صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : النكت والعيون |
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)
قوله تعالى : { وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ } يعني استقبال الكعبة . (1/104)
{ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُم } يعني استقبال بيت المقدس ، بعد أن حُوِّلَتْ قِبْلَتُك إلى الكعبة .
{ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابٍعِ قِبْلَةَ بَعْضٍ } يعني أن اليهود لا تتبع النصارى في القبلة ، فهم فيها مختلفون ، وإن كانوا على معاندة النبي صلى الله عليه وسلم متفقين .
{ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ } يعني في القبلة .
{ مَن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } يعني في تحويلها عن بيت المقدس إلى الكعبة .
{ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ } وليس يجوز أن يفعل النبي ما يصير به ظالماً .
وفي هذا الخطاب وجهان :
أحدهما : أن هذه صفة تنتفي عن النبي ، وإنما أراد بذلك بيان حكمها لو كانت .
والوجه الثاني : أن هذا خطاب للنبي والمراد به أمته .
الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)
قوله تعالى : { الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } يعني اليهود والنصارى ، أوتوا التوراة ، والإنجيل . (1/105)
{ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنآءَهُمُ } فيه قولان :
أحدهما : يعرفون أن تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة حق كما يعرفون أبناءهم .
والثاني : يعرفون الرسول وصدق رسالته كما يعرفون أبناءهم .
{ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ } يعني علماءَهم وخواصَّهمْ .
{ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ } فيه قولان :
أحدهما : أن الحق هو استقبال الكعبة .
والثاني : أن الحق محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا قول مجاهد وقتادة .
{ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : يعلمون أنه حق متبوع .
والثاني : يعلمون ما عليه من العقاب المستحق .
{ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ } يعني استقبال الكعبة ، لا ما أخبرتك به شهود من قبلتهم .
{ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } أي من الشاكِّين يقال : امترى فلان في كذا إذا اعترضه اليقين مَرَّةً ، والشك أخرى ، فدافع أحدهما بالآخر .
فإن قيل : أفكان شاكّاً حين نهى عنه؟ قيل : هذا وإن كان خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم فالمراد به غيره من أمته .
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)
قوله تعالى : { وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا } يعني ولكل أهل ملة من سائر الملل وجهة هو مولِّيها . وفيه قولان : (1/106)
أحدهما : قبلة يستقبلونها ، وهو قول ابن عباس وعطاء والسدي .
والثاني : يعني صلاة يصلونها ، وهو قول قتادة .
وفي قوله تعالى : { هُوَ مُوَلِّيها } قولان :
أحدهما : أن أهل كل وجهة هم الذين يَتَوَلَّونَهَا ويستقبلونها .
والثاني : أن أهل كل وجهةٍ الله تعالى هو الذي يوليهم إليها ويأمرهم باستقبالها ، وقد قرئ { هُوَ مَوْلاها } وهذا حسن يدل على الثاني من القولين .
{ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ } فيه تأويلان :
أحدهما : معناه فسارعوا إلى الأعمال الصالحة ، وهو قول عبد الرحمن بن زيد .
والثاني : معناه : لا تُغلَبوا على قبلتكم بما تقول اليهود من أنكم إذا اتبعتم قبلتهم اتبعوكم ، وهذا قول قتادة .
{ . . . يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً } إلى الله مرجعكم جميعاً ، يعني يوم القيامة .
{ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } يعني على إعادتكم إليه أحياء بعد الموت والبلى .
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)
ثم أكد الله أمره في استقبال الكعبة ، لما جرى من خوض المشركين ومساعدة المنافقين ، بإعادته فقال : { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } تبييناً لِنَبِيِّهِ وصرفاً له عن الاغترار بقول اليهود : أنهم يتبعونه إن عاد . (1/107)
{ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يقول ذلك ترغيباً لهم في الخير .
والثاني : تحذيراً من المخالفة .
ثم أعاد الله تعالى تأكيد أمره ، ليخرج من قلوبهم ما استعظموه من تحويلهم إلى غير ما أَلِفُوه ، فقال : { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } فأفاد كل واحد من الأوامر الثلاثة مع استوائها في التزام الحكم فائدة مستجده :
أما الأمر الأول فمفيد لنسخ غيره ، وأما الأمر الثاني فمفيد لأجل قوله تعالى :
{ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ } أنه لا يتعقبه نسخ .
وأما الأمر الثالث فمفيد أن لا حجة عليهم فيه ، لقوله : { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } .
ثم قال تعالى : { إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمُ } ليس يريد أن لهم عليكم حجة . وفيه قولان :
أحدهما : أن المعنى ، ولكن الذين ظلموا قد يحتجون عليكم بأباطيل الحجج ، وقد ينطلق اسم الحجة على ما بطل منها ، لإقامتها في التعلق بها مقام الصحيح حتى يظهر فسادها لمن علم ، مع خفائها على من جهل ، كما قال تعالى { حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ } فَسَمَّاهَا حجة ، وجعلها عند الله دَاحِضَةْ .
والقول الثاني : أن المعنى لِئَلاَّ يكون للناس عليكم حُجَّةٌ بعد الذين ظلموا ، فتكون ( إلاّ ) بمعنى ( بعد ) ] كما قيل في قوله تعالى : { وَلاَ تَنكَحُوا مَا نَكَحَ ءَابَاءُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } [ النساء : 22 ] أي بعدما قد سلف . وكما قيل في قوله تعالى : { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا المَوتَ إِلاَّ المَوتَةَ الأولى } [ الدخان : 56 ] أي بعد الموتة الأولى . وأراد بالذين ظلموا قريشاً واليهود ، لقول قريش حين استقبل الكعبة : قد علم أننا على هُدًى ، ولقول اليهود : إن رَجَعَ عنها تابعناه .
{ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَونِي } في المخالفة { وَلأُتِمَّ نِعْمَتي عَلَيْكُمْ } يحتمل وجهين :
أحدهما : فيما هديناكم إليه من القبلة .
والثاني : ما أعددته لكم من ثواب الطاعة .
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)
قوله تعالى : { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ } يعني من العرب { رَسُولاً مِّنكُمْ } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم { يَتْلُوا عَلَيْكُمْ ءَآيَاتِنَا } يعني القرآن . (1/108)
{ وَيُزَكِّيكُمْ } فيه تأويلان :
أحدهما : يعني يطهركم من الشرك .
والثاني : أن يأمركم بما تصيرون به عند الله أزكياء .
{ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكَتَابَ } فيه تأويلان :
أحدهما : القرآن .
والثاني : الإخبار بما في الكتب السالفة من أخبار القرون الخالية .
{ وَالحِكْمَةَ } فيها تأويلان :
أحدهما : السنّة .
والثاني : مواعظ القرآن .
{ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } يعني من أحكام الدين وأمور الدنيا .
{ فَاذْكُرُوني أَذْكُرْكُمْ } فيه تأويلان :
أحدهما : اذكروني بالشكر أذكركم بالنعمة .
والثاني : اذكروني بالقبول أذكركم بالجزاء .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)
قوله تعالى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاَةِ } أما الصبر ها هنا ففيه قولان : (1/109)
أحدهما : الثبات على أوامر الله تعالى .
والثاني : الصيام المقصود به وجه الله تعالى .
وأما الاستعانة بالصلاة فتحتمل وجهين :
أحدهما : الاستعانة بثوابها .
والثاني : الاستعانة بما يُتلى في الصلاة ليعرف به فضل الطاعة فيكون عوناً على امتثال الأوامر .
قوله تعالى : { وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَتٌ بَلْ أَحْيَآءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } وسبب ذلك أنهم كانوا يقولون لقتلى بدر وأُحُد : مات فلان ، ومات فلان ، فنزلت الآية وفيها تأويلان :
أحدهما : أنهم ليسوا أمواتاً وإن كانت أجسامهم أجسام الموتى بل هم عند الله أحياء النفوس منعّمو الأجسام .
والثاني : أنهم ليسوا بالضلال أمواتاً بل هم بالطاعة والهدى أحياء ، كما قال تعالى : { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ في النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ في الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } [ الأنعام : 122 ] فجعل الضالَّ ميتاً ، والمُهْتَدي حياً .
ويحتمل تأويلاً ثالثاً : أنهم ليسوا أمواتاً بانقطاع الذكر عند الله وثبوت الأجر .
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)
قوله تعالى : { وَلَنَبْلُوَنَّكُم } يعني أهل مكة ، لما تقدم من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلها عليهم سنين كسني يوسفَ حين قحطوا سبع سنين ، فقال الله تعالى مجيباً لدعاء نبيه : { وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالجُوعِ } الخوف يعني الفزع في القتال ، والجوع يعني المجاعة بالجدب . (1/110)
{ وَنَقْصٍ مِّنَ الأمَوَالِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : نقصها بالجوائح المتلفة .
والثاني : زيادة النفقة في الجدب .
{ وَالأَنفُسِ } يعني ونقص الأنفس بالقتل والموت . { وَالثَّمَرَاتِ } قلة النبات وارتفاع البركات .
{ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ } يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : وبشر الصابرين على الجهاد بالنصر .
والثاني : وبشر الصابرين على الطاعة بالجزاء .
والثالث : وبشر الصابرين على المصائب بالثواب ، وهو أشبه لقوله من بعد :
{ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا : إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } يعني : إذا أصابتهم مصيبة في نفس أو أهل أو مال قالوا : إنا لله : أي نفوسنا وأهلونا وأموالنا لله ، لا يظلمنا فيما يصنعه بنا { وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } يعني بالبعث في ثواب المحسن ومعاقبة المسيء .
ثم قال تعالى في هؤلاء : { أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } الصلاة اسم مشترك المعنى فهي من الله تعالى الرحمة ، ومن الملائكة الاستغفار ، ومن الناس الدعاء ، كما قال تعالى : { إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمَاً } . وقال الشاعر :
صلّى على يحيى وأشياعه ... رَبٌّ كريمٌ وشفيع مطاع
قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِّن رَّبِّهِمْ } أي رحمة ، وذكر ذلك بلفظ الجمع لأن بعضها يتلو بعضاً .
ثم قال : { وَرَحْمَةٌ } فأعادها مع اختلافها للفظين لأنه أوكد وأبلغ كما قال : { مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى } .
وفي قوله تعالى : { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } وجهان محتملان :
أحدهما : المهتدون إلى تسهيل المصائب وتخفيف الحزن .
والثاني : المهتدون إلى استحقاق الثواب وإجزال الأجر .
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)
قوله تعالى : { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ } أما الصفا والمروة فهما مبتدأ السعي ومنتهاه . وفيه قولان : (1/111)
أحدهما : أن الصفا : الحجارة البيض ، والمروة الحجارة السود . واشتقاق الصفا من قولهم صفا يصفو إذا خَلَص ، وهو جمع واحده صفاة .
والثاني : أن الصفا : الحجارة الصلبة التي لا تنبت شيئاً ، والمروة الحجارة الرخوة ، وهذا أظهر القولين في اللغة . يدل على الصفا قول الطرماح :
أبت لي قوتي والطول إلاّ ... يؤيسَ حافراً أبداً صفاتي
ويدل على المروة قول الكميت :
ويُوَلّي الأرضَ خفاً ذابلاً ... فإذا ما صادف المَرْوَ رضخ
وحُكِيَ عن جعفر بن محمد قال : نزل آدم على الصفا ، وحواء على المروة ، فَسُمِّي الصفا باسم آدم المصطفى وسميت المروة باسم المرأة .
وقيل إن اسم الصفا ذكّر بإساف وهو صنم كان عليه مذكر الاسم ، وأنثت المروة بنائلة وهو صنم كان عليه مؤنث الاسم .
وفي قوله : { مِن شَعَائِرِ اللهِ } وجهان :
أحدهما : يعني من معالم الله التي جعلها لعباده معلماً ، ومنه قول الكميت :
نقتّلهم جيلاً فجيلاً تراهُمُ ... شعائر قربان بها يُتَقَرَّبُ
والثاني : إن الشعائر جمع شعيرة وهو الخبر الذي أخبر الله تعالى عنه ، وهي من إشعار الله عباده أمر الصفا والمروة وما عليهم من الطواف بهما ، وهذا قول مجاهد .
ثم قال تعالى : { فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ } أما الحج ففيه قولان :
أحدهما : أنه القصد ، سمي به النسك لأن البيت مقصود فيه ، ومنه قول الشاعر :
وأشهد من عوف حلولاً كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا
يعني بقوله يحجون أي يكثرون التردد إليه لسؤدده ورياسته ، فسمي الحج حجاً لأن الحاج يأتي قِبَلَ البيت ثم يعود إليه لطواف الإفاضة ، ثم ينصرف إلى منى ويعود إليه لطواف الصدر ، فلتكرر العَوْد إليه مرة بعد أخرى قيل له : حاجّ .
وأما العمرة ففيها قولان :
أحدهما : أنها القصد أيضاً ، وكل قاصد لشيء فهو معتمر ، قال العجاج :
لقد غزا ابن معمر حين اعتمر ... مَغْزىً بعيداً من بعيد وصَبَر
يعني بقوله حين اعتمر أي حين قصد .
والقول الثاني : أنها الزيارة ومنه قول الشاعر :
وجاشت النفسُ لمَّا جاءَ فَلُّهم ... وراكب جاءَ من ( تثليث ) معتمرا
أي زائراً .
ثم قال تعالى : { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } ورفع الجناح من أحكام المباحث دون الواجبات .
فذهب أبو حنيفة على أنّ السعي بين الصفا والمروة غير واجب في الحج والعمرة منسكاً بأمرين :
أحدهما : قوله تعالى : { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } ورفع الجناح من أحكام المباحات دون الواجبات .
والثاني : أن ابن عباس وابن مسعود قَرَء : { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن لاَّ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } .
