صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : تفسير المنتخب |
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)
33- وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ، للإضاءة وإصلاح النبات والحيوان ، وسخر لكم الليل للراحة ، والنهار للسعى . (1/422)
34- وهيَّأ لكم كل ما تحتاجون إليه فى حياتكم مما شأنه أن يطلب سواء أطلبتموه أم لا ، وإن تعدوا ما أنعم الله به عليكم لا يمكنكم حصر أنواعه ، فضلا عن أفراده . إن الجاحد الذى قابل النعم بالجحود لشديد الظلم والجحود .
35- واذكر - أيها النبى - لقومك ، ليعتبروا فيرجعوا عن إشراكهم ، قوْل أبيهم إبراهيم بعد بناء الكعبة : يا رب اجعل هذا البلد الذى فيه الكعبة ذا أمن من الظالمين وأبعدنى وأبنائى عن عبادة الأصنام .
36- لأن الأصنام تسببت فى إضلال كثير من الناس بعبادتهم لها . فَمِن تبعنى من ذريتى ، وأخلص لك العبادة ، فإنه من أهل دينى ، ومن عصانى - بإقامته على الشرك - فأنت قادر على هدايته لأنك كثير المغفرة والرحمة .
37- يا ربنا إنى أسكنت بعض ذريتى فى وادى مكة الذى لا ينبت زرعاً ، عند بيتك الذى حرَّمت التعرض له والتعاون بشأنه ، وجعلت ما حوله آمناً . ربنا فأكرمهم ليقيموا الصلاة بجوار هذا البيت ، فاجعل قلوباً خيرة من الناس تميل إليهم لزيارة بيتك ، وارزقهم من الثمرات بإرسالها إليهم مع الوافدين ، ليشكروا نعمتك بالصلاة والدعاء .
رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)
38- ربنا ، إنه يستوى عند علمك سرنا وعلانيتنا ، فأنت أعلم بمصالحنا ، وأرحم بنا منا ، وما يخفى عليك شئ ولو كان صغيراً فى الأرض ولا فى السماء ، فلا حاجة بنا إلى الدعاء ، ولكننا ندعوك إظهاراً للعبودية ، ونخشع لعظمتك ، ونفتقر إلى ما عندك . (1/423)
39- الحمد لله الذى أعطانى - مع كبر سنى ، واليأس من الولد - إسماعيل ثم إسحاق . إن ربى لسميع دعائى ، مجيب له .
40- رب وفقنى لأداء الصلاة على وجهها ، ووفق لأدائها كذلك الأخيار من ذريتى ، ربنا تقبل دعائى قبول المستجيب .
41- ربنا اغفر لى ما فرط منى من الذنوب ، واغفر لوالدىّ وللمؤمنين . يوم يتحقق الحساب ، ويكون من بعده الجزاء .
42- ولا تظنن - أيها الرسول - ربك غافلاً عما يعمل الظالمون من محاربة الإسلام وأهله؛ بل هو عالم بمخالفتهم ، وقدَّر تأخير عقوبتهم ليوم عسير ، تبقى فيه أبصارهم مفتوحة ، لا يسيطرون عليها ، فلا ترتد إليهم من هول ما ترى .
43- وهم مسرعون نحو الداعى ، رافعو رؤوسهم إلى السماء ، لا ترجع أعينهم إلى إرادتهم ، وقلوبهم خالية ليس فيها تفكير من شدة الخوف .
وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49)
44- وبين - أيها النبى - للناس أهوال يوم القيامة الذى يأتيهم فيه العذاب فيقول الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصى : ربنا أخِّر العذاب عنا ، وردنا إلى الدنيا ، وأمهلنا إلى أجل من الزمان قريب ، نتدارك ما فرطنا بإجابة دعوتك إلى التوحيد واتباع الرسل . فيقال لهم : أتقولون اليوم هذا ونسيتم أنكم حلفتم من قبل فى الدنيا أنكم إذا متم لا تزول عنكم هذه النعمة ، إن كان بعث يوم القيامة؟ . (1/424)
45- وسكنتم فى الدنيا فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصى من الأمم قبلكم ، وظهر لكم بمشاهدة آثارهم كيف عاقبناهم فلم تنزجروا ، وبيَّنا لكم صفات ما فعلوا وما حل بهم ، فلم تعتبروا .
46- وقد دبَّر هؤلاء المشركون تدبيرهم لإبطال الدعوة ، وعند الله علْم مكرهم وما كان مكرهم لتزول منه الشريعة الثابتة ثبات الجبال .
47- فلا تظن - أيها الرسول - أن الله تعالى مُخْلف رسله ما وعدهم به من النصر ، لأنه غالب لا يمنعه أحد عما يريد ، شديد الانتقام ممن كفر به وعصى رسله .
48- فينتقم منهم يوم القيامة حين نجعل الأرض غير الأرض الموجودة الآن ، ونجعل السموات غير السموات كذلك ، ويخرج الخلائق من قبورهم لحكم الله الذى لا شريك له ولا غالب له .
49- وترى الكافرين يوم القيامة مشدودين بالقيود مع شياطينهم .
سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)
50- مطلية جلودهم بسائل من القطران ، كالملابس على أجسادهم ، وتعلو النار وجوههم وتجللها . (1/425)
51- يفعل بهم ذلك ، ليجزى الله كل نفس منهم بما كسبته فى الدنيا ، والله سريع الحساب يوم القيامة ولا يشغله عنه شئ .
52- هذا القرآن هو البلاغ لنصحهم ولإنذارهم وتخويفهم من عذاب الله ، وليعلموا إذا خافوا وتأملوا أنه لا إله إلا إله واحد ، وليتذكر أصحاب العقول عظمة ربهم ، فيبتعدوا عما فيه هلاكهم .
الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (1) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2)
1- تلك آيات الكتاب المنزل المقروء المبين الواضح . (1/426)
2- يود ويتمنى الذين جحدوا بأيات اللَّه - سبحانه وتعالى - كثيرا عندما يرون عذاب يوم القيامة ، أن لو كانوا قد أسلموا فى الدنيا وأخلصوا دينهم لله .
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10)
3- ولكنهم الآن غافلون عما يستقبلهم فى الآخرة من عذاب ، فدعهم بعد تبليغهم وإنذارهم ، ليس لهم همٌّ إلا أن يأكلوا ويستمتعوا بملاذ الدنيا ، ويصرفهم أملهم الكاذب ، فمن المؤكد أنهم سيعلمون ما يستقبلهم عندما يرونه رأى العين يوم القيامة . (1/427)
4- وإذا كانوا يطلبون إنزال العذاب الدنيوى كما أهلك اللَّه الذين من قبلهم ، فليعلموا أن اللَّه لا يهلك مدينة أو أمة إلا لأجل معلوم عنده .
5- لا يتقدمون عليه ولا يتأخرون عنه .
6- وإن من قُبح حالهم وشدة غفلتهم أن ينادوا النبى متهكمين قائلين : - أيها الذى نُزِّل عليه الكتاب للذِّكر - إن بك جنونا مستمرا ، فليس النداء بنزول الذكر عليه إلا للتهكم .
7- ولفرط جحودهم يقولون بعد ذلك الشتم والتهكم : هلا أتيتنا بدل الكتاب المنزل بملائكة تكون لك حجة إن كنت صادقاً معدوداً فى الصادقين .
8- وقد أجابهم اللَّه تعالت كلماته : ما نُنزل الملائكة إلا ومعهم الحق المؤكد الثابت الذى لا مجال لإنكاره ، فإن كفروا به فإنهم لا يمهلون ، بل ينزل بهم العذاب الدنيوى فوراً .
9- وإنه لأجل أن تكون دعوة النبى بالحق قائمة إلى يوم القيامة ، لم ننزل الملائكة ، بل أنزلنا القرآن المستمر تذكيره للناس ، وإنا لحافظون له من كل تغيير وتبديل أو زيادة أو نقصان حتى تقوم القيامة .
10- ولا تحزن - أيها الرسول الأمين - فقد أرسلنا قبلك رسلاً فى طوائف تتعصب للباطل مثل تعصبهم ، ولقد مضوا مع الأولين الذين هلكوا لجحودهم .
وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17)
11- وما كان شأن الذين سبقوهم فى تعصبهم للباطل إلا أن يستهزئوا برسلهم رسولا رسولا ، كما يستهزئون بك ، فتلك سنة المبطلين . (1/428)
12- كما أدخلنا القرآن فى قلوب المؤمنين فأضاءها ، أدخلنا الباطل فى قلوب الذين اتسموا بالإجرام ، فانقلبت الأوضاع فى قلوبهم ، إذ تأصل الباطل فى نفوسهم .
13- لا يؤمن المجرمون به وقد مضت طريقة اللَّه تعالى فى إمهالهم حتى يروا عذاب يوم القيامة المؤلم .
14- إن هؤلاء يطلبون أن تنزل عليهم الملائكة ، ولا تظن - أيها النبى - أنهم يؤمنون لو نزلت ، بل لو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يصعدون ، يرون العجائب ويرون الملائكة .
15- ما آمنوا ، ولقالوا : إنما حبست أبصارنا عن النظر ، وغطيت ، بل إن ما كان هو السحر ، وقد سحرنا ، فلا جدوى فى أى آية مع الجحود فى قلوبهم .
16- وإننا قد جعلنا فى السماء نجوماً لتكون مجموعات متعددة مختلفة الأشكال والهيئات ، وزيناها بذلك للذين ينظرون متأملين معتبرين مستدلين بها على قدرة مبدعها .
17- ولكن حفظناها من كل شيطان جدير بالرجم والطرد من رحمة اللَّه تعالى .
إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)
18- من يحاول من هؤلاء الشياطين أن يسترق الاستماع إلى الكلام الذى يجرى بين سكان هذه النجوم ، فإنا نلحقه بجرم سماوى واضح بيِّن . (1/429)
19- وخلقنا لكم الأرض ومهدناها حتى صارت كالبساط الممدود ، ووضعنا فيها جبالاً ثابتة ، وأنبتنا لكم فيها من كل أنواع النبات ما يحفظ حياتكم ، وجعلناه مُقدرا بأزمان معينة فى نموه وغذائه ، ومُقدَّراً بمقدار حاجتكم ومقدار كميته ، وفى أشكاله فى الخلق والطبيعة .
20- وجعلنا فى الأرض أسباب المعيشة الطيبة لكم ، ففيها الحجارة التى تبنون منها المساكن ، والحيوان الذى تنتفعون بلحمه أو جلده أو ريشه ، والمعادن التى تخرج من بطنها ، وغير ذلك ، وكما أن فيها أسباب المعيشة الطيبة ، ففيها المعيشة أيضا لمن يكونون فى ولايتكم من عيال وأتباع ، فالله - وحده - هو يرزقهم وإياكم .
21- وما من شئ من الخير إلا عندنا كالخزائن المملوءة ، من حيث تهيئته وتقديمه فى وقته ، وما ننزله إلى العباد إلا بقدر معلوم حددته حكمتنا فى الكون .
22- وقد أرسلنا الرياح حاملة بالأمطار وحاملة بذور الإنبات ، وأنزلنا منها الماء وجعلناه سقيا لكم ، وأن ذلك خاضع لإرادتنا ، ولا يتمكن أحد من التحكم فيه حتى يصير عنده كالخزائن .
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28)
23- وإنا - وحدنا - نُمد الأشياء بالحياة ، ثم ننقلها إلى الموت إذ الوجود كله لنا . (1/430)
24- وكل منكم له أجل محدود ، نعلمه نحن ، فنعلم الذين يتقدمون فى الموت والحياة ، والذين يتأخرون .
25- وأن المتقدمين والمتأخرين سيجمعون فى وقت واحد ، وسيحاسبهم ويجازيهم اللَّه ، وإن ذلك مقتضى حكمته وعلمه ، وهو الذى يسمى الحكيم العليم .
26- وإننا فى خلقنا للعاملين فى هذه الأرض خلقنا طبيعتين : خلقنا الإنسان من طين يابس يصوت إذا نقر عليه .
27- وعالم الجن خلقناه من قبل حين خلق أصله إبليس من النار ذات الحرارة الشديدة النافذة فى مسام الجسم الإنسانى .
28- واذكر - أيها النبى - أصل الخلق ، إذ قال خالقك رب العالمين للملائكة : إنى مبدع بشراً خلقته من طين يابس ، له صوت إذا نقر عليه ، هو متغير اللون له صورة .
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38)
29- فإذا أكملته خلقاً ونفخت فيه الروح التى هى ملكى ، فانزلوا بوجوهكم ساجدين له تحية وإكراما . (1/431)
30- فسجدوا جميعاً خاضعين لأمر الله .
31- لكن إبليس أبى واستكبر أن يكون مع الملائكة الذين خضعوا لأمر الله .
32- عند إذ قال اللَّه تعالى : يا إبليس ، ما الذى سوَّغ لك أن تعصى ولا تكون مع الخاضعين الساجدين .
