صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : النكت والعيون
المؤلف : أبوالحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)

قوله تعالى : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قَتَالٍ فِيهِ ، قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } والسبب في نزول هذه الآية أن عبد الله بن جحش خرج بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعة نفر من أصحابه وهم أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، عكاشة بن محصن ، وعتبة بن غزوان ، وسهيل بن البيضاء ، وخالد ابن البكير ، وسعد بن أبي وقاص ، وواقد بن عبد الله ، وعبدُ الله بن جحش كان أميرهم ، فتأخر عن القوم سعد وعتبة ليطلبا بعيراً لهما ضَلَّ ، فلقوا عمرو بن الحضرمي فرماه واقد بن عبد الله التميمي بسهم فقتله واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان ، وغُنِمت العير ، وكان ذلك في آخر ليلة من جمادى الآخِرة أو أول ليلة من رجب ، فعيرت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وقدم عبد الله بن جحش فلامه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولامه المسلمون حتى أنزل الله فيه هذه الآية .
واختلفوا فيمن سأل عن ذلك على قولين :
أحدهما : أنهم المشركون ليعيّروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستحلوا قتاله فيه ، وهو قول الأكثر .
والثاني : أنهم المسلمون سألوا عن القتال في الشهر الحرام ليعلموا حكم ذلك . فأخبرهم الله تعالى : أن الصد عن سبيل الله وإخراج أهل الحرم منه والفتنة أكبر من القتل في الشهر الحرام وفي الحرم ، وهذا قول قتادة .
واختلفوا في تحريم القتال في الأشهر الحرم هل نسخ أم لا؟ فقال الزهري : هو منسوخ بقوله تعالى : { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً } . وقال عطاء : هو ثابت الحكم ، وتحريم القتال فيه باقٍ غير منسوخ ، والأول أصح لما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غزا هوازن بحنين ، وثقيفاً بالطائف ، وأرسل أبا العاص إلى أوطاس لحرب مَنْ بها من المشركين في بعض الأشهر الحرم ، وكانت بيعة الرضوان على قتال قريش في ذي القعدة .
وقوله تعالى : { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } أي يرجع ، كما قال تعالى : { فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً } [ الكهف : 64 ] أي رجعا ، ومن ذلك قيل : استرد فلان حقه .
{ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } أي بطلت ، وأصل الحبوط الفساد ، فقيل في الأعمال إذا بطلت حبطت لفسادها .
قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ } الآية . وسبب نزولها أن قوماً من المسلمين قالوا في عبد الله بن جحش ومن معه : إن لم يكونوا أصابوا في سفرهم وزْراً فليس فيه أجر ، فأنزل الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ } يعني بالله ورسوله ، { وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ } يعني عن مساكنة المشركين في أمصارهم ، وبذلك سمي المهاجرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرين لهجرهم دورهم ومنازلهم كراهة الذل من المشركين وسلطانهم ، { وَجَاهَدُواْ } يعني قاتلوا ، وأصل المجاهدة المفاعلة من قولهم جهد كذا إذا أكدّه وشق عليه ، فإن كان الفعل من اثنين كل واحد منهما يكابد من صاحبه شدة ومشقة قيل فلان يجاهد فلاناً . وأما { فِي سَبِيلِ اللهِ } فطريق الله ، وطريقه : دينه .
فإن قيل : فكيف قال : { أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ } ورحمة الله للمؤمنين مستحقة؟ ففيه جوابان :
أحدهما : أنهم لما لم يعلموا حالهم في المستقبل جاز أن يرجوا الرحمة خوفاً أن يحدث من مستقبل أمورهم مالا يستوجبونها معه .
والجواب الثاني : أنهم إنما رجوا الرحمة لأنهم لم يتيقنوها بتأدية كل ما أوجبه الله تعالى عليهم .

(1/154)


يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)

قوله تعالى : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } الآية : يعني يسألك أصحابك يا محمد عن الخمر والميسر وشربها ، وهذه أول آية نزلت فيها .
والخمر كل ما خامر العقل فستره وغطى عليه ، من قولهم خَمَّرتُ الإناء إذا غطيته ، ويقال هو في خُمار الناس وغمارهم يراد به دخل في عُرضهم فاستتر بهم ، ومن ذلك أُخذ خمار المرأة لأنه يسترها ، ومنه قيل هو يمشي لك الخمر أي مستخفياً ، قال العجاج :
في لامع العِقْبان لا يأتي الخَمَرْ ... يُوجّهُ الأرضَ ويستاق الشّجَرْ
يعني بقوله لا يأتي الخمر أي لا يأتي مستخفياً لكن ظاهراً برايات وجيوش .
فأما الميسر فهو القمار من قول القائل يَسر لي هذا الشيء يَسْراً ومَيْسِراً ، فالياسر اللاعب بالقداح ثم قيل للمقامر ياسر ويَسَر كما قال الشاعر :
فبت كأنني يَسَرٌ غبينٌ ... يقلب بعدما اختلع القداحا
{ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ } قرأ حمزة والكسائي { . . . . . كَثِيرٌ } بالثاء .
وفي إثمهما تأويلان :
أحدهما : أن شارب الخمر يسكر فيؤذي الناس ، وإثم الميسر : أن يقامر الرجل فيمنع الحق ويظلم ، وهذا قول السدي .
والثاني : أن إثم الخمر زوال عقل شاربها إذا سكر حتى يغْرُب عنه معرفة خالقه . وإثم الميسر : ما فيه من الشغل عن ذكر الله وعن الصلاة ، ووقوع العداوة والبغضاء كما وصف الله تعالى : { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ أَن يُوقِعَ بَينَكُمً الْعَدَاوَةَ والْبَغْضَاءَ فِي الْخمر والْمَيسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ } [ المائدة : 90 ] وهذا قول ابن عباس .
وأما قوله تعالى : { وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } فمنافع الخمر أثمانها وربح تجارتها ، وما ينالونه من اللذة بشربها ، كما قال حسان بن ثابت :
ونشربها فتتركنا ملوكاً ... وأُسْداً ما ينهنهنا اللقاءُ
وكما قال آخر :
فإذا شربت فإنني ... رَبُّ الخَورْنق والسدير
وإذا صحوتُ فإنني ... ربُّ الشويهة والبعير
وأما منافع الميسر ففيه قولان :
أحدهما : اكتساب المال من غير كدّ .
والثاني : ما يصيبون من أنصباء الجزور ، وذلك أنهم كانوا يتياسرون على الجزور فإذا أفلح الرجل منهم على أصحابه نحروه ثم اقتسموه أعشاراً على عدة القداح ، وفي ذلك يقول أعشى بني ثعلبة :
وجزور أيسار دعوت إلى الندى ... أوساط مقفرة أخف طلالها
وهذا قول ابن عباس ومجاهد والسدي .
ثم قال تعالى : { وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعْهِمَا } فيه تأويلان :
أحدهما : أن إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما بعد التحريم ، وهو قول ابن عباس .
والثاني : أن كلاهما قبل التحريم يعني الإثم الذي يحدث من أسبابهما أكبر من نفعهما ، وهو قول سعيد بن جبير .
وفي قوله تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ } ستة تأويلات :
أحدها : بما فضل عن الأهل ، وهو قول أبن عباس .

(1/155)


والثاني : أنه الوسط في النفقة ما لم يكن إسرافاً أو إقتاراً ، وهو قول الحسن .
والرابع : إن العفو أن يؤخذ منهم ما أتوا به من قليل أو كثير ، وهو قول مروي عن ابن عباس أيضاً .
والخامس : أنه الصدقة عن ظهر غِنى ، وهو قول مجاهد .
والسادس : أنه الصدقة المفروضة وهو مروي عن مجاهد أيضاً .
واختلفوا في هذه النفقة التي هي العفو هل نسخت ؟ فقال ابن عباس نسخت بالزكاة . وقال مجاهد هي ثابتة .
واختلفوا في هذه الآية هل كان تحريم الخمر بها أو بغيرها؟ فقال قوم من أهل النظر : حرمت الخمر بهذه الآية . وقال قتادة وعليه أكثر العلماء : أنها حرمت بأية المائدة .
وروى عبد الوهاب عن عوف عن أبي القُلوص زيد بن علي قال : أنزل الله عز وجل في الخمر ثلاث آيات فأول ما أنزل الله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخمْرِ والْمِيِسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَاقِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } ، فشربها قوم من المسلمين أو من شاء الله منهم حتى شربها رجلان ودخلا في الصلاة وجعلا يقولان كلاماً لا يدري عوف ما هو ، فأنزل الله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الَّصلاة وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ } فشربها من شربها منهم وجعلوا يتوقّونها عند الصلاة ، حتى شربها فيما زعم أبو القلوص رجل فجعل ينوح على قتلى بدر ، وجعل يقول :
تحيي بالسلامة أم بكرٍ ... وهل لي بعد قومي من سلام
ذريني اصطبحْ بكراَ فإني ... رأيت الموت نبّث عن هشام
ووديني المغيرة لو فدوه ... بألف من رجال أو سوام
وكائن بالطَويَّ طويَّ بدرٍ ... من الشيزي تُكَلّلُ بالسنامَ
وكائن بالطَويَّ طويَّ بدر ... من الفتيان والحلل الكرامِ
قال : فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء فزعاً يجر رداءه من الفزع حتى انتهى إليه ، فلما عاينه الرجل ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً كان بيده ليضربه ، فقال : أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسول الله ، لا أطعمها أبداً ، فأنزل الله في تحريمها { يَا أَيَّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيِسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأزْلاَمُ } إلى قوله : { فَهَلْ أَنْتُم مُّنْتَهُونَ } [ المائدة : 9091 ] فقالوا : انتهينا .
وروى موسى عن عمرو عن أسباط عن السدي قال : نزلت هذه الآية : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخمْرِ والْمِيِسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ } فلم يزالوا يشربونها حتى صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً ودعا ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهم علي بن أبي طالب وعمر رضي الله عنهما ، فشربوا حتى سكروا ، فحضرت الصلاة فأمهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقرأ : { قُلْ يَأَيُّها الْكَافِرُونَ } [ الكافرون : 1 ] فلم يُقِمْها ، فأنزل الله تعالى يشدد في الخمر { يا أيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنْوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ } إلى قوله : { مَا تَقُولُونَ } فكانت لهم حلالاً يشربونها من صلاة الغداة حتى يرتفع النهار أو ينتصف فيقومون إلى صلاة الظهر وهم صاحون ، ثم لا يشربونها حتى يصلوا العتمة ، ثم يشربونها حتى ينتصف الليل ، وينامون ويقومون إلى صلاة الفجر وقد أصبحوا ، فلم يزالوا كذلك يشربونها حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعاماً ودعا ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم رجل من الأنصار ، فسوى لهم رأس بعير ثم دعاهم إليه ، فلما أكلوا وشربوا من الخمر سكروا وأخذوا في الحديث فتكلم سعد بشيء فغضب الأنصاري فرفع لحى البعير وكسر أنف سعد ، فأنزل الله تعالى نسخ الخمر وتحريمها ، فقال تعالى :

(1/156)


{ يَا أَيَّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيِسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأزْلاَمُ } [ المائدة : 90 ] إلى قوله : { فَهَلْ أَنْتُم مُّنْتَهُونَ } .
قوله تعالى : { ... وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ : إِصْلاَحٌ لَهُم خَيرٌ } قال المفسرون : لمّا نزلت سورة بني إسرائيل ، وقوله تعالى : { وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِاَّلتِي هيَ أَحْسَنُ } ، وفي سورة النساء : { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِم نَاراً } تحرج المسلمون أن يخلطوا طعامهم بطعام من يكون عندهم من الأيتام ، وكانوا يعزلون طعامهم هم طعامهم ، وشرابهم عن شرابهم ، حتى ربما فسد طعامهم ، فشق ذلك عليهم ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى : { وَإِنَّ تُخَالِطوهُم فَإِخْوَانَكُم } ، يعني في الطعام ، والشراب ، والمساكنة ، وركوب الدابة ، واستخدام العبد قال الشعبي : فمن خالط يتيماً ، فليوسع عليه ، ومن خالط بأكل فلا يفعل .
{ وَاللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ } قال ابن زيد : الله يعلم حين تخلط مالك بماله ، أتريد أن تصلح ماله أو تفسد ماله بغير حق .
{ وَلَو شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُم } فيه تأويلان :
أحدهما : لَشدّد عليكم ، وهو قول السدي .
والثاني : لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً ، وهو قول ابن عباس . { إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } يعني عزيز في سلطانه وقدرته على الإعنات ، حكيم فيما صنع من تدبيره وتركه الإعنات .

(1/157)


وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)

قوله تعالى : { وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشرِكاتِ حَتَّى يُؤمِنَّ } اختلفوا فيها على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها في جميع المشركات الكتابيات وغير الكتابيات ، وأن حكمها غير منسوخ ، فلا يجوز لمسلم أن ينكح مشركة أبداً ، وذكر أن طلحة بن عبيد الله نكح يهودية ، ونكح حذيفة نصرانية ، فغضب عمر بن الخطاب غضباً شديداً ، حتى كاد يبطش بهما ، فقالا نحن نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب ، فقال : لئن حل طلاقهن لقد حل نكاحهن ، ولكن ينزعن منكم صغرَةً قمأةً .
والثاني : أنها نزلت مراداً بها مشركات العرب ، ومن دان دين أهل الكتاب ، وأنها ثابتة لم نسخ شيء منها ، وهذا قول قتادة ، وسعيد بن جبير .
والثالث : أنها عامة في جميع المشركات ، وقد نسخ منهن الكتابيات ، بقوله تعالى في المائدة : { وَالْمُحْصَنَاتِ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم } وقد روى الصلت بن بهرام ، عن سفيان قال : تزوج حذيفة بن اليمان يهودية ، فكتب إليه عمر ابن الخطاب ، خلِّ سبيلها ، فكتب إليه أتزعم أنها حرام فأخلى سبيلها ؟ فقال : لا أزعم أنها حرام ، ولكني أخاف أن تقاطعوا المؤمنات منهن ، والمراد بالنكاح التزويج ، وهو حقيقة في اللغة ، وإن كان مجازاً في الوطء ، قال الأعشى :
ولا تقربن جارةً إنّ سِرّها ... عليك حرام فانكحن أو تأبّدا
أي فتزوج أو تعفف .
قوله تعالى : { وَلأَمَةٌ مُؤمِنَةُ خَيرٌ مِنَ مُشرِكَةٍ } يعني ولنكاح أمة مؤمنة ، خير من نكاح حرة مشركة من غير أهل الكتاب وإنْ شَرُف نسبها وكَرُم أصلها ، قال السدي : نزلت هذه الآية في عبد الله بن رواحة ، كانت له أمة سوداء ، فلطمها في غضب ، ثم ندم ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : « ما هي يا عبد الله » قال : تصوم ، وتصلي ، وتحسن الوضوء ، وتشهد الشهادتين ، فقال رسول الله : « هَذِه مُؤمِنَةٌ » . فقال ابن رواحة : لأعتقنها ولأتزوجها ، ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين ، فأنزل الله تعالى هذا .
{ وَلَو أَعجَبَتكُم } يعني جمال المشركة وحسبها ومالها .
{ وَلاَ تُنكِحُوا المُشرِكِينَ حَتَّى يُؤمِنُوا } هذا على عمومه إجماعاً ، لا يجوز لمسلمة أن تنكح مشرك أبداً . روى الحسن عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « نَتَزَوَّجُ نِسَاءَ أهْلِ الكِتَابِ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ نِسَاءَنَا » وفي هذا دليل على أن أولياء المرأة أحق بتزويجها من المرأة .

