صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الكشاف |
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)
الأسى : شدّة الحزن . قال العَجَّاجُ : (2/258)
وانحلبت عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الأَسَى ... اشتدّ حزنه على قومه ثم أنكر على نفسه فقال : فكيف يشتدّ حزني على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم واستحقاقهم ما نزل بهم ويجوز أن يريد لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير مما حلّ بكم فلم تسمعوا قولي ولم تصدّقوني فكيف آسي عليكم يعني أنه لا يأسى عليهم لأنهم ليسوا أحقاء بالأسى . وقرأ يحيى ابن وَثَّاب : «فكيف إيسى» ، بكسر الهمزة .
وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)
{ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأساء } بالبؤس والفقر { والضراء } بالضرّ والمرض لاستبكارهم عن اتباع نبيهم وتعززهم عليه { لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ } ليتضرعوا ويتذللوا ويحطوا أردية الكبر والعزة { ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة } أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة والرخاء والصحة والسعة كقوله : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } [ الأعراف : 168 ] { حتى عَفَواْ } كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم ، من قولهم : عفا النبات وعفا الشحم والوبر ، إذا كثرت . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : (2/259)
( 397 ) « واعفوا عن اللحى » ، وقال الحطيئة :
بِمُسْتَأْسِدِ القِرْيَان عَافَ نَبَاتُهُ ... وقال :
وَلَكِنَّا نَعُضُّ السَّيْفَ مِنْهَا ... بِأَسْوَقَ عَافِيَاتِ الشّحْمِ كُومِ
{ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا الضراء والسراء } يعني وأبطرتهم النعمة وأشروا فقالوا : هذه عادة الدهر ، يعاقب في الناس بين الضراء والسراء . وقد مسّ آباؤنا نحو ذلك ، وما هو بابتلاء من الله لعباده ، فلم يبق بعد ابتلائهم بالسيئات والحسنات إلاّ أن نأخذهم بالعذاب { فأخذناهم } أشدّ الأخذ وأفظعه ، وهو أخذهم فجأة من غير شعور منهم .
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)
اللام في القرى : إشارة إلى القرى التي دلّ عليها قوله : { وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ } [ الأعراف : 94 ] كأنه قال : ولو أنّ أهل تلك القرى الذين كذبوا وأهلكوا { ءامَنُواْ } بدل كفرهم { واتقوا } المعاصي مكان ارتكابها { لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مّنَ السماء والأرض } لآتيناهم بالخير من كل وجه . وقيل : أراد المطر والنبات { ولكن كَذَّبُواْ فأخذناهم } بسوء كسبهم ويجوز أن تكون اللام في القرى للجنس . فإن قلت : ما معنى فتح البركات عليهم؟ قلت : تيسيرها عليهم كما ييسر أمر الأبواب المستغلقة بفتحها . ومنه قولهم : فتحت على القارىء إذا تعذرت عليه القراءة فيسرتها عليه بالتلقين . (2/260)
أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98)
البيات يكون بمعنى البيتوتة . يقال : بات بياتاً . ومنه قوله تعالى : { فَجَاءهَا بَأْسُنَا بياتا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } [ الأعراف : 4 ] وقد يكون بمعنى : التبييت ، كالسلام بمعنى التسليم . يقال : بيته العدو بياتاً ، فيجوز أن يراد : أن يأتيهم بأسنا بائتين ، أو وقت بيات ، أو مبيتاً ، أو مبيتين ، أو يكون بمعنى تبييتاً ، كأنه قيل : أن يبيتهم بأسنا بياتاً . و { ضُحًى } نصب على الظرف . يقال : أتانا ضحى ، وضحيا ، وضحاء والضحى - في الأصل - اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت . والفاء والواو في { أَفَأَمِنَ } و { أَوَ أَمِنَ } حرفا عطف دخلت عليهما همزة الإنكار . فإن قلت : ما المعطوف عليه؟ ولم عطفت الأولى بالفاء والثانية بالواو؟ قلت : المعطوف عليه قوله : { فأخذناهم بَغْتَةً } وقوله : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى } [ الأعراف : 96 ] إلى { يَكْسِبُونَ } وقع اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه ، وإنما عطف بالفاء ، لأنّ المعنى : فعلوا وصنعوا فأخذناهم بغتة أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى؟ وقرىء : أو أمن على العطف بأو { وَهُمْ يَلْعَبُونَ } يشتغلون بما لا يجدي عليهم كأنهم يلعبون . (2/261)
أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)
فإن قلت : فلم رجع فعطف بالفاء قوله : { أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله } ؟ قلت : هو تكرير لقوله : { أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى } [ الأعراف : 97 ] ومكر الله : استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ، ولاستدراجه . فعلى العاقل أن يكون في خوفه من مكر الله ، كالمحارب الذي يخاف من عدوّه الكمين والبيات والغيلة . وعن الربيع بن خثيم : أن ابنته قالت له : ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام ، فقال : يا بنتاه ، إنّ أباك يخاف البيات ، أراد قوله : { أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بياتا } . (2/262)
أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (100)
إذا قرىء : «أو لم يهد» بالياء كان { أَن لَّوْ نَشَاء } مرفوعاً بأنه فاعله بمعنى : أو لم يهد للذين يخلفون ، من خلا قبلهم في ديارهم ويرثون أرضهم هذا الشأن ، وهو أنّا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ، كما أصبنا من قبلهم ، وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا المورّثين . وإذا قرىء بالنون ، فهو منصوب كأنه قيل : أو لم يهد الله للوارثين هذا الشأن بمعنى : أو لم نبين لهم أنا { لَّوْ نَشَاء أصبناهم بِذُنُوبِهِمْ } كما أصبنا من قبلهم . وإنما عدّى فعل الهداية باللام لأنه بمعنى التبيين . فإن قلت بم تعلق قوله تعالى : { وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ } ؟ قلت : فيه أوجه ، أن يكون معطوفاً على ما دلّ عليه معنى { أَوَ لَمْ يَهْدِ } كأنه قيل : يغفلون عن الهداية ، ونطبع على قلوبهم . أو على يرثون الأرض أو يكون منقطعاً بمعنى : ونحن نطبع على قلوبهم . فإن قلت : هل يجوز أن يكون { وَنَطْبَعُ } بمعنى وطبعنا ، كما [ كان ] { لَّوْ نَشَاء } بمعنى : لو شئنا ، ويعطف على أصبناهم؟ قلت : لا يساعد عليه المعنى؟ لأن القوم كانوا مطبوعاً على قلوبهم موصوفين بصفة من قبلهم من اقتراف الذنوب والإصابة بها . وهذا التفسير يؤدي إلى خلوهم عن هذه الصفة ، وأن الله تعالى لو شاء لاتصفوا بها . (2/263)
تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101)
{ تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا } كقوله : { هذا بَعْلِى شَيْخًا } [ هود : 72 ] في أنه مبتدأ وخبر وحال ويجوز أن يكون { القرى } صفة لتلك و { نَقُصُّ } خبراً ، وأن يكون { القرى نَقُصُّ } خبر بعد خبر . فإن قلت : ما معنى : { تِلْكَ القرى } حتى يكون كلاماً مفيداً؟ قلت : هو مفيد ، ولكن بشرط التقييد بالحال كما يفيد بشرط التقييد بالصفة في قولك : هو الرجل الكريم . فإن قلت : ما معنى الإخبار عن القرى بنقص عليك من أنبائها؟ قلت : معناه : أن تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أنبائها ولها أنباء غيرها لم نقصها عليك { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } عند مجيء الرسل بالبينات بما كذبوه من آيات الله من قبل مجيء الرسل أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذبوا به أوّلاً حين جاءتهم الرسل ، أي استمروا على التكذيب من لدن مجيء الرسل إليهم إلى أن ماتوا مصرين ، لا يرعوون ولا تلين شكيمتهم في كفرهم وعنادهم مع تكرار المواعظ عليهم وتتابع الآيات . ومعنى اللام تأكيد النفي وأنّ الإيمان كان منافياً لحالهم في التصميم على الكفر . وعن مجاهد : هو كقوله : { وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } [ الأنعام : 28 ] . { كَذَلِكَ } مثل ذلك الطبع الشديد نطبع على قلوب الكافرين . (2/264)
وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)
{ وَمَا وَجَدْنَا لاِكْثَرِهِم مّنْ عَهْدٍ } الضمير للناس على الإطلاق ، أي وما وجدنا لأكثر الناس من عهد يعني أنّ أكثرهم نقض عهد الله وميثاقه في الإيمان والتقوى { وَإِن وَجَدْنَا } وإنّ الشأن والحديث وجدنا أكثرهم فاسقين ، خارجين عن الطاعة مارقين . والآية اعتراض . ويجوز أن يرجع الضمير إلى الأمم المذكورين ، وأنهم كانوا إذا عاهدوا الله في ضرّ ومخافة ، لئن أنجيتنا لنؤمننّ ، ثم نجّاهم نكثوا كما قال قوم فرعون لموسى عليه السلام : { لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ } إلى قوله : { إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ } [ الأعراف : 135 ] والوجود بمعنى العلم من قولك : وجدت زيداً ذا الحفاظ ، بدليل دخول «إن» المخففة واللام الفارقة . ولا يسوغ ذلك إلاّ في المبتدإ والخبر . والأفعال الداخلة عليهما . (2/265)
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105)
{ مّن بَعْدِهِمْ } الضمير للرسل في قوله : { وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم } [ الأعراف : 101 ] أو للأمم { فَظَلَمُواْ بها } فكفروا بآياتنا . أجرى الظلم مجرى الكفر لأنهما من وادٍ واحد { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] أو فظلموا الناس بسببها حين أوعدوهم وصدّوهم عنها ، وآذوا من آمن بها ، ولأنه إذا وجب الإيمان بها فكفروا بدل الإيمان كان كفرهم بها ظلماً ، فلذلك قيل : فظلموا بها ، أي : كفروا بها واضعين الكفر غير موضعه ، وهو موضع الإيمان . يقال : لملوك مصر : الفراعنة ، كما يقال لملوك فارس : الأكاسرة ، فكأنه قال : يا ملك مصر وكان اسمه قابوس . وقيل : الوليد بن مصعب بن الريان { حَقِيقٌ عَلَىَّ أَنْ ا أَقُولَ عَلَى الله إِلاَّ الحق } فيه أربع قراآت ، المشهورة : «وحقيق عليّ أن لا أقول» ، وهي قراءة نافع : «وحقيق أن لا أقول» وهي قراءة عبد الله : «وحقيق بأن لا أقول» وهي قراءة أبيّ وفي المشهورة إشكال ، ولا تخلو من وجوه ، أحدها : أن تكون مما يقلب من الكلام لأمن الإلباس ، كقوله : (2/266)
وَتَشْقَى الرِّمَاحُ بِالضَّيَاطِرَةِ الْحُمْرِ ... ومعناه : وتشقى الضياطرة بالرماح «وحقيق عليّ أن لا أقول» وهي قراءة نافع . والثاني : أنّ ما لزمك فقد لزمته ، فلما كان قول الحق حقيقاً عليه كان هو حقيقاً على قول الحق ، أي لازماً له . والثالث : أن يضمن { حَقِيقٌ } معنى حريص ، كما ضمن «هيجني» معنى ذكرني في بيت الكتاب . والرابع : - وهو الأوجه - الأدخل في نكت القرآن : أن يغرق موسى في وصف نفسه بالصدق في ذلك المقام لا سيما وقد روى أنّ عدو الله فرعون قال له - لما قال : { إِنّى رَسُولٌ مّن رَّبّ العالمين } كذبت ، فيقول : أنا حقيق عليَّ قول الحق أي واجب على قول الحق أن أكون أنا قائله والقائم به ، ولا يرضى إلاّ بمثلي ناطقاً به { فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إسراءيل } فخلهم حتى يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدّسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم ، وذلك أن يوسف عليه السلام لما توفي وانقرضت الأسباط ، غلب فرعون نسلهم واستعبدهم ، فأنقذهم الله بموسى عليه السلام ، وكان بين اليوم الذي دخل يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام .
قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108)
فإن قلت : كيف قال له : { فَأْتِ بِهَا } بعد قوله : { قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بآية } ؟ قلت : معناه إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فأتني بها وأحضرها عندي لتصحّ دعواك ويثبت صدقك { ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } ظاهر أمره لا يشك في أنه ثعبان . وروى أنه كان ثعباناً ذكراً أشعر فاغراً فاه بين لحييه ثمانون ذراعاً ، وضع لحيه الأسفل في الأرض ولحية الأعلى على سور القصر ، ثم توجه نحو فرعون ليأخذه فوثب فرعون من سريره وهرب ، وأحدث ولم يكن أحدث قبل ذلك ، وهرب الناس وصاحوا ، وحمل على الناس فانهزموا فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً قتل بعضهم بعضاً ، ودخل فرعون البيت وصاح : يا موسى ، خذه وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل ، فأخذه موسى فعاد عصى . فإن قلت : بم يتعلق { للناظرين } ؟ قلت : يتعلق ببيضاء . والمعنى : فإذا هي بيضاء للنظارة ولا تكون بيضاء للنظارة إلاّ إذا كان بياضا عجيباً خارجاً عن العادة ، يجتمع الناس للنظر إليه كما تجتمع النظارة للعجائب ، وذلك ما يروى : أنه أرى فرعون يده وقال : ما هذه؟ قال : يدك ، ثم أدخلها جيبه وعليه مدرعة صوف ونزعها ، فإذا هي بيضاء بياضاً نورانياً غلب شعاعها شعاع الشمس ، وكان موسى عليه السلام آدم شديد الأدمة . (2/267)
قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112)
{ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ } أي عالم بالسحر ماهر فيه ، قد أخذ عيون الناس بخدعة من خدعه ، حتى خيل إليهم العصى حية ، والآدم أبيض . فإن قلت : قد عزى هذا الكلام إلى فرعون في سورة الشعراء ، وأنه قاله للملأ وعُزي ههنا إليهم قلت قد قاله هو وقالوه هم ، فحكى قوله ثم وقولهم ههنا : أو قاله ابتداء فتلقته منه الملأ ، فقالوه لأعقابهم . أو قالوه عنه للناس على طريق التبليغ ، كما يفعل الملوك يرى الواحد منهم الرأي فيكلم به من يليه من الخاصة ثم تبلغه الخاصة العامة . والدليل عليه أنهم أجابوه في قولهم : { أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى المدائن حاشرين يَأْتُوكَ بِكُلّ ساحر عَلِيمٍ } . وقرىء : «سحار» ، أي يأتوك بكل ساحر مثله في العلم والمهارة : أو بخير منه . وكانت هذه مؤامرة مع القبط . وقولهم : { فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } من أمرته فأمرني بكذا إذا شاورته فأشار عليك برأي . وقيل : قال فماذا تأمرون؟ من كلام فرعون ، قاله للملأ لما قالوا له : إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم ، كأنه قيل [ قال ] : فماذا تأمرون؟ قالوا : أرجئه وأخاه ، ومعنى أرجئه وأخاه : أخرهما وأصدرهما عنك ، حتى ترى رأيك فيهما وتدبر أمرهما . وقيل : احبسهما . وقرىء : أرجئه ، بالهمزة : «وأرجه» ، من أرجاءه وأرجاه . (2/268)
وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)
فإن قلت : هلا قيل : وجاء السحرة فرعون فقالوا : قلت : هو على تقدير سائل سأل : ما قالوا إذ جاؤه؟ فأجيب بقوله : { قَالُواْ أإنّ لَنَا لأجْرًا } أي جعلا على الغلبة : وقرىء : «إن لنا لأجراً» على الإخبار وإثبات الأجر العظيم وإيجابه : كأنهم قالوا : لا بد لنا من أجر ، والتنكير للتعظيم ، كقول العرب : إنّ له لإبلاً ، وإنّ له لغنما ، يقصدون الكثرة . فإن قلت : { وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين } ما الذي عطف عليه؟ قلت : هو معطوف على محذوف سدّ مسدّه حرف الأيجاب ، كأنه قال إيجاباً لقولهم : إن لنا لأجراً : نعم إنّ لكم لأجراً ، وإنكم لمن المقرّبين ، أراد : إني لأقتصر بكم على الثواب وحده ، وإنّ لكم مع الثواب ما يقل معه الثواب ، وهو التقريب والتعظيم ، لأنّ المثاب إنما يتهنأ بما يصل إليه ويغتبط به إذا نال معه الكرامة والرفعة . وروي أنه قال لهم : تكونون أول من يدخل وآخر من يخرج . وروى : أنه دعا برؤساء السحرة ومعلميهم فقال لهم : ما صنعتم؟ قالوا قد علمنا سحراً لا يطيقه سحرة أهل الأرض ، إلاّ أن يكون أمراً من السماء فإنه لا طاقة لنا به . وروي أنهم كانوا ثمانين ألفاً . وقيل : سبعين ألفاً وقيل : بضعة وثلاثين ألفاً . واختلفت الروايات فمن مقل ومن مكثر . وقيل : كان يعلمهم مجوسيان من أهل نينوى . وقيل : قال فرعون : لا نغالب موسى إلاّ بما هو منه ، يعني السحر . (2/269)
قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122)
تخييرهم إياه أدب حسن راعوه معه ، كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا كالمتناظرين ، قبل أن يتخاوضوا في الجدال ، والمتصارعين قبل أن يتآخذوا للصراع . وقولهم : { وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين } فيه ما يدلّ على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر ، أو تعريف الخبر وإقحام الفصل ، وقد سوّغ لهم موسى ما تراغبوا فيه ازدراء لشأنهم ، وقلة مبالاة بهم . وثقة بما كان بصدده من التأييد السماوي ، وأن المعجزة لن يغلبها سحر أبداً { سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس } أروها بالحيل والشعوذة وخيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه ، كقوله تعالى : { يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى } [ طه : 66 ] . روي : أنهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً ، فإذا هي أمثال الحيات ، قد ملأت الأرض وركب بعضها بعضاً { واسترهبوهم } وأرهبوهم إرهاباً شديداً ، كأنهم استدعوا رهبتهم { بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } في باب السحر . روي أنهم لونوا حبالهم وخشبهم وجعلوا فيها ما يوهم الحركة . قيل : جعلوا فيها الزئبق { مَا يَأْفِكُونَ } ما موصولة أو مصدرية ، بمعنى : ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه تسمية للمأفوك بالإفك روي أنها لما تلقفت ملىء الوادي من الخشب والحبال رفعها موسى . أوإفكهم فرجعت عصى كما كانت ، وأعدم الله بقدرته تلك الأجرام العظيمة أو فرّقها أجزاء لطيفة قالت للسحرة : لو كان هذا سحراً لبقيت حبالنا وعصينا { فَوَقَعَ الحق } فحصل وثبت . ومن بدع التفاسير : فوقع قلوبهم ، أي فأثر فيها من قولهم . قاس وقيع { وانقلبوا صاغرين } وصاروا أذلاء مبهوتين { وَأُلْقِىَ السحرة } وخرّوا سجداً : كأنما ألقاهم ملق لشدّة خرورهم . وقيل : لم يتمالكوا مما رأوا ، فكأنهم ألقوا . وعن قتادة : كانوا أول النهار كفاراً سحرة؛ وفي آخره شهداء بررة . وعن الحسن : تراه ولد في الإسلام ونشأ بين المسلمين يبيع دينه بكذا ، وكذا ، وهؤلاء كفار نشأوا في الكفر ، بذلوا أنفسهم لله . (2/270)
قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124)
{ ءَامَنْتُمْ بِهِ } على الإخبار ، أي فعلتم هذا الفعل الشنيع ، توبيخاً لهم وتقريعاً . وقرىء : «أآمنتم» ، بحرف الاستفهام ، ومعناه الإنكار والاستبعاد { إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى المدينة } إن صنعكم هذا لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا إلى هذه الصحراء قد تواطأتم على ذلك لغرض لكم ، وهو أن تخرجوا منها القبط وتسكنوها بني إسرائيل ، وكان هذالكلام من فرعون تمويهاً على الناس لئلا يتبعوا السحرة في الإيمان . وروي أن موسى عليه السلام قال للساحر الأكبر : أتؤمن بي إن غلبتك؟ قال : لآتين بسحر لا يغلبه سحر . وإن غلبتني لأومنن بك ، وفرعون يسمع ، فلذلك قال ما قال : { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } وعيد أجمله ثم فصله بقوله : { لأُقَطّعَنَّ } وقرىء : «لأقطعن» بالتخفيف ، وكذلك { ثُمَّ لأُصَلّبَنَّكُمْ } { مّنْ خلاف } من كل شقّ طرفاً . وقيل : إن أوّل من قطع من خلاف وصلب لفرعون . (2/271)
قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126)
{ إِنَّا إلى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ } فيه أوجه ، أن يريدوا : إنا لا نبالي بالموت لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته وخلاصنا منك ومن لقائك . أو ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب ، أو إنا جميعاً يعنون أنفسهم وفرعون ننقلب إلى الله فيحكم بيننا ، أو إنا لا محالة ميتون منقلبون إلى الله ، فما تقدر أن تفعل بنا إلاّ ما لا بدّ لنا منه { وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ ءامَنَّا } وما تعيب منا إلاّ الإيمان بآيات الله ، أرادوا : وما تعيب منا إلاّ ما هو أصل المناقب والمفاخر كلها ، وهو الإيمان . ومنه قوله : (2/272)
وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... { أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } هب لنا صبراً واسعاً وأكثره علينا ، حتى يفيض علينا ويغمرنا ، كما يفرغ الماء فراغاً ، وعن بعض السلف : إن أحدكم ليفرغ على أخيه ذنوباً ثم يقول : قد مازحتك ، أي يغمره بالحياء ، والخجل . أو صبّ علينا ما يطهرنا من أوضار الآثام ، وهو الصبر على ما توعدنا به فرعون ، لأنهم علموا أنهم إذا استقاموا وصبروا كان ذلك مطهرة لهم { وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } ثابتين على الإسلام .
وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)
{ وَيَذَرَكَ } عطف على { لِيُفْسِدُوا } لأنه إذا تركهم ولم يمنعهم ، وكان ذلك مؤدّياً إلى ما دعوه فساداً وإلى تركه وترك آلهته ، فكأنه تركهم لذلك . أو هو جواب للاستفهام بالواو كما يجاب بالفاء ، نحو قول الحطيئة : (2/273)
أَلَمْ أَكُ جَارَكُمْ وَيَكُونُ بَيْنِي ... وَبَيْنَيكُمُ المْمَوَدَّةُ وَالإخَاءُ
والنصب بإضمار «أن» تقديره : أيكون منك ترك موسى ، ويكون تركه إياك وآلهتك . وقرىء : ( ويذرك وآلهتك ) بالرفع عطفاً على أتذر موسى ، بمعنى : أتذره وأيذرك ، يعني : تطلق له ذلك . أو يكون مستأنفاً أو حالاً على معنى : أتذره وهو يذرك وآلهتك . وقرأ الحسن : ( ويذرك ) بالجزم ، كأنه قيل : يفسدوا ، كما قرىء : { وَأَكُن مّنَ الصالحين } [ المنافقون : 10 ] كأنه قيل : «أصدّق» . وقرأ أنس رضي الله عنه : «ونذرك» ، بالنون والنصب ، أي يصرفنا عن عبادتك فنذرها . وقرىء : «ويذرك وإلاهتك» ، أي عبادتك . وروي : أنهم قالوا له ذلك ، لأنه وافق السحرة على الإيمان ستمائة ألف نفس ، فأرادوا بالفساد في الأرض ذلك وخافوا أن يغلبوا على الملك ، وقيل : صنع فرعون لقومه أصناماً وأمرهم أن يعبدوها تقرباً إليه كما يعبد عبدة الأصنام الأصنام ، ويقولون : ليقربونا إلى الله زلفى ، ولذلك قال : أنا ربكم الأعلى { سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ } يعني سنعيد عليهم ما كنا محناهم به من قتل الأبناء ، ليعلموا أنا على ما كنا عليه من الغلبة والقهر ، وأنهم مقهورون تحت أيدينا كما كانوا ، وأن غلبة موسى لا أثر لها في ملكنا واستيلائنا ، ولئلا يتوهم العامة أنه هو المولود الذي أخبر المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يده ، فيثبطهم ذلك عن طاعتنا ويدعوهم إلى اتباعه ، وأنه منتظر بعد .
قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)
{ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ استعينوا بالله } قال لهم ذلك - حين قال فرعون : سنقتل أبناءهم فجزعوا منه وتضجروا - يسكنهم ويسلبهم ، ويعدهم النصرة عليهم ، ويذكر لهم ما وعد الله بني إسرائيل من إهلاك القبط وتوريثهم أرضهم وديارهم . فإن قلت : لم أخليت هذه الجملة عن الواو وأدخلت على التي قبلها؟ قلت : هي جملة مبتدأة مستأنفة . وأمّا { وَقَالَ الملا } [ الأعراف : 127 ] فمعطوفة على ما سبقها من قوله : { قَالَ الملا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ } وقوله : { إِنَّ الأرض للَّهِ } يجوز أن تكون اللام للعهد ويراد أرض مصر خاصة ، كقوله : { وَأَوْرَثَنَا الأرض } [ الزمر : 74 ] وأن تكون للجنس فيتناول أرض مصر لأنها من جنس الأرض ، كما قال ضمرة : إنما المرء بأصغريه ، فأراد بالمرء الجنس ، وغرضه أن يتناوله تناولاً أولياً { والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ } بشارة بأن الخاتمة المحمودة للمتقين منهم ومن القبط ، وأن المشيئة متناولة لهم . وقرأ : «والعاقبة للمتقين» بالنصب : أبيّ وابن مسعود ، عطفاً على الأرض . (2/274)
{ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } يعنون قتل أبنائهم قبل مولد موسى عليه السلام إلى أن استنبئى ، وإعادته عليهم بعد ذلك ، وما كانوا يستعبدون به ويمتهنون فيه من أنواع الخدم والمهن ويمسون به من العذاب { عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ } تصريح بما رمز إليه من البشارة قبل . وكشف عنه ، وهو إهلاك فرعون واستخلافهم بعده في أرض مصر { فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } فيرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبيحه وشكر النعمة وكفرانها ، ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم . وعن عمرو بن عبيد رحمه الله أنه دخل على المنصور قبل الخلافة وعلى مائدته رغيف أو رغيفان ، فطلب زيادة لعمرو فلم توجد ، فقرأ عمرو هذه الآية ، ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك وقال : قد بقي فينظر كيف تعملون .
وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130)
{ بالسنين } بسني القحط . و «السنة» من الأسماء الغالبة كالدابة والنجم ونحو ذلك ، وقد اشتقوا منها فقالوا : أسنت القوم بمعنى : أقحطوا . وقال ابن عباس رضي الله عنه : أما السنون فكانت لباديتهم وأهل مواشيهم . وأمّا نقص الثمرات فكان في أمصارهم . وعن كعب : يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة إلاّ تمرة { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } فيتنبهوا على أن ذلك لإصرارهم على الكفر وتكذيبهم لآيات الله ، ولأن الناس في حال الشدّة أضرع خدوداً وألين أعطافاً وأرق أفئدة . وقيل : عاش فرعون أربعمائة سنة ولم ير مكروهاً في ثلثمائة وعشرين سنة ، ولو أصابه في تلك المدّة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية . (2/275)
فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131)
{ فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة } من الخصب والرخاء { قَالُواْ لَنَا هذه } أي هذه مختصة بنا ونحن مستحقوها ولم نزل في النعمة والرفاهية ، واللام مثلها في قولك . الجل للفرس { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } من ضيقة وجدب { يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ } يتطيروا بهم ويتشاءموا ويقولوا : هذه بشؤمهم ، ولولا مكانهم لما أصابتنا ، كما قالت الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذه من عندك . فإن قلت : كيف قيل فإذا جاءتهم الحسنة بإذا وتعريف الحسنة ، وإن تصبهم سيئة بإن وتنكير السيئة؟ قلت : لأنّ جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه . وأمّا السيئة فلا تقع إلاّ في الندرة ، ولا يقع إلاّ شيء منها . ومنه قول بعضهم : قد عددت أيام البلاء ، فهل عددت أيام الرخاء { طَائِرُهُمْ عِندَ الله } أي سبب خيرهم وشرهم عند الله ، وهو حكمه ومشيئته ، والله هو الذي يشاء ما يصيبهم من الحسنة والسيئة ، وليس شؤم أحد ولا يمنه بسبب فيه ، كقوله تعالى : { قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله } [ النساء : 78 ] ويجوز أن يكون معناه : ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوءهم لأجله ، ويعاقبون له بعد موتهم بما وعدهم الله في قوله سبحانه : { النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا } [ غافر : 46 ] الآية . ولا طائر أشأم من هذا . وقرأ الحسن : «إنما طيركم عند الله» ، وهو اسم لجمع طائر غير تكسير ، ونظيره : التجر ، والركب . وعند أبي الحسن : هو تكسير . (2/276)
وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133)
{ مَهْمَا } هي «ما» المضمنة معنى الجزاء ، ضمت إليها «ما» المزيدة المؤكدة للجزاء في قولك : متى ما تخرج أخرج ، { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت } [ النساء : 78 ] ، { فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ } [ الزخرف : 41 ] إلاّ أنّ الألف قلبت هاء استثقالاً لتكرير المتجانسين وهو المذهب السديد البصري ، ومن الناس من زعم أن «مه» هي الصوت الذي يصوت به الكاف ، و { مَا } للجزاء ، كأنه قيل : كف ما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين . فإن قلت : ما محل مهما؟ قلت : الرفع بمعنى : أيما شيء تأتنا به . أو النصب ، بمعنى : أيما شيء تحضرنا تأتنا به . ومن آية : تبيين لمهما . والضميران في { بِهِ } و { بِهَا } راجعان إلى مهما ، إلاّ أنّ أحدهما ذكر على اللفظ ، والثاني أنث على المعنى ، لأنه في معنى الآية . ونحوه قول زهير : (2/277)
وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِيءٍ مِنْ خَلِيقَة ... وَإنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ
وهذه الكلمة في عداد الكلمات التي يحرفها من لا يد له في علم العربية ، فيضعها غير موضعها ، ويحسب مهما بمعنى متى ما ، ويقول مهما جئتني أعطيتك ، وهذا من وضعه ، وليس من كلام واضع العربية في شيء ، ثم يذهب فيفسر { مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن ءايَةٍ } بمعنى الوقت ، فَيُلْحِدْ في آيات الله وهو لا يشعر ، وهذا وأمثاله مما يوجب الجثو بين يدي الناظر في كتاب سيبويه . فإن قلت : كيف سموها آية ، ثم قالوا لتسحرنا بها؟ قلت : ما سموها آية لاعتقادهم أنها آية ، وإنما سموها اعتباراً لتسمية موسى وقصدوا بذلك الاستهزاء والتلهي { الطوفان } ما طاف بهم وغلبهم من مطر أو سيل . قيل : طغى الماء فوق حروثهم ، وذلك أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة لا يرون شمساً ولا قمراً ، ولا يقدر أحدهم أن يخرج من داره . وقيل : أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا يهلكون ، وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة ، فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ، فمن جلس غرق ، ولم تدخل بيوت بني إسرائيل قطرة ، وفاض الماء على وجه أرضهم وركد فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف ، ودام عليهم سبعة أيام . وعن أبي قلابة : الطوفان الجدري ، وهو أوّل عذاب وقع فيهم ، فبقي في الأرض . وقيل : هو المُوتان وقيل : الطاعون ، فقالوا لموسى : ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك ، فدعا فرفع عنهم ، فما آمنوا ، فنبت لهم تلك السنة من الكلأ والزرع ما لم يعهد بمثله ، فأقاموا شهراً ، فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم ، ثم أكلت كل شيء حتى الأبواب وسقوف البيوت والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء ، ففزعوا إلى موسى ووعدوه التوبة ، فكشف عنهم بعد سبعة أيام : خرج موسى عليه السلام إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب ، فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها ، فقالوا : ما نحن بتاركي ديننا ، فأقاموا شهراً ، فسلَّط الله عليهم القمل وهو الحمنان في قول أبي عبيدة كبار القردان .
وقيل : الدبا ، وهو أولاد الجراد . وقبل نبات أجنحتها . وقيل : البراغيث . وعن سعيد بن جبير : السوس ، فأكل ما أبقاه الجراد ، ولحس الأرض ، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصُّه ، وكان يأكل أحدهم طعاماً فيمتلىء قملاً ، وكان يخرج أحدهم عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها إلا يسيراً . وعن سعيد بن جبير ، أنه كان إلى جنبهم كثيب أعفر ، فضربه موسى بعصاه فصار قملاً ، فأخذت في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ، ولزم جلودهم كأنه الجدري ، فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فرفع عنهم ، فقالوا : قد تحققنا الآن أنك ساحر ، وعزة فرعون لا نصدقك أبداً ، فأرسل الله عليهم بعد شهر الضفادع ، فدخلت بيوتهم وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم ، ولا يكشف أحد شيئاً من ثوب ولا طعام ولا شراب إلاّ وجد فيه الضفادع ، وكان الرجل إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فيه ، وكانت تمتلىء منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد ، وكانت تقذف بأنفسها في القدرو وهي تغلي ، وفي التنانير وهي تفور ، فشكوا إلى موسى وقالوا : ارحمنا هذه المرة ، فما بقي إلاّ أن نتوب التبة النصوح ولا نعود ، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم ، ثم نقضوا العهد ، فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم دماً ، فشكوا إلى فرعون فقال : إنه سحركم فكان يجمع بين القبطي والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً ، ويستقيان من ماء واحد فيخرج للقبطي الدم وللإسرائيلي الماء حتى إن المرأة القبطية تقول لجارتها الإسرائيلية إجعلي الماء في فيك ثم مجيه في فيَّ فيصير الماء في فيها دماً . وعطش فرعون حتى أشفى على الهلاك ، فكان يمصّ الأشجار الرطبة ، فإذا مضغها صار ماؤها الطيب ملحاً أجاجاً . وعن سعيد بن المسيب : سال عليهم النيل دماً . وقيل : سلط الله عليهم الرعاف وروي : أنّ موسى عليه السلام مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات ، وروي : أنه لما أراهم اليد والعصا ونقص النفوس والثمرات قال : يا رب ، إنّ عبدك هذا قد علا في الأرض فخذه بعقوبة تجعلها له ولقومه نقمة ، ولقومي عظة ، ولمن بعدي آية . فحينئذ بعث الله عليهم الطوفان ، ثم الجراد ، ثم ما بعده من النقم . وقرأ الحسن : «والقمل» ، بفتح القاف وسكون الميم ، يريد القمل المعروف { ءايات مفصلات } نصب على الحال . ومعنى مفصلات : مبينات ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره ، وأنها عبرة لهم ونقمة على كفرهم . أو فصل بين بعضها وبعض بزمان تمتحن فيه أحوالهم ، وينظر أيستقيمون على ما وعدوا من أنفسهم ، أم ينكثون إلزاماً للحجة عليهم؟ . (2/278)
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136)
{ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } ما مصدرية . والمعنى بعهده عندك وهو النبوّة والباء إمّا أن تتعلق بقوله : { ادع لَنَا رَبَّكَ } على وجهين : أحدهما أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد الله وكرامته بالنبوّة . أو ادع الله لنا متوسلاً إليه بعهده عندك . وإمّا أن يكون قسماً مجاباً بلنؤمنن ، أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننّ لك { إلى أَجَلٍ هُم بالغوه } إلى حدّ من الزمن هم بالغوه لا محالة فمعذبون فيه لا ينفعهم ما تقدم لهم من الإمهال وكشف العذاب إلى حلوله { إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ } جواب لما ، يعني : فلما كشفناه عنهم فاجاؤوا النكث وبادروا لم يؤخروه ولكن كما كشف عنهم نكثوا { فانتقمنا مِنْهُمْ } فأردنا الانتقام منهم { فأغرقناهم } . واليم : البحر الذي لا يدرك قعره . وقيل : هو لجة البحر ومعظم مائه ، واشتقاقه من التيمم ، لأن المستنفعين به يقصدونه { بأنهم كذبوا بآياتنا } أي كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها وقلة فكرهم فيها . (2/279)
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)
{ القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ } هم بنو إسرائيل كان يستضعفهم فرعون وقومه . والأرض : أرض مصر والشام ، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة ، وتصرفوا كيف شاؤا في أطرافها ونواحيها الشرقية والغربية { بَارَكْنَا فِيهَا } بالخصب وسعة الأرزاق { كَلِمَتُ رَبّكَ الحسنى } قوله : { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِى الأرض } إلى قوله : { مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ } [ القصص : 6 ] والحسنى : تأنيث الأحسن صفة للكلمة . ومعنى تمت على بني إسرائيل : مضت عليهم واستمرت من قولك : تمَّ على الأمر إذا مضى عليه { بِمَا صَبَرُواْ } بسبب صبرهم ، وحسبك به حاثاً على الصبر ، ودالاً على أنّ من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه ، ومن قابله بالصبر . وانتظار النصر ضمن الله له الفرج . وعن الحسن : عجبت ممن خف كيف خف ، وقد سمع قوله . وتلا الآية . ومعنى خف : طاش جزعاً وقلة صبر ، ولم يرزن رزانة أولي الصبر . وقرأ عاصم في رواية : «وتمت كلمات ربك الحسنى» ونظيره { مِنْ ءايات رَبّهِ الكبرى } [ النجم : 18 ] . { مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ } ما كانوا يعملون ويسوّون من العمارات وبناء القصور { وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } من الجنات { هُوَ الذى أَنشَأَ جنات معروشات } [ الأنعام : 141 ] أو وما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء . كصرح هامان وغيره وقرىء : «يعرشون» بالكسر والضم . وذكر اليزيدي أن الكسر أفصح . وبلغني أنه قرأ بعض الناس : «يغرسون» من غرس الأشجار . وما أحسبه إلاّ تصحيفاً منه . (2/280)
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140)
