صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : النكت والعيون |
وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)
قوله تعالى : { وَإِذِ اسْتسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ } تقديره : وإذ استسقانا موسى لقومه ، والاستسقاء : طلب السَّقْيِ ، والعربُ تقول : سَقَيْتُهُ ، وأسقيتُه ، فقيل : إنهما لغتان ومعناهما واحد ، وقيل بل سقيته من سَقْيِ الشَّفةِ ، وأسْقَيْتُهُ : دللته على الماء . (1/52)
{ فَقُلْنَا اضْرِب بعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنَا } :
وفي الكلام محذوف ، وتقديره : فضرب فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا .
والانفجارُ : الانشقاق ، والأنبجاسُ أضيق منه ، لأنه يكون انبجاساً ثم يصير انفجاراً .
والعين من الأسماء المشتركة : فالعين من الماء مُشَبَّهَةٌ بالعين من الحيوان ، لخروج الماء منها ، كخروج الدمع من عين الحيوان .
فأمر موسى عند استسقائه ، أن يضرب بعصاه حجراً مُرَبَّعاً طُورِيّاً ( من الطور ) ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ، من كل جانب ثلاثةُ أعينٍ .
{ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ } يعني أن لكلِّ سبطٍ منهم عيناً ، قد عرفها لا يشرب من غيرها ، فإذا ارتحلوا انقطع ماؤه ، وحُمِلَ في الجوالق ، وكان بقدر الرأس .
{ وَلاَ تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ } فيه تأويلان :
أحدهما : معناه لا تطغوا ، وهذا قول ابن زيد .
والثاني : معناه لا تسعوا في الأرض مفسدين ، وهو قول ابن عباس ، وأبي العالية الرياحي .
والعيثُ : شدة الفساد ، ومنه قول رؤبة :
وَعَاثَ فِينَا مُسْتَحِلٌّ عَائِثُ ... مُصَدِّقٌ أو فَاجِرٌ مُناكِثُ
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)
قوله تعالى : { وَفُومِهَا } فيه ثلاثةُ تأويلاتٍ : (1/53)
أحدها : أنه الحنطة ، وهو قول ابن عباسٍ ، وقتادة ، والسدي ، وأنشد ابن عباسٍ مَنْ سأله عن الفوم ، وأنه الحُنْطة قَوْلَ أُحيحة بن الجُلاح :
قَدْ كُنْتُ أَغْنَىَ النَّاسِ شَخْصاً وَاحِداً ... وَرَدَ الْمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومٍ
والثاني : أنَّه الخُبز ، وهو قول مجاهد ، وابن زيد ، وعطاء .
والثالث : أنه الثومُ بالثاء ، وذلك صريح في قراءة ابن مسعود ، وهو قول الربيع بن أنس والكسائي .
قوله تعالى : { اهْبِطُوا مِصْراً } : قرأ عامةُ القُرّاءِ بالتنوين ، وقرأ بعضهم بغير تنوين ، وهي كذلك ، وقراءة ابن مسعود بغير ألف .
وفي المصر الذي عناه قولان :
أحدهما : أنه أراد أيَّ مِصْرٍ ، أرادوا من غير تعيين؛ لأنَّ ما سألوا من البقل والقثَّاء والفوم ، لا يكون إلا في الأمصار ، وهذا قول قتادة ، والسدي ومجاهد ، وابن زيد .
والثاني : أنه أراد مصر فرعون ، الذي خرجوا منه ، وهذا قول الحسن ، وأبي العالية والربيع .
واختلف في اشتقاق المِصْرِ ، فمنهم من قال : إنه مشتق من القطع ، لانقطاعه بالعمارة ، ومنهم من قال : إنه مشتق من الفصل بينه وبين غيره ، قال عدي بن زيد :
وَجَاعِلُ الشَّمْسِ مِصْراً لاَ خَفَاءَ بِهِ ... بَيْنَ النَّهَارِ وَبَيْنَ اللَّيْلِ قَدْ فَصَلاَ
وفي قوله تعالى : { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ } تأويلان :
أحدهما : أنَّه من الذِّلَّة والصغار .
والثاني : أنَّه فَرَضَ الجِزْيَةَ عليهم ، وهذا قول الحسن وقتادة .
وفي « المسكنة » تأويلان :
أحدهما : أنها الفاقة ، وهو قول أبي العالية .
والثاني : أنه الفقر ، وهو قول السدي .
وفي قوله تعالى : { وَباءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ } ثلاثة تأويلات :
أحدها : وهو قول أبي العباس المَبِّرد : أن أصل ذلك : المنزلة ، ومعناه أنهم نزلوا بمنزلة غضب الله ، ورُوي : أن رجلاً جاء برجلٍ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقال : هذا قاتل أخي ، قال « فَهُوَ بَوَاءٌ بِهِ » أي أنه مقتول ، فيصير في منزلته ، وتقول ليلى الأخيليَّةُ :
فَإِنْ يَكُنِ الْقَتْلَى بَوَاءً فَإِنَّكُمْ ... فَتىً مَا قَتَلْتُمْ آلَ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ
والثاني : وهو قول أبي إسحاق الزجّاج : أن أصل ذلك التسوية ، ومعناه : أنهم تساووا بغضب من الله ، ومنه ما يروى عن عبادة بن الصامت قال : « جعل الله الأنفال إلى نبيِّه صلى الله عليه وسلم ، فقسمها بينهم على بَوَاءٍ » ، أي على سواء بينهم في القسم .
والثالث : وهو قول الكسائي ، أن معناه أنهم رجعوا بغضب من الله ، قال : البواء : الرجوع ، إلا أنه لا يكون رجوعاً إلا بشيء : إمَّا بشرٍّ ، وإِمَّا بخيرٍ .
وفي قوله تعالى : { وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ } قولان :
أحدهما : أن الله عز وجل؛ إنما جاز أن يُخَلِّيَ بين الكُفَّار وقتلِ الأنبياء ، لينالوا من رفيع المنازل ما لا ينالونه بغيره ، وليس ذلك بخذلان لهم ، كما يفعل بالمؤمنين من أهل طاعته .
والثاني : وهو قول الحسن ، أن الله عز وجل ، ما أمر نبيّاً بالحرب إلا نَصَرَهُ فلم يُقتَلْ ، وإنما خلَّى بين الكفار وبين قتل مَنْ لم يؤمر بالقتال مِنَ الأنبياء . (1/54)
و « الأنبياء » جمعُ « نبيٍّ » وقد جاء في جمع « نبيٍّ » : « نُبَّاء » ، قال العباس ابن مرداس السُّلمي ، يمدح النبيَّ صلى الله عليه وسلم :
يَا خَاتَمَ النُّبِّاءِ إِنَّكَ مُرْسَلٌ ... بِالْحَقِّ حَيْثُ هُدَى آلإْلهِ هَدَاكَا
وهو غير مهموز في قراءة الجمهور إلا نافعاً ، فإنه قرأ الأنبياء ، والنبيئين بالهمز .
وفيما أُخذ منه اسمُ النبيِّ ، ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه مأخوذ من النبأ ، وهو الخبر ، لأنه يُنْبِئُ عن الله ، أي يُخْبِرُ ، ومنه قوله تعالى : { أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى } [ النجم : 36 ] .
والثاني : أن أصل النبيِّ هو الطريق ، قال القطامي :
لَمَّا وَرَدْنَا نبِيَاً وَاسْتَتَبَّ لَنَا ... مُسْتَحْفَرٌ بِخُطُوطِ النَّسْجِ مُنْسَجِلُ
فَسُمِّيَ رسُول الله صلى الله عليه وسلم نبيّاً ، لأنه الطريق إليه .
والثالث : أنه مأخوذ من النُّبُوَّةِ؛ لأن منزلة الأنبياء رفيعة .
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)
قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا } يعني : صدقوا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم . (1/55)
{ وَالَّذِينَ هَادُوا } هم اليهود ، وفي تسميتهم بذلك ، ثلاثة أقاويل :
أحدها : نُسِبُوا إلى يهوذا أكبر ولد يعقوب ، فقلبت العربُ الذال دالاً ، لأن الأعجمية إذا عُرِّبت ، غيرت من لفظها .
والثاني : أنه مأخوذ من قولهم : هَادَ القومُ يَهُودُون هَوْدَةً وهِيَادةً ، إذا تابوا ، قال زهير :
سِوَى مَرْبَعٍ لَمْ تَأْتِ فِيهِ مَخَافَةً ... وَلاَ رَهَقاً مِنْ عَابِدٍ مُتَهَوِّدِ
يعني من عابد تائب ، فسموا يهوداً لتوبتهم من عبادة العجل .
والثالث : أنهم سُمُّوا يهوداً ، من أجل قولهم : إِنَّا هُدْنا إليك ، وهذا قول ابن جُرَيج .
و { والنصارى } ، جمع وواحده « نصرانيٌّ » ، وقيل : « نصران » بإسقاط الياء ، وهذا قول سيبويه ، وقال الخليل بن أحمد : واحده نصْرِي ، والأول هو المستعمل .
وفي تسميتهم بذلك ، ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم سُمُّوا بذلك ، لقريةٍ تُسَمَّى « ناصرة » ، كان ينزلها عيسى عليه السلام ، فَنُسِبَ إليها ، فقيل : عيسى الناصري ، ثم نسب أصحابه إليه فقيل : النصارى ، وهذا قول ابن عباس ، وقتادة .
والثاني : أنهم سُمُّوا بذلك ، لنصرة بعضهم لبعضٍ ، قال الشاعر :
لمَّا رأيتُ نَبَطاً أَنْصَارَا ... شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإْزَارَا
كُنْتُ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى جَارَا ... والثالث : أنهم سُمُّوا بذلك ، لقوله : { مَنْ أَنْصَارِي إلى اللهِ } .
{ والصابئين } ، جمع ، واحده : صابئ ، واخْتُلِفَ في همزِهِ ، فهمزه الجمهور إلا نافعاً .
واخْتُلِف في المأخوذ منه هذا الاسم ، على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه مأخوذ من الطُّلُوعِ والظُّهُورٍ ، من قولهم : صبأ نابُ البعير ، إذا طلع ، وهذا قول الخليل .
والثاني : أن الصابِئ : الخارج من شيء إلى شيءٍ ، فسُمِّي الصابئون بهذا الاسم ، لخروجهم من اليهودية والنصرانية ، وهذا قول ابن زيدٍ .
والثالث : أنه مأخوذ من قولهم : صبا يصبو ، إذا مال إلى الشيء وأحبه ، وهذا قول نافع؛ ولذلك لم يهمز .
وَاخْتُلِفِ فيهم : فقال مجاهد ، والحسن ، وابن أبي نجيحٍ : الصابئون بين اليهود والمجوس ، وقال قتادة : الصابئون قوم يعبدون الملائكة ، ويصلون إلى القِبْلة ، [ ويقرأون الزبور ويصلون الخميس ] وقال السدي : هم طائفة من أهل الكتاب ، وقال الخليل : هم قوم شبيه دينهم بدين النصارى ، إلا أن قبلتهم نَحْوَ مهب الجنوب حيال منتصف النهار ، يزعمون أنهم على دين نوح .
وفي قوله تعالى : { مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ } قولان :
أحدهما : أنها نزلت في سلمان الفارسيِّ وأصحابه النصارى الذين كان قد تنصَّر على أيديهم ، قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا قد أخبروه بأنه سيبعث ، وأنهم مؤمنون به إن أدركوه ، وهذا قول السدي .
والثاني : أنها منسوخة بقوله تعالى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإْسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } [ آل عمران : 85 ] ، وهو قول ابن عباس .
فإن قيل : فَلِمَ قال : { وَعَمِلَ صَالِحاً } على التوحيد ، ثم قال : { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ } على الجمع؟ قيل : لأن اللفظ « مَنْ » لفظ الواحد ، ومعناه الجمع ، فمرةً يجمع على اللفظ ، ومرةً يجمع على المعنى ، قال الشاعر :
أَلِمَّا بِسَلْمَى عَنْكُمَا إِنْ عَرَضْتُمَا ... وَقُولاَ : لَهَا عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفُوا
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64)
قوله تعالى : { . . . . وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ } وفي الطور ثلاثة أقاويل : (1/56)
أحدها : أنه اسم الجبل ، الذي كلم الله عليه موسى ، وأنزلت عليه التوراة دون غيره ، وهذه رواية ابن جريج عن ابن عباس .
والثاني : أن الطور ما أَنْبَتَ من الجبال خاصة ، دون ما لم ينبت ، وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس .
والثالث : أن الطور اسم لكل جبل ، وهو قول مجاهد ، وقتادة ، إلا أن مجاهداً قال : هو اسم كل جبل بالسريانية ، وقال قتادة : بل هو اسم عربي ، قال العجاج :
داني جناحيه من الطور فمر ... تقضّي البازي إذا البازيُّ كر
قال مجاهد : رُفِعَ الجبل فوقهم كالظُّلة ، فقيل : لتؤمِنُنَّ أو ليقعن عليكم ، فآمنوا .
وفي قوله تعالى : { خُذُواْ مَا ءَآتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ } ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن القوة الجِدّ والاجتهاد ، وهو قول ابن عباس ، وقتادة والسدي .
والثاني : يعني بطاعة الله تعالى ، وهو قول أبي العالية ، والربيع بن أنس .
والثالث : أنه العمل بما فيه ، وهو قول مجاهد .
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)
قوله عز وجل : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ في السَّبْتِ } وفي اعتدائهم في السبت قولان : (1/57)
أحدهما : أنهم أخذوا فيه الحيتان على جهة الاستحلال ، وهذا قول الحسن .
والثاني : أنهم حبسوها في يوم السبت وأخذوها يوم الأحد ، والسبت هو اليوم المعروف . وفي تسميته بذلك أربعة أقاويل :
أحدها : أن السبت هو اسم للقطعة من الدهر فسمي ذلك اليوم به ، وهذا قول الزجاج .
والثاني : أنه سُمِّي بذلك لأنه سَبَت خَلْق كل شيء ، أي قطع وفرغ منه ، وهذا قول أبي عبيدة .
والثالث : أنه سُمِّي بذلك ، لأن اليهود يَسْبِتُون فيه ، أي يقطعون فيه الأعمال .
والرابع : أن أصل السبت ، الهدوء والسكون في راحة ودعة ، ولذلك قيل للنائم مسبوت لاستراحته وسكون جسده ، كما قال تعالى : { وَجَعَلْنَا نَوْمَكُم سُبَاتَا } . فَسُمِّي به اليوم لاستراحة اليهود فيه .
