صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : تفسير المنتخب |
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (72) وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)
70- ولقد كرمنا أولاد آدم بحسن القوام والنطق وتخير الأشياء ، وأعطيناهم الكرامة والعزة إن أطاعوا ، وحملناهم فى البر على الدواب ، وفى البحر على السفن ، ورزقناهم من المستلذات ، وفضلناهم على كثير من المخلوقات بالعقل والتفكير تفضيلا عظيماً . (1/479)
71- واذكر - أيها النبى - لقومك يوم ندعو كل جماعة بشعارهم الذى يعرفون به ، أو زعيمهم من رئيس اتبعوه ، أو نبى ، أو كتاب ، فيقال : يا أهل موسى ، يا أهل القرآن ، وهكذا ليتسلموا كتب أعمالهم ، فمن أعطى كتاب أعماله بيمينه - وهم السعداء - فأولئك يقرأون كتابهم مبتهجين ولا ينقصون من أجورهم أدنى شئ .
72- وأما الفريق الآخر فيغمه ما يرى ، وتسد عليه مسالك النجاة ، ويعمى عن كشف ضره ، كما كان أعمى فى الدنيا عن طريق الحق والرشاد ، ومن كان فى الدنيا أعمى فهو أشد فى الآخرة وأبعد عن سبيل الخير .
73- وإن المشركين يتفننون فى محاولة صرفك عن القرآن لتطلب غيره من المعجزات ، وتكون كالمفترى علينا ، وحينئذ يتخذونك صاحباً لهم ، وإن هذه المحاولات قد تكررت وكثرت ، وكان من شأنها أن تقربك مما يريدون ولكنك رسولنا الأمين .
74- وقد شملك لطفنا فصرفناك عن الاستجابة لهم ، وثبتناك على الحق ، ولولا ذلك لأوشكت أن تميل إلى استجابتهم طمعاً فى أن يكمل إيمانهم يوماً إذا دخلوا فى أوائل الإسلام .
75- ولو قاربت الركون إليهم لجمعنا عليك عذاب الدنيا وضاعفناه ، وعذاب الآخرة وضاعفناه ، ثم لا تجد لك نصيراً علينا يمنع عنك العذاب ، ولكن لا يكون ذلك أبدا لأنه ممتنع على رسولنا الأمين .
وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77) أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)
76- ولقد حاول كفار مكة - وكادوا أن يزعجوك من أرض مكة بعداوتهم ومكرهم - ليخرجوك منها ، ولو تحقق منهم ذلك لا يبقون بعد خروجك منها إلا زمناً قليلا ، ثم يغلبون على أمرهم وتكون الكلمة لله . (1/480)
77- وذلك كطريقنا فى الرسل قبلك من إهلاك من أخرجوا نبيهم ، ولن تجد لطريقنا تبديلا .
78- أقم الصلاة المفروضة من أول زوال الشمس من وسط السماء نحو الغرب إلى ظلمة الليل ، وهى صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، وأقم صلاة الفجر التى تشهدها الملائكة .
79- وتيقظ من نومك فى بعض الليل فتهجد بالصلاة عبادة زائدة على الصلوات الخمس خاصة بك ، رجاء أن يقيمك ربك يوم القيامة مقاماً يحمدك فيه الخلائق .
80- وقل : يا رب أدخلنى إدخالا مرضياً كريماً فى كل ما أدخل فيه من أمر أو مكان ، وأخرجنى منه إخراجاً مرضياً كريماً ، واجعل من فضلك قوة تنصرنى بها على أعدائى .
81- وقل منذراً قومك - المشركين - : جاء الحق من التوحيد والدين الصحيح والعدل ، وذهب الباطل والشرك والدين الفاسد ، إن الباطل مضمحل زائل دائماً .
82- وكيف لا يقوى الحق ونحن ننزل من القرآن ما هو شفاء لما فى الصدور من الشك والريب ، وسبب رحمة لمن آمن به ، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا لكفرهم به .
وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (84) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89)
83- وإن فى طبع الإنسان الغرور والقنوط ، فإذا أنعمنا عليه بالصحة والسعة ، أعرض عن ذكرنا ودعائنا ، وبَعُدَ عنا بنفسه تكبراً وتعاظماً ، وإذا مسه الشر كالمرض والفقر ، كان شديد القنوط من رحمة الله . (1/481)
84- قل - أيها النبى - لكفار قريش - رغبة عن إثارة الشر والجدال - : كل منا ومنكم يعمل ويسير على طريقته ، فربكم عليم علماً ليس فوقه علم بمن هو أوضح طريقاً واتباعاً للحق فيؤتيه أجره موفوراً ، ومن هو اضل سبيلا فيعاقبه بما يستحق .
85- ويسألك - يا محمد - قومك - بإيعاز من اليهود - عن حقيقة الروح ، قل : الروح من علم ربى الذى استأثر به ، وما أوتيتم من العلم إلا شيئاً قليلاً فى جانب علم الله تعالى .
86- ولئن أردنا أن نمحو من صدرك القرآن الذى أوحينا إليك لفعلنا ثم لا تجد من يقوم لك وينصرك .
87- ولكن أبقيناه رحمة من ربك لأن فضله فى هذه المعجزة كان عليك عظيماً .
88- قل لهم متحدياً : أن يأتوا بمثله وإنهم ليعجزون ، ولئن اجتمعت الإنس والجن وتعاونوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن فى نظمه ومعانيه ، لا يستطيعون ، ولو كانوا متعاونين بعضهم يظاهر بعضا .
89- ولقد نوعنا مناهج البيان بوجوه مختلفة للناس فى هذا القرآن من كل معنى هو كالمثل فى غرابته فأبى أكثر الناس إلا الجحود والإنكار .
وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (96)
90- ولما ظهر إعجاز القرآن ولزمتهم الحُجة ، اقترحوا الآيات والمعجزات ، فعل المحجوج المبهوت المتحير ، فقالوا : لن نؤمن حتى تفجر لنا من أرض مكة عيْناً لا ينقطع ماؤها . (1/482)
91- أو يكون لك بمكة بستان من نخيل وعنب فتفجر الأنهار وسطه تفجيراً كثيراً .
92- أو تسقط السماء فوق رؤوسنا قطعاً كما زعمت أن الله توعدنا بذلك ، أو تأتى بالله والملائكة نقابلهم معاينة ومواجهة .
93- أو يكون لك بيت من زخرف من ذهب ، أو تصعد فى السماء ولن نصدقك فى هذه الحال إلا إذا جئتنا بكتاب من الله يقرر فيه صدقك نقرؤه ، قل لهم : أنزه ربى عن أن يتحكم فيه أحد ، أو يشاركه فى قدرته ، ما كنت إلا بشراً كسائر الرسل ، ولم يأتوا قومهم بآية إلا بإذن الله .
94- وما منع مشركى مكة أن يذعنوا للحق حين جاءهم الوحى مقروناً بالمعجزات إلا زعمهم جهلا منهم أن الله تعالى لا يبعث رسله من البشر بل من الملائكة . 95- قل - يا محمد - رداً عليهم : لو كان فى الأرض بدل البشر ملائكة يمشون فيها كالآدميين مستقرين فيها ، لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا من جنسهم ، ولكن الملائكة لا يكونون كالبشر ، ولو كانوا لجاءوا فى صورة البشر .
96- وقل : إن أنكرتم رسالتى فكفى بالله حاكماً بينى وبينكم مقرراً صدق رسالتى إليكم ، إنه كان بعباده عالماً بأحوالهم بصيراً بأفعالهم وهو مجازيهم عليها .
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (98) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (100) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101)
97- وقل لهم : من يهده الله لحسن استعداده فهو المهتدى ، ومن يضلله لفساد طبعه فلن تجد له أنصاراً غيره يهدونهم فى الدنيا ، ونحشرهم فى الآخرة مسحوبين على وجوههم لا ينظرون ولا ينطقون ولا يسمعون ، ومكانهم الذى يأوون إليه جهنم كلما ضعف لهيبها زادها الله تَلَهُّباً واشتعالاً . (1/483)
98- ذلك العذاب جزاؤهم بسبب كفرهم بالأدلة التى أقمناها لهم على الحق ، وقولهم : أنبعث خَلْقاً جديداً بعد أن نصير عظاماً ورفاتاً؟ .
99- أغفلوا ولم يعلموا أن الله الذى خلق السموات والأرض - مع عظمهما - قادر على أن يخلق مثلهم من الإنس والجن ، ومن هو قادر على ذلك كيف لا يقدر على إعادتهم ، وهى أهون عليه ، وقد جعل - سبحانه - لإعادتهم بعد الموت أجلا محددا لا شك فى حصوله وهو يوم القيامة ، ومع ذلك أبى الذين ظلموا أنفسهم بالكفر ، بعد إقامة هذه الحُجة إلا جحودا .
100- قل لهؤلاء المشركين : لو كنتم تملكون خزائن رزق ربى لبخلتم خشية الفقر ، لأن الإنسان مطبوع على شدة الحرص والبخل ، والله هو الغنى الجواد ، يمنح ما شاء لمن يشاء ، وينزل من المعجزات ما شاء لا ما شاء الناس ، وهو فى ذلك كله حكيم عليم .
101- ولو أوتى هؤلاء من الآيات ما اقترحوا لصرفوها عن وجهها ، ولم يؤمنوا بها ، ولقد آتينا موسى تسع آيات واضحات ومع ذلك كفروا ، وقال فرعون : إنى لأظنك مسحورا يا موسى .
قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106) قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)
102- قال موسى : لقد علمت يا فرعون أن الذى أنزل هذه الآيات هو رب السموات والأرض ، لأنه هو الذى يقدر عليها وهى واضحات تبصرك بصدقى ، ولكنك تكابر وتعاند ، وإنى لأظنك يا فرعون هالكاً إذا لم ترجع عن عنادك . (1/484)
103- فتمادى فرعون فى طغيانه ، فأراد أن يخرج موسى وبنى إسرائيل من أرض مصر ، فأغرقناه مع جنوده جميعاً .
104- ونجَّينا موسى وقومه ، وقلنا من بعد إغراق فرعون لبنى إسرائيل : اسكنوا الأرض المقدسة بالشام ، فإذا جاء وقت الحياة الأخرى جئنا بكم من قبوركم مختلطين ثم نحكم بينكم بالعدل .
105- وما أنزلنا القرآن إلا مؤيداً بالحكمة الإلهية التى اقتضت إنزاله ، وهو فى ذاته وما نزل إلا مشتملا على الحق كله ، فعقائده هى الصحيحة ، وأحكامه هى المستقيمة ، وما أرسلناك - أيها النبى - إلا مبشراً لمن آمن بالجنة ، ونذيراً لمن كفر بالنار . فليس عليك شئ إذا لم يؤمنوا .
106- وقد فرَّقنا هذا القرآن ونزَّلناه منجما على مدة طويلة لتقرأه على الناس على مهل ليفهموه ، نزلناه شيئاً بعد شئ تنزيلا مؤكداً لا شبهة فيه .
107- قل لكفار مكة تهديداً لهم : اختاروا لأنفسكم ما تحبون من الإيمان بالقرآن أو عدمه ، فإن الذين أوتوا العلم الصحيح والإدراك السليم من قبل نزوله ، إذا يتلى عليهم يقعون على الوجوه سجداً ، شكراً لله على نعمته .
108- ويقولون : تنزه ربنا عن خلف الوعد الذى وعد به من نعيم وعذاب ، إن وعده كان حاصلا لا محالة .
109- ويقعون ثانيا على الوجوه سجداً باكين من خوف الله ، ويزيدهم القرآن تواضعاً لله .