وهذا آخر ما اقتص الله من نبأ فرعون والقبط وتكذيبهم بآيات الله وظلمهم ومعاصيهم ثم أتبعه اقتصاص نبأ بني إسرائيل وما أحدثوه - بعد إنقاذهم من مملكة فرعون واستعباده ، ومعاينتهم الآيات العظام ، ومجاوزتهم البحر - من عبادة البقر وطلب رؤية الله جهرة ، وغير ذلك من أنواع الكفر والمعاصي ، ليعلم حال الإنسان وأنه كما وصفهم ظلوم كفار جهول كنود ، إلاّ من عصمة الله { وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور } [ سبأ : 13 ] وليسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم مما رأى من بني إسرائيل بالمدينة . وروي : أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله تعالى فرعون وقومه ، فصاموه شكراً لله تعالى : { فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ } فمرّوا عليهم { يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ } يواظبون على عبادتها ويلازمونها . قال ابن جريج : كانت تماثيل بقر . وذلك أوّل شأن العجل وقيل : كانوا قوماً من لخم . وقيل : كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى عليه السلام بقتالهم وقرىء : «وجوّزنا» بمعنى أجزنا . يقال : أجاز المكان وجوزه وجاوزه بمعنى جازه ، كقولك : أعلاه وعلاه وعالاه . وقرىء : «يعكفون» بضم الكاف وكسرها { اجعل لَّنَا إلها } صنماً نعكف عليه { كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } أصنام يعكفون عليها . «وما» كافة للكاف ، ولذلك وقعت الجملة بعدها وعن علي رضي الله عنه أنّ يهودياً قال له : اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجفّ ماؤه . فقال : قلتم اجعل لنا إلها قبل أن تجفّ أقدامكم { إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى والمعجزة الكبرى فوصفهم بالجهل المطلق وأكده ، لأنه لا جهل أعظم مما رأى منهم ولا أشنع { إِنَّ هَؤُلآء } يعني عبدة تلك التماثيل { مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ } مدمّر مكسر ما هم فيه ، من قولهم إناء متبر ، إذا كان فضاضاً . ويقال لكسار الذهب : التبر ، أي يتبر الله ويهدم دينهم الذي هم عليه على يديّ ، ويحطم أصنامهم هذه ويتركها رضاضاً { وباطل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي ما عملوا شيئاً من عبادتها فيما سلف إلاّ وهو باطل مضمحل لا ينتفعون به وإن كان زعمهم تقرباً إلى الله كما قال تعالى { وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } [ الفرقان : 23 ] وفي إيقاع { هؤلاء } اسماً لإن ، وتقديم خبر المبتدإ من الجملة الواقعة خبراً لها وسم لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرضون للتبار ، وأنه لا يعدوهم البتة ، وأنه لهم ضربة لازب ، ليحذرهم عاقبة ما طلبوا ويبغض إليهم ما أحبوا { أَغَيْرَ الله أَبْغِيكُمْ إلها } أغير المستحق للعبادة أطلب لكم معبوداً ، وهو فعل بكم ما فعل دون غيره ، من الاختصاص بالنعمة التي لم يعطها أحد غيركم ، لتختصوه بالعبادة ولا تشركوا به غيره . ومعنى الهمزة : الإنكار والتعجب من طلبتهم - مع كونهم مغمورين في نعمة الله - عبادة غير الله . (2/281)
وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)
{ يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب } يبغونكم شدّة العذاب ، من سام السلعة إذا طلبها . فإن قلت : ما محل يسومونكم؟ قلت : هو استئناف لا محلّ له . ويجوز أن يكون حالاً من المخاطبين أو من آل فرعون . و { ذلكم } إشارة إلى الإنجاء أو إلى العذاب . والبلاء : النعمة أو المحنة . وقرىء : «يقتلون» بالتخفيف . (2/282)
وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)
وروي : أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهو بمصر إن أهلك الله عدوّهم ، أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون ، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب ، فأمره بصوم ثلاثين يوماً وهو شهر ذي القعدة ، فلما أتمّ الثلاثين أنكر خلوف فيه فتسوك ، فقالت الملائكة : كنا نشمّ من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك . وقيل : أوحى الله تعالى إليه أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لذلك . وقيل : أمره الله أن يصوم ثلاثين يوماً ، وأن يعمل فيها بما يقرّبه من الله ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكلم فيها . ولقد أجمل ذكر الأربعين في سورة البقرة ، وفصلها ههنا . و { ميقات رَبّهِ } ما وقته له من الوقت وضربه له . و { أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } نصب على الحال أي تمَّ بالغاً هذا العدد . و { هارون } عطف بيان لأخيه . وقرىء بالضم على النداء { اخلفنى فِى قَوْمِى } كن خليفتي فيهم { وَأَصْلَحَ } وكن مصلحاً . أو وأصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل ، ومن دعاك منهم إلى [ الفساد ] فلا تتبعه ولا تطعه . (2/283)
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)
{ لميقاتنا } لوقتنا الذي وقتنا له وحدّدناه . ومعنى اللام الاختصاص فكأنه قيل : واختصّ مجيئه بميقاتنا ، كما تقول : أتيته لعشر خلون من الشهر { وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } من غير واسطة كما يكلم الملك ، وتكليمه : أن يخلق الكلام منطوقاً به في بعض الأجرام كما خلقه مخطوطاً في اللوح وروي : أن موسى عليه السلام كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة . وعن ابن عباس رضي الله عنه : كلمه أربعين يوماً وأربعين ليلة ، وكتب له الألواح . وقيل : إنما كلمه في أوّل الأربعين { أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } ثاني مفعولي أرني محذوف أي أرني نفسك أنظر إليك ، فإن قلت : الرؤية عين النظر ، فكيف قيل : أرني أنظر إليك؟ قلت : معنى أرني نفسك ، اجعلني متمكناً من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك وأراك ، فإن قلت : فكيف قال : { لَن تَرَانِى } ولم يقل : لن تنظر إليّ لقوله : { أَنظُرْ إِلَيْكَ } ؟ قلت : لما قال : { أَرِنِى } بمعنى اجعلني متمكناً من الرؤية التي هي الإدراك ، علم أن الطِّلْبَة هي الرؤية لا النظر الذي لا إدراك معه ، فقيل : لن تراني ، ولم يقل لن تنظر إليّ . فإن قلت : كيف طلب موسى عليه السلام ذلك -وهو من أعلم الناس بالله وما يجوز عليه وما لا يجوز ، وبتعاليه عن الرؤية التي هي إدراك ببعض الحواس ، وذلك إنما يصحّ فيما كان في جهة . وما ليس بجسم ولا عرض فمحال أن يكون في جهة . ومنعُ المجبرة إحالته في العقول غير لازم ، لأنه ليس بأوّل مكابرتهم وارتكابهم ، وكيف يكون طالبه وقد قال- حين أخذت الرجفة الذين قالوا أرنا الله جهرة - { أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا } [ الأعراف : 155 ] إلى قوله : { تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء } [ الأعراف : 155 ] فتبرأ من فعلهم ودعاهم سفهاء وضلالاً ؟ قلت : ما كان طلب الرؤية إلاّ ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضلالاً ، وتبرأ من فعلهم ، وليلقمهم الحجر ، وذلك أنهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم وأعلمهم الخطأ ونبههم على الحق ، فلجوا وتمادوا في لجاجهم وقالوا : لا بدَّ ، ولن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، فأراد أن يسمعوا النصّ من عند الله باستحالة ذلك ، وهو قوله : { لَن تَرَانِى } ليتيقنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة ، فلذلك قال : { رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } . فإن قلت : فهلا قال : أرهم ينظروا إليك؟ قلت : لأنّ الله سبحانه إنما كلم موسى عليه السلام وهم يسمعون ، فلما سمعوا كلام رب العزّة أرادوا أن يرى موسى ذاته فيبصروه معه ، كما أسمعه كلامه فسمعوه معه ، إرادة مبنية على قياس فاسد ، فلذلك قال موسى : أرني أنظر إليك ، ولأنه إذا زجر عما طلب ، وأنكر عليه في نبوّته واختصاصه وزلفته عند الله تعالى ، وقيل له : لن يكون ذلك : كان غيره أولى بالإنكار ، لأنّ الرسول إمام أمته ، فكان ما يخاطب به أو ما يخاطب راجعاً إليهم . (2/284)
وقوله : { أَنظُرْ إِلَيْكَ } وما فيه من معنى المقابلة التي هي محض التشبيه والتجسيم ، دليل على أنه ترجمة عن مقترحهم وحكاية لقولهم ، وجلّ صاحب الجمل أن يجعل الله منظوراً إليه ، مقابلاً بحاسة النظر ، فكيف بمن هو أعرق في معرفة الله تعالى من واصل بن عطاء ، وعمرو بن عبيد ، والنظام ، وأبي الهذيل والشيخين ، وجميع المتكلمين؟ فإن قلت : ما معنى { لَن } ؟ قلت : تأكيداً النفي الذي تعطيه «لا» وذلك أن «لا» تنفي المستقبل . تقول : لا أفعل غداً ، فإذا أكدت نفيها قلت : لن أفعل غداً . والمعنى : أنّ فعله ينافي حالي ، كقوله : { لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ } [ الحج : 73 ] فقوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } [ الأنعام : 103 ] نفي للرؤية فيما يستقبل . و { لَن تَرَانِى } تأكيد وبيان ، لأنّ المنفي مناف لصفاته . فإن قلت : كيف اتصل الاستدراك في قوله : { ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } بما قبله؟ قلت : اتصل به على معنى أنّ النظر إليّ محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر : وهو أن تنظر إلى الجبل الذي يرجف بك وبمن طلبت الرؤية لأجلهم ، كيف أفعل به وكيف أجعله دكاً بسبب طلبك الرؤية؟ لتستعظم ما أقدمت عليه بما أريك من عظم أثره ، كأنه عزّ وعلا حقق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد إليه في قوله : { وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً } [ مريم : 91 ] . { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ } كما كان مستقراً ثابتاً ذاهباً في جهاته { فَسَوْفَ تَرَانِى } تعليق لوجود الرؤية موجود ما لا يكون من استقرار الجبل مكانه حين يدكه دكاً ويسويه بالأرض ، وهذا كلام مدبج بعضه في بعض ، وارد على أسلوب عجيب ونمط بديع . ألا ترى كيف تخلص من النظر إلى النظر بكلمة الاستدراك؟ ثم كيف بنى الوعيد بالرجفة الكائنة بسبب طلب النظر على الشريطة في وجود الرؤية؟ أعني قوله : { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى } . { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } فلما ظهر له اقتداره وتصدى له أمره وإرادته { جَعَلَهُ دَكّا } أي مدكوكاً مصدر بمعنى مفعول كضرب الأمير . والدكّ والدقُّ أخوان كالشك والشقِّ وقُرىء : «دكاء» والدكاء اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكّة أو أرضاً دكاء مستوية . ومنه قولهم : ناقة دكاء متواضعة السنام ، وعن الشعبي : قال لي الربيع بن خثيم : ابسط يدك دكاء ، أي مدّها مستوية . وقرأ يحيى بن وثاب : «دكاً» أي قطعاً دكا جمع دكاء { وَخَرَّ موسى صَعِقًا } من هول ما رأى . وصعق من باب : فعلته ففعل . يقال صعقته فصعقت . وأصله من الصاعقة . ويقال لها الصاقعة . من صقعه إذا ضربه على رأسه ومعناه : خرّ مغشياً عليه غشية كالموت . وروي : أنّ الملائكة مرّت عليه وهو مغشي عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم ويقولون : يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزّة؟ { فَلَمَّا أَفَاقَ } من صعقته { قَالَ سبحانك } أنزهك مما لا يجوز عليك من الرؤية وغيرها { تُبْتُ إِلَيْكَ } من طلب الرؤية { وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين } بأنك لست بمرئيّ ولا مدرك بشيء من الحواس . (2/285)
فإن قلت : فإن كان طلب الرؤية للغرض الذي ذكرته ، فممّ تاب؟ قلت : من إجرائه تلك المقالة العظيمة وإن كان لغرض صحيح على لسانه ، من غير إذن فيه من الله تعالى ، فانظر إلى إعظام الله تعالى أمر الرؤية في هذه الآية ، وكيف أرجف الجبل بطالبها وجعله دكاً ، وكيف أصعقهم ولم يخل كليمه من نفيان ذلك مبالغة في إعظام الأمر ، وكيف سبح ربه ملتجئاً إليه ، وتاب من إجراء تلك الكلمة على لسانه وقال أنا أول المؤمنين ، ثم تعجب من المتسمين بالإسلام المتسمين بأهل السنّة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهباً . ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة ، فإنه من منصوبات أشياخهما والقول ما قال بعض العدلية فيهم : (2/286)
لَجَمَاعَةٌ سَموْا هَواهُمْ سُنَّة ... وَجَمَاعَةٌ حُمْرٌ لَعَمْرِي مُوكَفَه
قَدْ شَبَّهُوهُ بِخَلْقِهِ وَتَخَوَّفُوا ... شَنْعَ الْوَرَى فَتَسَتَّرُوا بِالبَلْكَفَهْ .
وتفسير آخر : وهو أن يريد بقوله : { أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } عرّفني نفسك تعريفاً واضحاً جلياً ، كأنها إراءة في جلائها بآية مثل آيات القيامة التي تضطر الخلق إلى معرفتك { أَنظُرْ إِلَيْكَ } أعرفك معرفة اضطرار ، كأني أنظر إليك ، كما جاء في الحديث :
( 398 ) « سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر » بمعنى : ستعرفونه معرفة جلية هي في الجلاء كإبصاركم القمر إذا امتلأ واستوى { قَالَ لَن تَرَانِى } أي لن تطيق معرفتي على هذه الطريقة ، ولن تحتمل قوّتك تلك الآية المضطرة ولكن انظر إلى الجبل . فإني أورد عليه وأظهر له آية من تلك الآيات ، فإن ثبت لتجليها واستقرّ مكانه ولم يتضعضع فسوف تثبت لها وتطيقها ، { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } فلما ظهرت له آية من آيات قدرته وعظمته { جَعَلَهُ دَكّا وَخَرَّ موسى صَعِقًا } لعظم ما رأى { فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سبحانك تُبْتُ إِلَيْكَ } مما اقترحت وتجاسرت { وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين } بعظمتك وجلالك ، وأن شيئاً لا يقوم لبطشك وبأسك .
قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144)
{ اصطفيتك عَلَى الناس } اخترتك على أهل زمانك وآثرتك عليهم { برسالاتي } وهي أسفار التوراة { وبكلامي } وبتكليمي إياك { فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ } ما أعطيتك من شرف النبوّة والحكمة { وَكُنْ مّنَ الشاكرين } على النعمة في ذلك فهي من أجل النعم . وقيل : خرّ موسى صعقاً يوم عرفة ، وأعطي التوراة يوم النحر . فإن قلت : كيف قيل؛ اصطفيتك على الناس وكان هارون مصطفى مثله نبياً؟ قلت : أجل ، ولكنه كان تابعاً له وردءاًوزيراً . والكليم : هو موسى عليه السلام ، والأصيل في حمل الرسالة . (2/287)
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)
ذكروا في عدد الألواح وفي جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح وقيل : سبعة . وقيل؛ لوحين ، وأنها كانت من زمرّد جاء بها جبريل عليه السلام . وقيل : من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء . وقيل : أمر الله موسى بقطعها من صخرة صماء لينها له ، فقطعها بيده وشقها بأصابعه . وعن الحسن كانت من خشب نزلت من السماء فيها التوراة ، وأن طولها كان عشرة أذرع . وقوله : { مِن كُلّ شَىْء } في محل النصب مفعول كتبنا . و { مَّوْعِظَةٌ } وتفصيلاً بدل منه . والمعنى : كتبنا له كل شيء كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام . وقيل : أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير ، يقرأ الجزأ منه في سنة لم يقرأها إلاّ أربعة نفر : موسى ، ويوشع ، وعزير ، وعيسى عليهم السلام . وعن مقاتل : كتب في الألواح : إني أنا الله الرحمن الرحيم ، لا تشركوا بي شيئاً ، ولا تقطعوا السبيل ، ولا تحلفوا بإسمي كاذبين؛ فإن من حلف بإسمي كاذباً فلا أزكيه ، ولا تقتلوا ولا تزنوا ولا تعقوا الوالدين { فَخُذْهَا } فقلنا له : خذها ، عطفاً على كتبنا ، ويجوز أن يكون بدلاً من قوله : { فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ } [ الأعراف : 144 ] والضمير في { خُذْهَا } للألواح ، أو لكل شيء ، لأنه في معنى الأشياء ، أو [ للرسالات ] ، أو للتوراة . ومعنى { بِقُوَّةٍ } بجدّ وعزيمة فعل أولي العزم من الرسل { يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا } أي فيها ما هو حسن وأحسن ، كالاقتصاص ، والعفو ، والانتصار ، والصبر . فمرهم أن يحملوا على أنفسهم في الأخذ بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب ، كقوله تعالى : { واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ } [ الزمر : 55 ] وقيل : يأخذوا بما هو واجب أو ندب ، لأنه أحسن من المباح . ويجوز أن يراد : يأخذوا بما أمروا به ، دون ما نهوا عنه ، على قولك : الصيف أحرّ من الشتاء { سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين } يريد دار فرعون وقومه وهي مصر ، كيف أقفرت منهم ودمّروا لفسقهم ، لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل نكالهم . وقيل : منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله لفسقهم في ممرّكم عليها في أسفاركم . وقيل : دار الفاسقين : نار جهنم . وقرأ الحسن : «سأوريكم» وهي لغة فاشية بالحجاز . يقال : أورني كذا ، وأوريته . ووجهه أن تكون من أوريت الزند كأنَّ المعنى بيّنه لي وأنره لأستبينه وقرىء : «سأورثكم» قراءة حسنة يصححها قوله : { وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ } [ الأعراف : 137 ] . { سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي } بالطبع على قلوب المتكبرين وخذلانهم ، فلا يفكرون فيها ولا يعتبرون بها ، غفلة وانهماكاً فيما يشغلهم عنها من شهواتهم . وعن الفضيل بن عياض : ذكر لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (2/288)
( 399 ) " إذا عظمت أمّتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام ، وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي "
وقيل : سأصرفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعون أن يبطل آية موسى ، بأن جمع لها السحرة ، فأبى الله إلاَّ علو الحقّ وانتكاس الباطل . ويجوز : سأصرفهم عنها وعن الطعن فيها والاستهانة بها . وتسميتها سحراً بإهلاكهم . وفيه إنذار للمخاطبين من عاقبة الذين يصرفون عن الآيات لتكبرهم وكفرهم بها ، لئلا يكونوا مثلهم فيسلك بهم سبيلهم { بِغَيْرِ الحق } فيه وجهان : أن يكون حالاً بمعنى يتكبرون غير محقين ، لأن التكبر بالحقّ لله وحده . وأن يكون صلة لفعل التكبر ، أي يتكبرون بما ليس بحق وما هم عليه من دينهم { وَإِن يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ } من الآيات المنزلة عليهم { لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا } وقرأ مالك بن دينار : «وإن يروا» بضم الياء . وقرىء : «سبيل الرشد» و «الرشد» و «الرشاد» ، كقولهم : السقم والسقم والسقام . وما أسفه من ركب المفازة ، فإن رأى طريقاً مستقيماً أعرض عنه وتركه ، وإن رأى معتسفاً مردياً أخذ فيه وسلكه ، ففاعل نحو ذلك في دينه أسفه { ذلك } في محل الرفع أو النصب على معنى : ذلك الصرف بسبب تكذيبهم أو صرفهم الله ذلك الصرف بسبب { وَلِقَاء الآخرة } يجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به . أي ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالها ، ومن إضافة المصدر إلى الظرف بمعنى : ولقاء ما وعد الله في الآخرة . (2/289)
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)
{ مِن بَعْدِهِ } من بعد فراقه إياهم إلى الطور ، فإن قلت : لم قيل : واتخذ قوم موسى عجلاً ، والمتخذ هو السامري؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما : أن ينسب الفعل إليهم ، لأن رجلاً منهم باشره ووجد فيما بين ظهرانيهم ، كما يقال : بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا ، والقائل والفاعل واحد ، ولأنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به ، فكأنهم أجمعوا عليه . والثاني : أن يراد واتخذوه إلها وعبدوه . وقرىء : «من حليهم» بضم الحاء والتشديد ، جمع حلي ، كثدي وثديّ ، ومن حليهم - بالكسر - للإتباع كدلى . ومن حليهم ، على التوحيد ، والحلي : اسم لما يتحسن به من الذهب والفضة . فإن قلت : لم قال : من حليهم ، ولم يكن الحليّ لهم ، إنما كانت عوارى في أيديهم؟ قلت : الإضافة تكون بأدنى ملابسة ، وكونها عوارى في أيديهم كفى به ملابسة على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين كما ملكوا غيرها من أملاكهم . ألا ترى إلى قوله عزّ وعلا : { فأخرجناهم مّن جنات وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وأورثناها بَنِى إسراءيل } [ الشعراء : 57-59 ] ، { جَسَداً } بدناً ذا لحم ودم كسائر الأجساد . والخوار : صوت البقر ، قال الحسن : إنّ السامري قبض قبضة من تراب من أثر فرس جبريل عليه السلام يوم قطع البحر ، فقذفه في فيِّ العجل ، فكان عجلاً له خوار . وقرأ علي رضي الله عنه : «جؤار» بالجيم والهمزة ، ومن جأر إذا صاح . وانتصاب جسداً على البدل من { عِجْلاً } { أَلَمْ يَرَوْاْ } حين اتخذوه إلها أنه لا يقدر على كلام ولا على هداية سبيل ، حتى لا يختاروه على من لو كان البحر مداداً لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته ، وهو الذي هدى الخلق إلى سبل الحقّ ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة ، وبما أنزل في كتبه . ثم ابتدأ فقال : { اتخذوه } أي أقدموا على ما أقدموا عليه من الأمر المنكر { وَكَانُواْ ظالمين } واضعين كل شيء في غير موضعه ، فلم يكن اتخاذ العجل بدعاً منهم ، ولا أوّل مناكيرهم { وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ } ولما اشتدّ ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل ، لأنّ من شأن من اشتدّ ندمه وحسرته أن يعض يده غماً ، فتصير يده مسقوطاً فيها ، لأن فاه قد وقع فيها . و { سُقِطَ } مسند إلى { فَى أَيْدِيهِمْ } وهو من باب الكناية . وقرأ أبو السميفع : «سقط في أيديهم» ، على تسمية الفاعل ، أي وقع العض فيها ، وقال الزجاج : معناه سقط الندم في أيديهم ، أي في قلوبهم وأنفسهم ، كما يقال : حصل في يده مكروه ، وإن كان محالاً أن يكون في اليد ، تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس ، بما يحصل في اليد ويرى بالعين { وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ } وتبينوا ضلالهم تبيناً كأنهم أبصروه بعيونهم . وقرىء : «لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا» ، بالتاء . وربنا ، بالنصب على النداء ، وهذا كلام التائبين ، كما قال آدم وحواء عليهما السلام : وإن لم تغفر لنا وترحمنا . (2/290)
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)
الأسِف : الشديد الغضب { فَلَمَّا ءاسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ } [ الزخرف : 55 ] وقيل : هو الحزين { خَلَفْتُمُونِى } قمتم مقامي وكنتم خلفائي من بعدي . وهذا الخطاب إما أن يكون لعبدة العجل من السامري وأشياعه أو لوجوه بني إسرائيل وهم هارون عليه السلام والمؤمنون معه . ويدلّ عليه قوله : { اخلفنى فِى قَوْمِى } [ الأعراف : 142 ] والمعنى : بئس ما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله ، أو حيث لم تكفوا من عبد غير الله . فإن قلت : أين ما تقتضيه بئس من الفاعل والمخصوص بالذم؟ قلت : الفاعل مضمر يفسره ما خلفتموني . والمخصوص بالذم محذوف تقديره : بئس خلافة خلفتمونيها من بعد خلافتكم . فإن قلت : أي معنى لقوله : { مِن بَعْدِى } بعد قوله : { خلفتموني } ؟ قلت : معناه من بعد ما رأيتم مني ، من توحيد الله ، ونفي الشركاء عنه ، وإخلاص العبادة له . أو من بعد ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد . وأكفهم عما طمحت نحوه أبصارهم من عبادة البقر ، حين قالوا : { اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } [ الأعراف : 128 ] ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلف من بعده ولا يخالفوه . ونحوه : { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } [ الأعراف : 169 ] أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة يقال : عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ، ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره ، ويضمن معنى سبق فيتعدّى تعديته ، فيقال عجلت الأمر ، والمعنى أعجلتم عن أمر ربكم ، وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به ، فبنيتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره ولن أرجع إليكم فحدَّثتم أنفسكم بموتي ، فغيّرتم كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم . وروي : أنّ السامري قال لهم - حين أخرج لهم العجل وقال هذا إلهكم وإله موسى - : إنَّ موسى لن يرجع ، وإنه قد مات وروي : أنهم عدّوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين ، ثم أحدثوا ما أحدثوا { وَأَلْقَى الالواح } وطرحها لما لحقه من فرط الدهش وشدّة الضجر عند استماعه حديث العجل ، غضباً لله وحمية لدينه ، وكان في نفسه حديداً شديد الغضب ، وكان هارون ألين منه جانباً ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى . وروي : أنّ التوراة كانت سبعة أسباع ، فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها وبقي منها سبع واحد ، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء ، وفيما بقي الهدى والرحمة { وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ } أي بشعر رأسه { يَجُرُّهُ إِلَيْهِ } بذؤابته وذلك لشدّة ما ورد عليه من الأمر الذي استفزه وذهب بفطنته ، وظناً بأخيه أنه فرط في الكف { ابن أُمَّ } قرىء بالفتح تشبيهاً بخمسة عشر ، وبالكسر على طرح ياء الإضافة . «وابن أمي» ، وبالياء . «وابن إمِّ» ، بكسر الهمزة والميم . وقيل : كان أخاه لأبيه وأمّه ، فإن صحّ فإنما أضافه إلى الأم ، إشارة إلى أنهما من بطن واحد . (2/291)
وذلك أدعى إلى العطف والرقة ، وأعظم للحق الواجب ، ولأنها كانت مؤمنة فاعتدّ بنسبها ، ولأنها هي التي قاست فيه المخاوف والشدائد فذكره بحقها { إِنَّ القوم استضعفوني } يعني أنه لم يأل جهداً في كفهم بالوعظ والإنذار . وبما بلغته طاقته من بذل القوة في مضادّتهم حتى قهروه واستضعفوه ولم يبق إلاّ أن يقتلوه { يَقْتُلُونَنِى فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الاعداء } فلا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الاستهانة بي والإساءة إليّ ، وقرىء : «فلا يشمت بي الأعداء» ، على نهي الأعداء عن الشماتة . والمراد أن لا يحل به ما يشمتون به لأجله { وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ القوم الظالمين } ولا تجعلني في موجدتك عليّ وعقوبتك لي قريناً لهم وصاحباً . أو ولا تعتقد أني واحد من الظالمين مع براءتي منهم ومن ظلمهم . لما اعتذر إليه أخوه وذكر له شماتة الأعداء { قَالَ رَبّ اغفر لِى وَلاخِى } ليرضي أخاه ويظهر لأهل الشماتة رضاه عنه فلا تتم لهم شماتتهم ، واستغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه ، ولأخيه أن عسى فرط في حسن الخلافة . وطلب أن لا يتفرقا عن رحمته ، ولا تزال منتظمة لهما في الدنيا والآخرة . (2/292)
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152)
{ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ وَذِلَّةٌ } الغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم . والذلة : خروجهم من ديارهم لأنّ ذل الغربة مثل مضروب . وقيل : هو ما نال أبناءهم وهم بنو قريظة والنضير ، من غضب الله تعالى بالقتل والجلاء ، ومن الذلة بضرب الجزية { المفترين } المتكذبين على الله ، ولا فرية أعظم من قول السامري : هذا إلهكم وإله موسى . ويجوز أن يتعلق في الحياة الدنيا بالذلة وحدها ويراد : سينالهم غضب في الآخرة ، وذلة في الحياة الدنيا ، وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله . (2/293)
وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153)
{ والذين عَمِلُواْ السيئات } من الكفر والمعاصي كلها { ثُمَّ تَابُواْ } ثم رجعوا { مِن بَعْدِهَا } إلى الله واعتذروا إليه { وَءامَنُواْ } وأخلصوا الإيمان { إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } من بعد تلك العظائم { لَغَفُورٌ } لستور عليهم محاء لما كان منهم { رَّحِيمٌ } منعم عليهم بالجنة . وهذا حكم عام يدخل تحته متخذو العجل ومن عداهم . عظَّم جنايتهم أو لا ثم أردفها تعظيم رحمته ، ليعلم أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوه وكرمه أعظم وأجلّ ، ولكن لا بدّ من حفظ الشريطة : وهي وجوب التوبة والإنابة ، وما وراءه طمع فارغ وأشعبية باردة ، لا يلتفت إليها حازم . (2/294)
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)
{ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب } هذا مثل ، كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له : قل لقومك كذا وألقي الألواح ، وجرّ برأس أخيك إليك ، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء ، ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها كل ذي طبع سليم وذوق صحيح إلاّ لذلك ، ولأنه من قبيل شعب البلاغة ، وإلاّ فما لقراءة معاوية بن قرة : «ولما سكن عن موسى الغضب» ، لا تجد النفس عندها شيئاً من تلك الهزة ، وطرفاً من تلك الروعة . وقرىء : «ولما سكت» و «أسكت» أي أسكته الله ، أو أخوه باعتذاره إليه وتنصله ، والمعنى : ولما طفىء غضبه { أَخَذَ الالواح } التي ألقاها { وَفِى نُسْخَتِهَا } وفيما نسخ منها ، أي كتب . والنسخة فعلة بمعنى مفعول كالخطبة { لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ } دخلت اللام لتقدم المفعول ، لأن تأخر الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفاً . ونحوه { لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } [ يوسف : 43 ] وتقول : لك ضربت . (2/295)
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)
{ واختار موسى قَوْمَهُ } أي من قومه ، فحذف الجار وأوصل الفعل ، كقوله : (2/296)
وَمِنَّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجَالَ سَمَاحَةً ... قيل : اختار من اثني عشر سبطاً ، من كل سبط ستة حتى تتاموا اثنين وسبعين ، فقال : ليتخلف منكم رجلان : فتشاحوا ، فقال : إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج ، فقعد كالب ويوشع . وروي : أنه لم يصب إلا ستين شيخاً ، فأوحى الله تعالى إليه أن تختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً . وقيل : كانوا أبناء ما عدا العشرين ، ولم يتجاوزوا الأربعين ، قد ذهب عنهم الجهل والصبا ، فأمرهم موسى أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم ، ثم خرج بهم إلى طور سينا ، لميقات ربه ، وكان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل ، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله ، ودنا موسى ودخل فيه وقال للقوم : ادنوا ، فدنوا ، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجداً ، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه : افعل ، ولا تفعل . ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه ، فطلبوا الرؤية فوعظهم وزجرهم وأنكر عليهم ، فقالوا : يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة . فقال : رب أرني أنظر إليك ، يريد : أن يسمعوا الردّ والإنكار من جهته ، فأجيب بلن تراني ، ورجف بهم الجبل فصعقوا . ولما كانت الرجفة { قَالَ } موسى { رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وإياى } وهذا تمنّ منه للإهلاك قبل أن يرى ما رأى من تبعة طلب الرؤية ، كما يقول النادم على الأمر إذا رأى سوء المغبة : لو شاء الله لأهلكني قبل هذا { أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا } يعني أتهلكنا جميعاً ، يعني نفسه وإياهم ، لأنه إنما طلب الرؤية زجراً للسفهاء ، وهم طلبوها سفهاً وجهلاً { إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } أي محنتك وابتلاؤك حين كلمتني وسمعوا كلامك ، فاستدلوا بالكلام على الرؤية استدلالاً فاسداً ، حتى افتتنوا وضلوا { تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء } تضلّ بالمحنة الجاهلين غير الثابتين في معرفتك ، وتهدي العالمين بك الثابتين بالقول الثابت . وجعل ذلك إضلالاً من الله وهدى منه ، لأن محنته لما كانت سبباً لأن ضلّوا واهتدوا فكأنه أضلهم بها وهداهم على الاتساع في الكلام { أَنتَ وَلِيُّنَا } مولانا القائم بأمورنا { واكتب لَنَا } وأثبت لنا وأقسم { فِى هذه الدنيا حَسَنَةٌ } عافية وحياة طيبة وتوفيقاً في الطاعة { وَفِي الآخرة } الجنة { هُدْنَا إِلَيْكَ } تبنا إليك . وهاد إليه يهود إذا رجع وتاب . والهود : جمع هائد ، وهو التائب . ولبعضهم :
يَا رَاكِبَ الذّنْبِ هُدْهُد ... واسْجُدْ كَأَنَّكَ هُدْهُد
وقرأ أبو وجرة السعدي : «هدنا إليك» بكسر الهاء ، من هاده يهيده إما حرّكه وأماله . ويحتمل أمرين ، أن يكون مبنياً للفاعل والمفعول بمعنى حركنا إليك أنفسنا وأملناها أو حرّكنا إليك وأملنا على تقدير : فعلنا ، كقولك : عدت يا مريض بكسر العين ، فعلت من العيادة .
