صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الكشاف |
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46)
{ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } جواب نتوفينك ، وجواب نرينك محذوف ، كأنه قيل : وإما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك ، أو نتوفينك قبل أن نريكه فنحن نريكه في الآخرة . فإن قلت : الله شهيد على ما يفعلون في الدارين ، فما معنى ثم؟ قلت : ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها ونتيجتها وهو العقاب ، كأنه قال : ثم الله معاقب على ما يفعلون . وقرأ ابن أبي عبلة : «ثم» بالفتح ، أي هنالك . ويجوز أن يراد : أنّ الله مؤدّ شهادته على أفعالهم يوم القيامة ، حين ينطق جلودهم وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم شاهدة عليهم . (3/24)
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (47)
{ وَلِكُلّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ } يبعث إليهم لينبههم على التوحيد ، ويدعوهم إلى دين الحق { فَإِذَا جَاء } هم { رَسُولَهُمْ } بالبينات فكذبوه ، ولم يتبعوه { قُضِىَ بَيْنَهُمْ } أي بين النبيّ ومكذّبيه { بالقسط } بالعدل ، فأنجى الرسول وعذّب المكذّبون ، كقوله؛ { وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } [ الإسراء : 15 ] أو لكل أمّة من الأمم يوم القيامة رسول تنسب إليه وتدعى به ، فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان ، كقوله تعالى : { وَجِىء بالنبيين والشهداء وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالحق } [ الزمر : 69 ] . (3/25)
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49)
{ متى هذا الوعد } استعجال لما وعدوا من العذاب استبعاداً له { لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّا } من مرض أو فقر { وَلاَ نَفْعاً } من صحة أو غنى { إِلاَّ مَا شَاء الله } استثناء منقطع : أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن ، فكيف أملك لكم الضرر وجلب العذاب؟ { لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } يعني أن عذابكم له أجل مضروب عند الله وحدّ محدود من الزمان { إِذَا جَاء } ذلك الوقت أنجز وعدكم لا محالة ، فلا تستعجلوا . وقرأ ابن سيرين : «فإذا جاء آجالهم» . (3/26)
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آَمَنْتُمْ بِهِ آَلْآَنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (51) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52)
{ بَيَاتًا } نصب على الظرف ، بمعنى . وقت بيات ، فإن قلت : هلا قيل ليلاً أو نهاراً؟ قلت : لأنه أريد : إن أتاكم عذابه وقت بيات فبيتكم وأنتم ساهون لا تشعرون ، كما يبيت العدو المباغت . والبيات بمعنى التبييت ، كالسلام بمعنى التسليم ، وكذلك قوله : { نَهَارًا } معناه في وقت أنتم فيه مشتغلون بطلت بالمعاش والكسب . ونحوه { بياتا وَهُمْ نَائِمُونَ } [ الأعراف : 98 ] ، { ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ } [ الأعراف : 98 ] الضمير في { مِنْهُ } للعذاب . والمعنى : أن العذاب كله مكروه مرّ المذاق موجب للنفار ، فأي شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال . ويجوز أن يكون معناه التعجب ، كأنه قيل أي شيء هول شديد يستعجلون منه ، ويجب أن تكون «من» للبيان في هذا الوجه . وقيل : الضمير في { مِنْهُ } لله تعالى . فإن قلت : بم تعلق الاستفهام؟ وأين جواب الشرط قلت تعلق بأرأيتم لأنَّ المعنى : أخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون وجواب الشرط محذوف وهو : تندموا على الاستعجال ، أو تعرفوا الخطأ فيه . فإن قلت : فهلا قيل : ماذا تستعجلون منه . قلت : أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام؛ لأنّ من حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه ، ويهلك فزعاً من مجيئه وإن أبطأ ، فضلاً أن يستعجله . ويجوز أن يكون { مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون } جواباً للشرط ، كقولك : إن أتيتك ماذا تطعمني؟ بما تتعلق الجملة بأرأيتم ، وأن يكون { أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءامَنْتُمْ بِهِ } جواب الشرط ، و { مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون } اعتراضاً . والمعنى : إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان ، ودخول حرف الاستفهام على ثم ، كدخوله على الواو والفاء في قوله : { أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى } [ الأعراف : 97 ] ، { أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى } [ الأعراف : 98 ] . { ءآلئان } على إرادة القول ، أي : قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب : آلآن آمنتم به { وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } يعني : وقد كنتم به تكذبون؛ لأنّ استعجالهم كان على جهة التكذيب والإنكار . وقرىء : «آلان» ، بحذف الهمزة بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام { ثُمَّ قِيلَ الذين ظَلَمُواْ } عطف على «قيل» المضمر قبل آلآن . (3/27)
وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53)
{ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ } ويستخبرونك فيقولون : { أَحَقٌّ هُوَ } وهو استفهام على جهة الإنكار والاستهزاء . وقرأ الأعمش : «آلحق هو» ، وهو أدخل في الاستهزاء ، لتضمنه معنى التعريض بأنه باطل . وذلك أنّ اللام للجنس ، فكأنه قيل : أهو الحق لا الباطل؟ أو أهو الذي سميتموه الحق ، والضمير للعذاب الموعود . و { إِى } بمعنى «نعم» في القسم خاصة ، كما كان «هل» بمعنى «قد» في الاستفهام خاصة . وسمعتهم يقولون في التصديق : إيوَ ، فيصلونه بواو القسم ولا ينطقون به وحده { وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } بفائتين العذاب ، وهو لاحق بهم لا محالة . (3/28)
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (54) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (55) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (56)
{ ظَلَمَتْ } صفة لنفس على : ولو أنّ لكل نفس ظالمة { مَّا فِى الأرض } أي ما في الدنيا اليوم من خزائنها وأموالها وجميع منافعها على كثرتها { لاَفْتَدَتْ بِهِ } لجعلته فدية لها . يقال : فده فافتدى . ويقال : افتداه أيضاً بمعنى فداه { وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب } لأنهم بهتوا لرؤيتهم ما لم يحتسبوه ولم يخطر ببالهم وعاينوا من شدة الأمر وتفاقمه ما سلبهم قواهم وبهرهم فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخاً ولا ما يفعله الجازع ، سوى إسرار الندم والحسرة في القلوب ، كما ترى المقدّم للصلب يثخنه ما دهمه من فظاعة الخطب ، ويغلب حتى لا ينبس بكلمة ويبقى جامداً مبهوتاً ، وقيل : أسر رؤساؤهم الندامة من سفالتهم الذين أضلوهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم وقيل أسروها أخلصوها ، إما لأن إخفاءها إخلاصها ، وإما من قولهم : سرّ الشيء ، خالصه . وفيه تهكم بهم وبأخطائهم وقت إخلاص الندامة . وقيل : أسروا الندامة : أظهروها ، من قولهم : أسر الشيء وأشره إذا أظهره . وليس هناك تجلد { وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ } أي بين الظالمين والمظلومين ، دلّ على ذلك ذكر الظلم . ثم أتبع ذلك الإعلام بأنّ له الملك كله ، وأنه المثيب المعاقب ، وما وعدوه من الثواب والعقاب فهو حق . وهو القادر على الإحياء والإماتة ، لا يقدر عليهما غيره ، وإلى حسابه وجزائه المرجع ، ليعلم أن الأمر كذلك ، فيخاف ويرجىء ولا يغتر به المغترون . (3/29)
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)
{ قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ } أي قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد من موعظة وتنبيه على التوحيد { و } هو { شِفَآء } أي دواء { لِّمَا فِي } صدوركم من العقائد الفاسدة ودعاء إلى الحق { وَرَحْمَةً } لمن آمن به منكم . وأصل الكلام : بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ، فبذلك فليفرحوا ، والتكرير للتأكيد والتقرير وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا ، فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه ، والفاء داخلة لمعنى الشرط؛ كأنه قيل : إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح ، فإنه لا مفروح به أحق منهما . ويجوز أن يراد : بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا . ويجوز أن يراد : قد جاءتكم موعطة بفضل الله وبرحمته ، فبذلك : فبمجيئها فليفرحوا . (3/30)
( 512 ) وقرىء : «فلتفرحوا» بالتاء وهو الأصل والقياس ، وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي . وعنه :
( 513 ) لتأخذوا مصافكم» قالها في بعض الغزوات . وفي قراءة أبيّ : «فافرحوا» { هُوَ } راجع إلى ذلك . وقرىء : «مما تجمعون» بالياء والتاء . وعن أبيّ بن كعب :
( 514 ) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا : { قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ } فقال : بكتاب الله والإسلام» وقيل : «فضله» الإسلام «ورحمته» ما وعد عليه .
قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (60)
{ أَرَأَيْتُمْ } أخبروني . و { مَّاَ أَنزَلَ الله } «ما» في موضع النصب ، بأنزل ، أو بأرأيتم ، في معنى : أخبرونيه { فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً } أي أنزله الله رزقاً حلالاً كله فبعضتموه وقلتم : هذا حلال وهذا حرام ، كقولهم : { هذه أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ } ، { مَا فِى بُطُونِ هذه الانعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا } { الله أَذِنَ لَكُمْ } متعلق بأرأيتم . وقل : تكرير للتوكيد . والمعنى : أخبروني آلله أذن لكم في التحليل والتحريم فأنتم تفعلون ذلك بإذنه ، أم تتكذبون على الله في نسبة ذلك إليه . ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار ، وأم منقطعة بمعنى : بل أتفترون على الله ، تقريراً للافتراء . وكفى بهذه الآية زاجرة زجراً بليغاً عن التجوز فيما يسئل عنه من الأحكام . وباعثة على وجوب الاحتياط فيه ، وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلاّ بعد إيقان وإتقان ، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت ، وإلاّ فهو مفتر على الله { يَوْمُ القيامة } منصوب بالظن ، وهو ظنّ واقع فيه ، يعني : أي شيء ظنّ المفترين في ذلك اليوم ما يصنع بهم فيه وهو يوم الجزاء بالإحسان والإساءة ، وهو وعيد عظيم حيث أبهم أمره . وقرأ عيسى ابن عمر : «وما ظنّ» على لفظ الفعل . ومعناه : وأي ظنّ ظنّوا يوم القيامة . وجيء به على لفظ الماضي لأنه كائن فكأن قد كان { إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس } حيث أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بالوحي وتعليم الحلال والحرام { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } هذه النعمة ولا يتبعون ما هدوا إليه . (3/31)
وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)
{ وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ } «ما» نافية والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والشأن : الأمر ، وأصله الهمز بمعنى القصد ، من شأنت شأنه إذا قصدت قصده . والضمير في { مِنْهُ } للشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل هو معظم شأنه ، أو للتنزيل ، كأنه قيل : وما تتلو من التنزيل من قرآن ، لأنّ كلّ جزء منه قرآن ، والإضمار قبل الذكر تفخيم له . أو لله عزّ وجلّ . وما { تَعْمَلُونَ } أنتم جميعاً { مِنْ عَمَلٍ } أيّ عمل كان { إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا } شاهدين رقباء نحصي عليكم { إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } من أفاض في الأمر إذا اندفع فيه { وَمَا يَعْزُبُ } . قرىء بالضم والكسر «وما يبعد وما يغيب» ، ومنه : الروض العازب { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ } القراءة بالنصب والرفع ، والوجه النصب على نفي الجنس ، والرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسه ، وفي العطف على محل { مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ } أو على لفظ { مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } [ النساء : 40 ] فتحاً في موضع الجرّ لامتناع الصرف : إشكال ، لأنّ قولك : «لا يعزب عنه شيء إلاّ في كتاب» مشكل . فإن قلت : لم قدّمت الأرض على السماء ، بخلاف قوله : في سورة سبأ { عالم الغيب لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى السموات وَلاَ فِى الأرض } [ سبأ : 3 ] ؟ قلت : حق السماء أن تقدم على الأرض ، ولكنه لما ذكر شهادته على شئون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم ، ووصل بذلك قوله : { لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ } [ سبأ : 3 ] لاءم ذلك أن قدّم الأرض على السماء ، على أنّ العطف بالواو حكمه حكم التثنية . (3/32)
أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)
{ أَوْلِيَاء الله } الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة . وقد فسر ذلك في قوله : { الذين ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } فهم توليهم إياه { لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا وَفِى الأخرة } فهو توليه إياهم . وعن سعيد بن جبير : (3/33)
( 515 ) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل : من أولياء الله؟ فقال : « هم الذين يذكر الله برؤيتهم » يعني السمت والهيئة . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الإخبات والسكينة . وقيل : هم المتحابون في الله . وعن عمر رضي الله عنه : سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول :
( 516 ) « إنَّ من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله » قالوا : يا رسول الله ، خبرنا من هم وما أعمالهم؟ فلعلنا نحبهم ، قال : « هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها ، فوالله إن وجوههم لنور ، وإنهم لعلى منابر من نور ، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس » ثم قرأ الآية : { الذين كَفَرُواْ } نصب أو رفع على المدح أو على وصف الأولياء أو على الابتداء والخبر لهم البشرى ، والبشرى في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 517 ) « هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له » وعنه عليه الصلاة والسلام : ذهبت النبوّة وبقيت المبشرات . وقيل : هي محبة الناس له والذكر الحسن . وعن أبي ذرّ :
( 518 ) قلت : لرسول الله صلى الله عليه وسلم : الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس فقال : « تلك عاجل بشرى المؤمن » وعن عطاء : لهم البشرى عند الموت تأتيهم الملائكة بالرحمة . قال الله تعالى : { تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملئكة أَن لا تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بالجنة } [ فصلت : 30 ] وأمّا البشرى في الآخرة فتلقى الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة ، وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرءون منها ، وغير ذلك من البشارات { لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله } لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده ، كقوله تعالى : { مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ } [ ق : 29 ] و { ذلك } إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين ، وكلتا الجملتين اعتراض .
وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65)
{ وَلاَ يَحْزُنكَ } وقرىء : «ولا يحزنك» من أحزنه { قَوْلُهُمْ } تكذيبهم لك ، وتهديدهم وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك ، وسائر ما يتكلمون به في شأنك { إِنَّ العزة للَّهِ } استئناف بمعنى التعليل ، كأنه قيل : ما لي لا أحزن؟ فقيل : إن العزّة لله جميعاً ، أي إن الغلبة والقهر في ملكة الله جميعاً ، لا يملك أحد شيئاً منها لا هم ولا غيرهم ، فهو يغلبهم وينصرك عليهم { كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } [ المجادلة : 21 ] . { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } [ غافر : 51 ] وقرأ أبو حيوة «أن العزة» بالفتح بمعنى لأن العزة على صريح التعليل ومن جعله بدلاً من قولهم ثم أنكره ، فالمنكر هو تخريجه ، لا ما أنكر من القراءة به { هُوَ السميع العليم } يسمع ما يقولون . ويعلم ما يدبرون ويعزمون عليه . وهو مكافئهم بذلك . (3/34)
أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66)
{ مَن فِى السماوات وَمَنْ فِى الأرض } يعني العقلاء المميزين وهم الملائكة والثقلان ، وإنما خصّهم ، ليؤذن أنّ هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكته فهم عبيد كلهم ، وهو سبحانه وتعالى : ربهم ولا يصلح أحد منهم للربوبية ، ولا أن يكون شريكاً له فيها ، ما وراءهم مما لا يعقل أحقّ أن لا يكون له ندّاً وشريكاً ، وليدلّ على أن من اتّخذ غيره رباً من ملك أو إنسي فضلاً عن صنم أو غير ذلك ، فهو مبطل تابع لما أدّى إليه التقليد وترك النظر . ومعنى : وما يتبعون شركاء ، أي : وما يتبعون حقيقة الشركاء وإن كانوا يسمونها شركاء ، لأنّ شركة الله في الربوبية محال { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ } ظنهم أنها شركاء { وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } يحزرون ويقدرون أن تكون شركاء تقديراً باطلاً . ويجوز أن يكون { وَمَا يَتَّبِعُ } في معنى الاستفهام ، يعني : وأي شيء يتبعون . و { شُرَكَاء } على هذا نصب بيدعون ، وعلى الأوّل بيتبع . وكان حقه . وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء ، فاقتصر على أحدهما للدلالة . ويجوز أن تكون «ما» موصولة معطوفة على «من» كأنه قيل : ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء ، أي : وله شركاؤهم . وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه : تدعون ، بالتاء ، ووجهه أن يحمل { وَمَا يَتَّبِعُ } على الاستفهام ، أي : وأي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين ، يعني : أنهم يتبعون الله ويطيعونه ، فما لكم لا تفعلون مثل فعلهم؟ كقوله تعالى : { أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة } [ الإسراء : 57 ] ثم صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة فقال : إن يتبع هؤلاء المشركون إلاّ الظن ، ولا يتبعون ما يتبع الملائكة والنبييون من الحق . (3/35)
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67)
ثم نبه على عظيم قدرته ونعمته الشاملة لعباده التي يستحق بها أن يوحّدوه بالعبادة ، بأنه جعل لهم الليل مظلماً ليسكنوا فيه مما يقاسون في نهارهم من تعب التردّد في المعاش ، والنهار مضيئاً يبصرون فيه مطالب أرزاقهم ومكاسبهم { لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } سماع معتبر مدّكر . (3/36)
قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68)
{ سبحانه } تنزيه له عن اتخاذ الولد ، وتعجب من كلمتهم الحمقاء { هُوَ الغنى } علة لنفي الولد لأنّ ما يطلب به الولد من يلد ، وما يطلبه له السبب في كله الحاجة ، فمن الحاجة منتفية عنه كان الولد عنه منتفياً { لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } فهو مستغن بملكه لهم عن اتخاذ أحد منهم ولدا { إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ بهذا } ما عندكم من حجة بهذا القول والباء حقها أن تتعلق بقوله : { إِنْ عِندَكُمْ } على أن يجعل القول مكاناً للسلطان ، كقولك : ما عندكم بأرضكم موز ، كأنه قيل : إن عندكم فيما تقولون سلطان { أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } لما نفى عنهم البرهان جعلهم غير عالمين ، فدلّ على أنّ كل قول لا برهان عليه لقائله فذاك جهل وليس بعلم . (3/37)
قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)
{ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب } بإضافة الولد إليه { متاع فِى الدنيا } أي افتراؤهم هذا منفعة قليلة في الدنيا ، وذلك حيث يقيمون رياستهم في الكفر ومناصبة النبي صلى الله عليه وسلم بالتظاهر به ، ثم يلقون الشقاء المؤبد بعده . (3/38)
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73)
{ كَبُرَ عَلَيْكُمْ } عظم عليكم وشقّ وثقل . ومنها قوله تعالى : { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين } [ البقرة : 45 ] . ويقال : تعاظمه الأمر { مَّقَامِى } مكاني ، يعني نفسه ، كما تقول : فعلت كذا لمكان فلان : وفلان ثقيل الظل . ومنه : { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ } [ الرحمن : 46 ] بمعنى خاف ربه . أو قيامي ومكثي بين أظهركم مدداً طوالاً أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً أو مقامي وتذكيري؛ لأنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ، ليكون مكانهم بيناً وكلامهم مسموعاً ، كما يحكى عن عيسى صلوات الله عليه أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود { فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ } من أجمع الأمر ، وأزمعه ، إذا نواه وعزم عليه . قال : (3/39)
هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْماً وَأَمْرِي مُجْمعُ ... والواو بمعنى «مع» يعني : فأجمعوا أمركم مع شركائكم . وقرأ الحسن : «وشركاؤكم» بالرفع عطفاً على الضمير المتصل ، وجاز من غير تأكيد بالمنفصل لقيام الفاصل مقامه لطول الكلام ، كما تقول : اضرب زيداً وعمرو . وقرىء : «فاجمعوا» من الجمع . وشركاءكم نصب للعطف على المفعول ، أو لأنّ الواو بمعنى «مع» وفي قراءة أبيّ : «فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم» فإن قلت : كيف جاز إسناد الإجماع إلى الشركاء؟ قلت : على وجه التهكم ، كقوله : { قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ } [ الأعراف : 195 ] فإن قلت : ما معنى الأمرين؟ أمرهم الذي يجمعونه ، وأمرهم الذي لا يكون عليهم غمة؟ قلت : أمّا الأمر الأوّل فالقصد إلى إهلاكه ، يعني : فأجمعوا ما تريدون من إهلاكي واحتشدوا فيه وابذلوا وسعكم في كيدي . وإنما قال ذلك إظهاراً لقلة مبالاته وثقته بما وعده ربه من كلاءته وعصمته إياه ، وأنهم لن يجدوا إليه سبيلاً . وأما الثاني ففيه وجهان ، أحدهما : أن يراد مصاحبتهم له وما كانوا فيه معه من الحال الشديدة عليهم المكروهة عندهم ، يعني : ثم أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة : أي غماً وهماً ، والغم والغمة ، كالكرب والكربة . والثاني أن يراد به ما أريد بالأمر الأوّل ، والغمة السترة من غمه إذا ستره . ومنها قوله عليه السلام :
( 519 ) " ولا غمة في فرائض الله " أي لا تستر ، ولكن يجاهر بها ، يعني : ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستوراً عليكم ولكن مكشوفاً مشهوراً تجاهرونني به { ثُمَّ اقضوا إِلَىَّ } ذلك الأمر الذي تريدون بي ، أي : أدّوا إليَّ قطعه وتصحيحه ، كقوله تعالى : { وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر } [ الحجر : 66 ] أو أدّوا إليّ ما هو حق عليكم عندكم من هلاكي كما يقضي الرجل غريمه { وَلاَ تُنظِرُونَ } ولا تمهلوني . قرىء : «ثم افضوا إليّ» بالفاء بمعنى : ثم انتهوا إليّ بشرّكم . وقيل : هو من أفضى الرجل إذا خرج إلى الفضاء ، أي أصحروا به إليَّ وأبرزوه لي { فَإِن تَوَلَّيْتُمْ } فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي { فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ } فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهموني لأجله من طمع في أموالكم وطلب أجر على عظتكم { إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله } وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة أي : ما نصحتكم إلاّ لوجه الله ، لا لغرض من أغراض الدنيا { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين } الذين لا يأخذون على تعليم الدين شيئاً ولا يطلبون به دنيا ، يريد : أن ذلك مقتضى الإسلام ، والذي كل مسلم مأمور به .
والمراد أن يجعل الحجّة لازمة لهم ويبرىء ساحته ، فذكر أن توليهم لم يكن [ عن ] تفريط منه في سوق الأمر معهم على الطريق الذي يجب أن يساق عليه ، وإنما ذلك لعنادهم وتمرّدهم لا غير { فَكَذَّبُوهُ } فتموا على تكذيبه ، وكان تكذيبهم له في آخر المدّة المتطاولة كتكذيبهم في أوّلها ، وذلك عند مشارفة الهلاك بالطوفان { وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ } يخلفون الهالكين بالغرق { كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين } تعظيم لما جرى عليهم ، وتحذير لمن أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثله ، وتسلية له . (3/40)
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74)
{ مِن بَعْدِهِ } من بعد نوح { رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ } يعني هوداً وصالحاً وإبراهيم ولوطاً وشعيباً { فَجَاءوهُم بالبينات } بالحجج الواضحة المثبتة لدعواهم { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } فما كان إيمانهم إلاّ ممتنعاً كالمحال لشدّة شكيمتهم في الكفر وتصميمهم عليه { بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ } يريد أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية مكذبين بالحق . فما وقع فصل بين حالتهم بعد بعثة الرسل وقبلها ، كأن لم يبعث إليهم أحد { كَذَلِكَ نَطْبَعُ } مثل ذلك الطبع المحكم نطبع { على قُلوبِ المعتدين } والطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم ، لأنّ الخذلان يتبعه . ألا ترى كيف أسند إليهم الاعتداء ووصفهم به . (3/41)
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآَيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78)
{ مّن بَعْدِهِمْ } من بعد الرسل { بئاياتنا } بالآيات التسع { فاستكبروا } عن قبولها ، وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبينها ، ويتعظموا عن تقبلها { وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } كفاراً ذوي آثام عظام ، فلذلك استكبروا عنها واجترءوا على ردّها { فَلَمَّا جَاءهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا } فلما عرفوا أنه هو الحق ، وأنه من عند الله ، لا من قبل موسى وهارون { قالوا } لحبهم الشهوات { إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } وهم يعلمون أنّ الحق أبعد شيء من السحر الذي ليس إلاّ تمويهاً وباطلاً . فإن قلت : هم قطعوا بقولهم : { إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } على أنه سحر ، فكيف قيل لهم : أتقولون أسحر هذا؟ قلت : فيه أوجه : أن يكون معنى قوله : { أَتقُولُونَ لِلْحَقّ } أتعيبونه وتطعنون فيه . وكان عليكم أن تذعنوا له وتعظموه ، من قولهم : فلان يخاف القالة ، وبين الناس تقاول إذا قال بعضهم لبعض ما يسوؤه ، ونحو القول : الذكر ، في قوله : { سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ } [ الأنبياء : 60 ] ثم قال : { أَسِحْرٌ هذا } فأنكر ما قالوه في عيبه والطعن عليه ، وأن يحذف مفعول أتقولون وهو ما دلّ عليه قولهم : { إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } كأنه قيل : أتقولون ما تقولون ، يعني قولهم : إن هذا لسحر مبين ، ثم قيل : أسحر هذا؟ وأن يكون جملة قوله : { أَسِحْرٌ هذا وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون } حكاية لكلامهم ، كأنهم قالوا : أَجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح { وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون } كما قال موسى للسحرة : ما جئتم به آلسحر ، إنّ الله سيبطله { لِتَلْفِتَنَا } لتصرفنا . واللفت والفتل : أخوان ، ومطاوعهما الالتفات والانفتال { عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } يعنون عبادة الأصنام { وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء } أي الملك؛ لأن الملوك موصوفون بالكبر . ولذلك قيل للملك الجبار ، ووصف بالصيد والشوس ، ولذلك وصف ابن الرقيات مصعباً في قوله : (3/42)
مُلْكُهُ مُلْكُ رَأْفَةٍ لَيْسَ فِيه ... جَبَرُوتٌ مِنْهُ وَلاَ كُبْرِيَاءُ
ينفي ما عليه الملوك من ذلك . ويجوز أن يقصدوا ذمّهما وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا ، كما قال القبطي لموسى عليه السلام : إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض { وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } أي مصدّقين لكما فيما جئتما به . وقرىء : «يطبع» ويكون لكما ، بالياء .