وذهب الشافعي ، ومالك ، وفقهاء الحرمين ، إلى وجوب السعي في النسكين تمسكاً بفحوى الخطاب ونص السنة ، وليس في قوله : { فَلاَ جُنَاحَ } دليل على إباحته دون وجوبه ، لخروجه على سبب ، وهو أن الصفا كان عليه في الجاهلية صنم اسمه إساف ، وعلى المروة صنم اسمه نائلة ، فكانت الجاهلية إذا سعت بين الصفا والمروة طافوا حول الصفا والمروة تعظيماً لإساف ونائلة ، فلما جاء الإسلام وألغيت الأصنام تَكَرَّهَ المسلمون أن يُوَافِقُوا الجاهلية في الطواف حول الصفا والمروة ، مجانبةً لما كانوا عليه من تعظيم إساف ونائلة ، فأباح الله تعالى ذلك لهم في الإسلام لاختلاف القصد فقال : { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } . وأما قراءة ابن مسعود ، وابن عباس : { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن لاَّ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } ، فلا حجة فيها على سقوط فرض السعي بينهما لأن ( لا ) صلة في الكلام إذا تقدمها جَحْد ، كقوله تعالى :
{ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ } [ الأعراف : 12 ] بمعنى ما منعك أن تسجد ، وكما قال الشاعر : (1/112)
ما كان يرضى رسول الله فعلهم ... والطيبان أبو بكر ولا عُمَرُ
{ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : ومن تطوع بالسعي بين الصفا والمروة ، وهذا قول مَنْ أسقط وجوب السعي .
والثاني : ومن تطوع بالزيادة على الواجب ، وهذا قول من أوجب السعي .
والثالث : ومن تطوع بالحج والعمرة بعد أداء فرضهما .
{ فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ } يحتمل تأويلين :
أحدهما : شاكر للعمل عليم بالقصد .
والثاني : شاكر للقليل عليم بالثواب .
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162)
قوله عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا } قيل : هم رؤساء اليهود ، كعب ابن الأشرف ، وكعب بن أسد ، وابن صوريا ، وزيد بن التابوت ، هم الذين كتموا ما أنزل الله . (1/113)
{ مَنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى } فيه قولان :
أحدهما : أن البينات هي الحجج الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، والهدى : الأمر باتباعه .
والثاني : أن البينات والهدى واحد ، والجمع بينهما تأكيد ، وذلك ما أبان عن نبوته وهدى إلى اتباعه .
{ مَنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الْكِتَابِ } يعني القرآن .
{ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ } فيهم أربعة أقوال :
أحدها : أنهم كل شيء في الأرض من حيوان وجماد إلا الثقلين الإنس والجن ، وهذا قول ابن عباس والبراء بن عازب .
والثاني : اللاعنون : الاثنان إذا تلاعنا لحقت اللعنة مستحقها منهما ، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت اللعنة على اليهود ، وهذا قول ابن مسعود .
والثالث : أنهم البهائم ، إذا يبست الأرض قالت البهائم هذا من أجل عُصاةِ بني آدم ، وهذا قول مجاهد وعكرمة .
والرابع : أنهم المؤمنون من الإنس والجن ، والملائكة يَلعنون مَنْ كَفَر بالله واليوم الآخر ، وهذا قول الربيع بن أنس .
{ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا } يعني بالإسلام من كفرهم { وَأَصْلَحُوا } يحتمل وجهين :
أحدهما : إصلاح سرائرهم وأعمالهم .
والثاني : أصلحوا قومهم بإرشادهم إلى الإسلام { وَبَيَّنُوا } يعني ما في التوراة من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ووجوب اتَباعه { فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِم } والتوبة من العباد : الرجوع عن الذنب ، والتوبة من الله تعالى : قبولها من عباده .
قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ } وإنما شرط الموت على الكفر لأن حُكْمَهُ يستقر بالموت عليه ويرتفع بالتوبة منه . { أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ } واللعنة من العباد : الطرد ، ومن الله تعالى : العذاب . { وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } وقرأ الحسن البصري : { وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعُونَ } بالرفع ، وتأويلها : أولئك جزاؤهم أن يلعنهم الله وتلعنهم الملائكة ويلعنهم الناس أجمعون .
فإن قيل : فليس يلعنهم جميع الناس لأن قومهم لا يلعنونهم ، قيل : عن هذا جوابان :
أحدهما : أن اللعنة من أكثر الناس يطلق عليها لعنة جميع الناس ، فغلب حكم الأكثر على الأقل .
والثاني : أن المراد به يوم القيامة يلعنهم قومهم مع جميع الناس كما قال تعالى : { يَومَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضِ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً } [ العنكبوت : 25 ] .
ثم قال تعالى : { خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ } فيه تأويلان :
أحدهما : لا يخفف بالتقليل والاستراحة .
والثاني : لا يخفف بالصبر عليه والاحتمال له .
{ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : لا يؤخرون عنه ولا يمهلون .
والثاني : لا ينظر الله عز وجل إليهم فيرحمهم .
وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)
قوله تعالى : { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } أراد بذلك أمرين : (1/114)
أحدهما : أن إله جميع الخلق واحد ، لا كما ذهبت إليه عبدة الأصنام من العرب وغيرهم أن لكل قوم إلَهاً غير إله من سواهم .
والثاني : أن الإله وإنْ كان إلهاً لجميع الخلق فهو واحد لا ثاني له ولا مثل له . ثم أكد ذلك بقوله تعالى : { لآَّ إِلّهَ إِلاَّ هُوَ } ، ثم وصف فقال : { الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } ترغيباً في عبادته وحثاً على طاعته .
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)
ثم دل على ما ذكرهم من وحدانيته وقدرته ، بقوله تعالى : { إِنَّ في خَلْقِ السَّمواتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } : (1/115)
فآية السماء : ارتفاعها بغير عمد من تحتها ولا علائق من فوقها ، ثم ما فيها من الشمس والقمر والنجوم السائرة .
وآية الأرض : بحارها ، وأنهارها ، ومعادنها ، وشجرها ، وسهلها ، وجبلها .
وآية الليل والنهار : اختلافها بإقبال أحدهما وإدبار الآخر ، فيقبل الليل من حيث لا يعلم ، ويدبر النهار إلى حيث لا يعلم ، فهذا اختلافهما .
ثم قال : { وَالْفُلْكِ الَّتي تَجْرِي في الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ } الفلك : السفن ، الواحدُ والجمع بلفظ واحد ، وقد يذكر ويؤنث . والآية فيها : من وجهين :
أحدهما : استقلالها لحملها . والثاني : بلوغها إلى مقصدها .
ثم قال تعالى : { وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ } يعني به المطر المنزل منها ، يأتي غالباً عند الحاجة ، وينقطع عند الاستغناء عنه ، وذلك من آياته . ثم قال تعالى : { فَأَحْيَا الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } وإحياؤها بذلك قد يكون من وجهين :
أحدهما : ما تجري به أنهارها وعيونها .
والثاني : ما ينبت به من أشجارها وزروعها ، وكلا هذين سبب لحياة الخلق من ناطق وبُهْم .
ثم قال تعالى : { وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ } يعني جميع الحيوان الذي أنشأه فيها ، سماه ( دابة ) لدبيبه عليها ، والآية فيها مع ظهور القدرة على إنشائها من ثلاثة أوجه :
أحدها : تباين خلقها .
والثاني : اختلاف معانيها .
والثالث : إلهامها وجوه مصالحها .
ثم قال تعالى : { وَتَصْرِيفَ الرِّيَاحِ } والآية فيها من وجهين :
أحدهما : اختلاف هبوبها في انتقال الشمال جنوبها ، والصبا دبوراً ، فلا يعلم لانتقالها سبب ، ولا لانصرافها جهة .
والثاني : ما جعله في اختلافها من إنعام ينفع ، وانتقام يؤذي .
وقد روى سعيد بن جبير عن شريح قال : ما هاجت ريح قط إلا لسُقْمِ صحيح أو لشفاء سقيم والرياح جمع ريح وأصلها أرواح . وحكى أبو معاذ أنه كان في مصحف حفصة : { وَتَصْرِيفِ الأرْوَاحِ } .
وقال ابن عباس : سميت الريح لأنها تريح ساعة بعد ساعة . قال ذو الرمة :
إذا هبت الأرواح من نحو جانب ... به آل مَيٍّ هاج شوقي هبوبها
ثم قال تعالى : { وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ } المسخر : المذلل ، والآية فيه من ثلاثة أوجه :
أحدها : ابتداء نشوئه وانتهاء تلاشيه .
والثاني : ثبوته بين السماء والأرض من غير عَمَد ولا علائق .
والثالث : تسخيره وإرساله إلى حيث يشاء الله عز وجل .
وهذه الآية قد جمعت من آياته الدالة على وحدانيته وقدرته ما صار لذوي العقول مرشداً وإلى الحق قائداً . فلم يقتصر الله بنا على مجرد الإخبار حتى قرنه بالنظر والاعتبار .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)
ثم أخبر أن مع هذه الآيات الباهرة لذوي العقول { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً } والأنداد الأمثال ، واحدها ند ، والمراد به الأصنام التي كانوا يتخذونها آلهة يعبدونها كعبادة الله تعالى مع عجزها عن قدرة الله في آياته الدالة على وحدانيته . (1/116)
ثم قال تعالى : { يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ } يعني أنهم مع عجز الأصنام يحبونهم كحب الله مع قدرته .
{ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ } يعني من حب أهل الأوثان لأوثانهم ، ومعناه أن المخلصين لله تعالى هم المحبون حقاً .
قوله تعالى : { إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا } فيهم قولان :
أحدهما : أن الذين اتبعوا هم السادة والرؤساء تبرؤوا ممن اتبعهم على الكفر ، وهذا قول عطاء .
والثاني : أنهم الشياطين تبرؤوا من الإنس ، وهذا قول السدي .
{ وَرَأَوُا الْعَذَابَ } يعني به المتبوعين والتابعين . وفي رؤيتهم للعذاب وجهان محتملان :
أحدهما : تيقنهم له عند المعاينة في الدنيا .
والثاني : أن الأمر بعذابهم عند العرض والمساءلة في الآخرة .
{ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : أن الأسباب تواصلهم في الدنيا ، وهو قول مجاهد وقتادة .
والثاني : المنازل التي كانت لهم في الدنيا ، وهو قول ابن عباس .
والثالث : أنها الأرحام ، وهو رواية ابن جريج عن ابن عباس .
والرابع : أنها الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا ، وهو قول السدي .
والخامس : أنها العهود والحلف الذي كان بينهم في الدنيا .
{ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مَنْهُم كَمَا تَبَرَّءُوا مَنَّا } يريد بذلك أن الأتباع قالوا للمتبوعين لو أن لنا كرة أي رجعة إلى الدنيا فنتبرأ منكم فيها كما تبرأتم منا في الآخرة .
{ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ } يريد المتبوعين والأتباع ، والحسرة شدة الندامة على محزون فائت .
وفي { أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ } وجهان :
أحدهما : برهم الذي حبط بكفرهم ، لأن الكافر لا يثاب مع كفره .
والثاني : ما نقصت به أعمارهم في أعمال المعاصي أن لا تكون مصروفة إلى طاعة الله .
{ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ } يريد به أمرين :
أحدهما : فوات الرجعة .
والثاني : خلودهم في النار .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)
قوله تعالى : { يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا في الأَرْضِ حَلَلاً طَيِّباً } قيل إنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني مدلج فيما حرموه على أنفسهم من الأنعام والزرع ، فأباح لهم الله تعالى أكله وجعله لهم حلالاً طيباً . (1/117)
{ وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } وهي جمع خطوة ، واختلف أهل التفسير في المراد بها على أربعة أقاويل :
أحدها : أن خطوات الشيطان أعماله ، وهو قول ابن عباس .
والثاني : أنها خطاياه وهو قول مجاهد .
والثالث : أنها طاعته ، وهو قول السدي .
والرابع : أنها النذور في المعاصي .
{ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } أي ظاهر العداوة .
{ إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالفَحْشَآءِ } قال السدي : السوء في هذا الموضع معاصي الله ، سميت سوءاً لأنها تسوء صاحبها بسوء عواقبها .
وفي الفحشاء ها هنا ثلاثة أقاويل :
أحدها : الزنى .
والثاني : المعاصي .
والثالث : كل ما فيه الحد ، سمي بذلك لفحش فعله وقبح مسموعه .
{ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } فيه قولان :
أحدهما : أن تحرموا على أنفسكم ما لم يحرمه الله عليكم .
والثاني : أن تجعلوا له شريكاً .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتٌّبِعُوا مَا أَنَزَلَ اللهُ } يعني في تحليل ما حرموه من الأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام { قَالُوا : بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا } يعني في تحريم ذلك عليهم . (1/118)
قوله تعالى : { وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً } فيه قولان :
أحدهما : أن مثل الكافر فيما يوعظ به مثل البهيمة التي ينعق بها تسمع الصوت ولا تفهم معناه ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد .
والثاني : مثل الكافر في دعاء آلهته التي يعبدها من دون الله كمثل راعي البهيمة يسمع صوتها ولا يفهمه ، وهذا قول ابن زيد .
{ صُمُّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } أي صم عن الوعظ فلا يسمعونه ، بكم عن الحق فلا يذكرونه ، عمي عن الرشد فلا يبصرونه فهم لا يعقلونه ، لأنهم إذا لم يعملوا بما يسمعونه ويقولونه ويبصرونه كانوا بمثابة من فقد السمع والنطق والبصر . والعرب تقول لمن سمع ما لا يعمل به : أصم . قال الشاعر :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... أصمُّ عَمّا ساءَه سميعُ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)
قوله تعالى : { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ } أخبر الله تعالى بما حرم بعد قوله : { كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } ليدل على تخصيص التحريم من عموم الإباحة ، فقال : { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ } وهو ما فات روحه بغير ذكاة . { وَالدَّمَ } هو الجاري من الحيوان بذبح أو جرح . (1/119)
{ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ } فيه قولان :
أحدهما : التحريم مقصور على لحمه دون غيره اقتصاراً على النص ، وهذا قول داود بن علي .
