صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : المحرر الوجيز |
يخرجن من مستطير النقع دامية ... كأن آذانها أطراف أقلام (7/55)
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : هو هنا الإبل تثير النقع بأخفافها ، وقوله تعالى : { فوسطن به جميعاً } قال ابن عباس وعلي : هي الإبل ، و { جمعاً } : هي المزدلفة ، وقال ابن عباس : هي الخيل ، والمراد جمع من الناس هم المغيرون ، وقرأ علي بن أبي طالب وقتادة وابن أبي ليلى : « فوسّطن » بشد السين ، وقال بشر بن أبي حازم : [ الكامل ]
فوسطن جمعهم وأفلت حاجب ... تحت العجاجة في الغبار الأقتم
وذكر الطبري عن زيد بن أسلم : أنه كان يكره تفسير هذه الألفاظ ، ويقول : هو قسم أقسم الله به ، وجمهور الأمة وعلماؤها مفسرون لها كما ذكرنا ، والقسم واقع على قوله : { إن الإنسان لربه لكنود } وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أتدرون ما الكنود؟ » قالوا لا يا رسول الله ، قال : « هو الكفور الذي يأكل وحده ويمنع رفده ، ويضرب عبده . » وقد يكون من المؤمنين الكفور بالنعمة ، فتقدير الآية : إن الإنسان لنعمة ربه لكنود ، وأرض كنود لا تنبت شيئاً ، وقال الحسن بن أبي الحسن : الكنود اللائم لربه الذي يعد السيئات وينسى الحسنات ، والكنود العاصي بلغة كندة ، ويقال للخيل كنود ، وقال أبو زبيد : [ الخفيف ]
إن تفتني فلم أطب بك نفساً ... غير أني أمنى بدهر كنود
وقال الفضيل : الكنود الذي تنسيه سيئة واحدة حسنات كثيرة ويعامل الله على عقد عوض ، وقوله تعالى : { وإنه على ذلك لشهيد } يحتمل الضمير أن يعود على الله تعالى ، وقاله قتادة : أي وربه شاهد عليه ، وتفسير هذا الخبر يقتضي الشهادة بذلك ، ويحتمل أن يعود على { الإنسان } أي أفعاله وأقواله وحاله المعلومة من هذه الأخلاق تشهد عليه ، فهو شاهد على نفسه بذلك ، وهذا قول الحسن ومجاهد ، والضمير في قوله تعالى : { وإنه لحب الخير } عائد على { الإنسان } لا غير ، والمعنى من أجل حب الخير إنه { لشديد } ، أي بخيل بالمال ضابط له ، ومنه قول الشاعر [ طرفة بن العبد ] : [ الطويل ]
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد
و { الخير } المال على عرف ذلك في كتاب الله تعالى ، قال عكرمة : { الخير } حيث وقع في القرآن فهو المال ، ويحتمل أن يراد هنا الخير الدنياوي من ماله وصحة وجاه عند الملوك ونحوه ، لأن الكفار والجهال لا يعرفون غير ذلك ، فأما المحب في خير الآخرة فممدوح له مرجو له الفوز وقوله تعالى : { أفلا يعلم } ، توقيف على المال والمصير أي أفلا يعلم مآله فيستعد له ، و « بعثرة ما في القبور » : تقصيه مما يستره والبحث عنه ، وهذه عبارة عن البحث ، وفي مصحف ابن مسعود : « بحث ما في القبور » ، وفي حرف أبي : « وبحثرت القبور » ، و { تحصيل ما في الصدور } : تمييزه وكشفه ليقع الجزاء عليه من إيمان وكفر ونية ، ويفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم :
الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)
قرأ : « القارعةَ ما القارعةَ » بالنصب عيسى ، قال جمهور المفسرين : { القارعة } يوم القيامة نفسها لأنها تقرع القلوب بهولها ، وقال قوم من المتأولين : { القارعة } صيحة النفخة في الصور ، لأنها تقرع الأسماع ، وفي ضمن ذلك القلوب ، وفي قوله تعالى : { وما أدراك } تعظيم لأمرها ، وقد تقدم مثله ، و { يوم } : ظرف ، والعامل فيه { القارعة } وأمال أبو عمرو : { القارعة } ، و « الفراش » : طير دقيق يتساقط في النار ويقصدها ، ولا يزال يقتحم على المصباح ونحوه حتى يحترق ، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم : « أنا آخذ بحجزكم عن النار ، وأنتم تقتحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب » ، وقال الفراء : « الفراش » في الآية : غوغاء الجراد وهو صغيره الذي ينتشر في الأرض والهواء ، و { المبثوث } هنا معناه : المتفرق ، جمعه وجملته موجودة متصلة ، وقال بعض العلماء : الناس أول قيامهم من القبور { كالفراش المبثوث } ، لأنهم يجيئون ويذهبون على غير نظام ، يدعوهم الداعي فيتوجهون إلى ناحية المحشر فهم حينئذ كالجراد المنتشر ، لأن الجراد إنما توجهه إلى ناحية مقصودة ، واختلف اللغويون في « العهن » ، فقال أكثرهم : هو الصرف عاماً ، وقال آخرون : وهو الصوف الأحمر ، وقال آخرون : هو الصوف الملون ألواناً ، واحتج بقول زهير : (7/56)
كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم
والفنا : عنب الثعلب ، وحبه قبل التحطم منه الأخضر والأحمر والأصفر ، وكذلك الجبال جدد بيض وحمر وسود وصفر ، فجاء التشبيه ملائماً ، وكون { الجبال كالعهن } ، إنما هو وقت التفتيت قبل النسف ومصيرها هباء ، وهي درجات ، والنفش : خلخلة الأجزاء وتفريقها عن تراصها ، وفي قراءة ابن مسعود وابن جبير : « كالصوف المنفوش » ، و « الموازين » : هي التي في القيامة ، فقال جمهور العلماء والفقهاء والمحدثين : ميزان القيامة بعمود ليبين الله أمر العباد بما عهدوه وتيقنوه ، وقال مجاهد : ليس تم ميزان إنما هو العدل مثل ذكره بالميزان إذ هو أعدل ما يدري الناس ، وجمعت الموازين للإنسان لما كانت له موزونات كثيرة متغايرة ، وثقل هذا الميزان هو بالإيمان والأعمال ، وخفته بعدمها وقلتها ، ولن يخف خفة موبقة ميزان مؤمن . { عيشة راضية } معناه : ذات رضى على النسب ، وهذا قول الخليل وسيبويه ، وقوله تعالى : { فأمه هاوية } قال كثير من المفسرين : المراد بالأم نفس الهاوية ، وهي درك من أدراك النار ، وهذا كما يقال للأرض : أم الناس لأنها تؤويهم ، وكما قال عتبة بن أبي سفيان في الحرب : فنحن بنوها وهي أمنا ، فجعل الله الهاوية أم الكافر لما كانت مأواه ، وقال آخرون : هو تفاؤل بشر فيه تجوز في أم الولاد ، كما قالوا : أمه ثاكل وخوى نجمه وهوى نجمه ونحو هذا ، وقال أبو صالح وغيره : المراد أم رأسه لأنهم يهوون على رؤوسهم ، وقرأ طلحة : « فإمُّه » بكسر الهمزة وضم الميم المشددة ، ثم قرر تعالى نبيه على دراية أمرها وتعظيمه ثم أخبره أنها { نار حامية } ، وقرأ : « ما هي » بطرح الهاء في الوصل ابن إسحاق والأعمش ، وروى المبرد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل : لا أم لك ، فقال : يا رسول الله ، أتدعوني إلى الهدى وتقول : لا أم لك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنما أردت لا نار لك ، » قال الله تعالى : { فأمه هاوية } .
أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)
« ألهى » معناه : شغل بلذاته ، ومنه لهو الحديث والأصوات واللهو بالنساء ، وهذا خبر فيه تقريع وتوبيخ وتحسر ، وقرأ ابن عباس وعمران الجوني وأبو صالح : « أألهاكم » على الاستفهام ، و { التكاثر } هي المفاخرة بالأموال والأولاد والعدد جملة ، وهذا هجيرى أبناء الدنيا : العرب وغيرهم لا يتخلص منهم إلا العلماء المتقون ، وقد قال الأعشى : [ السريع ] (7/57)
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « يقول ابن آدم مالي مالي ، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت » ، واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى : { حتى زرتم المقابر } ، فقال قوم : حتى ذكرتم الموت في تفاخركم بالآباء والسلف ، وتكثرتم بالعظام الرمام ، وقال المعنى : حتى متم وزرتم بأجسادكم مقابرها أي قطعتم بالتكاثر أعماركم ، وعلى هذا التأويل روي أن أعرابياً سمع هذه الآية فقال : بعث القوم للقيامة ورب الكعبة ، فإن الزائر منصرف لا مقيم ، وحكى النقاش هذه النزعة من عمر بن عبد العزيز ، وقال آخرون : هذا تأنيب على الإكثار من زيارة القبور أي حتى جعلتم أشغالكم القاطعة بكم عن العبادة والتعلم زيارة القبور تكثراً بمن سلف وإشادة بذكره ، وقال ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها ولا تقولوا هجراً » فكان نهيه عليه السلام في معنى الآية ، ثم أباح بعد لمعنى الاتعاظ لا لمعنى المباهاة والتفاخر كما يصنع الناس في ملازمتها وتسنيمها بالحجارة والرخام وتلوينها شرفاً وبنيان النواويس عليها ، وقوله تعالى : { كلا سوف تعلمون } زجر ووعيد ثم كرر تأكيداً ، ويأخذ كل إنسان من الرجز والوعيد المكررين على قدر حظه من التوغل فيما يكره ، هذا تأويل جمهور الناس ، وقال علي بن أبي طالب : « كلا ستعلمون في القبور ثم كلا ستعلمون في البعث » ، وقال الضحاك : الزجر الأول وعيده هو للكفار والثاني للمؤمنين ، وقرأ مالك بن دينار : « كلا ستعلمون » فيهما ، وقوله تعالى : { كلا لو تعلمون علم اليقين } جواب { لو } محذوف مقدر في القول أي لازدجرتم وبادرتم إنقاذ أنفسكم من الهلكة ، و { اليقين } أعلى مراتب العلم ، ثم أخبر تعالى الناس أنهم يرون الجحيم ، وقرأ ابن عامر والكسائي : « لتُرون » بضم التاء ، وقرأ الباقون بفتحها وهي الأرجح ، وكذلك في الثانية ، وقرأ علي بن أبي طالب بفتح التاء الأولى وضمها في الثانية ، وروي ضمها عن ابن كثير وعاصم ، و « ترون » أصله ترأيون نقلت حركة الهمزة إلى الراء وقلبت الياء ألفاً لحركتها بعد مفتوح ، ثم حذفت الألف لسكونها . وسكون الواو بعدها ثم جلبت النون المشددة فحركت الواو بالضم لسكونها وسكون النون الأولى من المشددة إذ قد حذفت نون الإعراب للبناء ، وقال ابن عباس : هذا خطاب للمشركين ، فالمعنى على هذا أنها رؤية دخول .
وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)
قال ابن عباس : { العصر } : الدهر ، يقال فيه عصر وعصر بضم العين والصاد ، وقال امرؤ القيس : (7/58)
وهل يعمن من كان في العصر الخالي ... وقال قتادة : { العصر } العشي ، وقال ابي بن كعب : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن العصر فقال : « أقسم ربكم بآخر النهار » ، وقال بعض العلماء : وذكره أبو علي { العصر } : اليوم ، { والعصر } الليلة ومنه قول حميد : [ الطويل ]
ولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
وقال بعض العلماء : { العصر } : بكرة والعصر : عشية وهما الأبردان ، وقال مقاتل : { العصر } هي الصلاة الوسطى أقسم بها ، و { الإنسان } اسم الجنس ، و « الخسر » : النقصان وسوء الحال ، وذلك بين غاية البيان في الكافر لأنه خسر الدنيا والآخرة ، وذلك هو الخسران المبين ، وأما المؤمن وإن كان في خسر دنياه في هرمه وما يقاسيه من شقاء هذه الدار فذلك معفو عنه في جنب فلاحه في الآخرة وربحه الذي لا يفنى ، ومن كان في مدة عمره في التواصي بالحق والصبر والعمل بحسب الوصاة فلا خسر معه ، وقد جمع له الخير كله ، وقرأ علي بن أبي طالب : « والعصر ونوائب الدهر إن الإنسان » ، وفي مصحف عبد الله : « والعصر لقد خلقنا الإنسان في خسر » ، وروي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ « إن الإنسان لفي خسر وإنه فيه إلى آخر الدهر إلا الذين » ، وقرأ عاصم والأعرج : « لفي خسُر » بضم السين ، وقرأ سلام أبو المنذر : « والعصِر » بكسر الصاد « وبالصبٍر » بكسر الباء ، وهذا لا يجوز إلا في الوقف على نقل الحركة ، وروي عن أبي عمرو : « بالصبِر » بكسر الباء إشماماً ، وهذا أيضاً لا يكون إلا في الوقف . نجز تفسير سورة { العصر } .