ويجوز : عدت بالإشمام . وعدت ، بإخلاص الضمة فيمن قال : عود المريض . وقول القول . ويجوز على هذه اللغة أن يكون { هُدْنَا } بالضم فعلنا من هاده يهيده { عَذَابِى } من حاله وصفته أني { أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء } أي من وجب عليّ في الحكمة تعذيبه ، ولم يكن في العفو عنه مساغ لكونه مفسدة . وأمّا { رَّحْمَتِى } فمن حالها وصفتها أنها واسعة تبلغ كل شيء ، ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلاّ وهو متقلب في نعمتي . وقرأ الحسن : «من أساء» من الإساءة . فسأكتب هذه الرحمة كتبه خاصة منكم يا بني إسرائيل للذين يكونون في آخر الزمان من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم ، الذين هم بجميع آياتنا وكتبنا يؤمنون ، لا يكفرون بشيء منها { الذين يَتَّبِعُونَ الرسول } الذي نوحي إليه كتاباً مختصاً به وهو القرآن { النبى } صاحب المعجزات { الذى يَجِدُونَهُ } يجد نعته أولئك الذين يتبعونه من بني إسرائيل { مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التوراة والإنجيل . . . وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات } ما حرّم عليهم من الأشياء الطيبة ، كالشحوم وغيرها . أو ما طاب في الشريعة والحكم ، مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح ، وما خلي كسبه من السحت ، ويحرّم عليهم الخبائث ما يستخبث من نحو الدم والميتة ولحم الخنزير ، وما أهلّ لغير الله به أو ما خبث في الحكم ، كالربا والرشوة وغيرهما من المكاسب الخبيثة . الإصر : الثقل الذي يأصر صاحبه ، أي يحبسه من الحراك لثقله وهو مثل لثقل تكليفهم وصعوبته ، نحو اشتراط قتل الأنفس في صحة توبتهم ، وكذلك الأغلال . مثل لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة ، نحو : بت القضاء بالقصاص عمداً كان أو خطأ من غير شرع الدية ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب ، وإحراق الغنائم ، وتحريم العروق في اللحم ، وتحريم السبت . وعن عطاء : كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم . وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها إلى السارية يحبس نفسه على العبادة . وقرىء : «آصارهم» على الجمع { وَعَزَّرُوهُ } ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدوّ . وقرىء بالتخفيف . وأصل العزر : المنع . ومنه التعزير للضرب دون الحدّ ، لأنه منع عن معاودة القبيح . ألا ترى إلى تسميته الحدّ ، والحدّ هو المنع . و { النور } القرآن . فإن قلت : ما معنى قوله { أُنزِلَ مَعَهُ } وإنما أنزل مع جبريل؟ قلت : معناه أنزل مع نبوّته ، لأنّ استنباءه كان مصحوباً بالقرآن مشفوعاً به . ويجوز أن يعلق باتبعوا . أي : واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته وبما أمر به ونهي عنه ، أو واتبعوا القرآن كما اتبعه مصاحبين له في اتباعه . (2/297)
فإن قلت : كيف انطبق هذا الجواب على قول موسى عليه السلام ودعائه؟ قلت : لما دعا لنفسه ولبني إسرائيل ، أجيب بما هو منطوٍ على توبيخ بني إسرائيل على استجازتهم الرؤية على الله تعالى وعلى كفرهم بآيات الله العظام التي أجراها على يد موسى ، وعرّض بذلك في قوله : { والذين هُم بآياتنا يُؤْمِنُونَ } وأريد أن يكون استماع أوصاف أعقابهم الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به كعبد الله بن سلام وغيره من أهل الكتابين لطفاً لهم وترغيباً في إخلاص الإيمان والعمل الصالح ، وفي أن يحشروا معهم ولا يفرّق بينهم وبين أعقابهم عن رحمة الله التي وسعت كل شيء . (2/298)
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)
{ إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } قيل : بعث كل رسول إلى قومه خاصة وبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى كافة الإنس وكافة الجنّ . وجميعاً : نصب على الحال من إليكم . فإن قلت : { الذى لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض } ما محله؟ قلت : الأحسن أن يكون منتصباً بإضمار أعني ، وهو الذي يسمى النصب على المدح . ويجوز أن يكون جراً على الوصف ، وإن حيل بين الصفة والموصوف بقوله إليكم . { إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } وقوله : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } بدل من الصلة التي هي له ملك السموات والأرض ، وكذلك { يُحْىِ وَيُمِيتُ } وفي { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } بيان للجملة قبلها ، لأنّ من ملك العالم كان هو الإله على الحقيقة . وفي يحيي ويميت : بيان لاختصاصه بالإلهية ، لأنه لا يقدر على الإحياء والإماتة غيره { وكلماته } وما أنزل عليه وعلى من تقدّمه من الرسل من كتبه ووحيه . وقرىء : «وكلمته» على الإفراد وهي القرآن . أو أراد جنس ما كلم به . وعن مجاهد : أراد عيسى ابن مريم . وقيل : هي الكلمة التي تكوّن [ عنها ] عيسى وجميع خلقه ، وهي قوله : { كُنَّ } وإنما قيل إن عيسى كلمة الله ، فخصّ بهذا الاسم ، لأنه لم يكن لكونه سبب غير الكلمة ، ولم يكن من نطفة تمنى { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } إرادة أن تهتدوا . فإن قلت : هلا قيل : فآمنوا بالله وبي ، بعد قوله : { إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ } ؟ قلت : عدل من المضمر إلى الاسم الظاهر لتجري عليه الصفات التي أجريت عليه ، ولما في طريقة الالتفات من مزية البلاغة ، وليعلم أنّ الذي وجب الإيمان به واتباعه هو هذا الشخص المستقل بأنه النبي الأميّ الذي يؤمن بالله وكلماته ، كائناً من كان ، أنا أو غيري ، إظهاراً للنصفة وتفادياً من العصبية لنفسه . (2/299)
وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)
{ وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ } هم المؤمنون التائبون من بني إسرائيل ، لما ذكر الذين تزلزلوا منهم في الدين وارتابوا حتى أقدموا على العظيمتين عبادة العجل واستجازة رؤية الله تعالى ، ذكر أنّ منهم أمة موقنين ثابتين يهدون الناس بكلمة الحق ، ويدلونهم على الاستقامة ويرشدونهم . وبالحق يعدلون بينهم في الحكم لا يجورون ، أو أراد الذين وصفهم ممن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به من أعقابهم . وقيل : إنّ بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا ، وسألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم ، ففتح الله لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه سنة ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين ، وهم هنالك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا . وذُكر عن النبي صلى الله عليه وسلم : (2/300)
( 400 ) « أن جبريل ذهب به ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم فقال لهم جبريل : هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا : لا . قال : هذا محمد النبي الأميّ ، فآمنوا به وقالوا : يا رسول الله ، إن موسى أوصانا من أدرك منكم أحمد ، فليقرأ عليه مني السلام فردّ محمد على موسى عليهما السلام السلام ، ثم أقرؤهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة ، ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة ، وأمرهم أن يقيموا مكانهم ، وكانوا يسبتون ، فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت » وعن مسروق . قرىء : بين يدي عبد الله فقال رجل : إني منهم ، فقال : عبد الله : يعني لمن كان في مجلسه من المؤمنين : وهل يزيد صلحاؤكم عليهم شيئاً من يهدي بالحق وبه يعدل ، وقيل : لو كانوا في طرف من الدنيا متمسكين بشريعة ولم يبلغهم نسخها كانوا معذورين . وهذا من باب الفرض والتقدير وإلاّ فقد طار الخبر بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم إلى كل أفق ، وتغلغل في كل نفق ، ولم يبق الله أهل مدر ولا وبر ولا سهل ولا جبل ولا برّ ولا بحر في مشارق الأرض ومغاربها ، وإلاّ وقد ألقاه إليهم وملأ به مسامعهم وألزمهم به الحجة وهو سائلهم عنه يوم القيامة .
وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)
{ وقطعناهم } وصيرناهم قطعاً ، أي فرقاً وميزنا بعضهم من بعض لقلة الألفة بينهم . وقرىء : «وقطعناهم» بالتخفيف { اثنتى عَشْرَةَ أَسْبَاطًا } كقولك : اثنتي عشرة قبيلة . والأسباط : أولاد الولد ، جمع سبط وكانوا اثنتي عشرة قبيلة من اثني عشر ولداً من ولد يعقوب عليه السلام . فإن قلت : مميز ما عدا العشرة مفرد ، فما وجه مجيئه مجموعاً؟ وهلاّ قيل : اثني عشر سبطاً؟ قلت : لو قيل ذلك لم يكن تحقيقاً لأنّ المراد : وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة ، وكل قبيلة أسباط لا سبط ، فوضع أسباطاً موضع قبيلة . ونظيره : (2/301)
بينَ رِمَاحِيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلِ ... و { أُمَمًا } بدل من اثنتي عشرة بمعنى : وقطعناهم أمماً لأنّ كل أسباط كانت أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد ، وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمّه الأخرى ، لا تكاد تأتلف . وقرىء : «اثنتي عشرة» بكسر الشين { فانبجست } فانفجرت . والمعنى واحد ، وهو الانفتاح بسعة وكثرة : قال العجاج :
وَكَيْفَ غَرْبِيّ دَالِجٍ تَبَجَّسَا ... فإن قلت : فهلا قيل : فضرب فانبجست؟ قلت : لعدم الإلباس ، وليجعل الإنبجاس مسبباً عن الإيحاء بضرب الحجر للدلالة على أنّ الموحى إليه لم يتوقف عن اتباع الأمر ، وأنه من انتفاء الشكّ عنه بحيث لا حاجة إلى الإفصاح به . من قوله : { كُلَّ أُنَاسٍ } نظير قوله : اثنتي عشرة أسباطاً ، يريد كل أمّة من تلك الأمم الثنتي عشرة ، والأناس ، اسم جمع غير تكسير ، نحو . رخال وتناء وتؤام وأخوات لها . ويجوز أن يقال : إن الأصل الكسر والتكسير ، والضمة بدل من الكسرة ، كما أبدلت في نحو . سكارى وغيارى من الفتحة { وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام } وجعلناه ظليلاً عليهم في التيه ، و { كُلُواْ } على إرادة القول { وَمَا ظَلَمُونَا } وما رجع إلينا ضرر ظلمهم بكفرانهم النعم ، ولكن كانوا يضرون أنفسهم . ويرجع وبال ظلمهم إليهم .