والثاني : أن التحريم عام في جملة الخنزير ، والنص على اللحم تنبيه على جميعه لأنه معظمه ، وهذا قول الجمهور .
{ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ } يعني بقوله : { أُهِلَّ } أي ذبح وإنما سمي الذبح إهلالاً لأنهم كانوا إذا أرادوا ذبح ما قربوه لآلهتهم ذكروا عنده اسم آلهتهم وجهروا به أصواتهم ، فسمي كل ذابح جَهَر بالتسمية أو لم يجهر مُهِلاً ، كما سمي الإحرام إهلالاً لرفع أصواتهم عنده بالتلبية حتى صار اسماً له وإن لم يرفع عنده صوت . وفي قوله تعالى : { لِغَيْرِ اللهِ } تأويلان :
أحدهما : ما ذبح لغير الله من الأصنام وهذا قول مجاهد وقتادة .
والثاني : ما ذكر عليه اسم غير الله ، وهو قول عطاء والربيع .
{ فَمَنِ اضَطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ } اضطر افتُعل من الضرورة ، وفيه قولان :
أحدهما : معناه : فمن أكره على أكله فلا إثم عليه ، وهو قول مجاهد .
والثاني : فمن احتاج إلى أكله لضرورة دعته من خوف على نفس فلا إثم عليه ، وهو قول الجمهور .
وفي قوله : { غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } ثلاثة أقاويل :
أحدها : غير باغ على الإمام ولا عاد على الأمة بإفساد شملهم ، فيدخل الباغي على الإمام وأمته والعادي : قاطع الطريق ، وهو معنى قول مجاهد وسعيد بن جبير .
والثاني : غير باغ في أكله فوق حاجته ولا عاد يعني متعدياً بأكلها وهو يجد غيرها ، وهو قول قتادة ، والحسن ، وعكرمة ، والربيع ، وابن زيد .
والثالث : غير باغٍ في أكلها شهوة وتلذذاً ولا عاد باستيفاء الأكل إلى حد الشبع ، وهو قول السدي . وأصل البغي في اللغة : قصد الفساد يقال بغت المرأة تبغي بِغَاءً إذا فَجَرَتْ . وقال الله عز وجل : { وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } [ النور : 33 ] وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد ، والعرب تقول خرج الرجل في بغاء إبلٍ له ، أي في طلبها ، ومنه قول الشاعر :
لا يمنعنّك من بغا ... ء الخير تعقادُ التمائم
إن الأشائم كالأيا ... من ، والأيامن كالأشائم
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176)
قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ } يعني علماء اليهود كتموا ما أنزل الله عز وجل في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وصحة رسالته . { وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنَاً قَلِيلاً } يعني قبول الرُشَا على كتم رسالته وتغيير صفته ، وسماه قليلاً لانقطاع مدته وسوء عاقبته . وقيل : لأن ما كانوا يأخذون من الرُشا كان قليلاً . (1/120)
{ أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ } فيه تأويلان :
أحدهما : يريد أنه حرام يعذبهم الله عليه بالنار فصار ما يأكلون ناراً ، فسماه في الحال بما يصير إليه في ثاني الحال ، كما قال الشاعر :
وأمّ سماك فلا تجزعي ... فللموت ما تلد الوالدة
{ وَلاَ يُكْلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : معناه يغضب عليهم ، من قولهم : فلان لا يكلم فلاناً إذا غضب عليه .
والثاني : لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية .
والثالث : معناه لا يسمعهم كلامه .
{ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ } فيه قولان :
أحدهما : يعني لا يصلح أعمالهم الخبيثة .
والثاني : لا يثني عليهم ، ومن لا يثني الله عليه فهو معذب { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي مؤلم موجع .
قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى } يعني من تقدم ذكره من علماء اليهود اشتروا الكفر بالإيمان { وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ } يعني النار بالجنة .
{ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ } فيه أربعة أقاويل :
أحدها : معناه ما أجرأهم على النار ، وهذا قول أبي صالح .
والثاني : فما أصبرهم على عمل يؤدي بهم إلى النار .
والثالث : معناه فما أبقاهم على النار ، من قولهم : ما أصبر فلاناً على الحبس ، أي ما أبقاه فيه .
والرابع : بمعنى أي شيء صبّرهم على النار؟
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)
قوله تعالى : { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وَجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ } الآية ، فيها قولان : (1/121)
أحدهما : أن معناها ليس البر الصلاة وحدها ، ولكن البر الإيمان مع أداء الفرائض التي فرضها الله ، وهذا بعد الهجرة إلى المدينة واستقرار الفروض والحدود ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد .
والثاني : أن المعنَّي بذلك اليهود والنصارى ، لأن اليهود تتوجه إلى المغرب ، والنصارى تتوجه إلى المشرق في الصلاة ، ويرون ذلك هو البر ، فأخبرهم الله عز وجل ، أنه ليس هذا وحده هو البر ، حتى يؤمنوا بالله ورسوله ، ويفعلوا ما ذَكَرَ ، وهذا قول قتادة ، والربيع .
وفي قوله تعالى : { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ } قولان :
أحدهما : معناه ولكن ذا البر من آمن بالله .
والثاني : معناه ولكن البرَّ بِرُّ مَنْ آمن بالله ، يعني الإقرار بوحدانيته وتصديق رسله ، حكاهما الزَّجَّاجُ .
وقوله تعالى : { وَالْيَوْمِ الآخِرِ } يعني التصديق بالبعث والجزاء .
{ والْمَلاَئِكَةِ } يعني فيما أُمِروا به ، مِنْ كَتْبَ الأعمال ، وتولي الجزاء .
{ وَالْكِتَابِ } يعني القرآن ، وما تضمنه من استقبال الكعبة ، وأن لا قبلة سواها .
{ وَالنَّبِيِّينَ } يعني التصديق بجميع الأنبياء ، وأن لا يؤمنوا ببعضهم ويكفروا ببعض . { وَءَاتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ } يعني على حب المال . قال ابن مسعود : أن يكون صحيحاً شحيحاً يطيل الأمل ويخشى الفقر . وكان الشعبي يروي عن فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إِنَّ فِي المَالِ حَقاً سِوَى الزَّكَاةِ » وتلا هذه الآية { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وَجُوهَكُمْ } إلى آخرها ، فذهب الشعبي والسدي إلى إيجاب ذلك لهذا الخبر ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل : أي الصدقة أفضل؟ قال : « جُهْدٌ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ الْكَاشِحِ
» . وذهب الجمهور إلى أنْ ليس في المال حق سوى الزكاة وأن ذلك محمول عليها أو على التطوع المختار .
وقوله تعالى : { وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى } يريد قرابة الرجل من طرفيه من قِبَل أبويه ، فإن كان ذلك محمولاً على الزكاة ، روعي فيهم شرطان :
أحدهما : الفقر .
والثاني : سقوط النفقة . وإن كان ذلك محمولاً على التطوع لم يعتبر واحد منهما ، وجاز مع الغنى والفقر ، ووجوب النفقة وسقوطها ، لأن فيهم مع الغنى صلة رحم مبرور .
{ والْيَتَامَى } وهم من اجتمع فيهم شرطان : الصغر وفقد الأب ، وفي اعتبار الفقر فيهم قولان كالقرابة .
{ وَالْمَسَاكِينَ } وهم من عُدِمَ قدرُ الكفاية وفي اعتبار إسلامهم قولان :
{ وابْنَ السَّبِيلِ } هم فقراء المسافرين { والسَّائِلِينَ وهم الذين ألجأهم الفقر إلى السؤال .
{ وَفِي الِّرقَابِ } وفيهم قولان :
أحدهما : أنهم عبيد يعتقون ، وهو قول الشافعي رحمه الله .
والثاني : أنهم مُكَاتَبُونَ يعانون في كتابتهم بما يعتقدون ، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة .
{ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ } يعني إلى الكعبة على شروطها وفي أوقاتها .
{ وآتَى الزَّكَاةَ } يعني إلى مستحقها عند وجوبها .
{ وَالْمُوفُونَ بِعَهدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا } وذلك من وجهين :
أحدهما : النذور التي بينه وبين الله تعالى . والثاني : العقود التي بينه وبين الناس ، وكلاهما يجب عليه الوفاء به . (1/122)
{ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ } قال ابن مسعود : البأساء الفقر ، والضراء السقم .
{ وَحِينَ الْبَأْسِ } أي القتال .
وفي هذا كله قولان :
أحدهما : أنه مخصوص في الأنبياء عليهم السلام لأنه لا يقدر على القيام بهذا كله على شروطه غيرهم .
والثاني : أنه عامٌّ ، في الناس كلهم لإرسال الكلام وعموم الخطاب .
{ أولَئِكَ الَّذينَ صَدَقُوا } فيه وجهان :
أحدهما : طابقت نياتهم لأعمالهم .
والثاني : صدقت أقوالهم لأفعالهم .
{ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : أن تخالف سرائرهم لعلانيتهم .
والثاني : أن يحمدهم الناس بما ليس فيهم .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)
قوله عز وجل : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } معنى قوله : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ } أي فرض عليكم ، ومنه قول نابغة بني جعدة : (1/123)
يا بنت عمي كتاب الله أخرجني ... عنكم فهل أمنعن الله ما فعلا
وقول عمر بن أبي ربيعة :
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول
والقصاص : مقابلة الفعل بمثله مأخوذ من قص الأثر .
ثم قال تعالى : { الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى } فاختلف أهل التأويل في ذلك على أربعة أقاويل :
أحدها : أنها نزلت في قوم من العرب كانوا أعزة أقوياء لا يقتلون بالعبد منهم إلا سيداً وبالمرأة منهم إلا رجلاً ، استطالة بالقوة وإدلالاً بالعزة ، فنزلت هذه الآية فيهم ، وهذا قول الشافعي ، وقتادة .
والثاني : أنها نزلت في فريقين كان بينهما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قتال ، فقتل من الفريقين جماعة من رجال ونساء وعبيد فنزلت هذه الآية فيهم ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية الرجل قصاصاً بدية الرجل ، ودية المرأة قصاصاً بدية المرأة ، ودية العبد قصاصاً بدية العبد ثم أصلح بينهم . وهذا قول السدي وأبي مالك .
والثالث : أن ذلك أمر من الله عز وجل بمقاصة دية القاتل المُقْتَص منه بدية المقتول المقتص له واستيفاء الفاضل بعد المقاصة ، وهذا قول عليّ كان يقول في تأويل الآية : أيما حر قتل عبداً فهو به قود ، فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه وقاصّوهم بثمن العبد من دية الحر وأدوا إلى أولياء الحر بقية دِيته ، وأيما عبد قتل حراً فهو به قود ، فإن شاء أولياء الحر قتلوا العبد وقاصّوهم بثمن العبد وأخذوا بقية دية الحر ، وأيما رجل قتل امرأة فهو بها قود ، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه ، وأدوا بقية الدية إلى أولياء الرجل ، وأيما امرأة قتلت رجلاً فهي به قود ، فإن شاء أولياء الرجل قتلوها وأخذوا نصف الدية .
والرابع : أن الله عز وجل فرض بهذه الآية في أول الإسلام أن يُقْتَلَ الرجل بالرجل ، والمرأة بالمرأة والعبد بالعبد ، ثم نَسَخَ ذلك قولُه في سورة المائدة { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } [ المائدة : 45 ] وهذا قول ابن عباس .
ثم قال تعالى : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإحْسَانٍ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : فمن عفي له عن القصاص منه فاتّباع بمعروف وهو أن يطلب الولي الدية بمعروف ويؤدي القاتلُ الدية بإحسان ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد .
والثاني : أن معنى قوله : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } بمعنى فمن فضل له فضل وهذا تأويل من زعم أن الآية نزلت في فريقين كانا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل من كلا الفريقين قتلى فتقاصّا ديات القتلى بعضهم من بعض ، فمن بقيت له بقية فليتبعها بمعروف ، وليرد من عليه الفاضل بإحسان ، ويكون معنى { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } أي فضل له قِبل أخيه القاتل شيء ، وهذا قول السدي .
والثالث : أن هذا محمول على تأويل عليّ ( رضي الله عنه ) في أول الآية؟ في القصاص بين الرجل والمرأة والحر والعبد وأداء ما بينهما من فاضل الدية . (1/124)
ثم في الاتباع بالمعروف والأداء إليه بإحسان وجهان ذكرهما الزَّجَّاج :
أحدهما : أن الاتباع بالمعروف عائد إلى ولي المقتول أن يطالب بالدية بمعروف ، والأداء عائد إلى القاتل أن يؤدي الدية بإحسان .
والثاني : أنهما جميعاً عائدان إلى القاتل أن يؤدي الدية بمعروف وبإحسان .
ثم قال تعالى : { ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } يعني خيار الولي في القود أو الدية ، قال قتادة : وكان أهل التوراة يقولون : إنما هو قصاص أو عفو ليس بينهما أرش ، وكان أهل الإنجيل يقولون : إنما هو أرش أو عفو ليس بينهما قود ، فجعل لهذه الأمة القود والعفو والدية إن شاءوا ، أحلها لهم ولم تكن لأمة قبلهم ، فهو قوله تعالى : { ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِكُم وَرَحْمَةٌ } .
ثم قال تعالى : { فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } يعني مَنْ قَتَلَ بعد أَخْذِهِ الدية فله عذاب أليم ، وفيه أربعة تأويلات :
أحدها : أن العذاب الأليم هو أن يقتل قصاصاً ، وهو قول عكرمة ، وسعيد بن جبير ، والضحاك .
والثاني : أن العذاب الأليم هو أن يقتله الإمام حتماً لا عفو فيه ، وهو قول ابن جريج ، وروي أن النبي الله عليه وسلم كان يقول : « لاَ أُعَافِي رَجُلاً قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَّةِ
» . والثالث : أن العذاب الأليم هو عقوبة السلطان .
والرابع : أن العذاب الأليم استرجاع الدية منه ، ولا قود عليه ، وهو قول الحسن البصري .