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)
{ ويل } لفظ يجمع الشر والحزن ، وقيل { ويل } : واد في جهنم ، و « الهمزة » الذي يهمز الناس بلسانه أي يعيبهم ، ويغتابهم ، وقال ابن عباس : هو المشاء بالنميم . (7/59)
قال القاضي أبو محمد : ليس به لكنهما صفتان تتلازم ، قال الله تعالى : { هماز مشاء بنميم } [ القلم : 11 ] ، وقال مجاهد : « الهمزة » الذي يأكل لحوم الناس ، وقيل لأعرابي : أتهمز إسرائيل فقال : إني إذاً لرجل سوء ، حسب أنه يقال له أتقع في سبه ، و « اللمزة » قريب من المعنى في الهمزة ، قال الله تعالى : { ولا تلمزوا أنفسكم } [ الحجرات : 11 ] ، وقرأ ابن مسعود والأعمش والحسن : « ويل الهمزة اللمزة » ، وهذا البناء الذي هو فعلة يقتضي المبالغة في معناه ، قال أبو العالية والحسن : الهمز بالحضور واللمز بالمغيب ، وقال مقاتل ضد هذا ، وقال مرة : هما سواء ، وقال ابن أبي نجيح : الهمز باليد والعين : واللمز باللسان ، وقال تعالى : { ومنهم من يلمزك في الصدقات } [ التوبة : 58 ] وقيل نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق وقيل في جميل بن عامر الجمحي ثم هي تتناول كل من اتصف بهذه الصفات ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي والحسن وأبو جعفر : « جمّع » بشدة الميم ، والباقون بالتخفيف ، وقوله { وعدده } معناه : أحصاه وحافظ على عدده وأن لا ينتقص ، فمنعه من الخيرات ونفقة البر ، وقال مقاتل : المعنى استعده وذخره وقرأ الحسن : « وعدَدَه » بتخفيف الدالين ، فقيل المعنى جمع مالاً وعدداً من عشرة ، وقيل أراد عدداً مشدداً فحل التضعيف ، وهذا قلق ، وقوله : { يحسب أن ماله أخلده } معناه : يحسب أن ماله هو معنى حياته وقوامها ، وأنه حفظه مدة عمره ويحفظه ، ثم رد على هذه الحسبة وأخبر إخباراً مؤكداً أنه ينبذ { في الحطمة } أي التي تحطيم ما فيها وتلتهبه ، وقرأ : « يحسَب » بفتح السين الأعرج وأبو جعفر وشيبة ، وقرأ ابن محيصن والحسن بخلاف عنه : « لينبذان » بنون مكسورة مشددة قبلها ألف ، يعني هو ماله ، وروي عنه ضم الذال على نبذ جماعة هو ماله وعدده ، أو يريد جماعة الهمزات ثم عظم شأنها وأخبر أنها { نار الله الموقدة } التي يبلغ إحراقها القلوب ولا يخمد ، والفؤاد القلب ، ويحتمل أن يكون المعنى أنها لا يتجاوزها أحد حتى تأخذه بواجب عقيدة قلبه ونيته فكأنها متطلعة على القلوب باطلاع الله تعالى إياها ، ثم أخبر بأنها عليهم موصدة ومعناه مطبقة أو مغلقة ، قال علي بن أبي طالب : أبواب النار بعضها فوق بعض ، وقوله تعالى : { في عمد } هو جمع عمود كأديم وأدم ، وهي عند سبيويه أسماء جمع لا جموع جارية على الفعل ، وقرأ ابن مسعود : « موصدة بعمد ممدّدة » ، وقال ابن زيد : المعنى في عمد حديد مغلولين بها والكل من نار ، وقال أبو صالح : هذه النار هي في قبورهم ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي : « عُمُد » بضم العين والميم ، وقرأ الباقون وحفق عن عاصم بفتحهما ، وقرأ الجمهور : « ممددةٍ » بالخفض على نعت العمد ، وقرأ عاصم : « ممددة » بالرفع على اتباع { موصدة } .
نجز تفسيرها بحمد الله .
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)
{ كيف } نصب بفعل والجمهور على أنه فيل واحد ، وقال الضحاك : ثمانية ، فهو اسم الجنس وقوله مردود ، وحكى النقاش : ثلاثة عشر ، وهذه السورة تنبيه على الاعتبار في أخذ الله تعالى لأبرهة ملك الحبشة ولجيشه حين أم به الكعبة ليهدمها ، وكان صاحب فيل يركبه ، وقصته مشروحة في السير الطويلة ، واختصاره أنه بنى في اليمن بيتاً وأراد أن يرد إليه حج العرب ، فذهب أعرابي فأحدث في البيت الذي بنى أبرهة فغضب لذلك واحتفل في جموعه وركب الفيل وقصد مكة ، وغلب من تعرضه في طريقه من قبائل العرب ، فلما وصل ظاهر مكة وفر عبد المطلب وقريش إلى الجبال والشعاب ، وأسلموا له البلد وغلب طغيانه ، ولم يكن للبيت من البشر من يعصمه ويقوم دونه ، جاءت قدرة الواحد القهار وأخذ العزيز المقتدر ، فأصبح أبرهة ليدخل مكة ويهدم الكعبة فبرك فيله بذي الغميس ولم يتوجه قبل مكة فبضعوه بالحديد فلم يمش إلى ناحية مكة وكان إذا وجهوه إلى غيرها هرول ، فبينا هم كذلك في أمر الفيل بعث الله { عليهم طيراً } جماعات جماعات سوداً من البحر وقيل خضراً ، عند كل طائر ثلاثة أحجار في منقارة ورجليه وكل حجر فوق العدسة ودون الحمصة فرمتهم بتلك الحجارة ، فكان الحجر منها يقتل المرمي وتتهرى لحومهم جذرياً ، وأسقاماً ، فانصرف أبرهة بمن معه يريد اليمن فماتوا في طريقهم متفرقين في كل مرحلة ، وتقطع أبرهة أنملة أنملة حتى مات وحمى الله بيته المرفع ، فنزلت الآية منبهة على الاعتبار بهذه القصة ، ليعلم الكل أن الأمر كله لله ، ويستسلموا للإله الذي ظهرت في ذلك قدرته ، حين لم تغن الأصنام شيئاً ف { أصحاب الفيل } : أبرهة الملك ورجاله ، وقرأ أبو عبد الرحمن : « ألم ترْ » بسكون الراء ، و « التضليل » الخسار والتلف ، و « الأبابيل » : جماعات تجيء شيئاً بعد شيء ، قال أبوعبيدة : لا واحد له من لفظه وهذا هو الصحيح لا ما تكلفه بعض النحاة وقال [ معبد بن أبي معبد الخزاعي ] : [ البسيط ] (7/60)