وفي قوله عز وجل : { . . . فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } قولان :
أحدهما : مُسِخُوا قردةً ، فصاروا لأجل اعتدائهم في السبت في صورة القردة المخلوقين من قبل ، في الأيام الستة .
قال ابن عباس : لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ، ولم يأكل ولم يشرب .
والثاني : وهو قول مجاهد : أنهم لم يمسخوا قردة ، وإنما هو مَثلَ ضربه الله لهم ، كما قال تعالى : { كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَاً } [ الجمعة : 5 ] .
وفي قوله تعالى : { خاسئين } تأويلان :
أحدهما : أن الخاسئ المُبْعَد المطرود ، ومنه قولهم خسأت الكلب ، إذا باعدته وطردته .
والثاني : أن معناه أذلاء صاغرون ، وهذا قول مجاهد . ورُوي عن ابن عباس : خاسئاً أي ذليلاً .
قوله تعالى : { فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا } وفي المجعول نكالاً ، ستة أقاويل :
أحدها : أنها العقوبة .
والثاني : أنها الحيتان .
والثالث : أنها القرية التي اعتدى أهلها .
والرابع : أنهم الأمة الذين اعتدوا ، وهم أهل أيلة .
والخامس : أنهم الممسوخون قردة .
والسادس : أنهم القردة الممسوخ على صورهم .
وفي قوله تعالى : { نَكَالاً } ثلاثة تأويلات :
أحدها : عقوبة ، وهو قول ابن عباس .
والثاني : عبرة ينكل بها من رآها .
والثالث : أن النكال الاشتهار بالفضيحة .
وفي قوله تعالى : { لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا } خمسة تأويلات :
أحدها : ما بين يديها وما خلفها من القرى ، وهذه رواية عكرمة عن ابن عباس .
والثاني : ما بين يديها يعني من بعدهم من الأمم ، وما خلفها ، الذين كانوا معهم باقين ، وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس .
والثالث : ما بين يديها ، يعني من دونها ، وما خلفها ، يعني لمن يأتي بعدهم من الأمم ، وهذا قول السدي .
والرابع : لما بين يديها من ذنوب القوم ، وما خلفها للحيتان التي أصابوها ، وهذا قول قتادة .
والخامس : ما بين يديها ما مضى من خطاياهم ، وما خلفها : خطاياهم التي أُهْلِكُوا بها ، وهذا قول مجاهد .
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)
قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنًَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً } وكان السبب في أمر موسى لقومه بذلك ، ما ذكره المفسرون : أن رجلاً من بني إسرائيل كان غنياً ، ولم يكن له ولد ، وكان له قريب يرثه ، فاستبطأ موته ، فقتله سراً وألقاه في موضع الأسباط ، وادعى قتله على أحدهم ، فاحتكموا إلى موسى ، فقال : من عنده من ذلك علم؟ فقالوا : أنت نبي الله ، وأنت أعلم منا ، فقال : إن الله عز وجل يأمركم أن تذبحوا بقرة ، فلما سمعوا ذلك وليس في ظاهره جواب عما سألوا عنه { قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً } والهزء : اللعب والسخرية . قال الراجز : (1/58)
قَدْ هَزِئَتْ مَنِّيَ أُمُّ طَيْسَلَة ... قَالَتْ أَرَاهُ مُعْدِماً لاَ شَيْءَ لَه
{ قَالَ : أعُوذُ بِاللهِ أنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ } لأن الخروج عن جواب السائل المسترشد إلى الهزء ، جهل ، فاستعاذ منه موسى ، لأنها صفة تنتفي مع الأنبياء ، وإنما أمر والله أعلم بذبح البقرة دون غيرها ، لأنها من جنس ما عبدوه من العجل ، ليهون عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه ، وليعلم بإجابتهم زوال ما كان في نفوسهم من عبادته .
والقبرة اسم للأنثى ، والثور للذكر ، مثل ناقة وجمل ، وامرأة ورجل ، فيكون تأنيثه بغير لفظه . واسم البقرة مأخوذ من الشق من قولهم بقر بطنه إذا شقه ، لأنها تشق الأرض في الحرث .
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)
قوله عز وجل : { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ } رَوَى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : « والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوِ اعْتَرَضُوا بقرة ، فَذَبَحُوها ، لأَجْزَأَتْ عَنْهُم ، وَلكِنَّهُم ، شَدًّدوا ، فَشَدَّد الله عليهم » . { قَالَ : إِنَّه يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ } في الفارض تأويلان : (1/59)
أحدهما : أنها الكبيرة الهَرِمَة ، وهو قول الجمهور . قال الراجز :
شيب أصداغي فرأسي أبْيضُ ... محامل فيها رجال فرض
يعني بقوله : فُرّض ، أي هرمى .
والثاني : أنّ الفارض التي قد ولدت بطوناً كثيرة ، فيتسع لذلك جوفها ، لأن معنى الفارض في اللغة الواسع ، وهذا قول بعض المتأخرين ، واستشهد بقول الراجز :
يا رُبَّ ذي ضغن عليّ فارض ... له قروء كقروء الحائض
والبكر : الصغيرة التي لم تحمل ، والبكر من إناث البهائم ، وبني آدم ، ما لم يفتحله الفحل ، وهي مكسورة الباء ، فأما البَكْر بفتح الباء ، فهو الفتي من الإبل .
وقوله تعالى : { عَوانٌ بَيْنَ ذلكَ } والعوان النَّصَفُ التي قد ولدت بطناً أو بطنين ، { بين ذلك } يعني بين الصغيرة والكبيرة ، وهي أقوى ما تكون من البقر وأحسنه ، قال الشاعر :
فرحن عليه بين بِكرٍ عزيزة ... وبين عَوانٍ كالغمامة ناصِفِ
قوله تعالى : { . . . قَالَ : إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ } حُكِيَ عن الحسن البصري ، أن المراد بقوله صفراء ، أي سوداء شديدة السواد ، كما تقول العرب : ناقة صفراء أي سوداء ، ومنه قول الشاعر :
تلك خيلي منه وتلك ركابي ... هُنّ صفر أولادها كالزبيب
وقال الراجز :
وصفرٍ ليست بمصفرّة ... ولكنّ سوداءَ مثل الخُمُر
وقال سائر المفسرين : إنها صفراء اللون ، من الصفرة المعروفة ، وهو أصح ، لأنه الظاهر ، ولأنه قال : { فَاقِعٌ لَّوْنُهَا } والفاقع من صفات الصفرة ، وليس يوصف السواد بذلك ، وإنما يقال : أسود حالكٌ ، وأحمر قانٍ ، وأبيضُ ناصعٌ ، وأخضرُ ناضرٌ ، وأصفرُ فاقعٌ .
ثم فيما أُرِيدَ بالصفرة قولان :
أحدهما : صفراء القرن والظلف ، وهو قول سعيد بن جبير .
والثاني : صفراء اللون كله ، وهذا قول مجاهد .
وفي قوله تعالى : { فاقع لونها } ثلاثة تأويلات :
أحدها : الشديدة الصفرة ، وهذا قول ابن عباس ، والحسن .
والثاني : الخالص الصفرة ، وهذا قول قطرب .
والثالث : الصافي ، وهذا قول أبي العالية ، وقتادة .
{ تَسُرُّ النَّاظِرِينَ } فيه وجهان :
أحدهما : تعجب الناظرين بصفرتها ، فتعجب بالسرور ، وهو ما يتأثر به القلب ، والفرح ما فرحت به العين ، ويحتمل قوله : { تَسُرُّ النَّاظِرِينَ } وجهين :
أحدهما : بحسن لونها فتكون . . . . لصفرتها .
والثاني : حسن سمتها ، وصفت بذلك ، ليكون ذلك زيادة شرط في صفتها ، غير ما تقدم من ذكر صفرتها ، فتصير البقرة على الوجه الأول ، ذات وصف واحد ، وعلى الوجه الثاني ، ذات وصفين .
قوله تعالى : { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ } فسألوا سؤالاً ثالثاً ، ولم يمتثلوا الأمر بعد البيان الثاني ، فروى ابن جريج ، عن قتادة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
« أُمِرُوا بِأَدْنَى بَقَرةٍ وَلَكِنَّهُم لَمَّا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِم شَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِم ، وَأيمُ اللهِ لَو أَنَّهُم لَمْ يَسْتَثْنُوا لَمَا بُيِّنَتْ لَهُم آخرُ الأَبَدِ » يعني أنهم لو لم يقولوا : { وَإِنَّا إِن شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ } ما اهتدوا إليها أبداً . (1/60)
قوله عز وجل : { قَالَ : إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرةٌ لاَّ ذَلُولٌ } يعني لم يذللها العمل .
{ تُثِيرُ الأَرْضَ } والإثارة تفريق الشيء ، أي ليست مما يثير الأرض للزرع ، ولا يسقى عليها الزرع . [ وقيل يثير فعل مستأنف والمعنى إيجاب الحرث لها وأنها كانت تحرث ولا تسقى ] .
وليس هذا الوجه بشيء ، بل نفي عنها جميع ذلك .
{ مُسَلَّمَةٌ لاَ شِيَةَ فِيها } وفي ذلك أربعة تأويلات :
أحدها : مُسَلَّمَةٌ من العيوب ، وهذا قول قتادة ، وأبي العالية .
والثاني : مُسَلَّمَةٌ من العمل .
والثالث : مُسَلَّمَةٌ من غصب وسرقة ، فتكون حلالاً .
والرابع : مُسَلَّمَةٌ من . . . . .
. وفي { شِيَةَ } ثلاثة أوجه :
أحدها : ليس فيها علامة خاصة ، حكاه السدي .
والثاني : أنه ليس فيها لون ، يخالف لونها من سواد أو بياض .
والثالث : أنه الوضَح وهو الجمع بين ألوان من سواد وبياض .
وأصله من وشي الثوب ، وهو تحسين عيوبه بألوان مختلفة ، ومنه قيل للساعي بالرجل عند السلطان واشٍ ، لأنه يحسّن كذبه عنده ، حتى يقبله منه .
{ قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ } فيه تأويلان :
أحدهما : الآن بَيّنْت الحق ، وهو قول قتادة .
والثاني : معناه أنه حين بيّنها لهم ، قالوا هذه بقرة فلان ، الآن جئت بالحق فيها ، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد .
وفي قوله تعالى : { فَذَبَحُوها وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ } تأويلان :
أحدهما : أنهم كادوا ألاّ يفعلوا لغلاء ثمنها ، لأنهم اشتروها على ما حَكَى ابن عباس ، ومحمد بن كعب : بملء مَسْكها ذهباً من مال المقتول . وقيل بوزنها عشر مرات .
والثاني : أنهم كادوا ألاّ يفعلوا خوفاً من الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل ، وهذا قول وهب ، وقال عكرمة : ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير . وقيل : كانت البقرة وحشية .
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)
قوله عز وجل : { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا } يعني من قتل الإسرائيلي؟ الذي قتله ابن أخيه ، وفي سبب قتله قولان : (1/61)
أحدهما : لبنت له حسناء ، أحب أن يتزوجها .
والثاني : طلباً لميراثه ، وادعى قتله على بعض الأسباط .
وفي قوله تعالى : { . . . فَادَّارَأْتُم فيها } ثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ الَّدْرءَ الاعوجاج ، ومنه قول الشاعر :
أمسكت عنهم درء الأعادي ... وداووا بالجنون من الجنون
يعني اعوجاج الأعادي .
والثاني : وهو المشهور ، أن الدرء المدافعة ، ومعناه أي تدافعتم في القتل ، ومنه قول رؤبة بن العجاج :
أدركتها قدام كل مدره ... بالدفع عني درء كل منجه
والثالث : معناه اختلفتم وتنازعتم ، قاله السدي ، وقيل إن هذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة ، فهي متقدمة في الخطاب على قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ مَوسَى لِقَومِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُم } الآية . لأنهم أُمِرُوا بذبحها ، بعد قتلهم ، واختلفوا في قاتله .
قوله تعالى : { وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } أي والله مظهر ما كنتم تُسِرّون من القتل ، فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : « لَو أَنَّ أَحَدَكُم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَيْسَ لَهَا بَابٌ ، لأَخْرَجَ اللهُ عَمَلَهُ » . قوله تعالى : { فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا } اختلف العلماء في البعض الذي ضُرِبَ به القتيلُ من البقرة ، على خمسة أقاويل :
أحدها : أنه ضُرِبَ بفخذ البقرة ، وهذا قول مجاهد ، وعكرمة وقتادة .
والثاني : أنه ضُرِبَ بالبضعة التي بين الكتفين ، وهذا قول السدي .
والثالث : أنه ضُرِبَ بعظم من عظامها ، وهذا قول أبي العالية .
والرابع : أنه ضُرِبَ بأُذنها ، وهذا قول ابن زيد .
والخامس : أنه ضُرِبَ بعجب ذنبها ، وهو الذي لا تأكله الأرض ، وهذا قول الفراء . والبعض : يَقِلُّ عن النصف .
{ كَذلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتَى } يعني ، أنه لما ضُرِبَ القتيل ببعض البقرة ، أحياه الله وكان اسمه عاميل ، فقال قتلني ابن أخي ، ثم قبض ، فقال بنو أخيه : والله ما قتلناه ، فكذّبوا بالحق بعد معاينته .
قال الفراء : وفي الكلام حذف ، وتقديره : فقلنا اضربوه ببعضها ، ليحيا فضربوه ، فَحَيِيَ . كذلك يحيي الله الموتى ، فدل بذلك على البعث والنشور ، وجعل سبب إحيائه الضرب بميت ، لا حياة فيه ، لئلا يلتبس على ذي شبهة ، أن الحياة إنما انتقلت إليه مما ضرب به ، لتزول الشبهة ، وتتأكد الحجة .
وفي قوله تعالى : { كَذلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتَى } وجهان :
أحدهما : أنه حكاية عن قول موسى لقومه .
والثاني : أنه خطاب من الله لمشركي قريش .
{ وَيُرِيكُم ءَايَاتِهِ } فيه وجهان :
أحدهما : علامة قدرته .
والثاني : دلائل بعثكم بعد الموت .
{ لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : تعملون .
والثاني : تعتبرون .
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)
قوله تعالى : { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم } اختلف في المُشَار إليه بالقسوة ، على قولين : (1/62)
أحدهما : بنو أخي الميت حين أنكروا قتله ، بعد أن سمعوه منه عند إحياء الله له ، وهو قول ابن عباس .
والثاني : أنه أشار إلى بني إسرائيل كلهم ، ومن قال بهذا قال : من بعد ذلك : أي من بعد آياته كلها التي أظهرها على موسى .