قوله تعالى : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } فيه قولان :
أحدهما : إذا ذكره الظالم المعتدي ، كف عن القتل فحيي ، وهذا قول مجاهد وقتادة .
والثاني : أن إيجاب القصاص على القاتل وترك التعدي إلى من ليس بقاتل حياة للنفوس ، لأن القاتل إذا علم أن نفسه تؤخذ بنفس من قتله كف عن القتل فَحِيِيَ أن يقتل قوداً ، أو حَيِيَ المقتول أن يقتل ظلماً .
وفي المعنيين تقارب ، والثاني أعم ، وهو معنى قول السدي .
وقوله تعالى : { يَا أُولِي الألْبَابِ } يعني يا ذوي العقول ، لأن الحياة في القصاص معقولة بالاعتبار .
وقوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } قال ابن زيد : لعلك تتقي أن تقتله فتقتل به .
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182)
قوله عز وجل : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ } أي فرض عليكم ، وقوله : { إِذَا حَضَرَ } ليس يريد به ذكر الوصية عند حلول الموت ، لأنه في شغل عنه ، ولكن تكون العطية بما تقدم من الوصية عند حضور الموت ، ثم قال تعالى : { إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ } ، والخير : المال في قول الجميع ، قال مجاهد : الخير في القرآن كله المال . { إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } [ العاديات : 8 ] أي المال ، { إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبَّي } [ ص : 32 ] { فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهمِْ خَيْراً } [ النور : 33 ] وقال شعيب : { إِنِّي أرَاكُم بِخَيْرٍ } [ هود : 84 ] يعني الغنى والمال . (1/125)
واختلف أهل العلم في ثبوت حكم هذه الآية ، فذهب الجمهور من التابعين والفقهاء إلى أن العمل بها كان واجباً قبل فرض المواريث لئلا يضع الرجل ماله في البُعَدَاء طلباً للسمعة والرياء ، فلما نزلت آية المواريث في تعيين المستحقين ، وتقدير ما يستحقون ، نسخ بها وجوب الوصية ومنعت السنّة من جوازها للورثة ، وقال آخرون : كان حكمها ثابتاً في الوصية للوالدين ، والأقربين حق واجب ، فلما نزلت آي المواريث وفرض ميراث الأبوين نسخ بها الوصية للوالدين وكل وارث ، وبقي فرض الوصية للأقربين الذين لا يرثون على حالة ، وهذا قول الحسن ، وقتادة ، وطاوس ، وجابر بن زيد .
فإن أوصى بثُلُثهِ لغير قرابته ، فقد اختلف قائلو هذا القول في حكم وصيته على ثلاثة مذاهب :
أحدها : أن يرد ثلث الثلث على قرابته ويكون ثلثا الثلث لمن أوصى له به ، وهذا قول قتادة .
والثاني : أن يرد ثلثا الثلث على قرابته ويكون ثلثا الثلث لمن أوصى له به ، وهذا قول جابر بن زيد .
والثالث : أنه يريد الثلث كله على قرابته ، وهذا قول طاوس .
واختلف في قدر المال الذي يجب عليه أن يوصي منه على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه ألف درهم ، تأويلاً لقوله تعالى : { إِن تَرَكَ خَيْراً } أن الخير ألف درهم وهذا قول عليّ .
والثاني : من ألف درهم إلى خمسمائة درهم ، وهذا قول إبراهيم النخعي .
والثالث : أنه غير مقدر وأن الوصية تجب في قليل المال وكثيره ، وهذا قول الزهري .
ثم قال تعالى : { بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ } يحتمل قوله بالمعروف وجهين :
أحدهما : بالعدل الوسط الذي لا بخس فيه ولا شطط .
والثاني : يعني بالمعروف من ماله دون المجهول .
وقوله تعالى : { حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ } يعني بالتقوى من الورثة أن لا يسرف ، والأقربين أن لا يبخل ، قال ابن مسعود : الأجل فالأجل ، يعني الأحوج فالأحوج . وغاية ما لا سرف فيه : الثلث ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم « الثلث والثلث كثير
» . وروى الحسن أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وصّياً بالخمس وقالا يوصي بما رضي الله لنفسه ، : بالخمس ، وكان يقول : الخمس معروف ، والربع جهد ، والثلث غاية ما تجيزه القضاة .
ثم قال تعالى : { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ } يعني فَمَنْ غَيَّرَ الوَصِيَّةَ بعدما سمعها ، وإنما جُعِلَ اللفظ مذكراً وإن كانت الوصية مؤنثة لأنه أراد قول المُوصِي ، وقوله مذكر . { فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ } أي يسمعونه ويَعْدِلون به عن مستحقه ، إما ميلاً أو خيانة ، وللميت أجر قصده وثواب وصيته ، وإن غُيّرت بعده . (1/126)
قوله تعالى : { إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلَيمٌ } أي سميع لقول الموصِي ، عليم بفعل الوصي .
قوله عز وجل : { فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَينَهُم } اختلف المفسرون في تأويل ذلك ، على خمسة أقاويل :
أحدها : أن تأويله فمن حضر مريضاً ، وهو يوصي عند إشرافه على الموت ، فخاف أن يخطئ في وصيته ، فيفعل ما ليس له أو أن يتعمد جَوْراً فيها ، فيأمر بما ليس له ، فلا حرج على من حضره فسمع ذلك منه ، أن يصلح بينه وبين ورثته ، بأن يأمره بالعدل في وصيته ، وهذا قول مجاهد .
والثاني : أن تأويلها فمن خاف من أوصياء الميت جنفاً في وصيته ، فأصلح بين ورثته وبين المُوصَى لهم فيما أُوصِيَ به لهم حتى رد الوصية إلى العدل ، فلا إثم عليه ، وهذا قول ابن عباس ، وقتادة .
والثالث : أن تأويلها فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً في عطيته لورثته عند حضور أجله ، فأعطى بعضاً دون بعض ، فلا إثم عليه أن يصلح بين ورثته في ذلك ، وهذا قول عطاء .
والرابع : أن تأويلها فمن خاف من موصٍ جنفاً ، أو إثماً في وصيته لغير ورثته ، بما يرجع نفعه إلى ورثته فأصلح بين ورثته ، فلا إثم عليه ، وهذا قول طاووس .
والخامس : أن تأويلها فمن خاف من موصٍ لآبائه وأقربائه جنفاً على بعضهم لبعض ، فأصلح بين الآباء والأقرباء ، فلا إثم عليه ، وهذا قول السدي .
وفي قوله تعالى : { جَنَفاً أَوْ إِثْماً } تأويلان :
أحدهما : أن الجنف الخطأ ، والإثم العمد ، وهذا قول السدي .
والثاني : أن الجنف الميل ، والإثم أن يكون قد أثم في أَثَرةِ بعضهم على بعض ، وهذا قول عطاء وابن زيد .
والجنف في كلام العرب هو الجَوْرُ والعُدُولِ عن الحق ، ومنه قول الشاعر :
هم المولى وهمْ جنفوا علينا ... وإنا من لقائهمُ لَزُورُ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)
قوله عز وجل : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ } بمعنى فرض عليكم الصيام ، والصيام من كل شيء الإمساك عنه ، ومن قوله تعالى : { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً } أي صمتاً ، لأنه إمساك عن الكلام ، وذم أعرابي قوماً فقال : يصومون عن المعروف ويقصون على الفواحش ، وأصله مأخوذ من صيام الخيل ، وهو إمساكها عن السير والعلف ، قال النابغة الذبياني : (1/127)
خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللُّجما
ولذلك قيل لقائم الظهيرة : قد صام النهار ، لإبطاء الشمس فيه عن السير ، فصارت بالإبطاء كالممسكة عنه ، قال الشاعر :
فدعها وسَلِّ الهمَّ عنك بجَسْرةٍ ... ذمولٍ إذا صام النهار وهجّرا
إلا أن الصيام في الشرع : إنما هو إمساك عن محظورات الصيام في زمانه ، فجعل الصيام من أوكد عباداته وألزم فروضه ، حتى روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصَّومَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَلَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِندَ اللهِ مَن رِيحِ المِسْكَ
» . وإنما اختص الصوم بأنه له ، وإن كان كل العبادات له ، لأمرين بَايَنَ الصومُ بِهِمَا سائِرَ الْعِبَادَاتِ :
أحدهما : أن الصوم منع من مَلاَذِّ النفس وشهواتها ، ما لا يمنع منه سائر العبادات .
والثاني : أن الصوم سر بين العبد وربه لا يظهر إلا له ، فلذلك صار مختصاً به ، وما سواه من العبادات ظاهر ، ربما فعله تصنّعاً ورياء ، فلهذا صار أخص بالصوم من غيره .
ثم قال تعالى : { كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم النصارى ، وهو قول الشعبي والربيع وأسباط .
والثاني : أنهم أهل الكتاب ، وهو قول مجاهد .
والثالث : أنهم جميع الناس ، وهو قول قتادة .
واختلفوا في موضع التشبيه بين صومنا ، وصوم الذين من قبلنا ، على قولين :
أحدهما : أن التشبيه في حكم الصوم وصفته ، لا في عدده لأن اليهود يصومون من العتمة إلى العتمة ، ولا يأكلون بعد النوم شيئاً ، وكان المسلمون على ذلك في أول الإسلام ، لا يأكلون بعد النوم شيئاً حتى كان من شأن عمر بن الخطاب وأبي قيس بن صرمة ما كان ، فأجلّ الله تعالى لهم الأكل والشرب ، وهذا قول الربيع بن أنس ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « بَيْنَ صَومِنَا وَصَومِ أهلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ
» . والقول الثاني : أن التشبيه في عدد الصوم ، وفيه قولان :
أحدهما : أن النصارى كان الله فرض عليهم صيام ثلاثين يوماً كما فرض علينا ، فكان ربما وقع في القيظ ، فجعلوه في الفصل بين الشتاء والصيف ، ثم كفّروه بصوم عشرين يوماً زائدة ، ليكون تمحيصاً لذنوبهم وتكفيراً لتبديلهم ، وهذا قول الشعبي .
والثاني : أنهم اليهود كان عليهم صيام ثلاثة أيام من كل يوم عاشوراء ، وثلاثة أيام من كل شهر ، فكان على ذلك سبعة عشر شهراً إلى أن نسخ بصوم رمضان ، قال ابن عباس : كان أول ما نسخ شأن القبلة والصيام الأول . (1/128)
وفي قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } قولان :
أحدهما : لعلكم تتقون ما حرم عليكم في الصيام ، من أكل الطعام ، وشرب الشراب ، ووطء النساء ، وهو قول أبي جعفر الطبري .
والثاني : معناه أن الصوم سبب يؤول بصاحبه إلى تقوى الله ، لما فيه من قه النفس ، وكسر الشهوة ، وإذهاب الأشر ، وهو معنى قول الزجاج .
قوله عز وجل : { أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ } فيها قولان :
أحدهما : أنها أيام شهر رمضان التي أبانها من بعد ، وهو قول ابن أبي ليلى وجمهور المفسرين .
والثاني : أنها صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، كانت مفروضة قبل صيام شهر رمضان ، ثم نسخت به ، وهو قول ابن عباس ، وقتادة وعطاء ، وهي الأيام البيض من كل شهر ، وفيها وجهان :
أحدهما : أنه الثاني عشر وما يليه .
الوجه الثاني : أنها الثالث عشر وما يليه ، وهو أظهر الوجهين ، لأن أيام الشهر مجزأة عند العرب عشرة أجزاء ، كل جزء منها ثلاثة أيام ، تختص باسم ، فأولها ثلاث غرر ، ثم ثلاث شهب ، ثم ثلاث بهر ، ثم ثلاث عشر ، ثم ثلاث بيض ، ثم ثلاث درع ، والدرع هو سواد مقدم الشاة ، وبياض مؤخرها ، فقيل لهذه الثلاث درع ، لأن القمر يغيب في أولها ، فيصير ليلها درعاً ، لسواد أوله ، وبياض آخره ، ثم ثلاث خنس ، لأن القمر يخنس فيها ، أي يتأخر ، ثم ثلاث دهم ، وقيل حنادس لإظلامها ، ثم ثلاث فحم ، لأن القمر يتفحم فيها ، أي يطلع آخر الليل ، ثم ثلاث رادي ، وهي آخر الشهر ، مأخوذة من الرادة ، أن تسرع نقل أرجلها حتى تضعها في موضع أيديها .
وقد حكى أبو زيد ، وابن الأعرابي ، أنهم جعلوا للقمر في كل ليلة من ليالي العشر اسماً ، فقالوا ليلة عتمة سخيلة حل أهلها برميلة ، وابن ليلتين حديث مين مكذب ومبين ، ورواه ابن الأعرابي كذب ومين ، وابن ثلاث قليل اللباث ، وابن أربع عتمة ربع لا جائع ولا مرضع ، وابن خمس حديث وأنس ، وابن ست سِرْ وبِتْ ، وابن سبع دلجة الضبع ، وابن ثمان قمر إضحيان ، وابن تسع انقطع الشسع . وفي رواية غير أبي زيد : يلتقط فيه الجزع ، وابن عشر ثلث الشهر ، عن أبي زيد وعن غيره ، ولم يجعل له فيما زاد عن العشر اسماً مفرداً .
واختلفوا في الهلال متى يصير قمراً ، فقال قوم يسمى هلالا لليلتين ، ثم يُسَمَّى بعدها قمراً ، وقال آخرون يسمى هلالاً إلى ثلاث ، ثم يسمى بعدها قمراً ، وقال آخرون يسمى هلالاً إلى ثلاث ، ثم يسمى بعدها قمراً ، وقال آخرون يسمى هلالاً حتى يحجر ، وتحجيره أن يستدير بِخَطَّةٍ دقيقة ، وهو قول الأصمعي ، وقال آخرون يسمى هلالاً إلى أن يبهر ضوؤه سواد الليل ، فإذا بهر ضوؤه يسمى قمراً ، وهذا لا يكون إلا في الليلة السابعة .