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)
110- قل لهؤلاء المشركين : سموا الله باسم الله أو اسم الرحمن فأى اسم تسمونه فهو حسن ، وهو تعالى له الأسماء الحسنى ، ولا شبهة لكم فى أن تعدد الأسماء يستوجب تعدد المسمى . وإذا قرأت القرآن فى صلاتك فلا ترفع صوتك به ، لئلا يسمع المشركون فيسبوك ويؤذوك ، ولا تسر به فلا يسمع المؤمنون ، وكن وسطا فى قراءتك . (1/485)
111- وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا لعدم حاجته إليه ، ولم يكن له شريك فى الملك ، لأنه - وحده - منشئه ، ولم يكن له ناصر يعطيه عزة من ذُلٍّ لحقه ، وعظِّم ربك تعظيماً يليق به .
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1)
1- الثناء الجميل مستحق لله تعالى الذى أنزل على عبده محمد صلى الله تعالى عليه وسلم القرآن ، ولم يجعل فيه شيئاً من الانحراف عن الصواب ، بل كان فيه الحق الذى لا ريب فيه . (1/486)
قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا (9)
2- وجعله قيماً مستقيماً فى تعاليمه لينذر الجاحدين بعذاب شديد صادر من عنده ، ويبشر المصدقين الذين يعملون الأعمال الصالحات بأن لهم ثواباً جزيلاً . (1/487)
3- هو الجنة خالدين فيها أبدا .
4- ويُنذر - على وجه الخصوص - الذين قالوا عن الله : إنه اتخذ ولدا ، وهو المنزه عن أن يكون كالحوادث يَلِدُ أو يُوَلَدُ له .
5- وليس عندهم علم بذلك ولا عند آبائهم من قبل ، فما أعظم الافتراء فى هذه الكلمة التى تجرءوا على إخراجها من أفواههم! ما يقولون : إلا افتراء ليس بعده افتراء .
6- لا تهلك نفسك - أيها النبى - أسفاً وحزناً على إعراضهم عن دعوتك غير مصدقين بهذا القرآن .
7- إنا قد خلقناهم للخير والشر ، وصيَّرنا ما فوق الأرض زينة لها ومنفعة لأهلها ، لنعاملهم معاملة المختبر ليُظهر منهم الأصلح عملا ، فمن استهوته الدنيا ولم يلتفت إلى الآخرة ضلَّ ، ومن آمن بالآخرة اهتدى .
8- وإنا لمصيِّرون عند انقضاء الدنيا ما فوقها مثل أرض مستوية لا نبات فيها ، بعد أن كانت خضراء عامرة بمظاهر الحياة .
9- لقد أنكر الذين استهوتهم الدنيا بزينتها البعث ، مع أن الوقائع تثبت الحياة بعد الرقود الطويل ، وهذه قصة أهل الكهف فى الجبل واللوح الذى رقمت فيه أسماؤهم بعد موتهم لم تكن عجباً وحدها دون سائر الآيات ، وإن كان شأنها خارقاً للعادة ، فليس أعجب من آياتنا الدالة على قدرتنا .
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)
10- اذكر حين صار هؤلاء الفتيان إلى هذه المغارة وجعلوها مأوى لهم ، فراراً بدينهم من الشرك والمشركين ، فقالوا : يا ربنا آتنا من عندك مغفرة وأمناً من عدونا ، ويسِّر لنا من شأننا هداية وتوفيقا . (1/488)
11- فاستجبنا دعاءهم فَأنَمْنَاهُمْ آمنين فى الكهف سنين عديدة .
12- ثم أيقظهم الله بعد أن ظلوا نياماً أمداً طويلاً ، لتكون عاقبة ذلك إظهار عِلْمنا بمن أصاب من الفريقين فى تقدير مدة مكثهم .
13- نحن نقص عليك - أيها الرسول - خبرهم بالصدق : إنهم فتيان كانوا قبل العهود السابقة على دين الحق ، صدَّقوا بوحدانية ربهم وسط قوم مشركين وزدناهم يقينا .
14- وثبتنا قلوبهم على الإيمان والصبر على الشدائد حين قاموا فى قومهم فقالوا متعاهدين : ربنا أنت الحق رب السموات والأرض لن نعبد من غيره إلها ، ولن نتحول عن هذه العقيدة . والله إذا قلنا غير هذا لكان قولنا بعيداً عن الصواب .
15- ثم قال بعضهم لبعض : هؤلاء قومنا أشركوا بالله غيره ، هلاَّ يأتون على ألوهية من يعبدونهم من دون الله بحُجة ظاهرة؟ إنهم لظالمون فيما فعلوا ، ولا أحد أشد ظلماً ممن افترى على الله كذباً بنسبة الشريك إليه .
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16)
16- وقال بعضهم لبعض : ما دمنا قد اعتزلنا القوم فى كفرهم وشركهم فالجأوا إلى الكهف فراراً بدينكم ، يبسط لكم ربكم من مغفرته ، ويسهل لكم من أمركم ما تنتفعون به من مرافق الحياة . (1/489)
وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18) وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20)
17- وقد كان فى الكهف فتحة متسعة فى الجبل ، وهى متجهة إلى الشمال يجيئهم منها النسيم العليل ، وإذا طلعت الشمس من الشرق عن يمينهم مالت أشعتها عنهم ، وإذا غربت عن يسارهم تجاوزتهم ولم تدخل أشعتها فى كهفهم ، فحرارة الشمس لا تؤذيهم . ونسيم الهواء يأتيهم ، وذلك كله من دلائل قدرة الله ، ومن يوفقه الله لإدراكها يهتدى ، ومن لا يوفقه فلا مرشد له من بعد . (1/490)
18- وتظنهم - أيها الناظر - منتبهين ، وفى الحقيقة هم نيام ، ونقلبهم فى نومهم يمينا مرة ويسارا مرة لنحفظ أجسامهم من تأثير الأرض ، وكلبهم - الذى صاحبهم - مادا ذراعيه بالفناء وهو نائم أيضاً فى شكل اليقظان ، لو اطلعت - أيها المخاطب - عليهم وهم على تلك الحال لفررت منهم هاربا ، ولملئ قلبك منهم فزعا لهيبتهم فى منامهم ، فلا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم ، كيلا يدنو منهم أحد ، ولا تمسهم يد حتى تنتهى المدة .
19- وكما أنَمْنَاهم أيقظناهم ليسأل بعضهم بعضاً عن مدة مكثهم نائمين ، فقال واحد منهم : ما الزمن الذى مكثتموه فى نومكم؟ فقالوا : مكثنا يوماً أو بعض يوم ، ولما لم يكونوا مُسْتَيقنين من ذلك قالوا : اتركوا الأمر لله ، فهو الأعلم به ، وليذهب واحد منكم بهذه العملة الفضية إلى المدينة وليتخير أطيب الأطعمة فيأتيكم بطعام منه ، وليكن حسن التفاهم ، ولا يظهرن أمركم لأحد من الناس .
20- إنهم إن رأوكم يقتلوكم رجماً بالحجارة أو يعيدوكم إلى الشرك بالقوة ، وإذا عدتم إليه فلن تفلحوا فى الدنيا والآخرة .
وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21) سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22) وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25)
21- وكما أنمناهم وبعثناهم أطلعنا أهل المدينة عليهم ليعلم المطلعون أن وعد الله بالبعث حق ، وأن القيامة لا شك فى إتيانها . فآمن أهل المدينة بالله واليوم الآخر ، ثم أمات الله الفتية فتنازعوا فى شأنهم ، فقال بعضهم : ابنوا على باب الكهف بنياناً ونتركهم وشأنهم فربهم أعلم بحالهم ، وقال أصحاب الكلمة فى القوم : لنتخذن على مكانهم مسجداً للعبادة . (1/491)
22- سيقول فريق من الخائضين فى قصتهم من أهل الكتاب : هم ثلاثة رابعهم كلبهم ، ويقول آخرون : هم خمسة سادسهم كلبهم . ظنا خالياً من الدليل ، ويقول آخرون : هم سبعة وثامنهم كلبهم . قل لهؤلاء المختلفين : ربى عليم علماً ليس فوقه علم بعددهم . ولا يعلم حقيقته إلا قليل من الناس أطلعهم الله على عددهم ، فلا تجادل هؤلاء المختلفين فى شأن الفتية إلا جدالا ظاهراً ليناً دون محاولة إقناعهم ، فإنهم لا يقتنعون . ولا تسأل أحداً منهم عن نبئهم ، فقد جاءك الحق الذى لا مِرْيَة فيه .
23- ولا تقولن لشئ تُقْدِم عليه وتهتم به : إنى فاعل ذلك فيما يستقبل من الزمان .
24- إلا قولا مقترناً بمشيئة الله بأن تقول : إن شاء الله! وإذا نسيت أمراً فتدارك نفسك بذكر الله ، وقل عند اعتزامك أمراً وتعليقه على مشيئة الله : عسى أن يوفقنى ربى إلى أمر خير مما عزمت عليه وأرشد منه .
25- وإن الفتية مكثوا فى كهفهم نياماً ثلاثمائة سنين زادت تسعا .
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِع مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)
26- وقل - أيها الرسول - للناس : إن الله - وحده - هو العالم بزمنهم كله ، إنه - سبحانه - هو المختص بعلم الغيب فى السموات والأرض ، فما أعظم بصره فى كل موجود ، وما أعظم سمعه لكل مسموع ، وما لأهل السموات والأرض من يتولى أمورهم غيره ، ولا يشرك فى قضائه أحداً من خلقه . (1/492)
27- واقرأ - أيها الرسول - ما أُوحى إليك من القرآن ، ومنه ما أُوحى إليك من نبأ الفتية ، ولا تستمع لما يهزأون به من طلب تبديل معجزة القرآن بمعجزة أخرى ، فإنه لا مغيِّر لما ينبئه الله بكلمة الحق فى معجزاته ، فإنه لا يقدر أحد على تبديله ، ولا تخالف أمر ربك ، فإنك حينئذ لن تجد غيره ملجأ يحفظك منه .
28- واحتفظ - أيها الرسول - بصحبة صحابتك من المؤمنين الذين يعبدون الله - وحده - فى الصباح وفى العشى دائماً ، يريدون رضوانه ، ولا تنصرف عيناك عنهم إلى الجاحدين من الكفار لإرادة التمتع معهم بزينة الحياة الدنيا ، ولا تطع فى طرد فقراء المؤمنين من مجلسك من جعلنا قلبه غافلا عن ذكرنا ، لسوء استعداده ، وصار عبداً لهواه ، وصار أمره فى جميع أعماله بعيداً عن الصواب ، والنهى للنبى نهى لغيره ، وأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لا يريد الحياة الدنيا وزينتها ، ولكن كان اتجاه النهى إليه لكى يحترس غيره من استهواء الدنيا ، فإنه إذا فرض فيه إرادة الزينة للأبدان؛ لفرض كل إنسان فى نفسه ذلك ليحترس .
29- وقل - أيها الرسول - : إن ما جئت به هو الحق من عند ربكم ، فمن شاء أن يؤمن به فليؤمن ، فذلك خير له ، ومن شاء أن يكفر فليكفر فإنه لم يظلم إلا نفسه . إننا أعددنا لمن ظلم نفسه بالكفر ناراً تحيط بهم كالسرادق . وإن يستغث الظالمون بطلب الماء وهم فى جهنم؛ يؤت لهم بماء كالزيت العكر الشديد الحرارة يحرق الوجوه بلهيبه . قَبُحَ هذا الشراب لهم ، وقبحت جهنم مكاناً لراحتهم .
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34)
30- أما الذين آمنوا بالله وبدينه الحق الذى يُوحى إليك ، وعملوا ما أمرهم به ربهم من الأعمال الصالحة ، فإنا لا نضيع أجرهم على ما أحسنوا من الأعمال . (1/493)
31- هؤلاء لهم جنات يقيمون فيها منعَّمين أبدا ، تنساب الأنهار من بين أشجارها وقصورها ، يتحلون فيها بمظاهر السعادة فى الدنيا ، كالأساور الذهبية ، وملابسهم فيها الثياب الخضر من الحرير على اختلاف أنواعه ، متكئين فيها على السرر بين الوسائد والستائر ، نعم الثواب لهم ، وحَسُنت الجنة دار مقام وراحة ، يجدون فيها كل ما يطلبون .
