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم أربعة أقاويل :
الأول : أنهم الذين كفرواْ بعد إظهار الإيمان بالنفاق ، وهو قول الحسن .
والثاني : أنهم الذين كفروا بالارتداد بعد إسلامهم ، وهو قول مجاهد .
والثالث : هم الذين كفروا من أهل الكتاب بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بِنَعْتِهِ ووصفه ، وهو قول الزجاج .
والرابع : هم جميع الكفار لإعراضهم عما يوجبه الإقرار بالتوحيد حين أَشْهَدَهُم الله تعالى على أنفسهم { أَلسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا } [ الأعراف : 172 ] وهو قول أبي بن كعب .
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112)
{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } فإن قيل : فَلِمَ قال كنتم خير أمة ولم يقل أنتم خير أمة؟ ففيه أربعة أجوبة : (1/252)
أحدها : أن الله تعالى قد كان قدم البشارة لهم بأنهم خير أمة ، فقال : { كُنْتُمْ } يعني إلى ما تقدم في البشارة ، وهذا قول الحسن البصري .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أَنتُم تُتِمَّونَ سَبْعِن أُمةً أَنْتُم خَيرُها وأَكْرمُها عَلَى اللهِ
» . والثاني : أن ذلك لتأكيد الأمر لأن المتقدم مستصحب وليس الآنف متقدماً ، وذلك مثل قوله تعالى : { وكان الله غفوراً رحيماً } .
والثالث : معناه خلقهم خير أمّة .
والرابع : كنتم خير أمّة في اللوح المحفوظ .
لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117)
{ لَيْسُوا سَوَاءً ، مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَةٌ قَآئِمَةٌ } روي عن ابن عباس أن سبب نزولها أنه أسلم عبد الله ابن سلام وجماعة معه ، فقالت أحبار اليهود : ما آمن بمحمد إلاّ شرارنا ، فأنزل الله تعالى : { لَيسُوا سَوَاءً } إلى قوله : { وأولئك مِنَ الصَّالِحِينَ } . (1/253)
{ أمةٌ قَائِمَةٌ } فيه ثلاث تأويلات :
أحدها : عادلة ، وهو قول الحسن ، وابن جريج .
والثاني : قائمة بطاعة الله ، وهو قول السدي .
والثالث : يعني ثابتة على أمر الله تعالى ، وهو قول ابن عباس ، وقتادة ، والربيع .
{ يَتْلُونَ ءَايَاتِ اللهِ ءَانآءَ اللَّيْلِ } فيه تأويلان :
أحدهما : ساعات الليل ، وهو قول الحسن ، والربيع .
والثاني : جوف الليل ، وهو قول السدي .
واختلف في المراد بالتلاوة في هذا الوقت على قولين :
أحدهما : صلاة العَتْمَة ، وهو قول عبد الله بن مسعود .
والثاني : صلاة المغرب والعشاء ، وهو قول الثوري .
{ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني سجود الصلاة .
والثاني : يريد الصلاة لأن القراءة لا تكون في السجود ولا في الركوع ، وهذا قول الزجاج ، والفراء .
والثالث : معناه يتلون آيات الله أناء الليل وهم مع ذلك يسجدون .
{ مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ } اختلفواْ في سبب نزولها على قولين :
أحدهما : أنها نزلت في أبي سفيان وأصحابه يوم بدر عند تظاهرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والثاني : أنه نزلت في نفقة المنافقين مع المؤمنين في حرب المشركين على جهة النفاق .
وفي الصّرِّ تأويلان :
أحدهما : هو البرد الشديد ، وهو قول ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، والسدي .
والثاني : أنه صوت لهب النار التي تكون في الريح ، وهو قول الزجاج ، وأصل الصّر صوت من الصرير .
{ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } فيه تأويلان :
أحدهما : معناه أن ظلمهم اقتضى هلاك زرعهم .
والثاني : يعني أنهم ظلموا أنفسهم بأن زرعواْ في غير موضع الزرع وفي غير وقته فجاءت ريح فأهلكته فضرب الله تعالى هذا مثلاً لهلاك نفقتهم .