[ ثم عدنا إلى تفسير ما بقي من الآية ] . (1/129)
قوله تعالى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ } يعني مريضاً لا يقدر مع مرضه على الصيام ، أو على سفر يشق عليه في سفره الصيام .
{ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } فيه قولان :
أحدهما : أنه مع وجود السفر ، يلزمه القضاء سواء صام في سفره أو أفطر ، وهذا قول داود الظاهري .
والثاني : أن في الكلام محذوفاً وتقديره : فأفطر فعدة من أيام أخر ، ولو صام في مرضه وسفره لم يعد ، لكون الفطر بهما رُخْصَة لا حتماً ، وهذا قول الشافعي ، ومالك ، وأبي حنيفة ، وجمهور الفقهاء .
ثم قال تعالى : { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهٌ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } هكذا قرأ أكثر القراء ، وقرأ ابن عباس ، ومجاهد : { وَعَلَى الَّذِينَ لاَ يَطِيقُونَهُ فدية } ، وتأويلها : وعلى الذين يكلفونه ، فلا يقدرون على صيامه لعجزهم عنه ، كالشيخ والشيخة والحامل والمرضع ، فدية طعام مسكين ، ولا قضاء عليهم لعجزهم عنه . وعلى القراءة المشهورة فيها تأويلان :
أحدهما : أنها وردت في أول الإسلام ، خيّر الله تعالى بها المطيقين للصيام من الناس كلهم بين أن يصوموا ولا يكفروا ، وبين أن يفطروا ويكفروا كل يوم بإطعام مسكين ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } ، وقيل بل نسخ بقوله : { وَأَنْ تَصُومُوا خَيرٌ لَّكُم } ، وهذا قول ابن عمر ، وعكرمة ، والشعبي ، والزهري ، وعلقمة ، والضحاك .
والثاني : أن حكمها ثابت ، وأن معنى قوله تعالى : { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } أي كانوا يطيقونه في حال شبابهم ، وإذا كبروا عجزوا عن الصوم لكبرهم أن يفطروا ، وهذا سعيد بن المسيب ، والسدي .
ثم قال تعالى : { فَمَنْ تَطَوَّعَ خيراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ } فيه تأويلان :
أحدهما : فمن تطوع بأن زاد على مسكين واحد فهو خير له وهذا قول ابن عباس ومجاهد وطاووس والسدي .
والثاني : فمن تطوع بأن صام مع الفدية فهو خير له وهذا قول الزهري ورواية ابن جريج عن مجاهد .
ثم قال تعالى : { وَاَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُم } يحتمل تأويلين :
أحدهما : أن الصوم في السفر خير من الفطر فيه والقضاء بعده .
والثاني : أن الصوم لمطيقه خير وأفضل ثواباً من التكفير لمن أفطر بالعجز .
{ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : إن كنتم تعلمون ما شَرَّعْتُه فيكم وَبَيَّنْتُه من دينكم .
والثاني : إن كنتم تعلمون فضل أعمالكم وثواب أفعالكم .
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)
قوله تعالى : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ } أما الشهر فمأخوذ من الشهرة ، ومنه قيل قد شهر فلان سيفه ، إذا أخرجه ، وأما رمضان فإن بعض أهل اللغة يزعم أنه سمي بذلك ، لشدة ما كان يوجد فيه من الحر حتى ترمض فيه الفصال ، كما قيل لشهر الحج ذو الحجة ، وقد كان شهر رمضان يسمى في الجاهلية ناتقاً . (1/130)
وأما مجاهد فإنه كان يكره أن يقال رمضان ، ويقول لعله من أسماء الله عز وجل .
وفي إنزاله قولان :
أحدهما : أن الله تعالى أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في شهر رمضان في ليلة القدر منه ، ثم أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم ، على ما أراد إِنْزَالَهُ عليه .
روى أبو مسلم عن وائلة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان ، وأُنْزِلتِ التوراةُ لست مضين من رمضان ، وأُنْزِلَ الإنجيلُ لثلاث عشرة خلت من رمضان ، وأُنْزِلَ القرآن لأربع وعشرين من رمضان .
والثاني : أنه بمعنى أنزل القرآن في فرض صيامه ، وهو قول مجاهد .
قوله تعالى : { هُدًى لِلنَّاسِ } يعني رشاداً للناس .
{ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } أي بينات من الحلال والحرام ، وفرقان بين الحق والباطل .
{ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } الشهر لا يغيب عن أحد ، وفي تأويله ثلاثة أقاويل :
أحدها : فمن شهد أول الشهر ، وهو مقيم فعليه صيامه إلى آخره ، وليس له أن يفطر في بقيته ، وهذا قول عليّ ، وابن عباس ، والسدي .
والثاني : فمن شهد منكم الشهر ، فليصم ما شهد منه وهو مقيم دون ما لم يشهده في السفر ، وهذا قول سعيد بن المسيب والحسن البصري .
والثالث : فمن شهد بالغاً عاقلاً مُكَلَّفاً فليصمه ، ولا يسقط صوم بقيته إذا جُن فيه ، وهذا قول أبي حنيفة ، وصاحبيه .
{ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرْ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } وإنما أعاد ذكر الفطر بالمرض والسفر مع قرب ذكره من قبل ، لأنه في حكم تلك الآية منسوخاً ، فأعاد ذكره ، لِئَلاَّ يصير بالمنسوخ مقروناً ، وتقديره فمن كان مريضاً أو على سفر في شهر رمضان فأفطر ، فعليه عدة ما أفطر منه ، أن يقضيه من بعده .
واختلفوا في المرض الذي يجوز معه الفطر في شهر رمضان ، على ثلاثة مذاهب :
أحدها : أنه كل مرضٍ لم يطق الصلاة معه قائماً ، وهذا قول الحسن البصري .
والثاني : أنه المرض الذي الأغلب من أمر صاحبه بالصوم الزيادة في علته زيادة غير محتملة ، وهو قول الشافعي .
والثالث : أنه كل مرض انطلق عليه اسم المرض ، وهو قول ابن سيرين .
فأما السفر ، فقد اختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب :
أحدها : أنه ما انطلق اسم السفر من طويل أو قصير ، وهذا قول داود .
والثاني : أنه مسيرة ثلاثة أيام ، وهو قول أبي حنيفة . (1/131)
واختلفوا في وجوب الفطر فيه على قولين :
أحدهما : أنه واجب وهو قول ابن عباس .
والثاني : أنه مباح ، وهو قول الجمهور .
ثم قال تعالى : { يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } قال ابن عباس : اليسر الإفطار ، والعسر الصيام في السفر ، ونحوه عن مجاهد وقتادة .
{ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّة } يعني عدة ما أفطر ثم في صيام شهر رمضان بالقضاء في غيره .
{ ولِتُكّبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } قيل إنه تكبير الفطر من أول الشهر .
وقوله : { عَلَى مَا هَدَاكُمْ } يعني من صيام شهر رمضان ، ويحتمل أن يكون على عموم ما هدانا إليه من دينه .
{ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : تشكرون على هدايته لكم .
والثاني : على ما أنعم به من ثواب طاعته ، والله أعلم .
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)
قوله تعالى : { وَإذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } اختلف أهل التأويل في سبب نزول هذه الآية ، على أربعة أقاويل : (1/132)
أحدها : أنها نزلت في سائل سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد أقريبٌ ربنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه؟ فأُنْزِلَتْ هذه الآية ، وهو قول الحسن البصري .
والثاني : أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أي ساعة يدعون الله فيها ، وهذا قول عطاء والسدي .
والثالث : أنها نزلت جواباً لقوم قالوا : كيف ندعو؟ ، وهذا قول قتادة .
والرابع : أنها نزلت في قوم حين نَزَلَ قولُه تعالى : { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } قالوا : إلى أين ندعوه؟ ، وهذا قول مجاهد .
وفي قوله تعالى : { قَرِيبٌ } تأويلان :
أحدهما : قريب الإجابة .
والثاني : قريب من سماع الدعاء .
وفي قوله تعالى : { أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ } تأويلان :
أحدهما : معناه أسمع دعوة الداعي إذا دعاني ، فعبر عن السماع بالإجابة ، لأن السماع مقدمة الإجابة .
والثاني : أنه أراد إجابة الداعي إلى ما سأل ، ولا يخلو سؤال الداعي أن يكون موافقاً للمصلحة أو مخالفاً لها ، فإن كان مخالفاً للمصلحة لم تجز الإجابة إليه ، وإن كان موافقاً للمصلحة ، فلا يخلو حال الداعي من أحد أمرين : إما أن يكون مستكملاً شروط الطلب أو مقصوراً فيها :
فإن استكملها جازت إجابته ، وفي وجوبها قولان :
أحدهما : أنها واجبة لأنها تجري مجرى ثواب الأعمال ، لأن الدعاء عبادة ثوابها الإجابة .
والثاني : أنها غير واجبة لأنها رغبة وطلب ، فصارت الإجابة إليها تفضلاً .
وإن كان مقصوراً في شروط الطلب لم تجب إجابته ، وفي جوازها قولان :
أحدهما : لا تجوز ، وهوقول من أوجبها مع استكمال شروطها .
والثاني : تجوز ، وهو قول من لم يوجبها مع استكمال شروطها .
وفي قوله تعالى : { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي } أربعة تأويلات :
أحدها : أن الإستجابة بمعنى الإجابة ، يقال استجبت له بمعنى أجبته ، وهذا قول أبي عبيدة ، وأنشد قول كعب بن سعد الغنوي :
وداعٍ دَعَا : يا من يجيب إلي الندا ... فلم يستجبه عند ذلك مجيب
أي فلم يجبه .
والثاني : أن الإستجابة طلب الموافقة للإجابة ، وهذا قول ثعلب .
والثالث : أن معناه فليستجيبوا إليَّ بالطاعة .
والرابع : فليستجيبوا لي ، يعني فليدعوني .
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)
قوله تعالى : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَآئِكُمْ } كان ابن مسعود يقرأ الرفث والرفوث جميعاً ، وهو الجماع في قوله ، وأصله فاحش القول ، كما قال العجاج : (1/133)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... عن اللغا ورفث الكلام
فيكنى به عن الجماع ، لأنه إذا ذُكِرَ في غير موضعه كان فحشاً .
وفي قوله تعالى : { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } ثلاث تأويلات :
أحدها : بمنزلة اللباس ، لإفضاء كل واحد منهما إلى صاحبه ، يستتر به كالثوب الملبوس ، كما قال النابغة الجعدي :
إذا ما الضجيج ثنى عطفها ... تثنت عليه فصارت لباساً
والثاني : أنهم لباس يعني السكن لقوله تعالى { وجعلنا الليل لباساً } [ النبأ : 10 ] أي سكناً ، وهذا قول مجاهد وقتادة والسدي .
قوله تعالى : { عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ } سبب هذه الخيانة التي كان القوم يختانون أنفسهم ، شيئان :
أحدهما : إتيان النساء .
الثاني : الأكل والشرب ، وذلك أن الله تعالى أباح في أول الإسلام الأكل والشرب والجماع في ليل الصيام قبل نوم الإنسان ، وحرّمه عليه بعد نومه ، حتى جاء عمر بن الخطاب ذات ليلة من شهر رمضان ، يريد امرأته ، فقالت له : إني قد نمتُ ، وظن أنها تعتل عليه ، فوقع بها ، وجاء أبو قيس ابن صرمة ، وكان يعمل في أرض له ، فأراد الأكل ، فقالت له امرأته : نسخّر لك شيئاً ، فغلبته عيناه ، ثم أحضرت إليه الطعام ، فلم يأكل منه فلما أصبح لاقى جهداً . وأخبر عمر وأبو قيس رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان منهما ، فأنزل الله تعالى : { عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ } . { فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ } فيه تأويلان :
أحدهما : العفو عن ذنوبهم .
والثاني : العفو عن تحريم ذلك بعد النوم .
ثم قال تعالى : { فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ } يريد به الجماع ، لأن أصل المباشرة من إلصاق البشرة بالبشرة ، وكان ذلك منه بياناً لما كان في جماع عمر .
وفي قوله تعالى : { وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ } ثلاثة أقوال :
أحدها : طلب الولد ، وهو قول مجاهد ، وعكرمة ، والسدي .
والثاني : ليلة القدْر ، وهو قول ابن عباس ، وكان يقرأ { وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ } .
والثالث : ما أحل الله تعالى لكم ورخص فيه ، وهذا قول قتادة .
ثم قال تعالى فيما كان من شأن أبي قيس بن صرمة : { وَكُلُواْ واشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ } اختلف في المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود ، على ثلاثة أقاويل :
أحدها : ما رواه سهل بن سعد قال : لما نزلت { فَكُلُواْ واشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ } ، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ، فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما ، فأنزل الله تعالى بعدُ { مِنَ الْفَجْرْ } ، فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار .
والقول الثاني : أنه يريد بالخيط الأبيض ضوء النهار ، وهو الفجر الثاني ، وبالخيط الأسود سواد الليل قبل الفجر الثاني . وروى الشعبي عن عدي بن حاتم : أنه عند إلى خيطين أبيض وأسود ، وجعلهما تحت وسادته ، فكان يراعيهما في صومه ، ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « إنَّكَ لَعَرِيضُ الْوِسَادِةِ ، إِنَّمَا هُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيلِ » . وسُمِّيَ خيطاً ، لأن أول ما يبدو من البياض ممتد كالخيط ، قال الشاعر : (1/134)
الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق ... والخيط الأسْودُ لون الليل مكتومُ
والخيط في كلامهم عبارة عن اللون .