32- بيِّن - أيها الرسول - فى شأن الكفار الأغنياء مع المؤمنين الفقراء مثلا وقع فيما سلف بين رجلين : كافر ومؤمن ، وللكافر حديقتان من أعناب ، وأحطناهما بالنخيل زينة وفائدة ، وجعلنا بين الجنتين زرعا نضِراً مثمراً .
33- وقد أثمرت كل واحدة من الجنتين ثمرها ناضجاً موفوراً ، ولم تنقص منه شيئاً ، وفجَّرنا نهراً ينساب خلالهما .
34- وكان لصاحب الجنتين أموال أخرى مثمرة ، فداخله الزهو بتلك النعم ، فقال لصاحبه المؤمن فى غرور وهما يتناقشان : أنا أكثر منك مالا وأقوى عشيرة ونصيرا .
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)
35- ثم دخل إحدى جنتيه مع صاحبه المؤمن ، وهو مأخوذ بغروره فقال : ما أظن أن تفنى هذه الجنة أبدا! . (1/494)
36- وما أظن القيامة حاصلة ، ولو فرض ورجعت إلى ربى بالبعث كما تزعم ، والله لأجدن خيراً من هذه الجنة عاقبة لى؛ لأننى أهل للنعيم فى كل حال ، فهو يقيس الغائب على الحاضر ، ولا يعلم أن الغائب فيه الجزاء على الإيمان وفعل الخير .
37- قال صاحبه المؤمن مجيباً له : أتسوغ لنفسك أن تكفر بربك الذى خلق أصلك آدم من تراب ، ثم من نطفة مائية ، ثم صوّرك رجلا كاملا ، فإن اعتززت بمالك وعشيرتك ، فاذكر ربك وأصلك الذى هو من الطين .
38- لكن أقول : إن الذى خلقنى وخلق هذا العالم كله هو الله ربى ، وأنا أعبده - وحده - ولا أشرك معه أحدا .
39- ولولا قلت عند دخولك جنتك والنظر إلى ما فيها : هذا ما شاء الله ولا قوة لى على تحصيله إلا بمعونة الله ، فيكون ذلك شكراً كفيلا بدوام نعمتك . ثم قال له : إن كنت ترانى أقل منك مالا وأقل ولدا ونصيرا .
40- فلعل ربى يعطينى خيراً من جنتك فى الدنيا أو الآخرة ، ويرسل على جنتك قدَراً قدَّره لها كصواعق من السماء ، فتصير أرضاً ملساء لا ينبت فيها شئ ، ولا يثبت عليها قدم .
41- أو يصير ماؤها غائراً فى الأرض لا يمكن الوصول إليه ، فلا تقدر على إخراجه لسقيها .
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47)
42- قد عاجل الله الكافر ، وأحاطت المهلكات بثمار جنته ، وأهلكتها ، وأبادت أصولها ، فأصبح يقلب كفيه ندماً وتحسراً على ما أنفق فى عمارتها ، ثم عاجلها الخراب ، فتمنى أن لم يكن أشرك بربه أحدا . (1/495)
43- عند هذه المحنة لم تكن له عشيرة تنصره من دون الله كما كان يعتز ، وما كان هو بقادر على نصرة نفسه .
44- فإن النصرة فى كل حال ثابتة لله الحق - وحده - وهو - سبحانه - خير لعبده المؤمن يجزل له الثواب ويحسن له العاقبة .
45- واذكر - أيها الرسول - للناس مثلا للحياة الدنيا فى نضرتها وبهجتها ثم سرعة فنائها ، بأنها كماء أُنزل من السماء فارتوى به نبات الأرض فاخضر وأينع ، ثم لم يلبث طويلا حتى جف وصار يابسا متكسراً تفرقه الرياح ، والله قادر على كل شئ إنشاءً وإفناءً .
46- المال والبنون جمال ومتعة لكم فى الحياة الدنيا وهما قوتها ، ولكن لا دوام لها ، بل هى فانية غير باقية ، والأعمال الصالحة الباقية خير لكم عند الله ، يجزل ثوابها ، وخير أمل يتعلق به الإنسان .
47- وأنذر الناس - أيها الرسول - بيوم يفنى هذا الوجود ، فيزيل فيه الجبال ، وتبصر فيه الأرض ظاهرة مستوية لا يسترها شئ مما كان عليها ، ونحشر فيه الناس للحساب فلا نترك منهم أحدا .
وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52)
48- ويعرض الناس فى هذا اليوم على الله فى جموع مصفوفة للحساب ، ويقول الله تعالى : لقد بعثناكم بعد الموت كما أحييناكم أول مرة ، وجئتمونا فرادى بلا مال ولا بنين ، وكنتم فى الدنيا تكذبون بالبعث والحساب . (1/496)
49- ووضع فى يد كل واحد كتاب أعماله ، فَيبْصره المؤمنون فرحين مما فيه ، ويبصره الجاحدون خائفين مما فيه من الأعمال السيئة ، ويقولون إذا رأوها : يا هلاكنا ، إنا نعجب لهذا الكتاب الذى لم يترك من أعمالنا صغيرة ولا كبيرة إلا سجَّلها علينا ، ووجدوا جزاء ما عملوا حقاً ، ولا يظلم ربك أحداً من عباده .
50- واذكر - أيها الرسول - لهم بدء خلقهم ليعلموا أنهم من الطين ، وليس لهم أن يغتروا بما هم فيه ، ويخضعوا لعدوّ أبيهم إبليس ، لأنه كان من الجن ، فاستكبر وتمرد على الله ، فكيف بعد ما عرفتم من شأنه تتخذونه وذريته أنصاراً لكم من دون الله ، وهم لكم أعداء؟! قبُح هذا البدل لمن ظلم نفسه فأطاع الشيطان .
51- ما أحضرت إبليس ولا ذريته خلْق السموات والأرض ، ولا أشهدت بعضهم خلْق بعض لأستعين بهم ، وما كنت فى حاجة إلى معين . فضلا عن أن أتخذ المفسدين أعواناً ، فكيف تطيعون الشيطان وتعصوننى؟ .
52- واذكر لهم يوم يقول الله للمشركين : نادوا الذين ادعيتم فى الدنيا أنهم شركائى فى العبادة ليشفعوا لكم بزعمكم ، فاستغاثوا بهم فلم يجيبوهم ، وجعلنا الآن ما كان بينهم هلاكاً للكفار بعد أن كان فى الدنيا تواصل عبادة ومحبة .
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (55) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57)
53- وعاين المجرمون النار فأيقنوا أنهم واقعون فيها ، ولم يجدوا بديلا عنها مكاناً يحلُّون فيه . (1/497)
54- ولقد ذكر الله للناس فى هذا القرآن الذين كفروا به ، وطلبوا معجزة أخرى غيره ، أمثلة متنوعة ليعظهم بما فيها ، ولكن الإنسان فى طبيعته حب الجدل ، فإذا كان جاحدا جادل بالباطل .
55- وما منع المشركين من الإيمان حين جاءهم سبب الهدى - وهو الرسول والقرآن ليؤمنوا ويستغفروا الله - إلا تعنتهم وطلبهم من الرسول أن تأتيهم سنة الله فى الأولين ، وهى الهلاك المستأصل الذى أتى الأولين ، أو يأتيهم العذاب عياناً .
56- ولكن الله لا يرسل رسله إلا للتبشير والإنذار ، ولم يرسلهم ليقترح عليهم المعاندون معجزات معينة ، ولكن الذين كفروا يعرضون عن الحُجَّة ، ويجادلون المرسلين بالباطل ليبطلوا الحق ، وقد وقفوا من القرآن والنُّذر موقف المستهزئ الساخر الذى لا يُعْنى بطلب الحقائق .
57- وليس أحد أظلم ممن وُعِظ بآيات ربه فلم يتدبرها ، ونسى عاقبة ما عمل من المعاصى . إنا بسبب ميلهم إلى الكفر جعلنا على قلوبهم أغطية ، فلا تعقل ولا يصل إليها النور ، وفى آذانهم صمما فلا تسمع سماع فهم ، وإن تدعهم - أيها الرسول - إلى الدين الحق فلن يهتدوا ما دامت هذه طبيعتهم البتة .
وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64)
58- وربك العظيم المغفرة لذنوب عباده ، صاحب الرحمة الواسعة لمن أناب إليه منهم ، ولو شاء أن يؤاخذهم بما اجترحوا من السيئات لعجَّل لهم العذاب كما سلف لغيرهم ، ولكنه - لحكمة قدَّرها - أخرهم لموعد يذوقون فيه أشد العقاب ، ولن يجدوا ملجأ يحفظهم منه . (1/498)
59- وها هى ذى القرى الماضية التى دمرناها لما ظلم أهلها بتكذيب رسلهم ، وجعلنا لهلاكهم موْعدا لا يتخلف ، فكذلك حال المكذبين من قومك إذا لم يؤمنوا .
60- وإن علم الله لا يحيط به أحد ، إلا أن يعطيه نبياً أو صالحاً ، واذكر - أيها الرسول - أن موسى ابن عمران قال لفتاه - خادمه وتلميذه - : لا أزال أسير حتى أبلغ ملتقى البحرين أو أسير زمناً طويلاً .
61- فلما بلغ موسى وفتاه المكان الجامع بين البحرين ، نسيا فيه حوتهما الذى حملاه بأمر الله ، فانحدر فى البحر واتخذ طريقه فى الماء .
62- فلما ابتعد موسى وفتاه عن المكان ، وأحسا بالجوع والتعب ، قال موسى لفتاه : آتنا ما نتغذى به ، لقد لقينا فى سفرنا هذا تعبا ومشقة .
63- قال له فتاه : أتذكر حين التجأنا إلى الصخرة ، فإنى نسيت الحوت ، وما أنسانى ذلك إلا الشيطان ، ولا بد أن يكون الحوت قد اتخذ سبيله فى البحر ، وإنى لأعجب من نسيانى هذا .
64- قال له موسى : إن هذا الذى حدث هو ما كنا نطلبه لحكمة أرادها الله ، فرجعا فى الطريق الذى جاءا منه يتتبعان أثر سيرهما .
فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73)
65- حتى وصلا الصخرة ، فوجدا عبداً من عبادنا الصالحين أعطيناه الحكمة ، وعلمناه من عندنا علماً غزيراً . (1/499)
66- قال موسى للعبد الصالح : هل أسير معك على أن تعلمن مما علمك الله؟ .
67- قال له : إنك لن تستطيع الصبر على مصاحبتى .
68- وكيف يمكنك الصبر على شئ لا خبرة لك بمثله؟
69- قال موسى : سترانى إن شاء الله صابراً مطيعاً لك فيما تأمر به .
70- قال العبد الصالح : فإن اتبعتنى ورأيت ما تنكره ، فلا تفاتحنى بالسؤال عنه حتى أحدثك عنه .
71- فانطلقا يمشيان على ساحل البحر حتى وجدا سفينة ، فركباها ، فخرقها العبد الصالح فى أثناء سيرها ، فاعترض موسى قائلا : أخرقتها قاصداً إغراق أهلها؟ لقد ارتكبت أمراً منكراً! .
72- قال العبد الصالح : إننى قلت لك : إنك لن تستطيع الصبر على مصاحبتى .
73- قال له موسى : لا تؤاخذنى على نسيان وصيتك ، ولا تكلفنى مشقة فى تحصيل العلم منك وتجعله عسيراً .
فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)
74- وبعد أن خرجا من السفينة ذهبا منطلقين ، فلقيا فى طريقهما صَبِياً فقتله العبد الصالح ، فقال موسى مستنكراً : أتقتل نفساً طاهرة بريئة من الذنوب بغير أن يقتل صاحبها أحدا؟! لقد أتيت فعلا مستنكراً! . (1/500)
75- قال العبد الصالح لموسى : لقد قلت لك : إنك لن تستطيع صبرا على السكوت عن سؤالى .