وفي قسوتها وجهان :
أحدهما : صلابتها حتى لا تلين .
والثاني : عنفها حتى لا ترأف .
وفي قوله تعالى : { مِّنْ بَعْدِ ذلِكَ } وجهان :
أحدهما : من بعد إحياء الموتى ، ويكون هذا الخطاب راجعاً إلى جماعتهم .
والثاني : من بعد كلام القتيل ، ويكون الخطاب راجعاً إلى بني أخيه .
وقوله تعالى : { فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } يعني القلوب التي قست .
واختلف العلماء في معنى { أَوْ } في هذا الموضع وأشباهه كقوله تعالى : { فَكَانَ قَابَ قَوسَين أَوْ أَدْنَى } [ النجم : 9 ] على خمسة أقاويل :
أحدها : أنه إبهام على المخاطبين ، وإن كان الله تعالى عالماً ، أي ذلك هو ، كما قال أبو الأسود الدؤلي :
أحب محمداً حباً شديداً ... وعباساً وحمزة أو علياً
فإن يك حبهم رشدا أُصِبه ... ولستُ بمخطئ إن كان غياً
ولا شَكَّ ، أن أبا الأسود الدؤلي ، لم يكن شاكّاً في حبِّهم ، ولكن أَبْهَمَ على مَنْ خاطبه ، وقد قِيل لأبي الأسود حين قال ذلك : شَكَكْتُ ، فقال كلا ، ثم استشهد بقوله تعالى : { وَإِنَّا إِيَّاكُم لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } [ سبأ : 24 ] وقال : أفكان شاكاً مَنْ أخبر بهذا؟
والثاني : أن { أَوْ } ها هنا بمعنى الواو ، وتقديره فهو كالحجارة وأشد قسوة ، ومثله قول جرير :
جاءَ الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ
والثالث : أن { أَوْ } في هذا الموضع ، بمعنى بل أشد قسوة ، كما قال تعالى : { وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } [ الصافات : 147 ] يعني بل يزيدون .
والرابع : أن معناها الإباحة وتقديره ، فإن شبهتموها بالحجارة كانت مثلها ، وإن شبهتموها بما هو أشد ، كانت مثلها .
والخامس : فهي كالحجارة ، أو أشد قسوة عندكم .
ثم قال تعالى : { وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ } يعني أن من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم القاسية ، لِتَفَجِّرِ الأنهار منها .
ثم قال تعالى : { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ } فاختلفوا في ضمير الهاء في « منها » ، إلى ماذا يرجع؟ على قولين :
أحدهما : إلى القلوب لا إلى الحجارة ، فيكون معنى الكلام : وإن من القلوب لما يخضع من خشية الله ، ذكره ابن بحر .
والقول الثاني : أنها ترجع إلى الحجارة ، لأنها أقرب مذكور .
واختلف من قال بهذا ، في هذه الحجارة على قولين :
أحدهما : أنها البرد الهابط من السَّحاب ، وهذا قول تفرد به بعض المتكلمين .
والثاني : وهو قول جمهور المفسرين : أنها حجارة الجبال الصلدة ، لأنها أشد صلابة . (1/63)
واختلف من قال بهذا على قولين :
أحدهما : أنه الجبل الذي جعله الله دَكاً ، حين كلم موسى .
والثاني : أنه عام في جميع الجبال .
واختلف من قال بهذا ، في تأويل هبوطها ، على أربعة أقاويل :
أحدها : إن هبوط ما هبط من حشية الله ، نزل في ذلك القرآن .
والثاني : . . . . . . . . .
والثالث : أن مِنْ عَظَّم مَنْ أمر الله ، يُرَى كأنه هابط خاشع ، كما قال جرير :
لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشّع
والرابع : أن الله أعطى بعض الجبال المعرفة ، فعقل طاعة الله ، فأطاعه ، كالذي رُوِيَ عن الجذع ، الذي كان يستند إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما تحول عنه حَنَّ ، رُوِيَ عن النبي أنه قال : « إِنَّ حَجَراً كَانَ يُسَلِّمُ عَلَىَّ في الجاهِليَّةِ إِنِّي لأَعْرَفُهُ الآَنَ » ويكون معنى الكلام ، إِنَّ من الجبال ما لو نزل عليه القرآن ، لهبط من خشية الله تذللاً وخضوعاً .
أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)
قوله تعالى : { . . . وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُم يَسْمَعُون كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ } في ذلك قولان : (1/64)
أحدهما : أنهم علماء اليهود والذين يحرفونه التوراة فيجعلون الحلال حراماً والحرام حلالاً ابتاعاً لأهوائهم وإعانة لراشيهم وهذا قول مجاهد والسدي .
والثاني : أنهم الذين اختارهم موسى من قومه ، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم ، وهذا قول الربيع بن أنس وابن إسحاق .
وفي كلام الله الذي يسمعونه قولان :
أحدهما : أنها التوراة التي عَلِمَها علماء اليهود .
والثاني : الوحي الذي كانوا يسمعونه كما تسمعه الأنبياء .
وفي قوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلَوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } وجهان :
أحدهما : من بعد ما سمعوه ، وهم يعلمون أنهم يحرفونه .
والثاني : من بعد ما عقلوه ، وهم يعلمون ، ما في تحريفه من العقاب .
قوله تعالى : { وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ } فيهم قولان :
أحدهما : أنهم اليهود ، إذا خلوا مع المنافقين ، قال لهم المنافقون : أتحدثون المسلمين ، بما فتح الله عليكم . والثاني : أنهم اليهود ، قال بعضهم لبعض : { أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيكُم } وفيه أربعة أقاويل :
أحدها : بما فتح الله عليكم ، أي مما أذكركم الله به ، رواه الضحاك عن ابن عباس .
والثاني : بما أنزل الله عليكم في التوراة ، من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبعثه ، { ليُحَآجُّوكم بَهِ عِنْدَ رَبِّكُم } رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وهو قول أبي العالية وقتادة .
والثالث : أنهم أرادوا قول يهود بني قريظة ، حين شبههم النبي صلى الله عليه وسلم ، بأنهم إخوة القردة ، فقالوا : من حدثك بهذا؟ وذلك حين أرسل إليهم ، علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، وهذا قول مجاهد .
والرابع : أن ناساً من اليهود أسلموا ، ثم نافقوا فكانوا يحدثون المسلمين من العرب ، بما عُذِّبَ به ( آباؤهم ) ، فقال بعضهم لبعض ، أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ، وهذا قول السدي .
وفي { فتح الله } وجهان :
أحدهما : بما علمكم الله .
والثاني : بما قضاه الله ، والفتح عند العرب القضاء والحكم ، ومنه قول الشاعر :
ألا أبلغ بني عُصُم رسولاً ... بأني عن فِتاحِكُم غنيُّ
ويُقَالُ للقاضي : الفتّاح ، ومنه قوله تعالى : { رَبَّنَا افْتَح بَيْنَنَا وَبَينَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ } [ الأعراف : 89 ] .
قوله تعالى : { لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : { لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم } ، فَحُذِفَ ذكُر الكتاب إيجازاً .
والثاني : { لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم } فتظهر له الحُجَّة عليكم ، فيكونوا أولى بالله منكم ، وهذا قول الحسن .
والثالث : { لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم } يوم القيامة ، كما قال تعالى : { ثُمَّ إِنَّكُم يَومَ القيِامَةِ عِنْدَ رَبِّكُم تَخْتَصِمُونَ } [ الزمر : 31 ] .
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)
قوله تعالى : { وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ } فيه قولان : (1/65)
أحدهما : أن الأُمّي : الذي لا يكتب ولا يقرأ ، وهو قول مجاهد وأظهرُ تأويله .
والثاني : أنَّ الأُمّيين : قوم لم يصدقوا رسولاً أرسله الله ، ولا كتاباً أنزله الله ، وكتبوا كتاباً بأيديهم ، وقال الجهال لقومهم : هذا من عند الله ، وهذا قول ابن عباس .
وفي تسمية الذي لا يكتب بالأمي قولان :
أحدها : أنه مأخوذ من الأمة ، أي على أصل ما عليه الأمّة ، لأنه باق على خلقته من أنه لا يكتب ، ومنه قول الأعشى :
وإنّ معاويةَ الأكرمين ... حسانُ الوجوه طوال الأمَمْ
والثاني : أنه مأخوذ من الأُم ، وفي أخذه من الأُم تأويلان :
أحدهما : أنه مأخوذ منها ، لأنه على ما ولدته أُمُّهُ من أنه لا يكتب .
والثاني : أنه نُسِبَ إلى أُمّهِ ، لأن الكتاب في الرجال دون النساء ، فنسب من لا يكتب من الرجال إلى أمه ، لجهلها بالكتاب دونه أبيه .
وفي قوله تعالى : { لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ } أربعة تأويلات :
أحدها : إِلاَّ أَمَانِيَّ : يعني : إلا كذباً ، قاله ابن عباس ومجاهد ، قال الشاعر :
ولكنما ذاك الذي كان منكما ... أمانّي ما لاقت سماء ولا أرضا
والثاني : إِلاَّ أَمَانِيَّ ، يعني ، أنهم يَتَمَنَّونَ على الله ما ليس لهم ، قاله قتادة .
والثالث : إِلاَّ أَمَانِيَّ ، يعني [ إلا أماني يعني إلا تلاوة من غير فهم قاله الفراء والكسائي ومنه قوله تعالى : { إلاَّ إذَا تَمَنَّى ألْقَى الشيْطَانُ في أمنيِّتِه } [ سورة الحج : 52 ] يعني ألقى الشيطانُ في أُمنيِّتِه ، وقال كعب بن مالك :
تمنّى كتاب الله أول ليلهِ ... وآخرَه لاقي حمام المقادر
والرابع : أنَّ الأَمَانِيَّ : التقدير ، حكاه ابن بحر وأنشد قول الشاعر :
ولا تقولَنْ لشيء سوف أفعله ... حتى تَبَيّنَ ما يمني لك الماني
( وإلا ) : في هذا الموضع بمعنى ( لكن ) وهو عندهم من الاستثناء المنقطع ومنه قوله تعالى : { مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنَّ } [ النساء : 157 ] قال النابغة :
حلفت يميناً غير ذي مثنوية ... ولا علم إلا حسن ظن بصاحب
{ وَإِنْ هُم إِلاَّ يَظُنُّونَ } فيه وجهان :
أحدهما : يكذبون ، قاله مجاهد .
والثاني : يحدثون ، قاله البصريون .
قوله تعالى : { فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِم } في الويل ستة أقاويل :
أحدها : أنه العذاب ، قاله ابن عباس .
والثاني : أنه التقبيح ، وهو قول الأصمعي . ومنه قوله تعالى : { وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } [ الأنبياء : 18 ] . وقال الشاعر :
كسا اللؤم سهما خضرة في جلودها ... فويل لسهم من سرابيلها الخُضْرِ
والثالث : أنه الحزن ، قاله المفضل .
والرابع : أنه الخزي والهوان .
والخامس : أن الويل وادٍ في جهنم ، وهذا قول أبي سعيد الخدري .
والسادس : أنه جبل في النار ، وهو قول عثمان بن عفان .
{ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِم } أي يغيرون ما في الكتاب من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته .
وفي قوله تعالى : { بِأَيدِيهِم } تأويلان :
أحدهما : أنه أراد بذلك تحقيق الإضافة ، وإن كانت الكتابة لا تكون إلا باليد ، كقوله تعالى : { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ } .
والثاني : أن معنى { بِأَيْدِيهِم } أي من تلقاء أنفسهم ، قاله ابن السراج .
وفي قوله تعالى : { لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنَاً قَلِيلاً } تأويلان :
أحدهما : ليأخذوا به عرض الدنيا ، لأنه قليل المدة ، كما قال تعالى : { قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ } وهذا قول أبي العالية .
والثاني : أنه قليل لأنه حرام .
{ وَوَيلٌ لَّهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ } فيه وجهان :
أحدهما : من تحريف كتبهم .
والثاني : من أيام معاصيهم .
وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)
قوله تعالى : { وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً } والفرق بين اللمس والمس ، أن مع اللمس إحساساً . (1/66)
وفي الأيام المعدودة قولان :
أحدهما : أنها أربعون يوماً ، وهذا قول قتادة ، والسدي ، وعكرمة ، وأبي العالية ، ورواه الضحاك عن ابن عباس ، ومن قال بهذا اختلفوا في تقديرهم لها بالأربعين :
فقال بعضهم : لأنها عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل .
وقال ابن عباس : أن اليهود يزعمون أنهم ، وجدوا في التوراة مكتوباً ، أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة ، وهم يقطعون مسيرة كل سنة في يوم ، فإذا انقطع المسير انقضى العذاب ، وهلكت النار ، وهذا قول من قدر « المعدودة » بالأربعين .
والقول الثاني : أن المعدودة التي تمسهم فيها النار سبعة أيام ، لأنهم زعموا ، أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة ، وأنهم يُعَذَّبُون عن كل ألف سنة يوماً ، وهذا قول مجاهد ، ورواية سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)
قوله تعالى : { بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً } . أما ( بلى ) ، فجوات النفي ، وأما ( نعم ) فجواب الإيجاب ، قال الفراء : إذا قال الرجل لصاحبه : ما لك عَليَّ شيء ، فقال الآخر : نعم ، كان ذلك تصديقاً أن لا شيء عليه ، ولو قال بَلَى : كان رداً لقوله ، وتقديره : بَلَى لِيَ عليك . (1/67)
وقوله : { مَن كَسَبَ سَيِّئَةً } اختلفوا في السيئة ها هنا ، على قولين :
أحدهما : أنها الشرك ، وهذا قول مجاهد .
والثاني : أنها الذنوب التي وعد الله تعالى عليها النار ، وهذا قول السدي .
وقوله تعالى : { وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ } فيه تأويلان :
أحدهما : أنه مات عليها ، وهذا قول ابن جبير .
والثاني : أنها سَدَّتْ عليه المسالك ، وهذا قول ابن السراج .
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)
قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ } يعني في التوراة بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم . ويقال الميثاق الأول ( حين أُخرِجوا ) من صلب آدم . (1/68)
{ وَقُولُوا للِنَّاسِ حُسْناً } فمن قرأ حَسَناً ، يعني قولاً صدقاً في بعث محمد صلى الله عليه وسلم ، وبالرفع ، أي قولوا لجميع الناس حسناً ، يعني خالقوا الناس بِخُلُقٍ حسن .