33- قال إبليس : ما كان من شأنى أن أسجد لإنسان خلقته من طين يابس له صوت إذا نقر عليه ، وهو متغير اللون مصور .
34- قال الله تعالى : إذا كنت متمردا خارجا على طاعتى ، فاخرج من الجنة فإنك مطرود من رحمتى ومن مكان الكرامة .
35- وإنى قد كتبت عليك الطرد من الرحمة والكرامة إلى يوم القيامة ، يوم الحساب والجزاء ، وفيه يكون لك ولمن اتبعك العقاب .
36- قال إبليس - وهو المتمرد على طاعة الله : يا خالقى ، أمهلنى ولا تقبضنى إلى يوم القيامة ، يوم يبعث الناس أحياء بعد موتهم .
37- قال الله تعالى : إنك من المؤجلين الممهلين .
38- إلى وقت قدرته وهو معلوم لى ، ومهما يطل فهو محدود .
قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47)
39- قال إبليس المتمرد العاصى : يا خالقى الذى يبقينى ، لقد أردت لى الضلال فوقعت فيه ، وبسبب ذلك لأزينن لبنى آدم السوء ، ولأعملن على ضلالهم أجمعين . (1/432)
40- ولن ينجو من إضلالى إلا الذين أخلصوا لك من العباد ، ولم أتمكن من الاستيلاء على نفوسهم لعمرانها بذكرك .
41- إن خلوص العباد الذين أخلصوا دينهم هو طريق مستقيم بحق علىَّ لا أتعداه ، لأنى لا أستطيع إضلالهم .
42- قال اللَّه تعالى : إن عبادى الذين أخلصوا لى دينهم ليس لك قدرة على إضلالهم ، لكن من اتبعك من الضالين الموغلين فى الضلال لك سلطان على نفوسهم .
43- وإن النار الشديدة العميقة هى ما يوعدون به أجمعين من عذاب أليم .
44- وليس للنار الشديدة باب واحد ، بل لها أبواب سبعة لكثرة المستحقين لها ، لكل باب طائفة مختصة به ، ولكل طائفة مرتبة معلومة تتكافأ مع شرهم .
45- هذا جزاء الذين يتبعون الشيطان ، أما الذين عجز الشيطان عن إغوائهم لأنهم يجعلون بينه وبين نفوسهم حجابا ، فلهم حدائق عظيمة وعيون جارية .
46- يقول لهم ربهم : ادخلوا هذه الجنات باطمئنان آمنين فلا خوف عليكم ، ولا تحزنون على أوقاتكم .
47- وإن أهل الإيمان يعيشون فى هذا النعيم طيبة نفوسهم ، فقد أخرجنا ما فيها من حقد ، فهم جميعاً يكونون إخوانا يجلسون على أسِرَّةٍ تتقابل وجوههم بالبشر والمحبة ، ولا يتدابرون كل ينقب عما وراء الآخر .
لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54)
48- لا يمسهم فيها تعب ، وهى نعيم دائم لا يخرجون منها أبدا . (1/433)
49- أخبر - أيها النبى الأمين - عبادى جميعاً : أنى كثير الغفران والعفو لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ، وأنى كثير الرحمة بهم .
50- وأخبرهم أن العذاب الذى أنزله بالعصاة الجاحدين هو العذاب المؤلم حقا ، وكل عذاب غيره لا يعد إلى جواره .
51- ونبئهم - أيها النبى - فى بيان رحمتى الخاصة فى الدنيا ، وعذابى للعصاة فيها ، عن الضيف من الملائكة الذين نزلوا على إبراهيم .
52- اذكر - أيها الأمين - إذ دخلوا عليه فخاف منهم ، فقالوا له : أمنا واطمئنانا . فقال لهم : إنا خائفون منكم إذ فاجأتمونا وجئتم فى غير وقت للضيف عادة ، ولا نعلم ما وراءكم .
53- قالوا : لا تخف واطمئن ، فإنا نبشرك بمولود لك يؤتيه الله - تعالى - فى مستقبل حياته علما عظيما .
54- قال : كيف تبشرونى بمولود يولد لى مع أنه قد أصابتنى الشيخوخة بضعفها ، فعلى أى وجه تبشروننى بهذا الأمر الغريب؟! .
قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60) فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64)
55- قالوا : بشرناك بالأمر الثابت الذى لا شك فيه ، فلا تكن ممن ييأسون من رحمة الله . (1/434)
56- قال إبراهيم : إنى لا أيأس من رحمة الله ، فإنه لا ييأس من رحمة الله إلا الضالون الذين لا يدركون عظمته وقدرته .
57- قال ، وقد استأنس بهم : إذا كنتم قد بشرتمونى بهذه البشرى ، فماذا يكون من شأنكم بعدها ، أيها الذين أرسلكم الله .
58- قالوا : إنا أرْسَلَنَا الله - تعالى - إلى قوم أجرموا فى حق الله وحق نبيهم وحق أنفسهم ، من شأنهم الإجرام - هم قوم لوط - فسنهلكهم .
59- ولم يسلم من الإجرام وعذابه إلا أهل لوط ، فإن الله - تعالى - قد أمرنا بأن ننجيهم أجمعين .
60- ولا يستثنى من أهله إلا امرأته ، فإنها لم تتبع زوجها ، بل كانت مع المجرمين الذين استحقوا العذاب .
61- ولما نزل أولئك الملائكة الذين أرسلهم الله - تعالى - لإنزال ما توعد به ، بأرض لوط وآله .
62- قال لهم لوط : إنكم قوم تنكركم نفسى وتنفر منكم ، مخافة أن تمسونا بشر .
63- قالوا : لا تخف منا ، فما جئناك بما تخاف ، بل جئناك بما يسرك ، وهو إنزال العذاب بقومك الذين كذبوك ، وكانوا يشكون فى صدقه أو ينكرونه .
64- وجئناك بالأمر الثابت الذى لا شك فيه وهو إنزال العذاب ، وإن صدق الوعد من صفاتنا بأمر الله .
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74)
65- وما دام العذاب نازلاً بهم ، فسر ليلاً مع أهلك الذين كتبت نجاتهم ، بعد مرور قطع من الليل . (1/435)
66- وقد أوحى الله - سبحانه وتعالى - إلى لوط : أنا حكمنا وقدرنا أن هؤلاء المجرمين هالكون ، يستأصلون عند دخول الصباح ، ولا يبقى منهم أحد .
67- ولما أصبح رأوا الملائكة فى صورة جميلة من صور البشر ، ففرحوا بهم رجاء أن يفعلوا معهم جريمتهم الشنيعة ، وهى إتيان الرجال .
68- خشى لوط أن يفعلوا فعلتهم الشنيعة فقال : إن هؤلاء ضيوفى فلا تفضحونى بفعلتكم القبيحة .
69- وخافوا الله تعالى ، فلا ترتكبوا فاحشتكم ، ولا توقعونى فى الخزى والذل أمامهم .
70- قال أولئك المجرمون : أو لم ننهك أن تستضيف أحدا من الناس ثم تمنعنا من أن نفعل معهم ما نشتهى؟! .
71- قال نبى الله لوط - ينبههم إلى الطريق الطبيعى الشرعى : هؤلاء بنات القرية وهم بناتى ، تزوجوهن إن كنتم راغبين فى قضاء الشهوة .
72- بحق حياتك - أيها النبى - الأمين ، إنهم لفى غفلة عما سينزل بهم ، جعلتهم كالسكارى ، إنهم لضالون متحيرون لا يعرفون ما يسلكون .
73- وبينما هم فى هذه السكرة الغافلة ، استولى على ألبابهم صوت شديد الإزعاج وقد أشرقت الشمس .
74- ولقد نفذ اللَّه - سبحانه - حكمه فقال : جعلنا عالى مدائنهم سافلها بانقضاضها ، وأنزلنا عليه طينا متحجرا كان ينزل كالمطر ، فدورهم تهدمت ، وإن خرجوا إلى العراء استقبلتهم تلك الأمطار من الحجارة ، وبذلك أحيط بهم .
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآَتَيْنَاهُمْ آَيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آَمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83)
75- إن فى هذا الذى نزل بقوم لوط لعلامة بينة تدل على تنفيذ اللَّه وعيده ، يعرفها الذين يتعرفون الأمور ويدركون نتائجها من سماتها . فكل عمل موصوف بالإجرام متسم به ، له مثل هذه النتيجة فى الدنيا وفى الآخرة . (1/436)
76- وأن هذه المدينة آثارها قائمة ثابتة ، وهى واقعة على طريق ثابت يسلكه الناس ويعرفونه ويعتبر بها من أراد الاعتبار .
77- وأن فى بقائها قائمة على طريق واضح لدليلا على تنفيذ اللَّه - تعالى - وعيده ، يدركه المؤمنون المذعنون للحق .
78- ومثل تكذيب قوم لوط ، كذَّب أصحاب الغيضة العظيمة ذات الثمرات رسولهم ، وكانوا ظالمين شديدى الظلم فى عقائدهم ومعاملاتهم .
79- فأنزلنا نقمتنا عليهم ، وإن أثارهم بطريق واضح بَين يعتبر بهم من يمر بديارهم ، إن كان من أهل الإيمان .
80- ولقد كذَّب - مثل السابقين - أصحاب الحجر رسولهم الذى أرسل إليهم ، وكانوا لهذا مكذبين كل المرسلين ، لأن رسالة الله واحدة .
81- بينا لهم الحجج الدالة على قدرتنا ورسالة رسولنا ، فكانوا معرضين عنها لا يفكرون فيها .
82- وكانوا قوما ذوى منعة وعمران ، فكانوا يصنعون بيوتهم فى الجبال ومن الجبال ، كانوا بها مطمئنين على أنفسهم وأموالهم .
83- فلما كفروا وجحدوا أتتهم أصوات مزعجة منذرة بالهلاك ، فأهلكوا فى وقت الصباح .
فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (84) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86) وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (87) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90)
84- وما دفع عنهم الهلاك الذى نزل بهم ما كانوا يكسبون من أموال ، ويتحصنون به من حصون . (1/437)
85- ما أنشأنا السموات والأرض وما بينهما - من فضاء ، وما فيهما من أناس وحيوان ونبات وجماد ، وغيرها مما لا يعلمه البشر - إلا بالعدل والحكمة والصلاح والذى لا يتفق معه استمرار الفساد وعدم نهايته ، ولذا كان اليوم الذى يكون فيه انتهاء الشر آتيا لا محالة ، واصفح - أيها النبى - الكريم عن المشركين بالنسبة للعقاب الدنيوى ، وعاملهم بالصبر على أذاهم ، والدعوة بالحكمة معاملة الصفوح الحليم .
86- إن اللَّه الذى خلقك - أيها النبى - ورباك هو الكثير الخلق ، العليم بحالك وحالهم ، فهو حقيق بأن تكل إليه أمرك وأمرهم ، وهو الذى يعلم الأصلح لك ولهم .
87- ولقد آتيناك - أيها النبى الأمين - سبع آيات من القرآن ، هى الفاتحة التى تكررها فى كل صلاة ، وفيها الضراعة لنا ، وكمال طلب الهداية ، وأعطيناك القرآن العظيم كله ، وفيه الحجة والإعجاز ، فأنت بهذا القوى الذى يجدر منه الصفح .
88- لا تنظر - أيها الرسول - نظرة تمن ورغبة إلى ما أعطيناه من مُتَع الدنيا أصنافاً من الكفار المشركين واليهود والنصارى والمجوس ، فإنه مستصغر بالنسبة لما أوتيته من كمال الاتصال بنا ومن القرآن العظيم ، ولا تحزن عليهم بسبب استمرارهم على غيهم ، وَأَلِنْ جانبك وتواضع وارفق بالذين معك من المؤمنين ، فإنهم قوة الحق وأهل اللَّه .
89- وقل - أيها النبى - للجاحدين جميعاً : إنى أنا المنذر لكم بعذابى الشديد ، والمبين إنذارى بالأدلة القاطعة المعجزة .
90- وإن هذا مثل إنذار أولئك الذين قسموا القرآن إلى شعر وكهانة وأساطير وغيرها ، ولم يؤمنوا به مع قيام الحجة عليهم .
الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ (91) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)
91- الذين جعلوا القرآن بهذا التقسيم قطعاً متفرقة ، وهو كل لا يقبل التجزئة فى إعجازه وصدقه . (1/438)
92- وإذا كانت تلك حالهم ، فوالذى خلقك وحفظك ورباك لنحاسبنهم أجمعين يوم القيامة .
93- على أعمالهم من إيذاء وجحود واستهزاء .
94- فاجهر بدعوة الحق ولا تلتفت إلى ما يفعله المشركون ويقولونه .
95- وإن أولئك المشركين - الذين يسخرون من دعوتك - لن يتمكنوا منك ولن يستطيعوا أن يحولوا بينك وبين دعوتك .