والثالث : ما حكي عن حذيفة بن اليمان أن الخيط الأبيض ضوء الشمس ، ورويَ نحوُهُ عن عليّ وابن مسعود . وقد روى زَرٌ بن حبيش عن حذيفة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتسحر وأنا أرى مواقع النبل ، قال : قلت بعد الصبح؟ قال : هو الصبح إلا أنه لم تطلع الشمس ، وهذا قول قد انعقد الإجماع على خلافه ، وقد روى سوادة بن حنظلة عن سَمُرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لاَ يَمْنَعَنَّكُم مِنْ سُحُورِكُم أذانُ بِلالٍ وَلاَ الفَجْرُ المُسْتَطِيلُ وَلَكِن الفَجْرُ المُسْتَطِيرُ فِي الأُفُقِ » . وروى الحارث بن عبد الرحمن عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « الفَجْرُ فَجْرَانِ ، فَالَّذِي كَأَنَّهُ ذَنَبُ السرحانِ لاَ يُحرِّمُ شَيْئاً ، وَأَمَّا الْمُسْتَطِيرُ الّذِي يَأْخُذُ الأُفُقَ فَإِنَّهُ يُحِلُّ الصَّلاَةَ وَيُحَرِّمُ الطَّعَامَ
» . فأما الفجر ، فإنه مصدر من قولهم فَجَرَ الماءُ يَفْجُرُ فَجْراً ، إذا جرى وانبعث ، فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها : ( فجر ) لانبعاث ضوئه ، فيكون زمان الصوم المجمع على تحريم الطعام والشراب فيه وإباحته فيما سواه : ما بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس .
روى عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أَعْظَمُ الصَّائِمينَ أَجْراً أَقْرَبُهُم منَ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ إِفْطَاراً
» . { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ } يعني به غروب الشمس .
وفي قوله تعالى : { وَلاَ تُبَاشِرُوهُنََّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } تأويلان :
أحدهما : عني بالمباشرة الجماع ، وهو قول الأكثرين .
والثاني : ما دون الجماع من اللمس والقبلة ، قاله ابن زيد ومالك .
{ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ } أي ما حرم ، وفي تسميتها حدود الله وجهان :
أحدهما : لأن الله تعالى حدها بالذكر والبيان .
والثاني : لما أوجبه في أكثر المحرمات من الحدود .
وقوله تعالى : { كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ ءَيَاتِهِ لِلنَّاسِ } فيه وجهان :
أحدهما : يعني بآياته علامات متعبداته .
والثاني : أنه يريد بالآيات هنا الفرائض والأحكام .
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)
{ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ } فيه تأويلان : (1/135)
أحدهما : بالغصب والظلم .
والثاني : بالقمار والملاهي .
{ وَتُدْلُواْ بِهَآ إِلَى الْحُكَّامِ } مأخوذ من إدلاء الدلو إذا أرسلته .
ويحتمل وجهاً ثانياً معناه : وتقيموا الحجة بها عند الحاكم ، من قولهم : قد أدلى بحجته إذا قام بها .
وفي هذا المال قولان :
أحدهما : أنه الودائع وما لا تقوم به بينة من سائر الأموال التي إذا جحدها ، حكم بجحوده فيها .
والثاني : أنها أموال اليتامى التي هو مؤتمي عليها .
{ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِاْلإِثْمِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : لتأكلوا بعض أموال الناس بالإثم ، فعبر عن البعض بالفريق .
والثاني : على التقديم والتأخير ، وتقديره : لتأكلوا أموال فريق من الناس بالإثم .
وفي ( أكله ) ثلاثة أوجه :
أحدها : بالجحود .
والثاني : بشهادة الزور .
والثالث : برشوة الحكام .
{ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } يحتمل وجهين :
أحدهما : وأنتم تعلمون أنها للناس .
والثاني : وأنتم تعلمون أنها إثم .
قال مقاتل : نزلت هذه الآية في امرئ القيس الكندي ، وعبدان بن ربيعة الحضرمي ، وقد اختصما في أرض كان عبدان فيها ظالماً وامرؤ القيس مظلوماً ، فأراد أن يحلف ، فنزلت هذه الآية ، فكفّ عن اليمين .
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)
قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَيِ الأَهِلَّةِ } سبب نزولها ، أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غَنَمة ، وهما من الأنصار ، سألا النبي صلى الله عليه وسلم عن زيادة الأهلة ونشأتها ، فنزلت هذه الآية ، وأُخِذَ اسم الهلال من استهلال الناس برفع أصواتهم عند رؤيته ، والمواقيت : مقادير الأوقات لديونهم وحجهم ، ويريد بالأهلة وشهورها ، وقد يعبّر عن الهلال بالشهر لحوله فيه ، قال الشاعر : (1/136)
أخوان من نجدٍ على ثقةٍ ... والشهرُ مثلُ قلامةِ الظُّفرِ
حتى تكامل في استدارته ... في أربع زادت على عشر
ثم قال تعالى : { وَلَيْسَ الْبِّرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا } فيه ستة أقاويل :
أحدها : أن سبب نزول ذلك ، ما روى داود عن قيس بن جبير : أن الناس كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا حائطاً من بابه ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم داراً ، وكان رجل من الأنصار يقال له رفاعة بن أيوب ، فجاء فتسور الحائط على رسول الله ، فلما خرج من باب الدار خرج رفاعة ، فقال رسول الله : « مَا حَمَلَكَ عَلَى ذلِكَ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ رَأَيْتُكَ خَرَجْتَ مِنْهُ فَخَرَجْتُ مِنْهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ : إنّي رَجُلٌ أَحْمَسُ فَقَالَ : إِنْ تَكُنْ أَحْمَسَ فَدِيْنُنَا وَاحِدٌ » فأنزل الله تعالى : { لَيْسَ البِرُّ } الآية ، وهذا قول ابن عباس ، وقتادة ، وعطاء ، وقوله : أحمس يعني من قريش ، كانوا يُسَمَّونَ ( الحُمْسَ ) لأنهم تحمسوا في دينهم أي تشددوا ، والحَمَاسَةُ الشدة ، قال العجاج :
وكمْ قَطَعْنا مِنْ قِفافٍ حُمْسِ ... أي شداد .
والقول الثاني : عنى بالبيوت النساء ، سُمِّيَتْ بيوتاً للإيواء إليهن ، كالإيواء إلى البيوت ، ومعناه : لا تأتوا النساء من حيث لا يحل من ظهورهن ، وأتوهن من حيث يحل من قُبُلهن ، قاله ابن زيد .
والثالث : أنه في النسيء وتأخير الحج به ، حين كانوا يجعلون الشهر الحلال حراماً بتأخير الحج ، والشهر الحرام حلالاً بتأخير الحج عنه ، ويكون ذكر البيوت وإتيانها من ظهورها مثلاً لمخالفة الواجب في الحج وشهوره ، والمخالفة إتيان الأمر من خلفه ، والخلف والظهر في كلام العرب واحد ، حكاه ابن بحر .
والرابع : أن الرجل كان إذا خرج لحاجته ، فعاد ولم ينجح لم يدخل من بابه ، ودخل من ورائه ، تطيراً من الخيبة ، فأمرهم الله أن يأتوا بيوتهم من أبوابها .
والخامس : معناه ليس البر أن تطلبوا الخير من غير أهله ، وتأتوه من غير بابه ، وهذا قول أبي عبيدة .
والقول السادس : أنه مثلٌ ضَربه الله عز وجل لهم ، بأن يأتوا البر من وجهه ، ولا يأتوه من غير وجهه .
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)
قوله تعالى : { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } فيها قولان : (1/137)
أحدهما : أنها أول آية نزلت بالمدينة في قتال المشركين ، أُمِرَ المسلمون فيها بقتال مَنْ قاتلهم من المشركين ، والكف عمن كف عنهم ، ثم نُسِخَتْ بسورة براءة ، وهذا قول الربيع ، وابن زيد .
والثاني : أنها ثابتة في الحكم ، أُمِرَ فيها بقتال المشركين كافة ، والاعتداء الذي نهوا عنه : قتل النساء والولدان ، وهذا قول ابن عباس ، وعمر بن عبد العزيز ، ومجاهد . وفي قوله تعالى : { وَلاَ تَعْتَدُوا } ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الاعتداء قتال من لم يقاتل .
والثاني : أنه قتل النساء والولدان .
والثالث : أنه القتال على غير الدِّين .
قوله تعالى : { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } يعني حيث ظفرتم بهم ، { وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } يعني من مكة .
{ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ } يعني بالفتنة الكفر في قول الجميع ، وإنما سمي الكفر فتنة ، لأنه يؤدي إلى الهلاك كالفتنة .
{ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } فيه قولان :
أحدهما : أن ذلك منسوخ لأن الله تعالى قد نَهَى عن قتال أهل الحرم إلا أن يبدؤا بالقتال ، ثم نُسِخَ ذلك بقوله : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } ، وهذا قول قتادة .
والقول الثاني : أنها محكمة وأنه لا يجوز أن نبدأ بقتال أهل الحرم إلا أن يبدأوا بالقتال ، وهذا قول مجاهد .
الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)
قوله تعالى : { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ } في سبب نزولها قولان : (1/138)
أحدهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان قد أحرم بالعمرة في ذي القعدة سنة ست ، فصدّه المشركون عن البيت ، فصالحهم على أن يقضي في عامه الآخر ، فحل ورجع ، ثم اعتمر قاضياً في ذي القعدة سنة سبع ، وأحلّت له قريش مكة حتى قضى عمرته . فنزل قوله تعالى : { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ } يعني ذا القعدة الذي قضى فيه العمرة من عامه وهو من الأشهر الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم فيه ، وهو ذو القعدة في العام الماضي ، سمي ذو القعدة لقعود العرب فيه عن القتال لحرمته .
ثم قال تعالى : { وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ } لأن قريشاً فخرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صدّته ، فاقتص الله عز وجل له ، وهذا قول قتادة والربيع بن زيد .
والقول الثاني : أن سبب نزولها أن مشركي العرب ، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أَنُهِيتَ يا محمد عن قتالنا في الشهر الحرام؟ فقال نعم ، فأرادوا أن يقاتلوه في الشهر الحرام ، فأنزل الله تعالى : { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ } أي إن استحلوا قتالكم في الشهر الحرام ، فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم ، وهذا قول الحسن البصري .
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)
قوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ } يعني الجهاد . (1/139)
{ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُم إِلى التَّهْلُكَةِ } وفي الباء قولان :
أحدهما : أنها زائدة ، وتقديره ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة .
والقول الثاني : أنها غير زائدة أي ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة ، والتهلكة والهلاك واحد .
وفي : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُم إِلى التَّهْلُكَةِ } ستة تأويلات :
أحدها : أن تتركوا النفقة في سبيل الله تعالى ، فتهلكوا بالإثم ، وهذا قول بن عباس ، وحذيفة .
والثاني : أي لا تخرجوا بغير زاد ، فتهلكوا بالضعف ، وهذا قول زيد ابن أسلم .
والثالث : أي تيأسوا من المغفرة عند ارتكاب المعاصي ، فلا تتوبوا ، وهذا قول البراء بن عازب .
والرابع : أن تتركوا الجهاد في سبيل الله ، فتهلكوا ، وهذا قول أبي أيوب الأنصاري .
والخامس : أنها التقحم في القتال من غير نكاية في العدو ، وهذا قول أبي القاسم البلخي .
والسادس : أنه عام محمول على جميع ذلك كله ، وهو قول أبي جعفر الطبري .
ثم قال تعالى : { وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنه عنى به الإحسان في آداء الفرائض ، وهو قول بعض الصحابة .
والثاني : وأحسنوا الظن بالقَدَرِ ، وهو قول عكرمة .
والثالث : عُودُوا بالإحسان على مَنْ ليس بيده شيء ، وهذا قول زيد بن أسلم .
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)
قوله تعالى : { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ } وقرأ ابن مسعود فيما رواه عنه علقمة : { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ بِالْبَيتِ } واختلفوا في تأويل إتمامها على خمسة أقاويل : (1/140)
أحدها : يعني وأتموا الحج لمناسكه وسننه ، وأتموا العمرة بحدودها وسنتها ، وهذا قول مجاهد ، وعلقمة بن قيس .
والثاني : أن إتمامهما أَنْ تُحْرِمَ بهما من دُوَيْرَةِ أهلك ، وهذا قول علي ، وطاوس ، وسعيد بن جبير .
والثالث : أن إتمام العمرة ، أن نخدم بها في غير الأشهر الحرم ، وإتمام الحج أن تأتي بجميع مناسكه ، حتى لا يلزم دم لجبران نقصان ، وهذا قول قتادة .
والرابع : أن تخرج من دُوَيْرَةِ أهلك ، لأجلهما ، لا تريد غيرهما من تجارة ، ولا مكسب ، وهذا قول سفيان الثوري .
والخامس : أن إتمامهما واجب بالدخول فيهما ، وهذا قول الشعبي ، وأبي بردة ، وابن زيد ، ومسروق .
ثم قال تعالى : { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } في هذا الإحصار قولان :
أحدهما : أنه كل حابس من عدوّ ، أو مرض ، أو عذر ، وهو قول مجاهد ، وقتادة ، وعطاء ، وأبي حنيفة .
والثاني : أنه الإحصار بالعدوّ ، دون المرض ، وهو قول ابن عباس ، وابن عمر ، وأنس بن مالك ، والشافعي .
وفي { فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } قولان :
أحدهما : شاةُ ، وهو قول ابن عباس ، والحسن ، والسدي ، وعلقمة ، وعطاء ، وأكثر الفقهاء .
والثاني : بدنة ، وهو قول عمر ، وعائشة ، ومجاهد ، وطاوس ، وعروة ، وجعلوه فيما استيسر من صغار البُدْن وكبارها .
وفي اشتقاق الهدي قولان :
أحدهما : أنه مأخوذ من الهدية .
والثاني : مأخوذ من قولهم هديتُه هَدْياً ، إذا سقته إلى طريق سبيل الرشاد .
ثم قال تعالى : { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُم حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } .
وفي محل هدي المحصر ، ثلاثة أقاويل :
أحدها : حيث أُحْصِر من حِلٍ أو حَرَم ، وهذا قول ابن عمر ، والمِسْوَر بن مخرمة ، وهارون بن الحكم ، وبه قال الشافعي .