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)
قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُ مِّن دِيَارِكُمْ } أما النفس فمأخوذة من النفاسة ، وهي الجلالة ، فنفس الإنسان أنفس ما فيه ، وأما الديار فالمنزل ، الذي فيه أبنية المقام ، بخلاف منزل الارتحال ، وقال الخليل : كل موضع حَلَّهُ قوم ، فهو دار لهم ، وإن لم يكن فيه أبنية . (1/69)
فإن قيل : فهل يسفك أحد دمه ، ويخرج نفسه من داره؟ ففيه قولان :
أحدهما : معناه لا يقتل بعضكم بعضاً ، ولا يخرجه من داره ، وهذا قول قتادة ، وأبي العالية .
والثاني : أنه القصاص الذي يقتص منهم بمن قتلوه .
وفيه قول ثالث : أن قوله « أنفسكم » أي إخوانكم فهو كنفس واحدة .
قوله تعالى : { تَظَاهَرُونَ عَليْهِم بالإثْمِ وَالعُدْوَانِ } يعني تتعاونون ، والإثم هو الفعل الذي يستحق عليه الذم ، وفي العدوان قولان :
أحدهما : أنه مجاوزة الحق .
والثاني : أنه في الإفراط في الظلم .
{ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُم } وقرأ حمزة { أُسْرَى } . وفي الفرق بين أَسْرَى وأُسَارَى قولان :
أحدهما : أن أَسْرَى جمع أسير ، وأُسَارَى جمع أَسْرَى .
والثاني : أن الأَسْرى الذين في اليد وإنْ لم يكونوا في وَثَاق ، وهذا قول أبي عمرو بن العلاء ، والأُسارَى : الذين في وَثَاق .
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)
قوله تعالى : { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ } يعني التوراة . (1/70)
{ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ } والتَّقْفِيَةُ : الإتْباع ، ومعناه : وأَتْبَعْنَا ، يقال اسْتَقْفَيْتُهُ إِذَا جئت من خلفه ، وسميت قافية الشعر قافية لأنها خلفه .
{ وَءَاتينا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ } وفيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن البينات الحجج .
والثاني : أنها الإنجيل .
والثالث : وهو قول ابن عباس ، أن البينات التي أوتيها عيسى إحياء الموتى ، وخلقه من الطين كهيئة الطير ، فيكون طيراً بإذن الله ، وإبراء الأسْقَام .
{ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدْسِ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن روح القدس الاسم الذي يحيي به عيسى الموتى ، وهذا قول ابن عباس .
والثاني : أنه الإنجيل ، سماه روحاً ، كما سمى الله القرآن روحاً في قوله تعالى : { وَكَذلِكَ أَوحَينَا إِلَيكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا } .
والثالث : وهو الأظهر ، أنه جبريل عليه السلام ، وهذا قول الحسن وقتادة ، والربيع ، والسدي ، والضحاك .
واختلفوا في تسمية جبريل بروح القدس ، على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه سُمِّيَ رُوحاً ، لأَنَّه بمنزلة الأرواح للأبدان ، يحيي بما يأتي به من البينات من الله عز وجل .
والثاني : أنه سمي روحاً ، لأن الغالب على جسمه الروحانية ، لرقته ، وكذلك سائر الملائكة ، وإنما يختص به جبريل تشريفاً .
والثالث : أنه سمي روحاً ، لأنه كان بتكوين الله تعالى له روحاً من عنده من غير ولادة .
والقُدُس فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : هو الله تعالى ، ولذلك سُمِّي عيسى عليه السلام روح القدس ، لأن الله تعالى كوَّنه من غير أب ، وهذا قول الحسن والربيع وابن زيد . قال ابن زيد : القدس والقدوس واحد .
والثاني : هو الظهر ، كأنه دل به على التطهر من الذنوب .
والثالث : أن القدس البركة ، وهو قول السدي .
وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)
قوله تعالى : { وَقَالُواْ : قُلُوبُنَا غُلْفٌ } فيه تأويلات : (1/71)
أحدهما : يعني في أَغْطِيَةٍ وَأَكِنَّةٍ لا تفقه ، وهذا قول ابن عباس ، ومجاهد وقتادة ، والسدي .
والثاني : يعني أوعية للعلم ، وهذا قول عطية ، ورواية الضحاك عن ابن عباس .
{ بَّل لَّعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ } وَاللَّعن : الطرد والإبعاد ، ومنه قول الشماخ :
ذعرتُ به القطا ونفيتُ عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين
ووجه الكلام : مقام الذئب اللعين كالرجل .
في قوله تعالى : { فَقَليلاً مَّا يُؤْمنُونَ } تأويلان :
أحدهما : معناه فقليل منهم من يؤمن ، وهذا قول قتادة ، لأن مَن آمن من أهل الشرك أكثر ممن آمن مِنْ أهل الكتاب .
والثاني : معناه فلا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ، وهو مروي عن قتادة . ومعنى { مَا } هنا الصلة للتوكيد كما قال مهلهل :
لو بأبانين جاء يخطبها ... خُضَّب ما أنف خاضب بدم
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)
قوله تعالى : { وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ } يعني القرآن { مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } فيه تأويلان : (1/72)
أحدهما : مصدق لما في التوراة والإنجيل من الأخبار التي فيهما .
والثاني : مصدق بأن التوراة والإنجيل من عند الله عز وجل .
{ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } يعني يستنصرون ، قال ابن عباس : إن اليهود كانوا يستنصرون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ، فلما بعثه الله تعالى من العرب كفروا به ، فقال لهم معاذ بن جبل ، وبشر بن البراء بن معرور : أو ما كنتم تخبروننا أنه مبعوث؟ فقال سلام بن مشكم : ما جاءنا بشيء نعرفه ، وما هو بالذي كنا نذكر لكم ، فأنزل الله تعالى ذلك .
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90)
قوله تعالى : { بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ } اشتروا بمعنى باعوا . (1/73)
{ أن يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْياً } يعني حسداً ، هكذا قال قتادة والسدي ، وأبو العالية ، وهم اليهود . والبغي شدة الطلب للتطاول ، وأصله الطلب ، ولذلك سميت الزانية بَغِياً ، لأنها تطلب الزنى .
وفي قوله تعالى : { فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ } ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الغضب الأول لكفرهم بعيسى ، والغضب الثاني لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا قول الحسن ، وعكرمة ، والشعبي ، وقتادة ، وأبي العالية .
والثاني : أنه ما تقدم من كفرهم في قولهم عُزير ابن الله ، وقولهم يد الله مغلولة ، وتبديلهم كتاب الله ، ثم كفرهم بمحمد .
والثالث : أنه لما كان الغضب لازماً لهم كان ذلك توكيداً .
{ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ } المهين : المذل . والعذاب على ضربين :
فالمهين منها عذاب الكافرين لأنه لا يمحص عنهم ذنوبهم .
والثاني : غير مهين وهو ما كان فيه تمحيص عن صاحبه ، كقطع يد السارق من المسلمين ، وحد الزاني .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92)
وقوله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ : ءَامِنُوا بِمَا أَنَزَلَ اللهُ } يعني القرآن . (1/74)
{ قَالُواْ : نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا } يعني التوراة .
{ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ } يعني بما بعده .
{ وَهُوَ الْحَقُّ } يعني القرآن .
{ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ } يعني التوراة ، لأن كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضاً .
{ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِن قَبْلُ } معناه فلم قتلتم ، فعبر عن الفعل الماضي بالمستقبل ، وهذا يجوز ، فيما كان بمنزلة الصفة ، كقوله تعالى : { وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ } أي ما تلت ، وقال الشاعر :
وإني لآتيكم بشكر ما مضى ... من الأمر واستحباب ما كان في غد
يعني ما يكون في غد ، وقيل معناه : فلم ترضون بقتل أنبياء الله ، إن كنتم مؤمنين؟
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)
قوله تعالى : { . . . خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ } يعني بجد واجتهاد . (1/75)
{ وَاسْمَعُواْ } فيه تأويلان :
أحدهما : يعني فاعملوا بما سمعتم .
الثاني : أي اقبلوا ما سمعتم ، كما قيل سمع الله لمن حمده ، أي قبل الله حمده ، وقال الراجز :
السمعُ والطاعة والتسليم ... خير وأعفى لبني تميم
{ قَالُوا : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } فيه تأويلان :
أحدهما : أنهم قالوا ذلك حقيقة ، ومعناه سمعنا قولك وعصينا أمرك .
والثاني : أنهم لم يقولوه ولكن فعلوا ما دل عليه ، فقام الفعل منهم مقام القول كما قال الشاعر :
امتلأ الحوض وقال قَطْني ... مهلاً رويداً قد ملأت بطني
{ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ } فيه تأويلان :
أحدهما : أن موسى برد العجل وذرّاه في الماء ، فكان لا يشربه أحد يحب العجل إلا ظهرت نخالة الذهب على شفتيه ، وهذا قول السدي ، وابن جريج .
والثاني : أنهم أُشربوا حب العجل في قلوبهم ، يقال أُشرِبَ قلبه حبَّ كذا ، قال زهير :
فصحوتُ عنها بعد حبٍّ داخل ... والحبُّ تُشربه فؤادَك : داءُ
قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)
قوله تعالى : { قُلْ : إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللهِ خَالِصَةً مِّن دُون النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } يعني اليهود تزعم أن الجنة خالصة لهم من دون الناس ، وفيه قولان : (1/76)
أحدهما : من دون الناس كلهم .
والثاني : من دون محمد وأصحابه الذين آمنوا به ، وهذا قول ابن عباس .
فقيل : { فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } لأنه من اعتقد أنه من أهل الجنة ، كان الموت أحب إليه من الحياة ، لما يصير إليه من نعم الجنة ، ويزول عنه من أذى الدنيا ، ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لَو أَنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوُا المَوتَ لَمَاتُوا وَرَأَوْا مَقَامَهُم مِنَ النَّارِ » . ثم قال تعالى : { وَلَنْ يَتَمَنَّوهُ أَبَدا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } تحقيقاً لكذبهم ، وفي تركهم إظهار التمني قولان :
أحدهما : أنهم علموا أنهم لو تمنوا الموت لماتوا ، كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ، فلذلك لم يتمنوه وهذا قول ابن عباس .
الثاني : أن الله صرفهم عن إظهار التمني ، ليجعل ذلك آية لنبيه صلى الله عليه وسلم .
ثم قال تعالى : { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ } يعني اليهود .
{ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا } يعني المجوس ، لأن المجوس هم الذين { يَودُّ أَحَدُهُمْ لو يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } ، كان قد بلغ من حبهم في الحياة أن جعلوا تحيتهم ( عش ألف سنة ) حرصاً على الحياة ، فهؤلاء الذين يقولون : أن لهم الجنة خالصة أحب في الحياة من جميع الناس ومن هؤلاء . { وَمَا هُو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ } أي بمباعده من العذاب { أَن يُعْمَّرُ } لأنه لو عمَّر ما تمنى ، لما دفعه طول العمر من عذاب الله على معاصيه .
قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)
قوله تعالى : { قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ } وسبب نزول هذه الآية ، أن ابن صوريا وجملة من يهود ( فدك ) ، لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة سألوه ، فقالوا : يا محمد كيف نومك؟ فإنه قد أخبرنا عن نوم النبي الذي يأتي في آخر الزمان ، فقال : « تَنَامُ عَيْنَايَ وَقَلْبِي يَقْظَانُ » قالوا : صدقت يا محمد ، فأخبرنا عن الولد يكون من الرجل أو المرأة؟ فقال : « أَمَّا العِظَامُ وَالعَصَبُ وَالعُرُوقُ فَمِنَ الرَّجُلِ ، وَأَمَّا اللَّحْمُ وَالدَّمُ وَالظُّفْر وَالشَّعْر فَمِنَ المَرْأَةِ » قالوا : صدقت يا محمد ، فما بال الولد يشبه أعمامه ، ليس فيه من شبه أخواله شيء ، أو يشبه أخواله ، ليس فيه من شبه أعمامه شيء؟ فقال : « أيهما علا ماؤه كان الشبه له » قالوا : صدقت يا محمد ، فأخبرنا عن ربك ما هو؟ فأنزل الله تعالى : قال { هُوَ اللهُ أَحَدٌ } [ الإخلاص الآية : 1 ] إلى آخر السورة ، قال له ابن صوريا : خصلة إن قلتها آمنتُ بك واتبعتُك ، أي ملك يأتيك بما يقول الله؟ قال : « جبريل » ، قال : ذاك عدونا ، ينزل بالقتال والشدة والحرب ، وميكائيل ينزل بالبشر والرخاء ، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك آمنا بك ، فقال : عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند ذلك : فإني أشهد أن من كان عدّواً لجبريل ، فإنه عدو لميكائيل ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فأما جبريل وميكائيل فهما اسمان ، أحدهما عبد الله والآخر عبيد الله ، لأن إيل هو الله وجبر هو عبد ، وميكا هو عبيد ، فكان جبريل عبد الله ، وميكائيل عبيد الله ، وهذا قول ابن عباس ، وليس له من المفسرين مخالف . (1/77)
فإن قيل : فلم قال : { مَن كَانَ عَدُوَّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌ لِلْكَافِرِينَ } وقد دخل جبريل وميكائيل في عموم الملائكة فلِمَ خصهما بالذكر؟ فعنه جوابان :
أحدهما : أنهما خُصَّا بالذكر تشريفاً لهما وتمييزاً .
والثاني : أن اليهود لما قالوا جبريل عدوّنا ، وميكائيل ولينا ، خُصَّا بالذكر ، لأن اليهود تزعم أنهم ليسوا بأعداء لله وملائكته ، لأن جبريل وميكائيل مخصوصان من جملة الملائكة ، فنص عليهما لإبطال ما يتأولونه من التخصيص ، ثم قال تعالى : { فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ } ، ولم يقل لهم ، لأنه قد يجوز أن ينتقلوا عن العداوة بالإيمان .
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103)
قوله عز وجل : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ } اختلف أهل التفسير في سبب ذلك ، على قولين : (1/78)
أحدهما : أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ويستخرجون السحر ، فَأَطْلَعَ الله سليمان ابن داود عليه ، فاستخرجه من أيديهم ، ودفنه تحت كرسيه ، فلم تكن الجن تقدر على أن تدنو من الكرسي ، فقالت الإنس بعد موت سليمان : إن العلم الذي كان سليمان يُسَخِّر به الشياطين والرياح هو تحت كرسيه ، فاستخرجوه وقالوا : كان ساحراً ولم يكن نبياً ، فتعلموه وعلّموه ، فأنزل الله تعالى براءة سليمان بهذه الآية .