96- أولئك المشركون قد ضعفت مداركهم فجعلوا مع اللَّه آلهة أخرى من الأوثان ، وسوف يعلمون نتائج شركهم حين ينزل بهم العذاب الأليم .
97- وإنا لنعلم ما يصيبك من ضيق وألم نفسى بما يقولونه من ألفاظ الشرك والاستهزاء والاستهانة .
98- فإذا أصابك ذلك الضيق فافزع إلى الله - تعالى - واتجه إليه ، وكن من الخاضعين الضارعين إليه ، واستعن بالصلاة فإن فيها الشفاء .
99- والتزم عبادة الله الذى خلقك وهو حافظك حتى ينتهى أجلك وتلحق بالرفيق الأعلى .
أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)
1- تأكدوا - أيها المشركون - أن ما توعَّدكم الله به يوم القيامة واقع قريب الوقوع لا شك فيه ، فلا تستهزئوا باستعجال وقوعه ، تنزه الله عن أن يكون له شريك يُعبد من دونه ، وعما تشركون به من آلهة لا تقدر على شئ . (1/439)
يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7)
2- ينزل الملائكة بما يحيى القلوب من وحيه على من يختاره للرسالة من عباده ، ليعلموا الناس أنه لا إله يُعبد بحق إلا أنا . فابتعدوا عما يغضبنى ويعرضكم للعذاب ، والتزموا الطاعات لتكون وقاية لكم من العذاب . (1/440)
3- خلق السموات والأرض بمقتضى الحكمة ، تنزه الله عن أن يكون له شريك يتصرف فى شئ من ملكه ، أو يستحق أن يعبد مثله .
4- خلق كل فرد من أفراد الإنسان من مادة سائلة لا تماسك فيها وهى النطفة ، فإذا به إنسان قوى مجادل عن نفسه ، مكافح لخصومه ، مبين لحجته .
5- وقد تفضل اللَّه عليكم - أيها العباد - فخلق لكم الإبل والبقر والضأن والمعز لتتخذوا من أصوافها وأوبارها وأشعارها ما تستدفئون به ، ومن لحومها تأكلون ما يحفظ حياتكم .
6- ولكم فيها بهجة وسرور ، حين ترونها راجعة من مراعيها ملأى البطون والضروع ، وحين تذهب إلى الحقول والمراعى تُسرع الخطا إلى غذائها .
7- وتحمل أمتعتكم الثقيلة إلى بلد لم تكونوا مستطيعين الوصول إليه بدونها إلا بتحميل أنفسكم أقصى جهدها ومشقتها . إن ربكم الذى هيأ ذلك لراحتكم لشديد الرأفة بكم ، واسع الرحمة لكم .
وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12)
8- وخلق لكم الخيل والبغال والحمير لتركبوها ، فتتخذوا منها زينة تُدخل السرور على قلوبكم ، وسيخلق ما لا تعلمون الآن من وسائل الركوب وقطع المسافات ، مما سخره اللَّه لبنى الإنسان ، إذا استخدم عقله وفكر به واهتدى إلى استخدام كل القوى . (1/441)
9- وعلى اللَّه بمقتضى فضله ورحمته أن يُبيِّن لكم الطريق المستقيم الذى يوصلكم إلى الخير ومن الطريق ما هو مائل منحرف لا يوصل إلى الحق ، ولو شاء هدايتكم جميعا لهداكم وحملكم على الطريق المستقيم ، ولكنه خلق لكم عقولا تدرك ، وإرادة توجه . وترككم لاختياركم .
10- هو الذى أنزل من جهة السماء ماء لكم منه شراب ، وبعضه ينبت منه الشجر ، وفى هذا الشجر ترسلون أنعامكم لتأكل منه ، وتمدكم باللبن واللحوم ، والأصواف والأوبار والأشعار .
11- ينبت لكم بالماء الذى ينزل من السماء الزرع الذى نخرج منه الحبوب والزيتون والنخيل والأعناب ، وغيرها من كل أنواع الثمرات التى تأكلونها غير ما ذكر ، إن فى إيجاد هذه الأشياء لعلامة هادية لقوم ينتفعون بعقولهم ويفكرون فى القدرة التى أوجدتها .
12- وسخر لكم الليل إذ جعله مهيئا لراحتكم ، والنهار إذ جعله مناسبا لسعيكم وحركتكم وأعمالكم ، والشمس إذ تمدكم بالدفء والضوء ، والقمر لتعرفوا به عدد السنين والحساب ، والنجوم مسخرات بأمر اللَّه تهتدوا بها فى الظلمات ، إن فى ذلك لعلامات وأدلة لقوم ينتفعون بما وهبهم اللَّه من عقل يدرك .
وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19)
13- وبجوار ما خلقه لكم فى السماء وهيأه لمنافعكم ، خلق لكم على سطح الأرض كثيرا من أنواع الحيوان والنبات والجماد ، وجعل فى جوفها كثيرا من المعادن المختلفة الألوان والأشكال والخواص ، وجعل كل ذلك لمنافعكم . إن فى ذلك كله لأدلة واضحة كثيرة لقوم يتدبرون فيها فيتعظون ، ويعرفون من خلالها قدرة خالقهم ورحمته بهم . (1/442)
14- وهو الذى ذلل البحر وجعله فى خدمتكم لتصطادوا ولتأكلوا منه لحم الأسماك طريا طازجا ، وتستخرجوا منه ما تتحلون به كالمرجان واللؤلؤ . وترى - أيها الناظر المتأمل - السفن تجرى فيه شاقة مياهه تحمل الأمتعة والأقوات . سخره اللَّه لذلك لتنتفعوا بما فيه وتطلبوا من فضل اللَّه الرزق عن طريق التجارة وغيرها . ولتشكروه على ما هيَّأه لكم ، وذلك لخدمتكم .
15- وجعل اللَّه فى الأرض جبالا ثابتة تحفظها أن تضطرب ، وجعل فيها أنهارا تجرى فيها المياه الصالحة للشرب والزرع ، وطرقا ممهدة لتهتدوا بها فى السير إلى مقاصدكم .
16- وجعل علامات ترشد الناس فى أثناء سيرهم فى الأرض ، وهم فى ذلك يسترشدون فى أثناء سيرهم بالنجوم التى أودعها السماء إذا عميت عليهم السبل والتبست معالم الطرق .
17- هل يستوى فى نظر العقل السليم التسوية بين القادر والعاجز فيجعل من يخلق هذه الأشياء كمن لا يستطيع خلق أى شئ؟ أتعمون - أيها المشركون - عن آثار قدرة اللَّه . فلا تعتبروا وتشكروا عليها اللَّه؟
18- وإن تحاولوا عد أنعم اللَّه عليكم فلن يمكنكم إحصاؤها ، إن اللَّه كثير المغفرة واسع الرحمة ، فتوبوا إليه وأخلصوا العبادة له ، يغفر لكم ويرحمكم .
19- واللَّه يدرك بعلمه الشامل ما تخفون وما تظهرون ، لا يخفى عليه شئ من سركم وجهركم .
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26)
20- هذا الخالق المنعم العالم بكل شئ ، هو - وحده - المستحق للعبادة ، أما الأصنام التى تعبدونها ، فهى عاجزة لا تستطيع أن تخلق شيئا ، ولو كان ذبابا . . بل هى نفسها مخلوقة ربما صنعتموها بأيديكم . (1/443)
21- وهى جمادات ميتة لا حس لها ولا حركة ، ولا تدرى متى تكون القيامة والبعث لعابديها ، فلا يليق بكم - أيها العقلاء - بعد هذا أن تظنوا أنها تنفعكم فتشركوها مع اللَّه فى العبادة .
22- وقد وضح بكل هذه الدلائل أن إلهكم الذى يجب أن تعبدوه وحده إله واحد لا شريك له ، ومع ذلك فالذين لا يؤمنون بالبعث والحساب قلوبهم منكرة لوحدانيته ، منعهم الاستكبار عن اتباع الحق والخضوع له .
23- لا شك أن اللَّه يعلم ما يسرون وما يعلنون من عقائد وأقوال وأفعال ، وسيحاسبهم على كل ذلك ويعاقبهم على استكبارهم ، لأنه - سبحانه - لا يحب المستكبرين عن سماع الحق والخضوع له .
24- وإذا سئل هؤلاء الكفار المستكبرون : أى شئ أنزله ربكم على محمد؟ قالوا فى عناد : هذا الذى يزعم أن اللَّه أنزله عليه ما هو إلا أباطيل وخرافات سطرها السابقون فنقلها وصار يرددها .
25- قالوا ذلك ، ليصدوا الناس عن اتباع رسول اللَّه ، لتكون عاقبة أمرهم أنهم يعذبون يوم القيامة عذاب ضلالهم كاملا ، وعذاب بعض الناس الذين خدعوهم وغرورا بهم حتى ضلوا دون علم أو بحث . تنبه - أيها السامع - لقبح ما ارتكب هؤلاء من ذنوب ما أشد عقابهم عليها .
26- وقد سبق هؤلاء الكافرين المتكبرين أمثال لهم ، دبَّروا المكائد لأنبيائهم ، واحتالوا فى إضلال الناس فأبطل اللَّه كيدهم ، ودمر بلادهم ونزل بهم عذاب النار فى الدنيا من حيث لا يتوقعون .
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30)
27- ثم فى الآخرة حيث يبعث الناس ويحاسبون على أعمالهم ، ويوقفهم اللَّه موقف الخزى والعار ، حين يفضحهم ويظهر ما كانت تخفيه صدورهم ، ويقول لهم : أين هؤلاء الذين اتخذتموهم شركاء لى فى العبادة؟ وكنتم تحاربوننى ورسلى فى سبيلهم . أين هم حتى يمدوا لكم العون كما كنتم تزعمون ، فلا يستطيعون جوابا ، وحينئذ يقول الذين يعلمون الحق من الأنبياء والمؤمنين والملائكة : إن الخزى اليوم والعذاب المسئ واقعان على الجاحدين . (1/444)
28- الخزى على الكافرين الذين استمروا على كفرهم حتى قبضت الملائكة أرواحهم ، وهم ظالمون لأنفسهم بالشرك وبارتكاب السوء ، واستسلموا بعد طوال العناد إذ علموا حقيقة جرمهم ، وقالوا كذبا من شدة دهشتهم : ما كنا فى الدنيا نعمل شيئا من المعاصى ، فتقول لهم الملائكة والأنبياء : كلا ، إنكم كاذبون ، وقد ارتكبتم أفظع المعاصى . واللَّه - سبحانه - محيط بكل صغيرة وكبيرة مما كنتم تعملونه فى دنياكم ، فلا يفيدكم إنكاركم .
29- ويقال لهم بعد ذلك : مآلكم دخول النار والعذاب فيها عذابا مؤبدا لا ينقطع ، وقبحت جهنم دارا ومقاما لكل متكبر على الانقياد إلى الحق والإيمان باللَّه ورسله .
30- وقيل للذين آمنوا باللَّه وابتعدوا عما يغضبه من قول أو فعل أو عقيدة : ما الذى أنزله ربكم على رسوله؟ قالوا : أنزل عليه القرآن ، فيه خير الدنيا والآخرة للناس جميعا ، فكانوا بذلك من المحسنين . واللَّه - سبحانه - يكافئ المحسنين بحياة طيبة فى هذه الحياة الدنيا ، ويكافئهم فى الآخرة بما هو خير وأحسن مما نالوه فى الدنيا . ولنعم الدار التى يقيم فيها المتقون فى الآخرة .
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (34) وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35)
31- وهى جنات ثابتة للإقامة ، تجرى من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ، لهم فيها ما يشاءون من النعيم ، ومثل هذا الجزاء الحسن ، يجزى اللَّه كل المتقين الذين آمنوا به ، واتقوا ما يغضبه ، وأحسنوا عملهم . (1/445)
32- وهم الذين تقبض أرواحهم الملائكة ، وهم طاهرون من دنس الشرك والمعاصى ، وتقول الملائكة تطمينا لهم : أمان من اللَّه لكم ، فلا يصيبكم بعد اليوم مكروه ، وأبشروا بالجنة تدخلونها بسبب ما قدمتم من أعمال صالحة فى دنياكم .
33- هؤلاء هم المتقون الذين استعدوا لآخرتهم ، وذلك جزاؤهم . أما المشركون ، فإنهم بعنادهم وبقائهم على شركهم ، لا ينتظرون إلا الملائكة تقبض أرواحهم ، وهم ظالمون لأنفسهم بالشرك وعمل الشر ، ويأتيهم عذاب ربك بإهلاكهم جميعاً . ومثل ما فعل هؤلاء الكفار المعاندون ، فعل الذين سبقوهم فى ذلك مع أنبيائهم فعاقبهم الله على فعلهم ، ولم يكن ظالماً لهم حين عاقبهم ، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم حين عرضوها لعذاب الله بكفرهم .