كادت تهد من الأصوات راحلتي ... إذ سارت الأرض بالجرد الأبابيل
وقد تقدم تفسير « حجارة السجيل » غير مرة ، وهي من سنج وكل أي ماء وطين ، كأنها الآجر ونحوه مما طبخ ، وهي المسومة عند الله تعالى للكفرة الظالمين ، و « العصف » : ورق الحنطة وتبنه ومنه قول علقمة بن عبدة : [ البسيط ]
تسقى مذانب قد مالت عصيفتها ... حدورها من أتيّ الماء مطموم
والمعنى صاروا طيناً ذاهباً كورق حنطة أكلته الدواب وراثته فجمع المهانة والخسة وأتلف ، وقرأ أبو الخليج الهذلي « فتركتهم كعصف » ، قال أبو حاتم ، وقرأ بعضهم : « فجعلتهم » يعنون الطير بفتح اللام وتاء ساكنة ، وقال عكرمة : العصف حب البر إذا أكل فصار أجوف ، وقال الفراء : هو أطراف الزرع قبل أن يسنبل ، وهذه السورة متصلة في مصحف أبي بن كعب بسورة { لإيلاف قريش } لا فصل بينهما ، وقال سفيان بن عيينة : كان لنا إمام يقرأ بهما متصلة سورة واحدة .
لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي : { لإيلاف قريش إيلافهم } على إفعال والهمزة الثانية ياء ، وقرأ ابن عامر « لألآف » على فعال { إيلافهم } على أفعال بياء في الثانية ، وقرأ أبو بكر عن عاصم : بهمزتين فيهما الثانية ساكنة ، قال أبو علي : وتحقيق عاصم هاتين الهمزتين لا وجه له ، وقرأ أبو جعفر : « إلْفهم » بلام ساكنة ، و { قريش } ولد النضر بن كنانة ، والتقرش : التكسب ، وتقول ألف الرجل الأمر وآلفه غيره ، فالله عز وجل آلف قريشاً أي جعلهم يألفون رحلتين في العام ، رحلة في الشتاء وأخرى في الصيف ، ويقال أيضاً ألف بمعنى آلف ، وأنشد أبو زيد : [ الطويل ] (7/61)
من المؤلفات الرمل أدماء حرة ... شعاع الضحى في جيدها يتوضح
فألف وإلاف مصدر ألف ، و « إيلاف » مصدر آلف ، قال بعض الناس : كانت الرحلتان إلى الشام في التجارة ، وقيل الأرباح ، ومنه قول الشاعر : [ الكامل ]
سفرين بينهما له ولغيره ... سفر الشتاء ورحلة الأصياف
وقال ابن عباس : كانت { رحلة الشتاء } إلى اليمن ، ورحلة الصيف إلى بصرى من أرض الشام ، قال أبو صالح : كانت جميعاً إلى الشام ، وقال ابن عباس أيضاً : كانوا يرحلون في الصيف إلى الطائف حيث الماء والظل ، ويرحلون في الشتاء إلى مكة للتجارة وسائر أغراضهم ، فهاتان رحلتا الشتاء والصيف ، قال الخليل بن أحمد فمعنى الآية : لأن فعل الله بقريش هذا ومكنهم من الفهم هذه النعمة { فليعبدوا رب هذا البيت } .
قال القاضي أبو محمد : وذكر البيت هنا متمكن لتقدم حمد الله في السورة التي قبل ، وقال الأخفش ، وغيره : { لإيلاف } ، متعلقة بقوله : { فجعلهم كعصف مأكول } [ الفيل : 5 ] ، أي ليفعل بقريش هذه الأفاعيل الجميلة ، وقال بعض المفسرين معنى الآية : أعجبوا { لإيلاف قريش } ، هذه الأسفار وإعراضهم عن عبادة الله ، ثم أمرهم بالعبادة بعد وأعلمهم أن الله تعالى هو الذي { أطعمهم } { وآمنهم } لا سفرهم ، المعنى : فليعبدوا الذي أطعمهم بدعوة إبراهيم حيث قال : وارزقهم من الثمرات ، وآمنهم بدعوته حيث قال : { رب اجعل هذا البلد آمناً } [ إبراهيم : 35 ] ولا يشتغلوا بالأسفار التي إنما هي طلب كسب وعرض دنيا ، وقال النقاش : كانت لهم أربع رحل ، وهذا قول مردود ، وقال عكرمة : معنى الآية كما ألفوا هاتين الرحلتين لدنياهم { فليعبدوا رب هذا البيت } لآخرتهم ، وقال قتادة : إنما عددت عليهم الرحلتان لأنهم كانوا يأمنون الناس في سفرتهم ، والناس بغير بعضهم على بعض ، ولا يمكن قبيلاً من العرب أن يرحل آمناً ، كما تفعل قريش ، فالمعنى فليعبدوا الذي خصهم بهذه الحال فأطعمهم وآمنهم ، وقوله تعالى : { من جوع } معناه أن أهل مكة قاطنون بواد غير ذي زرع عرضة للجوع والجدب لولا لطف الله تعالى ، وأن جعلها بدعوة إبراهيم تجبى إليها ثمرات كل شيء ، وقوله تعالى : { من خوف } أي جعلهم لحرمة البيت مفضلين عند العرب يأمنون والناس خائفون ، ولولا فضل الله تعالى في ذلك لكانوا بمدارج المخاوف ، وقال ابن عباس والضحاك : { من خوف } معناه من الجذام فلا ترى بمكة مجذوماً .