والثاني : أن « آصف بن برخيا » وهو كاتب سليمان وَاطَأَ نَفَراً من الشياطين على كتاب كتبوه سحراً ودفنوه تحت كرسي سليمان ، ثم استخرجوه بعد موته وقالوا هذا سحر سليمان ، فبرأه الله تعالى من قولهم ، فقال : { وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ } ، وهم ما نسبوه إلى الكفر ، ولكنهم نسبوه إلى السحر ، لكن لما كان السحر كفراً صاروا بمنزلة من نسبه إلى الكفر .
قال تعالى : { وَلَكْنَّ الشَيَاطِينَ كَفَرُوا } فيه قولان :
أحدهما : أنهم كفروا بما نسبوه إلى سليمان من السحر .
والثاني : أنهم كفروا بما استخرجوه من السحر .
{ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } فيه وجهان :
أحدهما : أنهم ألقوه في قلوبهم فتعلموه .
والثاني : أنهم دلوهم على إخراجه من تحت الكرسي فتعلموه .
{ وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ } وفي { مَا } ها هنا وجهان :
أحدهما : بمعنى الذي ، وتقديره الذي أنزل على الملكين .
والثاني : أنها بمعنى النفي ، وتقديره : ولم ينزل على الملكين .
وفي الملكين قراءتان : إحداهما : بكسر اللام ، كانا من ملوك بابل وعلوجها
هاروت وماروت ، وهذا قول أبي الأسود الدؤلي ، والقراءة الثانية : بفتح اللام من الملائكة .
وفيه قولان :
أحدهما : أن سحرة اليهود زعموا ، أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود ، فأكذبهم الله بذلك ، وفي الكلام تقديم وتأخير ، وتقديره : وما كفر سليمان ، وما أنزل على الملكين ، ولكن الشياطين كفروا ، يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت ، وهما رجلان ببابل .
والثاني : أن هاروت وماروت مَلَكان ، أَهْبَطَهُما الله عز وجل إلى الأرض ، وسبب ذلك ، أن الله تعالى لما أطلع الملائكة على معاصي بني آدم ، عجبوا من معصيتهم له مع كثرة أَنْعُمِهِ عليهم ، فقال الله تعالى لهم : أما أنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم ، فقالوا : سبحانك ما ينبغي لنا ، فأمرهم الله أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض ، فاختاروا هاروت وماروت فأُهْبِطَا إلى الأرض ، وأحل لهما كل شيء ، على ألا يُشْرِكا بالله شيئاً ، ولا يسرقا ، ولا يزنيا ، ولا يشربا الخمر ، ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، فعرضت لهما امرأة وكان يحكمان بين الناس تُخَاصِمُ زوجها واسمها بالعربية : الزهرة ، وبالفارسية : فندرخت ، فوقعت في أنفسهما ، فطلباها ، فامتنعت عليهما إلا أن يعبدا صنماً ويشربا الخمر ، فشربا الخمر ، وعبدا الصنم ، وواقعاها ، وقتلا سابلاً مر بهما خافا أن يشهر أمرهما ، وعلّماها الكلام الذي إذا تكلم به المتكلم عرج إلى السماء ، فتكلمت وعرجت ، ثم نسيت ما إذا تكلمت به نزلت فمسخت كوكبا ، قال : كعب فوالله ما أمسيا من يومهما الذي هبطا فيه ، حتى استكملا جميع ما نهيا عنه ، فتعجب الملائكة من ذلك . ثم لم يقدر هاروت وماروت على الصعود إلى السماء ، فكانا يعلّمان السحر .
وذكر عن الربيع أن نزولهما كان في زمان ( إدريس ) . (1/79)
وأما السحر فقد اختلف الناس في معناه :
فقال قوم : يقدر الساحر أن يقلب الأعيان بسحره ، فيحول الإنسان حماراً ، وينشئ أعياناً وأجساماً .
وقال آخرون : السحر خِدَع وَمَعَانٍ يفعلها الساحر ، فيخيل إليه أنه بخلاف ما هو ، كالذي يرى السراب من بعيد ، فيخيل إليه أنه ماء ، وكواكب السفينة السائرة سيراً حثيثاً ، يخيل إليه أن ما عاين من الأشجار والجبال سائرة معه .
وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : سَحَرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يهوديٌ من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم ، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخيّل إليه أنه يفعل الشيءَ وما فعله .
قالوا : ولو كان في وسع الساحر إنشاء الأجسام وقلب الأعيان عما هي به من الهيئات ، لم يكن بين الباطل والحق فصل ، ولجاز أن يكون جميع الأجسام مما سحرته السحرة ، فقلبت أعيانها ، وقد وصف الله تعالى سحرة فرعون { . . . فَإِذَا حِبَالُهُمُ وَعِصِيُّهُمُ يُخَيَّلُ إِليْهِ مِن سِحْرِهِم أَنَّهَا تَسْعَى } .
وقال آخرون : وهو قول الشافعي إن الساحر قد يوسوس بسحره فيمرض وربما قتل ، لأن التخيل بدء الوسوسة ، والوسوسة بدء المرض ، والمرض بدء التلف .
فأما أرض { ببابل } ففيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها الكوفة وسوادها ، وسميت بذلك حيث تبلبلت الألسن بها وهذا قول ابن مسعود .
والثاني : أنها من نصيبين إلى رأس عين ، وهذا قول قتادة .
والثالث : أنها جبل نهاوند . وهي [ فطر ] من الأرض .
{ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ : إِنَّمَا نَحنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُر } بما تتعلمه من سحرنا .
{ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } في المراد بقوله « منهما » ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني من هاروت وماروت .
والثاني : من السحر والكفر .
والثالث : من الشيطان والملكين ، فيتعلمون من الشياطين السحر ، ومن الملكين ما يفرقون به بين المرء وزوجه .
{ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ } يعني السحر .
{ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ } فيه تأويلان :
أحدهما : يعني بأمر الله .
والثاني : بعلم الله .
{ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } يعني ما يضرهم في الآخرة ، ولا ينفعهم في الدنيا .
{ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ } يعني السحر الذي يفرقون به بين المرء وزوجه .
{ مَا لهُ فِي الأَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن الخلاق النصيب ، وهو قول مجاهد والسدي .
والثاني : أن الخلاق الجهة ، وهو قول قتادة .
والثالث : أن الخلاق الدين ، وهو قول الحسن .
قوله عز وجل : { وَلَبِئْسَ مَا شَرَواْ بِهِ أَنفُسَهُم لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } فيه تأويلان :
أحدهما : يعني ولبئس ما باعوا به أنفسهم من السحر والكفر في تعليمه وفعله .
والثاني : من إضافتهم السحر إلى سليمان ، وتحريضهم على الكذب .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)
قوله تعالى : { يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا } فيه تأويلان : (1/80)
أحدهما : معناه لا تقولوا . . . وهو قول عطاء .
والثاني : يعني ارعنا سمعك ، أي اسمع منا ونسمع منك ، وهذا قول ابن عباس ، ومجاهد .
واختلفوا لِمَ نُهِي المسلمون عن ذلك؟ على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها كلمة كانت اليهود تقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه الاستهزاء والسب؛ كما قالوا سمعنا وعصينا ، واسمع غير مسمع ، وراعنا ليّاً بألسنتهم ، فَنُهِيَ المسلمون عن قولها ، وهذا قول ابن عباس وقتادة .
والثاني : أن القائل لها ، كان رجلاً من اليهود دون غيره ، يقال له رفاعة بن زيد ، فَنُهِيَ المسلمون عن ذلك ، وهذا قول السدي .
والثالث : أنها كلمة ، كانت الأنصار في الجاهلية تقولها ، فنهاهم الله في الإسلام عنها .
{ وَقُولُوا انظُرْنَا } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : معناه أَفْهِمْنَا وبين لنا ، وهذا قول مجاهد .
والثاني : معناه أَمْهِلْنا .
والثالث : معناه أَقْبِلْ علينا وانظر إلينا .
{ وَاسْمَعُوا } يعني ما تؤمرون به .
مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107)
قوله تعالى : { مَا نَنْسَخْ مِنْ ءَايَةٍ } في ( معنى ) نسخها ثلاثة تأويلات : (1/81)
أحدها : أنه قبضها ، وهو قول السدي .
والثاني : أنه تبديلها ، وهو قول ابن عباس .
والثالث : أنه إثبات خطها وتبديل حكمها ، وهو قول ابن مسعود .
{ أَوْ نُنسِهَا } فيه قراءتان :
أحدهما : هذه ، والثانية : { أو ننسأها } .
فمن قرأ : { أو ننسها } ففي تأويله أربعة أوجه :
أحدها : أنه بمعنى أو نمسكها ، وقد ذكر أنها كانت في مصحف عبد الله ابن مسعود : { ما نُمْسِكُ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نَنْسَخْهَا نَجِيءُ بِخَيرٍ مِنْهَا أَو مِثْلِهَا } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يقرأ الآية ، ثم يَنْسَى وَتُرْفَعُ ، وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ : { مَا نَنْسَخْ مِنْ ءَايَةٍ نَنَسَهَا } ، بمعنى الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيكون تقديره أو تنسى أنت يا محمد ، وقال القاسم بن ربيعة لسعد بن أبي وقاص : فإن سعيد بن المسيب يقرأ : { أو ننسها } ، فقال سعد : إن القرآن لم ينزل على ابن المسيب ، ولا على آل المسيب قال الله تعالى : { سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى } [ الأعلى : 6 ] { وآذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } [ الكهف : 24 ] وهذا معنى قول مجاهد وقتادة .
والثاني : أن ذلك بمعنى الترك ، من قوله تعالى : { نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُم } ، أي تركوه فتركهم ، فيكون تقدير الكلام : { ما ننسخ من آية } يعني نَرفَعُها ونبدِّلُها ، { أو نُنْسِهَا } أي نتركها ولا نبدلها ولا ننسخها ، وهذا قول ابن عباس والسدي .
والثالث : أن قوله ما ننسخ من آية أو ننسها قال : الناسخ والمنسوخ ، وهذا قول الضحاك .
والرابع : أن معنى ننسها أي نَمْحُها ، وهذا قول ابن زيد .
وأما من قرأ : { أو نَنْسَأُهَا } فمعناه نؤخرها ، من قولهم نَسَأْتُ هذا الأمر ، إذا أخرته ، ومن ذلك قولهم : بعت بنسَاءٍ أي بتأخير ، وهذا قول عطاء وابن أبي نجيح .
{ نَأْتِ بِخَيرٍ مِّنْها أو مِثْلِهَا } فيه تأويلان :
أحدهما : أي خير لكم في المنفعة ، وأرفق بكم ، وهذا قول ابن عباس :
والثاني : أن معنى خير منها ، أي أخف منها ، بالترخيص فيها ، وهذا معنى قول قتادة . فيكون تأويل الآية ، ما نغير من حكم آية فنبدله ، أو نتركه فلا نبدله ، نأت بخير لكم أيها المؤمنون حكماً منها ، إما بالتخفيف في العاجل ، كالذي كان من نسخ قيام الليل تخفيفاً ، وإما بالنفع بكثرة الثواب في الآجل ، كالذي كان من نسخ صيام أيام معدودات بشهر رمضان .
وقوله تعالى : { أَوَ مِثْلِهَا } يعني مثل حكمها ، في الخفة والثقل والثواب والأجر ، كالذي كان من نسخ استقبال بيت المقدس ، باستقبال الكعبة ، وذلك مثله في المشقة والثواب { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٌُ قَدِيرٌ } .
{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ } فإن قيل : أو كان النبي صلى الله عليه وسلم غير عالم بأن الله على كل شيء قدير ، وأن الله له ملك السموات والأرض؟ قيل : عن هذا ثلاثة أجوبة :
أحدها : أن قوله ألم تعلم بمعنى أعلمت .
والثاني : أنه خارج مخرج التقرير ، لا مخرج الاستفهام . كما قال الله تعالى : { وَإِذْ قَالَ : اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَم أَنتَ قُلْتَ لِلْنَّاسِ : اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ } [ المائدة : 116 ] خرج مخرج التقرير لا مخرج الاستفهام .
والثالث : أن هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد به أمته ، ألا تراه قال بعد ذلك : { وَمَا لَكُم مِّنْ دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } .
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)
قوله تعالى : { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يرُدَّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً } سبب نزولها ، ما رُوِيَ أن نفراً من اليهود ، منهم فنحاص ، وزيد بن قيس ، دعوا حذيفة وعمار إلى دينهما ، وقالوا نحن أهدى منكم سبيلاً ، فقال لهم عمار : وكيف نقض العهد عندكم؟ قالوا : شديد ، قال عمار : فإني عاهدت ربي ألا أكفر بمحمد أبداً ، ولا أتبع ديناً غير دينه ، فقالت اليهود : أما عمار فقد صبأ وضل عن سواء السبيل ، فكيف أنت يا حذيفة؟ فقال حذيفة : الله ربي ، ومحمد نبيي ، والقرآن إمامي ، أطيع ربي ، وأقتدي برسولي ، وأعمل بكتاب ربي . فقالا : وإلهِ موسى ، لقد أُشْرِبَتْ قلوبُكُما حبَّ محمد ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية . (1/82)
{ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَق } يعني من بعد ما تبين لليهود ، أن محمداً نبي صادق ، وأن الإسلام دين حق .
{ فَاْعْفُوا وَاصْفَحُوا } يعني بقوله فاعفوا ، أي اتركوا اليهود ، واصفحوا عن قولهم { حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ } يعني مَا أَذِنَ بِهِ في ( بني قريظة ) ، من القتل والسبي ، وفي ( بني النضير ) من الجلاء والنفي .
وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)
قوله عز وجل : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنَ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } أما المساجد فهي مواضع العبادات ، وفي المراد بها هنا قولان : (1/83)
أحدهما : ما نسب إلى التعبد من بيوت الله تعالى استعمالاً لحقيقة الاسم .
والثاني : أنَّ كُلَّ موضع من الأرض ، أقيمت فيه عبادة من بيوت الله وغيرها مسجد ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِداً » . وفي المانع مساجد الله أن يُذْكَرَ فيها اسمه ، أربعة أقاويل :
أحدها : أنه بُخْتَ نصر وأصحابه من المجوس الذين خربوا بيت المقدس ، وهذا قول قتادة .
والثاني : أنهم النصارى الذين أعانوا ( بُخْتَ نَصّر ) على خرابه ، وهذا قول السدي .
والثالث : أنهم مشركو قريش ، منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام عام الحديبية ، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد .
والرابع : أنه عَامٌّ في كل مشرك ، منع من كل مسجد .