34- فأصابهم جزاء ما عملوا من سيئات ، وأحاط بهم العذاب الذى كانوا ينكرونه ويستهزئون به .
35- وقال الذين أشركوا عناداً ومغالطة : لو شاء الله أن نعبده - وحده - ونطيعه فيما يأمر به لما عبدنا غيره ، ولما حرَّمنا من عندنا ما لم يحرمه ، كالبحيرة والسائبة وهى حجة باطلة يستندون عليها فى كفرهم . وقد احتج بها من سبقوهم من الكفار ، بعد ما أرسلنا إليهم رسلنا ، فأمروهم بالتوحيد وطاعة الله ، ونهوهم عن الشرك وعن تحريم ما حَرَّمه الله ، فقامت عليهم الحُجة ، وأدى رسلنا ما أمرناهم بتبليغه ، وعلينا نحن حسابهم ، وليس على الرسل شئ بعد ذلك .
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39)
36- ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا ليقول لهم : اعبدوا الله - وحده - واجتنبوا كل طاغية مفسد ، فبلغهم وأرشدهم ، ففريق استمع إلى الإرشاد وتقبله ، فهداه الله بحسن استعداده إلى الطريق المستقيم ، وفريق أعرض عن سماع الحق فانحرف عن سواء السبيل ، فأنزل الله به العذاب . وإذا كنتم فى شك من هذا - يا مشركى مكة - فسيروا فى الأرض ، قريباً منكم ، فانظروا وتأملوا كيف حل بالمكذبين - من عاد وثمود وقوم لوط - عذاب الله ، وكيف كانت عاقبة أمرهم خسراناً وهلاكاً؟! . (1/446)
37- إن تكن حريصاً - أيها النبى - على هداية المشركين من قومك ، باذلاً معهم أقصى ما فى جهدك ، فلا تهلك نفسك حزناً إذا لم يتحقق ما تريد ، فقد تحكمت فيهم الشهوات ، والله لا يجبر على الهداية من اختاروا الضلال وتمسكوا به ، لأنه يتركهم لما اختاروا لأنفسهم ، وسيلقون جزاءهم عذاباً عظيماً ، ولا يجدون لهم يوم القيامة من ينصرهم ويحميهم من عذاب الله .
38- وقد أضاف المشركون إلى شركهم بالله إنكارهم ليوم القيامة ، فأقسموا بالله غاية طاقتهم فى القسم ، وأكدوا أن الله لا يبعث من يموت وهم كاذبون فى قَسَمِهِمْ ، وسيبعثهم الله جميعاً ، لأنه أخذ العهد على نفسه بذلك ، ولن يخلف الله عهده ، ولكن أكثر الناس من الكفار لا يعلمون حكمة الله فى خلْق هذا العالم وأنه لم يخلقه عبثاً ، ولا عن حسابه فى الآخرة ومجازاته .
39- وأن من عدل الله فى خلقه أن يبعثهم جميعاً بعد موتهم ، فيظهر لهم حقائق الأمور التى اختلفوا فيها ، ليعلم المؤمنون أنهم على حق ، ويعلم الكافرون أنهم كانوا مخطئين فى اتخاذهم شركاء .
إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)
40- وليس بعث الناس يوم القيامة بعسير علينا حتى يستبعده هؤلاء الكفار ، لأننا إذا أردنا شيئاً لا يحتاج إيجاده إلا أن نقول له : كن . فيكون كما نريد . (1/447)
41- والمؤمنون الذين هاجروا من ديارهم لوجه الله تعالى ، وإخلاصاً لعقيدتهم ، من بعد ما وقع عليهم الظلم والعذاب من المشركين ، لنُعوّضهم فى الدنيا على إخلاصهم واحتمالهم للعذاب ، حياة طيبة حسنة لا تأتى إلا بالجهاد ، وسيكون أجرهم يوم القيامة أكبر ، ونعيمهم فى الجنة أعظم ، لو كان المخالفون لهم يعلمون ذلك لما ظلموهم وظلموا أنفسهم .
42- وهؤلاء المهاجرون هم الذين صبروا على ما تحملوه من عذاب فى سبيل عقيدتهم ، وفوضوا أمرهم إلى الله - وحده - غير مبالين بما سواه ، ومن أجل هذا أحسنا لهم الجزاء .
43- وما أرسلنا إلى الأمم السابقة قبل إرسالك إلى أمتك - أيها النبى - إلا رجالاً نوحى إليهم بما نريد تبليغه لهم ، ولم نرسل ملائكة كما يريد كفار قومك ، فاسألوا - أيها الكافرون - أهل العلم بالكتب السماوية ، إن كنتم لا تعلمون ذلك ، فستعرفون أن رسل الله جميعاً ما كانوا إلا رجالاً لا ملائكة .
44- وقد أيدنا هؤلاء الرسل بالمعجزات والدلائل البينة لصدقهم ، وأنزلنا عليهم الكتب تبين لهم شرعهم الذى فيه مصلحتهم ، وأنزلنا إليك - أيها النبى - القرآن لتبين للناس ما اشتمل عليه من العقائد والأحكام ، وتدعوهم إلى التَّدبر فيه ، رجاء أن يتدبروا فيتعظوا ويستقيم أمرهم .
أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50)
45- فكيف يصح بعد كل هذا أن يتمادى المشركون فى عنادهم ، ويدبروا المكائد للرسول؟ هل أغراهم حلم الله بهم فاعتقدوا أنهم فى مأمن من عذاب الله ، فلا يخسف بهم الأرض كما فعل بقارون؟ أو يأتيهم العذاب فجأة بصاعقة كما فعل بثمود وهم لا يدرون أين نزل . (1/448)
46- أو يهلكهم فى أثناء تنقلهم فى الأرض للتجارة بعيدين عن مساكنهم فلا يستطيعون الإفلات من عقاب الله ، لأنه لا يعجزه شئ يريده .
47- أو ينزل بهم العذاب فى أنفسهم وأموالهم رويداً رويدا ، وهم فى كل لحظة فى عذاب من الخوف منه والترقب لوقوعه ، فلا تتمادوا - أيها المشركون - وتغتروا بتأخير عقوبتكم ، فقد اقتضت رأفة الله الشاملة ورحمته الواسعة ألا يعاجلكم بالعقوبة فى الدنيا ، كى تتفكروا وتتدبروا لأنه - سبحانه - رؤوف رحيم .
48- أغفل هؤلاء الكفار عن آيات الله حولهم ، ولم ينظروا ويتدبروا فيما خلقه الله من الأشياء القائمة ، تنتقل ظلالها وتمتد تارة يميناً وتارة شمالاً ، تابعة فى ذلك لحركة الشمس نهاراً والقمر ليلاً ، وكل ذلك خاضع لأمر الله ، منقاد لأحكام تدبيره . لو تدبر المشركون هذا لعلموا أن خالقه ومدبره هو - وحده - المستحق للعبادة والخضوع ، القادر على إهلاكهم لو أراد .
49- ولله - وحده - لا لغيره - يخضع وينقاد جميع ما خلقه فى السموات وما دب على الأرض ومشى على ظهرها من مخلوقات ، وفى مقدمتهم الملائكة يخضعون له ولا يستكبرون عن طاعته .
50- وحالهم أنهم دائماً على خوف من ربهم القادر القاهر ، ويفعلون ما يأمرهم به .
وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55) وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58)
51- وقال الله : لا تعبدوا اثنين ، وتجعلوهما إلهين ، لأن الإشراك فى العبادة تنافى وحدانية الخلق والتّكون ، إنما المعبود بحق إله واحد ، فخافونى ولا تخافوا غيرى . (1/449)
52- وله - وحده - ما فى السموات والأرض خلقاً ، وملكاً ، وعبيداً ، فحقه - دون غيره - أن يُعبد ويُحمد ، ويُخضع له ، وتُرْجى رحمته ، ويخاف عذابه .
53- وأى شئ جاءكم من النعم فهو من الله - وحده - ثم إذا لحقكم ما يضركم فلا تتضرعوا بأعلى أصواتكم إلا إليه .
54- ثم إذا استجاب لدعائكم ورفع ذلك الضر عنكم ، نسى بعضكم حق الله عليه من التوحيد وإخلاص العبادة له ، فيشركون بخالقهم ومربيهم ويعبدون معه غيره .
55- ذلك يحدث منهم لتكون عاقبة أمرهم إنكار فضلنا على ما أعطيناهم ، فتمتعوا - أيها الكافرون - بما لا تؤدون حق شكره ، فسوف تعلمون عاقبة الكفر .
56- ويجعل المشركون لأوثانهم التى يسمونها بغير علم آلهة نصيبا يتقربون بها إليها ، من الرزق الذى أعطيناهم إياه من الحرث والأنعام وغيرهما ، لأسألكم وعزتى - أيها المشركون - عما كنتم تختلقونه من الكذب وتفترونه من الباطل ، وأجازيكم عليه .
57- ويجعلون لله ما يكرهون ، فيزعمون أن الملائكة بنات ، ويعبدونها ، تنزه الله عن ذلك ، ويجعلون لأنفسهم ما يحبون ، وهم الذكور من الأولاد .
58- وهم إذا خُبِّر أحدهم بأنه ولدت له أنثى ، صار وجهه مسودا من الحزن وهو مملوء غيظاً يكظمه .
يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)
59- يحاول الاختفاء عن أعين الناس ، لئلا يروا كآبته من الألم الذى أصابه من وجود المولود الذى أخبروه به ، وتستولى عليه حيرة . أيبقيه حياً مع ما يلحقه من الهوان على ذلك فى زعمه؟! أم يدفنه فى التراب وهو حى حتى يموت تحته؟ تنبه - أيها السامع - لفظاعة عمل هؤلاء . وقبح حكمهم الذى ينسبون فيه لله ما يكرهون أن ينسب إلى أنفسهم . (1/450)
60- الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب الحال التى تسوء ، وهى الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث ، ولله الصفة العليا ، وهو الغنى عن كل شئ ، فلا يحتاج إلى الولد ، وهو الغالب القوى الذى لا يحتاج إلى معين .
61- ولو يعجل الله عقاب الناس بما ارتكبوا من ظلم ، ما ترك على ظهر الأرض دابة ، ولكنه بحلمه وحكمته يؤخر الظالمين إلى وقت عيَّنه ، وهو وقت انتهاء آجالهم ، فإذا جاء هذا الوقت لا يتأخرون عنه لحظة كما لا يتقدمون عليه لحظة .
62- وينسب المشركون إلى الله ما يكرهون أن ينسب إليهم من البنات والشركة ، وتنطق ألسنتهم الكذب ، إذ يزعمون مع ذلك أن لهم فى الدنيا الغنى والسلطان الذى يقيهم العذاب ، وأن لهم الجنة كذلك . والحق أن لهم النار ، وأنهم مسوقون إليها قبل غيرهم .
63- تأكد - أيها النبى - أننا أرسلنا رسلا إلى أمم من قبل بمثل ما أرسلناك به إلى الناس جميعاً ، فحسَّن لهم الشيطان الكفر والشرك والمعاصى فكذبوا رسلهم ، وعصوهم ، وصدقوا الشيطان وأطاعوه ، فهو متولى أمورهم فى الدنيا يزين لهم ما يضرهم ، ولهم فى الآخرة عذاب شديد الألم .
وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68)
64- وما أنزلنا عليك القرآن إلا لتبين به للناس الحق فيما كان موضع خلافهم من الدين ، وليكون هداية تامة ، ورحمة عامة لقوم يؤمنون بالله وبالكتاب الذى أنزله . (1/451)
65- والله أنزل من السماء ماء يحمله السحاب ، فجعل الأرض منبتة فيها حياة ، بعد أن كانت قاحلة لا حياة فيها . إن فى ذلك لدليلاً واضحاً على وجود مدبر حكيم .
66- وإن لكم - أيها الناس - فى الإبل والبقر والغنم لموعظة تعتبرون بها ، وتنتقلون بتدبر عطائها إلى العلم بالصانع المبدع الحكيم ، ونسقيكم من بعض ما فى بطونها من بين فضلات الطعام والدم لبناً صافياً سهل التناول للشاربين .
67- ومن ثمرات النخيل والأعناب التى أنعمنا بها عليكم ومكناكم منها تتخذون عصيراً مسكراً غير حسن ، وطعاماً طيباً حسناً ، إن فى ذلك لعلامة دالة على القدرة والرحمة لقوم ينتفعون بعقولهم .
68- وألهم ربك - أيها النبى - النحل أسباب حياتها ، ووسائل معيشتها ، بأن تتخذ من الجبال بيوتاً فى كهوفها ، ومن فجوات الشجر ، ومن عرائش المنازل والكروم بيوتاً كذلك .
ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71)
69- ثم هداها - سبحانه - للأكل من كل ثمرات الشجر والنبات ، وسهَّل لها أن تسلك لذلك طرقاً هيأها لها ربها مذللة سهلة ، فيخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ، إن فى ذلك الصنع العجيب لأدلة قوية على وجود صانع قادر حكيم ، ينتفع بها قوم يستعملون عقولهم بالتأمل فيفوزون بالسعادة الدائمة . (1/452)
70- والله خلقكم ، وقدر لكم آجالا مختلفة ، منكم من يتوفاه مبكراً ، ومنكم من يبلغ أرذل العمر ، فيرجع بذلك إلى حال الضعف ، إذ تأخذ حيويته فى الضعف التدريجى ، فيقل نشاط الخلايا وتهن العظام والعضلات والأعصاب فتكون عاقبته أن يفقد كل ما عليه . إن الله عليم بأسرار خلقه ، قادر على تنفيذ ما يريده .
71- والله فضَّل بعضكم على بعض فى الرزق . فجعل رزق السيد المالك أفضل من رزق مملوكه ، فما الذين كثر رزقهم من السادة بمعطين نصف رزقهم لعبيدهم المملوكين لهم ، حتى يصيروا مشاركين لهم فى الرزق على حد المساواة ، وإذا كان هؤلاء الكفار لا يرضون أن يشاركهم عبيدهم فى الرزق الذى جاء من عند الله ، مع أنهم بشر مثلهم ، فكيف يرضون أن يشركوا مع الله بعض مخلوقاته فيما لا يليق إلا به تعالى ، وهو استحقاق العبادة؟ فهل تستمر بعد كل هذا بصائر هؤلاء المشركين مطموسة ، فيجحدوا نعمة الله عليهم بإشراكهم معه غيره؟ .
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (74)
72- والله جعل لكم من جنس أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها ، وجعل لكم من أزواجكم بنين وأبناء بنين ، ورزقكم ما أباحه لكم مما تطيب به نفوسكم . أبعد ذلك يشرك به بعض الناس؟ فيؤمنون بالباطل ، ويجحدون نعمة الله المشاهدة ، وهى التى تستحق منهم الشكر ، وإخلاص العبادة لله . (1/453)
73- ويعبدون غير الله من الأوثان وهى لا تملك أن ترزقهم رزقا - أَىَّ رزقٍ - ولو قليلا سواء كان هذا الرزق آتيا من جهة السماء كالماء ، أم خارجاً من الأرض كثمر الأشجار والنبات ، ولا تستطيع هذه الآلهة أن تفعل شيئاً من ذلك ولا أقل منه .
74- وحيث ثبت لكم عدم نفع غير الله لكم ، فلا تذكروا لله تعالى أشباهاً ، وتبرروا عبادتها بأقيسة فاسدة ، وتشبيهات غير صحيحة تعبدونها معه . إن الله يعلم فساد ما تعملون ، وسيجازيكم عليه ، وأنتم فى غفلة لا تعلمون سوء مصيركم .
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَم لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77)
75- جعل الله مثلا يوضح فساد ما عليه المشركون ، بعبد مملوك لا يقدر على فعل شئ ، وبحرّ رزقه الله رزقاً طيباً حلالا ، فهو يتصرف فيه ، وينفق منه فى السر والجهر . هل يستوى العبيد الذين لا يقدرون على شئ ، والأحرار الذين يملكون ويتصرفون فيما يملكون؟ إن الله ملك كل شئ ، فهو يتصرف فى ملكوته كما يريد ، وغيره لا يملك أىَّ شئ فلا يستحق أن يُعبد ويُحمد ، الثناء كله حق لله وحده ، والتنزيه له وحده ، وله العلو وحده ، لأن كل خير صدر عنه ، وكل جميل مرده إليه ، ولا يفعل هؤلاء ما يفعلون عن علم ، وإنما يفعلون ما يفعلون تقليداً لرؤسائهم ، بل أكثرهم لا يعلمون ، فيضيفون نعمه إلى غيره ، ويعبدونه من دونه . (1/454)
76- وجعل الله مثلا آخر هو رجلان : أحدهما أخرس أصم لا يُفْهم غيره : كَلٌّ على من يلى أمره ، إذا وجهه سيده إلى جهة ما لا يرجع بفائدة . هل يستوى هذا الرجل مع رجل فصيح قوى السمع . يأمر بالحق والعدل ، وهو فى نفسه على طريق قويم لا عوج فيه؟ إن ذلك الأخرس الذى لا يسمع ولا يتكلم ولا يَفْهم ولا يُفهم ، هو مثل الأصنام التى عبدوها من دون الله ، فإنها لا تسمع ولا تنطق ولا تنفع ، فلا يمكن أن تستوى مع السميع العليم الداعى إلى الخير والحق ، وإلى الطريق المستقيم .
77- ولله - وحده - علم ما غاب عن العباد فى السموات والأرض ، وما أمر مجئ يوم القيامة ، وبعث الناس فيه ، عند الله فى السرعة والسهولة ، إلا كرد طرف العين بعد فتحها . بل هو أقرب سرعة من ذلك . إن الله عظيم القدرة لا يعجزه أى شئ .
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80)
78- والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تدركون شيئاً مما يحيط بكم ، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ، وسائل للعلم والإدراك ، لتؤمنوا به عن طريق العلم ، وتشكروه على ما تفضل به عليكم . (1/455)
79- ألم ينظر المشركون إلى الطير مذللات للطيران فى الهواء إلى السماء بما زودها الله به من أجنحة أوسع من جسمها تبسطها وتقبضها ، وسخر الهواء لها ، فما يمسكهن فى الجو إلا الله بالنظام الذى خلقها عليه؟ إن فى النظر إليها والاعتبار بحكمة الله فى خلقها ، لدلالة عظيمة ينتفع بها المستعدون للإيمان .
80- والله سبحانه وتعالى هو الذى جعلكم قادرين على إنشاء بيوت لكم تتخذون منها مساكن ، وجعل لكم من جلود الإبل والبقر والغنم وغيرها أخبية تسكنون فيها وتنقلونها فى حلكم وترحالكم ، وجعلكم تتخذون من صوفها وشعرها ووبرها فرشاً تتمتعون بها فى هذه الدنيا إلى حين آجالكم .
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (85) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86)
81- والله جعل لكم من الأشجار التى خلقها وغيرها ظلالا تقيكم شر الحر ، وجعل لكم من الجبال كهوفاً ومغارات تسكنون فيها كالبيوت ، وجعل لكم ثياباً من الصوف والقطن والكتان وغيرها تصونكم من حرارة الشمس ، ودروعاً من الحديد تصونكم من قسوة حروب أعدائكم ، كما جعل لكم هذه الأشياء ، يتم عليكم نعمته بالدين القيم ، لتنقادوا لأمره وتخلصوا عبادتكم له دون غيره . (1/456)
82- فإن أعرض عنك - أيها النبى - الذين تدعوهم إلى الإسلام ، فلا تبعة عليك فى إعراضهم ، فليس عليك إلا التبليغ الواضح ، وقد فعلت .
83- إن إعراض هؤلاء الكفار ليس لأنهم يجهلون أن الله - سبحانه - هو مصدر كل النعم عليهم ، ولكنهم يعملون عمل من ينكرها حيث لم يشكروه عليها ، وأكثرهم جمد على تقليد الآباء فى الكفر بالله ، حتى كان أكثرهم هم الجاحدون .
84- وحذر - أيها النبى - كل كافر بربه مما سيحصل ، يوم نبعث من كل أمة نبيا ليشهد لها أو عليها بما قابلت به رسول ربها ، وإذا أراد الكافر منهم أن يعتذر لا يؤذن له فى الاعتذار ، ولا يوجد لهم شفيع يمهد لشفاعته ، بأن يطلب منهم الرجوع عن سبب غضب الله عليهم ، لأن الآخرة ليست دار توبة .
85- وإذا رأى الذين ظلموا أنفسهم بالكفر عذاب جهنم ، وطلبوا أن يخففه اللَّه عنهم ، لا يُجاب لهم طلب ، ولا يؤخرون عن دخول جهنم لحظة .
86- وإذا رأى الذين أشركوا آلهتهم التى عبدوها وزعموا أنها شركاء للَّه قالوا : يا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا نعبدهم مخطئين ، فخفف عنا العذاب بإلقاء بعضه عليهم ، فيجيبهم شركاؤهم قائلين : إنكم - أيها المشركون - لكاذبون فى دعواكم أننا شركاء ، وأنكم عبدتمونا ، إنما عبدتم أهواءكم ولسنا كما زعمتم شركاء .
وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (87) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91)
87- حينئذٍ استسلم المشركون للَّه ، وخضعوا لقضائه ، وغاب عنهم ما كانوا يختلقونه من أن معبوداتهم تشفع لهم ، وتدفع العذاب عنهم . (1/457)
88- الذين كفروا ومنعوا غيرهم عن طريق اللَّه ، وهو طريق الخير والحق ، زدناهم عذابا فوق العذاب الذى استحقوه بالكفر ، بسبب ما كانوا يتعمدونه من الإفساد وإضلال العباد .
89- وحذر - أيها النبى - كفار قومك مما سيحصل يوم نُحضر من كل أمة شهيداً عليها ، هو نبيها الذى يكون بين أبنائها ، ليكون ذلك أقطع لعذرها ، ونجئ بك - أيها النبى - شهيداً على هؤلاء الذين كذبوك ، وعليهم أن يعتبروا من الآن ، قد نزلنا القرآن فيه بيان كل شئ من الحق ، وفيه الهداية ، وفيه الرحمة والبشرى بالنعيم ، للذين يذعنون له ويؤمنون به .
90- إن اللَّه يأمر عباده بأن يعدلوا فى أقوالهم وأفعالهم ، ويقصدوا إلى الأحسن من كل الأمور ، فيفضلوه على غيره ، كما يأمر بإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه لدعم روابط المحبة بين الأسر ، وينهى عن فعل كل خطيئة ، خصوصاً الذنوب المفرطة فى القبح ، وكل ما تنكره الشرائع والعقول السليمة ، كما ينهى عن الاعتداء على الغير ، واللَّه - سبحانه - بهذا يذكركم ويوجهكم إلى الصالح من أموركم ، لعلكم تتذكرون فضله فى حسن توجيهكم ، فتمتثلوا كلامه .
91- وأوفوا بالعهود التى تقطعونها على أنفسكم ، مشهدين اللَّه على الوفاء بها ، ما دام الوفاء متسقا مع ما شرعه اللَّه ، ولا تنقضوا الأيمان بالحِنث فيها ، بعد تأكيدها بذكر اللَّه ، وبالعزم و بالتصميم عليها وقد راعيتم فى عهودكم وحلفكم أن اللَّه يكفل وفاءكم ، وأن اللَّه رقيب ومطلع عليكم ، فكونوا عند عهودكم وأيمانكم ، لأن اللَّه - سبحانه - يعلم ما يكون منكم من وفاء وخُلف وبرّ وحِنث ، فيجازيكم على ما تفعلون .
وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93)
92- ولا تكونوا فى الحنث فى أيمانكم بعد توكيدها مثل المرأة المجنونة التى تغزل الصوف وتحكم غزله ، ثم تعود فتنقضه وتتركه محلولاً ، متخذين أيمانكم وسيلة للتغرير والخداع لغيركم ، مع أنكم مصرون على الغدر بهم ، لأنكم أكثر وأقوى منهم ، أو تنوون الانضمام لأعدائهم الأقوى منهم ، أو لترجون زيادة القوة بالغدر ، وإنما يختبركم اللَّه فإن آثرتم الوفاء كان لكم الغنم فى الدنيا والآخرة ، وإن اتجهتم إلى الغدر كان الخسران . وليبين لكم يوم القيامة حقيقة ما كنتم عليه تختلفون عليه فى الدنيا ، ويجازيكم حسب أعمالكم . (1/458)
93- ولو شاء اللَّه لجعلكم أمة واحدة فى الجنس واللون والإيمان ليس بينها تخالف ، وذلك بخلقكم خلقا آخر . كالملائكة لا اختيار لها ، ولكن شاء اللَّه أن تختلفوا فى الأجناس والألوان ، وأن يجعل لكم اختيارا ، فمن اختار شهوات الدنيا وآثرها على رضا اللَّه تركه وما يريد ، ومن أراد رضا اللَّه بالعمل الصالح سهّل له ما أراد . وتأكدوا بعد ذلك أنكم ستسألون جميعا يوم القيامة عما كنتم تعملون فى الدنيا ، وتجازون حسب أعمالكم .
وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)
94- ولا تسلكوا سبيل الغدر ، فتتخذوا الأيمان سبيلاً للتغرير والخديعة ، فإنه بسبب ذلك تزل الأقدام فتبتعدوا عن المحجة المستقيمة ، ويكون فى ذلك إعراض عن سبيل اللَّه فى الوفاء ، وتكونون قدوة سيئة فى الغدر ، ويرى الناس فيكم صورة مشوهة للإسلام ، فيعرضون عنه ، وينزل السوء بكم فى الدنيا لعدم الثقة فيكم بسبب صدّكم عن طريق الحق وينزل بكم عذاب مؤلم شديد الإيلام . (1/459)
95- ولا تستبدلوا بالوفاء بالعهود المؤكدة متاع الدنيا ، فهو قليل مهما كان كثيرا ، لأن ما عند اللَّه من جزاء المحافظين على العهد فى الدنيا ، ومن نعيم الآخرة الدائم ، خير لكم من كل ما يغريكم بنقض العهود ، فتدبروا ذلك وافهموه إن كنتم من أهل العلم والتمييز بين الصالح وغير الصالح ، ولا تفعلوا إلا ما فيه صلاح لكم فى دنياكم وأخراكم .
96- فإن ما عندكم - أيها الناس - من نعيم ينفد وينتهى مهما طال زمنه ، وما عند اللَّه من نعيم الآخرة خالد لا ينقطع ، ولنكافئن الذين صبروا على مشاق التكاليف بما وعدناهم به ، من حسن الثواب المضاعف على أعمالهم ، ينعمون به نعيما دائما فى الآخرة .
97- أن من عمل عملاً صالحا فى هذه الدنيا ، سواء كان ذكراً أو أنثى مندفعا إلى هذا العمل الصالح بقوة الإيمان بكل ما يجب الإيمان به ، فإننا لا بد أن نحييه فى هذه الحياة الدنيا حياة طيبة لا تنغيص فيها ، تغمرها القناعة والرضا والصبر على مصائب الدنيا ، والشكر على نعم اللَّه فيها ، وفى الآخرة لا بد أن نجزى هذا الفريق من الناس حسن الثواب المضاعف على أعمالهم فى الدنيا .
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102)
98- وإن الذى يحمى النفس من نزعات الهوى هو القرآن ، فإذا تدبرت هذا - أيها المؤمن - وأردت أن تحيا بعيداً عن تلاعب الشيطان ، وتفوز بطيب الحياة فى الدارين ، فإنى أرشدك إلى أمر يعينك على هذا ، وهو قراءة القرآن ، وإذا أردت قراءة القرآن فاستفتح قراءته بالدعاء الخالص إلى اللَّه أن يمنع عنك وساوس الشيطان المطرود من رحمة اللَّه ، أخذ العهد على نفسه أن يغوى الناس ويوقعهم فى عصيان اللَّه . (1/460)
99- فإنك إن فعلت هذا مخلصا للَّه ، حماك اللَّه منه ، وَبعُدَت عنك وساوسه ، إنه ليس له تأثير على الذين عمرت قلوبهم بالإيمان باللَّه ، واستمداد العون منه - وحده - والاعتماد عليه .
100- إنما تأثيره وخطره على الذين خلت قلوبهم من التعلق باللَّه وحبه فلم يكن لهم عاصم من تأثيره ، فانقادوا له كما ينقاد الصديق لصديقه ، حتى أوقعتهم فى أن يُشركوا باللَّه فى العبادة آلهة لا تضر ولا تنفع .
101- وإذا جعلنا معجزة لك بدل معجزة مساوية لنبى سابق ، فجئناك بالقرآن معجزة ، رموك بالافتراء والكذب على اللَّه ، واللَّه - وحده - هو العليم علما ليس فوقه علم بما ينزل على الأنبياء من معجزات ، ولكن أكثرهم ليسوا من أهل العلم والمعرفة الصادقة .
102- قل لهم مبينا منزلة معجزتك - أيها النبى - : إن القرآن قد نزل علىّ من ربى مع جبريل الروح الطاهر ، مقترنا بالحق ، مشتملا عليه ، ليثبت به قلوب المؤمنين ، وليكون هاديا للناس إلى الصواب ومبشرا بالنعيم لكل المسلمين .
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107)
103- إننا لنعلم ما يقوله كفار مكة : إنه لا يُعلم محمدا هذا القرآن إلا رجل من البشر نعرفه ، هو شاب رومى ، وما ينزله عليه ملك من عند اللَّه كما يقول قولهم ، وهذا باطل ، لأن الشاب الذى يقولونه عنه أنه يعلمك هذا التعليم أعجمى لا يحسن العربية ، والقرآن لغة عربية واضحة الفصاحة ، إلى حد أنكم عجزتم أيها المكابرون عن محاكاتها ، كيف يصح بعد ذلك اتهامكم؟ . (1/461)
104- إن الذين لا يذعنون لآيات اللَّه التى عجزوا عن محاكاتها ، وأصروا مع عجزهم ، على كفرهم بها ، لا يهديهم اللَّه ، ولهم فى الآخرة عذاب شديد بسبب كفرهم وعنادهم .
105- إنما يجرؤ على افتراء الكذب على اللَّه من لا يؤمنون بآيات اللَّه ، وأولئك هم - وحدهم - البالغون فى الكذب نهايته ، ولست - أيها النبى - من هؤلاء حتى يتهموك بما اتهموك به .
106- إن الذين ينطقون بالكفر بعد الإيمان عليهم غضب من اللَّه إلا من أكره على النطق بكلمة الكفر وهو عامر القلب بالإيمان ، فإنه ناج من غضب اللَّه . أما الذين تنشرح قلوبهم للكفر ، وتتجاوب مع قلوبهم ألسنتهم ، فأولئك عليهم غضب شديد من اللَّه الذى أعد لهم عذابا عظيما فى الآخرة .
107- وذلك الذى استحقوه من غضب اللَّه وعذابه إنما كان بسبب حبهم الشديد لنعيم الدنيا ومتاعها الزائل حتى صرفهم هذا الحب عن الحق ، وأعماهم عن الخير ، فتركهم اللَّه وما يحبون من الكفر ، لأنه قد جرت سنته فى خلقه بترك أمثال هؤلاء ، وعدم هدايتهم لفسادهم ، وتماديهم فى الباطل .
أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)
108- هؤلاء هم الذين طبع اللَّه على قلوبهم ، فصارت لا تقبل الحق ، وعلى أسماعهم فلم يعودوا يسمعون سماع فهم وتدبر ، كأنهم صم ، وعلى أبصارهم فلا ترى ما فى الكون أمامهم من عبر ودلالات ، وأولئك هم الغارقون فى الغفلة عن الحق ، فلا خير فيهم إلا إذا أزالوا الغفلة من عقولهم . (1/462)
109- وهؤلاء لا شك أنهم - وحدهم - هم الخاسرون لكل خير فى الآخرة .
110- ثم اعلم - أيها النبى - أن ربك مُعين وناصر للذين هاجروا من مكة فرارا بدينهم من الضغط ، وبأنفسهم من عذاب المشركين ، ثم جاهدوا بما يملكون الجهاد به من قول أو فعل ، وصبروا على مشاق التكاليف ، وعلى ما يلاقونه فى سبيل دينهم ، إن ربك من بعد ما تحملوا ذلك لغفور لما حصل منهم إن تابوا ، رحيم بهم فلا يؤاخذهم على ما أكرهوا عليه .
111- اذكر لقومك - أيها النبى - محذراً إياهم يوم ، يأتى فيه كل إنسان لا يهمه إلا الدفاع عن نفسه ، لا يشغله عنها والد ولا ولد ، وهو يوم القيامة ، ويوفى اللَّه فيه كل نفس جزاء ما كسبت من أعمال ، خيراً كانت أو شراً ، ولا يظلم ربك أحدا .
112- وجعل اللَّه - سبحانه - لأهل مكة مثلاً يعتبرون به هو قصة قرية من القرى كان أهلها فى أمن من العدو ، وطمأنينة من ضيق العيش ، يأتيهم رزقهم واسعاً من كل مكان ، فجحدوا نعم اللَّه عليهم ، ولم يشكروه بطاعته وامتثال أمره ، فعاقبهم اللَّه بالمصائب التى أحاطت بهم من كل جانب ، وذاقوا مرارة الجوع والخوف بعد الغنى والأمن ، وذلك بسبب تماديهم فى الكفر والمعاصى .
وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117)
113- ولقد جاءهم رسول منهم فكان يجب عليهم شكر اللَّه على ذلك ، ولكنهم كذبوه عناداً وحسداً ، فأخذهم العذاب حال تلبسهم بالظلم ، وبسبب هذا الظلم . (1/463)
114- إذا كان المشركون يكفرون بنعم الله فيبدلها بؤسا ، فاتجهوا - أيها المؤمنون - إلى الشكر ، وكلوا مما رزقكم اللَّه ، وجعله حلالا طيبا لكم ، ولا تحرموه على أنفسكم ، واشكروا نعمة اللَّه عليكم بطاعته - وحده - إن كنتم تخصونه حقا بالعبادة .
115- فإن اللَّه لم يحرم عليكم إلا أكل الميتة ، والدم الذى ينزل من الحيوان عند ذبحه ، ولحم الخنزير ، وما ذبح لغير اللَّه ، فمن ألجأته ضرورة الجوع إلى تناول شئ مما حرَّمه اللَّه عليكم غير طالب له ، ولا يتجاوز فى أكله حد إزالة الضرورة ، فإن اللَّه لا يؤاخذه على ذلك ، لأنه - سبحانه - غفور لعباده يغفر لهم ما يقعون فيه من أخطاء لا يصرون عليها ، رحيم بهم حين منعهم مما يضرهم ، وأباح لهم ما يحفظ حياتهم .
116- وإذا كان اللَّه قد بيَّن حكم الحلال والحرام ، فالتزموا ما بيَّن لكم ، ولا تجرءوا على التحليل والتحريم انطلاقاً وراء ألسنتكم ، فتقولوا : هذا حلال وهذا حرام ، فتكون عاقبة قولكم هذا : أنكم تفترون على اللَّه الكذب ، وتنسبون إليه ما لم يقله ، إن الذين يفترون على اللَّه الكذب لا يفوزون بخير ولا فلاح .
117- وإذا كانوا يجرون بذلك وراء شهواتهم ومنافعهم الدنيوية فإن تمتعهم بها قليل زائل ، ولهم فى الآخرة عذاب شديد .
وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)
118- ولم تحرم إلا على اليهود - وحدهم - ما قصصناه عليك - أيها النبى - من قبل نزول هذه الآيات ، وهو كل ذى ظفر ، وشحوم البقر والغنم ، إلا ما حملت ظهورها ، أو الحوايا أو ما اختلط بالعظام . وما ظلمناهم بهذا التحريم ، ولكنهم الذين ظلموا أنفسهم ، لتسببهم فيه بسبب تماديهم وشراهتهم وعدم وقوفهم عند الحلال . (1/464)
119- ثم إن الذين عملوا السوء تحت تأثير طيش وغفلة عن تدبر العواقب ، ثم تابوا من ذلك الذنب ، وأصلحوا نفوسهم وأعمالهم ، فإن ربك - أيها النبى - يغفر لهم ذنوبهم ، لأنه - سبحانه - بعد هذه التوبة كثير التجاوز عن السيئات ، واسع الرحمة بالعباد .
120- إن إبراهيم الذى تفخرون به - أيها المشركون أنتم واليهود - كان جامعا لكل الفضائل ، بعيدا عما أنتم عليه من باطل ، خاضعاً لأمر ربه ولم يكن مثلكم مشركا به .
121- وكان شاكرا لنعم ربه عليه ، ولهذا كله اختاره اللَّه لحمل رسالته ، ووفقه لسلوك طريق الحق المستقيم الموصل للنعيم الدائم .
122- وجعلنا له فى الدنيا ذكرا حسنا على كل لسان ، وسيكون قطعا فى الآخرة فى زمرة الصالحين المنعَّمين بجنات اللَّه ورضوانه .
123- ثم أوحينا إليك - أيها النبى - بعد إبراهيم بقرون عديدة ، وأمرناك باتباع إبراهيم فيما دعا إليه من التوحيد والفضائل والبعد عن الأديان الباطلة ، فإنه لم يكن من الذين يشركون مع اللَّه آلهةً أخرى كما يزعم هؤلاء المشركون .
إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124) ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126)
124- وليس تعظيم يوم الجمعة ، وترك تعظيم يوم السبت فى الإسلام مخالفاً لما كان عليه إبراهيم كما يدعى اليهود ، فإن تحريم الصيد يوم السبت احتراماً له لم يكن من شريعة إبراهيم ، وإنما فرض على اليهود فقط ، ومع ذلك لم يحترموه بل خرج بعضهم على هذا التعظيم ، وخالفوا أمر ربهم فكيف يعيبون على غيرهم ممن لم يكلف بتعظيمه عدم تعظيمه ، مع أنهم - وهم المكلفون بذلك - خرجوا عليه؟ وتأكد - أيها النبى - أن ربك سيقضى بينهم يوم القيامة فى الأمور التى اختلفوا فيها ، ويجازى كلا منهم بعمله . (1/465)
125- أيها النبى : ادع إلى طريق الحق الذى شرعه ربك مع قومك ، واسلك فى دعوتهم الطريق الذى يناسب كل واحد منهم ، فادع خواصهم ذوى المدارك العالية بالقول الحكيم المناسب لقولهم ، وادع عوامهم بما يناسبهم من إيراد المواعظ ، وضرب الأمثال التى توجههم إلى الحق ، وترشدهم من أقرب طريق مناسب لهم ، وجادل أصحاب الملل السابقة من أهل الكتب بالمنطق والقول اللين ، والمجادلة الحسنة التى لا يشوبها عنف ولا سِبَاب حتى تتمكن من إقناعهم واستمالتهم . هذا هو الطريق لدعوة الناس إلى اللَّه على اختلاف ميولهم ، فاسلك هذا الطريق معهم ، واترك أمرهم بعد ذلك إلى ربك الذى يعلم من غرق فى الضلال منهم وابتعد عن طريق النجاة ، من سلم طبعه فاهتدى وآمن بما جئت به .