76- قال موسى : إن سألتك عن شئ بعد هذه المرة فلا تصاحبنى ، لأنك قد بلغت الغاية التى تعذر بها فى فراقى .
77- فسارا حتى أتيا قرية ، فطلبا من أهلها طعاماً ، فأبوا ضيافتهما ، فوجدا فيها جداراً مائلاً يكاد يسقط ، فنقضه العبد الصالح وبناه حتى أقامه ، قال موسى : لو شئت طلب أجر على النقض والبناء لفعلت .
78- قال العبد الصالح : هذا التعرض منك مراراً لما أفعل سبب الفراق بينى وبينك . وسأخبرك بحكمة هذه التصرفات التى خفى عليك أمرها ، ولم تستطع صبراً على ما خفى حتى تعرف حقيقته وسره .
79- أما السفينة التى خرقتها ، فهى لضعفاء محتاجين يعملون بها فى البحر لتحصيل رزقهم ، فأردت أن أحدث بها عيباً يُزهد فيها ، لأن خلفهم ملكاً يغتصب كل سفينة صالحة .
وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82) وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85)
80- وأما الغلام الذى قتلته فكان أبواه مؤمنين ، فعلمنا - إن عاش - أنه سيصير سبباً لكفرهما . (2/1)
81- فأردنا بقتله أن يعوِّضهما الله عنه ولداً خيراً منه ديناً وأعظم براً وعطفاً .
82- وأما الجدار الذى أقمته - دون أجر - فكان لغلامين يتيمين من أهل المدينة ، وكان تحته كنز تركه أبوهما لهما ، وكان رجلا صالحاً ، فأراد الله أن يحفظ لهما الكنز حتى يبلغا رشدهما ، ويستخرجاه ، رحمة بهما ، وتكريماً لأبيهما فى ذريته . وما فعلت ما فعلت باجتهادى ، إنما فعلته بتوجيه من الله ، هذا تفسير ما خفى عليك يا موسى ولم تستطع الصبر عليه .
83- يسألك - أيها الرسول - بعض الكفار عن نبإ ذى القرنين ، فقل لهم : سأقص عليكم بعض أخباره .
84- لقد مكنَّا لأمره فى الأرض ، يتصرف فيها بتدبيره وسلطانه ، وآتيناه الكثير من العلم بالأسباب ما يستطيع به توجيه الأمور .
85- فاستعان بهذه الأسباب على بسط سلطانه فى الأرض ، واتخذ سبباً يوصّله إلى بلوغ مغرب الشمس .
حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92)
86- وسار حتى وصل إلى مكان سحيق جهة الغرب ، فوجد الشمس - فى رأى العين - تغرب فى مكان به عين ذات ماء حار وطين أسود ، وبالقرب من هذه العين وجد ذو القرنين قوماً كافرين ، فألهمه الله أن يتخذ فيهم أحد أمرين : إما أن يدعُوهم إلى الإيمان ، وهذا أمر حسن فى ذاته ، وإما أن يقاتلهم إن لم يجيبوا داعى الإيمان . (2/2)
87- فأعلن ذو القرنين فيهم : أن من ظلم منهم نفسه بالبقاء على الشرك ، استحق العذاب الدنيوى على يديه ، ثم يرجع إلى ربه فيعذبه عذاباً شديداً ليس معروفاً لهم .
88- وأن من استجاب له وآمن بربّه وعمل صالحاً ، فله العاقبة الحسنى فى الآخرة ، وسنعامله فى الدنيا برفق ويسر .
89- ثم سار ذو القرنين كذلك ، مستعيناً بتوفيق الله ، واتبع سبباً للوصول إلى مطلع الشمس مشرقا .
90- حتى بلغ مشرق الشمس - فى رأى العين - فى نهاية ما وصل إليه من العمران ، فوجدها تطلع على قوم يعيشون على الفطرة الأولى لا يسترهم من حرها ساتر .
91- وكما دعا ذو القرنين السابقين من أهل المغرب إلى الإيمان دعا هؤلاء وسار فيهم سيرته الأولى .
92- ثم سار كذلك مستعيناً بما هيَّأ الله له من أسباب التوفيق ، سالكاً طريقاً بين الشرق والغرب .
حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100)
93- حتى وصل - فى رحلته الثالثة - إلى مكان سحيق بين جبلين مرتفعين ، وهناك وجد قوماً لا يفقهون ما يُقال لهم إلا فى عسر ومشقة . (2/3)
94- فلما آنسوا فيه القوة ، طلبوا منه أن يُقيم لهم سداً فى وجه يأجوج ومأجوج ، وهم قوم كانوا يَغِيرون عليهم ، فيفسدون فى أرضهم ويخربون ، على أن يجعلوا له ضريبة فى نظير هذا العمل .
95- فرد عليهم قائلا : إن ما منحنيه الله من الثروة والسلطان خير مما تعرضون علىّ . وشرع يُقيم السد طالباً منهم أن يعينوه بكل ما يقدرون عليه من رجال وأدوات ، ليحقق لهم ما أرادوا .
96- وطلب منهم أن يجمعوا له قطع الحديد . فجمعوا له منها ما أراد ، فأقام به سداً عالياً ساوى به بين حافتى الجبلين ، ثم أمرهم أن يوقدوا عليه النار ، فأوقدها حتى انصهر الحديد ، فصب عليه النحاس المذاب فأصبح سداً صلباً منيعاً .
97- فما استطاع هؤلاء المغيرون أن يتسلقوا السد لارتفاعه ، ولا أن يثقبوه لصلابته .
98- وبعد أن أتم ذو القرنين بناء السد قال شاكراً لله : هذا السد رحمة من ربى بعباده ، وسيظل قائماً حتى يجئ أمر الله بهدمه ، فيصير أرضاً مستوياً ، وأمر الله نافذ لا محالة .
99- ومنذ إتمام السد ظل يأجوج ومأجوج من ورائه يضطربون فيما بينهم ، وحبس شرهم عن الآخرين ، فإذا كان يوم القيامة ونفخ فى الصور جمع الله الخلائق جميعاً للحساب والجزاء .
100- وعند ذلك يبرز الله جهنم للكافرين إبرازاً يروعهم ويحشرهم فيها .
الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107)
101- وذلك لأن أعينهم فى الدنيا كانت فى غفلة عن التبصر فى آيات الله كأن عليها غطاء ، وكانوا لضلالهم لا يستطيعون سماع دعوة الحق كفاقدى حاسة السمع . (2/4)
102- هل عميت بصائر الذين كفروا ، فظنوا أن اتخاذهم آلهة من عبادى - كالملائكة وعيسى - يعبدونها من دونى نافع لهم وصارف عنهم العذاب؟ إنا أعتدنا لهم جهنم مقراً ينالون فيه ما يستحقون من جزاء .
103- قل - أيها الرسول - لهؤلاء الكافرين : هل أخبركم بأشد الناس خسراناً لأعمالهم ، وحرماناً من ثوابها؟
104- هم الذين بطل عملهم فى الحياة الدنيا لفساد اعتقادهم ، وهم يعتقدون أنهم يحسنون بعملهم صنيعاً .
105- هؤلاء هم الذين كفروا بدلائل قدرة الله ، وأنكروا يوم البعث والحساب ، فضاعت أعمالهم ، واستحقوا يوم القيامة التحقير والإهمال ، إذ ليس لهم عمل يُعْتدّ به .
106- ذلك الذى بيَّناه وفصَّلناه شأن هؤلاء ، وجزاؤهم عليه جهنم ، بسبب كفرهم وسخريتهم بما أنزل الله من آيات ، وما أرسل من رسل .
107- إن الذين صدقوا فى الإيمان وعملوا الأعمال الصالحة؛ جزاؤهم جنات الفردوس ينزلون فيها .
خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108) قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)
108- وينعمون فيها أبدا لا يبغون عنها بديلا . (2/5)
109- قل - أيها الرسول - للناس : إن علم الله محيط بكل شئ ، ولو كان ماء البحر مداداً يُسطَّر به كلمات الله الدالة على علمه وحكمته ، لنفد هذا المداد ، ولو مُدّ بمثله قبل أن تنفد كلمات الله .
110- قل - أيها الرسول - للناس : إنما أنا إنسان مثلكم ، مرسل إليكم ، أعلمكم ما علمنى الله إياه ، يوحى إلىّ أنما إلهكم إله واحد لا شريك له ، فمن كان يطمع فى لقاء الله وثوابه؛ فليعمل الأعمال الصالحة مخلصاً ، وليتجنب الإشراك بالله فى العبادة .
كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4)
1- حروف صوتية لبيان أن القرآن المعجز من هذه الحروف ، ولتنبيههم فيسمعون . (2/6)
2- هذا - أيها الرسول - قصص ربك عن رحمته لعبده ونبيه زكريا .
3- حين التجأ إلى الله ودعاه فى خفية عن الناس .
4- فقال : رب إنى قد ضعفت ، وشاب رأسى ، وكنت بدعائك غير شقى يا رب ، بل كنت سعيداً مستجاب الدعوة .
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)
5- وإنى خِفْتُ أقاربى ألا يحسنوا القيام على أمر الدين بعد موتى ، وكانت ولا تزال امرأتى عقيماً ، فارزقنى من فضلك غلاماً يخلفنى فى قومى . (2/7)
6- يرثنى فى العلم والدين ، ويرث من آل يعقوب الملك ، واجعله يا رب مرضياً عندك وعند الناس .
7- فنودى : يا زكريا إنا نبشرك بغلام سميناه يحيى ، ولم نُسم به أحداً قبل .
8- قال زكريا متعجباً : يا رب كيف يكون لى ولد وزوجى عقيم وأنا فى سن الشيخوخة؟ .
9- فأوحى الله لعبده زكريا أن الأمر كما بشرت به ، وأن مَنْحَك الولد مع كبر السن وعُقْم الزوج هَيِّن علىّ ، ولا تستبعد ذلك فقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً موجوداً .
10- قال زكريا : رب اجعل لى علامة تدل على حصول ما بشرت به . قال الله تعالى : علامتك أن تُحبس عن الكلام ثلاث ليال ، وأنت سليم الحواس واللسان .
11- فخرج زكريا على قومه من مصلاه ، فأشار إليهم أن سبحوا الله صباحاً ومساء .
12- ولد يحيى وشب ثم نودى ، وأمر بأن يعمل بما فى التوراة فى جد وعزم ، وقد آتاه الله فى طور الصبا فقْه الدين وفهْم الأحكام .
وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21)
13- وطبَّعه الله على الحنان ، وسمو النفس ، ونشَّأه على التقوى . (2/8)
14- وجعله الله كثير البر بوالديه والإحسان إليهما ، ولم يجعله مُتَجبّراً على الناس ، ولا عاصياً لله .
15- وسلامة له وأمان ، أن لا يمسه ضر أو أذى يوم ولادته ، ويوم موته ، ويوم بعثه حياً .
16- واذكر - أيها الرسول - ما فى القرآن من قصة مريم ، حينما انفردت عن أهلها وعن الناس ، وذهبت إلى مكان جهة الشرق من مقامها .
17- وضربت بينها وبينهم حجاباً ، فأرسل الله إليها جبريل فى صورة إنسان تام الخلق ، حتى لا تفزع من رؤيته فى هيئته الملكية التى لا تألفها .
18- قالت مريم : إنى ألتجئ إلى الرحمن منك إن يُرجى منك أن تتقى الله وتخشاه .
19- قال الملك : ما أنا إلا رسول من ربك لأكون سبباً فى أن يوهب لك غلام طاهر خيّر .
20- قالت مريم : كيف يكون لى غلام ولم يقربنى إنسان ، ولست فاجرة؟ .
21- قال الملك : الأمر كما قلت : لم يمسك رجل . قال ربك : إعطاء الغلام بلا أب علىَّ سهل ، وليكون ذلك آية للناس تدل على عظيم قدرتنا ، كما يكون رحمة لمن يهتدى به . وكان خلق عيسى أمراً مقدراً لا بد منه .
فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)
22- وتحققت إرادة الله ، وحملت مريم بعيسى على الوجه الذى أراده الله ، وذهبت بحملها إلى المكان البعيد عن الناس . (2/9)
23- فألجأها ألم الولادة إلى أن تركن إلى جذع نخلة لتستند إليه وتستتر به ، وتخيَّلت ما سيكون من إنكار أهلها هذا الأمر ، وتمنت لو أدركها الموت ، وكانت شيئاً منسيا لا يذكر .
24- فناداها الملك من مكان منخفض عنها : لا تحزنى بالوحدة وعدم الطعام والشراب ومقالة الناس ، فقد جعل ربك بالقرب منك نهراً صغيراً .
25- وهزى النخلة نحوك يتساقط عليك الرطب الطيب .
26- فكلى منه واشربى ، وطيبى نفساً . فإن رأيت أحداً من البشر ينكر عليك أمرك ، فأشيرى إليه أنك صائمة عن الكلام ، ولن تتحدثى اليوم إلى أحد .
27- فأقبلت مريم على أهلها تحمل عيسى ، فقالوا لها فى دهشة واستنكار : لقد أتيت أمراً فظيعاً منكراً .
28- يا سلالة هارون النبى التقى الورع ، كيف تأتين ما أتيت وما كان أبوك فاسد الأخلاق وما كانت أمك فاجرة .
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37)
29- فأشارت إلى ولدها عيسى ليكلموه ، فقالوا : كيف نتحدث مع طفل لا يزال فى المهد . (2/10)
30- فلما سمع عيسى كلامهم أنطقه الله فقال : إنى عبد الله سيؤتينى الإنجيل ، ويختارنى نبياً .
31- ويجعلنى مُباركاً مُعلماً للخير نفَّاعاً للناس ، ويأمرنى بإقامة الصلاة وأداء الزكاة مدة حياتى .
32- كما يأمرنى أن أكون بارّاً بوالدتى ، ولم يجعلنى متجبراً فى الناس ، ولا شقياً بمعصيته .
33- والأمان من الله علىَّ يوم ولادتى ، ويوم موتى ، ويوم بعثى حياً .
34- ذلك الموصوف بهذه الصفات ، هو عيسى ابن مريم ، وهذا هو القول الحق فى شأنه ، الذى يجادل فيه المبطلون ، ويشكك فى أمر نبوته الشاكُّون .
35- وما صح ولا استقام فى العقل أن يتخذ الله ولدا - تنزه الله عن ذلك - وشأنه - سبحانه - أنه إذا قضى أمراً من الأمور نفذت إرادته لا محالة ، بكلمة - كن - فيتحقق فى الوجود كائناً .
36- وإن الله سيدى وسيدكم فاعبدوه ، ولا تشركوا به أحداً ، هذا الذى دعوتكم إليه طريق يوصلكم إلى السعادة .
37- ومع ما تقدم من قول الحق فى عيسى ، قد اختلف أهل الكتاب فيه ، وذهبوا مذاهب شتى . والعذاب الشديد للكافرين يوم يحضرون موقف الحساب ، ويشهدون موقف القيامة ، ويلقون سوء الجزاء .
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)
38- ما أشد سمعهم وأقوى بصرهم يوم يلقون الله!! لكنهم اليوم فى الدنيا بظلمهم أنفسهم ، وتركهم الانتفاع بالسمع والبصر فى ضلال عن الحق ، ظاهر لا يخفى . (2/11)
39- وحذِّر - أيها الرسول - هؤلاء الظالمين يوماً يتحسرون فيه على تفريطهم فى حق الله وحق أنفسهم - وقد فرغوا من حسابهم ، ونالوا جزاءهم - وقد كانوا فى الدنيا غافلين عن ذلك اليوم ، لا يصدقون بالبعث ولا بالجزاء .
40- ألا فليعلم الناس أن الله هو الوارث لهذا الكون وما فيه ، وحسابهم على الله .
41- واذكر - أيها الرسول - للناس ما فى القرآن من قصة إبراهيم ، إنه كان عظيم الصدق ، قولا وعملا ، مخبراً عن الله تعالى .
42- واذكر حين وجه إبراهيم الخطاب إلى أبيه فى رفق قائلا له : يا أبى كيف تعبد أصناماً لا تسمع ولا تبصر ولا تجلب لك خيراً ، ولا تدفع عنك شراً؟! .
43- يا أبى ، لقد جاءنى من طريق الوحى الإلهى ما لم يأتك من العلم بالله ، والمعرفة بما يلزم الإنسان نحو ربه ، فاتبعنى فيما أدعوك إليه من الإيمان ، أَدُلَّك على الطريق المستقيم ، الذى يوصلك إلى الحق والسعادة .
44- يا أبت : لا تطع الشيطان فيما يُزين لك من عبادة الأصنام ، فإن الشيطان دائب على معصية الرحمن ومخالفة أمره .
45- يا أبت : إنى أخشى - إن أصْرَرتَ على الكفر - أن يُصيبك عذاب شديد من الرحمن ، فتكون قريناً للشيطان فى النار تليه ويليك .
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53)
46- قال الأب لإبراهيم منكراً عليه ، مهدداً له : كيف تنصرف عن آلهتى يا إبراهيم وتدعونى إلى عبادة إلهك؟ لئن لم تكف عن شتم الأصنام لأضربنك بالحجارة ، فاحذرنى واتركنى زماناً طويلا ، حتى تهدأ ثائرتى عنك . (2/12)
47- تلطف إبراهيم مع أبيه وودعه قائلا : سلام عليك منى ، وسأدعو لك ربى بالهداية والمغفرة ، وقد عوَّدنى ربى أن يكون رحيماً بى قريباً منى .
48- وهاأنذا أهجركم وأبتعد عما تعبدون من دون الله ، وأعبد ربى - وحده - راجياً أن يقبل طاعتى ولا يخيب رجائى .
49- فلما فارق إبراهيم أباه وقومه وآلهتهم ، أكرمه الله بالذرية الصالحة على يأس منه ، إذ بلغ هو وزوجه حد الكبر الذى لا ينجب ، فوهب له إسحاق ، ورزقه من إسحاق يعقوب ، وجعلناهما نبيين .
50- وأعطيناهم فوق منزلة النبوة كثيراً من خيْرى الدين والدنيا برحمتنا ، وأورثناهم فى الدنيا ذكرى طيبة خالدة ، بلسان صدق علىٍّ يتحدث بذكرهم .
51- واتل - أيها الرسول - على الناس ما فى القرآن من قصة موسى ، إنه كان خالصاً بنفسه وقلبه وجسمه لله ، وقد اصطفاه الله للنبوة والرسالة .
52- وكرمناه فناديناه عند جبل الطور ، وسمع موسى النداء الإلهى من الجهة اليمنى ، وقرَّبناه تقْريب تشريف واصطفيناه لمناجاتنا .
53- ومنحناه من رحمتنا ونعمنا ، واخترنا معه أخاه هارون نبيا ، يعاونه فى تبليغ الرسالة .
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61)
54- واتل - أيها الرسول - على الناس ما فى القرآن من قصة إسماعيل ، إنه كان يصدق فى وعده ، وقد وعد أباه بالصبر على ذبحه له ، وَوَفَّى بوعده ، ففداه الله وشرفه بالرسالة والنبوة . (2/13)
55- وكان يأمر أهله بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، وكان فى المقام الكريم من رضا ربه .
56- واتل - أيها الرسول - على الناس ما فى القرآن من قصة إدريس ، إنه كان شأنه الصدق قولا وفعلا وعملا . وقد منحه الله شرف النبوة .
57- وقد رفعه الله بذلك مكاناً سامياً .
58- أولئك الذين سلف ذكرهم ، ممن أنعم الله عليهم من النبيين بنعم الدنيا والآخرة من ذرية آدم ومن ذرية من نجاه الله مع نوح فى السفينة ، ومن ذرية إبراهيم كإسماعيل ، ومن ذرية يعقوب كأنبياء بنى إسرائيل ، وممن هديناهم إلى الحق ، واخترناهم لإعلاء كلمة الله . هؤلاء إذا سمعوا آيات الله تُتْلى عليهم خشعوا وخروا ساجدين لله متضرعين له .
59- ثم جاء بعد هؤلاء الأخيار أجيال على غير هدْيهم تركوا الصلاة ، وأهملوا الانتفاع بِهدْيها ، وانهمكوا فى المعاصى ، وسيلقى هؤلاء جزاء غيهم وضلالهم فى الدنيا والآخرة .
60- لكن من تداركوا أنفسهم بالتوبة ، وصدق الإيمان ، والعمل الصالح ، فإن الله يقبل توبتهم ، ويدخلهم الجنة ، ويوفيهم أجورهم .
61- هذه الجنات دار خلود ، وعد الرحمن بها عباده التائبين ، فآمنوا بها بالغيب ، فهم داخلوها لا محالة ، فإن وعد الله لا يتخلف .
لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69)
62- وهم فى تلك الجنات لا يجرى بينهم لغو الحديث ، ولا يسمعون إلا خيراً وأمناً ، ورزقهم فيها رغد مكفول دائماً . (2/14)
63- وإنما يؤتى الله تلك الجنة ويملكها لمن كان تقياً فى الدنيا بترك المعاصى وفعل الطاعات .
64- وكان الوحى قد تأخر وقلق الرسول - عليه الصلاة والسلام - فجاءه جبريل - عليه السلام - ليطمئنه وقال له : إن الملائكة لا تنزل إلا بإذن ربها ، فاطمئن أيها الرسول الكريم فإن ربك لا ينسى .
65- فهو سُبحانه الخالق المالك للسموات والأرض وما بينهما ، والمدبر لشئونهما ، والمستحق - وحده - للعبادة ، فاعبده - أيها المخاطب - وثابر على عبادته صابراً مطمئناً ، فهو سبحانه المستحق - وحده - للعبادة ، وليس له نظير يستحق العبادة ، أو يسمى باسم من أسمائه .
66- ويقول الإنسان مستغرباً البعث : كيف أبعث حياً بعد الموت والفناء؟!! .
67- كيف يستغرب قدرة الله على البعث فى الآخرة ، ولا يذكر أنه تعالى خلقه فى الدنيا من عدم؟ ، مع أن إعادة الخلق أهْوَن من بدئه فى حكم العقل .
68- وإذا كان أمر البعث غريباً ينكره الكافرون ، فوالذى خلقك وربَّاك ونمَّاك لنجمعن الكافرين يوم القيامة مع شياطينهم - الذين زينوا لهم الكفر - وسنحضرهم جميعاً حول جهنم جاثين على ركبهم فى ذلة لشدة الهول والفزع .
69- ثم لننزعن من كل جماعة أشدهم كفراً بالله ، وتمرداً عليه ، فيدفع بهم قبل سواهم إلى أشد العذاب .
ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76)
70- ونحن أعلم بالذين هم أحق بسبقهم إلى دخول جهنم والاصطلاء بلهيبها . (2/15)
71- وإن منكم - معشر الخلق - إلا حاضر لها ، يراها المؤمن ويمر بها ، والكافر يدخلها ، وتنفيذ هذا أمر واقع حتماً ، جرى به قضاء الله .
72- ثم إننا نشمل المتقين برحمتنا فننجيهم من جهنم ، ونترك بها الذين ظلموا أنفسهم جاثين على ركبهم ، تعذيباً لهم .
73- وكان الكافرون فى الدنيا إذا تليت عليهم آيات الله واضحة الدلالة أعرضوا عنها ، وقالوا للمؤمنين - معتزين بمالهم وجمعهم - لستم مثلنا حظاً فى الدنيا ، فنحن خير منكم منزلا ومجلساً ، فكذلك سيكون حظنا فى الآخرة التى تؤمنون بها .
74- وكان على هؤلاء الكافرين أن يتعظوا بمَنْ سبقهم من أمم كثيرة كفرت بالله وكانوا أحسن منهم حظاً فى الدنيا ، وأكثر متاعاً وأبهى منظراً ، فأهلكهم الله بكفرهم - وهم كثيرون - وفى آثارهم عبر لكل معتبر .