وفي قوله تعالى : { وَسَعَى في خَرَابِهَا } تأويلان :
أحدهما : بالمنع من ذكر الله فيها .
والثاني : بهدمها .
{ أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خَآئِفِينَ } فيه تأويلان :
أحدهما : خائفين بأداء الجزية ، وهذا قول السدي .
والثاني : خائفين من الرعب ، إن قُدر عليهم عوقبوا ، وهذا قول قتادة .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)
{ لَهُمْ في الدُّنْيَا خِزْيٌ } فيه تأويلان : (1/84)
أحدهما : أنه قتل الحربي وجزية الذمي .
والثاني : أنه فتح مدائنهم عمورية ، وقسطنطينية ، ورومية ، وهذا قول ابن عباس .
{ وَلَهُمْ في الأخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } هو أشد من كل عذاب ، لأنهم أظلم من كل ظالم .
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)
قوله تعالى : { وَاللهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ } اختلف أهل التأويل في تأويلها ، وسبب نزولها ، على سبعة أقاويل : (1/85)
أحدها : أن سبب ذلك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يستقبل بصلاته بيت المقدس بعد هجرته ستة عشر شهراً ، أو سبعة عشر شهراً ، حتى قالت اليهود : إن محمداً وأصحابه ، ما دروا أين قبلتهم حتى هديناهم ، فأمرهم الله تعالى باستقبال الكعبة ، فتكلمت اليهود ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وهذا قول ابن عباس .
والثاني : أن هذه الآية نزلت قبل أن يفرض استقبال القبلة ، فأباح لهم أن يتوجهوا بصلاتهم حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب ، وهذا قول قتادة وابن زيد .
والثالث : أنها نزلت في صلاة التطوع للسائر حيث توجه ، وللخائف حيث تمكن من مشرق أو مغرب ، وهذا قول ابن عمر ، روى سعيد بن جبير عنه أنه قال : لما نزلت هذه الآية { فَأَينَمَا تُولُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ } أن تصلي أينما توجهت بك راحلتك في السفر تطوعاً ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع من مكة يصلي على راحلته تطوعاً ، يومئ برأسه نحو المدينة .
والرابع : أنها نزلت ، فيمن خفيت عليهم القبلة ، ولم يعرفوا جهتها ، فَصَلُّوا إلى جهات مختلفة .
روى عاصم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة ، فنزلنا منزلاً ، فجعل الرجل يأخذ الأحجار ، فيعمل مسجداً يصلي فيه ، فلما أصبحنا إذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة ، فقلنا : يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه إلى غير القبلة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
والخامس : أنها نزلت في النجاشي ، وروى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إِنَّ أَخَاكُم النَّجَاشِيّ قَدْ مَاتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ » قالوا نصلي على رجل ليس بمسلم ، قال فنزلت : { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم خَاشِعِينَ لِلُّه } [ سورة آل عمران الآية : 199 ] قالوا : فإنه كان لا يصلي إلى القبلة ، فأنزل الله تعالى : { وَلِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمغْرِبُ فَأينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ } .
والسادس : أن سبب نزولها أن الله تعالى لما أنزل قوله : { ادعُوني أسْتَجِبْ لَكُم } قالوا إلى أين؟ فنزلت : { فأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ } [ البقرة : 115 ] .
والسابع : أن معناه وحيثما كنتم من مشرق أو مغرب ، فلكم قبلة تستقبلونها ، يعني جهة إلى الكعبة ، وهذا قول مجاهد .
ويجيء من هذا الاختلاف في قوله : { فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ } تأويلان : أحدهما : معناه فثم قبلة الله .
والثاني : فثم الله تعالى ، ويكون الوجه عبارة عنه ، كما قال تعالى : { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ } [ الرحمن : 27 ] .
وأما { ثَمَّ } فهو لفظ يستعلم في الإشارة إلى مكان ، فإن كان قريباً قيل : ( هنا زيد ) ، وإن كان بعيداً قيل : ( هناك زيد ) .
وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)
قوله تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً } فيه قولان : (1/86)
أحدهما : أنهم النصارى في قولهم : المسيح ابن الله .
والثاني : أنهم مشركو العرب في قولهم : الملائكة بنات الله .
{ سُبْحَانَهُ ، بَل لَّهُ مَا في السَّمَواتِ والأَرْضِ } قوله : { سُبْحَانَهُ } تنزيهاً له من قولهم { اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً } .
قوله : { لَهُ مَا في السَّمَواتِ والأَرْضِ } أي خالق ما في السموات والأرض .
{ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أي مطيعون ، وهذا قول قتادة ، والسدي ، ومجاهد .
والثاني : أي مقرون له بالعبودية ، وهو قول عكرمة .
والثالث : أي قائمون ، يعني يوم القيامة ، وهذا قول الربيع ، والقانت في اللغة القائم ، ومنه القنوت في الصلاة ، لأنه الدعاء في القيام .
قوله تعالى : { بَدِيعُ السَّمَواتِ والأَرْضِ } يعني منشئها على غير حد ولا مثال ، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه ، يقال له مبدع ، ولذلك قيل لمن خالف في الدين : مبتدع ، لإحداثه ما لم يسبق إليه { وَإِذَا قَضَى أَمْراً } أي أحكمه وحتمه ، وأصله الإحكام والفراغ ، ومنه قيل للحاكم قاض ، لفصله الأمور وإحكامه بين الخصوم ، وقيل للميت قد قَضَى أي فرغ من الدنيا ، قال أبو ذؤيب :
وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تُبّع
معنى قضاهما أي أحكمهما . وقال الشاعر في عمر بن الخطاب :
قضيت أموراً ثم غادرت بعدها ... بوائج في أكمامها لم تفتق
{ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فإن قيل في أي حال يقول له كن فيكون؟ أفي حالة عدمه أم في حال وجوده؟ فإن كان في حال عدمه ، استحال أن يأمر إلا مأموراً ، كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من آمر ، وإن كان في حال وجوده ، فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث ، لأنه موجود حادث؟ .
قيل : عن هذا السؤال أجوبة ثلاثة :
أحدها : أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود ، كما أمر في بني إسرائيل ، أن يكونوا قردة خاسئين ، ولا يكون هذا وارداً في إيجاد المعدومات .
الثاني : أن الله عز وجل عالم ، بما هو كائن قبل كونه ، فكانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة بعلمه ، قبل كونها مشابهة للأشياء التي هي موجودة ، فجاز أن يقول لها كوني ، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود ، لتصور جميعها له ولعلمه بها في حال العدم .
والثالث : أن ذلك خبر من الله تعالى ، عامٌ عن جميع ما يُحْدِثُه ، ويكوّنه ، إذا أراد خلقه وإنشاءه كان ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله ، وإنما هو قضاء يريده ، فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولاً ، كقول أبي النجم :
قد قالت الأنساع للبطن الحق ... قدما فآضت كالغسق المحقق
ولا قول هناك ، وإنما أراد أن الظهر قد لحق بالبطن ، وكقوله عمرو بن حممة الدوسي .
فأصبحت مثل النسر طارت فراخه ... إذا رام تطياراً يقال له قَعِ
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)
قوله تعالى : { وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِيَنَآ ءَايَةٌ } فيهم ثلاثة أقاويل : (1/87)
أحدها : أنهم النصارى ، وهو قول مجاهد .
والثاني : أنهم اليهود ، وهو قول ابن عباس .
والثالث : أنهم مشركو العرب ، وهو قول قتادة والسدي . وقوله : { لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ } يعني هَلاَّ يكلمنا الله ، كقول الأشهب بن رملية :
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضَوْطَرَى لولا الكمى المقنعا
بمعنى هل لا تعدون الكمى المقنعا .
{ كَذلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ } فيهم قولان :
أحدهما : أنهم اليهود ، وهو قول مجاهد .
والثاني : أنهم اليهود والنصارى ، وهو قول قتادة .
قوله تعالى : { تَشَابَهتْ قُلُوْبُهُمْ } يعني في الكفر ، وفيه وجهان :
أحدهما : تشابهت قلوب اليهود لقلوب النصارى ، وهذا قول مجاهد .
والثاني : تشابهت قلوب مشركي العرب لقلوب اليهود والنصارى ، وهذا قول قتادة .
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)
قوله تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً } يعني محمداً أرسله بدين الحق . (1/88)
{ بَشِيراً وَنَذِيراً } يعني بشيراً بالجنة لمن أطاع ، ونذيراً بالنار لمن عصى .
{ وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ } أي لا تكون مؤاخذاً بكفرةِ من كفر بعد البشرى والإنذار ، وقرأ بعض أهل المدينة : ولا تَسَلْ عن أصحاب الجحيم ، بفتح التاء وجزم اللام ، وذكر أن سبب نزولها ، ما رواه موسى بن عبيد عن محمد بن كعب القرظي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لَيْتَ شِعري مَا فَعَلَ أَبَوَاي » فأنزل الله تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ } .
وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)
قوله تعالى : { الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حقَّ تِلاَوَتِهِ } فيه قولان : (1/89)
أحدهما : أنهم المؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والكتاب هو القرآن ، وهذا قول قتادة .
والثاني : أنهم علماء اليهود ، والكتاب هو التوراة ، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد .
{ يتلونه حق تلاوته } فيه تأويلان :
أحدهما : يقرؤونه حق قراءة .
والثاني : يتبعونه حق اتباعه ، فيحللون حلاله ، ويحرمون حرامه ، وهذا قول الجمهور .
{ أولئك يؤمنون به } يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم ، لأن من قرأ أحد الكتابين ، آمن به ، لِمَا فيهما من وجوب اتباعه .
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)
قوله تعالى : { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلماتٍ فأتمهن } فيه محذوف وتقديره : واذكر إذا ابتلى يعني اختبر ، وإبراهيم بالسريانية أب رحيم ، وفي الكلمات التي ابتلاه الله عز وجل بها ، ثمانية أقاويل : (1/90)
أحدها : هي شرائع الإِسلام ، قال ابن عباس : ما ابتلى الله أحداً بهن ، فقام بها كلها ، غير إبراهيم ، ابتلي بالإِسلام فأتمه ، فكتب الله له البراءة فقال : { وإبراهيم الذي وَفَّى } [ النجم : 37 ] قال : وهي ثلاثون سهماً :
عشرة منها في سورة براءة : { التائبون ، العابدون ، الحامدون ، السائحون ، الراكعون ، الساجدون } [ التوبة : 112 ] .
وعشرة في الأحزاب : { إنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ، وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ ، وَالصَادِقينَ والصَادِقَاتِ ، وَالصَابِرِينَ وَالصَابِرَاتِ ، وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ ، وَالْمُتَصَدِّقِينَ ، واَلْمُتَصَدِّقَاتِ ، وَالصَائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ ، وَالْحَافِظِينَ فروجَهُم وَالْحافِظَاتِ ، وَالذَاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالْذَّاكِرَاتِ ، أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغَفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } [ الأحزاب : 35 ] .
وعشرة في سورة المؤمنين : { قَدْ أفْلَحَ الْمُؤمِنُونَ ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِم خَاشِعُونَ ، وَالَّذِينَ هُم عَنِ اللَّغُوِ مُعْرِضُونَ ، وَالَّذيِنَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ، إلاَّ عَلَى أزْوَاجِهِم أوْ مَا مَلَكَتْ أيمَانُهُم فَإِنَّهُم غَيرُ مَلُومِينَ ، فَمن ابتغى وَرَاءَ ذلِكَ فَأولئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ، وَالَّذِينَ هُمُ لأَمَانَاتِهِم وَعَهْدِهِم رَاعُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ، أُولئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ، الَّذِينَ يَرِثُونِ الْفِرْدَوسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ المؤمنون : 1 - 11 ] وفي سورة سأل سائل من { إلا المُصَلِّينَ ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ } [ المعارج : 23 ] ، إلى { وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِم يُحَافظُون } [ المعارج : 34 ] .
والقول الثاني : إنها خصال من سُنَنِ الإسلام ، خمس في الرأس ، وخمس في الجسد ، فروى ابن عباس في الرأس : قص الشارب ، والمضمضة ، والاستنشاق ، والسواك ، وفرق الرأس . وفي الجسد تقليم الأظفار ، وحلق العانة ، والختان ، ونتف الإبط ، وغسل أثر البول والغائط بالماء . وهذا قول قتادة .
والقول الثالث : إنها عشر خصال ، ست في الإنسان وأربع في المشاعر ، فالتي في الإنسان : حَلْقُ العانة ، والختان ، ونَتْفُ الإبط ، وتقليم الأظفار ، وقص الشارب ، والغُسل يوم الجمعة . والتي في المشاعر : الطواف ، والسعي بين الصفا والمروة ، ورمي الجمار ، والإفاضة . روى ذلك الحسن عن ابن عباس .
والقول الرابع : إن الله تعالى قال لإبراهيم : إني مبتليك يا إبراهيم ، قال : تجعلني للناس إماماً؟ قال نعم ، قال : ومن ذريتي؟ قال : لا ينال عهدي الظالمين ، قال : تجعل البيت مثابة للناس؟ قال : نعم ، قال : وأمناً؟ قال : نعم ، قال : وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك؟ قال : نعم ، قال : وأرنا مناسكنا وتب علينا؟ قال : نعم ، قال : وتجعل هذا البلد آمناً؟ قال : نعم ، قال : وترزق أهله من الثمرات من آمن؟ قال : نعم ، فهذه الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم ، وهذا قول مجاهد .
والخامس : أنها مناسك الحج خاصة ، وهذا قول قتادة .
والقول السادس : أنها الخلال الست : الكواكب ، والقمر ، والشمس ، والنار ، والهجرة ، والختان ، التي ابتلي بهن فصبر عليهن ، وهذا قول الحسن .
والقول السابع : ما رواه سهل بن معاذ بن أنس عن أمه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفّى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى : سبحان الله حين تُمْسُونَ وحينَ تُصْبِحُونَ ، وله الحمْدُ في السّموَاتِ والأرْضِ وعَشِيّاً وحين تُظْهِرُونَ » . والقول الثامن ، ما رواه القاسم بن محمد ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « وَإبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى } قَالَ : أتَدْرُونَ مَا وَفَّى؟ قَالُوا : اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ ، قَالَ : وَفّى عَمَلَ يَوْمٍ بِأرْبَعِ رَكْعَاتٍ فِي النَّهَارِ » (1/91)
{ قَالَ إنَّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَاماً } أي مقصوداً متبوعاً ، ومنه إمام المصلين ، وهو المتبوع في الصلاة .
{ قال ومن ذريتي } فاحتمل ذلك وجهين :
أحدهما : أنه طمع في الإمامة لذريته ، فسأل الله تعالى ذلك لهم .