126- وإن أردتم عقاب من يعتدى عليكم - أيها المسلمون - فعاقبوه بمثل ما فعل بكم ، ولا تتجاوزوا هذا المثل ، وتأكدوا لو صبرتم ، ولم تقتصوا لأنفسكم ، لكان خيرا لكم فى الدنيا والآخرة ، فعاقبوا لأجل الحق ، ولا تعاقبوا لأجل أنفسكم .
وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)
127- واصبر أنت - أيها النبى - فإن ذلك يسهل عليك كثيرا من مشقات الحياة ، ويعالج مشاكلها ، ولا تحزن على عدم استجابة قومك لدعوتك ، وإيمانهم بك ، ولا يضق صدرك من مكرهم وتدابيرهم لخنق دعوتك ، فإنك لن يضرك شئ من فعلهم ، وقد أديت ما عليك واتقيت ربك . (1/466)
128- فإن ربك مع الذين اتقوا غضب الله باجتناب نواهيه ، وأحسنوا لله أعمالهم بالإقبال على طاعته ، يعينهم وينصرهم فى الدنيا ويجزيهم خير الجزاء فى الآخرة .
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)
1- تنزيهاً لله عما لا يليق به ، وهو الذى سار بعبده محمداً فى جزء من الليل من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس ، الذى بارك الله حوله لسكانه فى أقواتهم ، لِنُريَه من أدلتنا ما فيه البرهان الكافى على وحدانيتنا وعظم قدرتنا ، إن الله - وحده - هو السميع البصير . (1/467)
وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)
2- وأن بيت المقدس كان يسكنه بنو إسرائيل من بعد موسى ، حتى أفسدوا فيه ، فشُرِّدُوا منه من قبل ، مع أننا أعطينا موسى التوراة ، وجعلنا فيها هداية لهم ، وقلنا لهم : لا تتخذوا غير الله معبوداً تفوضون إليه أموركم . (1/468)
3- أنتم - أيها الإسرائيليون - ذرية المخلصين الذين كانوا مع نوح فى الفلك بعد إيمانهم ، ونجيناهم من الغرق . اجعلوا نوحاً قدوتكم كما جعله أسلافكم ، فإنه كان عبداً كثير الشكر لله على نعمته .
4- وأنفذنا بقضائنا إلى بنى إسرائيل فيما كتبناه فى اللوح المكنون أنهم يُفْسدون فى بيت المقدس لا محالة مرتين ، فى كل مرة منهما كان الظلم والطغيان ، وترك أحكام التوراة ، وقتل النبيين ، والتعاون على الإثم . وأنه ليبسط سلطانكم وتعلون مستكبرين ظالمين .
5- فإذا جاء وقت عقاب أولاهما سلَّطنا عليكم بسبب إفسادكم عباداً لنا أصحاب بطش شديد ، فأخذوا يسيرون فى داخل الديار ، لم يتركوا جزءا منها ليقتلوكم ، وكان وعد العقاب وعداً لا بد أن يكون .
6- ثم لما استقام أمركم ، واهتديتم ، وجمعتم شملكم ، ورجعتم عن الفساد ، رددنا لكم الغلبة على الذين بعثوا عليكم ، ورزقناكم أموالاً وبنين ، وجعلناكم أكثر مما كنتم عددا .
7- وقلنا لهم : إن أحسنتم فأطعتم الله كان إحسانكم لأنفسكم فى الدنيا والآخرة ، وإن أسأتم بالعصيان فإلى أنفسكم تسيئون . فإذا جاء وقت عقاب المرة الآخرة من مَرَّتى إفسادكم فى الأرض ، بعثنا عليكم أعداءكم ، ليجعلوا آثار المساءة والذلة والكآبة بادية على وجوهكم ، وتكون العاقبة أن يدخلوا مسجد بيت المقدس ، فيخربوه كما دخلوه وخربوه أول مرة ، وليهلكوا ما غلبوا عليه إهلاكاً شديداً .
عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13)
8- عسى ربكم أن يرحمكم بعد المرة الثانية إن تبتم ، وإن عدتم إلى الفساد عدنا إلى العقوبة ، وجعلنا جهنم للكافرين سجناً ومحبساً . (1/469)
9- إن هذا القرآن يرشد الناس للسبيل التى هى أقوم السبل وأسلمها فى الوصول إلى السعادة الحقيقية فى الدنيا ، ويبشر المؤمنين بالله ورسوله الذين يُذعنون للحق ويعملون الأعمال الصالحات بالأجر العظيم يوم القيامة .
10- وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعددنا لهم فى جهنم عذاباً شديد الألم .
11- وأن فى طبع الإنسان تعجلاً فى الحكم على ما يقع من الناس ، وفى أقواله وأفعاله ، فهو يسارع بالدعوة إلى الشر مسارعته فى الدعوة إلى الخير ، ويسارع فى دعاء الله - تعالى - بأن ينزل الشر على من يبادر بالغضب عليه مسارعته بالدعاء له بالخير .
12- وجعلنا الليل والنهار بهيئاتهما وتعاقبهما علامتين دالتين على وحدانيتنا وقدرتنا فأزلنا من الليل الضوء فلا يستبان فيه شئ ، وكانت علامته ظلاماً لا تسرى فيه الشمس ، تلك العلامة الكبرى ، وجعلنا النهار مبصراً ، وترى فيه الشمس الآية الكبرى لتتجهوا فى ضوء النهار إلى التصرف فى معاشكم ، ولتعلموا باختلاف الليل والنهار عدد السنين وحساب الأشهر والأيام ، وكل شئ لكم فيه مصلحة بيَّناه لكم بياناً واضحاً ، لتقوم عليكم الحُجة بعد تمام النعمة .
13- وألزمنا كل إنسان عمله لزوم القلادة للعنق ، ونخرج له يوم القيامة كتاباً فيه أعماله ، يلقاه مفتوحاً ، ليسرع فى قراءته .
اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)
14- ويقال له : اقرأ بقدرة الله - ولو لم يكن فى الدنيا قارئاً - كتاب أعمالك تكفيك نفسك اليوم حاسبة ومحصية عليك عملك . (1/470)
15- من اتبع طريق الحق فإنما ينفع نفسه ، ومن حاد عنه فإنما إثم ضلاله على نفسه ، ولا تتحمل نفس مذنبة فوق ذنبها ذنب نفس أخرى ، وما صح لنا أن نعذب أحداً على فعل شئ قبل أن نبعث إليه رسولاً من لدنا يهدى إلى الحق ويردع عن الباطل .
16- وإذا قدَّرنا فى اللوح المحفوظ إهلاك أهل قرية حسب اقتضاء حكمتنا سلَّطنا المترفين فيها فأفسدوا فيها ، وخرجوا عن جادة الحق ، وأتبعهم غيرهم من غير أن يتبينوا ، وبذلك يحق عليها كلها العقاب ، فندمرها تدميراً شديداً .
17- وكثيراً من أهل القرون من بعد نوح أهلكناهم بتمردهم على أنبيائهم ، ويكفيك بيان ربك وإعلامه ، لأنه العالم بكل شئ علماً دقيقاً كعلم من يبصر ، وهو الخبير بذنوب عباده البصير بها ، فلا يخفى عليه أفعال أحد من العباد وسيجازيهم بما يستحقون .
18- مَنْ كان يطلب متاع الدنيا العاجلة ويعمل له متخذا الأسباب ، ولا يوقن بميعاد ، ولا ينتظر جزاء الدار الآخرة ، عجَّلنا له فى الدنيا ما نشاء تعجيله من البسط والسعة ، وكان هذا لمن نريد التعجيل له ، ثم أعددنا له فى الآخرة جهنم يقاسى حرها ، وهو مذموم بما قدم ، هالك مطرود من رحمة الله .
19- ومن أراد بعمله الآخرة ، ولها عمل ، وهو مصدق بالله وجزائه ، فأولئك كان عملهم مقبولاً عند الله ينالون الثواب عليه .
كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22) وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26)
20- وإنا نمد كلا الفريقين إذا اتخذوا الأسباب من عطاء ربك فى الدنيا ، وما كان عطاء ربك فيها ممنوعاً من أحد ، مؤمناً كان أو كافراً ، ما داموا قد اتخذوا الأسباب . (1/471)
21- انظر بعين الاعتبار كيف فضَّلنا بعض عبادنا على بعض فى المال والحياة والسعة ، إذا اتخذوا أسباب ذلك فى الدنيا لحكمة نعلمها ، وأن تفاوتهم فى الدار الآخرة أكبر درجات من تفاوتهم فى الدنيا ، فينبغى الاعتناء بها ، فالآخرة هى التى تكون فيها الرفعة الحقيقية والتفاضل الحقيقى .
22- لا تجعل - أيها المكلف - مع الله شريكاً فتصير موصوماً بالإهانة ، ويكون الخذلان مكتوباً عليك .
23- وحكم ربك بألا تعبدوا إلا إياه ، وبأن تبروا الوالدين براً تاماً ، وإذا بلغ الوالدان أو أحدهما عندك - أيها المخاطب - حال الضعف وصارا فى آخر العمر فلا تتأفف لما يصدر منهما بصوت يدل على الضجر ، ولا تزجرهما ، وقل لهما قولا جميلا ليِّنا فيه إحسان وتكريم لهما .
24- وَأَلِنْ لهما جانبك وتواضع لهما وكن شفيقاً عليهما ، وقل فى شأنهما : رب ارحمهما كما رحمانى حين ربيانى صغيرا .
25- ربكم - أيها الناس - أعلم منكم بما فى ضمائركم ، ويحاسبكم عليه بالثواب أو العقاب ، فإن تكونوا قاصدين الصلاح فاعلين له ثم كانت منكم هفوة ثم أنبتم إلى الله فإن الله - سبحانه - يغفر لكم ، لأنه دائم المغفرة للراجعين إليه .
26- وأعط ذا القربى حقه من البر والصلة ، وذا الحاجة المسكين ، والمسافر الذى انقطع عن ماله ، حقهما من الزكاة والصدقة ، ولا تبعثر مالك فى غير المصلحة تبذيراً كثيراً .
إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33)
27- لأن المبذرين كانوا قرناء الشياطين ، يقبلون وسوستهم حين يسخِّرونهم للفساد والإنفاق فى الباطل ، ودأب الشيطان أنه يكفر بنعمة ربه دائماً ، وصاحبه مثله . (1/472)
28- وإن أرغمتك أحوالك المالية على الإعراض عن هؤلاء المذكورين ، فلم تعطهم لعدم وجود ما تعطيهم فى الحال مع رجاء أن يفتح الله عليك به ، فقل لهم قولا حسناً يؤملهم فيك .
29- ولا تمسك يدك عن الإنفاق فى الخير ، وتجعلها كأنها مربوطة فى عنقك بِغِلٍّ من الحديد لا تقدر على مدها ، ولا تبسطها كل البسط بالإسراف فى الإنفاق ، فتصير مذموماً على الإمساك نادماً أو منقطعاً لا شئ عندك بسبب التبذير والإسراف .
30- إن ربك يوسع الرزق لمن يشاء من عباده ويضيقه على من يشاء منهم ، لأنه خبير بطبائعهم بصير بحوائجهم ، فهو يعطى كلا منهم ما يتفق مع الحكمة إن اتخذ الأسباب .
31- وإذا كان أمر الأرزاق بيد الله فلا يجوز أن تقتلوا أولادكم خوف فقر متوقع ، لأنَّا نحن ضامنون رزقهم ورزقكم ، إن قتلهم كان إثماً عظيماً .
32- ولا تقربوا الزنى بمباشرة أسبابه ودواعيه ، لأنه رذيلة واضحة القبح ، وبئس طريقاً طريقه .
33- ولا تقتلوا النفس التى حرَّم الله قتلها إلا قتلا يكون للحق ، بأن تكون النفس مستحقة للقتل قصاصاً أو عقوبة ، ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لأقرب قرابته سلطاناً على القاتل بطلب القصاص من القاضى ، فلا يجاوز الحد فى القتل ، بأن يقتل غير القاتل ، أو يقتل اثنين بواحد ، فإن الله نصره وأوجب له القصاص والدية ، فلا يصح أن يتجاوز الحد .