(1/158)


وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)

قوله تعالى : { وَيَسئَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُل هُوَ أَذَىً } قال السدي : السائل كان ثابت بن الدحداح الأنصاري ، وكانت العرب ومن في صدر الإسلام من المسلمين يجتنبون مُساكنة الحُيَّض ومؤاكلتهن ومشاربتهن ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية ، وهذا قول قتادة . وقال مجاهد : كان يعتزلون الحُيَّض في الفرج ، ويأتونهن في أدبارهن مدة حيضهن ، فأنزلت هذه الآية ، والأذى هو ما يؤذي من نتن ريحه ووزره ونجاسته .
{ فَاعتَزِلُوا النِسَآءَ فىِ المَحِيضِ } اختلفوا في المراد بالإعتزال على ثلاثة أقاويل :
أحدها : اعتزل جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه ، وهذا قول عبيدة السلماني .
والثاني : ما بين السرة والركبة ، وهذا قول شريح .
والثالث : الَفرِج وهذا قول عائشة وميمونه وحفصة وجمهور المفسرين .
ثم قال تعالى : { وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطهُرنَ } فيه قراءتان :
إحداهما : التخفيف وضم الهاء ، وهي قراءة الجمهور ، ومعناه بانقطاع الدم وهو قول مجاهد وعكرمة .
والثانية : بالتشديد وفتح الهاء ، قرأ بها حمزة ، والكسائي وعاصم ، وفي رواية أبي بكر عنه ، ومعناها حتى تغتسل .
ثم قال تعالى : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } يعني بالماء ، فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : معناه إذا اغتسلن وهو قول ابن عباس وعكرمة والحسن .
والثاني : الوضوء ، وهو قول مجاهد ، وطاوس .
والثالث : غسل الفرج .
وفي قوله تعالى : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ } أربعة تأويلات :
أحدها : القُبُل الذي نهى عنه في حال الحيض ، وهو قول ابن عباس .
الثاني : فأتوهن من قِبَل طهرهن ، لا من قِبَل حيضهن ، وهذا قول عكرمة ، وقتادة .
والثالث : فأتوا النساء من قِبَل النكاح لا من قِبَل الفجور ، وهذا قول محمد ابن الحنفية .
والرابع : من حيث أحل لكم ، فلا تقربوهن محرمات ، ولا صائمات ولا معتكفات ، وهذا قول الأصم .
{ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُطَهَرِينَ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : المتطهرين بالماء ، وهذا قول عطاء .
والثاني : يحب المتطهرين من أدبار النساء أن يأتوها ، وهذا قول مجاهد .
والثالث : يحب المتطهرين من الذنوب ، أن لا يعودوا فيها بعد التوبة منها ، وهو محكي عن مجاهد أيضاً .
قوله تعالى : { نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُمْ } أي مزدرع أولادكم ومحترث نسلكم ، وفي الحرث كناية عن النكاح ، { فَأتُوا حَرثَكُمْ } فانكحوا مزدرع أولادكم .
{ أَنَّى شِئتُمْ } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : يعني كيف شئتم في الأحوال ، روى عبد الله بن علي أن أناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، جلسوا يوماً ويهودي قريب منهم ، فجعل بعضهم يقول : إني لآتي امرأتي وهي مضطجعة ، ويقول الآخر إني لآتيها وهي قائمة ، ويقول الآخر : إني لآتيها وهي على جنبها ، ويقول الآخر إني لآتيها وهي باركة ، فقال اليهودي : ما أنتم إلا أمثال البهائم ولكنا إنما نأتيها على هيئة واحدة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وهذا قول عكرمة .

(1/159)


والثاني : يعني من أي وجه أحببتم في قُبِلها ، أو من دُبْرِها في قُبلها .
روى جابر أن اليهود قالوا : إن العرب يأتون النساء من أعجازهن ، فإذا فعلوا ذلك جاء الولد أحول ، فَأَكْذَبَ الله حديثهم وقال : { نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُمْ فَأتُوا حَرثَكُمْ أَنَّى شِئتُمْ } ، وهذا قول ابن عباس ، والربيع .
والثالث : يعني من أين شئتم وهو قول سعيد بن المسيب وغيره .
والرابع : كيف شئتم أن تعزلوا أو لا تعزلوا ، وهذا قول سعيد بن المسيب .
والخامس : حيث شئتم من قُبُلٍ ، أو من دُبُرٍ ، رواه نافع ، عن ابن عمر وروى عن غيره .
وروى حبيش بن عبد الله الصنعاني ، عن ابن عباس أن ناساً من حِمْير أتوا النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أشياء ، فقال رجل منهم : يا رسول الله : إني رجل أحب النساء ، فكيف ترى في ذلك؟ فأنزل الله تعالى في سورة البقرة بيان ما سألوا عنه ، فأنزل فيما سأل عنه الرجل : { نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُمْ فَأتُوا حَرثَكُمْ أَنَّى شِئتُمْ } ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مُقْبِلةً وَمُدْبِرةً إِذا كان في الفرج
» . { وَقَدمِوُاْ لأَنفُسِكم } الخير ، وهو قول السدي .
والثاني : وقدموا لأنفسكم ذكر الله عز وجل عند الجماع ، وهو قول ابن عباس .

(1/160)


وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)

قوله تعالى : { وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ } أما العرضة في كلام العرب ، فهي القوة والشدة ، وفيها ها هنا تأويلان :
أحدهما : أن تحلف بالله تعالى في كل حق وباطل ، فتتبذل اسمه ، وتجعله عُرضة .
والثاني : أن معنى عُرضة ، أي علة يتعلل بها في بِرّه ، وفيها وجهان :
أحدهما : أن يمتنع من فعل الخير والإصلاح بين الناس إذا سئل ، فيقول عليّ يمين أن لا أفعل ذلك ، أو يحلف بالله في الحال فيعتلّ في ترك الخير باليمين ، وهذا قول طاووس ، وقتادة ، والضحاك ، وسعيد بن جبير .
والثاني : أن يحلف بالله ليفعلن الخير والبر ، فيقصد في فعله البر في يمينه ، لا الرغبة في فعله .
وفي قوله : { أَن تَبَرُّواْ } قولان :
أحدهما : أن تبروا في أيمانكم .
والثاني : أن تبروا في أرحامكم .
{ وَتَتَقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ } هو الإصلاح المعروف { وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } سميع لأيمانكم ، عليم باعتقادكم .
قوله تعالى : { لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّلغوِ فيِ أَيْمانِكُم } أما اللغو في كلام العرب ، فهو كل كلام كان مذموماً ، وفضلا لا معنى له ، فهو مأخوذ من قولهم لغا فلان في كلامه إذا قال قبحاً ، ومنه قوله تعالى : { وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ } [ القصص : 55 ] . فأما لغو اليمين التي لا يؤاخذ الله تعالى بها ، ففيها سبعة تأويلات :
أحدها : ما يسبق به اللسان من غير قصد كقوله : لا والله ، وبلى والله ، وهو قول عائشة ، وابن عباس ، وإليه ذهب الشافعي ، روى عبد الله بن ميمون ، عن عوف الأعرابي ، عن الحسن بن أبي الحسن قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم ينضلون يعني يرمون ، ومع النبي صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه ، فرمى رجل من القوم ، فقال أصاب والله ، أخطأت والله ، فقال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم : حنث الرجل يا رسول الله ، فقال : « كَلاَّ أَيْمَانُ الرَُمَاةِ لَغُّوٌ وَلاَ كَفَّارَةَ وَلاَ عُقٌوبَةَ
» . والثاني : أن لغو اليمين ، أن يحلف على الشيء يظن أنه كما حلف عليه ، ثم يتبين أنه بخلافه ، وهو قول أبي هريرة .
والثالث : أن لغو اليمين أن يحلف بها صاحبها في حال الغضب على غير عقد قلب ولا عزم ، ولكن صلة للكلام ، وهو قول طاوس .
وقد روى يحيى بن أبي كثير عن طاووس عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لاَ يَمِينَ فِي غَضَبٍ
» . والرابع : أن لغو اليمين أن يحلف بها في المعصية ، فلا يكفر عنها ، وهو قول سعيد بن جبير ، ومسروق ، والشعبي ، وقد روى عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(1/161)


« مَنْ نَذَرَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ فَلاَ نَذْرَ لَهُ ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلاَ يَمِينَ لَهُ ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلاَ يَمِينَ لَهُ
» . والخامس : أن اللغو في اليمين ، إذا دعا الحالف على نفسه ، كأن يقول : إن لم أفعل كذا فأعمى الله بصري ، أو قلل من مالي ، أو أنا كافر بالله ، وهو قول زيد بن أسلم .
والسادس : أن لغو اليمين هو ما حنث فيه الحالف ناسياً ، وهذا قول النخعي .
ثم قوله تعالى : { وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن يحلف كاذباً أو على باطل ، وهذا قول إبراهيم النخعي .
والثاني : أن يحلف عمداً ، وهذا قول مجاهد .
والثالث : أنه اعتقاد الشرك بالله والكفر ، وهذا قول ابن زيد .
{ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } غفور لعباده ، فيما لغوا من أيمانهم ، حليم في تركه مقابلة أهل حسنته بالعقوبة على معاصيهم .

(1/162)


لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)

قوله تعالى : { لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } معنى قوله تعالى : { يُؤْلُونَ } أي يقسمون ، والألية : اليمين ، قال الشاعر :
كُفِينا مَنْ تعنّت من نِزَار ... وأحلَلْنا إليه مُقسِمينا
وفي الكلام حذف ، تقديره : للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم لكنه إنما دل عليه ظاهر الكلام .
واختلفوا في اليمن التي يصير بها مولياً على قولين :
أحدهما : هي اليمين بالله وحده .
والثاني : هل كل عين لزم الحلف في الحنث بها ما لم يكن لازماً له وكلا القولين عن الشافعي .
واختلفوا في الذي إذا حلف عليه صار مُولياً على ثلاثة أقاويل :
أحدها : هو أن يحلف على امرأته في حال الغضب على وجه الإضرار بها ، أن لا يجامعها في فرجها ، وأما إن حلف على غير وجه الإضرار ، وعلى غير الغضب فليس بمولٍ ، وهو قول عليّ ، وابن عباس وعطاء .
والثاني : هو أن يحلف أن لا يجامعها في فرجها ، سواء كان في غضب أو غير غضب ، وهو قول الحسن ، وابن سيرين ، والنخعي ، والشافعي .
والثالث : هو كل يمين حلف بها في مساءة امرأته على جماع أو غيره ، كقوله والله لأسوءنك أو لأغيظنك ، وهو قول ابن المسيب ، والشعبي ، والحكم .
ثم قال تعالى : { فَإِن فَاؤُوا } يعني رجعوا ، والفيء والرجوع من حال إلى حال ، لقوله تعالى : { حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله } [ الحجرات : 9 ] أي ترجع ، ومنه قول الشاعر :
ففاءَتْ ولم تَقْضِ الذي أقبلت له ... ومِنْ حَاجَةِ الإنسانِ ما ليْسَ قاضيا
وفي الفيء ثلاثة تأويلات :
أحدها : الجماع لا غير ، وهو قول ابن عباس ، ومن قال إن المُوِلَي هو الحالف على الجماع دون غيره .
والثاني : الجماع لغير المعذور ، والنية بالقلب وهو قول الحسن وعكرمة .
والثالث : هو المراجعة باللسان بكل غالب أنه الرضا ، قاله ابن مسعود ، ومن قال إن المُولي هو الحالف على مساءة زوجته .
ثم قال تعالى : { فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وفيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أراد غفران الإثم وعليه الكفارة ، قاله عليّ وابن عباس وسعيد بن المسيب .
والثاني : غفور بتخفيف الكفارة إسقاطها ، وهذا قول من زعم أن الكفارة لا تلزم فيما كان الحنث براً ، قاله الحسن ، وإبراهيم .
والثالث : غفور لمأثم اليمين ، رحيم في ترخيص المخرج منها بالتفكير ، قاله ابن زيد .
ثم قال تعالى : { وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ } الآية . قرأ ابن عباس وإن عزموا السّراح ، وفيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن عزيمة الذي لا يفيء حتى تمضي أربعة أشهر فتطلق بذلك . واختلف من قال بهذا في الطلاق الذي يلحقها على قولين :
أحدهما : طلقة بائنة ، وهو قول عثمان ، وعليّ ، وابن زيد ، وزيد بن ثابت ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وابن عباس .
والثاني : طلقة رجعية ، وهو قول ابن المسيب ، وأبي بكر بن عبد الرحمن ، وابن شبرمة .