75- قل - أيها الرسول - لهؤلاء : من كان فى الضلالة والكفر أمهله الرحمن ، وأملى له فى العمر ليزداد طغياناً وضلالا ، وسيردد الكفار قولهم للمؤمنين : أى الفريقين خير مقاماً وأحسن نديا؟ إلى أن يشاهدوا ما يوعدون : إما تعذيب المسلمين إياهم فى الدنيا بالقتل والأسر ، وإما خزى القيامة لهم ، فحينئذ يعلمون أنهم شر منزلا وأضعف أنصارا .
76- أما المؤمنون بآيات الله ، فحينما يسمعونها يقبلون عليها ، ويزيدهم الله بها توفيقاً لحسن العمل ، والأعمال الصالحة خير وأبقى عند الله ثواباً وعاقبة .
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84)
77- تعجب - أيها الرسول - من أمر الكافر بآيات الله ، الذى فتنته دنياه ، فأنكر البعث وقال - مستهزئاً - : إن الله سيعطينى فى الآخرة التى تزعمونها مالاً وولداً أعتز بهما هناك ، وظن أن الآخرة كالدنيا ، تقاس عليها ، ونسى أنها جزاء الخير والشر ، وأن الفضل فيها بالعمل الصالح . (2/16)
78- فهل اطلع ذلك الكافر على الغيب حتى يخبر عن صدق؟ ، وهل أخذ من الله عهداً بذلك حتى يتعلق بأمل؟ .
79- فليرتدع عما يفتريه ، فإننا نحصى عليه افتراءه ، وسيصل عذابه ممدوداً مدَّا طويلاً لا يتصوره .
80- سيسلبه الله ما يعتز به فى الدنيا من مال وولد ، ويهلكه ، ويأتى فى الآخرة وحيداً منفرداً ، دون مال أو ولد أو نصير .
81- أولئك الكافرون اتخذوا غير الله آلهة مختلفة عبدوها ، لتكون لهم شفعاء فى الآخرة .
82- عليهم أن يرتدعوا عما يظنون ، سيجحد الآلهة عبادتهم وينكرونها ، ويكون هؤلاء المعبودون خصماً للمشركين يطالبون بتعذيبهم .
83- ألم تعلم - أيها الرسول - أننا مكنا الشياطين من الكافرين - وقد استحوذت على هؤلاء الكافرين - تُغريهم وتدفعهم إلى التمرد على الحق فانقادوا لها .
84- فلا يضق صدرك - أيها الرسول - بكفرهم ، ولا تستعجل لهم العذاب ، فإنما نتركهم فى الدنيا أمداً محدوداً ونحصى عليهم أعمالهم وذنوبهم ، لنحاسبهم عليها فى الآخرة .
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96)
85- اذكر - أيها الرسول - اليوم الذى نجمع فيه المتقين إلى جنة الرحمن وفوداً وجماعات مكرمين . (2/17)
86- وندفع فيه المجرمين إلى جهنم عطاشا ، كاندفاع الدواب العطاش إلى الماء .
87- ولا يملك الشفاعة فى هذا اليوم أحد إلا من يأذن الله تعالى له ، لعهد كان له .
88- لقد قال المشركون واليهود والنصارى : إن الله اتخذ ولدا من الملائكة أو من الناس .
89- لقد أتيتم - أيها القائلون - بذلك القول أمراً منكراً ، تنكره العقول المستقيمة .
90- تكاد السموات يتشققن منه ، وتنخسف الأرض ، وتسقط الجبال قطعاً مفتتة .
91- وإنما تقرب حوادث السموات والأرض والجبال أن تقع ، لأنهم سموا لله ولدا .
92- وما يستقيم فى العقل أن يكون لله ولد ، لأن إثبات الولد له يقتضى حدوثه وحاجته .
93- ما كل من فى السموات والأرض إلا سيأتى الله سبحانه يوم القيامة عبداً خاضعاً لألوهيته .
94- لقد أحاط علمه بهم جميعاً وبأعمالهم ، فلا يخفى عليه أحد منهم ولا شئ من أعمالهم .
95- وهم جميعاً يجيئون إليه يوم القيامة منفردين عن النصراء وعن الولد والمال .
96- إن المؤمنين العاملين الصالحات يُحبهم الله ، ويُحببهم إلى الناس .
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)
97- فإنما يسرنا القرآن بلغتك لتُبشر برضا الله ونعيمه من اتبع أوامره واجتنب نواهيه ، وتُنذر بسخط الله وعذابه من كفر به واشتد فى خصومته . (2/18)
98- فلا يحزنك - أيها الرسول - عنادهم لك ، فقد أهلك الله قبلهم كثيراً من الأمم والأجيال ، لعنادهم ولكفرهم ، ولقد اندثروا ، فلا ترى منهم أحداً ، ولا تسمع لهم صوتاً .
طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3)
1- بدأ الله تعالى السورة بهذه الحروف لتحدى المنكرين ، والإشارة إلى أن القرآن مُكَوَّن من هذه الحروف التى تتكلمون بها ، ومع ذلك عجزتم عن الإتيان بسورة قصيرة أو آيات من مثله . (2/19)
2- إنا ما أوحينا إليك - أيها الرسول - هذا القرآن ليكون سبباً فى إرهاق نفسك أسفاً على إعراض المعرضين عنك .
3- لكن أنزلناه تذكرة لمن يخاف الله فيطيعه .
تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8) وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)
4- قد نزل عليك هذا القرآن من عند الله القادر خالق الأرض والسموات الرفيعة العالية . (2/20)
5- عظيم الرحمة على ملكه استوى .
6- له - وحده - سبحانه ملك السموات وما فيها والأرض وما عليها ، وملك ما بينهما ، وما اختبأ فى الأرض من معادن وخيرات .
7- وكما شملت قدرة الله - عز وجل - كل شئ قد أحاط علمه بكل شئ ، وإن ترفع صوتك - أيها الإنسان - بالقول ، فإن الله يعلمه ، لأنه يعلم حديثك مع غيرك ويعلم حديث نفسك .
8- هو الله الإله الواحد المستحق للعبادة دون سواه؛ إذ هو المتصف بصفات الكمال ، وله الصفات الحسنى .
9- هل علمت - أيها النبى - خبر موسى مع فرعون؟
10- حين أبصر ناراً فى مسيره ليلا من مدين إلى مصر ، فقال عند ذلك لزوجه ومن معها : انتظروا فى مكانكم ، إنى أبصرت ناراً ، أرجو أن أحمل لكم منها جمرة تدفئكم ، أو أجد حول النار من يهدينى إلى الطريق .
11- فلما بلغ مكانها ، سمع صوتاً عُلْوِيا يناديه : يا موسى .
12- إنى أنا الله ربك ، فاخلع نعليك تكريماً للموقف ، فإنك بالوادى المطهر المبارك وهو « طوى » .
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى (22)
13- وأنا الله أصطفيك بالرسالة ، فاصغ لما أوحيه إليك لتعلمه وتبلغه قومك . (2/21)
14- إننى أنا الله الإله الواحد ، لا معبود بحق سواى ، فآمن بى واعبدنى ، وداوم على إقامة الصلاة لتظل فى ذكر دائم بى .
15- إن الساعة - التى هى موْعد لقائى ، وقد أخفيت موعدها عن عبادى ، وأظهرت لهم دلالتها - آتية لا محالة ، لتحاسب كل نفس على ما عملت وتُجزى به .
16- فلا يصرفنك يا موسى عن الإيمان بالساعة والاستعداد لها من لا يصدق بها ، ومال مع هواه فتهلك .
17- وما تلك التى تمسكها بيدك اليمنى؟
18- وأجاب موسى : إنها عصاى أعتمد عليها فى مسيرى ، وأسوق بها غنمى ، ولى فيها منافع أخرى ، كدفع أذى الحيوان .
19- قال الله سبحانه لموسى : ارم بها على الأرض .
20- فرمى بها موسى ، ففوجئ بها تنقلب حية تمشى .
21- فارتاع منها ، فطمأنه الله قائلا : تَناوْلها دون خوف ، فإننا سنعيدها عصا كما كانت .
22- وأَدْخِل يدك فى جيب ثوبك مضمومة إلى جنبك تخرج بيضاء ناصعة من غير داء ، وقد جعلناها لك معجزة ثانية على رسالتك .
لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35)
23- لِنُرِيك بعض معجزاتنا الكبرى لتكون دليلا على صدقك فى الرسالة . (2/22)
24- اذهب إلى فرعون وادعه إلى الإيمان بالله الواحد الأحد ، فإنه قد تجاوز الحد فى كفره وطغيانه .
25- فتضرَّع موسى إلى ربه أن يشرح له صدره ، ليذهب عنه الغضب ، وليؤدى رسالة ربه .
26- وسهِّل لى أمر الرسالة لأؤدى حقها .
27- وفك عُقْدة لسانى لأبين .
28- ليفهم الناس فهماً دقيقاً ما أقول لهم .
29- واجعل لى مؤازراً من أهلى .
30- هو أخى هارون .
31- اشدد به قوتى .
32- وأشركه معى فى تحمل أعباء الرسالة وتبليغها .
33- كى نُنَزِّهك كثيراً عما لا يليق بك .
34- ونردد أسماءك الحسنى كثيراً .
35- يا ربنا : إنك دائماً بصير بنا ، ومتكفل بأمرنا .
قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42)
36- نادى الله رسوله موسى قائلا : قد أعطيتك ما سألت ، وهذه منة عليك . (2/23)
37- ولقد سبق أن تفضلنا عليك بمنة أخرى دون سؤال منك .
38- حين ألهمنا أمك إلهاماً كريماً كانت فيه حياتك .
39- ألْهمناها أن تضعك - طفلا رضيعاً - فى الصندوق ، وأن تلقى به فى النيل ، لننجيك من قتل فرعون ، إذ كان يقتل من يولد فى بنى إسرائيل من الذكور ، وسخرنا الماء لِيُلْقى الصندوق بالشاطئ ، وشاءت إرادتنا أن يأخذ الصندوق فرعون عدوى وعدوك ، وأحببتك حب رحمة وولاية ، ليحبك كل من يراك ، ولتربى تربية كريمة ملحوظاً برعايتى .
40- واعلم يا موسى سابق عنايتنا بك حين مشت أختك ترقب أمرك ، فلما صرت فى قصر فرعون ، ورأتهم يبحثون لك عن مُرْضِع دلَّتهم على أمك ، فرددناك إليها لتفرح بحياتك وعودتك ، ولتكف عن الحزن والبكاء ، ولما كبرت وقتلت خطأ رجلا من قوم فرعون نجيناك من الغم الذى لحق بك ، وخلَّصناك من شرهم ، فذهبت إلى مدين ومكثت فيها سنين عدة ، ثم عدت من مدين فى الموعد الذى قدرناه لإرسالك .
41- واصطفيتك لوحيى وحمل رسالتى .
42- اذهب مع أخيك مُؤَيَّدين بمعجزاتى الدالة على النبوة والرسالة ، ولا تضْعُفا فى تبليغ رسالتى ، ولا تغفلا عن ذكرى والاستعانة بى .
اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49)
43- اذهب مع أخيك هارون إلى فرعون ، إنه كافر تجاوز الحد فى كفره وطغيانه . (2/24)
44- فادعواه إلى الإيمان بى فى رفق ولين ، راجين أن يتذكر ما غفل عنه من الإيمان ، ويخشى عاقبة كفره وطغيانه .
45- فتضرع موسى وهارون إلى الله قائلين : يا ربنا إننا نخشى أن يُبادرنا فرعون بالأذى ، ويتجاوز الحد فى الإساءة .
46- فطمأنهما الله بقوله : لا تخافا فرعون ، إننى معكما بالرعاية والحفظ ، سميع لما يقول ، مبصر لما يفعل ، فلا أمكِّنه من إيذائكما .