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82)
{ مَا جِئْتُمْ بِهِ } ما موصولة واقعة مبتدأ . و { السحر } خبر ، أي الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً من آيات الله . وقرىء : «آلسحر» على الاستفهام . فعلى هذه القراءة «ما» استفهامية ، أي : أيّ شيء جئتم به ، أهو السحر؟ وقرأ عبد الله : «ما جئتم به سحر» وقرأ أبيّ : «ما أتيتم به سحر» . والمعنى : لا ما أتيت به { إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ } سيمحقه أو يظهر بطلانه بإظهار المعجزة على الشعوذة { لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين } لا يثبته ولا يديمه ، ولكن يسلط عليه الدمار { وَيُحِقُّ الله الحق } ويثبته { بكلماته } بأوامره وقضاياه . وقرىء : «بكلمته» بأمره ومشيئته . (3/43)
فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83)
{ فَمَا ءامَنَ لموسى } في أوّل أمره { إِلاَّ ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ } إلاّ طائفة من ذراري بني إسرائيل ، كأنه قيل : إلاّ أولاد من أولاد قومه . وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون ، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف . وقيل : الضمير في قومه لفرعون ، والذرية : مؤمن آل فرعون ، وآسية امرأته ، وخازنه ، وامرأة خازنه وماشطته . فإن قلت : إلام يرجع الضمير في قوله : { وَمَلَئِهِمْ } ؟ قلت : إلى فرعون ، بمعنى آل فرعون ، كما يقال : ربيعة ومضر . أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون له . ويجوز أن يرجع إلى الذرية ، أي على خوف من فرعون وخوف من أشراف بني إسرائيل ، لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم . ويدلّ عليه قوله : { أَن يَفْتِنَهُمْ } يريد أن يعذبهم { وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرض } لغالب فيها قاهر { وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين } في الظلم والفساد ، وفي الكبر والعتوّ بادعائه الربوبية . (3/44)
وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86)
{ إن كُنْتُمْ ءَامَنْتُم بِاللهِ } صدقتم به وبآياته { فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ } فإليه أسندوا أمركم في العصمة من فرعون . ثم شرط في التوكل الإسلام ، وهو أن يسلموا نفوسهم لله ، أي يجعلوها له سالمة خالصة لا حظّ للشيطان فيها؛ لأن التوكل لا يكون مع التخليط . ونظيره في الكلام : إن ضربك زيد فاضربه ، وإن كانت بك قوّة { فَقَالُواْ على الله تَوَكَّلْنَا } إنما قالوا ذلك ، لأن القوم كانوا مخلصين ، لا جرم أن الله سبحانه قبل توكلهم ، وأجاب دعاءهم ، ونجاهم وأهلك من كانوا يخافونه ، وجعلهم خلفاء في أرضه ، فمن أراد أن يصلح للتوكل على ربه والتفويض إليه ، فعليه برفض التخليط إلى الإخلاص { لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً } موضع فتنة لهم ، أي : عذاب يعذبوننا ويفتنوننا عن ديننا . أو فتنة لهم يفتتنون بنا ويقولون : لو كان هؤلاء على الحق لما أصيبوا . (3/45)
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)
تبوّأ المكان : اتخذه مباءة ، كقولك : توطنه ، إذا اتخذه وطناً . والمعنى اجعلا بمصر بيوتاً من بيوته مباءة لقومكما ومرجعاً يرجعون إليه للعبادة والصلاة فيه { واجعلوا بُيُوتَكُمْ } تلك { قِبْلَةً } أي مساجد متوجهة نحو القبلة وهي الكعبة ، وكان موسى ومن معه يصلون إلى الكعبة ، وكانوا في أوّل أمرهم مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم خفية من الكفرة ، لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم ، كما كان المؤمنون على ذلك في أوّل الإسلام بمكة . فإن قلت : كيف نوّع الخطاب ، فثنى أوّلاً ، ثم جمع ، ثم وحد آخراً . قلت : خوطب موسى وهارون عليهما السلام أن يتبوآ لقومهما بيوتاً ، ويختاراها للعبادة ، وذلك مما يفوّض إلى الأنبياء . ثم سيق الخطاب عامّاً لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها ، لأنّ ذلك واجب على الجمهور ، ثم خصّ موسى عليه السلام بالبشارة التي هي الغرض ، تعظيماً لها وللمبشر بها . (3/46)
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88)
الزينة : ما يتزين به من لباس أو حلي أو فرش أو أثاث أو غير ذلك . وعن ابن عباس رضي الله عنه : كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة وزبرجد وياقوت . فإن قلت : ما معنى قوله : { رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ } ؟ قلت : هو دعاء بلفظ الأمر ، كقوله : { رَبَّنَا اطمس } ، { واشدد } ، وذلك أنه لما عرض عليهم أيات الله وبيناته عرضاً مكرّراً وردّد عليهم النصائح والمواعظ زماناً طويلاً ، وحذرهم عذاب الله وانتقامه ، وأنذرهم عاقبة ما كانوا عليه من الكفر والضلال المبين ، ورآهم لا يزيدون على عرض الآيات إلا كفراً ، وعلى الإنذار إلاّ استكباراً ، وعن النصيحة إلاّ نبوّا ، ولم يبق له مطمع فيهم ، وعلم بالتجربة وطول الصحبة أنه لا يجيء منهم إلاّ الغي والضلال ، وأنّ إيمانهم كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة ، أو علم ذلك بوحي من الله - اشتد غضبه عليهم ، وأفرط مقته وكراهته لحالهم ، فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره ، كما تقول : لعن الله إبليس ، وأخزى الله الكفرة ، مع علمك أنه لا يكون غير ذلك ، وليشهد عليهم بأنه لم يبق له فيهم حيلة ، وأنهم لا يستأهلون إلاّ أن يخذلوا ويخلى بينهم وبين ضلالهم يتسكعون فيه ، كأنه قال : ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال . وليكونوا ضلالاً ، وليطبع الله على قلوبهم فلا يؤمنوا وما عليّ منهم ، هم أحقّ بذلك وأحقّ كما يقوله الأب المشفق لولده الشاطر إذا ما لم يقبل منه ، حسرة على ما فاته من قبول نصيحته ، وحرداً عليه ، لا أن يريد خلاعته واتباعه هواه . ومعنى الشدّ على القلوب . الاستيثاق منها حتى لا يدخلها الإيمان { فَلاَ يُؤْمِنُواْ } جواب للدعاء الذي هو «اشدد» أو دعاء بلفظ النهي ، وقد حملت اللام في ليضلوا على التعليل ، على أنهم جعلوا نعمة الله سبباً في الضلال ، فكأنهم أوتوها ليضلّوا . وقوله : { فَلاَ يُؤْمِنُواْ } عطف على ليضلوا . وقوله : { رَبَّنَا اطمس على أموالهم واشدد على قُلُوبِهِمْ } دعاء معترض بين المعطوف والمعطوف عليه . وقرأ الفضل الرقاشي : «أئنك آتيت» على الاستفهام ، واطمس بضم الميم . (3/47)
قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89)
قرىء : «دعواتكما» . قيل : كان موسى يدعو وهارون يؤمّن . ويجوز أن يكونا جميعاً يدعوان . والمعنى : إنّ دعاءكما مستجاب ، وما طلبتما كائن ولكن في وقته { فاستقيما } فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة والزيادة في إلزام الحجّة ، فقد لبث نوح عليه السلام في قومه ألف عام إلاّ قليلاً ولا تستعجلا . قال ابن جريج ، فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة { وَلاَ تَتَّبِعَانّ سَبِيلَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } أي لا تتبعا طريق الجهلة بعادة الله في تعليقه الأمور بالمصالح ، ولا تعجلا فإن العجلة ليست بمصلحة . وهذا كما قال لنوح عليه السلام { إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين } [ هود : 46 ] . وقرىء : «ولا تتبعان» بالنون الخفيفة ، وكسرها لالتقاء الساكنين تشبيهاً بنون التثنية ، وبتخفيف التاء من تبع . (3/48)
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)
قرأ الحسن : وجوزنا من أجاز المكان وجوزه وجاوزه ، وليس من جوز الذي في بيت الأعشى : (3/49)
وَإذَا تَجَوَّزْنَا حِبَالِ قَبِيلَةٍ ... لأنه لو كان منه لكان حقه أن يقال وجوّزنا بني إسرائيل في البحر كما قال :
كَمَا جَوَّزَ السَّكِّيّ فِي الْبَابِ فَيْتَقُ ... { فَأَتْبَعَهُمْ } فلحقهم . يقال : تبعته حتى أتبعته . وقرأ الحسن : «وعدوّا» . وقرىء : أنه بالفتح على حذف الياء التي هي صلة الإيمان ، وإنه بالكسر على الاستئناف بدلاً من آمنت . كرر المخذول المعنى الواحد ثلاث مرات في ثلاث عبارات حرصاً على القبول ، ثم لم يقبل منه حيث أخطأ وقته . وقاله حين لم يبق له اختيار قط ، وكانت المّرة الواحدة كافية في حال الاختيار وعند بقاء التكليف .
آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)
{ ءآلئان } أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين أدركك الغرق وأيست من نفسك . قيل : قال ذلك حين ألجمه الغرق يعني حين أوشك أن يغرق . وقيل : قاله بعد أن غرق في نفسه . والذي يحكي أنه حين قال : { ءامَنتُ } أخذ جبريل من حال البحر فدسه في فيه ، فللغضب لله على الكافر في وقت قد علم أنّ إيمانه لا ينفعه . وأمّا ما يضم إليه من قولهم : خشية أن تدركه رحمة الله فمن زيادات الباهتين لله وملائكته : وفيه جهالتان ، إحداهما : أنّ الإيمان يصحّ بالقلب كإيمان الأخرس ، فحال البحر لا يمنعه . والأخرى : أنّ من كره إيمان الكافر وأحبّ بقاءه على الكفر فهو كافر لأن الرضا بالكفر كفر { مِنَ المفسدين } من الضالين المضلين عن الإيمان ، كقوله : { الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ } [ النحل : 98 ] . وروي : أنّ جبريل عليه السلام أتاه بفتيا : ما قول الأمير في عبد لرجل نشأ في ماله ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادّعى السيادة دونه؟ فكتب فرعون فيه : يقول أبو العباس الوليد بن مصعب : جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعماه أن يغرق في البحر ، فلما ألجمه الغرق ناوله جبريل خطه فعرفه { نُنَجّيكَ } بالتشديد والتخفيف : نبعدك مما وقع فيه قومك من قعر البحر . وقيل : نلقيك بنجوة من الأرض . وقرىء : «ننحيك» بالحاء : نلقيك بناحية مما يلي البحر ، وذلك أنه طرح بعد الغرق بجانب البحر قال كعب : رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور { بِبَدَنِكَ } في موضع الحال ، أي : في الحال التي لا روح فيك ، وإنما أنت بدن ، أو ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير ، أو عرياناً لست إلا بدناً من غير لباس ، أو بدرعك . قال عمرو بن معديكرب : (3/50)
أَعَاذِلُ شكَّتِي بَدَنِي وَسَيْفِي ... وَكُلُّ مُقَلِّصٍ سَلِسُ القِيَادِ
وكانت له درع من ذهب يعرف بها . وقرأ أبو حنيفة رحمه الله : «بأبدانك» هو على وجهين : إما أن يكون مثل قولهم : هوى بأجرامه ، يعني : ببدنك كله وافياً بأجزائه . أو يريد : بدروعك كأنه كان مظاهراً بينها { لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً } لمن وراءك من الناس علامة ، وهم بنو إسرائيل ، وكان في أنفسهم أن فرعون أعظم شأناً من أن يغرق . وروي أنهم قالوا : ما مات فرعون ولا يموت أبداً . وقيل : أخبرهم موسى بهلاكه فلم يصدّقوه ، فألقاه الله على الساحل حتى عاينوه ، وكأن مطرحه كان على ممرّ من بني إسارئيل حتى قيل : لمن خلفك . وقيل : { لِمَنْ خَلْفَكَ } لمن يأتي بعدك من القرون . ومعنى كونه آية : أن تظهر للناس عبوديته ومهانته ، وأنّ ما كان يدّعيه من الربوبية باطل محال ، وأنه مع ما كان فيه من عظم الشأن وكبرياء الملك آل أمره إلى ما ترون لعصيانه ربه عزّ وجلّ ، فما الظنّ بغيره ، أو لتكون عبرة تعتبر بها الأمم بعدك ، فلا يجترئوا على نحو ما اجترأت عليه إذا سمعوا بحالك وبهوانك على الله . وقرىء : «لمن خلقك» بالقاف : أي لتكون لخالقك آية كسائر آياته . ويجوز أن يراد : ليكون طرحك على الساحل وحدك وتمييزك من بين المغرقين لئلا يشتبه على الناس أمرك ، ولئلا يقولوا لادّعائك العظمة إنّ مثله لا يغرق ولا يموت آية من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره ، وليعلموا أنَّ ذلك تعمد منه لإماطة الشبه في أمرك .
وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93)
{ مُبَوَّأَ صِدْقٍ } منزلاً صالحاً مرضياً وهو مصر والشام { فَمَا اختلفوا } في دينهم وما تشعبوا فيه شعباً إلاّ من بعد ما قرأوا التوراة وكسبوا العلم بدين الحق ولزمهم الثبات عليه واتحاد الكلمة ، وعلموا أن الاختلاف فيه تفرّق عنه . وقيل : هو العلم بمحمد صلى الله عليه وسلم واختلاف بني إسرائيل ، وهم أهل الكتاب ، اختلافهم في صفته ونعته ، وأنه هو أم ليس به . بعد ما جاءهم العلم والبيان أنه هو لم يرتابوا فيه . كما قال الله تعالى : { الذين آتيناهم الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ } [ البقرة : 146 ] . (3/51)
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95)
فإن قلت : كيف قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : { فَإِن كُنتَ في شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ } مع قوله في الكفرة : { وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكّ مّنْهُ مُرِيبٍ } . قلت : فرق عظيم بين قوله : { إِنَّهُمْ لَفِى شَكٌّ مِنْهُ مُرِيبٍ } بإثبات الشكّ لهم على سبيل التأكيد والتحقيق ، وبين قوله : { فَإِن كُنتَ فِي شَكّ } بمعنى الفرض والتمثيل ، كأنه قيل : فإن وقع لك شك مثلاً وخيّل لك الشيطان خيالاً منه تقديراً { فَاسْأَلِ الذين يَقْرَؤونَ الكتاب } والمعنى : أنّ الله عزّ وجلّ قدم ذكر بني إسرائيل وهم قرأة الكتاب ، ووصفهم بأنّ العلم قد جاءهم ، لأنّ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل ، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، فأراد أم يأكد علمهم بصحة القرآن وصحة نبوّة محمد عليه [ الصلاة و ] السلام ، ويبالغ في ذلك ، فقال : فإن وقع لك شكّ فرضاً وتقديراً وسبيل من خالجته شبهة في الدين أن يسارع إلى حّلها وإماطتها ، إما بالرجوع إلى قوانين الدين وأدلته ، وإما بمقادحة العلماء المنبهين على الحقّ فسل علماء أهل الكتاب ، يعني : أنهم من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك وقتلها علماً بحيث يصلحون لمراجعة مثلك ومساءلتهم فضلاً عن غيرك ، فالغرض وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل الله إلى رسول الله ، لا وصف رسول الله بالشكّ فيه ، ثم قال : { لَقَدْ جَاءكَ الحق مِن رَّبّكَ } أي ثبت عندك بالآيات والبراهين القاطعة أنّ ما أتاك هو الحق الذي لا مدخل فيه للمرية { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بآيات الله } أي فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك والتكذيب بآيات الله . ويجوز أن يكون على طريقة التهييج والإلهاب ، كقوله : { فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءايات الله بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ } [ القصص : 87 ] ولزيادة التثبيت والعصمة ، ولذلك قال عليه السلام عند نزوله : (3/52)
( 520 ) " ولا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق " وعن ابن عباس رضي الله عنه : لا والله ما شكّ طرفة عين ، ولا سأل أحداً منهم ، وقيل : خوطب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد خطاب أمته . فإن كنتم في شكّ مما أنزلنا إليكم ، لقوله : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } [ النساء : 174 ] وقيل : الخطاب للسامع ممن يجوز عليه الشكّ ، كقول العرب : إذا عزّ أخوك فهن . وقيل : «إن» للنفي ، أي : فما كنت في شك فاسأل ، يعني : لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك ، ولكن لتزداد يقيناً ، كما ازداد إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى . وقرىء : «فاسأل الذين يقرؤون الكتب» .
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97)
{ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبّكَ } ثبت عليهم قول الله الذي كتبه في اللوح وأخبر به الملائكة أنهم يموتون كفاراً فلا يكون غيره . وتلك كتابة معلوم لا كتابة مقدّر ومراد تعالى الله عن ذلك . (3/53)
فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98)
{ فَلَوْلاَ كَانَتْ } فهلا كانت { قَرْيَةٌ } واحدة من القرى التي أهلكناها ، تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل المعاينة وقت بقاء التكليف ، ولم تأخر كما أخر فرعون إلى أن أخذ بمخنقه { فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا } بأن يقبله الله منها لوقوعه في وقت الاختيار . وقرأ أبيّ وعبد الله : «فهلا كانت» { إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ } استثناء من القرى؛ لأنّ المراد أهاليها ، وهو استثناء منقطع بمعنى : ولكن قوم يونس لما آمنوا . ويجوز أن يكون متصلاً والجملة في معنى النفي ، كأنه قيل : ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلاّ قوم يونس ، وانتصابه على أصل الاستثناء . وقرىء بالرفع على البدل ، هكذا روي عن الجرمي والكسائي . روي أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه ، فذهب عنهم مغاضباً ، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب . فلبسوا المسوح ، وعجوا أربعين ليلة . وقيل : قال لهم يونس : إن أجلكم أربعون ليلة ، فقالوا : إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك ، فلما مضت خمس وثلاثون أغامت السماء غيماً أسود هائلاً يدخن دخاناً شديداً ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ويسوّد سطوحهم فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم ، وفرّقوا بين النساء والصبيان ، وبين الذواب وأولادها ، فحنّ بعضها على بعض ، وعلت الأصوات والعجيج ، وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا ، فرحمهم الله وكشف عنهم ، وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة . وعن ابن مسعود : بلغ من توبتهم أن ترادّوا المظالم ، حتى إنّ الرجل كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيردّه ، وقيل : خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا : قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ فقال لهم : قولوا : «يا حيّ حين لا حيّ ، ويا حيّ محيي الموتى ، ويا حيّ لا إله إلاّ أنت» فقالوها فكشف عنهم . وعن الفضيل بنعياض : قالوا : «اللَّهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلّت ، وأنت أعظم منها وأجلّ ، افعل بنا ما أنت أهله ، ولا تفعل بنا ما نحن أهله» . (3/54)
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)
{ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ } مشيئة القسر والإلجاء { لآمَنَ مَن فِى الأرض كُلُّهُمْ } على وجه الإحاطة والشمول { جَمِيعاً } على الإيمان مطبقين عليه لا يختلفون فيه . ألا ترى إلى قوله : { أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس } يعني إنما يقدر على إكراههم واضطرارهم إلى الإيمان هو لا أنت . وإيلاء الاسم حرف الاستفهام ، وللإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه ، وإنما الشأن في المكره من هو؟ وما هو إلاّ هو وحده لا يشارك فيه ، لأنه هو القادر على أن يفعل في قلوبهم ما يضطّرون عنده إلى الإيمان ، وذلك غير مستطاع للبشر . (3/55)
وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100)
{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ } يعني من النفوس التي علم أنها تؤمن { إِلاَّ بِإِذْنِ الله } أي بتسهيله وهو منح الألطاف { وَيَجْعَلُ الرجس عَلَى الذين لاَ يَعْقِلُونَ } قابل بالإذن بالرجس وهو الخذلان ، والنفس المعلوم إيمانها بالذين لا يعقلون وهم المصرون على الكفر ، كقوله : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } وسمي الخذلان رجسا وهو العذاب لأنه سببه . وقرىء : «الرجز» بالزاي . وقرىء : «ونجعل» بالنون . (3/56)
قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101)
{ مَاذَا فِى السموات والأرض } من الآيات والعبر { وَمَا تُغْنِى الآيات والنذر } والرسل المنذرون . أو الإنذارات { عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } لا يتوقع إيمانهم ، وهم الذين لا يعقلون وقرىء : وما يغني بالياء ، و «ما» نافية ، أو استفهامية . (3/57)
فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103)
{ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ } وقائع الله تعالى فيهم . كما يقال : «أيام العرب» لوقائعها { ثُمَّ نُنَجّى رُسُلَنَا } معطوف على كلام محذوف يدلّ عليه قوله : { إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ } كأنه قيل : نهلك الأمم ثم ننجي رسلنا ، على حكاية الأحوال الماضية { والذين ءامَنُواْ } ومن آمن معهم ، كذلك { نُنجِ المؤمنين } مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين منكم ، ونهلك المشركين . و { حَقّاً عَلَيْنَا } اعتراض ، يعني : حقّ ذلك علينا حقاً . وقرىء : «ننجّ» بالتشديد . (3/58)
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104)
{ يا أَيُّهَا الناس } يا أهل مكة { إِن كُنتُمْ فِى شَكّ مّن دِينِى } وصحته وسداده ، فهذا ديني فاسمعوا وصفه ، واعرضوه على عقولكم ، وانظروا فيه بعين الإنصاف ، لتعلموا أنه دين لا مدخل فيه للشكّ ، وهو أني لا أعبد الحجارة التي تعبدونها من دون من هو إلهكم وخالقكم { ولكن أَعْبُدُ الله الذى يَتَوَفَّاكُمْ } وإنما وصفه بالتوفي ، ليريهم أنه الحقيق بأن يخاف ويتقي ، فيعبدون دون ما لا يقدر على شيء { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين } يعني أنّ الله أمرني بذلك ، بما ركب فيّ من العقل ، وبما أوحي إليّ في كتابه . وقيل : معناه إن كنتم من ديني ومما أنا عليه أثبت عليه أن تركه وأوافقكم فلا تحدّثوا أنفسكم بالمحال ولا تشكوا في أمري ، واقطعوا عني أطماعكم ، واعلموا أني لا أعبد الذين تعبدون من دون الله ، ولا اختار الضلالة على الهدى ، كقوله : { قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون لا أعبد ما تعبدون } [ الكافرون : 1-2 ] . { أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ } أصله : بأن أكون ، فحذف الجار ، وهذا الحذف يحتمل أن يكون من الحذف المطرد الذي هو حذف الحروف الجارّة مع «أن» و «أن» . وأن يكون من الحذف غير المطرد ، وهو قوله : أمرتك الخير فاصدع بما تؤمر . (3/59)
وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105)
فإن قلت : عطفُ قوله : { وَأَنْ أَقِمْ } على { أَنْ أَكُونَ } فيه إشكال ، لأنّ «أن» لا تخلو من أن تكون التي للعبارة ، أو التي تكون مع الفعل في تأويل المصدر ، فلا يصح أن تكون للعبارة وإن كان الأمر مما يتضمن معنى القول ، لأنّ عطفها على الموصولة يأبى ذلك . والقول بكونها موصولة مثل الأولى ، لا بساعد عليه لفظ الأمر ، وهو { أَقِمِ } لأنّ الصلة حقها أن تكون جملة تحتمل الصدق والكذب . قلت : قد سوّغ سيبويه أن توصل «أن» بالأمر والنهي ، وشبه ذلك بقزلهم : أنت الذي تفعل ، على الخطاب؛ لأنّ الغرض وصلها بما تكون معه في معنى المصدر . والأمر والنهي دالان على المصدر دلالة غيرهما من الأفعال { أَقِمْ وَجْهَكَ } استقم إليه ولا تلتفت يمينا ولا شمالاً . و { حَنِيفاً } حال من الذين ، أو من الوجه . (3/60)
وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106)
{ فَإِن فَعَلْتَ } معناه : فإن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرّك ، فكني عنه بالفعل إيجازاً { فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ الظالمين } إذاً جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدّر ، كأن سائلاً سأل عن تبعة عبادة الأوثان . وجعل من الظالمين؛ لأنه لا ظلم أعظم من الشرك ، { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] . (3/61)
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108)
أتبع النهي عن عبادة الأوثان ووصفها بأنها لا تنفع ولا تضرّ ، أنّ الله عزّ وجلّ هو الضارّ النافع ، الذي إن أصابك بضرّ لم يقدر على كشفه إلاّ هو وحده دون كل أحد ، فكيف بالجماد الذي لا شعور به . وكذلك إن أرادك بخير لم يرد أحد ما يريده بك من فضله وإحسانه ، فكيف بالأوثان؟ فهو الحقيق إذاً بأن توجه إليه العبادة دونها ، وهو أبلغ من قوله : { إِنْ أَرَادَنِىَ الله بِضُرّ هَلْ هُنَّ كاشفات ضُرّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ ممسكات رَحْمَتِهِ } [ الزمر : 38 ] . فإن قلت : لم ذكر المسّ في أحدهما ، والإرادة في الثاني؟ قلت : كأنه أراد أن يذكر الأمرين جميعاً : الإرادة والإصابة في كل واحد من الضرّ والخير ، وأنه لا رادّ لما يريده منهما ، ولا مزيل لما يصيب به منهما ، فأوجز الكلام بأن ذكر المسّ وهو الإصابة في أحدهما ، والإرادة في الآخر؛ ليدلّ بما ذكر على ما ترك ، على أنه قد ذكر الإصابة بالخير في قوله تعالى : { يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } والمراد بالمشيئة : مشيئة المصلحة . (3/62)
{ قَدْ جَاءكُمُ الحق } فلم يبق لكم عذر ولا على الله حجّة ، فمن اختار الهدى واتباع الحق فما نفع باختياره إلاّ نفسه ، ومن آثر الضلال فما ضرّ إلاّ نفسه ، واللام وعلى : دلا على معنى النفع والضرّ . وكل إليهم الأمر بعد إبانة الحق وإزاحة العلل . وفيه حثّ على إيثار الهدى واطراح الضلال مع ذلك { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } بحفيظ موكول إليّ أمركم وحملكم على ما أريد ، إنما أنا بشير ونذير .
وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)
{ واصبر } على دعوتهم واحتمال أذاهم وإعراضهم { حتى يَحْكُمَ الله } لك بالنصرة عليهم والغلبة . (3/63)
( 521 ) وروي أنها لما نزلت جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار فقال : " إنكم ستجدون بعدي أثرة ، فاصبروا حتى تلقوني " يعني أني أُمرت في هذه الآية بالصبر على ما سامتني الكفرة فصبرت فاصبروا أنتم على ما يسومكم الأمراء الجورة» ، قال أنس : فلم نصبر .
( 522 ) وروي أنّ أبا قتادة تخلف عن تلقي معاوية حين قدم المدينة وقد تلقته الأنصار ، ثم دخل عليه من بعد ، فقال له : ما لك لم تتلقنا؟ قال : لم تكن عندنا دواب . قال : فأين النواضح؟ قال : قطعناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر ، وقال صلى الله عليه وسلم : " يا معشر الأنصار ، إنكم ستلقون بعدي أثرة " قال معاوية : فماذا قال : قال : «فاصبروا حتى تلقوني» قال فاصبر . قال : إذن نصبر . فقال عبد الرحمن بن حسان :
أَلاَ أبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْب ... أَمِيرَ الظّالِمِينَ نَثَا كَلاَمِي
بِأَنّا صَابِرُونَ فَمُنْظِرُوكُم ... إلَى يَوْمِ التَّغَابُنِ وَالْخِصَامِ
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 523 ) " من قرأ سورة يونس أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بيونس وكذب به ، وبعدد من غرق مع فرعون " .
الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)
{ أُحْكِمَتْ ءاياته } نظمت نظما رصينا محكماً لا يقع في نقض ولا خلل ، كالبناء المحكم المرصف . ويجوز أن يكون نقلا بالهمزة ، من «حكم» بضم الكاف ، إذا صار حكيماً : أي جعلت حكيمة ، كقوله تعالى : { آيات الكتاب الحكيم } [ يونس : 1 ] وقيل : منعت من الفساد ، من قولهم : أحكمت الدابة إذا وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح . قال جرير : (3/64)
أبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُم ... إنِّي أخَافُ عَلَيْكُمُ أنْ أغْضَبَا
وعن قتادة : أُحكمت من الباطل { ثُمّ فُصّلَتْ } كما تفصل القلائد بالفرائد ، من دلائل التوحيد ، والأحكام ، والمواعظ ، والقصص . أو جعلت فصولاً ، سورة سورة ، وآية آية . وفرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة . أو فصل فيها ما يحتاج إليه العباد : أي بين ولخص . وقرىء : «أحكمت آياته ثم فصلت» أي أحكمتها أنا ثم فصلتها . وعن عكرمة والضحاك : ثم فصلت ، أي فرّقت بين الحق والباطل . فإن قلت : ما معنى ثم؟ قلت : ليس معناها التراخي في الوقت ، ولكن في الحال ، كما تقول : هي محكمة أحسن الإحكام ، ثم مفصلة أحسن التفصيل . وفلان كريم الأصل ، ثم كريم الفعل ، وكتاب : خبر مبتدأ محذوف وأحكمت : صفة له . وقوله : { مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } صفة ثانية . ويجوزأن يكون خبراً بعد خبر ، وأن يكون صلة لأحكمت وفصلت ، أي : من عنده إحكامها وتفصيلها ، وفيه طباق حسن؛ لأنَّ المعنى : أحكمها حكيم وفصلها : أي بينها وشرحها خبير عالم بكيفيات الأمور .
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4)
{ أَلاَّ تَعْبُدُواْ } مفعول له على معنى : لئلا تعبدوا . أو تكون «أن» مفسرة؛ لأنّ في تفصيل الآيات معنى القول ، كأنه قيل قال لا تعبدوا إلا الله ، أو أمركم أن لا تعبدوا إلا الله { وَأَنِ استغفروا } أي أمركم بالتوحيد والاستغفار . ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ، إغراء منه على اختصاص الله بالعبادة . ويدل عليه قوله : { إِنّنى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } كأنه قال : ترك عبادة غير الله ، إنني لكم منه نذير ، كقوله تعالى : { فَضَرْبَ الرقاب } [ محمد : 4 ] والضمير في { مِّنْهُ } لله عز وجل ، أي : إنني لكم نذير وبشير من جهته ، كقوله : { رَسُولٌ مّنَ الله } [ البينة : 2 ] أو هي صلة لنذير ، أي : أنذركم منه ومن عذابه إن كفرتم ، وأبشركم بثوابه إن آمنتم . فإن قلت : ما معنى ثم في قوله : { ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } ؟ قلت : معناه استغفروا من الشرك ، ثم ارجعوا إليه بالطاعة . أو استغفروا ، والاستغفار توبة ، ثم أخلصوا التوبة واستقيموا عليها ، كقوله : { ثُمَّ استقاموا } [ الأحقاف : 13 ] . { يُمَتّعْكُمْ } يطوّل نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية ، من عيشة واسعة ، ونعمة متتابعة { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى أن يتوفاكم ، كقوله : { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياة طَيّبَةً } [ النحل : 97 ] { وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } ويعط في الآخرة كل من كان له فضل في العمل وزيادة فيه جزاء فضله لا يبخس منه . أو فضله في الثواب ، والدرجات تتفاضل في الجنة على قدر تفاضل الطاعات { وَإِن تَوَلَّوْاْ } وإن تتولوا { عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } هو يوم القيامة ، وصف بالكبر كما وصف بالعظم والثقل . وبين عذاب اليوم الكبير بأن مرجعهم إلى من هو قادر على كل شيء ، فكان قادراً على أشدّ ما أراد من عذابهم لا يعجزه . وقرىء : «وإن تولوا» من ولي . (3/65)
أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)
{ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } يزورّون عن الحق وينحرفون عنه؛ لأن من أقبل على الشيء استقبله بصدره ، ومن ازورّ عنه وانحرف ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه { لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ } يعني : ويريدون ليستخفوا من الله ، فلا يطلع رسوله والمؤمنين على ازورارهم . ونظير إضمار يريدون - لقود المعنى إلى إضماره - الإضمار في قوله تعالى : { اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق } [ الشعراء : 63 ] معناه فضرب فانفلق . ومعنى { أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } ويزيدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم أيضاً ، كراهة لاستماع كلام الله تعالى : كقول نوح عليه السلام : { جَعَلُواْ أصابعهم فِى ءاذانهم واستغشوا ثِيَابَهُمْ } [ نوح : 7 ] ثم قال : { يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } يعني أنه لا تفاوت في علمه بين إسرارهم وإعلانهم ، فلا وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الاستخفاء ، والله مطلع على ثنيهم صدورهم واستغشائهم ثيابهم ، ونفاقهم غير نافق عنده . روي أنها نزلت في الأخنس بن شريق وكان يظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة وله منطق حلو وحسن سياق للحديث ، فكان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم مجالسته ومحادثته ، وهو يضمر خلاف ما يظهر . وقيل : نزلت في المنافقين . وقرىء : «تثنوني صدورهم» ، «واثنونى» من الثني ، كاحلولى من الحلاوة ، وهو بناء مبالغة ، قرىء بالتاء والياء . وعن ابن عباس لتثنوني . وقرىء تثنونّ وأصله تثنونن «تفعوعل» من الثن وهو ما هش وضعف من الكلأ ، يريد : مطاوعة صدورهم للثني ، كما ينثني الهش من النبات . أو أراد ضعف إيمانهم ومرض قلوبهم . وقرىء : «تثنئن» من اثنأن «افعال» منه ، ثم همز كما قيل : ابيأضت ، وادهأمت وقرىء : «تثنوي» بوزن ترعوي . (3/66)
وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)
فإن قلت : كيف قال : { عَلَى الله رِزْقُهَا } بلفظ الوجوب وإنما هو تفضل؟ قلت : هو تفضل إلا أنه لما ضمن أن يتفضل به عليهم ، رجع التفضل واجباً كنذور العباد . والمتستقرّ : مكانه من الأرض ومسكنه . والمتسودع حيث كان مودعاً قبل الاستقرار ، من صلب ، أو رحم ، أو بيضة { وَمُسْتَوْدَعَهَا } كل واحد من الدواب ورزقها ومستقرّها ومستودعها في اللوح ، يعني ذكرها مكتوب فيه مبين . (3/67)
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)
{ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء } أي ما كان تحته خلق قبل خلق السموات والأرض . وارتفاعه فوقها إلا الماء . وفيه دليل على أنّ العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض . وقيل : وكان الماء على متن الريح ، والله أعلم بذلك ، وكيفما كان فالله ممسك كل ذلك بقدرته ، وكلما ازدادت الأجرام كانت أحوج إليه وإلى إمساكه { لِيَبْلُوَكُمْ } متعلق بخلق ، أي خلقهن لحكمة بالغة ، وهي أن يجعلها مساكن لعباده ، وينعم عليهم فيها بفنون النعم ، ويكلفهم الطاعات واجتناب المعاصي ، فمن شكر وأطاع أثابه ، ومن كفر وعصى عاقبه . ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال : ليبلوكم . يريد : ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون . فإن قلت : كيف جاز تعليق فعل البلوى؟ قلت : لما في الاختبار من معنى العلم؛ لأنه طريق إليه فهو ملابس له ، كما تقول : انظر أيهم أحسن وجهاً واسمع أيهم أحسن صوتاً؛ لأنّ النظر والاستماع من طريق العلم . فإن قلت كيف قيل : { أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } وأعمال المؤمنين هي التي تتفاوت إلى حسن وأحسن ، فأمّا أعمال المؤمنين والكافرين فتفاوتها إلى حسن وقبيح؟ قلت : الذين هم أحسن عملا هم المتقون ، وهم الذين استبقوا إلى تحصيل ما هو غرض الله من عباده ، فخصهم بالذكر واطرح ذكر من وراءهم تشريفاً لهم وتنبيهاً على مكانهم منه ، وليكون ذلك لطفاً للسامعين ، وترغيباً في حيازة فضلهم . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : (3/68)
( 524 ) " ليبلوكم أيكم أحسن عقلاً ، وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله " قرىء : «ولئن قلت إنكم مبعثون» بفتح الهمزة . ووجهه أن يكون من قولهم : ائت السوق عنك تشتري لنا لحماً ، وأنك تشتري بمعنى علك ، أي : ولئن قلت لهم لعلكم مبعوثون ، بمعنى : توقعوا بعثكم وظنوه ، ولا تبتوا القول بإنكاره ، لقالوا : { إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } باتين القول ببطلانه . ويجوز أن تضمن «قلت» معنى «ذكرت» ومعنى قولهم : { إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } أنّ السحر أمر باطل ، وأن بطلانه كبطلان السحر تشبيهاً له به . أو أشاروا بهذا إلى القرآن لأن القرآن هو الناطق بالبعث ، فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث وغيره . وقرىء : «إن هذا إلا ساحر» ، يريدون الرسول ، والساحر : كاذب مبطل .
وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (8)
{ العذاب } عذاب الآخرة . وقيل عذاب يوم بدر . وعن ابن عباس : قتل جبريل المستهزئين { إلى أُمَّةٍ } إلى جماعة من الأوقات { مَا يَحْبِسُهُ } ما يمنعه من النزول استعجالاً له على وجه التكذيب والاستهزاء . و { يَوْمَ يَأْتِيهِمُ } منصوب بخبر ليس ، ويستدل به من يستجيز تقديم خبر ليس على ليس ، وذلك أنه إذا جاز تقديم معمول خبرها عليها ، كان ذلك دليلاً على جواز تقديم خبرها؛ إذ المعمول تابع للعامل ، فلا يقع إلا حيث يقع العامل { وَحَاقَ بِهِم } وأحاط بهم { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } العذاب الذي كانوا به يستعجلون . وإنما وضع يستهزئون موضع يستعجلون؛ لأنّ استعجالهم كان على جهة الاستهزاء . والمعنى : ويحيق بهم إلا أنه جاء على عادة الله في أخباره . (3/69)
وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)
{ الإنسان } للجنس { رَحْمَةً } نعمة من صحة وأمن وجدة { ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ } ثم سلبنا تلك النعمة { إنه ليؤوس } شديد اليأس من أن تعود إليه مثل تلك النعمة المسلوبة . قاطع رجاءه من سعة فضل الله من غير صبر ولا تسليم لقضائه ولا استرجاع { كَفُورٌ } عظيم الكفران لما سلف له من التقلب في نعمة الله نَسَّاءٌ له { ذَهَبَ السيئات عَنّي } أي المصائب التي ساءتني { إِنَّهُ لَفَرِحٌ } أشر بطر { فَخُورٌ } على الناس بما أذاقه الله من نعمائه ، قد شغله الفرح والفخر عن الشكر { إِلاَّ الذين } آمنوا ، فإنّ عادتهم إن نالتهم رحمة أن يشكروا ، وإن زالت عنهم نعمة أن يصبروا . (3/70)
فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12)
كانوا يقترحون عليه آيات تعنتاً لا استرشاداً ، لأنهم لو كانوا مسترشدين لكانت آية واحدة مما جاء به كافية في رشادهم . ومن اقتراحاتهم { لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ } وكانوا لا يعتدون بالقرآن ويتهاونون به وبغيره مما جاء به من البينات ، فكان يضيق صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقى إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه ، فحرّك الله منه وهيجه لأداء الرسالة وطرح المبالاة بردّهم واستهزائهم واقتراحهم بقوله : { فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ } أي لعلك تترك أن تلقيه إليهم وتبلغه إياهم مخافة ردّهم له وتهاونهم به { وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } بأن تتلوه عليهم { أَن يَقُولُواْ } مخافة أن يقولوا : { لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ } أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه ، ثم قال : { إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ } أي ليس عليك إلا أن تنذرهم بما أوحي إليك وتبلغهم ما أمرت بتبليغه ، ولا عليك ردّوا أو تهاونوا أو اقترحوا { والله على كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } يحفظ ما يقولون ، وهو فاعل بهم ما يجب أن يفعل ، فتوكل عليه ، وكل أمرك إليه ، وعليك بتبليغ الوحي بقلب فسيح وصدر منشرح ، غير ملتفت إلى استكبارهم ولا مبال بسفههم واستهزائهم . فإن قلت : لم عدل عن ضيق إلى ضائق؟ قلت : ليدل على أنه ضيق عارض غير ثابت ، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفسح الناس صدراً . ومثله قولك : زيد سيد وجواد ، تريد السيادة والجود الثابتين المستقرين ، فإذا أردت الحدوث قلت : سائد وجائد ونحوه كانوا قوماً عامين في بعض القراءات ، وقول السمهري العكلي : (3/71)
بِمَنْزِلَةٍ أَمَّا اللَّئِيمُ فَسَامِن ... بِهَا وَكِرَامُ النّاسِ بَادٍ شُحُوبُهَا
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)
{ أَمْ } منقطعة . والضمير في { افتراه } لما يوحى إليك . تحداهم أوّلا بعشر سور ، ثم بسورة واحدة ، كما يقول المخابر في الخط لصاحبه : اكتب عشرة أسطر نحو ما أكتب ، فإذا تبين له العجز عن مثل خطه قال : قد اقتصرت منك على سطر واحد { مِّثْلِهِ } بمعنى أمثاله ، ذهاباً إلى مماثلة كل واحدة منها له { مُفْتَرَيَاتٍ } صفة لعشر سور لما قالوا : افتريت القرآن واختلقته من عند نفسك وليس من عند الله ، قاودهم على دعواهم وأرخى معهم العنان وقال : هبوا أني اختلقته من عند نفسي ولم يوح إلي وأنّ الأمر كما قلتم ، فأتوا أنتم أيضاً بكلام مثله مختلق من عند أنفسكم ، فأنتم عرب فصحاء مثلي لا تعجزون عن مثل ما أقدر عليه من الكلام . فإن قلت : كيف يكون ما يأتون به مثله ، وما يأتون به مفترى وهذا غير مفترى؟ قلت : معناه مثله في حسن البيان والنظم وإن كان مفترى . (3/72)
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)
فإن قلت : ما وجه جمع الخطاب بعد إفراده وهو قوله : { لَكُمْ فاعلموا } بعد قوله : { قُلْ } ؟ قلت : معناه فإن لم يستجيبوا لك وللمؤمنين لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كانوا يتحدّونهم ، وقد قال في موضع آخر : { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فاعلم } [ القصص : 50 ] ويجوز أن يكون الجمع لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله : (3/73)
فَإنْ شَئْتُ حَرَّمْتُ النْسَاءَ سِوَاكُمُ ... وووجه آخر : وهو أن يكون الخطاب للمشركين ، والضمير في { لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ } لمن استطعتم ، يعني : فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله إلى المظاهرة على معارضته لعلمهم بالعجز عنه وأن طاقتهم أقصر من أن تبلغه { فاعلموا أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ الله } أي أنزل ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله ، من نظم معجز للخلق ، وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه { و } اعلموا عند ذلك { و أَن لاَّ إله إِلاَّ } الله وحده ، وأن توحيده واجب والإشراك به ظلم عظيم { فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } مبايعون بالإسلام بعد هذه الحجة القاطعة ، وهذا وجه حسن مطرد . ومن جعل الخطاب للمسلمين فمعناه : فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه ، وازدادوا يقيناً وثبات قدم على أنه منزل من عند الله وعلى التوحيد . ومعنى { فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } فهل أنتم مخلصون؟
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)
{ نُوَفّ إِلَيْهِمْ } نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا ، وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرزق . وقيل : هم أهل الرياء . يقال للقراء منهم : أردت أن يقال : فلان قارىء ، فقد قيل ذلك . ولمن وصل الرحم وتصدّق : فعلت حتى يقال ، فقيل ولمن قاتل فقتل : قاتلت حتى يقال فلان جريء ، فقد قيل : وعن أنس بن مالك : هم اليهود والنصارى ، إن أعطوا سائلاً أو وصلوا رحماً ، عجل لهم جزاء ذلك بتوسعة في الرزق وصحة في البدن . وقيل : هم الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسهم لهم في الغنائم . وقرىء : «يوفّ» بالياء على أن الفعل لله عز وجل . وتوفَّ إليهم أعمالهم بالتاء ، على البناء للمفعول . وفي قراءة الحسن : «نوفي» ، بالتخفيف وإثبات الياء ، لأنّ الشرط وقع ماضياً ، كقوله : (3/74)
يَقُولُ لاَ غائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرِمُ ... { وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا } وحبط في الآخرة ما صنعوه ، أو صنيعهم ، يعني : لم يكن له ثواب لأنهم لم يريدوا به الآخرة ، إنما أرادوا به الدنيا ، وقد وفي إليهم ما أرادوا { وباطل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي كان عملهم في نفسه باطلاً ، لأنه لم يعمل لوجه صحيح ، والعمل الباطل لا ثواب له . وقرىء : «وبطل» على الفعل . وعن عاصم : وباطلا بالنصب ، وفيه وجهان : أن تكون ما إبهامية وينتصب بيعملون ، ومعناه : وباطلاً ، أيّ باطل كانوا يعملون . وأن تكون بمعنى المصدر على : وبطل بطلاناً ما كانوا يعملون .
أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17)
{ أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ } معناه : أمّن كان يريد الحياة الدنيا كمن كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم ، يريد أنّ بين الفريقين تفاوتاً بعيداً وتبايناً بيناً ، وأراد بهم من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره ، كان على بينة { مّن رَّبّهِ } أي على برهان من الله وبيان أنّ دين الإسلام حق وهو دليل العقل { وَيَتْلُوهُ } ويتبع ذلك البرهان { شَاهِدٌ مّنْهُ } أي شاهد يشهد بصحته ، وهو القرآن { مِنْهُ } من الله ، أو شاهد من للقرآن ، فقد تقدّم ذكره آنفاً { وَمِن قَبْلِهِ } ومن قبل القرآن { كِتَابُ موسى } وهو التوراة ، أي : ويتلو ذلك البرهان أيضاً من قبل القرآن كتاب موسى . وقرىء : «كتاب موسى» بالنصب ، ومعناه : كان على بينة من ربه ، وهو الدليل على أنّ القرآن حق ، { وَيَتْلُوهُ } : ويقرأ القرآن { شَاهِدٌ مّنْهُ } شاهد ممن كان على بينة . كقوله : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل على مِثْلِه } [ الأحقاف : 10 ] ، { قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب } [ الرعد : 43 ] ، { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى } ويتلو من قبل القرآن والتوراة { إِمَاماً } كتاباً مؤتما به في الدين قدوة فيه { وَرَحْمَةً } ونعمة عظيمة على المنزل إليهم { أولئك } يعني من كان على بينة { يُؤْمِنُونَ بِهِ } يؤمنون بالقرآن { وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحزاب } يعني أهل مكة ومن ضامهم من المتحزِّبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم { فالنار مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ } وقرىء : «مُرية» بالضم وهما الشك { مِّنْهُ } من القرآن أو من الموعد . (3/75)
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22)
{ يُعْرَضُونَ على رَبّهِمْ } يحبسون في الموقف وتعرض أعمالهم ويشهد عليهم { الأشهاد } من الملائكة والنبيين بأنهم الكذابون على الله بأنه اتخذ ولداً وشريكاً ، ويقال { أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } فوا خزياه ووا فضيحتاه . والأشهاد : جمع شاهد أو شهيد ، كأصحاب أو أشراف { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } يصفونها بالاعوجاج وهي مستقيمة . أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالارتداد ، وهم الثانية لتأكيد كفرهم بالآخرة واختصاصهم به { أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِى الأرض } أي ما كانوا يعجزون الله في الدنيا أن يعاقبهم لو أراد عقابهم ، وما كان لهم من يتولاهم فينصرهم منه ويمنعهم من عقابه ، ولكنه أراد إنظارهم وتأخير عقابهم إلى هذا اليوم ، وهو من كلام الأشهاد { يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب } وقرىء : «يضعف» { مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع } أراد أنهم لفرط تصامّهم عن استماع الحق وكراهتهم له ، كأنهم لا يستطيعون السمع ولعل بعض المجبرة يتوثب إذا عثر عليه فيوعوع به على أهل العدل ، كأنه لم يسمع الناس يقولون في كل لسان : هذا كلام لا أستطيع أن أسمعه ، وهذا مما يمجه سمعي . ويحتمل أن يريد بقوله : { وَمَا كَانَ لَهُم مّنْ دون الله أَوْلِيَاء } أنهم جعلوا آلهتهم أولياء من دون الله ، وولايتها ليست بشيء ، فما كان لهم في الحقيقة من أولياء ، ثم بين نفي كونهم أولياء بقوله : { مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } فكيف يصلحون للولاية . وقوله : { يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب } اعتراض بوعيد { خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله ، فكان خسرانهم في تجارتهم ما لا خسران أعظم منه ، وهو أنهم خسروا أنفسهم { وَضَلَّ عَنْهُم } وبطل عنهم وضاع ما اشتروه وهو { مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من الآلهة وشفاعتها { لاَ جَرَمَ } فسر في مكان آخر { هُمُ الأخسرون } لا ترى أحداً أبين خسراناً منهم . (3/76)
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23)
{ وَأَخْبَتُواْ إلى رَبّهِمْ } واطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع والتواضع من الخبت وهي الأرض المطمئنة . ومنه قولهم للشيء : الدنيء الخبيت . قال : (3/77)
يَنْفَعُ الطَّيِّبُ الْقَلِيلُ مِنَ الرِّز ... قِ وَلاَ يَنْفَعُ الْكَثِيرُ الْخَبِيتُ
وقيل : التاء فيه بدل من الثاء .
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (24)
شبه فريق الكافرين بالأعمى والأصم ، وفريق المؤمنين بالبصير والسميع ، وهو من اللف والطباق . وفيه معنيان : أن يشبه الفريق تشبيهين اثنين ، كما شبه امرؤ القيس قلوب الطير بالحشف والعناب ، وأن يشبهه بالذي جمع بين العمى والصمم ، أو الذي جمع بين البصر والسمع . على أن تكون الواو في { والأصم } وفي { والسميع } لعطف الصفة على الصفة ، كقوله : (3/78)
الصَّابِحِ فَالْغَانِمِ فَالآيِبِ ... { هَلْ يَسْتَوِيَانِ } يعني الفريقين { مَثَلاً } تشبيهاً .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26)
أي أرسلنا نوحاً بأني لكم نذير . ومعناه أرسلناه ملتبساً بهذا الكلام ، وهو قوله : { إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } بالكسر ، فلما اتصل به الجارّ فتح كما فتح في { كَانَ } والمعنى على الكسر ، وهو قولك : إنّ زيداً كالأسد . وقرىء بالكسر على إرادة القول { أَن لاَّ تَعْبُدُواْ } بدل من { إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ } أي أرسلناه بأن لا تعبدوا { إِلاَّ الله } أو تكون «أن» مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير وصف اليوم بأليم من الإسناد المجازي لوقوع الألم فيه . فإن قلت : فإذا وصف به العذاب؟ قلت : مجازي مثله ، لأنّ الأليم في الحقيقة هو المعذب ، ونظيرهما قولك : نهارك صائم ، وجدّ جدّه . (3/79)
فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27)
{ الملا } الأشراف من قولهم : فلان مليء بكذا ، إذا كان مطيقاً له ، وقد ملؤا بالأمر؛ لأنهم ملؤا بكفايات الأمور واضطلعوا بها وبتدبيرها . أو لأنهم يتمالؤن أي يتظاهرون ويتساندون أو لأنهم يملؤن القلوب هيبة والمجالس أبهة أو لأنهم ملاء بالأحلام والآراء الصائبة { مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } تعريض بأنهم أحق منه بالنبوة وأنّ الله لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم ، فقالوا : هب أنك واحد من الملأ ومواز لهم في المنزلة ، فما جعلك أحق منهم؟ ألا ترى إلى قولهم : { وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } . أو أرادوا أنه كان ينبغي أن يكون ملكاً لا بشر . والأراذل جمع الأرذل كقوله : { أكابر مُجْرِمِيهَا } [ الأنعام : 123 ] «أحاسنكم أخلاقاً» وقرىء : «بادي الرأي» بالهمز وغير الهمز ، بمعنى : اتبعوك أوّل الرأي أو ظاهر الرأي ، وانتصابه على الظرف ، أصله : وقت حدوث أوّل رأيهم ، أو وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه . أرادوا : أن اتباعهم لك إنما هو شيء عنّ لهم بديهة من غير روية ونظر ، وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم في الأسباب الدنيوية ، لأنهم كانوا جهالاً ما كانوا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا ، فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال ، كما ترى أكثر المتسمين بالإسلام يعتقدون ذلك ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم ، ولقد زلّ عنهم أن التقدّم في الدنيا لا يقرب أحداً من الله وإنما يبعده ، ولا يرفعه بل يضعه ، فضلاً أن يجعله سبباً في الاختيار للنبوّة والتأهيل لها ، على أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا مرغبين في طلب الآخرة ورفض الدنيا ، مزهدين فيها ، مصغرين لشأنها وشأن من أخلد إليها ، فما أبعد حالهم من الاتصاف بما يبعد من الله ، والتشرف بما هو ضعة عند الله { مِن فَضْلِ } من زيادة شرف علينا تؤهلكم للنبوّة ، { بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذبين } فيما تدّعونه . (3/80)
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31)
{ أَرَءيْتُمْ } أخبروني { إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ } على برهان { مّن رَّبّى } وشاهد منه يشهد بصحة دعواي { وءاتاني رَحْمَةً مِنْ عِندهِ } بإيتاء البينة على أن البينة في نفسها هي الرحمة ، ويجوز أن يريد بالبينة : المعجزة ، وبالرحمة : النبوّة . فإن قلت : فقوله : { فَعُمّيَتْ } ظاهر على الوجه الأوّل ، فما وجهه على الوجه الثاني؟ وحقه أن يقال فعميتا؟ قلت : الوجه أن يقدّر فعميت بعد البينة ، وأن يكون حذفه للاقتصار على ذكره مرة : ومعنى عميت خفيت . وقرىء : «فعميت» بمعنى أخفيت . وفي قراءة أبي «فعماها عليكم» فإن قلت : فما حقيقته؟ قلت : حقيقته أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء ، لأنّ الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره ، فمعنى فعميت عليكم البينة فلم تهدكم ، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد . فإن قلت : فما معنى قراءة أبي؟ قلت : المعنى أنهم صمموا على الإعراض عنها فخلاهم الله وتصميمهم ، فجعلت تلك التخلية تعمية منه ، والدليل عليه قوله : { أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كارهون } يعني أنكرهكم على قبولها ونقسركم على الاهتداء بها ، وأنتم تكرهونها ولا تختارونها ، ولا إكراه في الدين؟ وقد جيء بضميري المفعولين متصلين جميعاً . ويجوز أن يكون الثاني منفصلاً كقولك : أنلزمكم إياها . ونحوه { فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله } [ البقرة : 137 ] ويجوز : فسيكفيك إياهم . وحكي عن أبي عمرو إسكان الميم . ووجهه أنّ الحركة لم تكن إلا خلسة خفيفة ، فظنها الراوي سكوناً . والإسكان الصريح لحن عند الخليل وسيبويه وحذاق البصريين؛ لأن الحركة الإعرابية لا يسوغ طرحها إلا في ضرورة الشعر . والضمير في قوله : { لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ } راجع إلى قوله لهم : { إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } [ هود : 25 ] . وقرىء : «وما أنا بطارد الذين آمنوا» بالتنوين على الأصل . فإن قلت : ما معنى قوله : { إنهم ملاقو رَّبُّهُمْ } ؟ قلت : معناه أنهم يلاقون الله فيعاقب من طردهم . أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من إيمان صحيح ثابت ، كما ظهر لي منهم وما أعرف غيره منهم . أو على خلاف ذلك مما تقرفونهم به من بناء إيمانهم على بادىء الرأي من غير نظر وتفكر . وما علي أن أشق عن قلوبهم وأتعرّف سر ذلك منهم حتى أطردهم إن كان الأمر كما تزعمون . ونحوه { وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ } الآية [ الأنعام : 52 ] ، أو هم مصدقون بلقاء ربهم موقنون به عالمون أنهم ملاقوه لا محالة { تَجْهَلُونَ } تتسافهون على المؤمنين وتدعونهم أراذل : من قوله : (3/81)
ألاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... أو تجهلون بلقاء ربكم . أو تجهلون أنهم خير منكم { مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله } من يمنعني من انتقامه { إِن طَرَدتُّهُمْ } وكانوا يسألونه أن يطردهم ليؤمنوا به ، أنفة من أن يكونوا معهم على سواء { أَعْلَمُ الغيب } معطوف على { عِندِى خَزَائِنُ الله } أي لا أقول عندي خزائن الله ، ولا أقول : أنا أعلم الغيب .