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)
هذا توقيف وتنبيه لتتذكر نفس السامع كل من يعرفه بهذه الصفة ، وهمز أبو عمرو : « أرأيت » بخلاف عنه ولم يهمزها نافع وغيره ، و { الدين } الجزاء ثواباً وعقاباً ، والحساب هنا قريب من الجزاء ثم قال تعالى : { فذلك الذي يدعُّ اليتيم } أي ارقب فيه هذه الخلال السيئة تجدها ، ودع اليتيم : دفعه بعنف ، وذلك إما أن يكون المعنى عن إطعامه والإحسان إليه ، وإما أن يكون عن حقه وماله ، فهذا أشد ، وقرأ أبو رجاء : « يدَع » ، بفتح الدال خفيف بمعنى لا يحسن إليه ، وقوله تعالى : { ولا يحض على طعام المسكين } أي لا يأمر بصدقة ولا يرى ذلك صواباً ، ويروى أن هذه السورة نزلت في بعض المضطرين في الإسلام بمكة الذين لم يحققوا فيه وفتنوا فافتتنوا ، وكانوا على هذه الخلق من الغشم وغلظ العشرة والفظاظة على المسلمين ، وربما كان بعضهم يصلي أحياناً مع المسلمين مدافعة وحيرة فقال تعالى فيهم : { فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون } . قال ابن جريج : كان أبو سفيان ينحر كل أسبوع جزوراً فجاءه يتيم ، فقرعه بعصا فنزلت السورة فيه ، وقال سعد بن أبي وقاص : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن { الذين هم عن صلاتهم ساهون } ، فقال : هم الذين يؤخرونها عن وقتها ، يريد والله أعلم تأخير ترك وإهمال ، وإلى هذا نحا مجاهد ، وقال قتادة { ساهون } ، هو الترك لها وهم الغافلون الذين لا يبالي أحدهم صلى أو لم يصل ، وقال عطاء بن يسار : الحمد لله الذي قال { عن صلاتهم } ولم يقل في صلاتهم ، وفي قراءة ابن مسعود : « لاهون » بدل { ساهون } وقوله تعالى : { الذين هم يراؤون } بيان أن صلاة هؤلاء ليست لله تعالى بينة إيمان ، وإنما هي رياء للبشر فلا قبول لها ، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو الأشهب : « يرؤن » مهموزة مقصورة مشددة الهمزة ، وروي عن ابن أبي إسحاق : « يرؤون » بغير شد في الهمزة ، وقوله تعالى : { ويمنعون الماعون } وصف لهم بقلة النفع لعباد الله ، وتلك شرخلة ، وقال علي بن أبي طالب وابن عمر : { الماعون } ، الزكاة ، وقال الراعي : [ الكامل ] (7/62)
قوم على الإسلام لما يمنعوا ... ماعونهم ويضيعوا التهليلا
وقال ابن مسعود : هو ما يتعاطاه الناس بينهم كالفأس والدلو والآنية والمقص ونحوه ، وقاله الحسن وقتادة وابن الحنفية وابن زيد والضحاك وابن عباس ، وقال ابن المسيب : { الماعون } بلغة قريش : المال ، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم : ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال : « الماء والنار والملح » روته عائشة رضي الله عنها ، وفي بعض الطرق زيادة الإبرة والخمير ، وحكى الفراء عن بعض العرب أن { الماعون } الماء : وقال ابن مسعود : كنا نعد { الماعون } على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية القدر والدلو ونحوها .
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)
قرأ الحسن : « إنا أنطيناك » ، وهي لغة في أعطى ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : « واليد المنطية خير من السفلى » ، وقال الأعشى : [ المتقارب ] (7/63)
جيادك خير جياد الملوك ... تصان الجلال وتنطى الشعير
قال أنس وابن عمر وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين : { الكوثر } : نهر في الجنة ، حافتاه قباب من در مجوف وطينه مسك وحصباؤه ياقوت ، ونحو هذا من صفاته ، وإن اختلفت ألفاظ الرواة ، وقال ابن عباس أيضاً : { الكوثر } : الخير الكثير .
قال القاضي أبو محمد : كوثر : بناء مبالغة من الكثرة ، ولا مجال أن الذي أعطى الله محمداً عليه السلام من النبوة والحكمة العلم بربه والفوز برضوانه والشرف على عباده هو أكثر الأشياء وأعظمها كأنه يقول في هذه الآية : { إنا أعطيناك } الحظ الأعظم ، قال سعيد بن جبير : النهر الذي في الجنة هو من الخير الذي أعطاه الله إياه ، فنعم ما ذهب إليه ابن عباس ، ونعم ما تمم ابن جبير رضي الله عنهم ، وأمر النهر ثابت في الآثار في حديث الإسراء وغيره صلى الله عليه وسلم على محمد ونفعنا بما منحنا من الهداية ، قال الحسن : { الكوثر } ، القرآن ، وقال أبو بكر بن عياش : هو كثرة الأصحاب والأتباع ، وقال جعفر الصادق : نور في قلبه ودله عليه وقطعه عما سواه ، وقال أيضاً : هو الشفاعة ، وقال هلال بن يساف : هو التوحيد ، وقوله تعالى : { فصلّ لربك وانحر } أمر بالصلاة على العموم ، ففيه المكتوبات بشروطها والنوافل على ندبها ، والنحر : نحر البدن والنسك في الضحايا في قول جمهور الناس ، فكأنه قال : ليكن شغلك هذين ، ولم يكن في ذلك الوقت جهاد ، وقال أنس بن مالك : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم : ينحر يوم الأضحى قبل الصلاة ، فأمر أن يصلي وينحر وقاله قتادة ، والقرطبي وغيره في الآية طعن على كفار مكة ، أي إنهم يصلون لغير الله مكاء وتصدية ، وينحرون للأصنام ونحوه ، فافعل أنت هذين لربك تكن على صراط مستقيم ، وقال ابن جبير : نزلت هذه الآية يوم الحديبية وقت صلح قريش قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم : صل وانحر الهدي ، وعلى هذا تكون الآية من المدني ، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : معنى الآية : صل لربك وضع يمينك على شمالك عند نحرك في الصلاة ، فالنحر على هذين ليس بمصدر نحر بل هو الصدر ، وقال آخرون المعنى : ارفع يدك في استفتاح صلاتك عند نحرك ، وقوله تعالى : { إن شانئك هو الأبتر } رد على مقالة كان كثير من سفهاء قريش يقولها لما لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولد فكانوا يقولون : هو أبتر يموت فنستريح منه ويموت أمره بموته ، فقال الله تعالى وقوله الحق : { إن شانئك هو الأبتر } ، أي المقطوع المبتور من رحمة الله تعالى ولو كان له بنون فهم غير نافعيه ، « والشانىء » : المبغض ، وقال قتادة { الأبتر } هنا يراد به الحقير الذليل ، وقال عكرمة : مات ابن للنبي صلى الله عليه وسلم فخرج أبو جهل يقول : بتر محمد ، فنزلت السورة ، وقال ابن عباس : نزلت في العاصي بن وائل سمى النبي صلى الله عليه وسلم حين مات ابنه عبد الله أبتر .
قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)
قرأ أبي بن كعب وابن مسعود : « قل للذين كفروا » ، وروي في سبب نزول هذه السورة عن ابن عباس وغيره أن جماعة من عتاة قريش ورجالاتها قالوا للنبي صلى الله عيله وسلم : دع ما أنت فيه ونحن نمولك ونزوجك من شئت من كرائمنا ونملكك علينا ، وإن لم تفعل هذا فلتعبد آلهتنا ولنعبد إلهك حتى نشترك ، فحيث كان الخير نلناه جميعاً ، هذا معنى قولهم ولفظهم ، لكن للرواة زيادة ونقص ، وروي أن هذه الجماعة المذكورة الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف وأبو جهل وابنا الحجاج ونظراؤهم ممن لم يسلم بعد ، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم معهم في هذه المعاني مقامات نزلت السورة في إحداها بسبب قولهم هلم نشترك في عبادة إلهك وآلهتنا ، وروي أنهم قالوا : اعبد آلهتنا عاماً ، ونعبد إلهك عاماً ، فأخبرهم عن أمره عز وجل أن لا يعبد ما يعبدون وأنهم غير عابدين ما يعبد ، فلما كان قوله : { لا أعبد } محتملاً أن يراد به الآن ويبقى المستأنف منتظراً ما يكون فيه من عبادته جاء البيان بقوله : { ولا أنا عابد ما عبدتم } ، أي أبداً وما حييت ، ثم جاء قوله : { ولا أنتم عابدون ما أعبد } الثاني حتماً عليهم أنهم لا يؤمنون به أبداً كالذي كشف الغيب ، فهذا كما قيل لنوح صلى الله عليه وسلم : إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ، وأما أن هذا في معنيين وقوم نوح عمموا بذلك ، فهذا ، معنى الترديد الذي في السورة وهو بارع الفصاحة وليس بتكرار فقط ، بل فيه ما ذكرته مع التأكيد والإبلاغ ، وزاد الأمر بياناً وتبرياً منهم ، وقوله : { لكم دينكم ولي دين } وفي هذا المعنى الذي عرضت قريش نزل أيضاً : { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } [ الزمر : 64 ] وقرأ أبو عمرو « ولي ديني » ساكنة الياء ، من لي ونصبها الباقون بخلاف كل واحد منهم ، والقراءتان حسنتان ، وقرأ أبو عمرو : « عابد » و « عابدون » والباقون بفتح العين وهاتان حسنتان أيضاً ، ولم تختلف السبعة في حذف الياء من دين ، وقرأ سلام ويعقوب : « ديني » بياء في الوصل والوقف ، وقال بعض العلماء في هذه الألفاظ مهادنة ما وهي منسوخة بآية القتال . (7/64)
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)
قرأ ابن عباس : { إذا جاء نصر الله والفتح } ، وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه جمعاً من الصحابة الأشياخ وبالحضرة لابن عباس عن معنى هذه السورة وسببها ، فقالوا كلهم بمقتضى ظاهر ألفاظها ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عند الفتوح التي فتحت عليه مكة وغيرها بأن يسبح ربه ويحمده ويستغفره ، فقال لابن عباس : ما تقول أنت يا عبد الله؟ فقال : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله بقربه إذا رأى هذه الأشياء ، فقال عمر ما أعلم منها إلا ما ذكرت ، وهذا المنزع الذي ذكره ابن عباس ذكره ابن مسعود وأصحابه ومجاهد وقتادة والضحاك ، وروت معناه عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه عليه السلام لما فتحت مكة وأسلمت العرب جعل يكثر أن يقول « سبحان الله وبحمده ، اللهم إني أستغفرك » يتأول القرآن في هذه السورة ، وقال لها مرة : « ما أراه إلا حضور أجلي » وتأوله عمر والعباس بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصدقهما . و « النصر » الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو غلبته لقريش ولهوازن وغير ذلك ، { والفتح } : هو فتح مكة والطائف ومدن الحجاز وكثير من اليمن ودخول الناس في الإسلام { أفواجاً } ، كان بين فتح مكة إلى موته صلى الله عليه وسلم ، قال أبو عمر بن عبد البر النمري رحمه الله في كتاب الاستيعاب في الصحابة في باب أبي خراش الهذلي : لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي العرب رجل كافر ، بل دخل الكل في الإسلام بعد حنين والطائف ، منهم من قدم ومنهم من قدم وفده ، ثم كان بعده من الردة ما كان ورجعوا كلهم إلى الدين . (7/65)
قال القاضي أبو محمد : والمراد والله أعلم عرب عبدة الأوثان ، وأما نصارة بني تغلب فما أراهم أسلموا قط في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن أعطوا الجزية ، والأفواج : الجماعة أثر الجماعة ، كما قال تعالى : { ألقي فيها فوج } [ الملك : 8 ] وقال مقاتل : المراد بالناس أهل اليمن وفد منهم سبعمائة رجل ، وقاله عكرمة ، وقال الجمهور : المراد جميع وفود العرب لأنهم قالوا : إذا فتح الحرم لمحمد عليه السلام وقد حماه الله من الحبشة وغيرهم فليس لكم به يدان ، وذكر جابر بن عبد الله فرقة الصحابة فبكى وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « دخل الناس في الدين أفواجاً وسيخرجون منه أفواجاً » وقوله : { إنه كان تواباً } يعقب ترجية عظيمة للمستغفرين ، جعلنا الله منهم ، وحكى النقاش عن ابن عباس أن « النصر » صلح الحديبية ، وأن { الفتح } فتح مكة ، وقال ابن عمر : نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم بمنى في وسط أيام التشريق في حجة الوداع وعاش بعدها ثمانين يوماً أو نحوها صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم .
تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)
روي في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه : { وأنذر عشيرتك الأقربين } [ الشعراء : 214 ] قال : « يا صفية بنت عبد المطلب ، ويا فاطمة بنت محمد لا أملك لكما من الله شيئاً سلاني من مالي ما شئتما » ثم صعد الصفا فنادى بطون قريش : « يا بني فلان ، يا بني فلان » وروي أنه صاح بأعلى صوته : « يا صباحاه » فاجتمعوا إليه من كل وجه ، فقال لهم : « أرأيتم لو قلت لكم إني أنذركم خيلاً بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ » قالوا : نعم ، قال : « فإني نذير بين يدي عذاب شديد ، » فقال أبو لهب : تباً لك سائر اليوم ، ألهذا ، جمعتنا «؟ فافترقوا عنه ونزلت السورة ، و { تبت } معناه : خسرت ، والتباب : الخسار والدمار ، وأسند ذلك إلى اليدين من حيث اليد موضع الكسب والربح وضم ما يملك ، ثم أوجب عليه أنه قد تب أي حتم ذلك عليه ، ففي قراءة عبد الله بن مسعود : » تبت يدا أبي لهب وقد تب « ، و » أبو لهب « : هو عبد العزى بن عبد المطلب ، وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن سبقت له الشقاوة ، وقرأ ابن كثير وابن محيصن : » أبي لهْب « بسكون الهاء ، وقرأ الباقون : بتحريك الهاء ، ولم يختلفوا في فتحها في { ذات لهب } ، وقوله تعالى : { ما أغنى عنه ماله وما كسب } يحتمل أن تكون { ما } نافية ، ويكون الكلام خبراً عن أن جميع أحواله الدنياوية لم تغن عنه شيئاً حين حتم عذابه بعد موته ، ويحتمل أن تكون { ما } استفهاماً على وجه التقرير أي أين الغناء الذي لماله ولكسبه؟ { وما كسب } : يراد به عرض الدنيا من عقار ونحوه ، أو ليكون الكلام دالاً على أنه أتعب فيه نفسه لم يجئه عفوا لا بميراث وهبة ونحوه ، وقال كثير من المفسرين : المراد ب { ما كسب } بنوه ، فكأنه قال : { ما أغنى عنه ماله } وولده ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » خير ما كسب الرجل من عمل يده وإن ولد الرجل من كسبه « ، وروي أن أولاد أبي لهب اختصموا عند ابن عباس فتنازعوا وتدافعوا ، فقام ابن عباس ليحجز بينهم ، فدفعه أحدهم ، فوقع على فراشه ، وكان قد كف بصره فغضب وصاح : أخرجوا عني الكسب الخبيث ، وقرأ الأعمش وأبي بن كعب : » وما اكتسب « وقوله : { سيصلى ناراً ذات لهب } حتم عليه بالنار وإعلام بأنه يوافي على كفره ، وانتزع أهل الأصول من هذه الآية تكليف ما لا يطاق ، وأنه موجود في قصة أبي لهب ، وذلك أنه مخاطب مكلف أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ومكلف أن يؤمن بهذه السورة وصحتها ، فكأنه قد كلف أن يؤمن ، وأن يؤمن أنه لا يؤمن ، قال الأصوليون ومتى ورد تكليف ما لا يطاق فهي أمارة من الله تعالى أنه قد حتم عذاب ذلك المكلف كقصة { أبي لهب } ، وقرأ الجمهور » سيَصلى « بفتح الياء ، وقرأ ابن كثير والحسن وابن مسعود بضمها ، وقوله تعالى : { وامرأته حمالة الحطب } هي أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية بن أبي سفيان ، وعطف قوله { وامرأته } على المضمر المرفوع دون أن يؤكد الضمير بسبب الحائل الذي ناب مناب التأكيد ، وكانت أم جميل هذه مؤذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بلسانها وغاية قدرتها ، وقال ابن عباس : كانت تجيء بالشوك فتطرحه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم وطريق أصحابه ليعقرهم ، فلذلك سميت { حمالة الحطب } ، وعلى هذا التأويل ، ف { حمالة } معرفة يراد به الماضي ، وقيل إن قوله { حمالة الحطب } استعارة لذنوبها التي تحطبها على نفسها لآخرتها ، ف { حمالة } على هذا نكرة ، يراد بها الاستقبال ، وقيل هي استعارة لسعيها على الدين والمؤمنين ، كما تقول : فلان يحطب على فلان وفي حبل فلان ، فكانت هي تحطب على المؤمنين وفي حبل المشركين ، وقال الشاعر : [ الرجز ] (7/66)
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)
قرأ عمر بن الخطاب وابن مسعود والربيع بن خيثم : « قل هو الله أحد الواحد الصمد » ، وروى أبي بن كعب أن المشركين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسب ربه تعالى عما يقول الجاهلون فنزلت هذه السورة ، وروى ابن عباس أن اليهود دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد صف لنا ربك وانسبه فإنه وصف نفسه في التوراة ونسبها ، فارتعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خر مغشياً عليه ونزل عليه جبريل بهذه السورة ، وقال أبو العالية قال قتادة : الأحزاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم : انسب لنا ربك ، فأتاه الوحي بهذه السورة ، و { أحد } معناه : فرد من جميع جهات الوحدانية ، ليست كمثله شيء ، وهو ابتداء و { الله } ابتداء ثان و { أحد } خبره ، والجملة خبر الأول ، وقيل : { هو } ابتداء و { الله } خبره و { أحد } بدل منه ، وحذف أبو عمرو التنوين من { أحد } لالتقاء الساكنين « أحدُ الله » وأثبتها الباقون مكسورة للالتقاء ، وأما وفقهم كلهم فبسكون الدال ، وقد روي عن أبي عمرو : الوصل بسكون الدال ، وروي عنه أيضاً تنوينها ، و { الصمد } في كلام العرب السيد الذي يصمد إليه في الأمور ويستقل بها ، وأنشدوا : [ الطويل ] (7/67)
ألا بكر الناعي بخير بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
وبهذا تفسر هذه الآية لأن الله جلت قدرته هو موجود الموجودات ، وإليه تصمد به قوامها ، ولا غني بنفسه إلا هو تبارك وتعالى ، وقال كثير من المفسرين : { الصمد } الذي لا جوف له ، كأنه بمعنى المصمت ، وقال الشعبي : هو الذي لا يأكل ولا يشرب ، وفي هذا التفسير كله نظر ، لأن الجسم في غاية البعد عن صفات الله تعالى . فما الذي تعطينا هذه العبارات ، و { الله الصمد } ابتداء وخبر ، وقيل : { الصمد } نعت ، والخبر فيما بعد ، وقوله تعالى : { لم يلد ولم يولد } رد على إشارة الكفار في النسب الذي سألوه ، وقال ابن عباس : تفكروا في كل شيء ولا تتفكروا في ذات الله تعالى .