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (40)
34- ولا تتصرفوا فى مال اليتيم إلا بالطريقة التى هى أحسن الطرق لتنميته وتثميره ، واستمروا على ذلك حتى يبلغ رشده ، وإذا بلغ فسلموه له ، وحافظوا على كل عهد التزمتموه ، فإن الله سيسأل ناقض العهد عن نقضه ويحاسبه عليه . (1/473)
35- وأوفوا الكيل إذا كلتم للمشترى ، وزنوا له بالميزان العدل ، فإن إيفاء الكيل والوزن خير لكم فى الدنيا ، لأنه يرغب الناس فى معاملتكم ، وأجمل عاقبة فى الآخرة .
36- ولا تتبع - أيها المرء - ما لا علم لك به من قول أو فعل ، فلا تقل : سمعت ، وأنت لم تسمع ، أو علمت ، وأنت لم تعلم ، فإن نِعَمَ السمع والبصر والقلب يسأل صاحبها عما يفعل بكل منها يوم القيامة .
37- ولا تمش فى الأرض متكبراً مختالاً ، فإنك مهما فعلت فلن تخرق الأرض بشدة وطأتك ، ولن تبلغ مهما تطاولت أن تحاذى بطولك قمم الجبال .
38- كل ذلك المذكور من الوصايا ، كان القبيح منه من المنهيات مكروهاً مبغوضاً عند ربك .
39- وهو مما أوحاه إليك ربك من معرفة الحق بذاته ، والخير للعمل به ، ولا تجعل مع الله إلهاً غيره فتلقى فى جهنم ملوماً عند نفسك ، وعند غيرك هالكاً مطروداً من رحمة ربك .
40- أنكر - سبحانه - على من قالوا : الملائكة بنات الله ، فقال : أفضَّلكم ربكم على نفسه ، فخصكم بأقوى الأولاد ، وهم البنون ، واتخذ هو لنفسه من الملائكة بنات بزعمكم؟ إنكم فى قولكم هذا تفترون بهتاناً عظيماً .
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (41) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (47)
41- لقد بيَّنا فى هذا القرآن أحسن بيان ضروباً من الأمثال والمواعظ والأحكام ، ليتعظ هؤلاء المشركون ، ولكنهم لتحجر قلوبهم لا يزيدهم ذلك التَّبيين إلا شروداً عن الحق . (1/474)
42- قل - أيها النبى - إظهاراً لإبطال زعمهم الشركاء لله : لو كان مع الله آلهة فى الوجود كما يقولون لطلب هؤلاء الآلهة طريقاً يصلون منه إلى صاحب الملك المطلق لينازعوه عليه .
43- تنزه الله تنزهاً لائقاً به ، وتعالى جل شأنه عما يزعمون من أنه معه آلهة .
44- إن السموات السبع والأرض ومن فيهن من المخلوقات تنزهه وتقدسه ، وتدل بإتقان صنعها على تنزه الله - سبحانه - عن كل نقص وكمال ملكه ، وأنه لا شريك له ، وما من شئ من المخلوقات فى ملكه الواسع إلا ينزهه كذلك مع الثناء عليه ، ولكن الكافرين لا يفهمون هذه الأدلة لاستيلاء الغفلة على قلوبهم ، وكان الله حليماً عليهم غفوراً لمن تاب فلم يعاجلهم بالعقوبة .
45- وإذا قرأت - أيها النبى - القرآن الناطق بدلائل الحق جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالبعث والجزاء حين إرادة الفتك بك حجاباً ساتراً لك عنهم ، فلا يرونك .
46- وجعلنا بمقتضى حكمتك فى الإضلال والهداية على قلوبهم أغطية ، كراهة أن يفهموا القرآن على حقيقته ، وفى آذانهم صمماً فلا يسمعونه سماع انتفاع ، لأنهم أسرفوا فى العناد والمكابرة ، وإذا ذكرت ربك فى القرآن منفرداً عن ذكر آلهتهم رجعوا على أعقابهم نافرين عن استماعه .
47- نحن أعلم بما يستمعون القرآن متلبسين به من الاستهزاء والسخرية حين استماعهم إليك ، وهم ذوو مسارة بما ذكر ، وذلك قول الظالمين لغيرهم فى مسارتهم : إن اتبعتم فأنتم لا تتبعون إلا رجلا مغلوباً على عقله .
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48) وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (52) وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (54)
48- انظر كيف ذكر لك الأشباه فشبهوك بالمسحور ، والكاهن ، والشاعر ، فضَلُّوا بذلك عن منهاج الحجة فلا يستطيعون طريقاً إلى الطعن يمكن قبوله ، أو فضلوا بذلك عن الهدى فلا يجدون طريقاً إليه . (1/475)
49- قال المنكرون للبعث : أنبعث إذا صرنا عظاماً نخرة ، وقطعاً متفرقة ، فنكون خلْقاً جديداً فيه حياة؟ إن هذا ما لا يدخل العقول .
50- فقل لهم - أيها النبى - : لو كنتم حجارة لا تقبل الحياة بحال ، أو حديداً وهو أصلب من الحجارة .
51- أو خلقاً آخر غيرهما مما تنكر قلوبكم قبوله الحياة لبعثتم ، فسيقولون - مستبعدين - : من يعيدنا؟ فقل لهم : يعيدكم الله الذى أوجدكم أول مرة ، فسيحركون إليك رؤوسهم تعجباً ويقولون استهزاء : متى البعث الذى تعدُنا به؟ فقل لهم : أرجو أن يكون قريباً .
52- وسيكون يوم يبعثكم الله فيه من قبوركم فتبعثون حامدين ربكم على كمال قدرته وتظنون أنكم ما لبثتم فى قبوركم إلا زمناً قليلا ، تستقصرون المدة الطويلة فى جنب ما أنتم قادمون عليه .
53- وقل - يا أيها النبى - لعبادى المؤمنين : أن يقولوا عند محاربتهم المشركين العبارات التى هى أحسن للإقناع ، ويتركوا الكلام الخشن الذى يتسبب عنه الشر والفساد ، فإن الشيطان يفسد بين المؤمنين والكافرين ، لأنه دائماً عدو للإنسان بيِّن العداوة .
54- ربكم أعلم بعاقبة أمركم إن يشأ يرحمكم بالتوفيق للإيمان ، أو إن يشأ يعذبكم بعدمه ، وما أرسلناك موكولا إليك أمرهم فتجبرهم على الإيمان ، وإنما أرسلناك بشيراً للمصدقين ونذيراً للمكذبين ، فدارهم ، ومُرْ أصحابك بالاحتمال منهم .
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (55) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58) وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (59)
55- وربك أعلم بكل من فى السموات والأرض وبأحوالهم فيختار منهم لنبوته من يشاء ، وقد اختارك لرسالته فلا يصح أن يستكثروا عليك النبوة ، وهؤلاء الأنبياء ليسوا سواء فى الفضل عنده - جل شأنه - بل بعضهم أفضل من بعض ، ولقد فضل بعض النبيين على بعض بالمعجزات وكثرة التابعين ، لا بالملك ، فَفَضَّل داود أنه أوتى الزبور ، لا لأنه أوتى الملك . فلا عجب أن تنال الفضل العظيم بما أوتيت من القرآن . (1/476)
56- قل لهؤلاء الذين يعبدون المخلوقين ، ويزعمونهم آلهة من دون الله : ادعوا من تعبدونه إذا نزلت بكم شدة ، أو خفتم نزولها ، وسلوهم فى شأنها ، فلن تجدوا منهم كشفاً لضركم ، ولا تحويلا له عنكم .
57- وإن هؤلاء المخلوقين الذين يدعوهم من يعبدهم يعبدون الله ، ويطلبون الدرجة والمنزلة عنده بالطاعة ، ويحرص كل منهم أن يكون أقرب إلى الله ، ويطمعون فى رحمته ، ويرهبون عذابه ، إن عذاب الله ينبغى أن يحذر ويخاف!! .
58- وقد جرت سنتنا أن نهلك كل قرية ظالمة بمن فيها ، أو نعذب أهلها عذاباً شديداً بالقتل وغيره ، فليحذر ذلك قومك ، فقد جرى بذلك قضاؤنا ، وسُطِّر فى كتابنا .
59- لقد اقترح عليك قومك أن تأتيهم بالآيات والمعجزات ، ولم يقنعوا بما آتاهم مما يقنع ذوى الألباب ، وقد جرت سنتنا مع من يقترح الآيات ثم يجاب إليها ولا يؤمن بها أن نستأصله بالعذاب كما فعلنا بالأولين . ومنهم ثمود ، إذ اقترحوا آيات ، فكانت الناقة معجزة مضيئة نيرة واضحة مجلية للشك والريب فكفروا بها ، فكان ما كان من أمرهم ، وكان من حكمة الله ألا يجيب قومك إلى ما طلبوا خشية أن يكفروا بها ، ويرجى منهم مَنْ يؤمن أو يلد مَنْ يؤمن . والآيات إنما نرسل بها إلى الناس تخويفاً وإرهاباً .
وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (60) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63)
60- واذكر - أيها النبى - حين قلنا لك : إن ربك أحاط بالناس ، فهم فى قبضة قدرته ، فبلِّغهم ولا تخف أحداً فهو يعصمك منهم ، وما جعلنا ما عاينته ليلة الإسراء من العجائب إلا امتحاناً واختباراً للناس ، يزداد به إيمان المؤمن وكفر الكافر ، وما جعلنا الشجرة المذمومة فى القرآن - وهى شجرة الزَّقوم التى تنبت فى أصل الجحيم - إلا اختباراً لهم أيضاً ، إذ قالوا : النار تحرق الشجر ، فكيف تنبته؟ ونخوفهم بها ، فما يزيدهم تخويفنا إلا تجاوزا للحد الكبير . (1/477)
61- وأن الله ليذكر بأصل الخلق والعداوة بين آدم وإبليس ، إذ قال للملائكة : اسجدوا لآدم سجود تحية وتكريم بالانحناء ، فسجدوا على الفور ، إلا إبليس امتنع وقال منكراً : كيف أسجد لمن خلقته من طين ، وأنا من نار ، فأنا خير منه .
62- قال إبليس : أخبرنى يا رب عن هذا الذى كرمته علىَّ ، بأن أمرتنى بالسجود له . لِمَ كرَّمته علىَّ وأنا خير منه؟ وعزتك لئن أخرتنى حياً إلى يوم القيامة لأهلكن ذريته بالإغواء ، إلا قليلا منهم ممن عصمته وحفظته .
63- قال له المولى - تهديداً واستدراجاً - : امض لشأنك الذى اخترته لنفسك ، فمن أطاعك من ذرية آدم فإن جهنم جزاؤك وجزاؤهم جزاء وافراً كاملا .
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65) رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (66) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69)
64- واستخفَّ واستنزل بدعائك إلى معصية الله من استعطت منهم ، وأفرغ جهدك فى جميع أنواع الإغراء ، وشاركهم فى كسب الأموال من الحرام وصرفها فى الحرام ، وتكفير الأولاد وإغرائهم على الإفساد ، وعِدْهم المواعيد الباطلة كشفاعة آلهتهم ، والكرامة عند الله بأنسابهم ، وما يعد الشيطان أتباعه إلا بالتغرير والتمويه . (1/478)
65- أما عبادى المخلصون لى فليس لك على إغوائهم قدرة ، لتوكلهم على ربهم ، وكفى به ناصراً يستمدون منه العون فى الخلاص منك .
66- ربكم هو - وحده - الذى يجرى لكم السفن فى البحر ، لتطلبوا من فضله الأرباح بالتجارة وغيرها . إنه دائم الرحمة بكم .
67- وإذا أصابكم الأذى وتعرَّضتم للمخاطر فى البحر ، غاب عنكم كل من تدعونه فى حوائجكم من الأصنام ، إلا الله - وحده - فإنكم لا تذكرون سواه ، فلما نجَّاكم من الغرق ، وأخرجكم إلى البر ، أعرضتم عن توحيده وكفرتم النعمة ، وشأن الإنسان دائماً جحد النعمة .
68- وإذا نجَّوتكم بخروجكم إلى البر أفأمنتم من عذاب الله؟ كلا إن شاء قلب بكم جانباً من البر فهلكتم تحته ، وإن شاء أرسل عليكم ريحاً شديدة ترميكم بالحصى والحجر ، فلا تجدون حافظاً مما يصيبكم .
69- أم أمنتم أن يعيدكم ربكم فى البحر مرة أخرى ، فيرسل عليكم قاصفاً من الريح يكسر فلككم؟ فيغرقكم بسبب جحودكم نعمته حين أنجاكم أولا ، ثم لا تجدوا لكم علينا من يطالبنا بما فعلنا انتصاراً لكم .