والقول الثاني : أنه الحَرَم ، وهو قول عليّ ، وابن مسعود ومجاهد ، وبه قال أبو حنيفة .
والقول الثالث : أن مَحِلّهُ أن يتحلل من إحرامه بادئاً نسكه ، والمقام على إحرامه إلى زوال إحصاره ، وليس للمحرم أن يتحلل بالاحصار بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن كان إحرامُه بعمرة لم يَفُتْ وإن كان بحج قضاه بالفوات بعد الإحلال منه ، وهذا مروي عن ابن عباس ، وعائشة ، وبه قال مالك .
ثم قال تعالى : { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } معناه : فحلَقَ ، فعليه ذلك .
أما الصيام ففيه قولان :
أحدهما : صيام ثلاثة أيام ، وهذا قول مجاهد ، وعلقمة ، وإبراهيم ، والربيع ، وبه قال الشافعي .
والقول الثاني : صيام عشرة أيام كصيام المتمتع ، وهو قول الحسن وعكرمة .
وأما الصدقة ففيها قولان :
أحدهما : ستة مساكين ، وهو قول من أوجب صيام ثلاثة أيام .
والقول الثاني : إطعام عشرة مساكين ، وهو قول من أوجب صيام عشرة أيام . (1/141)
وأما النسك فشاة .
ثم قال تعالى : { فَإِذَا أَمِنتُم } وفيه تأويلان :
أحدهما : من خوفكم .
والثاني : من مرضكم .
{ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الْحَجِّ فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } اختلفوا في هذا المتمتع على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه المُحْصَرُ بالحج ، إذا حَلَّ منه بالإحصار ، ثم عاد إلى بلده متمتعاً بعد إحلاله ، فإذا قضى حجَّه في العام الثاني ، صار متمتعاً بإحلالٍ بيْن الإحْرَامَين ، وهذا قول الزبير .
والثاني : فمن نسخ حَجَّهُ بعمرة ، فاستمتع بعمرة بعد فسخ حَجِّهِ ، وهذا قول السدي .
والثالث : فمن قَدِمَ الحرم معتمراً في أشهر الحج ، ثم أقام بمكة حتى أحرم منها بالحج في عامِهِ ، وهذا قول ابن عباس ، وابن عمر ، ومجاهد ، وعطاء ، والشافعي .
وفي { فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } ما ذكرناه من القولين .
ثم قال تعالى : { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّمٍ فِي الْحَجِّ } اختلفوا في زمانها من الحج على قولين :
أحدهما : بعد إحرامه وقبل يوم النحر ، وهذا قول علي ، وابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وقتادة ، وطاوس ، والسدي ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، والشافعي في الجديد .
والثاني : أنها أيام التشريق ، وهذا قول عائشة ، وعروة ، وابن عُمر في رواية سالم عنه ، والشافعي في القديم .
واختلفوا في جواز تقديمها قبل الإحرام بالحج على قولين :
أحدهما : لا يجوز ، وهذا قول ابن عمر ، وابن عباس .
والثاني : يجوز .
واختلف قائلو ذلك في زمان تقديمه قبل الحج على قولين :
أحدهما : عشر ذي الحجة ، ولا يجوز قبلها ، وهو قول مجاهد ، وعطاء . والثاني : في أشهر الحج ، ولا يجوز قبلها ، وهو قول طاوس .
ثم قال تعالى : { وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } وفي زمانها قولان :
أحدهما : إذا رجعتم من حجكم في طريقكم ، وهو قول مجاهد .
والثاني : إذا رجعتم إلى أهليكم في أمصاركم ، وهو قول عطاء ، وقتادة ، وسعيد بن جبير ، والربيع .
ثم قال تعالى : { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أنها عشرة كاملة في الثواب كمن أهدى ، وهو قول الحسن .
والثاني : عشرة كَمَّلَت لكم أجر من أقام على إحرامه فلم يحل منه ولم يتمتع .
والثالث : أنه خارج مخرج الخبر ، ومعناه معنى الأمر ، أي تلك عشرة ، فأكملوا صيامها ولا تفطروا فيها .
والرابع : تأكيد في الكلام ، وهو قول ابن عباس .
ثم قال تعالى : { ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } وفي حاضريه أربعة أقاويل :
أحدها : أنهم أهل الحرم ، وهو قول ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وطاوس .
والثاني : أنهم مَن بيْن مكة والمواقيت ، وهو قول مكحول ، وعطاء .
والثالث : أنهم أهل الحَرَمِ ومَنْ قرُب منزله منه ، كأهل عرفة ، والرجيع ، وهو قول الزهري ، ومالك .
والرابع : أنهم مَن كان على مسافة لا يقصر في مثلها الصلاة ، وهو قول الشافعي .
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)
قوله تعالى : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُوماتٌ } اختلفوا في تأويله على ثلاثة أقاويل : (1/142)
أحدها : أنه شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة بأسرها ، وهذا قول قتادة ، وطاوس ، ومجاهد ، عن ابن عمر وهو مذهب مالك .
والثاني : هو شوال ، وذو القعدة ، وعشرة أيام من ذي الحجة ، وهذا قول أبي حنيفة .
والثالث : هن شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة ، إلى طلوع الفجر من يوم النحر ، وهو قول ابن عباس ، ومجاهد ، والشعبي ، والسدي ، ونافع ، عن ابن عمر ، وعطاء ، والضحاك ، والشافعي .
ثم قال تعالى : { فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } فيه تأويلان :
أحدهما : أنه الإهلال بالتلبية ، وهو قول عمر ومجاهد وطاوس .
والثاني : أنه الإحرام ، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة وعطاء ، والشافعي .
{ فَلاَ رَفَثَ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنه الجماع ، وهو قول ابن عمر ، والحسن ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وقتادة ، والزهري .
والثاني : أنه الجماع أو التعرض له بمُوَاعَدَةٍ أو مُدَاعَبَةٍ ، وهو قول الحسن البصري .
والثالث : أنه الإفْحَاشُ للمرأة في الكرم ، كقولك إذا أحللنا فعلنا بك كذا من غير كناية ، وهو قول ابن عباس ، وطاوس .
{ وَلاَ فُسُوقَ } فيه خمسة تأويلات :
أحدها : أنه فِعْلُ ما نُهِيَ عنه في الإحرام ، من قتل صيد ، وحلق شَعْر ، وتقليم ظفر ، وهو قول عبد الله بن عمر .
والثاني : أنه السباب ، وهو قول عطاء ، والسدي .
والثالث : أنه الذبح للأصنام ، وهو قول عبد الرحمن بن زيد .
والرابع : التنابز بالألقاب ، وهو قول الضحاك .
والخامس : أنه المعاصي كلها ، وهو قول ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وطاووس .
{ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِ } فيه ستة تأويلات :
أحدها : هو أن يجادل الرجل صاحبه ، يعني يعصيه ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد .
الثاني : هو السباب ، وهو قول ابن عمر وقتادة .
والثالث : أنه المِرَاءُ والاختلاف فِيمَنْ هو أَبَرُّهُم حَجّاً ، وهذا قول محمد بن كعب .
والرابع : أنه اختلاف كان يقع بينهم في اليوم الذي يكون فيه حجهم ، وهذا قول القاسم بن محمد .
والخامس : أنه اختلافهم في مواقف الحج ، أيهم المصيب موقف إبراهيم ، وهذا قول ابن زيد .
والسادس : أن معناه ألاّ جدال في وقته لاستقراره ، وإبطال الشهر الذي كانوا ينسؤونه في كل عام ، فربما حجوا في ذي القعدة ، وربما حجوا في صفر ، وهذا قول أبي جعفر الطبري .
وفي قوله تعالى : { وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } تأويلان :
أحدهما : تزوّدوا بالأعمال الصالحة ، فإن خير الزاد التقوى .
والثاني : أنها نزلت في قوم من أهل اليمن ، كانوا يحجون ولا يتزودون ، ويقولون : نحن المتوكلون ، فنزلت فيهم : { وَتَزَوَّدُوا } ، يعني من الطعام .
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)
قوله تعالى : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِكُمْ } روى ابن عباس قال : كان ذو المجاز وعكاظ متجرين للناس في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام تركوا ذلك ، حتى نزلت : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِكُمْ } وكان ابن الزبير يقرأ { فِي مَواقِيتِ الْحَجِّ } . (1/143)
{ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : معناه فإذا رجعتم من حيث بَدَأْتُم .
والثاني : أن الإفاضة : الدفع عن اجتماع ، كفيض الإناء عن امتلاء .
والثالث : أن الإفاضة الإسراع من مكان إلى مكان .
وفي { عَرَفَاتٍ } قولان :
أحدهما : أنها ( جمع ) عرفة .
والثاني : أنها اسم واحد وإن كان بلفظ الجمع . وهذا قول الزجاج .
واختلفوا في تسمية المكان عرفة على أربعة أقاويل :
أحدها : أن آدم عرف فيه حواء بعد أن أُهْبِطَا من الجنة .
والثاني : أن إبراهيم عرف المكان عند الرؤية ، لما تقدم له في الصفة .
والثالث : أن جبريل عرَّف فيه الأنبياء مناسكهم .
والرابع : أنه سُمِّيَ بذلك لعلو الناس فيه ، والعرب تسمي ما علا ( عرفة ) و ( عرفات ) ، ومنه سُمِّيَ عُرف الديك لعلوه .
{ فَاذْكُرُواْ اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } والمَشْعَرُ المَعْلَمُ ، سُمِّيَ بذلك ، لأن الدعاء عنده ، والمقام فيه من معالم الحج ، وحد المشعر ما بين منى ومزدلفة مِنْ حَد مفضي مَأزمَي عرفة إلى محسر ، وليس مأزماً عرفة من المشعر .
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)
قوله تعالى : { ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } فيه قولان : (1/144)
أحدهما : أنها نزلت في قريش ، وكانوا يسمون الحمس ، لا يخرجون من الحرم في حجهم ، ويقفون مزدلفة ، ويقولون نحن من أهل الله ، فلا نخرج من حرم الله ، وكان سائر العرب يقفون بعرفات ، وهي موقف إبراهيم عليه السلام ، فأنزل الله تعالى : { ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } يعني جميع العرب ، وهذا قول عائشة ، وعروة ، ومجاهد ، وقتادة .
والقول الثاني : أنها أمر لجميع الخلق من قريش وغيرهم ، أن يفيضوا من حيث أفاض الناس ، يعني بالناس إبراهيم ، وقد يعبر عن الواحد باسم الناس ، قال الله تعالى : « الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ » [ آل عمران : 173 ] وكان القائل واحداً ، وهو نعيم بن مسعود الأشجعي ، وهذا قول الضحاك .
وفي قوله تعالى : { وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تأويلان :
أحدهما : استغفروه من ذنوبكم .
والثاني : استغفروه مما كان من مخالفتكم في الوقت والإفاضة .
فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)
قوله تعالى : { فَإذَا قَضَيتُم مَّنَاسِكَكُمْ } أما المناسك ، فهي المتعبدات ، وفيها ها هنا تأويلان : (1/145)
أحدهما : أنها الذبائح ، وهذا قول مجاهد .
والثاني : ما أمروا بفعله في الحج ، وهذا قول الحسن البصري .
وفي قوله تعالى : { فَاذْكُرُواْ اللهَ } تأويلان :
أحدهما : أن هذا الذكر هو التكبير في أيام مِنى .
والثاني : أنه جميع ما سُنَّ من الأدعية في مواطن الحج كلها .
وفي قوله تعالى : { كَذِكْرِكُمْ ءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً } ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنهم كانوا إذا فرغوا من حجهم في الجاهلية جلسوا في منى حَلَقاً وافتخروا بمناقب آبائهم ، فأنزل الله تعالى ذكره { فَاذْكُرُواْ اللهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً } ، وهذا قول مجاهد ، وقتادة .
والثاني : أن معناه ، فاذكروا الله كذكركم الأبناء الصغار للآباء ، إذا قالوا : أبَهْ أُمَّه ، وهذا قول عطاء ، والضحاك .
والثالث : أنهم كانوا يدعون ، فيقول الواحد منهم : اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة ، عظيم القبّة ، كثير المال ، فاعطني مثل ما أعطيته ، فلا يذكر غير أبيه ، فأُمِرُوا بذكر الله ، كذكرهم آباءهم ، أو أشد ذكراً ، وهو قول السدي .
قوله تعالى : { وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الأَخِرَةِ حَسَنَةً } فيها أربعة تأويلات :
أحدها : أنه الحسنة العافية في الدنيا والآخرة ، وهو قول قتادة .
والثاني : أنها نِعَمُ الدنيا ونِعَمُ الآخرة ، وهو قول أكثر أهل العلم .
والثالث : أن الحسنة في الدنيا العلمُ ، والعبادة ، وفي الآخرة الجنة ، وهو قول الحسن ، والثوري .
والرابع : أن الحسنة في الدنيا المال ، وفي الآخرة الجنة ، وهو قول ابن زيد ، والسدي .
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)
قوله تعالى : { وَاذْكُرُواْ اللهَ فِي أيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ } هي أيام منى قول جميع المفسرين ، وإن خالف بعض الفقهاء في أن أشرك بين بعضها وبين الأيام المعلومات . (1/146)
{ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ } يعني تعجل النفْر الأول في اليوم الثاني من أيام منى .
{ وَمَن تَأَخَّرَ } يعني إلى النفْر الثاني ، وهو الثالث من أيام منى .
{ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ } وفي الإثم ها هنا ، خمسة تأويلات :
أحدها : أن من تعجل فلا إثم عليه في تعجله ، ومن تأخر فلا إثم عليه في تأخره ، وهذا قول عطاء .
والثاني : أن من تعجل في يومين ، فمغفور له ، لا إثم عليه ، ومن تأخر فمغفور له ، لا إثم عليه ، وهذا قول ابن مسعود .