(1/163)


الثاني : أن تمضي الأربعة الأشهر ، يستحق عليها أن يفيء ، أو يطلق ، وهو قول عمر ، وعلي في رواية عمرو بن سلمة ، وابن أبي ليلى عنه ، وعثمان في رواية طاووس عنه ، وأبي الدرداء وعائشة وابن عمر في رواية نافع عنه .
روى سُهَيْلُ بن أبي صالح عن أبيه قال : « سألت اثني عشر رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يُولي من امرأته فكلهم يقول : ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف ، فإن فاء وإلاّ طلق » وهو قول الشافعي ، وأهل المدينة .
والثالث : ليس الإيلاء بشيء ، وهو قول سعيد بن المسيب ، في رواية عمرو ابن دينار عنه .
وفي قوله تعالى : { فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } تأويلان :
أحدهما : يسمع إيلاءه .
والثاني : يسمع طلاقه . وفي { عَلِيمٌ } تأويلان :
أحدهما : يعلم نيته .
والثاني : يعلم صبره .

(1/164)


وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)

قوله عز وجل : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ } يعني المخليات ، والطلاق : التخلية كما يقال للنعجة المهملة بغير راع : طالق ، فسميت المرأة المَخْلي سبيلها بما سميت به النعجة المهمل أمرها ، وقيل إنه مأخوذ من طلق الفرس ، وهو ذهابه شوطاً لا يمنع ، فسميت المرأة المُخْلاَةُ طالقاً لأنها لا تمنع من نفسها بعد أن كانت ممنوعة ، ولذلك قيل لذات الزوج إنها في حباله لأنها كالمعقولة بشيء ، وأما قولهم طَلَقَتْ المرأة فمعناه غير هذا ، إنما يقال طَلَقَتْ المرأة إذا نَفَسَتْ ، هذا من الطلْق وهو وجع الولادة ، والأول من الطَّلاَقِ .
ثم قال تعالى : { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ } أي مدة ثلاثة قروء ، واختلفوا في الأقراء على قولين :
أحدهما : هي الحِيَضُ ، وهو قول عمر ، وعليّ ، وابن مسعود ، وأبي موسى ، ومجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، وعكرمة ، والسدي ، ومالك ، وأبي حنيفة ، وأهل العراق ، استشهاداً بقول الشاعر :
يا رُبَّ ذي صغن عليّ فارض ... له قروءٌ كقروءِ الحائض
والثاني : هي الأطهار ، وهو قول عائشة ، وابن عمر ، وزيد بن ثابت ، والزهري ، وأبان بن عثمان ، والشافعي ، وأهل الحجاز ، استشهاداً بقول الأعشى :
أفي كلِّ عامٍ أنتَ جَاشِمُ غزوةً ... تَشُدُّ لأقصاها عزِيمَ عزائِكَا
مُوَرّثَةً مالاً وفي الحيِّ رِفعَةٌ ... لِمَا ضاعَ فيها من قروءِ نِسائكا
واختلفوا في اشتقاق القرء على قولين :
أحدهما : أن القرء الاجتماع ، ومنه أخذ اسم القرآن لاجتماع حروفه ، وقيل : قد قرأ الطعام في شدقه وقرأ الماء في حوضه إذا جمعه ، وقيل : ما قرأتِ الناقة سَلَى قط ، أي لم يجتمع رحمها على ولد قط ، قال عمرو بن كلثوم :
تُرِيكَ إذا دَخَلْتَ على خَلاءٍ ... وقد أمنَتْ عُيونُ الكَاشِحِينا
ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أدْمَاءَ بكرِ ... هَجَانَ اللون لم تقرَأْ جَنِينَا
وهذا قول الأصمعي ، والأخفش ، والكسائي ، والشافعي ، فمن جعل القروء اسماً للحيض سماه بذلك ، لاجتماع الدم في الرحم ، ومن جعله اسماً للطهر فلاجتماعه في البدن .
والقول الثاني : أن القرء الوقت ، لمجيء الشيء المعتاد مجِيؤه لوقت معلوم ، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم ، وكذلك قالت العرب : أَقْرأَتْ حاجة فلان عندي ، أي دنا وقتها وحان قضاؤها . وأَقْرَأَ النجم إذا جاء وقت أُفوله ، وقرأ إذا جاء وقت طلوعه ، قال الشاعر :
إذا ما الثُّرَيَّا وقد أقَرْأَتْ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل : أقرأت الريح ، إذا هبت لوقتها ، قال الهذلي :
كَرِهتُ العقْرَ عَقْرَ بني شليل ... إذا لِقَارئِهَا الرِّياح
يعني هبت لوقتها ، وهذا قول أبي عمرو بن العلاء .
فمن جعل القرْء اسماً للحيض ، فلأنه وقت خروج الدم المعتاد ، ومن جعله اسماً للطهر ، فلأنه وقت احتباس الدم المعتاد .
ثم قال تعالى : { وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ في أَرْحَامِهِنَّ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنه الحيض ، وهو قول عكرمة ، والزهري ، والنخعي .

(1/165)


والثاني : أنه الحمل ، قاله عمر وابن عباس .
والثالث : أنه الحمل والحيض قاله عمر ومجاهد .
{ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } وعيد من الله لهن ، واختلف في سبب الوعيد على قولين :
أحدهما : لما يستحقه الزوج من الرجعة ، وهو قول ابن عباس .
والثاني : لإلحاق نسب الوليد بغيره كفعل الجاهلية ، وهو قول قتادة .
ثم قال تعالى : { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ } البعل : الزوج ، سُمِّيَ بذلك ، لعلوه على الزوجة بما قد ملكه عن زوجيتها ومنه قوله تعالى : { أَتَدْعُونَ بَعْلاً } [ الصافات : 125 ] أي رَبّاً لعلوه بالربوبية ، { أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ } أي برجعتهن ، وهذا مخصوص في الطلاق الرجعي دون البائن .
{ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحاً } يعني إصلاح ما بينهما من الطلاق .
ثم قال تعالى : { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وفيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : ولهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن ، مثل الذي عليهن من الطاعة ، فيما أوجبه الله تعالى عليهن لأزواجهن ، وهو قول الضحاك .
والثاني : ولهن على أزواجهن من التصنع والتزين ، مثل ما لأزواجهن ، وهو قول ابن عباس .
والثالث : أن الذي لهن على أزواجهن ، ترك مضارتهن ، كما كان ذلك لأزواجهن ، وهو قول أبي جعفر .
ثم قال تعالى : { وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ } وفيه خمسة تأويلات :
أحدها : فضل الميراث والجهاد ، وهو قول مجاهد .
والثاني : أنه الإمْرَةُ والطاعة ، وهو قول زيد بن أسلم ، وابنه عبد الرحمن .
والثالث : أنه إعطاء الصداق ، وأنه إذا قذفها لاعنها ، وإن قذفته حُدَّتْ ، وهو قول الشعبي .
والرابع : أفضاله عليها ، وأداء حقها إليها ، والصفح عما يجب له من الحقوق عليها ، وهو قول ابن عباس وقتادة .
والخامس : أن جعل له لحْية ، وهو قول حميد .

(1/166)


الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)

قوله تعالى : { الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ } فيه تأويلان :
أحدهما : أنه بيان لعدد الطلاق وتقديره بالثلاث ، وأنه يملك في الاثنين الرجعة ولا يملكها في الثالثة ، وهو قول عروة وقتادة ، وروى هشام بن عروة عن أبيه قال : كان الرجل يطلق ناسياً ، إنْ راجع امرأته قبيل أن تنقضي عدتها كانت امرأته ، فغضب رجل من الأنصار على امرأته ، فقال لها : لا أقربك ولا تختلين مني ، قالت له كيف؟ أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك ، فشكت زوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى : { الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ } الآية .
والتأويل الثاني : أنه بيان لسنة الطلاق أن يوقع في كل قول طلقة واحدة ، وهو قول عبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عباس ، ومجاهد .
قوله تعالى : { فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ } فيه تأويلان :
الأول : هذا في الطلقة الثالثة ، روى سفيان ، عن إسماعيل بن سميع ، عن أبي رزين قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : الطلاق مرتان فأين الثالثة؟ قال : { فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ } ، وهذا قول عطاء ، ومجاهد .
والثاني : { فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ } الرجعة بعد الثانية { أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ } والإمساك عن رجعتها حتى تنقضي العدة ، وهو قول السدي ، والضحاك . الإحسان هو تأدية حقها ، والكف عن أذاها .
ثم قال تعالى : { وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً } يعني من الصداق { إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيَما حُدُودَ اللهِ } قرأ حمزة بضم الياء من يخافا ، وقرأ الباقون بفتحها ، والخوف ها هنا بمعنى الظن ، ومنه قول الشاعر :
أتاني كلامٌ عن نصيبٍ يقوله ... وما خِفْتُ بالإسلامِ أنك عائبي
يعني وما ظننت .
وفي { أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيَما حُدُودَ اللهِ } أربعة تأويلات :
أحدها : أن يظهر من المرأة النُّشُوز وسوء الخُلُق ، وهو قول ابن عباس .
والثاني : أن لا تطيع له أمراً ، ولا تبرّ له قَسَماً ، وهو قول الحسن ، والشعبي .
والثالث : هو أن يبدي لسانها أنها له كارهة ، وهو قول عطاء .
والرابع : أن يكره كل واحد منهما صاحبه ، فلا يقيم كل واحد منهما ما أوجب الله عليه من حق صاحبه ، وهو قول طاووس ، وسعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد ، روى ثابت بن يزيد ، عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « المُخْتِلعَاتُ والمُنْتَزِعَاتُ هُنَّ المُنَافِقَاتُ » . يعني التي تخالع زوجها لميلها إلى غيره .
ثم قال تعالى : { فإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَليهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } فيه قولان :
أحدهما : افتدت به نفسها من الصداق وحده من غير زيادة ، وهو قول عليّ ، وعطاء ، والزهري ، وابن المسيب ، والشعبي ، والحكم ، والحسن .
والقول الثاني : يجوز أن تُخَالِعَ زوجها بالصداق وبأكثر منه ، وهذا قول عمر ، وابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، والنخعي ، والشافعي . رَوَى عبد الله بن محمد بن عقيل : أن الرُّبَيِّعَ بنت مُعَوّذ بن عفراء حدثته قالت : كان لي زوج يُقِلُّ عليَ الخبز إذا حضر ، ويحرمني إذا غاب ، قالت : وكانت مني زَلَّةٌ يوماً فقلت : أنْخَلِعُ منك بكل شيء أملكه ، قال : نعم ، قالت ففعلت ، قالت : فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان ، فأجاز الخلع ، وأمره أن يأخذ ما دون عقاص الرأس .

(1/167)


واختلفوا في نسخها ، فَحُكِيَ عن بكر بن عبد الله أن الخلع منسوخ بقوله تعالى : { وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوجٍ وَءَاتَيتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئاً } [ النساء : 20 ] وذهب الجمهور إلى أن حكمها ثابت في جواز الخلع .
وقد روى أيوب ، عن كثير مولى سَمُرة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُتِيَ بامرأة ناشزة ، فأمر بها إلى بيت كثير ، فحبسها ثلاثاً ، ثم دعاها فقال : كيف وجدت مكانك؟ قالت : ما وجدتُ راحة منذ كنت إلا هذه الليالي التي حبستني ، فقال لزوجها : اخلعها ولو من قرطها .
وقوله تعالى : { فَإِن طَلَّقَهَا } فيه قولان :
أحدهما : أنها الطلقة الثالثة وهو قول السدي .
والثاني : أن ذلك تخيير لقوله تعالى : { أَو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } ، وهو قول مجاهد .
{ فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوجاً غَيرَهُ } يعني أنها لا تحل للزوج المطلق ثلاثاً حتى تنكح زوجاً آخر ، وفيه قولان :
أحدهما : أن نكاح الثاني إذا طلقها منه أحلها للأول سواء دخل بها أو لم يدخل ، وهو قول سعيد بن المسيب .
والثاني : أنها لا تحل للأول بنكاح الثاني ، حتى يدخل بها فتذوق عسيلته ويذوق عسيلتها ، للسنّة المروية فيه ، وهو قول الجمهور .

(1/168)


وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231)

قوله تعالى : { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي قاربْن انقضاء عِدَدهن ، كما يقول المسافر : بلغت بلد كذا إذا قاربه .
{ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } هو المراجعة قبل انقضاء العدة { أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } وهو تركها حتى تنقضي العدة .
{ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لّتَعْتَدُواْ } هو أن يراجع كلما طلّق حتى تطول عدتها إضراراً بها .
{ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } يعني في قصد الإضرار ، وإن صحت الرجعة ، والطلاق .
رَوَى حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي موسى الأشعري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب على الأشعريين ، قالوا : يقول أحدهم قد طلقت ، قد راجعت ، ليس هذا بطلاق المسلمين ، طلقوا المرأة في قبل عدتها ولا تتخذوا آيات الله هزواً .
وروى سليمان بن أرقم : أن الحسن حدثهم : أن الناس كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يُطَلّق أو يعتق ، فيقال : ما صنعت؟ فيقول : كنت لاعباً ، قال رسول الله صلى اله عليه وسلم : « مَنْ طَلَّقَ لاَعِباً أَو أعْتَقَ لاَعِباً جَازَ عَليهِ
» . قال الحسن : وفيه نزلت : { وَلاَ تَتَّخِذُوا ءَايَاتِ اللهِ هُزُواً } .