ومعناه : لا أقول لكم : عندي خزائن الله فأدعي فضلا عليكم في الغنى ، حتى تجحدوا فضلي بقولكم { وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } [ هود : 27 ] ولا أدعي علم الغيب حتى تنسبوني إلى الكذب والافتراء ، أو حتى أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم { وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ } حتى تقولوا لي ما أنت إلا بشر مثلنا ، ولا أحكم على من استرذلتم من المؤمنين لفقرهم أن الله لن يؤتيهم خيراً في الدنيا والآخرة لهوانهم عليه ، كما تقولون ، مساعدة لكم ونزولاً على هواكم { إِنّى إِذًا لَّمِنَ الظالمين } إن قلت شيئاً من ذلك ، والازدراء : افتعال من زري عليه إذا عابه . وأزرى به : قصر به ، يقال ازدرته عينه ، واقتحمته عينه . (3/82)
قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32)
{ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } معناه : أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته ، كقولك : جاد فلان فأكثر وأطاب { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب المعجل . (3/83)
قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35)
{ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله } أي ليس الإتيان بالعذاب إليّ إنما هو إلى من كفرتم به وعصيتموه { إِن شَاء } يعني إن اقتضت حكمته أن يعجله لكم . وقرأ ابن عباس رضي الله عنه . «فأكثرت جدلنا» فإن قلت : ما وجه ترادف هذين الشرطين؟ قلت : قوله : { إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } جزاؤه ما دلّ عليه قوله : { لاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى } وهذا الدال في حكم ما دلّ عليه ، فوصل بشرط كما وصل الجزاء بالشرط في قولك : إن أحسنت إليّ أحسنت إليك إن أمكنني . فإن قلت : فما معنى قوله : { إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } ؟ قلت : إذا عرف الله من الكافر الإصرار فخلاه وشأنه ولم يلجئه ، سمى ذلك إغواء وإضلالاً ، كما أنه إذا عرف منه أنه يتوب ويرعوي فلطف به : سمي إرشاداً وهداية . وقيل : { أَن يُغْوِيَكُمْ } أن يهلككم من غوى الفصيل غوي ، إذا بشم فهلك ، ومعناه : أنكم إذا كنتم من التصميم على الكفر بالمنزلة التي لا تنفعكم نصائح الله ومواعظه وسائر ألطافه ، كيف ينفعكم نصحي؟ { فَعَلَىَّ إِجْرَامِى } وإجرامي بلفظ المصدر والجمع . كقوله : والله يعلم إسرارهم وأسرارهم . ونحو : جرم وأجرام قفل وأقفال . وينصر الجمع أن فسره الأولون بآثامي والمعنى : إن صح وثبت أني افتريته ، فعلي عقوبة إجرامي أي افترائي . وكان حقي حينئذ أن تعرضوا عني وتتألبوا عليّ { وَأَنَاْ بَرِىء } يعني ولم يثبت ذلك وأنا بريء منه . ومعنى { مّمَّا تُجْرَمُونَ } من إجرامكم في إسناد الافتراء إليّ فلا وجه لإعراضكم ومعاداتكم . (3/84)
وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37)
{ لَن يُؤْمِنَ } إقناط من إيمانهم ، وأنه كالمحال الذي لا تعلق به للتوقع { إِلاَّ مَنْ قَدْ ءَامَنَ } إلا من قد وجد منه ما كان يتوقع من إيمانه ، وقد للتوقع وقد أصابت محزها { فَلاَ تَبْتَئِسْ } فلا تحزن حزن بائس مستكين ، قال : (3/85)
مَا يَقْسِمُ اللَّهُ فَاقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِس ... مِنْهُ وَاقْعُدْ كَرِيماً نَاعِمَ الْبَالِ
والمعنى : فلا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك ومعاداتك ، فقد حان وقت الانتقام لك منهم { بِأَعْيُنِنَا } في موضع الحال ، بمعنى : اصنعها محفوظاً ، وحقيقته : ملتبساً بأعيننا ، كأن لله معه أعينا تكلؤه أن يزيغ في صنعته عن الصواب ، وأن لا يحول بينه وبين عمله أحد من أعدائه . ووحينا : وأنا نوحي إليك ونلهمك كيف تصنع . عن ابن عباس رضي الله عنه : لم يعلم كيف صنعة الفلك ، فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر { وَلاَ تخاطبنى فِى الذين ظَلَمُواْ } ولا تدعني في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك { إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } إنهم محكوم عليهم بالإغراق ، وقد وجب ذلك وقضي به القضاء وجف القلم ، فلا سبيل إلى كفه ، كقوله : { يإبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبّكَ وَإِنَّهُمْ اتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ } [ هود : 76 ] .
وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39)
{ وَيَصْنَعُ الفلك } حكاية حال ماضية { سَخِرُواْ مِنْهُ } ومن عمله السفينة ، وكان يعملها في برية بهماء في أبعد موضع من الماء ، وفي وقت عزَّ الماء فيه عزة شديدة ، فكانوا يتضاحكون ويقولون له : يا نوح ، صرت نجاراً بعد ما كنت نبياً { فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ } يعني في المستقبل { كَمَا تَسْخَرُونَ } منا الساعة ، أي : نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة . وقيل : إن تستجهلونا فيما نصنع فإنا نستجهلكم فيما أنتم عليه من الكفر والتعرّض لسخط الله وعذابه ، فأنتم أولى بالاستجهال منا . أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم ، لأنكم لا تستجهلون إلا عن جهل بحقيقة الأمر ، وبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الجهلة في البعد عن الحقائق . وروي أنّ نوحاً عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين ، وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعاً ، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً ، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاثة بطون ، فحمل في البطن الأسفل : الوحوش والسباع والهوام ، وفي البطن الأوسط : الدواب والأنعام ، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد ، وحمل معه جسد آدم عليه السلام وجعله معترضاً بين الرجال والنساء ، وعن الحسن : كان طولها ألفاً ومائتي ذراع ، وعرضها ستمائة . وقيل : إنّ الحواريين قالوا لعيسى عليه السلام : لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة يحدّثنا عنها ، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب ، فأخذ كفا من ذلك التراب فقال : أتدرون من هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم . قال : هذا كعب بن حام . قال : فضرب الكثيب بعصاه فقال : قم بإذن الله ، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب فقال له عيسى عليه السلام : هكذا أهلكت؟ قال لا ، مت وأنا شاب ، ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثمت شبت . قال : حدثنا عن سفينة نوح . قال : كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع ، وعرضها ستمائة ذراع ، وكانت ثلاث طبقات : طبقة للدواب والوحوش ، وطبقة للإنس ، وطبقة للطير . ثم قال : له عد بإذن الله كما كنت ، فعاد تراباً { مَن يَأْتِيهِ } في محل النصب بتعلمون ، أي : فسوف تعلمون الذي يأتيه عذاب يخزيه ، ويعني به إياهم ، ويريد بالعذاب : عذاب الدنيا وهو الغرق { وَيَحِلُّ عَلَيْهِ } حلول الدين والحق اللازم الذي لا انفكاك له عنه { عَذَابٌ مُّقِيمٌ } وهو عذاب الآخرة . (3/86)
حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40) وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41)
{ حتى } هي التي يبتدأ بعدها الكلام ، دخلت على الجملة من الشرط والجزاء . فإن قلت : وقعت غاية لماذا؟ قلت : لقوله ويصنع الفلك ، أي : وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد ، فإن قلت : فإذا اتصلت «حتى» بيصنع فما تصنع بما بينهما من الكلام؟ قلت : هو حال من يصنع ، كأنه قال : يصنعها والحال أنه كلما مرّ عليه ملأ من قومه سخروا منه . فإن قلت : فما جواب كلما؟ قلت : أنت بين أمرين : إما أن تجعل «سخروا» جواباً و «قال» استئنافاً ، على تقدير سؤال سائل ، أو تجعل «سخروا» بدلاً من «مرّ» أو صفة «لملأ» و «قال» جواباً . { وَأَهْلَكَ } عطف على اثنين ، وكذلك { وَمَنْ ءامَنَ } يعني : واحمل أهلك والمؤمنين من غيرهم . واستثنى من أهله من سبق عليه القول أنه من أهل النار ، وما سبق عليه القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر ، لا لتقديره عليه وإرادته به - تعالى الله عن ذلك - قال الضحاك : أراد ابنه وامرأته { إِلاَّ قَلِيلٌ } روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (3/87)
( 525 ) " كانوا ثمانية : نوح وأهله ، وبنوه الثلاثة ، ونساؤهم " وعن محمد بن إسحاق : كانوا عشرة : خمسة رجال وخمس نسوة . وقيل كانوا اثنين وسبعين رجلاً وامرأة ، وأولاد نوح : سام وحام ويافث ، ونساؤهم فالجميع ثمانية وسبعون : نصفهم رجال ونصفهم نساء . ويجوز أن يكون كلاماً واحداً وكلامين؛ فالكلام الواحد : أن يتصل { بِسْمِ اللَّهِ } ب ( اركبوا ) حالا من الواو ، بمعنى : اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين بسم الله وقت إجرائها ووقت إرسائها ، إما لأن المجرى والمرسى للوقت ، وإما لأنهما مصدران كالإجراء والإرساء ، حذف منهما الوقت المضاف ، كقولهم خفوق النجم ، ومقدم الحاج . ويجوز أن يراد مكاناً الإجراء والإرساء ، وانتصابهما بما في { بِسْمِ اللَّهِ } من معنى الفعل ، أو بما فيه من إرادة القول . والكلامان : أن يكون { بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } جملة من مبتدأ وخبر مقتضبه ، أي بسم الله إجراؤها وإرساؤها . يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال : بسم الله فجرت ، وإذا أراد أن ترسو قال : بسم الله فرست ، ويجوز أن يقحم الاسم ، كقوله :
ثُمَّ اسْمُ السَّلاَمِ عَلَيْكُمَا ... ويراد : بالله إجراؤها وإرساؤها ، أي بقدرته وأمره . وقرىء : { مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } بفتح الميم ، من جرى ورسى ، إما مصدرين أو وقتين أو مكانين . وقرأ مجاهد { مجريها ومرسيها } بلفظ اسم الفاعل ، مجروري المحل ، صفتين لله . فإن قلت : ما معنى قولك : جملة مقتضبة؟ قلت : معناه أن نوحاً عليه السلام أمرهم بالركوب ، ثم أخبرهم بأن مجراها ومرساها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته . ويحتمل أن تكون غير مقتضيه بأن تكون في موضع الحال كقوله :
وَجَاؤُنَا بِهِمْ سَكَرٌ عَلَيَنا ... فلا تكون كلاماً برأسه ، ولكن فضلة من فضلات الكلام الأوّل ، وانتصاب هذه الحال عن ضمير الفلك ، كأنه قيل : اركبوا فيها مجراة ومرساة بسم الله بمعنى التقدير ، كقوله تعالى : { فادخلوها خالدين } [ الزمر : 73 ] . { إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } لولا مغفرته لذنوبكم ورحمته إياكم لما نجاكم .