والثاني : أنه قال ذلك استخباراً عن حالهم ، هل يكونون أهل طاعة فيصيروا أئمة؟ فأخبره الله تعالى أن فيهم عاصياً وظالماً ، لا يستحق الإمامة ، فقال : { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } .
وفي هذا العهد ، سبعة تأويلات :
أحدها : أنه النبوة ، وهو قول السدي .
والثاني : أنه الإمامة ، وهو قول مجاهد .
والثالث : أنه الإيمان ، وهو قول قتادة .
والرابع : أنه الرحمة ، وهو قول عطاء .
والخامس : أنه دين الله وهو قول الضحاك .
والسادس : أنه الجزاء والثواب .
والسابع : أنه لا عهد عليك لظالم أنه تطيعه في ظلمة ، وهو قول ابن عباس .
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)
قوله تعالى : { وَإذْ جَعَلْنَا مَثَابَةً لِلنَّاسِ } فيه قولان : (1/92)
أحدهما : مجمعاً لاجتماع الناس عليه في الحج والعمرة .
والثاني : مرجعاً من قولهم قد ثابت العلة إذا رجعت . وقال الشاعر :
مثاباً لأفناءِ القبائل كلها ... تحب إليها اليعملات الذوامل
وفي رجوعهم إليه وجهان :
أحدهما : أنهم يرجعون إليه المرة بعد المرة .
والثاني : أنهم في كل واحد من نُسُكَيَ الحج والعمرة يرجعون إليه من حل إلى حرم؛ لأن الجمع في كل واحد من النسكين بين الحل والحرم شرط مستحق .
قال تعالى : { وَأَمْناً } فيه قولان :
أحدهما : لأمنه في الجاهلية من مغازي العرب ، لقوله : { وءَامَنَهُم مِنْ خَوفٍ } [ قريش : 4 ] .
والثاني : لأمن الجناة فيه من إقامة الحدود عليهم حتى يخرجوا منه .
{ وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى } روى حماد ، عن أنس بن مالك قال : قال عمر بن الخطاب : قلت يا رسول الله ، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ، فأنزل الله تعالى : { وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى } بكسر الخاء من قوله واتخذوا على وجه الأمر ، وقرأ بعض أهل المدينة : { وَاتَّخّذُوا } بفتح الخاء على وجه الخبر .
واختلف أهل التفسير في هذا المقام ، الذي أُمِرُوا باتخاذه مصلى ، على أربعة أقاويل :
أحدها : الحج كله ، وهذا قول ابن عباس .
والثاني : أنه عرفة ومزدلفة والجمار ، وهو قول عطاء والشعبي .
والثالث : أنه الحرم كله ، وهو قول مجاهد .
والرابع : أنه الحجر الذي في المسجد ، وهو مقامه المعروف ، وهذا أصح .
وفي قوله : { مُصَلَّى } تأويلان :
أحدهما : مَدْعَى يَدْعِي فيه ، وهو قول مجاهد .
والثاني : أنه مصلى يصلي عنده ، وهو قول قتادة ، وهو أظهر التأويلين .
قوله تعالى : { وَعَهِدْنآ إِلى إبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ } فيه تأويلان :
أحدهما : أي أَمَرْنَا .
والثاني : أي أوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل .
{ أنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ } فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : من الأصنام .
والثاني : من الكفار .
والثالث : من الأنجاس .
وقوله تعالى : { بَيْتِيَ } يريد البيت الحرام .
فإن قيل : فلم يكن على عهد إبراهيم ، قبل بناء البيت بيت يطهر ، قيل : عن هذا جوابان :
أحدهما : معناه وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن ابنيا بيتي مُطَهَّراً ، وهذا قول السدي .
والثاني : معناه أن طهرا مكان البيت .
{ لِلطَّائِفِينَ } فيهم تأويلان :
أحدهما : أنهم الغرباء الذين يأتون البيت من غربة ، وهذا قول سعيد بن جبير .
والثاني : أنهم الذين يطوفون بالبيت ، وهذا قول عطاء .
{ وَالْعَاكِفِينَ } فيهم أربعة تأويلات :
أحدها : أنهم أهل البلد الحرام ، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة .
والثاني : أنهم المعتكفون وهذا قول مجاهد .
والثالث : أنهم المصلون وهذا قول ابن عباس .
والرابع : أنهم المجاورون للبيت الحرام بغير طواف ، وغير اعتكاف ، ولا صلاة ، وهذا قول عطاء .
{ والرُّكَّعِ السُّجُودِ } يريد أهل الصلاة ، لأنها تجمع ركوعاً وسجوداً .
قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً } يعني مكة { وَارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ } ليجمع لأهله الأمن والخصب ، فيكونوا في رغد من العيش . (1/93)
{ مَنْ ءَآمَنَ مِنْهُم بِاللهِ } فيه وجهان :
أحدهما : أن هذا من قول إبراهيم متصلاً بسؤاله ، أن يجعله بلداً آمناً ، وأن يرزق أهله الذين آمنوا به من الثمرات ، لأن الله تعالى قد أعلمه بقوله : { لاَ يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } أن فيهم ظالماً هو بالعقاب أحق من الثواب ، فلم يسأل أهل المعاصي سؤال أهل الطاعات .
والوجه الثاني : أنه سؤاله كان عاماً مرسلاً ، وأن الله تعالى خص الإجابة لمن آمن منهم بالله واليوم الآخر ، ثم استأنف الإخبار عن حال الكافرين ، بأن قال : { وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً } يعني في الدنيا .
{ ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذَابِ النَّارِ } يعني بذنوبه إن مات على كفره .
واختلفوا في مكة ، هل صارت حراماً آمناً بسؤال إبراهيم أو كانت فيه كذلك؟ على قولين :
أحدهما : أنها لم تزل حرماً مِنَ الجَبَابِرَةِ والمُسَلَّطِينَ ، ومن الخسوف والزلازل ، وإنما سأل إبراهيم ربَّه : أن يجعله آمناً من الجذب والقحط ، وأن يرزق أهله من الثمرات ، لرواية سعيد بن المقبري ، قال : سمعت أبا شريح الخزاعي يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما افتتح مكة ، قتلت خزاعة رجلاً من هذيل ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فقال : « يأَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمواتِ وَالأرْضَ فَهِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لاَ يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليومِ الآخرِ أَنْ يَسْفِكَ فِيها دَماً أَوْ يُعَضِّدُ بِهَا شَجَراً ، وَأَنَّهَا لاَ تَحِلُّ لأحَدٍ بَعْدِي وَلَمْ تَحِلَّ لِي إِلاَّ هَذِهِ السَّاعَةَ غَضَباً عَلَى أَهْلِهَا ، ألاَ وَهِيَ قَدْ رَجِعَتْ عَلَى حَالِهَا بِالأَمْسِ ، ألاَ لِيُبَلِّغَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ . فَمَنْ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَدْ قَتَلَ بِهَا فَقُولُوا : إنَّ الله تَعَالَى قَدْ أَحَلَّهَا لِرَسُولِهِ وَلَمْ يُحِلَّهَا لَكْ »
والثاني : أن مكة كانت حلالاً قبل دعوة إبراهيم ، كسائر البلاد ، وأنها بدعوته صارت حرماً آمنا ، وبتحريمه لها ، كما صارت المدينة بتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم حراماً ، بعد أن كانت حلالاً ، لرواية أشعب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال : « إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ عَبْدَ اللهِ وَخَلِيله ، وَإِنِّي عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وإِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا عَضَاهَا وَصَيْدُهَا ، لاَ يُحْمَلُ فِيهَا سِلاَحٌ لِقِتَالٍ ، وَلاَ يُقْطَعُ مِنْهَا شَجَرٌ لَعَلَفٍ »
قوله تعالى : { وَإَذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ } أول من دله الله تعالى على مكان البيت إبراهيمُ ، وهو أول من بناه مع إسماعيل ، وأول من حجه ، وإنما كانوا قَبْلُ يصلون نحوه ، ولا يعرفون مكانه .
والقواعد من البيت واحدتها قاعدة ، وهي كالأساس لما فوقها .
{ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } والمعنى : يقولان ربنا تقبل منا ، كما قال تعالى : { وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيكُم } أي يقولون سلام عليكم ، وهي كذلك في قراءة أبيّ بن كعب : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ وَيَقُولاَنِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } . وتفسير « إسماعيل » : إسمع يا الله ، لأن إيل بالسريانية هو الله ، لأن إبراهيم لما دعا ربه قال : اسمع يا إيل ، فلما أجابه ورزقه بما دعا من الولد ، سمّى بما دعا .
قوله تعالى : { رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ } على التثنية ، وقرأ عوف الأعرابي : { مُسْلِمِينَ لك } على الجمع . ويقال : أنه لم يدع نَبيُّ إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهيم فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته لهذه الأمة في قوله : { وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } والمسلم هو الذي استسلم لأمر الله وخضع له ، وهو في الدين القابل لأوامر الله سراً وجهراً . (1/94)
{ وأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } أي عرفنا مناسكنا ، وفيها تأويلان :
أحدهما : أنها مناسك الحج ومعالمه ، وهذا قول قتادة والسدي .
والثاني : أنها مناسك الذبائح التي تنسك لله عز وجل ، وهذا قول مجاهد وعطاء .
والمناسك جمع منسك ، واختلفوا في تسميته منسكاً على وجهين :
أحدهما : لأنه معتاد ويتردد الناس إليه في الحج والعمرة ، من قولهم إن لفلان منسكاً ، إذا كان له موضع معتاد لخير أو شر ، فسميت بذلك مناسك الحج لاعتيادها .
والثاني : أن النسك عبادة الله تعالى ، ولذلك سُمِّي الزاهد ناسكاً لعبادة ربه ، فسميت هذه مناسك لأنها عبادات .
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)
قوله تعالى : { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِم } يعني في هذه الأمة { رَسُولاً مِنْهُم } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ، وقيل في قراءة أبيّ بن كعب { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِي آخِرِهِم رَسُولاً مِنْهُم } . (1/95)
وقد روى خالد بن معدان : أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله أخبرنا عن نفسك ، قال : « نَعَم ، أَنَا دَعْوَةُ إبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى عِيسَى
» . { يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِكَ } فيه تأويلان :
أحدهما : يقرأ عليهم حجتك .
والثاني : يبين لهم دينك .
{ ويُعَلِّمُهُم الْكِتَابَ } يعني القرآن .
{ وَالْحِكْمَة } فيها تأويلان :
أحدهما : أنها السنة ، وهو قول قتادة .
والثاني : أنها المعرفة بالدين ، والفقه فيه ، والاتباع له ، وهو قول ابن زيد .
{ وَيُزَكِّيهِم } فيه تأويلان :
أحدهما : معناه يطهرهم من الشرك بالله وعبادة الأوثان .
والثاني : يزكيهم بدينه إذا اتبعوه فيكونون به عند الله أزكياء .
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)
قوله تعالى : { وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } فيه ثلاثة تأويلات : (1/96)
أحدها : أن ذلك سفّه نفسه ، أي فَعَلَ بها من السفه ما صار به سفيهاً ، وهذا قول الأخفش .
والثاني : أنها بمعنى سفه في نفسه ، فحذف حرف الجر كما حذف من قوله تعالى : { وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ } أي عَلَى عقدة النكاح ، وهذا قول الزجَّاج .
والثالث : أنها بمعنى أهلك نفسه وأوْبَقَهَا ، وهذا قول أبي عبيدة .
قال المبرِّد وثعلب : سَفِه بكسر الفاء يتعدى ، وسفُه بضم الفاء لا يتعدى .
{ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا } أي اخترناه ، ولفظه مشتق من الصفوة ، فيكون المعنى : اخترناه في الدنيا للرسالة .
{ وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } لنفسه في إنجائها من الهلكة .
قوله تعالى : { وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ } الهاء كناية ترجع إلى الملة لتَقَدُّم قولهِ : { وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهيمَ } ووصّى أبلغ من أوصى ، لأن أوصى يجوز أن يكون قاله مرة واحدة ، وَوَصَّى لا يكون إلا مراراً . { وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ } والمعنى أن إبراهيم وَصَّى ، ثم وَصَّى بعده يعقوبُ بَنِيهِ ، فقالا جميعاً : { يَا بَنِيَّ إنَّ الله اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ } يعني اختار لكم الدين ، أي الإسلام ، { فَلاَ تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُمْ مُسْلِمُونَ } فإن قيل : كيف يُنْهَونَ عن الموت وليس من فعلهم ، وإنما يُمَاتُون؟ قيل : هذا في سعة اللغة مفهوم المعنى ، لأن النهي تَوَجَّهَ إلى مفارقة الإسلام ، لا إلى الموت ، ومعناه : الزموا الإسلام ولا تفارقوه إلى الموت .
أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)
قوله تعالى : { وَقَالُوا : كُونُوا هُوداً أوْ نَصَارى تَهْتَدُوا } يعني أن اليهودَ قالوا : كونوا هوداً تهتدوا ، وقالت النصارى : كونوا نصارى تهتدوا ، فرد الله تعالى ذلك عليهم ، فقال : { قُلْ : بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً } وفي الكلام حذف ، يحتمل وجهين : (1/97)
أحدهما : أن المحذوف بل نتبع ملة إبراهيم ، ولذلك جاء به منصوباً .
والثاني : أن المحذوف بل نهتدي بملة إبراهيم ، فلما حذف حرف الجر ، صار منصوباً ، والملة : الدين ، مأخوذ من الإملاء ، أي ما يُمْلُون من كتبهم .
وأما الحنيف ، ففيه أربعة تأويلات :
أحدها : أنه المخلص ، وهو قول السدي .
والثاني : أنه المتَّبع ، وهو قول مجاهد .
والثالث : الحاج ، وهو قول ابن عباس ، والحسن .
والرابع : المستقيم .
وفي أصل الحنيف في اللغة وجهان :
أحدهما : الميل ، والمعنى أن إبراهيم حَنَفَ إلى دين الله ، وهو الإسلام فسمي حنيفاً ، وقيل للرجل أحْنَف لميل كل واحدة من قدميه إلى أختها .
والوجه الثاني : أن أصله الاستقامة ، فَسُمِّي دين إبراهيم « الحنيفية » لاستقامته وقيل للرجل أحنف ، تطيّراً من الميل وتفاؤلاً بالاستقامة ، كما قيل لِلًّدِيغ سليم ، وللمُهْلِكةِ من الأرض مفازة .
قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)
قوله تعالى : { فَإِنْ ءَامَنُوا بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا } فإن قيل : فهل للإيمان مثل لا يكون إيماناً؟ قيل معنى الكلام : فإن آمنوا مثل إيمانكم ، وصدَّقوا مثل تصديقكم فقد اهتدوا ، وهذا هو معنى القراءة وإن خالف المصحف . (1/98)
{ وَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ } يعني في مشاقة وعداوة ، وأصل الشِّقَاقِ البُعْدُ ، من قولهم قد أخذ فلان في شِقٍّ ، وفلان في شِقٍّ آخر ، إذا تباعدوا . وكذلك قيل للخارج عن الجماعة ، قد شَقَّ عصا المسلمين لبُعْدِهِ عنهم .
قوله تعالى : { صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً } فيه تأويلان :
أحدهما : معناه دين الله ، وهذا قول قتادة .
وسبب ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماء لهم ، ويقولون هذا تطهير لهم كالختان ، فرد الله تعالى ذلك عليهم بأن قال : { صِبْغَةَ اللهِ } أي صبغة الله أحسن صبغة ، وهي الإسلام .
والثاني : أن صبغة الله ، هي خلقة الله ، وهذا قول مجاهد .
فإن كانت الصبغة هي الدين ، فإنما سُمِّيَ الدين صبغة ، لظهوره على صاحبه ، كظهور الصِّبْغِ عَلَى الثوبِ ، وإن كانت هي الخلقة فلإحداثه كإحداث اللون على الثوب .
قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141)
قوله عز وجل : { أَمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْرَاهِيمَ } يعني قالوا : { إنَّ إبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ وَإِسَحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ } وهم إثنا عشر سَبْطاً من ولد يعقوب ، والسَبْطُ الجماعة الذين يرجعون إلى أب واحد ، والسَبْطُ في اللغة : الشجر الذي يرجع بعضه إلى بعض { كَانُوا هُوداً أوْ نَصَارَى قُلْ : أَأَنْتُم أَعْلَمُ أمِ اللهُ } يعني اليهود تزعم أن هؤلاء كانوا هوداً ، والنصارى تزعم أنهم كانوا نصارى ، فرد الله عليهم بأن الله تعالى أعلم بهم منكم ، يعني بأنهم لم يكونوا هوداً ولا نصارى . (1/99)
{ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } من كتمان الشهادة ، والارتشاء عليها من أغنيائهم وسفائهم .
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)
قوله تعالى : { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ } السُّفَهَاءُ : واحده سَفِيه ، والسَّفِيهُ : الخفيف الحلم ، من قولهم ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج ، ورمح سفيه إذا أسرع نفوذه . (1/100)
وفي والمراد بالسفهاء هَا هُنَا ثلاثة أقاويل :
أحدها : اليهود ، وهو قول مجاهد .
والثاني : المنافقون ، وهو قول السدي .
والثالث : كفار قريش وحكاه الزجاج .
{ مَا ولاَّهم عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا } يعني ما صرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ، وهي بيت المقدس ، حيث كان يستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، بعد هجرته إلى المدينة بستة عشر شهراً في رواية البراء بن عازب ، وفي رواية معاذ بن جبل : ثلاثة عشر شهراً ، وفي رواية أنس بن مالك تسعة أشهر أو عشرة أشهر ، ثم نُسِخَتْ قبلةُ بيت المقدس باستقبال الكعبة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في صلاة الظهر وقد صلى منها ركعتين نحو بيت المقدس ، فانصرف بوجهه إلى الكعبة ، هذا قول أنس بن مالك ، وقال البراء بن عازب : كنا في صلاة العصر بقباء ، فمر رجل على أهل المسجد وهم ركوع في الثانية ، فقال : أشهد لقد صَلَّيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَلَ مكة ، فداروا كما هم قِبَلَ البيت ، وقِبَلُ كل شيءٍ : ما قَابَل وَجْهَه .
واختلف أهل العلم في استقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس ، هل كان برأيه واجتهاده ، أو كان عن أمر الله تعالى لقوله : { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ التَّي كُنْتَ عَلَيْهَا إلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبعُ الرَّسُوُلَ } ، وهذا قول ابن عباس وابن جريج .
والقول الثاني : أنه كان يستقبلها برأيه واجتهاده ، وهذا قول الحسن ، وعكرمة ، وأبي العالية ، والربيع . واختلفوا في سبب اختياره بيت المقدس على قولين :
أحدهما : أنه اختار بيت المقدس ليتألَّف أهل الكتاب ، وهذا قول أبي جعفر الطبري .
والثاني : لأن العرب كانت تحج البيت غير آلفة لبيت المقدس ، فأحب الله أن يمتحنهم بغير ما ألفوه ، ليعلم من يتبع ممن ينقلب على عَقِبَيْهِ ، وهذا قول أبي إسحاق الزجاج ، فلما استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة ، قال ابن عباس : أتى رفاعة بن قيس وكعب بن الأشرف والربيع وكنانة بن أبي الحُقَيْقِ ، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ولاّك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملةِ إبراهيم ودينه؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها ، نتبعك ونصدقك . وإنما يريدون فتنته عن دينه ، فأنزل الله تعالى : { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيها؟ قُل : لِلَّهِ الْمَشْرِقْ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقيمٍ } يعني حيثما أمر الله تعالى باستقباله من مشرق أو مغرب والصراط : الطريق : والمستقيم : المستوي .
قوله تعالى : { وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً } . فيه ثلاثة تأويلات : (1/101)
أحدها : يعني خياراً ، من قولهم فلان وسط الحَسَبِ في قومه ، إذا أرادوا بذلك الرفيع في حسبه ، ومنه قول زهير :
هُمْ وَسَطٌ يَرْضَى الإلهُ بِحُكْمِهِمْ ... إذَا نَزَلَت إِحْدَى اللَّيالي بِمُعَظَّمِ
والثاني : أن الوسط من التوسط في الأمور ، لأن المسلمين تَوَسَّطُوا في الدين ، فلا هم أهل غلوٍّ فيه ، ولا هم أهل تقصير فيه ، كاليهود الذين بدَّلوا كتاب الله وقتَّلوا أنبياءهم وكَذَبوا على ربهم ، فوصفهم الله تعالى بأنهم وسط ، لأن أحب الأمور إليه أوسطها .
والثالث : يريد بالوسط : عدلاً ، لأن العدل وسط بين الزيادة والنقصان ، وقد روى أبو سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمَّةً وَسَطاً } أي عَدْلاً .
{ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : لتشهدوا على أهل الكتاب ، بتبليغ الرسول إليهم رسالة ربهم .
والثاني : لتشهدوا على الأمم السالفة ، بتبليغ أنبيائهم إليهم رسالة ربهم ، وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أن الأمم السالفة تقول لهم : كيف تشهدون علينا ولم تشاهدونا ، فيقولون أعْلَمَنَا نبيُّ الله بما أُنْزِلَ عليه من كتاب الله .
والثالث : أن معنى قوله : { لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } أي لتكونوا مُحْتَجِّينَ على الأمم كلها ، فعبر عن الاحتجاج بالشهادة ، وهذا قول حكاه الزجاج .
{ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يكون الرسول شهيداً على أمته أنْ قد بلّغ إليهم رسالة ربه .
والثاني : أنّ معنى ذلك أنْ يكون شهيداً لهم بإيمانهم ، وتكون ( عليهم ) بمعنى ( لهم ) .
والثالث : أن معنى قوله : { وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيداً } أي مُحْتَجّاً .
{ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا } أي بيت المقدس ، { إلاّ لِنَعَلَمَ مَن يَتَّبعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ } فإن قيل : الله أعلم بالأشياء قبل كونها ، فكيف جعل تحويل القِبْلة طريقاً إلى علمه؟ قيل : في قوله : { إلاَّ لِنَعْلَمَ } أربعة تأويلات :
أحدها : يعني إلا ليعلم رسولي ، وحزبي ، وأوليائي؛ لأن من شأن العرب إضافة ما فعله أتْباعُ الرئيس إليه ، كما قالوا : فتح عمرُ بنُ الخطاب سوادَ العراق وجبي خَرَاجَهَا .
والثاني : أن قوله تعالى : { إلاَّ لِنَعْلَمَ } بمعنى : إلا لنرى ، والعرب قد تضع العلمَ مكان الرؤية ، والرؤية مكان العلم ، كما قال تعالى { ألَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحَابِ الْفِيلِ } [ الفيل : 1 ] يعني : ألم تعلم .
والثالث : قوله تعالى : { إلاَّ لِنَعْلَمَ } بمعنى إلا لتعلموا أننا نعلم ، فإنّ المنافقين كانوا في شك من علم الله بالأشياء قبل كونها .
والرابع : أن قوله : { إلاَّ لِنَعْلَمَ } بمعنى إلا لنميز أهل اليقين من أهل الشك ، وهذا قول ابن عباس .
قوله تعالى : { مَن يَتَّبعُ الرَّسُولَ } بمعنى فيما أمر به من استقبال الكعبة { مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ } بمعنى : ممن يَرْتَدُّ عن دينه ، لأن المرتد راجع مُنْقَلِب عما كان عليه ، فشبهه بالمُنْقلِب على عقبه ، لأن القبلة لمَّا حُوِّلَتْ ارْتَدَّ من المسلمين قَوْمٌ ، ونافق قوم ، وقالت اليهود : إن محمداً قد اشتاق إلى بلد أبيه ، وقالت قريش : إن محمداً قد علم أننا على هدى وسَيُتَابِعُنَا .
ثم قال تعالى : { وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرةً إلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ } فيه ثلاثة تأويلات : (1/102)
أحدها : معناه وإن التولية عن بيت المقدس إلى الكعبة والتحويل إليها لكبيرةٌ ، وهذا هو قول ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة .
والثاني : إن الكبيرة هي القبلة بعينها التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها من بيت المقدس قبل التحويل ، وهذا قول أبي العالية الرياحي .
والثالث : أن الكبيرة هي الصلاة ، التي كانوا صَلَّوْهَا إلى القبلة الأولى ، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد .
ثم قال تعالى : { وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُم } يعني صلاتكم إلى بيت المقدس ، فسمى الصلاة إيماناً لاشتمالها على نية وقول وعمل ، وسبب ذلك أن المسلمين لما حُوِّلُوا عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة ، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف من مات من إخواننا؟ فأنزل الله عز وجل : { وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضيعَ إيمَانَكُم } .
فإن قيل : هم سألوه عن صلاةِ غيرهم ، فأجابهم بحال صلاتهم؟ قيل : لأن القوم أشفقوا ، أن تكون صلاتهم إلى بيت المقدس مُحْبَطةً لمنْ مات ومن بقي ، فأجابهم بما دَلَّ على الأمرين ، على أنه قد روى قوم أنهم قالوا : كيف تضيع صلاتنا إلى بيت المقدس فأنزل الله تعالى ذلك . { إنَّ الله بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } الرأفة : أشد من الرحمة ، وقال أبو عمر عمرو بن العلاء : الرأفة أكثر من الرحمة .
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)
قوله تعالى : { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَآءِ } هذه الآية متقدمة في النزول على قوله تعالى : { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِن النَّاسِ } . (1/103)
وفي قوله : { تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَاءِ } تأويلان :
أحدهما : معناه : تحول وجهك نحو السماء ، وهذا قول الطبري .
والثاني : معناه : تقلب عينيك في النظر إلى السماء ، وهذا قول الزجاج .
{ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبلةً تَرضاها } يعني الكعبة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرضاها ويختارها ويسأل [ ربه ] أن يُحوَّل إليها .
واختُلِفَ في سبب اختياره لذلك على قولين :
أحدهما : مخالفة اليهود وكراهة لموافقتهم ، لأنهم قالوا : تتبع قبلتنا وتخالفنا في ديننا؟ وبه قال مجاهد ، وابن زيد .
والثاني : أنه اختارها ، لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم ، وبه قال ابن عباس .
فإن قيل : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راض ببيت المقدس أن يكون له قبلة ، حتى قال تعالى له في الكعبة { فَلَنُوَلِّيَنَّكْ قِبْلَةً تَرْضَاهَا } ؟ قيل : لا يجوز أن يكون رسول الله غير راض ببيت المقدس ، لَمَّا أمره الله تعالى به ، لأن الأنبياء يجب عليهم الرضا بأوامر الله تعالى ، لكن معنى ترضاها : أي تحبها وتهواها ، وإنما أحبها مع ما ذكرنا من القولين الأولين ، لما فيها من تآلف قومه وإسراعهم إلى إجابته ، ويحتمل أن يكون قوله : { تَرْضَاهَا } محمولاً على الحقيقة بمعنى : ترضى ما يحدث عنها من التأليف ، وسرعة الإجابة ، ثم قال تعالى مجيباً لرغبته وآمراً بطَلِبَتِه : { فَولِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } أي حَوِّلْ وجهك في الصلاة ، شطر المسجد الحرام أي : نحو المسجد الحرام ، كما قال الهذلي :
إنَّ العسير بها دَاءٌ يُخَامِرُها ... فشطرُهَا نظَرُ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ
أي نحوها ، والشطر من الأضداد ، يقال : شطر إلى كذا إذا أقبل نحوه ، وشطر عن كذا إذا بَعُدَ منه وأعرض عنه ، وشِطْرُ الشيء : نصفه ، فأما الشاطر من الرجال فلأنه قد أخذ في نحوٍ غير الإِستواء .
قوله تعالى : { الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } يعني به الكعبة ، لأنها فيه فعبر به عنها . واختلف أهل العلم في المكان ، الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يولي وجهه إليه :
فقال عبد الله بن عمرو بن العاص : { فَلَنُولِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا } قال : حيال ميزاب الكعبة .
وقال عبد الله بن عباس : البيت كله ، وقبلة البيت الباب .
ثم قال تعالى : { وَحَيْثُمَا كَنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُم شَطْرَهُ } يعني نحو المسجد الحرام أيضاً تأكيداً للأمر الأول لأن عمومه يقتضيه ، لكن أراد بالتأكيد احتمال التخصيص ، ثم جعل الأمر الأول مواجهاً به النبي صلى الله عليه وسلم ، والثاني مواجهاً به جميع الناس ، فكلا الأمرين عام في النبي صلى الله عليه وسلم وجميع أمته ، لكن غاير بين الأمرين ليمنع من تغيير الأمر في المأمور به ، وليكون كل واحد منهما جارياً على عمومه .
ثم قال تعالى : { وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } يعني اليهود والنصارى .
{ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ } يعني تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة .
{ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } من الخوض في إِفْتَانِ المسلمين عن دينهم بذلك .