(1/169)


وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232)

قوله تعالى : { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } بلوغ الأجل ها هنا [ تناهيه ] ، بخلاف بلوغ الأجل في الآية التي قبلها ، لأنه لا يجوز لها أن تنكح غيره قبل انقضاء عدتها ، قال الشافعي : فدخل اختلاف المعنيين على افتراق البلوغين .
ثم قال تعالى : { فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } وفي العضل قولان :
أحدهما : أنه المنع ، ومنه قولهم : داء عضال إذا امتنع من أن يُداوَى ، وفلان عُضَلَةٌ أي داهية ، لأنه امتنع بدهائه .
والقول الثاني : أن العضل الضيق ، ومنه قولهم : قد أعضل بالجيش الفضاء ، إذا ضاق بهم . وقال عمر بن الخطاب : قد أعضل بي أهل العراق ، لا يرضون عن والٍ ، ولا يرضى عنهم والٍ ، وقال أوس بن حجر .
وليس أخُوكَ الدَّائِمُ العَهْدِ بالَّذِي ... يذُمُّك إن ولَّى وَيُرْضِيك مُقبِلاً
ولكنه النَّائي إذا كُنتَ آمِناً ... وصاحِبُكَ الأدْنَى إذا الأمْرُ أعْضَلاَ
فنهى الله عز وجل أولياء المرأة عن عضلها ومنعها من نكاح مَنْ رضيته من الأزواج .
وفي قوله عز وجل : { إِذَا تَرَاضَوا بَينَهُم بِالْمَعْرُوفِ } تأويلان :
أحدهما : إذا تراضى الزوجان .
والثاني : إذا رضيت المرأة بالزوج الكافي . قال الشافعي : وهذا بيّن في كتاب الله تعالى يدل على أن ليس للمرأة أن تنكح بغير وليّ .
واختلف أهل التأويل فيمن نزلت فيه هذه الآية على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها نزلت في معقل بن يسار زوّج أخته ، ثم طلقها زوجها وتراضيا بعد العدة أن يتزوجها ، فَعَضَلَهَا معقل ، وهذا قول الحسن ، وقتادة ، ومجاهد .
والثاني : أنها نزلت في جابر بن عبد الله مع بنت عم له ، وقد طلقها زوجها ، ثم خطبها فأبى أن يزوجه بها ، وهذا قول السدي .
والثالث : أنها نزلت عموماً في نهي كل ولي عن مضارة وليّته من النساء أن يعضلها عن النكاح ، وهذا قول ابن عباس ، والضحاك ، والزهري .

(1/170)


وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)

قوله تعالى : { وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَيْنِ } والحول السنة ، وفي أصله قولان :
أحدهما : أنه مأخوذ من قولهم : حال الشيء إذا انقلب عن الوقت الأول ، ومنه استحالة الكلام لانقلابه عن الصواب . والثاني : أنه مأخوذ من التحول عن المكان ، وهو الانتقال منه إلى المكان الأول .
وإنما قال حولين كاملين ، لأن العرب تقول : أقام فلان بمكان كذا حولين وإنما أقام حولاً وبعض آخر ، وأقام يومين وإنما أقام يوماً وبعض آخر ، قال الله تعالى : { وَاذْكُرُوا اللهَ في أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَومَينِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيهِ } [ البقرة : 203 ] ومعلوم أن التعجل في يوم وبعض يوم .
واختلف أهل التفسير فيما دلت عليه هذه الآية من رضاع حولين كاملين ، على تأويلين :
أحدهما : أن ذلك في التي تضع لستة أشهر فإن وضعت لتسعة أشهر أرضعت واحداً وعشرين شهراً ، استكمالاً لثلاثين شهراً ، لقوله تعالى : { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً } [ الأحقاف : 15 ] وهذا قول ابن عباس .
والثاني : أن ذلك أمر برضاع كل مولود اختلف والداه في رضاعه أن يرضع حولين كاملين ، وهذا قول عطاء والثوري .
ثم قال تعالى : { وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } يريد بالمولود له الأب عليه في ولده للمرضعة له رزقهن وكسوتهن بالمعروف وفيه قولان :
أحدهما : أن ذلك في الأم المطلقة إذا أرضعت ولدها فلها رزقها من الغذاء ، وكسوتها من اللباس . ومعنى بالمعروف أجرة المثل ، وهذا قول الضحاك .
والثاني : أنه يعني به الأم ذات النكاح ، لها نفقتها وكسوتها بالمعروف في مثلها ، على مثله من يسار ، وإعسار .
ثم قال تعالى : { لاَ تُضَار وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا } أي لا تمتنع الأم من إرضاعه إضراراً بالأب ، وهو قول جمهور المفسرين .
وقال عكرمة : هي الظئر المرضعة دون الأم .
ثم قال تعالى : { وَلاَ مَولُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ } وهو الأب في قول جميعهم ، لا ينزع الولد من أمه إضراراً بها .
ثم قال تعالى : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلِكَ } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أن الوارث هو المولود نفسه ، وهذا قول قبيصة بن ذؤيب .
والثاني : أنه الباقي من والدي بعد وفاة الآخر منهما ، وهو قول سفيان .
والثالث : أنه وارث الولد ، وهذا قول الحسن ، والسدي .
والرابع : أنه وارث الولد ، وفيه أربعة أقاويل :
أحدها : وارثه من عصبته إذا كان أبوه ميتاً سواء كان عماً أو أخاً أو ابن أخ أو ابن عم دون النساء من الورثة ، وهذا قول عمر بن الخطاب ، ومجاهد .
والثاني : ورثته من الرجال والنساء ، وهو قول قتادة .
والثالث : هم مِنْ ورثته من كان منهم ذا رحم محرم ، وهذا قول أبي حنيفة .

(1/171)


والرابع : أنهم الأجداد ثم الأمهات ، وهذا قول الشافعي .
وفي قوله تعالى : { مثل ذلك } تأويلان :
أحدهما : أن على الوارث مثل ما كان على والده من أجرة رضاعته ونفقته ، وهو قول الحسن ، وقتادة ، وإبراهيم .
والثاني : أن على الوارث مثل ذلك في ألاَّ تضار والدة بولدها ، وهذا قول الضحاك ، والزهري .
ثم قال تعالى : { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيهِمَا } والفصال : الفصام ، سمي فصالاً لانفصال المولود عن ثدي أمه ، من قولهم قد فاصل فلان فلاناً إذا فارقه من خلطة كانت بينهما . والتشاور : استخراج الرأي بالمشاورة .
وفي زمان هذا الفِصال عن تراض قولان :
أحدهما : أنه قبل الحولين إذا تراضى الوالدان بفطام المولود فيه جاز ، وإن رضي أحدهما وأبى الآخر لم يجز ، وهذا قول مجاهد ، وقتادة ، والزهري ، والسدي .
والقول الثاني : أنه قبل الحولين وبعده ، وهذا قول ابن عباس .
ثم قال تعالى : { وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُم } يعني لأولادكم ، فحذف اللام اكتفاء بأن الاسترضاع لا يكون للأولاد ، وهذا عند امتناع الأم من إرضاعه ، فلا جناح عليه أن يسترضع له غيرها ظِئْراً .
{ إذا سَلَّمْتُم مَّا ءَاتَيتُم بِالْمَعْرُوفِ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : إذا سلمتم أيها الآباء إلى الأمهات أجور ما أرضعن قبل امتناعهن ، وهذا قول مجاهد ، والسدي .
والثاني : إذا سلّمتم الأولاد عن مشورة أمهاتهم إلى من يتراضى به الوالدان في إرضاعه ، وهذا قول قتادة ، والزهري .
والثالث : إذا سلّمتم إلى المرضعة التي تستأجر أجرها بالمعروف ، وهذا قول سفيان .

(1/172)


وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234)

قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهُنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً } يعني بالتربص زمان العِدّة في المتوَّفى زوجُها ، وقيل في زيادة العشرة على الأشهر الأربعة ما قاله سعيد بن المسيب وأبو العالية أن الله تعالى ينفخ الروح في العشرة ، ثم ذكر العشر بالتأنيث تغليباً لليالي على الأيام إذا اجتمعت لأن ابتداء الشهور طلوع الهلال ودخول الليل ، فكان تغليب الأوائل على الثواني أوْلى .
واختلفوا في وجوب الإِحْدَادِ فيها على قولين :
أحدهما : أن الإِحْدَاد فيها واجب ، وهو قول ابن عباس ، والزهري .
والثاني : ليس بواجب ، وهو قول الحسن .
روى عبد الله ابن شداد بن الهاد ، عن أسماء بنت عُمَيس قالت : لمّا أصيب جعفر بن أبي طالب ، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تَسَلَّبي ثَلاَثاً ثُمَّ اصْنَعِي مَا شِئْتِ » . والإِحْدَادُ : الامتناع من الزينة ، والطيب ، والترجل ، والنُّقْلة .
ثم قال تعالى : { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيكُم فِيمَا فَعَلنَّ فِي أَنْفُسِهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } فإن قيل : فما المعنى في رفع الجناح عن الرجال في بلوغ النساء أجلهن؟ ففيه جوابان :
أحدهما : أن الخطاب تَوَجّه إلى الرجال فيما يلزم النساء من أحكام العِدّة ، فإذا بلغن أجلهن ارتفع الجناح عن الرجال في الإنكار عليهن وأخذهن بأحكام عددهن .
والثاني : أنه لا جناح على الرجال في نكاحهن بعد انقضاء عِدَدِهن .
ثم قوله تعالى : { فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } تأويلان : أحدهما : من طيب ، وتزْين ، ونقلة من مسكن ، وهو قول أبي جعفر الطبري .
والثاني : النكاح الحلال ، وهو قول مجاهد . وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى : { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِم مَتَاعاً إِلَى الْحَولِ غَيرَ إِخْرَاج } [ البقرة : 240 ] فإن قيل : فهي متقدمة والناسخ يجب أن يكون متأخراً ، قيل هو في التنزيل متأخر ، وفي التلاوة متقدم . فإن قيل : فَلِمَ قُدِّم في التلاوة مع تأخره في التنزيل؟ قيل : ليسبق القارىء إلى تلاوته ومعرفة حكمه حتى إن لم يقرأ ما بعده من المنسوخ أجزأه .

(1/173)


وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)

قوله تعالى : { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيكُم فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ } أما التعريض ، فهو الإشارة بالكلام إلى ما ليس فيه ذكر النكاح ، وأما الخِطبة بالكسر فهي طلب النكاح ، وأما الخُطبة بالضَّمِ فهي كلام يتضمن وعْظاً أو بلاغاً . والتعريض المباح في العدة أن يقول لها : ما عليك أَيْمة ولعل الله أن يسوق إليك خيراً ، أو يقول : رُبَّ رجلٍ يَرْغب فيك ، غلى ما جرى مجرى هذه الألفاظ .
ثم قال تعالى : { أو أكننتم في أنفسكم } يعني ما أسررتموه من عقدة النكاح .
ثم قال تعالى : { عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً } في السر خمسة تأويلات :
أحدها : أنه الزنى ، وهو قول الحسن ، وأبي مجلز ، والسدي ، والضحاك وقتادة .
والثاني : ألا تأخذوا ميثاقهن وعهودهن في عِددهن ألا ينكحن غيركم ، وهذا قول ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والشعبي .
والثالث : ألا تنكحوهن في عِددهن سراً ، وهو قول عبد الرحمن بن زيد .
والرابع : أن يقول لها : لا تفوتني نفسك ، وهو قول مجاهد .
والخامس : الجماع ، وهو قول الشافعي .
ثم قال تعالى : { إلا أن تقولوا قولاً معروفاً } معناه : قولوا قولاً معروفاً ، وهو التعريض . ثم قال تعالى : { وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحَ حَتَى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ } .
وفي الكلام حذف وتقديره : ولا تعزموا على عقدة النكاح ، يعني التصريح بالخطبة . وفي { حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ } قولان :
أحدهما : معناه فرض الكتاب أجله ، يريد انقضاء العدّة ، فحذف الفرض اكتفاء بما دل عليه الكلام .
والثاني : أنه أراد بالكتاب الفرض تشبيهاً بكتاب .

(1/174)


لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236)

قوله تعالى : { لاَ جُنَاحَ عَلَيكُم إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } وقرأ حمزة والكسائي : { تُمَاسُّوهُنَّ } .
{ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً } . وفيه قولان :
أحدهما : معناه ولم تفرضوا لهن فريضة .
والثاني : أن في الكلام حذفاً وتقديره : فرضتم أو لم تفرضوا لهن فريضة . والفريضة : الصدق وسمي فريضة لأنه قد أوجبه لها ، وأصل الفرض : الواجب ، كما قال الشاعر :
كانت فريضة ما أتيت كما ... كان الزِّناءُ فَريضةَ الرجْمِ
وكما يقال : فرض السلطان لفلان في الفيء ، يعني أوجب له ذلك .
ثم قال تعالى : { وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسر قَدَرُهُ وَعَلَى المُقْتِر قَدَرُهُ } أي أعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم على حسب أحوالكم في الغنى والإقتار . واختلف في قدر المتعة على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن المتعة الخادم ، ودون ذلك الوَرِق ، ودون ذلك الكسوة ، وهو قول ابن عباس .
والثاني : أنه قدر نصف صداق مثلها ، وهو قول أبي حنيفة .
والثالث : أنه مُقَدَّر باجتهاد الحاكم ، وهو قول الشافعي .
ثم قال تعالى : { مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقَّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ } واختلفوا في وجوبها على أربعة أقاويل :
أحدها : أنها واجبة لكل مطلقة ، وهو قول الحسن ، وأبي العالية .
والثاني : أنها واجبة لكل مطلقة إلا غير المدخول بها ، فلا متعة لها ، وهو قول ابن عمر ، وسعيد بن المسيب .
والثالث : أنها واجبة لغير المدخول بها إذا لم يُسمّ لها صداق ، وهو قول الشافعي .
والرابع : أنها غير واجبة ، وإنما الأمر بها ندب وإرشاد ، وهو قول شريح ، والحكم .

(1/175)


وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)

قوله تعالى : { وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } وهو أول الطلاقين لمن كان قبل الدخول كارهاً ، لرواية سعيد ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يُحِبُّ الذوَّاقِينَ وَلا الذَّوَّاقَاتِ » . يعني الفراق بعد الذوق .
ثم قال تعالى : { وَقَدْ فَرَضْتُم لَهُنَّ فَرِيضَةً } يعني صداقاً { فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُم } فيه قولان :
أحدهما : معناه فنصف ما فرضتم لهن ليس عليكم غيره لهن ، { إلاَّ أَن يَعْفُونَ } يعني به عفو الزوجة ، ليكون عفوها أدعى إلى خِطْبَتِها ، ويرغّب الأزواج فيها .
ثم قال تعالى : { أَو يَعفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي ، وهو قول ابن عباس ، ومجاهد ، وطاووس ، والحسن ، وعكرمة ، والسدي .
الثاني : هو الزوج ، وبه قال علي ، وشريح ، وسعيد بن المسيب وجبير بن مطعم ، ومجاهد ، وأبو حذيفة .
والثالث : هو أبو بكر ، والسيد في أمته ، وهو قول مالك .
ثم قال تعالى : { وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } وفي المقصود بهذا الخطاب قولان :
أحدهما : أنه خطاب للزوج وحده ، وهو قول الشعبي .
والثاني : أنه خطاب للزوج والزوجة ، وهو قول ابن عباس . وفي قوله : { أَقْرَبُ لِلتَّقوَى } تأويلان :
أحدهما : أقرب لاتقاء كل واحد منهما ظُلْمَ صاحبه .
والثاني : أقرب إلى اتقاء معاصي الله .