47- فاذهبا إلى فرعون فقولا له : إننا رسولان إليك من ربك ، جئنا ندعوك إلى الإيمان به ، وأن تطلق بنى إسرائيل من الأسر والعذاب ، قد أتيناك بمعجزة من الله تشهد لنا بصدق ما دعوناك إليه ، وبالأمان من عذاب الله وغضبه لمن اتبع هداه .
48- وإن الله قد أوحى إلينا أن عذابه الشديد واقع على من كذبنا وأعرض عن دعوتنا .
49- قال فرعون فى طغيانه وجبروته : فَمَنْ ربكما يا موسى؟ .
قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56)
50- فأجابه موسى : ربنا الذى منح نعمة الوجود لكل موجود ، وخلقه على الصورة التى اختارها سبحانه له ، ووجَّهه لما خلق . (2/25)
51- قال لفرعون : فما شأن القرون الماضية وما جرى لها؟ .
52- قال موسى : عِلْمُ هذه القرون عند ربى - وحده - وهى مسجلة فى صحائف أعمالهم ، لا يغيب عن علمه شئ منها ولا ينساه .
53- هو الإله المتفضل على عباده بالوجود والحفظ ، مهَّد لكم الأرض فبسطها بقدرته ، وشق لكم فيها طرقاً تسلكونها ، وأنزل المطر عليها تجرى به الأنهار فيها ، فأخرج سبحانه أنواع النبات المختلفة المتقابلة فى ألوانها وطعومها ومنافعها ، فمنها الأبيض ، ومنها الأسود ، ومنها الحلو ، ومنها المر .
54- ووجَّه - سبحانه - عباده إلى الانتفاع بما أخرج من النبات بالأكل ورعى الأنعام ، ونحو ذلك . فذكر أن فى هذا الخلق وإبداعه والإنْعام به دلائل واضحة ، يهتدى بها ذوو العقول إلى الإيمان بالله ورسالاته .
55- ومن تراب هذه الأرض خلق الله آدم وذريته ، وإليها يردّهم بعد الموت لمواراة أجسامهم ، ومنها يخرجهم أحياء مرة أخرى للبعث والجزاء .
56- ولقد أرينا فرعون على يد موسى المعجزات البيِّنة المؤيدة لرسالته وصدقه فى كل ما أخبره به عن الله وعن آثار قدرته ، ومع هذا فقد تمادى فرعون فى كفره ، فكذّب بكل ذلك ، وأَبَى أن يؤمن به .
قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64)
57- قال فرعون لموسى : أجئتنا لتخرجنا من أرضنا ، وتجعلها فى يد قومك بسحرك الذى فَتَنْت الناس به؟ . (2/26)
58- وإنا سنبطل سحرك من عندنا ، فاجعل بيننا وبينك موعداً نلتقى فيه ، ولا يتخلف منا أحد .
59- فأجابه موسى : موعدنا يوم عيدكم الذى تتزينون فيه مبتهجين به ، فيجتمع الناس فى ضحى ذلك اليوم ، ليشهدوا ما يكون بيننا وبينكم .
60- فانصرف فرعون وتولى الأمر بنفسه ، فجمع وسائل تدبيره ، وعِلْيَة من السحرة ، وأدوات السحر ، ثم حضر فى الموعد بكل ذلك .
61- قال لهم موسى يحذرهم هلاك الله وعذابه ، وينهاهم عن اختلاق الكذب ، بزعمهم ألوهية فرْعون وتكذيبهم رسل الله ، وإنكارهم المعجزات ، وهددهم بأن الله يستأصلهم بالعذاب إن استمروا على هذا ، ويؤكد خسران من افترى الكذب على الله .
62- فذعروا من تحذير موسى ، وتفاوضوا سرا فيما بينهم متجاذبين وكلٌّ يشير برأى فيما يلْقَون به موسى .
63- وأجمعوا فيما بينهم على أن موسى وهارون ساحران ، يعملان على إخراجهم من بلادهم ، بإخراج السلطان من أيديهم ، وذلك بالسحر ليتمكن بنو إسرائيل فيها ، وليبطلا عقيدتهم الطيبة فى زعمهم .
64- فاجعلوا ما تكيدون به موسى أمراً متفقاً عليه ، ثم احضروا مُصْطَفِّين ، لتكون لكم فى نفوس الرائين الهيبة والغلبة ، وقد فاز اليوم من غلب .
قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71)
65- واجه السحرة موسى برأى واحد ، وخيَّروه فى شموخ واعتزاز ، بَيْن أن يبدأ فيلقى عصاه ، أو أن يكونوا هم البادئين . (2/27)
66- قال موسى : بل ابتدئوا ، فألقوا حبالهم وعصيهم ، فتخيَّل موسى من السحر أنها انقلبت ثعابين تتحرك وتسير .
67- فأحس موسى بالخوف لِما رآه من أثر السحر ، ومن احتمال أن يلتبس السحر على الناس بالمعجزة .
68- فأدركه الله بلطفه قائلا : لا تخش شيئاً ، إنك الغالب المنتصر على باطلهم .
69- وأَلْق العصا التى بيمينك لتبتلع ما زوَّروا من السحر ، إن صنيعهم لا يجاوز تمويه السحرة ، وإن الساحر لا يفوز أينما كان .
70- فألقى موسى عصاه ، فإذا بها تنقلب حقاً بقدرة الله حية كبيرة مخيفة ، وابتلعت كل ما أعدّوه ، فلما رأى السحرة تلك المعجزة بادروا إلى السجود موقنين بصدق موسى قائلين : آمنا بالله - وحده - رب هارون وموسى ، ورب كل شئ .
71- قال فرعون : كيف تؤمنون به دون إذن منى؟ إنه لرئيسكم الذى علَّمكم السحر ، وليس عمله معجزة كما توهمتم ، وهددهم : لأُقَطعَنّ أيديكم وأرجلكم مختلفات بِقَطْع اليمنى من واحدة واليسرى من الأخرى ، ولأصلبنكم فى جذوع النخل ، وستعلمون أى الإلهين أشد عذاباً وأدوم زمنا : أنا أم إله موسى .
قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76) وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77)
72- ثبت السحرة على إيمانهم ، ودفعوا تهديد فرعون بقولهم : لن نبقى على الكفر معك بعدما تبيَّن لنا الحق فى معجزة موسى ، ولن نختارك على إله موسى الذى خلقنا ، فافعل ما تريد أن تفعله ، إن سلطانك لا يتجاوز هذه الحياة القصيرة . (2/28)
73- فإننا مقيمون على الإيمان بربنا الحق ، ليتجاوز لنا عمَّا سلف من السيئات ، وليغفر لنا ممارسة السحر الذى أكرهتنا على تعلمه والعمل به ، وربنا خير منك ثواباً ، إذا أُطيع ، وأبقى منك سلطاناً وقدرة على الجزاء .
74- إن من يموت على الكفر ويلقى الله مجرماً فجزاؤه جهنم لا يموت فيها فيستريح من العذاب ، ولا يحيا حياة يتمتع فيها بنعيم .
75- ومن يلاقى ربه على الإيمان وصالح العمل فله المنازل السامية .
76- تلك المنازل هى الإقامة فى جنات النعيم تجرى بين أشجارها الأنهار خالدين فيها ، وذلك جزاء لمن طهر نفسه بالإيمان والطاعة بعد الكفر والمعصية .
77- ثم تتابعت الأحداث بين موسى وفرعون ، وأوحى الله إلى رسوله موسى أن يخرج ببنى إسرائيل من مصر ليلا ، وأن يضرب البحر بعصاه فتحدث معجزة أخرى ، إذ يفتح له الطريق يبساً فى الماء ، وطمأنه ألا يخاف من إدراك فرعون لهم ، ولا أن يغرقهم الماء .
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82) وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85)
78- فنفَّذ موسى ما أمر الله به ، فخرج فرعون بجنوده وراءه ، فأدركهم عند البحر ، وسار وراءهم فى الطريق التى تفتحت فى البحر لموسى وقومه ، وهنا تحققت المعجزة الأخرى ، وهى انطباق مياه البحر على فرعون وقومه ، فأغرقتهم جميعاً . (2/29)
79- وهكذا انحرف بقومه عن طريق الحق ، وغرر بهم ، فهلكوا جميعاً .
80- يا بنى إسرائيل ، قد أنجيناكم من عدوكم فرعون ، وواعدناكم بالنجاة من عدوكم على لسان موسى أن تصلوا آمنين إلى جانب الطور ، ونزّلنا عليكم المن والسلوى رزقاً طيباً من الحلو ولحم الطير الشهى .
81- كلوا من هذه الطيبات التى رزقتم بها دون مجهود ، ولا تظلموا ، ولا ترتكبوا معصية الله فى هذا العيش الرغيد ، حتى لا ينزل بكم غضبى ، فإن من ينزل عليه غضبى ينحدر إلى أسفل الطبقات من عذاب الله .
82- وإنى عظيم الغفران لمن رجع عن كفره ، وأحسن الإيمان ، وأصلح العمل ، واستمر على ذلك حتى يلقى الله .
83- سبق موسى قومه إلى الطور ، ليظفر بمناجاة ربه ، فسأله الله عن السبب الذى أعجله بالحضور دون قومه .
84- قال موسى : إن قومى قريبون منى ، لاحقون بى ، وإنما سبقتهم إليك يا رب رغبة فى رضاك .
85- قال الله له : إنَّا قد امتحنا قومك من بعد مغادرتك لهم ، فوقعوا فى فتنة ، إذْ أضلّهم السامرى .
فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90)
86- فعاد موسى إلى قومه فى غضب شديد وحزن مؤلم ، وخاطب قومه - منكراً عليهم - بقوله : لقد وعدكم ربكم النجاة والهداية بنزول التوراة ، والنصر بدخول الأرض المقدسة ، ولم يطل عليكم العهد حتى تنسوا وعد الله لكم ، أردتم بسوء صنيعكم أن ينزل بكم غضب الله بطغيانكم الذى حذركم منه ، فأخلفتم عهدكم لى بالسير على سنتى والمجئ على أثرى . (2/30)
87- قال قوم موسى معتذرين : لم نتخلف عن موعدك باختيارنا ، ولكننا حُمِّلنا حين خرجنا من مصر أثقالا من حِلْى القوم ، ثم رأينا - لشؤمها علينا - أن نتخلص منها ، فأشعل السامرى النار فى حفرة ورمينا فيها هذه الأثقال ، فكذلك رمى السامرى ما معه من الحلى .
88- فصنع السامرى لهم عجلا مجسماً من الذهب ، يمر الريح فى جوفه فيكون له صوت يسمع كخوار البقر ، لتتم الخديعة به ، ودعاهم إلى عبادته فاستجابوا ، وقال هو وأتباعه : هذا معبودكم ومعبود موسى . فنسى أنه يسهل بالتأمل والاستدلال على أن العجل لا يكون إلهاً .
89- لقد عميت بصائرهم حين يعتبرون هذا العجل إلهاً! أفلا يرون أنه لا يرد على أقوالهم ، ولا يستطيع أن يدفع عنهم ضراً ، ولا أن يجلب لهم نفعاً!؟
90- وكان هارون مقيماً فيهم - حين قيام هذه الفتنة - ولقد قال لهم قبل رجوع موسى - عليه السلام - : يا قوم ، لقد وقعتم فى فتنة السامرى بهذا الباطل ، وإن إلهكم الحق هو الله الرحمن دون سواه ، فاتبعونى فيما أنصحكم به ، وامتثلوا رأيى بالامتناع عن هذه الضلالة .
قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97)
91- قالوا : سنظل مستمرين على عبادة هذا العجل إلى أن يعود موسى إلينا! . (2/31)
92- قال موسى متأثراً بما علمه ورآه من قومه : يا هارون ، أى سبب منعك أن تكفهم عن الضلالة إذ رأيتهم وقعوا فيها؟
93- ولم تقم مقامى بنصحهم كما عهدت إليك ، أفلا تتبعنى فيما عهدت به إليك أم هل عصيت أمرى؟ .