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)
فإن قلت : بم اتصل قوله : { وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ } ؟ قلت : بمحذوف دل عليه { اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله } [ هود : 41 ] كأنه قيل : فركبوا فيها يقولون : بسم الله ، { وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ } أي تجري وهم فيها { فِى مَوْجٍ كالجبال } يريد موج الطوفان ، شبه كل موجة منه بالجبل في تراكمها وارتفاعها . فإن قلت : الموج : ما يرتفع فوق الماء عند اضطرابه وزخيره وكان الماء قد التقى وطبق ما بين السماء والأرض ، وكانت الفلك تجري في جوف الماء كما تسبح السمكة ، فما معنى جريها في الموج؟ قلت : كان ذلك قبل التطبيق ، وقبل أن يغمر الطوفان الجبال . ألا ترى إلى قول ابنه : سآوى إلى جبل يعصمني من الماء . قيل : كان اسم ابنه : كنعان . وقيل : يام . وقرأ علي رضي الله عنه : ابنها ، والضمير لامرأته . وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير : ابنه ، بفتح الهاء ، يريدان ابنها ، فاكتفيا بالفتحة عن الألف ، وبه ينصر مذهب الحسن . قال قتادة : سألته فقال : والله ما كان ابنه ، فقلت : إن الله حكى عنه إن ابني من أهلي ، وأنت تقول : لم يكن ابنه ، وأهل الكتاب لا يختلفون في أنه كان ابنه ، فقال : ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب ، واستدل بقوله : { مّنْ أَهْلِى } [ هود : 45 ] ولم يقل : مني ، ولنسبته إلى أمّه وجهان ، أحدهما : أن يكون ربيباً له ، كعمر بن أبي سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن يكون لغير رشدة ، وهذه غضاضة عصمت منها الأنبياء عليهم السلام . وقرأ السدي «ونادى نوح ابناه» على الندبة والترثي . أي : قال : يا ابناه . والمعزل : مفعل ، من عزله عنه إذا نحاه وأبعده ، يعني وكان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن مركب المؤمنين . وقيل : كان في معزل عن دين أبيه { يابنى } قرىء بكسر الياء اقتصاراً عليه من ياء الإضافة ، وبالفتح اقتصاراً عليه من الألف المبدلة من ياء الإضافة في قولك «يا بنيا» أو سقطت الياء والألف لالتقاء الساكنين؛ لأنّ الراء بعدهما ساكنة { إِلاَّ مَن رَّحِمَ } إلا الراحم وهو الله تعالى ، أو لا عاصم اليوم من الطوفان إلا من رحم الله أي إلا مكان من رحم الله من المؤمنين ، وكان لهم غفوراً رحيماً في قوله : { إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ هود : 41 ] وذلك أنه لما جعل الجبل عاصماً من الماء قال له : لا يعصمك اليوم معتصم قط من جبل ونحوه سوى معتصم واحد وهو مكان من رحمهم الله ونجاهم يعني السفينة . وقيل لا عاصم ، بمعنى : لاذا عصمة إلا من رحمه الله ، كقوله : { مَّاء دَافِقٍ } [ الطارق : 6 ] و { عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } [ الحاقة : 21 ] وقيل : «إلا من رحم» استثناء منقطع ، كأنه قيل : ولكن من رحمه الله فهو المعصوم ، كقوله : { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن } [ النساء : 157 ] وقرىء «إلا من رُحِم» على البناء للمفعول . (3/88)
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)
نداء الأرض والسماء بما ينادي به الحيوان المميز على لفظ التخصيص والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات وهو قوله : «يا أرض» ، «ويا سماء» ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل من قوله : «ابلعي ماءك» و «أقلعي» من الدلالة على الاقتدار العظيم ، وأن السموات والأرض وهذه الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة عليه ، كأنها عقلاء مميزون قد عرفوا عظمته وجلالته وثوابه وعقابه وقدرته على كل مقدور ، وتبينوا تحتم طاعته عليهم وانقيادهم له ، وهم يهابونه ويفزعون من التوقف دون الامتثال له والنزول على مشيئته على الفور من غير ريث ، فكما يرد عليهم أمره كان المأمور به مفعولاً لا حبس ولا إبطاء . والبلع : عبارة عن النشف . والإقلاع : الإمساك . يقال : أقلع المطر وأقلعت الحمى { وَغِيضَ الماء } من غاضه إذا نقصه { وَقُضِىَ الأمر } وأنجز ما وعد الله نوحاً من هلاك قومه { واستوت } واستقرّت السفينة { عَلَى الجودى } وهو جبل بالموصل { وَقِيلَ بُعْدًا } يقال بعد بعدا وبعدا ، إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ونحو ذلك ، ولذلك اختص بدعاء السوء ومجيء أخباره على الفعل المبني للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء ، وأنّ تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر ، وتكوين مكون قاهر ، وأنّ فاعلها فاعل واحد لا يشارك في أفعاله ، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره : يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ، ولا أن يقضي ذلك الأمر الهائل غيره ، ولا أن تستوي السفينة على متن الجودي وتستقر عليه إلا بتسويته وإقراره ، ولما ذكرنا من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤسهم ، لا لتجانس الكلمتين ، وهما قوله : «ابلعي» و «أقلعي» وذلك وإن كان لا يخلي الكلام من حسن ، فهو كغير الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللب وما عداها قشور . وعن قتادة : استقلت بهم السفينة لعشر خلون من رجب ، وكانت في الماء خمسين ومائة يوم ، واستقرت بهم على الجودي شهراً ، وهبط بهم يوم عاشوراء . وروي أنها مرت بالبيت فطافت به سبعاً ، وقد أعتقه الله من الغرق . وروي أنّ نوحاً صام يوم الهبوط وأمر من معه فصاموا شكراً لله تعالى . (3/89)
وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)
نداؤه ربه : دعاؤه له ، وهو قوله : { رَبّ } مع ما بعده من اقتضاء وعده في تنجية أهله . فإن قلت : فإذا كان النداء هو قوله : «رب» فكيف عطف «قال رب» على «نادى» بالفاء؟ قلت : أريد بالنداء إرادة النداء ، ولو أريد النداء نفسه لجاء ، كما جاء قوله : { إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً قَالَ رَبّ } [ مريم : 3 ] بغير فاء { إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى } أي بعض أهلي ، لأنه كان ابنه من صلبه ، أو كان ريبياً له فهو بعض أهله { وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق } وأن كل وعد تعده فهو الحق الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به ، وقد وعدتني أن تنجي أهلي ، فما بال ولدي؟ { وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين } أي أعلم الحكام وأعدلهم؛ لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل . ورب غريق في الجهل والجور من متقلدي الحكومة في زمانك قد لقب أقضى القضاة ، ومعناه أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر ويجوز أن يكون من الحكمة على أن يبني من الحكمة حاكم بمعنى النسبة كما قيل دارع من الدرع ، وحائض وطالق على مذهب الخليل { إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح } تعليل لانتفاء كونه من أهله . وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب ، وأنّ نسيبك في دينك ومعتقدك من الأباعد في المنصب وإن كان حبشياً وكنت قرشياً لصيقك وخصيصك . ومن لم يكن على دينك - وإن كان أمس أقاربك رحماً - فهو أبعد بعيد منك ، وجعلت ذاته عملاً غير صالح ، مبالغة في ذمّه ، كقولها : (3/90)
فَإنَّمَا هي إقْبَالٌ وَإدْبَارُ ... وقيل : الضمير لنداء نوح ، أي : إنّ نداءك هذا عمل غير صالح وليس بذاك - فإن قلت : فهلا قيل : إنه عمل فاسد؟ قلت : لما نفاه عن أهله ، نفى عنه صفتهم بكلمة النفي التي يستبقي معها لفظ المنفي ، وآذن بذلك أنه إنما أنجى من أنجى من أهله لصلاحهم ، لا لأنهم أهلك وأقاربك . وإنّ هذا لما انتفى عنه الصلاح لم تنفعه أبوّتك ، كقوله : { كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صالحين فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِينَا عَنْهُمَا مِنَ الله شَيْئاً } [ التحريم : 10 ] وقرىء : «عمل غير صالح» أي عمل عملا غير صالح . وقرىء : «فلا تسئلنّ» بكسر النون بغير ياء الإضافة وبالنون الثقيلة بياء وبغير ياء ، يعني فلا تلتمس مني ملتمساً أو التماساً لا تعلم أصواب هو أم غير صواب ، حتى تقف على كنهه . وذكر المسألة دليل على أنّ النداء كان قبل أن يغرق حين خاف عليه . فإن قلت : لم سمي نداؤه سؤالاً ولا سؤال فيه؟ قلت : قد تضمن دعاؤه معنى السؤال وإن لم يصرح به ، لأنه إذا ذكر الموعد بنجاة أهله في وقت مشارفة ولده الغرق فقد استنجز . وجعل سؤال ما لا يعرف كنهه جهلاً وغباوة ، ووعظه أن لا يعود إليه وإلى أمثاله من أفعال الجاهلين .
فإن قلت : قد وعده أن ينجي أهله ، وما كان عنده أن ابنه ليس منهم ديناً ، فلما أشفى على الغرق تشابه عليه الأمر ، لأن العدة قد سبقت له وقد عرف الله حكيماً لا يجوز عليه فعل القبيح وخلف الميعاد ، فطلب إماطة الشبهة وطلبُ إماطة الشبهة واجب ، فلم زجر وسمي سؤاله جهلاً؟ قلت : إن الله عز وعلا قدّم له الوعد بإنجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم ، فكان عليه أن يعتقد أن في جملة أهله من هو مستوجب للعذاب لكونه غير صالح ، وأن كلهم ليسوا بناجين ، وأن لا تخالجه شبهة حين شارف ولده الغرق في أنه من المستثنين لا من المستثنى منهم ، فعوتب على أن اشتبه عليه ما يجب أن لا يشتبه . (3/91)
قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47)
{ أَنْ أَسْأَلَكَ } من أن أطلب منك في المستقبل ما لا علم لي بصحته ، تأدباً بأدبك واتعاظاً بموعظتك { وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى } ما فرط مني من ذلك { وَتَرْحَمْنِى } بالتوبة عليّ { أَكُن مّنَ الخاسرين } أعمالاً . (3/92)
قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)
وقرىء : «يا نوح اهبط» بضم الباء { بسلام مّنَّا } مسلماً محفوظاً من جهتنا أو مسلماً عليك مكرّماً { وبركات عَلَيْكَ } ومباركاً عليك ، والبركات الخيرات النامية . وقرىء : «وبركة» على التوحيد { وعلى أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ } يحتمل أن تكون من للبيان . فيراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة؛ لأنهم كانوا جماعات . أو قيل لهم أمم ، لأنّ الأمم تتشعب منهم ، وأن تكون لإبتداء الغاية أي : على أمم ناشئة ممن معك ، وهي الأمم إلى آخر الدهر وهو الوجه . وقوله : { وَأُمَمٌ } رفع بالابتداء . و { سَنُمَتّعُهُمْ } صفة ، والخبر محذوف تقديره : وممن معك أمم سنمتعهم ، وإنما حذف لأنّ قوله : { مّمَّن مَّعَكَ } يدل عليه والمعنى : أنّ السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشؤون ممن معك ، وممن معك أمم ممتعون بالدنيا منقلبون إلى النار ، وكان نوح عليه السلام أبا الأنبياء ، والخلق بعد الطوفان منه وممن كان معه في السفينة . وعن محمد بن كعب القرظي : دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة ، وفيما بعده من المتاع والعذاب كل كافر . وعن ابن زيد : هبطوا والله عنهم راض ثم أخرج منهم نسلا ، منهم من رحم ومنهم من عذب وقيل : المراد بالأمم الممتعة : قوم هود وصالح ولوط وشعيب . (3/93)
تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)
{ تِلْكَ } إشارة إلى قصة نوح عليه السلام . ومحلها الرفع على الابتداء ، والجمل بعدها أخبار ، أي تلك القصة بعض أنباء الغيب موحاة إليك ، مجهولة عندك وعند قومك { مّن قَبْلِ هذا } من قبل إيحائي إليك وإخبارك بها . أو من قبل هذا العلم الذي كسبته بالوحي . أو من قبل هذا الوقت { فاصبر } على تبليغ الرسالة وأذى قومك ، كما صبر نوح وتوقع في العاقبة لك ولمن كذبك نحو ما قيض لنوح ولقومه { إِنَّ العاقبة } في الفوز والنصر والغلبة { لّلْمُتَّقِينَ } وقوله : { وَلاَ قَوْمُكَ } معناه : إنّ قومك الذين أنت منهم على كثرتهم ووفور عددهم إذا لم يكن ذلك شأنهم ولا سمعوه ولا عرفوه ، فكيف برجل منهم كما تقول لم يعرف هذا عبد الله ولا أهل بلده . (3/94)
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)
{ أخاهم } واحداً منهم ، وانتصابه للعطف على أرسلنا نوحا ، و { هُودًا } عطف بيان . و { غَيْرُهُ } بالرفع : صفة على محل الجار والمجرور . وقرىء : «غيره» ، بالجرّ صفة على اللفظ { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ } تفترون على الله الكذب باتخاذكم الأوثان له شركاء . ما من رسول إلا واجه قومه بهذا القول ، لأنّ شأنهم النصيحة ، والنصيحة لا يمحصها ولا يمحضها إلا حسم المطامع ، وما دام يتوهم شيء منها لم تنجع ولم تنفع { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } إذ تردّون نصيحة من لا يطلب عليها أجراً إلا من الله . وهو ثواب الآخرة ، ولا شيء أنفى للتهمة من ذلك ، قيل { استغفروا رَبَّكُمْ } آمنوا به { ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } من عبادة غيره ، لأن التوبة لا تصلح إلا بعد الإيمان ، والمدرار : الكثير الدرور ، كالمغزار . وإنما قصد استمالتهم إلى الإيمان وترغيبهم فيه بكثرة المطر وزيادة القوّة؛ لأنّ القوم كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات ، حرّاصاً عليها أشد الحرص ، فكانوا أحوج شيء إلى الماء . وكانوا مدلين بما أوتوا من شدّة القوّة والبطش والبأس والنجدة ، مستحرزين بها من العدوّ ، مهيبين في كل ناحية . وقيل : أراد القوّة في المال وقيل : القوّة على النكاح وقيل : حبس عنهم القطر ثلاث سنين وعقمت أرحام نسائهم . وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه وفد على معاوية ، فلما خرج تبعه بعض حجابه فقال : إني رجل ذو مال ولا يولد لي ، فعلمني شيئاً لعلّ الله يرزقني ولداً ، فقال : عليك بالاستغفار ، فكان يكثر الاستغفار حتى ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرة ، فولد له عشرة بنين ، فبلغ ذلك معاوية فقال : هلا سألته ممَّ قال ذلك ، فوفد وفدة أخرى ، فسأله الرجل فقال : ألم تسمع قول هود عليه السلام { وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ } وقول نوح عليه السلام : { وَيُمْدِدْكُمْ بأموال وَبَنِينَ } [ نوح : 12 ] { وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ } ولا تعرضوا عني وعما أدعوكم إليه وأُرغبكم فيه { مُّجْرِمِينَ } مصرّين على إجرامكم وآثامكم . (3/95)