(1/176)


حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)

قوله عز وجل : { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ } وفي المحافظة عليها قولان :
أحدهما : ذكرها .
والثاني : تعجيلها .
ثم قال تعالى : { وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى } وإنما خص الوسطى بالذكر وإن دخلت في جملة الصلوات لاختصاصها بالفضل ، وفيها خمسة أقاويل :
أحدها : أنها صلاة العصر ، وهو قول عليّ ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي أيوب ، وعائشة ، وأم سلمة ، وحفصة ، وأم حبيبة .
روى عمرو بن رافع ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت لكاتب مصحفها : إذا بلغتَ مواقيت الصلاة فأخبرني ، حتى أخبرك بما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أخبرها قالت : أكتب ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَهِيَ صَلاَةُ الْعَصْرِ
» . وروى محمد بن سيرين ، عن عبيدة السلماني ، عن عليّ رضي الله عنه قال : لم يُصَلِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر يوم الخندق إلا بعدما غربت الشمس فقال : « مَا لَهُم مَلأَ اللهُ قُلُوبَهُم وَقُبُورَهُم نَاراً شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ
» . وروى التيمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الصَّلاَةُ الوُسْطَى صَلاَةُ الْعَصْرِ
» . والقول الثاني : أنها صلاة الظهر ، وهو قول زيد بن ثابت ، وابن عمر . قال ابن عمر : هي التي توجه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبلة .
وروى ابن الزبير عن زيد بن ثابت قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحابه منها ، قال فنزلت : { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الوُسْطَى } وقال إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين .
والقول الثالث : أنها صلاة المغرب ، وهو قول قبيصة بن ذؤيب لأنها ليست بأقلها ولا بأكثرها ولا تقصر في السفر ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها .
والقول الرابع : أنها صلاة الصبح ، وهو قول ابن عباس ، وأبي موسى الأشعري ، وجابر بن عبد الله ، قال ابن عباس يصليها بين سواد الليل وبياض النهار ، تعلقاً بقوله تعالى : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } ولا صلاة مفروضة يقنت فيها إلا الصبح ، ولأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار .
والقول الخامس : أنها إحدى الصلوات الخمس ولا تعرف بعينها ، ليكون أبعث لهم على المحافظة على جميعها ، وهذا قول نافع ، وابن المسيب ، والربيع ابن خثيم .
وفيها قول سادس : أن الصلاة الوسطى صلاة الجمعة خاصة .
وفيها قول سابع : أن الصلاة الوسطى صلاة الجماعة من جميع الصلوات . وفي تسميتها بالوسطى ثلاثة أوجه :

(1/177)


أحدها : لأنها أوسط الصلوات الخمس محلاً ، لأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار .
والثاني : لأنها أوسط الصلاة عدداً ، لأن أكثرهن أربع وأقلهن ركعتان .
والثالث : لأنها أفضل الصلوات ووسط الشيء ووسطاه أفضله ، وتكون الوُسْطَى بمعنى الفُضْلَى .
ثم قال تعالى : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } وفيه ستة تأويلات :
أحدها : يعني طائعين ، قاله ابن عباس ، والضحاك ، والشعبي ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وعطاء .
والثاني : ساكتين عما نهاكم الله أن تتكلموا به في صلاتكم ، وهو قول ابن مسعود ، وزيد بن أرقم ، والسدي ، وابن زيد .
والثالث : خاشعين ، نهيأ عن العبث والتفلت ، وهو قول مجاهد ، والربيع بن أنس .
والرابع : داعين ، وهو مروي عن ابن عباس .
والخامس : طول القيام في الصلاة ، وهو قول ابن عمر .
والسادس : . . . . وهو مروي عن ابن عمر أيضا .
واختلف في أصل القنوت ، على ثلاثة أوجه :
أحدها : أن أصله الدوام على أمر واحد .
والثاني : أصله الطاعة .
والثالث : أصله الدعاء .
قوله عز وجل : { فَإِنْ خِفْتُم فَرِجَالاً أَو رُكْبَاناً } الرجال جمع راجل ، والركبان جمع راكب ، مثل قائم وقيام . يعني فإن خفتم من عدوّكم ، فصلوا على أرجلكم أو ركائبكم ، وقوفاً ومشاة ، إلى القبلة وغير القبلة ، مومئاً أو غير مومىء ، على حسب قدرته .
واختلف في قدر صلاته ، فذهب الجمهور إلى أنها على عددها تُصَلَّى ركعتين ، وقال الحسن : تُصَلَّى ركعة واحدة إذا كان خائفاً .
واختلفوا في وجوب الإِعادة عليه بعد أمنه ، فذهب أهل الحجاز إلى سقوط الإِعادة عنه لعذره .
وذهب أهل العراق إلى وجوب الإِعادة عليه لأن مشيه فيها عمل ليس منها .
ثم قال تعالى : { فَإِذَا أَمِنتُم فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } وفيه تأويلان :
أحدهما : معناه فإذا أمنتم فصلّوا كما علّمكم ، وهو قول ابن زيد .
والثاني : يريد فاذكروه بالثناء عليه والحمد له ، كما علمكم من أمر دينكم ما لم تكونوا تعلمون .

(1/178)


وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242)

قوله عز وجل : { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم } الآية . أما الوصية فقد كانت بدل الميراث ، ثم نسخت بآية المواريث ، وأما الحَوْل فقد كانت عِدّة المتوفى عنها زوجها ، ونسخت بأربعة أشهر وعشر .
قوله عز وجل : { وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ } فيه ثلاثة أقاويل : أحدها : . . . . .
والثاني : أنها لكل مطلقة ، وهذا قول سعيد بن جبير وأحد قولي الشافعي .
وقيل إن هذه الآية نزلت على سبب وهو أن الله عز وجل لمّا قال : { وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِر قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ } فقال رجل : إنْ أحسنتُ فعلت ، وإن لم أرد ذلك لم أفعل ، فقال الله عز وجل : { وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِين } ، وهذا قول ابن زيد ، وإنما خص المتقين بالذكر - وإن كان عاماً - تشريفاً لهم .

(1/179)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)

قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ } يعني ألم تعلم .
{ وَهُمْ أُلُوفٌ } فيه قولان :
أحدهما : يعني مُؤْتَلِفِي القلوب وهو قول ابن زياد .
والثاني : يعني ألوفاً في العدد .
واختلف قائلو هذا في عددهم على أربعة أقاويل :
أحدها : كانوا أربعة آلاف ، رواه سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .
والثاني : كانوا ثمانية آلاف .
والثالث : كانوا بضعة وثلاثين ألفاً ، وهو قول السدي .
والرابع : كانوا أربعين ألفاً ، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً ، والألوف تستعمل فيما زاد على عشرة آلاف .
ثم قال تعالى : { حَذَرَ الْمَوتِ } وفيه قولان :
أحدهما : أنهم فرّوا من الطاعون ، وهذا قول الحسن ، ورَوَى سعيد بن جبير قال : كانوا أربعة آلاف ، خرجوا فراراً من الطاعون ، وقالوا نأتي أرضاً ليس بها موت ، فخرجوا ، حتَّى إذا كانوا بأرض كذا ، قال الله لهم : موتوا فماتوا ، فمر عليهم نبي ، فدعا ربه أن يحييهم ، فأحياهم الله .
القول الثاني : أنهم فروا من الجهاد ، وهذا قول عكرمة والضحاك .
{ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا } فيه قولان :
أحدهما : يعني فأماتهم الله ، كما يقال : قالت السماء فمطرت ، لأن القول مقدمة الأفعال ، فعبر به عنها .
والثاني : أنه تعالى قال قولاً سمعته الملائكة . { ثُمَّ أَحْيَاهُمُ } إنما فعل ذلك معجزة لنبي من أنبيائه كان اسمه شمعون من أنبياء بني إسرائيل ، وأن مدة موتهم إلى أن أحياهم الله سبعة أيام .
قال ابن عباس ، وابن جريج : رائحة الموت توجد في ولد ذلك السبط من اليهود إلى يوم القيامة .
قوله عز وجل : { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهُ قَرْضاً حَسَناً } فيه تأويلان :
أحدهما : أنه الجهاد ، وهو قول ابن زيد .
والثاني : أبواب البر ، وهو قول الحسن ، ومنه قول الشاعر :
وإذا جُوزِيتَ قَرضاً فاجْزِه ... إنما يجزي الفتى ليس الجمل
قال الحسن : وقد جهلت اليهود لما نزلت هذه الآية فقالوا : إن الله يستقرض منا ، فنحن أغنياء ، وهو فقير ، فأنزل الله تعالى : { لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنحَنْ أَغْنِيَاءُ } [ آل عمران : 181 ] . قوله تعالى : { فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً } فيه قولان :
أحدهما : سبعمائة ضعف ، وهو قول ابن زيد .
والثاني : لا يعلمه أحد إلا الله ، وهو قول السدي .
{ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ } فيه تأويلان :
أحدهما : يعني في الرزق ، وهو قول الحسن وابن زيد .
والثاني : يقبض الصدقات ويبسط الجزاء ، وهو قول الزجاج .

(1/180)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)

قوله عز وجل : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ } الملأ : الجماعة .
{ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِّيٍ لَهُم } اختلف أهل التأويل فيه على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه سمويل ، وهو قول وهب بن منبه .
والثاني : يوشع بن نون ، وهو قول قتادة .
والثالث : شمعون ، سمّتْه أُمّه بذلك لأن الله سمع دعاءها فيه ، وهو قول السدي .
{ ابْعَثْ لَنَا مَلَكاً نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } في سبب سؤالهم لذلك قولان :
أحدهما : أنهم سألوا ذلك لقتال العمالقة ، وهو قول السدي .
والثاني : أن الجبابرة الذين كانوا في زمانهم استزلوهم ، فسألوا قتالهم ، وهو قول وهب والربيع .

(1/181)


وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)

قوله تعالى : { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُم إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكاً } إلى قوله : { وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ } قال وهب ، والسدي : إنما أنكروا أن يكون ملكاً عليهم ، لأنه لم يكن من سبط النبوة ، ولا من سبط المملكة ، بل كان من أخمل سبط في بني إسرائيل .
{ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيكُم وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ } يعني زيادة في العلم وعظماً في الجسم . واختلفوا هل كان ذلك فيه قبل الملك؟ فقال وهب بن منبه ، والسدي : كان له ذلك قبل الملك ، وقال ابن زيد : زيادة ذلك بعد الملك .
{ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } وفي واسع ثلاثة أقاويل :
أحدها : واسع الفضل ، فحذف ذكر الفضل اكتفاء بدليل اللفظ ، كما يقال فلان كبير ، بمعنى كبير القَدْر .
الثاني : أنه بمعنى مُوسِع النعمة على مَنْ يشاء من خلقه .
والثالث : أنه بمعنى ذو سعة .

(1/182)


وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)

قوله عز وجل : { وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُم : إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ } أي علامة ملكه { أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ } قال وهب ابن منبه : كان قدر التابوت ثلاثة أذرع في ذراعين .
{ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَّبِّكُم } وفي السكينة ستة تأويلات :
أحدها : ريح هفَافة لها وجه كوجه الإِنسان ، وهذا قول عليّ عليه السلام .
والثاني : أنها طست من ذهبٍ من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء ، وهذا قول ابن عباس والسدي .
والثالث : أنها روح من الله تعالى يتكلم ، وهذا قول وهب بن منبه .
والرابع : أنها ما يعرف من الآيات فيسكنون إليها ، وهذا قول عطاء بن أبي رباح .
والخامس : أنها الرحمة ، وهو قول الربيع ابن أنس .
والسادس : أنها الوقار ، وهو قول قتادة .
ثم قال تعالى : { وَبَقِيِّةٌ مِمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وءَالُ هَارُونَ } وفيها أربعة تأويلات :
أحدها : أن البقية عصا موسى ورُضاض الألواح ، وهذا قول ابن عباس .
والثاني : أنها العلم والتوراة ، وهو قول عطاء .
والثالث : أنها الجهاد في سبيل الله ، وهو قول الضحاك .
والرابع : أنها التوراة وشيء من ثياب موسى ، وهو قول الحسن .
{ تَحْمِلُهُ الْمْلاَئِكَةُ } قال الحسن : تحمله الملائكة بين السماء والأرض ، ترونه عياناً ، ويقولون : إن آدم نزل بالتابوت ، وبالركن .
واختلفوا أين كان قبل أن يرد إليهم ، فقال ابن عباس ، ووهب كان في أيدي العمالقة ، غلبوا عليه بني إسرائيل ، وقال قتادة كان في بريّة التيه ، خَلَّفَه هناك يوشع بن نون ، قال أبو جعفر الطبري : وبلغني أن التابوت وعصا موسى وبحيرة الطبرية ، وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة .

(1/183)


فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)

قوله تعالى : { فَلمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ } وهو جمع جند ، والأجناد للقليل ، وقيل : إنهم كانوا ثمانين ألف مقاتل .
{ قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهْرٍ } اختلفوا في النهر ، فَحُكِيَ عن ابن عباس والربيع أنه نهر بين الأردن وفلسطين ، وقيل إنه نهر فلسطين ، قال وهب بن منبه : السبب الذي ابتلوا لأجله بالنهر ، شِكَايَتُهم قِلةَ الماء وخوف العطش .
{ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي } أي ليس من أهل ولايتي .
{ ومَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَن اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ } قرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو بالفتح ، وقرأ الباقون « غرفة » بالضم ، والفرق بينهما أن الغرفة بالضم اسم للماء المشروب ، والغرفة بالفتح اسم للفعل .
{ فَشَرِبُوا مِنهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنهُم } قال عكرمة : جاز معه النهر أربعة آلاف ، ونافق ستة وسبعون ألفاً ، فكان داود ممن خلص لله تعالى . قال ابن عباس : إن من استكثر منه عَطِش ، ومن اغترف غرفة منه رُوِيَ .
{ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ } قيل : كان المؤمنون ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً عدة أهل بدر . واختلفوا ، هل تجاوزه معهم كافر أم لا؟ فَحُكِيَ عن البراء ، والحسن ، وقتادة : أنه ما تجاوزه إلا مؤمن ، وقال ابن عباس ، والسدي : تجاوزه الكافرون ، إلا أنهم انخذلوا عن المؤمنين .
{ قَالُوا : لاَ طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } اختلفوا في تأويل ذلك على قولين :
أحدهما : أنه قال ذلك مَنْ قلّت بصيرته من المؤمنين ، وهو قول الحسن ، وقتادة ، وابن زيد .
والثاني : أنهم أهل الكفر الذين انخذلوا ، وهو قول ابن عباس ، والسدي ، قال عكرمة : فنافق الأربعة الآلاف إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً كعدة أهل بدر ، وداود فيهم .
{ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ اللهِ } وهم المؤمنون الباقون من الأربعة الآلاف .
وفي الظن ها هنا قولان :
أحدهما : أنه بمعنى اليقين ، ومعناه الذين يستيقنون أنهم ملاقوا الله كما قال دريد بن الصُّمّة :
فقلت لهم ظُنّوا بِأَلْفَيْ مُدَجج ... سَراتُهُمُ في الفارسيّ المسَرّدِ
أي تيقنوا .
والثاني : بمعنى الذين يظنون أنهم ملاقوا الله بالقتل في الوقعة .
{ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً } والفئة : الفرقة { بِإِذْنِ اللهِ } قال الحسن : بنصر الله ، وذلك لأن الله إذا أذن في القتال نصر فيه على الوجه الذي وقع الإِذن فيه . { وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } يعني بالنصرة والمعونة ، وهذا تفسير الآية عند جمهور المفسرين .
وذكر بعض من يتعاطى غوامض المعاني ، أن هذه الآية مَثَلٌ ضَرَبَهُ الله للدنيا يشبهها بالنهر ، والشارب منه بالمائل إليها والمستكثر منها ، والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها ، والمغترف منه بيده بالآخذ منها قدر حاجته ، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة .

(1/184)


وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)

قوله تعالى : { فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ } في الهزيمة قولان :
أحدهما : أنها ليست من فعلهم وإنما أضيفت إليهم مجازاً .
والثاني : أنهم لما ألجئوا إليها صارواْ سبباً لها ، فأضيفت إليهم لمكان الإلجاء . ويحتمل قوله : { بِإِذْنِ اللَّهِ } وجهين :
أحدهما : بأمر الله لهم بقتالهم .
الثاني : بمعونة الله لهم على قتالهم .
{ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ } حكي أن جالوت خرج من صفوف عسكره يطلب البِراز؟ فلم يخرج إليه أحد ، فنادى طالوت في عسكره : مَنْ قتل جالوت فلهُ شطر مُلكي وأزوّجه ابنتي ، فجاء داود وقد أخذ ثلاثة أحجار ، وكان قصيراً يرعى الغنم ، وقد ألقى الله في نفسه أنه سيقتل جالوت ، فقال لطالوت : أنا أقتل جالوت ، فازدراه طالوت حين رآه ، وقال له : هل جربت نفسك بشيء؟ قال نعم ، قال : بماذا؟ قال : وقع ذئب في غنمي فضربته ، ثم أخذت رأسه فقطعته في جسمه ، فقال طالوت : الذئب ضعيف ، فهل جربت نفسك في غيره؟ قال : نعم ، دخل الأسد في غنمي ، فضربته ثم أخذت بِلَحْيَيْه فشققتها ، أفترى هذا أشد من الأسد ، قال : لا ، وكان عند طالوت درع سابغة لا تستوي إلا على من يقتل جالوت ، فأخبره بها وألقاها عليه فاستوت ، وسار إلى جالوت فرماه بحجر فوقع بين عينيه وخرج من قفاه ، فأصاب جماعة من عسكره فقتلهم وانهزم القوم عن آخرهم ، وكانوا على ما حكاه عكرمة تسعين ألفاً .
واختلفواْ ، هل كان داود عند قتله جالوت نبياً؟ ذهب بعضهم أنه كان نبياً ، لأن هذا الفعل الخارج عن العادة ، لا يكون إلا من نبي ، وقال الحسن : لم يكن نبياً ، لأنه لا يجوز أن يُوَلي مَنْ ليس بنبي على نبي . قال ابن السائب وإنما كان راعياً فعلى هذا يكون ذلك من توطئة لنبوته من بعد .
ثم إن طالوت ندم على ما بذله لداود من مشاطرته ملكه وتزويجه ابنته ، واختلفوا هل كان ندمه قبل تزويجه ومشاطرته ، أم بعد ، على قولين :
أحدهما : أن طالوت وَفَّى بشرطه ، وزوج داود بإبنته ، وخلطه في ملكه بنفسه ثم حسده ، فندم ، وأراد قتله ، فعلمت بنته بأنه يريد قتل زوجها ، وكانت من أعقل النساء ، فنصبت له زِق خمر بالمسك ، وألقت عليه ليلاً ثياب داود ، فأقبل طالوت ، وقال لها : أين زوجك؟ فأشارت إلى الزق ، فضربه بالسيف ، فانفجر منه الخمر وسطع ريح المسك ، فقال يرحمك الله يا داود طبت حياً وميتاً ، ثم أدركته الندامة ، فجعل ينوح عليه ويبكي ، فلما نظرت الجارية إلى جَزَعِ أبيها ، أخبرته الخبر ، ففرح ، وقاسم داود على شطر ملكه ، وهذا قول الضحاك ، فعلى هذا يكون طالوت على طاعته حين موته ، لتوبته من معصيته .
والقول الثاني : أنه ندم قبل تزويجه على شرطه وبذله ، وعرّض داود للقتل ، وقال له إن بنات الملوك لا بد لهن من صداق أمثالهن ، وأنت رجل جريء ، فاجعل صداقها قتل ثلاثمائة من أعدائنا ، وكان يرجو بذلك أن يقتل ، فغزا داود وأسر ثلاثمائة ، فلم يجد طالوت بداً من تزويجه ، فزوجه بها ، وزاد ندامة فأراد قتله ، وكان يدس عليه حتى مات ، وهذا قول وهب بن منبه ، فعلى هذا مات طالوت على معصيته لأنه لم يتب من ذنبه .

(1/185)


وروى مكحول ، عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إِنَّ المُلُوكَ قَدْ قَطَعَ اللهُ أَرْحَامَهُم فَلاَ يَتَوَاصَلُونَ حُبَّاً لِلْمُلْك حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُم لَيَقْتُلَ الأَبَ وَالإِبْنَ وَالأَخَ وَالعَمَّ ، إِلاَّ أَهْلُ التَّقْوَى وَقَلِيلٌ مَّا هُم ، وَلَزوَالُ جَبَلٍ عَن مَّوضِعِهِ أَهْوَنُ مِنْ زَوَالِ مُلْكِ لَمْ يَنْقَضِ
» . { وَءَاتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ } يعني داود ، يريد بالملك السلطان وبالحكمة النبوة وكان ذلك عند موت طالوت بعد سبع سنين من قتل جالوت على ما حكاه ابن السائب .
ويحتمل وجهاً ثانياً : أن الملك الانقياد إلى طاعته ، والحكمة : العدل في سيرته ويكون ذلك بعد موت طالوت عند تفرده بأمور بني إسرائيل .
{ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ } فيه وجهان :
أحدهما : صنعة الدروع والتقدير في السرد .
والثاني : كلام الطير وحكمة الزبور .
ويحتمل ثالثاً : أنه فعل الطاعات والأمر بها ، واجتناب المعاصي والنهي عنها ، فيكون على الوجه الأول { مِمَّا يَشَاءُ } داود ، وعلى الثاني : { مِمَّا يَشَاءُ } الله ، وعلى الثالث { مِمَّا يَشَاءُ } الله ويشاء داود .
{ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأرضُ } .
في الدفع قولان :
أحدهما : أن الله يدفع الهلاك عن البر بالفاجر ، قاله عليّ كرم الله وجهه .
والثاني : يدفع بالمجاهدين عن القاعدين قاله ابن عباس .
وقوله تعالى : { لَّفَسَدَتِ الأرْضُ } فيه وجهان :
أحدهما : لفسد أهل الأرض .
والثاني : لعم الفساد في الأرض . وفي هذا الفساد وجهان :
أحدهما : الكفر .
والثاني : القتل .

(1/186)


تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)

{ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } فيه وجهان :
أحدهما : في الآخرة ، لتفاضلهم في الأعمال ، وتحمل الأثقال .
والثاني : في الدنيا بأن جعل بعضهم خليلاً ، وبعضهم كليماً ، وبعضهم مَلِكاً ، وسَخَّر لبعضهم الريح والشياطين ، وأحيا ببعضهم الموتى ، وأبرأ الأكمه ، والأبرص .
ويحتمل وجهاً ثالثاً : بالشرائع ، فمنهم من شرع ، ومنهم من لم يشرع .
{ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } فيه وجهان :
أحدهما : أن أوحى إلى بعضهم في منامه ، وأرسل إلى بعضهم الملائكة في يقظته .
والثاني : أن بعث بعضهم إلى قومه ، وبعث بعضهم إلى كافة الناس .
{ وَءَاتَينَا عيسَى ابْنَ مَرْيَم الْبَيِّنَاتِ } فيه وجهان :
أحدهما : الحُجَجُ الواضحة ، والبراهين القاهرة .
والثاني : أن خلقه من ذكر .
{ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ } فيه وجهان :
أحدهما : بجبريل .
والثاني : بأن نفخ فيه من رُوحه .
{ وَلَو شَآءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ } فيه وجهان :
أحدهما : ولو شاء الله ما أمر بالقتال بعد وضوح الحجة .
والثاني : ولو شاء الله لاضطرهم إلى الإيمان ، ولما حصل فهيم خيار .

(1/187)


اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)

قوله تعالى : { اللهُ لآَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ } الآية . مُخْرَجة مخرج النفي أن يصح إله سوى الله ، وحقيقته إثبات إله واحد وهو الله ، وتقديره : الله الإله دون غيره .
{ الْحَيُّ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أنه سمى نفسه حياً لصَرْفِه الأمور مصارِفها ، وتقدير الأشياء مقاديرها ، فهو حي بالتقدير لا بحياة .
والثاني : أنه حي بحياة هي له صفة .
والثالث : أنه اسم من أسماء الله تَسَمَّى به ، فقلناه تسليماً لأمره . والرابع : أن المراد بالحي الباقي ، قاله السدي ، ومنه قول لبيد :
إذا ما تَرَيَنِّي اليومَ أصْبَحْتُ سَالِماً ... فَلَسْتُ بِأحْيَا مِن كِلابٍ وَجَعْفَرِ
{ الْقَيُّومُ } قرأ عمر بن الخطاب القيام . وفيه ستة تأويلات :
أحدها : القائم بتدبير خلقه ، قاله قتادة .
والثاني : يعني القائم على كل نفس بما كسبت ، حتى يجازيها بعملها من حيث هو عالم به ، لا يخفى عليه شيء منه ، قاله الحسن .
والثالث : معنى القائم الوجود ، وهو قول سعيد بن جبير .
والرابع : أنه الذي لا يزول ولا يحول ، قاله ابن عباس .
والخامس : أنه العالم بالأمور ، من قولهم : فلان يقوم بهذا الكتاب ، أي هو عالم به .
والسادس : أنه اسم من أسماء الله ، مأخوذ من الاستقامة ، قال أمية بن أبي الصلت :
لم تُخلَق السماءُ والنجوم ... والشمسُ معها قمر يقوم
قدّرهَا المهيمن القيوم ... والحشر والجنة والحميم
إلاّ لأمرٍ شأنه عظيم ... { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } السِّنةُ : النعاس في قول الجميع ، والنعاس ما كان في الرأس ، فإذا صار في القلب صار نوماً ، وفرَّق المفضل بينهما ، فقال : السِّنة في الرأس ، والنعاس في العين ، والنوم في القلب . وما عليه الجمهور من التسوية بين السِّنة والنعاس أشبه ، قال عدي بن الرقاع :
وسْنَانُ أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم
{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } فيه وجهان :
أحدهما : ما بين أيديهم : هو ما قبل خلقهم ، وما خلفهم : هو ما بعد موتهم .
والثاني : ما بين أيديهم : ما أظهروه ، وما خلفهم : ما كتموه .
{ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ } أي من معلومه إلا أن يطلعهم عليه ويعلمهم إياه .
{ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ } في الكرسي قولان :
أحدهما : أنه من صفات الله تعالى .
والثاني : أنه من أوصاف ملكوته .
فإذا قيل إنه من صفات ففيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه علم الله ، قاله ابن عباس .
والثاني : أنه قدرة الله .
والثالث : ملك الله .
والرابع : تدبير الله .
وإذا قيل إنه من أوصاف ملكوته ففيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه العرش ، قاله الحسن .
والثاني : أنه سرير دون العرش .
والثالث : هو كرسي تحت العرش ، والعرش فوق الماء . وأصل الكرسي العلم ، ومنه قيل للصحيفة فيها علم مكتوب : كراسة ، قال أبو ذؤيب :

(1/188)


مالي بأمرك كرسيّ أكاتمه ... ولا بكرسيّ عليم الغيب مخلوق
وقيل للعلماء : الكراسي ، لأنهم المعتمد عليهم كما يقال لهم : أوتاد الأرض ، لأنهم الذين بهم تصلح الأرض ، قال الشاعر :
يحف بهم بيضُ الوجوه وعُلية ... كراسيُّ بالأحداث حين تنوبُ
أي علماء بحوادث الأمور ، فدلت هذه الشواهد ، على أن أصح تأويلاته ، ما قاله ابن عباس ، أنه علم الله تعالى .
وقرأ يعقوب الحضرمي : وُسْعُ كرسيِّه السمواتُ والأرضُ بتسكين السين من وسع وضم العين ورفع السموات والأرض على الابتداء والخبر ، وفي تأويله وجهان :
أحدهما : لا يثقله حفظهما في قول الجمهور .
والثاني : لا يتعاظمه حفظهما ، حكاه أبان بن تغلب . وأنشد :
ألا بكِّ سلمى اليوم بت جديدها ... وضَنّت وما كان النوال يؤودها
واختلفوا في الكناية بالهاء إلى ماذا تعود؟ على قولين :
أحدهما : إلى اسم الله ، وتقديره ولا يُثقل الله حفظ السموات والأرض .
والثاني : تعود إلى الكرسي ، وتقديره ولا يثقل الكرسيَّ حفظهما .
{ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } في العلي تأويلان :
أحدهما : العلي بالاقتدار ونفوذ السلطان .
والثاني : العلي عن الأشباه والأمثال .
وفي الفرق بين العلي والعالي ، وجهان محتملان :
أحدهما : أن العالي هو الموجود في محل العلو ، والعلي هو مستحق العلو .
والثاني : أن العالي هو الذي يجوز أن يُشَارَكَ في علوه ، والعلي هو الذي لا يجوز أن يُشَارَكَ في علوه ، فعلى هذا الوجه ، يجوز أن نصف الله بالعليّ ، ولا يجوز أن نصفه بالعالي ، وعلى الوجه الأول يجوز أن نصفه بهما جميعاً .