94- قال هارون لموسى : يا ابن أمى : لا تعاجلنى بغضبك ، ولا تمسك بلحيتى ولا برأسى . لقد خفت إن شددت عليهم فتفرقوا شيعاً وأحزاباً أن تقول لى : فرقت بين بنى إسرائيل ، ولم تخلفنى فيهم كما عهدت إليك .
95- قال موسى - عليه السلام - للسامرى : ما هذا الأمر الخطير الذى يُعد خَطْباً ووقعت فيه؟! .
96- قال السامرى لموسى : عرفت من حذق الصناعة وحِيَلِها ما لم يعلمه بنو إسرائيل ، وصنعت لهم صورة عجل له هذا الصوت ، وقبضت قبضة من أثر الرسول فألقيتها فى جوف العجل ، تمويهاً على الناس ، وكذلك زَيَّنت لى نفسى أن أفعل ما فعلت .
97- قال موسى للسامرى : اخرج من جماعتنا ، وابعد عنا ، وإن جزاءك فى الدنيا أن تهيم على وجهك ، وينفر الناس منك ، حتى لا تكون بينك وبينهم صلة ، فلا يقربك أحد ، ولا تقترب أنت من أحد ، وإن لعذابك فى الآخرة موعداً محدداً لا تستطيع الفرار منه ، وندد موسى به وبإلهه قائلا : انظر الآن ماذا نصنع بإلهك الذى عكفت على عبادته ، وفتنت الناس به ، لنحرقنه ثم لنذروه فى البحر ذروا .
إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98) كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (101) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (104) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105)
98- وقام موسى بإنجاز ما قال ، ثم اتجه إلى بنى إسرائيل بعد هذه العبرة قائلا لهم : إن إلهكم الواحد ، هو الذى لا يُعبد بحق سواه ، وقد أحاط علمه بكل شئ مما كان ومما سيكون . (2/32)
99- كما قصصنا عليك - أيها الرسول - نبأ موسى ، نخبرك بالحق عن الأمم السابقة ، وقد أنزلنا عليك من عندنا كتاباً فيه تذكير لك ولأمتك ، بما فيه صلاح دينكم ودنياكم .
100- من انصرف عن تصديقه والاهتداء به فإنه يضل فى حياته ، ويأتى يوم القيامة حاملا إثم ما صنع ، ويجازى بالعذاب الشديد .
101- ويخْلد فى هذا العذاب ، وبئس هذا الحمل السيئ يوم القيامة .
102- اذكر - أيها الرسول - لأمتك اليوم الذى نأمر فيه المَلَك أن ينفخ فى الصور ( البوق ) نفخة الإحياء والبعث من القبور ، وندعوهم إلى المحشر ، ونسوق المجرمين إلى الموقف زرق الوجوه رعباً وفزعاً .
103- يتهامسون فيما بينهم فى ذلة واضطراب عن قِصَر الحياة الدنيا ، حتى كأنهم لم ينعموا بها ، ولم يلبثوا فيها إلا عشرة أيام .
104- وليس تهامسهم خافياً ، فنحن أعلم بما يتهامسون به ، وبما يقول أقربهم إلى تصوير شعورهم نحو الدنيا بأنها لم تكن إلا كيوم واحد .
105- ويسألك المنكرون للبعث - أيها الرسول - عن مصير الجبال يوم القيامة الذى تتحدث عنه ، فأجِبْهم بأن الله يفتِّتها كالرمل ، ثم يطيِّرها بالرياح فتكون هباء .
فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113)
106- فيدع أماكنها من الأرض بعد نسفها ملساء مستوية . (2/33)
107- لا تبصر فى الأرض انخفاضاً ولا ارتفاعاً ، كأنها لم تكن معمورة من قبل .
108- يوم القيامة يتبع الناس بعد قيامهم من قبورهم دعوة الداعى إلى المحشر مستسلمين ، لا يستطيع أحد منهم أن يعدل عنه يميناً ولا شمالاً ، وتخشع الأصوات بالسكون والرهبة لعظمة الرحمن ، فلا يُسمَع إلا صوت خفى .
109- يومئذ لا تنفع الشفاعة من أحد إلا من أكرمه الله فأذن له بالشفاعة ورضى قوله فيها ، ولا تنفع الشفاعة فى أحد إلا من أذن الرحمن فى أن يُشفع له وكان مؤمناً ، ورضى الله قوله بالتوحيد والإيمان .
110- والله - جل شأنه - يعلم ما تقدم من أمورهم فى دنياهم ، وما يستقبلونه منها فى أُخراهم ، فهو سبحانه يُدبِّر الأمر فيهم بمقتضى علمه ، وهم لا يحيطون علماً بتدبيره وحكمته .
111- وذَلّت وجوه فى هذا اليوم ، وخضعت للحى الذى لا يموت ، القائم بتدبير أمور خلقه ، وقد خسر النجاة والثواب فى اليوم الآخر من ظلم نفسه فى الدنيا فأشرك بربه .
112- ومن يعمل من الطاعات وهو مصدق بما جاء به - محمد صلى الله عليه وسلم - فهو لا يخاف أن يزاد فى سيئاته ، أو ينقص من حسناته .
113- ومثل هذا البيان الحق الذى سلف فى هذه السورة - فى تمجيد الله وقصة موسى ، وأخبار القيامة - أنزل الله هذا الكتاب قرآناً عربى البيان ، وصرف القول فى أساليب الوعيد ووجوهه ، لينتهوا عما هم فيه من العصيان ، وليجدد القرآن لهم عظة واعتبارا .
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120)
114- فارتفع عن الظنون ، وتنزَّه عن مشابهة الخلق ، المَلِكُ الذى يحتاج إليه الحاكمون والمحكومون ، المحق فى ألوهيته وعظمته ، ولا تعجل يا محمد بقراءة القرآن من قبل أن يفرغ المَلَك من إلقائه إليك ، وقل : رب زدنى علما بالقرآن ومعانيه . (2/34)
115- ولقد وصينا آدم - أيها الرسول - من أول أمره ، ألا يخالف لنا أمراً ، فنسى العهد وخالف ، ولم نجد له أول أمره عزماً وثيقاً ، وتصميماً قوياً يمنع من أن يتسلل الشيطان إلى نفسه بوسوسته .
116- واذكر - أيها الرسول - حين أمر الله الملائكة بتعظيم آدم على وجه أراده سبحانه ، فامتثلوا ، لكن إبليس - وهو معهم وكان من الجن - خالف وامتنع ، فأخرج وطُرِد!
117- فخاطب الله آدم قائلا : إن هذا الشيطان الذى خالف أمرنا فى تعظيمك عدو لك ولحواء - زوجتك - فاحذروا وسوسته بالمعصية ، فيكون سبباً فى خروجكما من الجنة ، فتشقى يا آدم فى الحياة بعد الخروج من الجنة .
118- إن علينا أن نكفل لك مطالب حياتك فى الجنة ، فلن يُصيبك فيها جوع ولا عِرْى .
119- وأنه لن يصيبك فيها عطش ، ولن تتعرض فيها لحر الشمس ، كما هو شأن الكادحين فى خارج الجنة .
120- فاحتال عليه الشيطان يهمس فى نفسه ، مُرَغِّباً له ولزوجه فى الأكل من الشجرة المنهى عنها ، قائلا : أنا أدلك يا آدم على شجرة ، من أكل منها رزق الخلود ، ورزق مُلكاً لا يَفنى .
فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127)
121- ودلَّه على الشجرة المحرَّمة ، فخُدع آدم وزوجه بإغراء إبليس ، ونسيا نهى الله ، وأكلا منها ، فظهرت لهما عوراتهما ، جزاء طمعهما ، حتى نسيا ووقعا فى مخالفته ، وصارا يقطعان من ورق شجر الجنة ويستران ما بدا منهما ، وخالف آدم ربه ، وكان ذلك قبل النبوة ، فَحُرِم الخلود الذى تمناه وفسد عيشه . (2/35)
122- ثم اصطفاه الله للرسالة ، فقبل توبته ، وهداه إلى الاعتذار والاستغفار .
123- أمر الله آدم وزوجه أن يخرجا من الجنة ويهبطا إلى الأرض ، وأخبرهما سبحانه بأن العداوة ستكون فى الأرض بين ذريتهما ، وأنه سبحانه سيمدهم بالهدى والرشاد ، فمن اتَّبع منهم هدى الله فلا يقع فى المآثم فى الدنيا ، ولا يشقى بالعذاب .
124- ومن أعرض عن هدى الله وطاعته فإنه يحيا حياة لا سعادة فيها ، فلا يقنع بما قسم الله ، ولا يستسلم إلى قضاء الله وقدره ، حتى إذا كان يوم القيامة جاء إلى موقف الحساب مأخوذاً بذنبه ، عاجزاً عن الحجة التى يعتذر بها ، كما كان فى دنياه أعمى البصيرة عن النظر فى آيات الله .
125- وفى هذا الموقف يسأل ربه فى فزع : يا رب كيف أنسيتنى الحُجة ، وأعجزتنى عن المعذرة ، ووقفتنى كالأعمى؟! وقد كنت فى الدنيا أُبصر ما حولى وأجادل وأدافع .
126- الأمر فى شأنك كما وقع : جاءتك دلائلنا ورسلنا فى الدنيا فنسيتها ، وتعاميت عنها ، ولم تؤمن بها ، وكذلك اليوم تترك منسيا فى العذاب والهوان .
127- ومثل هذا الجزاء السيئ نجزى فى الدنيا من أقبل على المعصية ، وكذب بالله وآياته ، وإن عذاب الآخرة لأشد ألماً ، وأدْوَم مما كان فى الدنيا .
أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (128) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133)
128- كيف يتعامون عن آيات الله ، وقد تبين لهم إهلاكنا لكثير من الأمم السالفة بسبب كفرهم ، ولم يتعظوا بهم مع أنهم يمشون فى ديارهم ومساكنهم ، ويشهدون آثار ما حل بهم من العذاب؟! وإن فى تلك المشاهد لعظات لأصحاب العقول الراجحة . (2/36)
129- ولولا حكم سبق من ربك بتأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى - هو القيامة - لكان العذاب لازماً لهم فى الدنيا كما لزم كفار القرون الماضية .
130- فاصبر - أيها الرسول - على ما يقولونه فى رسالتك من تكذيب واستهزاء ، ونَزِّه ربك عما لا يليق به بالثناء عليه ، وعبادته - وحده - دائماً ، وخاصة قبل أن تشرق الشمس وقبل أن تغرب ، ونزِّهه واعبده فى ساعات الليل ، وفى أطراف النهار بالصلاة ، حتى تدوم صلتك بالله ، فلتطمئن إلى ما أنت عليه ، وترضى بما قدر لك .
131- ولا تتعَدَّ بنظرك إلى ما متَّعنا به أصنافاً من الكافرين ، لأن هذا المتاع زينة الحياة الدنيا وزخرفها ، يمتحن الله به عباده فى الدنيا ، ويدِّخر الله لك فى الآخرة ما هو خير وأبقى من هذا المتاع .
132- ووجِّه أهلك إلى أن يؤدُّوا الصلاة فى أوقاتها ، فالصلاة أقوى ما يصلهم بالله ، وداوم على إقامتها كاملة ، لا نكلفك رزق نفسك فنحن متكفلون برزقك ، وإن العاقبة الحميدة فى الدنيا والآخرة مكفولة لأهل الصلاح والتقوى .
133- وقال الكافرون فى عنادهم : لماذا لا يأتينا محمد بدليل من ربه يَلزمُنا الإيمان به؟! فكيف يجحدون القرآن - وقد جاءهم به مشتملا على ما فى الكتب السابقة من أنباء الأمم الماضية ، وإهلاكهم بسبب تكذيب الرسل - وليس محمد بِدْعاً فى ذلك!