قال القاضي أبو محمد : لأن الأفهام تقف دون ذلك حسيرة ، والمؤمنون يعرفون الله تعالى بواجب وجوده وافتقار كل شيء إليه واستغنائه عن كل شيء وينفي العقل عنه كل ما لا يليق به تبارك وتعالى ، وأن ليس كمثله شيء ، وكل ما ذكرته فهو في ضمن هذه السورة الوجيزة البليغة ، قوله تعالى : { ولم يكن له كفؤاً أحد } معناه : ليس له ضد ولا ند ولا شبيه ، والكفأ والكفؤ والكفاء النظير ، وقرأ « كُفؤاً » بضم الكاف وهمز مسهل نافع والأعرج وأبو جعفر وشيبة ، وقرأ بالهمز عاصم وأبو عمرو بخلاف عنه ، وقرأ حمزة : « كفْواً » بالهمز وإسكان الفاء وروي عن نافع « كفاً » بفتح الفاء وبغير همز .
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)
الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد هو آحاد أمته ، وقال ابن عباس وابن جبير والحسن والقرظي وقتادة ومجاهد وابن زيد : { الفلق } : الصبح ، كقوله تعالى : { فالق الإصباح } [ الأنعام : 96 ] وقال ابن عباس أيضاً وجماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم : { الفلق } : جب في جهنم ورواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقوله : { من شر ما خلق } يعم كل موجود له شر ، وقرأ عمرو بن عبيد وبعض المعتزلة القائلين : بأن الله لم يخلق الشر « من شرٍّ ما خلق » على النفي وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل ، الله خالق كل شيء ، واختلف الناس في : « الغاسق إذا وقب » فقال ابن عباس ومجاهد والحسن : « الغاسق » : الليل و { وقب } معناه : أظلم ودخل على الناس ، وقال الشاعر [ ابن قيس الرقيات ] : [ المديد ] (7/68)
إن هذا الليل قد غسقا ... واشتكيت الهم والأرقا
وقال محمد بن كعب : « الغاسق إذا وقب » النهار دخل في الليل ، وقال ابن زيد عن العرب ، « الغاسق » سقوط الثريا ، وكانت الأسقام والطاعون تهيج عنده ، وقال عليه السلام : « النجم هو الغاسق » فيحتمل أن يريد الثريا ، وقال لعائشة وقد نظر إلى القمر : « تعوذي بالله { من شر غاسق إذا وقب } ، فهذا هو » ، وقال القتبي وغيره : هو البدر إذا دخل في ساهور فخسف ، قال الزهري في « الغاسق إذا وقب » : الشمس إذا غربت ، و { وقب } في كلام العرب : دخل ، وقد قال ابن عباس في كتاب النقاش : « الغاسق إذا وقب » : ذكر الرجل ، فهذا التعوذ في هذا التأويل نحو قوله عليه السلام وهو يعلم السائل التعوذ : « قل أعوذ بالله من شر سمعي وشر قلبي وشر بصري وشر لساني وشر منيي » ، ذكر الحديث جماعة و { النفاثات في العقد } السواحر ، ويقال إن الإشارة أولاً إلى بنات لبيد بن الأعصم اليهودي كن ساحرات وهن اللواتي سحرن مع أبيهم النبي صلى الله عليه وسلم وعقدن له إحدى عشرة عقدة ، فأنزل الله تعالى إحدى عشرة آية بعد العقد ، هي المعوذتان ، فشفى الله النبي صلى الله عليه وسلم ، والنفث شبه النفخ دون تفل ريق ، وهذا النفث هو على عقد تعقد في خيوط ونحوها على اسم المسحور فيؤذى بذلك ، وهذا الشأن في زمننا موجود شائع في صحراء المغرب ، وحدثني ثقة أنه رأى عند بعضهم خيطاً أحمر قد عقد فيه عقد على فصلان فمنعت بذلك رضاع أمهاتها ، فكان إذا حل جرى ذلك الفصيل إلى أمه في الحين فرضع أعاذنا الله من شر السحر والسحرة بقدرته ، وقرأ عبد الله بن القاسم والحسن وابن عمر : « النافثات في العقد » ، وقوله تعالى : { ومن شر حاسد إذا حسد } قال قتادة : من شر عينه ونفسه ، يريد بالنفس السعي الخبيث والإذاية كيف قدر لأنه عدو مجد ممتحن ، وقال الشاعر :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)
{ الوسواس } اسم من أسماء الشيطان ، وهو أيضاً ما توسوس به شهوات النفس وتسوله ، وذلك هو الهواء الذي نهي المرء عن اتباعه وأمر بمعصيته والغضب الذي وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرحه وتركه حين قال له رجل أوصني ، فقال : لا تغضب ، قال زدني : قال : لا تغضب ، وقوله : { الخناس } معناه : على عقبه المستتر أحياناً وذلك في الشيطان متمكن إذا ذكر العبد وتعوذ وتذكر فأبصر كما قال تعالى : { إن الذين إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } [ الأعراف : 201 ] ، وإذا فرضنا ذلك في الشهوات والغضب ونحوه فهو يخنس يتذكر النفس اللوامة بلمة الملك وبأن الحياء يردع والإيمان يردع بقوة فتخنس تلك العوارض المتحركة وتنقمع عند من أعين بتوفيق ، وقد اندرج هذان المعنيان من الوسواس في قوله تعالى : { من الجنة والناس } أي من الشياطين ونفس الإنسان ، ويظهر أيضاً أن يكون قوله : { والناس } ، يراد به من يوسوس بخدعه من البشر ، ويدعو إلى الباطل ، فهو في ذلك كالشيطان ، وكلهم قرأ { الناس } غير ممالة ، وروى الدوري عن الكسائي أنه أمال النون من { الناس } في حال الخفض ولا يميل في الرفع والنصب ، وقالت عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ونفث فهيما وقرأ : { قل هو الله أحد } [ الإخلاص : 1 ] والمعوذتين ، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده ، فيبدأ برأسه ووجهه وما أقبل من جسده ، ففعل ذلك ثلاثاً ، وقال قتادة رحمه الله : إن من الناس شياطين ومن الجن شياطين ، فتعوذوا بالله من شياطين الإنس والجن . (7/69)