(1/189)


لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)

قوله تعالى : { لآَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن ذلك في أهل الكتاب ، لا يُكْرَهُون على الدين إذا بذلوا الجزية ، قاله قتادة .
والثاني : أنها نزلت في الأنصار خاصة ، كانت المرأة منهم تكون مِقْلاَةً لا يعيش لها ولد ، فتجعل على نفسها ، إن عاش لها ولد أن تهوّده ، ترجو به طول العمر ، وهذا قبل الإسلام ، فلما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير ، كان فيهم من أبناء الأنصار ، فقالت الأنصار : كيف نصنع بأبنائنا؟ فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس .
والثالث : أنها منسوخة بفرض القتال ، قاله ابن زيد .
{ فَمَن يَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ } فيه سبعة أقوال :
أحدها : أنه الشيطان وهو قول عمر بن الخطاب .
والثاني : أنه الساحر ، وهو قول أبي العالية .
والثالث : الكاهن ، وهو قول سعيد بن جبير .
والرابع : الأصنام .
والخامس : مَرَدَة الإنس والجن .
والسادس : أنه كل ذي طغيان طغى على الله ، فيعبد من دونه ، إما بقهر منه لمن عبده ، أو بطاعة له ، سواء كان المعبود إنساناً أو صنماً ، وهذا قول أبي جعفر الطبري .
والسابع : أنها النفس لطغيانها فيما تأمر به من السوء ، كما قال تعالى : { إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } [ يوسف : 53 ] .
واختلفوا في { الطَّاغُوتِ } على وجهين :
أحدهما : أنه اسم أعجمي معرّب ، يقع على الواحد والجماعة .
والثاني : أنه اسم عربي مشتق من الطاغية ، قاله ابن بحر .
{ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } فيها أربعة أوجه :
أحدها : هي الإيمان الله ، وهو قول مجاهد .
والثاني : سنة الرسول .
والثالث : التوفيق .
والرابع : القرآن ، قاله السدي .
{ لاَ انفِصَامَ لَهَا } فيه قولان :
أحدهما : لا انقطاع لها ، قاله السدي .
والثاني : لا انكسار لها ، وأصل الفصم : الصدع .

(1/190)


اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)

قوله عز وجل : { اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا } يحتمل وجهين :
أحدهما : يتولاهم بالنصرة .
والثاني : بالإرشاد .
{ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } فيه وجهان :
أحدهما : من ظلمات الضلالة إلى نور الهدى ، قاله قتادة .
والثاني : يخرجهم من ظلمات العذاب في النار ، إلى نور الثواب في الجنة .
{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ } يكون على وجهين :
أحدهما : يخرجونهم من نور الهدى إلى ظلمات الضلالة .
والثاني : يخرجونهم من نور الثواب إلى ظلمة العذاب في النار .
وعلى وجه ثالث لأصحاب الخواطر : أنهم يخرجونهم من نور الحق إلى ظلمات الهوى .
فإن قيل : فكيف يخرجونهم من النور ، وهم لم يدخلوا فيه؟ فعن ذلك جوابان :
أحدهما : أنها نزلت في قوم مُرْتَدِّين ، قاله مجاهد .
والثاني : أنها نزلت فيمن لم يزل كافراً ، وإنما قال ذلك لأنهم لو لم يفعلوا ذلك بهم لدخلوا فيه ، فصاروا بما فعلوه بمنزلة من قد أخرجهم منه . وفيه وجه ثالث : أنهم كانوا على الفطرة عند أخذ الميثاق عليهم ، فلما حَمَلُوهم على الكفر أخرجوهم من نور فطرتهم .

(1/191)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)

قوله عز وجل : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ في رَبِّهِ } هو النمرود بن كنعان ، وهو أول من تجبّر في الأرض وادّعى الربوبية .
{ أَنْ ءَاتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ } فيه قولان :
أحدهما : هو النمرود لما أوتي الملك حاجَّ في الله تعالى ، وهو قول الحسن .
والثاني : هو إبراهيم لما آتاه الله الملك حاجّه النمرود ، قاله أبو حذيفة .
وفي المحاجّة وجهان محتملان :
أحدهما : أنه معارضة الحجة بمثلها .
والثاني : أنه الاعتراض على الحجة بما يبطلها .
{ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ : أَنَا أُحْي وَأُمِيتُ } يريد أنه يحيي من وجب عليه القتل بالتخلية والاستبقاء ، ويميت بأن يقتل من غير سبب يوجب القتل ، فعارض اللفظ بمثله ، وعدل عن اختلاف الفعلين في علتهما .
{ قَالَ إِبْرَاهِيمُ : فإنَّ اللهَ يَأْتي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغرِبِ } فإن قيل : فَلِمَ عَدَل إبراهيم عن نصرة حجته الأولى إلى غيرها ، وهذا يضعف الحجة ولا يليق بالأنبياء؟ ففيه جوابان :
أحدهما : أنه قد ظهر من فساد معارضته ما لم يحتج معه إلى نصرة حجته ثم أتبع ذلك بغيره تأكيداً عليه في الحجة .
والجواب الثاني : أنه لمّا كان في تلك الحجة إشغاب منه بما عارضها به من الشبهة أحب أنه يحتج عليه بما لا إشغاب فيه ، قطعاً له واستظهاراً عليه قال : { فإنَّ اللهَ يَأْتي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغرِبِ } فإن قيل فَهَلاَّ عارضه النمرود بأن قال : فليأت بها ربك من المغرب؟ ففيه جوابان :
أحدهما : أن الله خذله بالصرف عن هذه الشبهة .
والجواب الثاني : أنه علم بما رأى معه من الآيات أنه يفعل فخاف أن يزداد فضيحة .
{ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ } فيه قولان :
أحدهما : يعني تحيّر .
والثاني : معناه انقطع ، وهو قول أبي عبيدة .
وقرئ : فَبَهَت الذي كفر بفتح الباء والهاء بمعنى أن الملك قد بهت إبراهيم بشبهته أي سارع بالبهتان .
{ واللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : لا يعينهم على نصرة الظلم .
والثاني : لا يُخلِّصُهم من عقاب الظلم . ويحتمل الظلم هنا وجهين :
أحدهما : أنه الكفر خاصة .
والثاني : أنه التعدي من الحق إلى الباطل .

(1/192)


أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)

{ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ } اختلفوا في الذي مر على قرية على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه عزيز ، قاله قتادة .
والثاني : أنه إرْمياء ، وهو قول وهب .
والثالث : أنه الخَضِر ، وهو قول ابن إسحاق ، واختلفوا في القرية على قولين :
أحدهما : هي بيت المقدس لما خرّبه بُخْتنصَّر ، وهذا قول وهب وقتادة . والربيع بن أنس .
والثاني : أنها التي خرج منها الألوف حذر الموت ، قاله ابن زيد .
{ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا } في الخاوية قولان :
أحدهما : الخراب ، وهو قول ابن عباس ، والربيع ، والضحاك .
والثاني : الخالية .
وأصل الخواء الخلو ، يقال خوت الدار إذا خلت من أهلها ، والخواء الجوع لخلو البطن من الغذاء { عَلَى عُرُوشِهَا } : على أبنيتها ، والعرش : البناء .
{ قَالَ أَنَّى يَحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا } فيه وجهان :
أحدهما : يعمرها بعد خرابها .
والثاني : يعيد أهلها بعد هلاكهم .
{ فَأَمَاتَهُ اللهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ : كَمْ لَبِثْتَ } أي مكث .
{ قَالَ : لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } لأن الله تعالى أماته في أول النهار ، وأحياه بعد مائة عام آخر النهار ، فقال : يوماً ، ثم التفت فرأى بقية الشمس فقال : { أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } .
{ قَالَ : بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ } فيه تأويلان :
أحدهما : معناه لم يتغير ، من الماء الآسن وهو غير المتغير ، قال ابن زيد : والفرق بين الآسن والآجن أن الآجن المتغير الذي يمكن شربه والآسن المتغير الذي لا يمكن شربه .
والثاني : معناه لم تأتِ عليه السنون فيصير متغيراً ، قاله أبو عبيد .
قيل : إن طعامه كان عصيراً وتيناً وعنباً ، فوجد العصير حلواً ، ووجد التين والعنب طرياً جنيّاً .
فإن قيل : فكيف علم أنه مات مائة عام ولم يتغير فيها طعامه؟ قيل : إنه رجع إلى حاله فعلم بالآثار والأخبار ، وأنه شاهد أولاد أولاده شيوخاً ، وكان قد خلف آباءهم مُرْداً أنه مات مائة عام .
وروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : أن عزيراً خرج من أهله وخلف امرأته حاملاً وله خمسون سنة ، فأماته الله مائة عام ، ثم بعثه فرجع إلى أهله ، وهو ابن خمسين سنة ، وله ولد هو ابن مائة سنة ، فكان ابنه أكبر منه بخمسين سنة ، وهو الذي جعله الله آية للناس .
وفي قوله تعالى : { وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا } قراءتان :
إحداهما : ننشرُها بالراء المهملة ، قرأ بذلك ابن كثير ونافع وأبو عمرو ، ومعناه نحييها . والنشور : الحياة بعد الموت ، مأخوذ من نشر الثوب ، لأن الميت كالمطوي ، لأنه مقبوض عن التصرف بالموت ، فإذا حَيِيَ وانبسط بالتصرف قيل : نُشِرَ وأُنشِر .
والقراءة الثانية : قرأ بها الباقون ننشِزُها بالزاي المعجمة ، يعني نرفع بعضها إلى بعض ، وأصل النشوز الارتفاع ، ومنه النشز اسم للموضع المرتفع من الأرض ، ومنه نشوز المرأة لارتفاعها عن طاعة الزوج .
وقيل إِنَّ الله أحيا عينيه وأعاد بصره قبل إحياء جسده ، فكان يرى اجتماع عظامه واكتساءها لحماً ، ورأى كيف أحيا الله حماره وجمع عظامه .
واختلفوا في القائل له : كم لبثت على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه ملك .
والثاني : نبي .
والثالث : أنه بعض المؤمنين المعمرين ممن شاهده عند موته وإحيائه .

(1/193)


وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)

قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْي الْمَوْتَى } اختلفوا لِمَ سأله عن ذلك؟ على قولين :
أحدهما : أنه رأى جيفة تمزقها السباع فقال ذلك ، وهذا قول الحسن ، وقتادة ، والضحاك .
والثاني : لمنازعة النمرود له في الإحياء ، قاله ابن إسحاق . ولأي الأمرين كان ، فإنه أحب أن يعلم ذلك علم عيان بعد علم الاستدلال .
ولذلك قال الله تعالى له : { أَوَلَمْ تُؤْمِن؟ قَالَ : بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني ليزداد يقيناً إلى يقينه ، هكذا قال الحسن ، وقتادة ، وسعيد بن جبير ، والربيع ، ولا يجوز ليطمئن قلبي بالعلم بعد الشك ، لأن الشك في ذلك كفر لا يجوز على نبي .
والثاني : أراد ليطمئن قلبي أنك أجبت مسألتي ، واتخذتني خليلاً كما وعدتني ، وهذا قول ابن السائب .
والثالث : أنه لم يرد رؤية القلب ، وإنما أراد رؤية العين ، قاله الأخفش .
ونفر بعض من قال بغوامض المعاني من هذا الالتزام وقال : إنما أراد إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي القلوب بالإيمان ، وهذا التأويل فاسد بما يعقبه من البيان .
وليست الألف في قوله : { أَوَ لَمْ تُؤْمِن } ألف استفهام وإنما هي ألف إيجاب كقول جرير :
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
{ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ } فيها قولان :
أحدهما : هن : الديك ، والطاووس ، والغراب ، والحمام ، قاله مجاهد .
والثاني : أربعة من الشقانين ، قاله ابن عباس .
{ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } قرأت الجماعة بضم الصاد ، وقرأ حمزة وحده بكسرها ، واختلف في الضم والكسر على قولين :
أحدهما : أن معناه متفق ولفظهما مختلف ، فعلى هذا في تأويل ذلك أربعة أقاويل :
أحدها : معناه انْتُفْهُنَّ بريشهن ولحومهن ، قاله مجاهد .
والثاني : قَطِّعْهُن ، قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والحسن . قال الضحاك : هي بالنبطية صرتا ، وهي التشقق .
والثالث : اضْمُمْهُن إليك ، قاله عطاء ، وابن زيد .
والرابع : أَمِلْهُن إليك ، والصور : الميل ، ومنه قول الشاعر في وصف إبل :
تظَلُّ مُعقّلات السوق خرساً ... تصور أنوفها ريح الجنوب
والقول الثاني : أن معنى الضم والكسر مختلف ، وفي اختلافهما قولان :
أحدهما : قاله أبو عبيدة أن معناه بالضم : اجْمَعْهن ، وبالكسر : قَطِّعْهُنّ .
والثاني : قاله الكسائي ومعناه بالضم أَمِلْهُنّ ، وبالكسر : أقْبِلْ بهن .
{ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنها كانت أربعة جبال ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وقتادة .
والثاني : أنها كانت سبعة ، قاله ابن جريج ، والسدي .
والثالث : كل جبل ، قاله مجاهد .
والرابع : أنه أراد جهات الدنيا الأربع ، وهي المشرق والمغرب والشمال والجنوب ، فمثّلها بالجبال ، قاله ابن بحر .
واختلفوا هل قطّع إبراهيم الطير أعضاء صرن به أمواتاً ، أم لا؟ على قولين :
أحدهما : أنه قطَّعَهُن أعضاء صرن به أمواتاً ، ثم دعاهن فعدْن أحياء ليرى كيف يحيي الله الموتى كما سأل ربه ، وهو قول الأكثرين .