والثالث : فلا إثم عليه ، إن اتّقى فيما بقي من عمره ، وهذا قول أبي العالية ، والسدي .
والرابع : فلا إثم عليه ، إن اتقى في قتل الصيد في اليوم الثالث ، حتى يحلّوا أيام التشريق ، وهذا قول ابن عباس .
والخامس : فلا إثم عليه ، إن اتقى إصابة ما نُهِي عنه ، فيغفر له ما سلف من ذنبه ، وهذا قول قتادة .
فأما المراد بذكر الله تعالى في الأيام المعدودات ، فهو التكبير فيها عقب الصلوات المفروضات ، وَاخْتُلِفَ فيه على أربعة مذاهب :
أحدها : أنه تكبير من بعد صلاة الصبح ، يوم عرفة ، إلى بعد صلاة العصر ، من آخر أيام التشريق ، وهذا قول علي رضي الله عنه ، وبه قال من الفقهاء أبو يوسف ، ومحمد .
والثاني : أنه تكبير من صلاة الفجر ، من يوم عرفة ، إلى صلاة العصر ، من يوم النحر ، وهذا قول ابن مسعود ، وبه قال من الفقهاء أو حنيفة .
والثالث : أنه يكبر من بعد صلاة الظهر ، من يوم النحر ، إلى بعد صلاة العصر ، من آخر أيام التشريق ، وهذا قول زيد بن ثابت .
والرابع : أنه يكبر من بعد صلاة الظهر ، من يوم النحر ، إلى آخر صلاة الصبح ، من آخر التشريق ، وهذا قول عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وبه قال من الفقهاء الشافعي .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)
قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةٍ الدُّنْيَا } فيه قولان : (1/147)
أحدهما : يعني من الجميل والخير .
والثاني : من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والرغبة في دينه .
{ وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن يقول : اللهم اشهد عليّ فيه ، وضميره بخلافه .
والثاني : معناه : وفي قلبه ما يشهد الله أنه بخلافه .
والثالث : معناه : ويستشهد الله على صحة ما في قلبه ، ويعلم أنه بخلافه . وهي في قراءة ابن مسعود { وَيَسْتَشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ } .
{ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ } والألد من الرجال الشديد الخصومة ، وفي الخصام قولان :
أحدهما : أنه مصدر ، وهو قول الخليل .
والثاني : أنه جمع خصيم ، وهو قول الزجاج .
وفي تأويل : { أَلَدُّ الْخِصَامِ } هنا أربعة أوجه :
أحدها : أنه ذو جدال ، وهو قول ابن عباس .
والثاني : يعني أنه غير مستقيم الخصومة ، لكنه معوجها ، وهذا قول مجاهد ، والسدي .
والثالث : يعني أنه كاذب ، في قول الحسن البصري .
والرابع : أنه شديد القسوة في معصية الله ، وهو قول قتادة .
وقد روى ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الأَلَدُّ الخَصَمُ
» . وفيمن قصد بهذه الآية وما بعدها قولان :
أحدهما : أنه صفة للمنافق ، وهذا قول ابن عباس ، والحسن .
والثاني : أنها نزلت في الأخنس بن شريق ، وهو قول السدي .
قوله تعالى : { وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ } في قوله تولى تأويلان :
أحدهما : يعني غضب ، حكاه النقاش .
والثاني : انصرف ، وهو ظاهر قول الحسن .
وفي قوله تعالى : { لِيُفْسِدَ فِيهَا } تأويلان :
أحدهما : يفسد فيها بالصد .
والثاني : بالكفر .
{ وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ } فيه تأويلان :
أحدهما : بالسبي والقتل .
والثاني : بالضلال الذي يؤول إلى السبي والقتل .
{ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ } معناه لا يحب أهل الفساد . وقال بعضهم لا يمدح الفساد ، ولا يثني عليه ، وقيل أنه لا يحب كونه ديناً وشرعاً ، ويحتمل : لا يحب العمل بالفساد .
قوله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ } فيه تأويلان :
أحدهما : معناه دعته العزة إلى فعل الإثم .
والثاني : معناه إذا قيل له اتق الله ، عزت نفسه أن يقبلها ، للإثم الذي منعه منها .
قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ } يشري نفسه أي يبيع ، كما قال تعالى : { وَشَرَوهُ بثَمَنٍ بَخْسٍ } [ يوسف : 20 ] أي باعوه ، قال الحسن البصري : العمل الذي باع به نفسه الجهاد في سبيل الله .
واخْتُلِفَ فيمن نزلت فيه هذه الآية ، على قولين :
أحدهما : نزلت في رجل ، أمر بمعروف ونهى عن منكر ، وقتل ، وهذا قول علي ، وعمر ، وابن عباس .
والثاني : أنها نزلت في صُهيب بن سنان اشترى نفسه من المشركين بماله كله ، ولحق بالمسلمين ، وهذا قول عكرمة .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)
قوله تعالى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السلْمِ كَآفَّةً } قرأ ابن كثير ، ونافع ، والكسائي بفتح السين ، والباقون بكسرها ، واختلف أهل اللغة في الفتح والكسر ، على وجهين : (1/148)
أحدهما : أنهما لغتان تستعمل كل واحدة منهما في موضع الأخرى .
والثاني : معناهما مختلف ، والفرق بينهما أن السِّلم بالكسر الإسلام ، والسَّلم بالفتح المسالمة ، من قوله تعالى : { وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } [ الأنفال : 61 ] وفي المراد بالدخول في السلم ، تأويلان :
أحدهما : الدخول في الإسلام ، وهو قول ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك .
والثاني : معناه ادخلوا في الطاعة ، وهو قول الربيع ، وقتادة .
وفي قوله : { كَافَّةً } تأويلان :
أحدهما : عائد إلى الذين آمنوا ، أن يدخلوا جميعاً في السلم .
والثاني : عائد إلى السلم أن يدخلوا في جميعه .
{ وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ } يعني آثاره .
{ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } فيه تأويلان :
أحدهما : مبين لنفسه .
والآخر : مبين بعدوانه .
واختلفوا فيمن أبان به عدوانه على قولين :
أحدهما : بامتناعه من السجود لآدم .
والثاني : بقوله : { لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً } [ الإسراء : 62 ] .
واختلفوا فيمن أمر بالدخول في السلم كافة ، على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن المأمور بها المسلمون ، والدخول في السلم العمل بشرائع الإسلام كلها ، وهو قول مجاهد ، وقتادة .
والثاني : أنها نزلت في أهل الكتاب ، آمنوا بمن سلف من الأنبياء ، فأُمِروا بالدخول في الإسلام ، وهو قول ابن عباس ، والضحاك .
والثالث : أنها نزلت في ثعلبة ، وعبد الله بن سلام ، وابن يامين ، وأسد ، وأسيد ابني كعب ، وسعيد بن عمرو ، وقيس بن زيد ، كلهم من يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يوم السبت كنا نعظمه ونَسْبِتُ فيه ، وإن التوراة كتاب الله تعالى ، فدعنا فلنصم نهارنا بالليل ، فنزلت هذه الآية ، وهو قول عكرمة .
قوله تعالى : { فَإِن زَلَلْتُم } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : معناه عصيتم .
والثاني : معناه كفرتم .
والثالث : إن ضللتم وهذا قول السدي .
{ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ } فيه أربعة تأويلات :
أحدها : أنها حجج الله ودلائله .
والثاني : محمد ، وهو قول السدي .
والثالث : القرآن ، وهو قول ابن جريج .
والرابع : الإسلام .
{ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } يعني عزيز في نفسه ، حكيم في فعله .
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)
قوله تعالى : { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالمَلاَئِكَةُ } ، قرأ قتادة { فِي ظِلاَلٍ الغَمَامِ } وفيه تأويلان : (1/149)
أحدهما : أن معناه إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام ، وبالملائكة .
والثاني : إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام .
سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)
قوله تعالى : { سَلْ بَنِي إِسْرَآءِيل كَمْ ءَاتَيْنَاهُم منْ ءَايَةِ بَيِّنَةٍ } ليس السؤال على وجه الاستخبار ، ولكنه على وجه التوبيخ . (1/150)
وفي المراد بسؤاله بني إسرائيل ، ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنبياؤهم .
والثاني : علماؤهم .
والثالث : جميعهم . والآيات البينات : فَلْقُ البحر ، والظلل من الغمام ، وغير ذلك .
{ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ } يعني بنعمة الله برسوله صلى الله عليه وسلم .
قوله تعالى : { زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } في الدنيا وتزيينها لهم ، ثلاثة أقاويل :
أحدها : زينها لهم الشيطان ، وهو قول الحسن .
والثاني : زينها لهم الذين أغووهم من الإنس والجن ، وهو قول بعض المتكلمين .
والثالث : أن الله تعالى زينها لهم بالشهوات التي خلقها لهم .
{ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ } لأنهم توهموا أنهم على حق ، فهذه سخريتهم بضعفة المسلمين . وفي الذي يفعل ذلك قولان :
أحدهما : أنهم علماء اليهود .
والثاني : مشركو العرب .
{ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } يعني أنهم فوق الكفار في الدنيا .
{ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } .
فإن قيل : كيف يرزق من يشاء بغير حساب وقد قال تعالى : { عَطَاءً حِسَاباً } [ النبأ : 36 ] ففي هذا ستة أجوبة :
أحدها : أن النقصان بغير حساب ، والجزاء بالحساب .
والثاني : بغير حساب لسعة ملكه الذي لا يفنى بالعطاء ، لا يقدر بالحساب .
والثالث : إن كفايتهم بغير حساب ولا تضييق .
والرابع : دائم لا يتناهى فيصير محسوباً ، وهذا قول الحسن .
والخامس : أن الرزق في الدنيا بغير حساب ، لأنه يعم به المؤمن والكافر فلا يرزق المؤمن على قدر إيمانه ولا الكافر على قدر كفره .
والسادس : أنه يرزق المؤمنين في الآخرة وأنه لا يحاسبهم عليه ولا يَمُنُ عليهم به .
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)
قوله تعالى : { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً } في قوله : { أُمَّةً وَاحِدَةً } خمسة أقاويل : (1/151)
أحدها : أنهم كانوا على الكفر ، وهذا قول ابن عباس والحسن .
والثاني : أنهم كانوا على الحق ، وهو قول قتادة والضحاك .
والثالث : أنه آدم كان على الحق إماماً لذريته فبعث الله النبيين في ولده ، وهذا قول مجاهد .
والرابع : أنهم عشر فرق كانوا بين آدم ونوح على شريعة من الحق فاختلفوا ، وهذا قول عكرمة .
والخامس : أنه أراد جميع الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد يوم استخرج الله ذرية آدم من صلبه ، فعرضهم على آدم ، فأقروا بالعبودية والإسلام ، ثم اختلفوا بعد ذلك . وكان أُبيّ بن كعب يقرأ : { كَانَ الْبَشَرُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّيْنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ } . وهذا قول الربيع وابن زيد .
وفي قوله تعالى : { وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ } قولان :
أحدهما : في الحق .
والثاني : في الكتاب وهو التوراة . { إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ } يعني اليهود .
{ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ } يعني الحجج والدلائل { بَغْيَا بَيْنَهُمْ } مصدر من قول القائل : بغى فلان على فلان ، إذا اعتدى عليه .
{ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ } فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أراد الجمعة ، لأن أهل الكتاب اختلفوا فيها فضلوا عنها ، فجعلها اليهود السبت ، وجعلها النصارى الأحد ، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا من الحق بإذنه ، فهدى الله الذين آمنوا إليها ، وهذا قول أبي هريرة .
والثاني : أنهم اختلفوا في الصلاة ، فمنهم من يصلي إلى الشرق ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس ، فهدانا الله للقبلة ، وهذا قول ابن زيد .
والثالث : أنهم اختلفوا في الكتب المنزلة ، فكفر بعضهم بكتاب بعض فهدانا الله للتصديق بجميعها .
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)
قوله تعالى : { يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ، قُلْ : مَآأَنفَقْتُم مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } فيها قولان : (1/152)
أحدهما : أنها نزلت قبل آية الزكاة في إيجاب النفقة على الأهل والصدقة ثم نسختها آية الزكاة ، وهذا قول السدي .
والثاني : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن أموالهم أين يضعونها ، فأنزل الله هذه الآية ، وهذا قول ابن زيد .
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)
قوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ } بمعنى فرض . وفي فرضه ثلاثة أقاويل : (1/153)
أحدها : أنه على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والثاني : أنه خطاب لكل أحد من الناس كلهم أبداً حتى يقوم به من فيه كفاية ، وهذا قول الفقهاء والعلماء .
والثالث : أنه فرض على كل مسلم في عينه أبداً ، وهذا قول سعيد بن المسيب .
ثم قال تعالى : { وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } والكرْهُ بالضم إدخال المشقة على النفس من غير إكراه أحد . والكَره بالفتح إدخال المشقة على النفس بإكراه غيره له . ثم فيه قولان :
أحدهما : أنه فيه حذفاً وتقديره : وهو ذو كره لكم وهذا قول الزجاج .
والثاني : معناه وهو مكروه لكم ، فأقام المقدّر مُقامه .
ثم في كونه كرهاً تأويلان :
أحدهما : وهو كره لكم قبل التعبد وأما بعده فلا .
الثاني : وهو كره لكم في الطباع قبل الفرض وبعده . وإنما يحتمل بالتعبد .
ثم قال تعالى : { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } وفي عسى ها هنا قولان :
أحدهما : أنه طمع المشفق مع دخول الشك .
والثاني : أنها بمعنى قد . وقال الأصم : { وَعَسَى أن تَكْرَهُوا شَيئاً } من القتال { وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } يعني في الدنيا بالظفر والغنيمة ، وفي الآخرة بالأجر والثواب ، { وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً } يعني من المتاركة والكف { وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } ، يعني في الدنيا بالظهور عليكم وفي الآخرة بنقصان أجوركم .
{ وَاللهُ يَعْلَمُ } ما فيه مصلحتكم { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }
.