(1/194)


والثاني : أنه فَرَّقَهُن أحياء ، ثم دعاهن فأجبنه وعدن إليه ، يستدل بعودهن إليه بالدعاء ، على عَوْد الأموات بدعاء الله أحياءً ، ولا يصح من إبراهيم أن يدعو أمواتاً له ، قاله ابن بحر .
والجزء من كل شيء هو بعضه سواءً كان منقسماً على صحة أو غير منقسم ، والسهم هو المنقسم عليه جميعه على صحة .
فإنْ قيل : فكيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله : { رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ } [ الأعراف : 143 ] فعنه جوابان :
أحدهما : أن ما سأله موسى لا يصح مع بقاء التكليف ، وما سأله إبراهيم خاص يصح .
والثاني : أن الأحوال تختلف ، فيكون الأصلح في بعض الأوقات الإجابة ، وفي بعض وقت آخر المنع فيما لم يتقدم فيه إذن .
قال ابن عباس : أمر الله إبراهيم بهذا قبل أن يولد له ، وقبل أن يُنَزِّلَ عليه الصُّحُف .
وحُكِيَ : أن إبراهيم ذبح الأربعة من الطير ، ودق أجسامهن في الهاون لا روحهن ، وجعل المختلط من لحومهن عشرة أجزاء على عشرة جبال ، ثم جعل مناقيرها بين أصابعه ، ثم دعاهن فأتين سعياً ، تطاير اللحم إلى اللحم ، والجلد إلى الجلد ، والريش إلى الريش ، فذهب بعض من يتفقه من المفسرين إلى من وصّى بجزء من ماله لرجل أنها وصية بالعُشْر ، لأن إبراهيم وضع أجزاء الطير على عشرة جبال .

(1/195)


مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)

قوله تعالى : { مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ في سَبِيلِ اللهِ } فيه تأويلان :
أحدهما : يعني في الجهاد ، قاله ابن زيد .
والثاني : في أبواب البر كلها .
{ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ في كُلِّ سُنبُلَةٍ مِاْئَةُ حَبَّةٍ } ضرب الله ذلك مثلاً في أن النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف ، وفي مضاعفة ذلك في غير ذلك من الطاعات قولان :
أحدهما : أن الحسنة في غير ذلك بعشرة أمثالها ، قاله ابن زيد .
والثاني : يجوز مضاعفتها بسبعمائة ضعف ، قاله الضحاك .
{ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ } يحتمل أمرين :
أحدهما : يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء .
والثاني : يضاعف الزيادة على ذلك لمن يشاء .
{ وَاللهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ } فيه قولان :
أحدهما : واسع لا يَضِيق عن الزيادة ، عليم بمن يستحقها ، قاله ابن زيد .
والثاني : واسع الرحمة لا يَضِيق عن المضاعفة ، عليم بما كان من النفقة .
ويحتمل تأويلاً ثالثاً : واسع القدرة ، عليم بالمصلحة .

(1/196)


الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)

قوله تعالى : { الَّذِينَ يُنِفقُونَ أَمْوَلَهُمْ في سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّاً وَلآَ أَذىً } المَنّ في ذلك أن يقول : أحسنت إليك ونعّشتك ، والأذى أن يقول : أنت أباداً فقير ، ومن أبلاني بك ، مما يؤذي قلب المُعْطَى .
{ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ } يعني ما استحقوه فيما وعدهم به على نفقتهم .
{ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } فيه تأويلان :
أحدهما : لا خوف عليهم في فوات الأجر .
والثاني : لا خوف عليهم في أهوال الآخرة .
{ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : لا يحزنون على ما أنفقوه .
والثاني : لا يحزنون على ما خلفوه . وقيل إن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه فيما أنفقه على جيش العسرة في غزاة تبوك .
قوله تعالى : { قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } يعني قولاً حسناً بدلاً من المن والأذى ويحتمل وجهين :
أحدهما : أن يدني إن أعطى .
والثاني : يدعو إن منع .
{ وَمَغْفِرَةٌ } فيها أربعة تأويلات :
أحدها : يعني العفو عن أذى السائل .
والثاني : يعني بالمغفرة السلامة من المعصية .
والثالث : أنه ترك الصدقة والمنع منها ، قاله ابن بحر .
والرابع : هو يستر عليه فقره ولا يفضحه به .
{ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذىً } يحتمل الأذى هنا وجهين :
أحدهما : أنه المنّ .
والثاني : أنه التعيير بالفقر .
ويحتمل قوله : { خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذىً } وجهين :
أحدهما : خير منها على العطاء .
والثاني : خير منها عند الله .
رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « المنّانُ بِمَا يُعْطِي لاَ يُكَلِّمُهُ اللهُ يَوْمَ القَيَامَةِ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيهِ وَلاَ يُزَكِّيهِ وَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ
» . قوله تعالى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى } يريد إبطال الفضل دون الثواب .
ويحتمل وجهاً ثانياً : إبطال موقعها في نفس المُعْطَى .
{ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الأَخِرِ } القاصد بنفقته الرياء غير مُثَابٍ ، لأنه لم يقصد وجه الله ، فيستحق ثوابه ، وخالف صاحب المَنِّ والأذى القاصِدَ وجه الله المستحق ثوابه ، وإن كرر عطاءَه وأبطل فضله .
ثم قال تعالى : { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ } الصفوان : جمع صفوانة ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه الحجر الأملس سُمِّيَ بذلك لصفائه .
والثاني : أنه أَلْيَنُ مِنَ الحجارة ، حكاه أبان بن تغلب .
{ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ } وهو المطر العظيم القَطْرِ ، العظيم الوَقْع .
{ فَتَرَكَهُ صَلْداً } الصلد من الحجارة ما صَلُبَ ، ومن الأرض مَا لَمْ ينبت ، تشبيهاً بالحجر الذي لا ينبت .
{ لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ } يعني مما أنفقوا ، فعبَّر عن النفقة بالكسب ، لأنهم قصدوا بها الكسب ، فضرب هذا مثلاً للمُرَائِي في إبطال ثوابه ، ولصاحب المَنِّ والأَذَى في إبطال فضله .

(1/197)


وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)

قوله تعالى : { وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : في نُصرة أهل دينه من المجاهدين .
والثاني : في معونة أهل طاعته من المسلمين .
{ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : تثبيتاً من أنفسهم بقوة اليقين ، والنصرة في الدين ، وهو معنى قول الشعبي ، وابن زيد ، والسدي .
والثاني : يتثبتون أين يضعون صدقاتهم ، قاله الحسن ، ومجاهد .
والثالث : يعني احتساباً لأنفسهم عند الله ، قاله ابن عباس ، وقتادة .
والرابع : توطيناً لأنفسهم على الثبوت على طاعة الله ، قاله بعض المتكلمين .
{ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } في الربوة قولان :
أحدهما : هي الموضع المرتفع من الأرض ، وقيل المُسْتَوِي في ارتفاعه .
والثاني : كل ما ارتفع عن مسيل الماء ، قاله اليزيدي .
{ أَصَابَهَا وَابِلٌ } في الوابل وجهان :
أحدهما : المطر الشديد .
والثاني : الكثير ، قال عدي بن زيد :
قليل لها مني وإن سخطت بأن ... أقول سقيت سقيت الوابل الغدقا
{ فآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ } وإنما خص الربوة لأن نبتها أحسن ، وريعها أكثر ، قال الأعشى :
ما روضة من رياض الحزن معيشة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل
والأُكُل ، بالضم : الطعام لأن من شأنه أن يؤكل . ومعنى ضعفين : مثلين ، لأن ضعف الشيء مثله زائداً عليه ، وضعفاه : مثلاه زائداً عليه ، وقيل ضعف الشيء مثلاه ، والأول قول الجمهور .
{ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } الطل : الندى ، وهو دون المطر ، والعرب تقول : الطل أحد المطرين ، وزرع الطل أضعف من زرع المطر وأقل ريعاً ، وفيه وإن قل تماسكٌ ونَفْعٌ ، فأراد بهذا ضرب المثل أن كثير البِر مثل زرع المطر كثير النفع ، وقليل البِر مثل زرع الطل قليل النفع ، ولا تدع قليل البر إذا لم تفعل كثيره ، كما لا تدع زرع الطل إذا لم تقدر على زرع المطر .

(1/198)


أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)

قوله تعالى : { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ } وهي البستان .
{ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } لأنه من أنفس ما يكون فيها .
{ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأْنْهَارُ } لأن أنفسها ما كان ماؤها جارياً .
{ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ } لأن الكِبَر قد يُنسِي من سعى الشباب في كسبه ، فكان أضعف أملاً وأعظم حسرة .
{ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ } لأنه على الضعفاء أحَنّ ، وإشفاقه عليهم أكثر .
{ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ } وفي الإعصار قولان :
أحدهما : أنه السَّمُوم الذي يقتل ، حكاه السدي .
والثاني : الإعصار ريح تهب من الأرض إلى السماء كالعمود تسميها العامة الزوبعة ، قال الشاعر :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً
وإنما قيل لها إعصار لأنها تَلْتَفُّ كالتفاف الثوب المعصور .
{ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآْيَاتِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : يوضح لكم الدلائل .
والثاني : يضرب لكم الأمثال .
{ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : تعتبرون ، لأن المفكر معتبر .
والثاني : تهتدون ، لأن الهداية التَّفَكُّر .
واختلفوا في هذا المثل الذي ضربه الله في الحسرة لسلب النعمة ، من المقصود به؟ على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه مثل للمرائي في النفقة ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليها ، قاله السدي .
والثاني : هو مثل للمفرِّط في طاعة الله لملاذّ الدنيا يحصل في الآخرة على الحسرة العظمى ، قاله مجاهد .
والثالث : هو مثل للذي يختم عمله بفساد ، وهو قول ابن عباس .

(1/199)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)

قوله تعالى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : يعني به الذهب والفضة ، وهو قول عليّ عليه السلام .
والثاني : يعني التجارة ، قاله مجاهد .
والثالث : الحلال .
والرابع : الجيد .
{ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ } من الزرع والثمار .
وفي الكسب وجهان محتملان :
أحدهما : ما حدث من المال المستفاد .
والثاني : ما استقر عليه المِلك من قديم وحادث .
واختلفوا في هذه النفقة على قولين :
أحدهما : هي الزكاة المفروضة قاله عبيدة السلماني .
والثاني : هي في التطوع ، قاله بعض المتكلمين .
{ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ } التيمم : التعمد ، قال الخليل : تقول أَمَمْتُه إذا قصدت أَمَامَه ، ويَمَّمْتُه إذا تعمدته من أي جهة كان ، وقال غيره : هما سواء ، والخبيث : الرديء من كل شيء ، وفيه هنا قولان :
أحدهما : أنهم كانوا يأتون بالحشف فيدخلونه في تمر الصدقة ، فنزلت هذه الآية ، وهو قول عليٍّ ، والبراء بن عازب .
والثاني : أن الخبيث هو الحرام ، قاله ابن زيد .
{ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : إلا أن تتساهلوا ، وهو قول البراء بن عازب .
والثاني : إلا أن تحطوا في الثمن ، قاله ابن عباس .
والثالث : إلا بوكس فكيف تعطونه في الصدقة قاله الزجاج .
والرابع : إلا أن ترخصوا لأنفسكم فيه ، قاله السدي ، وقال الطِّرِمّاح :
لم يفتنا بالوِتر قوم وللضيْ ... م رجال يرضون بالإغماضِ
قوله عز وجل : { الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ } وهو ما خوّف من الفقر إن أنفق أو تصدق .
{ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : بالشح .
والثاني : بالمعاصي .
{ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ } يحتمل وجهين :
أحدهما : . . . . لكم .
والثاني : عفواً لكم .
{ وَفَضْلاً } يحتمل وجهين :
أحدهما : سعة الرزق .
والثاني : مضاعفة العذاب .
{ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } رُوِيَ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إِنَّ لِلشَّيطَانِ لَمَّةً مِن ابن آدَم ، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً ، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيرِ وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللهِ وَلْيَحْمِدِ اللهَ ، وَمَنْ وَجَدَ الأخَرَ فَلْيَتَعَوَّذ بِاللهِ
» . ثم تلا هذه الآية . قوله تعالى : { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ } في الحكمة سبعة تأويلات :
أحدها : الفقه في القرآن ، قاله ابن عباس .
والثاني : العلم بالدين ، قاله ابن زيد .
والثالث : النبوّة .
والرابع : الخشية ، قاله الربيع .
والخامس : الإصابة ، قاله ابن أبي نجيح عن مجاهد .
والسادس : الكتابة ، قاله مجاهد .
والسابع : العقل ، قاله زيد بن أسلم .
ويحتمل ثامناً : أن تكون الحكمة هنا صلاح الدين وإصلاح الدنيا .

(1/200)


وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)

قوله عز وجل : { إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ } يعني أنه ليس في إبدائها كراهية .
{ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } فيه قولان :
أحدهما : أنه يعود إلى صدقة التطوع ، يكون إخفاؤها أفضل ، لأنه من الرياء أبعد ، فأما الزكاة فإبداؤها أفضل ، لأنه من التهمة أبعد ، وهو قول ابن عباس ، وسفيان .
والثاني : أن إخفاء الصدقتين فرضاً ونفلاً أفضل ، قاله يزيد بن أبي حبيب ، والحسن ، وقتادة .
{ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ } فيه قولان :
أحدهما : أن ( مِنْ ) زائدة تقديرها : ويكفر عنكم سيئاتكم .
والثاني : أنها ليست زائدة وإنما دخلت للتبعيض ، لأنه إنما يكفر بالطاعة من غير التوبة الصغائر ، وفي تكفيرها وجهان :
أحدهما : يسترها عليهم .
والثاني : يغفرها لهم .

(1/201)