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)
{ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ } واذكر إذ قيل لهم . والقرية : بيت المقدس . فإن قلت : كيف اختلفت العبارة ههنا وفي سورة البقرة؟ قلت : لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض . ولا تناقض بين قوله ، اسكنوا هذه القرية وكلوا منها ، وبين قوله : فكلوا لأنهم إذا سكنوا القرية فتسببت سكناهم للأكل منها ، فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها ، وسواء قدّموا الحطة على دخول الباب أو أخروها ، فهم جامعون في الإيجاد بينهم ، وترك ذكر الرغد لا يناقض إثباته ، وقوله : { نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيئاتكم سَنَزِيدُ المحسنين } موعد بشيئين : بالغفران ، وبالزيادة ، وطرح الواو لا يخلّ بذلك ، لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل : وماذا بعد الغفران؟ فقيل له : سنزيد المحسنين ، وكذلك زيادة { مِنْهُمْ } زيادة بيان ، وأرسلنا ، وأنزلنا . و { يَظْلِمُونَ } ويفسقون من واد واحد . وقرىء : «يغفر لكم خطيئاتكم» «وتغفر لكم خطاياكم» . و «خطيئاتكم» ، و« خطيئتكم» ، على البناء للمفعول . (2/302)
وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)
{ وسلهم } وسل اليهود . وقرىء : «واسألهم» . وهذا السؤال معناه التقرير والتقريع بقديم كفرهم وتجاوزهم حدود الله والإعلام بأنّ هذا من علومهم التي لا تعلم إلاّ بكتاب أو وحي ، فإذا أعلمهم به من لم يقرأ كتابهم ، علم أنه من جهة الوحي . ونظيره همزة الاستفهام التي يراد بها التقرير في قولك : أعدوتم في السبت؟ والقرية أيلة . وقيل : مدين . وقيل : طبرية . والعرب تسمي المدينة قرية . وعن أبي عمرو بن العلاء . ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج ، يعني رجلين من أهل المدن { كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر } قريبة منه راكبة لشاطئه { إِذْ يَعْدُونَ فِى السبت } إذ يتجاوزون حدّ الله فيه ، وهو اصطيادهم في يوم السبت ، وقد نهوا عنه . وقرىء : «يعدّون» بمعنى يعتدون ، أدغمت التاء في الدال ونقلت حركتها إلى العين ، ويُعدّون من الإعداد ، وكانوا يعدّون آلات الصيد يوم السبت ، وهم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة . والسبت : مصدر سبتت اليهود ، إذا عظمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالتعبد ، فمعناه : يعدّون في تعظيم هذا اليوم ، كذلك قوله : { يَوْمَ سَبْتِهِمْ } معناه يوم تعظيمهم أمر السبت . ويدل عليه قوله : { وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ } [ و ] قراءة عمر بن عبد العزيز : «يوم إسباتهم» ، وقرىء : «لا يسبتون» ، بضم الباء . وقرأ علي : «لا يسبتون» بضم الياء ، من أسبتوا . وعن الحسن : «لا يسبتون» على البناء للمفعول ، أي لا يدار عليهم السبت ، ولا يؤمرون بأن يسبتوا ، فإن قلت : إذ يعدون ، وإذ تأتيهم ، ما محلهما من الإعراب؟ قلت : أمّا الأوّل فمجرور بدل من القرية ، والمراد بالقرية أهلها ، كأنه قيل : واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت ، وهو من بدل الاشتمال . ويجوز أن يكون منصوباً بكانت ، أو بحاضرة . وأمّا الثاني فمنصوب بيعدون . ويجوز أن يكون بدلاً بعد بدل . والحيتان السمك ، وأكثر ما تستعمل العرب الحوت في معنى السمكة { شُرَّعًا } ظاهرة على وجه الماء . وعن الحسن : تشرع على أبوابهم كأنها الكباش البيض . يقال شرع علينا فلان إذا دنا منا وأشرف علينا . وشرعت على فلان في بيته فرأيته يفعل كذا { كذلك نَبْلُوهُم } أي مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم { وَإِذْ قَالَتِ } معطوف على إذ يعدون ، وحكمه حكمه في الإعراب { أُمَّةٌ مّنْهُمْ } جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين ركبوا الصعب والذلول في موعظتهم ، حتى أيسوا من قبولهم ، لآخرين كانوا لا يقلعون عن وعظهم { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ } أي مخترمهم ومطهر الأرض منهم { أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا } لتماديهم في الشرّ . وإنما قالوا ذلك ، لعلمهم أن الوعظ لا ينفع فيهم { قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ } أي : موعظتنا إبلاء عذر إلى الله ، ولئلا ننسب في النهي عن المنكر إلى بعض التفريط { وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } ولطمعنا في أن يتقوا بعض الاتقاء . (2/303)
وقرىء : «معذرة» بالنصب ، أي وعظناهم معذرة إلى ربكم ، أو اعتذرنا معذرة { فَلَمَّا نَسُواْ } يعني أهل القرية ، فلما تركوا ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه { أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء وَأَخَذْنَا } الظالمين الراكبين للمنكر . فإن قلت : الأمة الذين قالوا { لِمَ تَعِظُونَ } من أي الفريقين هم أمن فريق الناجين أم المعذبين قلت من فريق الناجين ، لأنهم من فريق الناهين . وما قالوا ما قالوا إلا سائلين عن علة الوعظ والغرض فيه ، حيث لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلمهم بحال القوم . وإذا علم الناهي حال المنهي وأن النهي لا يؤثر فيه ، سقط عنه النهي ، وربما وجب الترك لدخوله في باب العبث . ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على المآصر والجلادين المرتبين للتعذيب لتعظهم وتكفهم عما هم فيه ، كان ذلك عبثاً منك ، ولم يكن إلاّ سبباً للتلهي بك . وأما الآخرون فإنما لم يعرضوا عنهم إمّا لأن يأسهم لم يستحكم كما استحكم يأس الأولين ، ولم يخبروهم كما خبروهم ، أو لفرط حرصهم وجدّهم في أمرهم كما وصف الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام في قوله : { فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ } [ الكهف : 6 ] وقيل : الأمة هم الموعوظون ، لما وعظوا قالوا للواعظين : لم تعظون منا قوما تزعمون أنّ الله مهلكهم أو معذبهم؟ وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : يا ليت شعري ما فعل بهؤلاء الذين قالوا : لم تعظون قوماً؟ قال عكرمة : فقلت : جعلني الله فداك ، ألا ترى أنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا : لم تعظون قوماً الله مهلكهم ، فلم أزل به حتى عَرَّفْته أنهم قد نجوا . وعن الحسن : نجت فرقتان وهلكت فرقة ، وهم الذين أخذوا الحيتان . وروي : أنّ اليهود أُمروا باليوم الذي أُمرنا به وهو يوم الجمعة ، فتركوه واختاروا السبت ، فابتلوا به وحرّم عليهم فيه الصيد ، وأمروا بتعظيمه ، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاً سماناً كأنها المخاض ، لا يرى الماء من كثرتها ، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ، فكانوا كذلك برهة من الدهر ، ثم جاءهم إبليس فقال لهم : إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا حياضاً تسوقون الحيتان إليها يوم السبت ، فلا تقدر على الخروج منها . وتأخذونها يوم الأحد ، وأخذ رجل منهم حوتاً وربط في ذنبه خيطاً إلى خشبة في الساحل ، ثم شواه يوم الأحد ، فوجد جاره ريح السمك فتطلع في تنوره فقال له : إني أرى الله سيعذبك ، فلما لم يره عذب أخذ في السبت القابل حوتين ، فلما رأوا أنّ العذاب لا يعاجلهم ، صادوا وأكلوا وملحوا وباعوا ، وكانوا نحواً من سبعين ألفاً ، فصار أهل القرية أثلاثاً ، ثلث نهوا وكانوا نحواً من اثني عشر ألفاً ، وثلث قالوا : لم تعظون قوماً؟ وثلث هم أصحاب الخطيئة . (2/304)
فلما لم ينتهوا قال المسلمون : إنا لا نساكنكم ، فقسموا القرية بجدار : للمسلمين باب ، وللمعتدين باب . ولعنهم داود عليه السلام ، فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد ، فقالوا : إنّ للناس شأناً ، فعلوا الجدار فنطروا فإذا هم قردة ، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القرود أنسباءها من الأنس ، والأنس لا يعرفون أنسباءهم من القرود ، فجعل القرد يأتي نسيبه فيشم ثيابه ويبكي ، فيقول : ألم ننهك فيقول برأسه : بلى ، وقيل : صار الشباب قردة ، والشيوخ خنازير . وعن الحسن : أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها ، أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة ، هاه وايم الله ، ما حوتٌ أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم . ولكن الله جعل موعداً ، والساعة أدهى وأمرّ { بَئِيسٍ } شديد . يقال : بؤس يبؤس بأساً ، إذا اشتدّ ، فهو بئيس . وقرىء : «بئس» ، بوزن حَذِر . وبئس على تخفيف العين ونقل حركتها إلى الفاء . كما يقال : كبد في كبد . وبيس على قلب الهمزة ياء ، كذيب في ذئب ، وبيئس على فيعل ، بكسر الهمزة وفتحها ، وبيس بوزن ريس ، على قلب همزة بيئس ياء وإدغام الياء فيها ، وبيس على تخفيف بيس ، كهين في هين . وبائس على فاعل { فَلَمَّا عَتَوْاْ عَمَّا نُهُواْ عَنْهُ } فلما تكبروا عن ترك ما نهوا عنه ، كقوله : { وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ } [ الأعراف : 77 ] ، { قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً } عبارة عن مسخهم قردة ، كقوله : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ يس : 82 ] والمعنى : أنّ الله تعالى عذبهم أوّلاً بعذاب شديد ، فعتوا بعد ذلك فمسخهم . وقيل : فلما عتوا ، تكرير لقوله : { فَلَمَّا نَسُواْ } والعذاب البئيس : هو المسخ . (2/305)
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167)
{ تَأَذَّنَ رَبُّكَ } عزم ربك ، وهو تفعل من الإيذان وهو الإعلام؛ لأنّ العازم على الأمر يحدّت نفسه به ويؤذنها بفعله ، وأجرى مجرى فعل القسم ، كعلم الله ، وشهد الله . ولذلك أجيب بما يجاب به القسم وهو قوله : { لَيَبْعَثَنَّ } والمعنى : وإذ حتم ربك وكتب على نفسه ليبعثنَّ على اليهود { إلى يَوْمِ القيامة مَن يَسُومُهُمْ سُوء العذاب } فكانوا يؤدّون الجزية إلى المجوس ، إلى أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فضربها عليهم ، فلا تزال مضروبة عليهم إلى آخر الدهر . ومعنى ليبعثن عليهم ليسلطنّ عليهم ، كقوله : { بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد } (2/306)
[ الأسراء : 5 ]
وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169)
{ وقطعناهم فِي الارض أُمَمًا } وفرّقناهم فيها ، فلا يكاد يخلو بلد من فرقة منهم { مّنْهُمُ الصالحون } الذين آمنوا منهم بالمدينة ، أو الذين وراء الصين { وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك } ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه ، وهم الكفرة والفسقة . فإن قلت : ما محل دون ذلك؟ قلت : الرفع ، وهو صفة لموصوف محذوف ، معناه : ومنهم ناس منحطون عن الصلاح ، ونحوه { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } [ الصافات : 64 ] بمعنى : وما منا أحد إلاّ له مقام { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } بالنعم والنقم { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } فينيبون { فَخَلَفَ } من بعد المذكورين { خَلْفٌ } وهم الذين كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَرِثُواْ الكتاب } التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم ، ولا يعملون بها { يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الادنى } أي حطام هذا الشيء الأدنى ، يريد الدنيا وما يتمتع به منها . وفي قوله : { هذا الأدنى } تخسيس وتحقير . والأدنى : إما من الدنوّ بمعنى القرب ، لأنه عاجل قريب ، وإما من دنوّ الحال وسقوطها وقلتها ، والمراد : ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلم للتسهيل على العامة { وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } لا يؤاخذنا الله بما أخذنا . وفاعل { سَيُغْفَرُ } الجار والمجرور ، وهو { لَنَا } ويجوز أن يكون الأخذ الذي هو مصدر يأخذون { وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } الواو للحال ، أي يرجون المغفرة وهم مصرون عائدون إلى مثل فعلهم ، غير تائبين . وغفران الذنوب لا يصحّ إلاّ بالتوبة ، والمصر لا غفران له { أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ الكتاب } يعني قوله في التوراة : من ارتكب ذنباً عظيماً فإنه لا يغفر له إلاّ بالتوبة { وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ } في الكتاب من اشتراط التوبة في غفران الذنوب ، والذي عليه المجبرة هو مذهب اليهود بعينه كما ترى . وعن مالك بن دينار رحمه الله ، يأتي على الناس زمان إن قصروا عما أمروا به ، قالوا : سيغفر لنا ، لأنا لم نشرك بالله شيئاً ، كل أمرهم إلى الطمع ، خيارهم فيهم المداهنة ، فهؤلاء من هذه الأمّة أشباه الذين ذكرهم الله ، وتلا الآية { والدار الآخرة خَيْرٌ } من ذلك العرض الخسيس { لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } الرشا ومحارم الله . وقرىء : ««ورثوا الكتاب» ، ( وإلاّ تقولوا ) ، بالتاء . وادّارسو ، بمعنى تدارسوا . وأفلا تعقلون ، بالياء والتاء . فإن قلت : ما موقع قوله : { أَلا يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق } ؟ قلت : هو عطف بيان لميثاق الكتاب . ومعنى ميثاق الكتاب . الميثاق المذكور في الكتاب . وفيه أن إثبات المغفرة بغير توبة خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله . وتقوّل عليه ما ليس بحق . وإن فسر ميثاق الكتاب بما تقدم ذكره كان { أَن لاَّ يِقُولُواْ } مفعولاً له . ومعناه : لئلا يقولوا . ويجوز أن تكون { أَن } مفسرة ، و { لاَ تَقُولُواْ } نهياً ، كأنه قيل : ألم يقل لهم لا تقولوا على الله إلاّ الحق؟ فإن قلت : علام عطف قوله : { وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ } ؟ قلت : على { أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم } ، لأنه تقرير ، فكأنه قيل : أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه . (2/307)
وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)
{ والذين يُمَسّكُونَ بالكتاب } فيه وجهان ، أحدهما : أن يكون مرفوعاً بالابتداء وخبره { إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين } والمعنى : إنا لا نضيع أجرهم؛ لأنّ المصلحين في معنى الذين يمسكون بالكتاب ، كقوله : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } [ الكهف : 30 ] والثاني : أن يكون مجروراً عطفاً على الذين يتقون ، ويكون قوله : { إِنَّا لاَ نُضِيعُ } اعتراضاً . وقرىء : «يمسكون» بالتشديد . وتنصره قراءة أبيّ : «والذين مسكوا بالكتاب» ، فإن قلت : التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة . ومنها إقامة الصلاة ، فكيف أفردت؟ قلت : إظهار لمزية الصلاة لكونها عماد الدين ، وفارقه بين الكفر والإيمان . وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه : «والذين استمسكوا بالكتاب» . (2/308)
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)
{ وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ } قلعناه ورفعناه ، كقوله : { ورفعنا فوقهم الطور } . ومنه : نتق السقاء ، إذا نفضه ليقتلع الزبدة منه . والظلة : كل ما أظلك من سقيفة أو سحاب . وقرىء بالطاء ، من أطل عليه إذا أشرف { وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ } وعلموا أنه ساقط عليهم ، وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة . لغلظها وثقلها ، فرفع الله الطور على رؤسهم مقدار عسكرهم ، وكان فرسخاً في فرسخ . وقيل لهم : إن قبلتموها بما فيها وإلاّ ليقعن عليكم ، فلما نظروا إلى الجبل خرّ كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه ، فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلاّ على حاجبه الأيسر ، ويقولون : هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة ، ولما نشر موسى الألواح وفيها كتاب الله . لم يبق جبل ولا شجر ولا حجر إلاّ اهتز ، فلذلك لا ترى يهودياً تقرأ عليه التوراة إلاّ اهتز وأنغض لها رأسه { خُذُواْ مَا ءاتيناكم } على إرادة القول . أي : وقلنا خذوا ما آتيناكم ، أو قائلين : خذوا ما آتيناكم من الكتاب { بِقُوَّةٍ } وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه { واذكروا مَا فِيهِ } من الأوامر والنواهي ولا تنسوه ، أو اذكروا ما فيه من التعريض للثواب العظيم فارغبوا فيه . ويجوز أن يراد : خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوّة إن كنتم تطيقونه ، كقوله : { إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أقطار السموات والأرض } [ الرحمن : 33 ] فانفذوا . { واذكروا مَا فِيهِ } من الدلالة على القدرة الباهرة والإنذار { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ما أنتم عليه . وقرأ ابن مسعود : «وتذكروا» وقرىء : «واذّكروا» ، بمعنى وتذكروا . (2/309)
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)
{ مِن ظُهُورِهِمْ } بدل من بني آدم بدل البعض من الكل . ومعنى أخذ ذرّياتهم من ظهورهم : إخراجهم من أصلابهم نسلاً وإشهادهم على أنفسهم . قوله : { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَا } من باب التمثيل والتخييل !ا ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته ، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى ، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم : ألست بربكم؟ وكأنهم قالوا : بلى أنت ربنا ، شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك . وباب التمثيل واسع في كلام الله تعالى ورسوله عليه [ الصلاة و ] السلام ، وفي كلام العرب . ونظيره قوله تعالى : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ النحل : 40 ] ، { فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت : 11 ] وقوله : (2/310)
إِذْ قَالَتِ الأَنْسَاعُ لِلْبَطْنِ الْحَقِ ... قَالَتْ لَهُ رِيحُ الصَّبَا قَرْقَارِ ... ومعلوم أنه لا قول ثَمَّ ، وإنما هو تمثيل وتصوير للمعنى { وأَن تَقُولُواْ } مفعول له ، أي فعلنا ذلك من نصب الأدلة الشاهدة على صحتها العقول ، كراهة { أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين } لم ننبه عليه { أو } كراهة { أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءابَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذرية من بعدهم } فاقتدينا بهم ، لأن نصب الأدلة على التوحيد وما نبهوا عليه قائم معهم ، فلا عذر لهم في الإعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء . كما لا عذر لآبائهم في الشرك - وأدلة التوحيد منصوبة لهم - فإن قلت : بنو آدم وذرّياتهم من هم؟ قلت : عنى ببني آدم : أسلاف اليهود الذين أشركوا بالله ، حيث قالوا : عزير ابن الله . وبذرياتهم : الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخلافهم المقتدين بآبائهم . والدليل على أنها من المشركين وأولادهم : قوله : { أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءابَاؤُنَا مِن قَبْلُ } والدليل على أنها في اليهود : الآيات التي عطفت عليها هي ، والتي عطفت عليها وهي على نمطها وأسلوبها ، وذلك قوله : { وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية } [ الأعراف : 163 ] ، { وإِذْ قَالَتِ أُمَّةٌ مّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ } [ الأعراف : 164 ] ، { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ } [ الأعراف : 167 ] ، { وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ } [ الأعراف : 171 ] . { واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذى ءاتيناه ءاياتنا } [ الأعراف : 175 ] . { أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون } أي كانوا السبب في شركنا؛ لتأسيسهم الشرك ، وتقدّمهم فيه ، وتركه سنة لنا { وكذلك } ومثل ذلك التفصيل البليغ { نُفَصّلُ الآيات } لهم { وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } وإرادة أن يرجعوا عن شركهم نفصلها . وقرىء : «ذريتهم» على التوحيد . وأن يقولوا : بالياء .
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)
{ واتل عَلَيْهِمْ } على اليهود { واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذى ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ مِنْهَا } هو عالم من علماء بني إسرائيل . وقيل : من الكنعانيين ، اسمه بلعم بن باعوراء أوتي علم بعض كتب الله { فانسلخ مِنْهَا } من الآيات ، بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره { فَأَتْبَعَهُ الشيطان } فلحقه الشيطان وأدركه وصار قريناً له . أو فأتبعه خطواته . وقرىء : «فاتبعه» بمعنى فتبعه { فَكَانَ مِنَ الغاوين } فصار من الضالين الكافرين . روي أن قومه طلبوا إليه أن يدعو على موسى ومن معه فأبى وقال : كيف أدعو على من معه الملائكة ، فألحوا عليه ولم يزالوا به حتى فعل { وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه بِهَا } لعظمناه ورفعناه إلى منازل الأبرار من العلماء بتلك الآيات { ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض } مال إلى الدنيا ورغب فيها . وقيل : مال إلى السفالة . فإن قلت : كيف علق رفعه بمشيئة الله تعالى ولم يعلق بفعله الذي يستحق به الرفع قلت المعنى . ولو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها . وذلك أن مشيئة الله تعالى رفعه تابعة للزومه الآيات فذكرت المشيئة . والمراد : ما هي تابعة له ومسببة عنه كأنه قيل : ولو لزمها لرفعناه بها . ألا ترى إلى قوله : { ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الارض } فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله ، فوجب أن يكون { وَلَوْ شِئْنَا } في معنى ما هو فعله ، ولو كان الكلام على ظاهره لوجب أن يقال : ولو شئنا لرفعناه ولكنا لم نشأ { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب } فصفته التي هي مثل في الخسّة والضعة كصفة الكلب في أخسّ أحواله وأذلها وهي حال دوام اللهث به واتصاله ، سواء حمل عليه - أي شدّ عليه وهيج فطرد - أو ترك غير متعرّض له بالحمل عليه . وذلك أنّ سائر الحيوان لا يكون منه اللهث إلاّ إذا هيج منه وحرّك ، وإلاّ لم يلهث ، والكلب يتصل لهثه في الحالتين جميعاً ، وكان حق الكلام أن يقال : ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض فحططناه ووضعنا منزلته ، فوضع قوله { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب } موضع حططناه أبلغ حط لأن تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في معنى ذلك . وعن ابن عباس رضي الله عنه ، الكلب منقطع الفؤاد ، يلهث إن حمل عليه أو لم يحمل عليه . وقيل : معناه إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال ، كالكلب إن طردته فسعى لهث ، وإن تركته على حاله لهث . فإن قلت : ما محل الجملة الشرطية؟ قلت : النصب على الحال ، كأنه قيل : كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة لاهثاً في الحالتين . وقيل : لما دعا بلعم على موسى عليه السلام خرج لسانه فوقع على صدره ، وجعل يلهث كما يلهث الكلب { ذلك مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } من اليهود بعد ما قرؤا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة ، وذكر القرآن المعجز وما فيه ، وبشروا الناس باقتراب مبعثه ، وكانوا يستفتحون به { فاقصص } قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم { لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فيحذرون مثل عاقبته ، إذا ساروا نحو سيرته ، وزاغوا شبه زيغه ، ويعلمون أنك علمته من جهة الوحي فيزدادوا إيقاناً بك وتزداد الحجة لزوماً لهم . (2/311)
سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)
{ سَاء مَثَلاً القوم } أي مثل القوم . أو ساء أصحاب مثل القوم . وقرأ الجحدري : «ساء مثل القوم» . { وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ } إما أن يكون معطوفاً على كذبوا ، فيدخل في حيز الصلة بمعنى : الذين جمعوا بين التكذيب ، بآيات الله وظلم أنفسهم . وإما أن يكون كلاماً منقطعاً عن الصلة ، بمعنى : وما ظلموا إلاّ أنفسهم بالتكذيب ، وتقديم المفعول به للاختصاص ، كأنه قيل : وخصّوا أنفسهم بالظلم لم يتعدّها إلى غيرها . (2/312)
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178)
{ فَهُوَ المهتدى } حمل على اللفظ . و { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } حمل على المعنى . (2/313)
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)
{ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس } هم المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لطف لهم . وجعلهم في أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحقّ ، ولا ينظرون بأعينهم إلى ما خلق الله نظر اعتبار ، ولا يسمعون ما يتلى عليهم من آيات الله سماع تدبر ، كأنهم عدموا فهم القلوب ، وإبصار العيون واستماع الآذان . وجعلهم - لإعراقهم في الكفر وشدّة شكائمهم فيه ، وأنه لا يأتي منهم إلاّ أفعال أهل النار - مخلوقين للنار ، دلالة على توغلهم في الموجبات وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخول النار ومنه كتاب عمر رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد : بلغني أن أهل الشام اتخذوا لك دَلُوكاً عجن بخمر وإني لأظنكم آل المغيرة ذرء النار . ويقال لمن كان عريقاً في بعض الأمور : ما خلق فلان إلاّ لكذا . والمراد وصف حال اليهود في عظم ما أقدموا عليه من تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع علمهم أنه النبي الموعود . وأنهم من جملة الكثير الذين لا يكاد الإيمان يتأتى منهم ، كأنهم خلقوا للنار { أُوْلَئِكَ كالانعام } في عدم الفقه والنظر للاعتبار والاستماع للتدبر { بَلْ هُمْ أَضَلُّ } من الأنعام عن الفقه والاعتبار والتدبر { أُوْلَئِكَ هُمُ الغافلون } الكاملون في الغفلة . وقيل : الأنعام تبصر منافعها ومضارّها فتلزم بعض ما تبصره ، وهؤلاء أكثرهم يعلم أنه معاند فيقدم على النار . (2/314)
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)
{ وَللَّهِ الاسماء الحسنى } التي هي أحسن الأسماء؛ لأنها تدلّ على معان حسنة من تمجيد وتقديس وغيرذلك { فادعوه بِهَا } فسموه بتلك الأسماء { وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَئِهِ } واتركوا تسمية الذين يميلون عن الحقّ والصواب فيها فيسمونه بغير الأسماء الحسنى ، وذلك أن يسموه بما لا يجوز عليه ، كما سمعنا البدو يقولون بجهلهم : يا أبا المكارم ، يا أبيض الوجه ، يانخي . أو أن يأبوا تسميته ببعض أسمائه الحسنى . نحو أن يقولوا : يا ألله ، ولا يقولوا : يا رحمن وقد قال الله تعالى : { قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن أَيَّامًا تَدْعُواْ فَلَهُ الاسماء الحسنى } [ الإسراء : 110 ] ويجوز أن يراد : ولله الأوصاف الحسنى ، وهي الوصف بالعدل والخير والإحسان وانتفاء شبه الخلق فصفوه بها ، وذروا الذين يلحدون في أوصافه فيصفونه بمشيئة القبائح وخلق الفحشاء والمنكر وبما يدخل في التشبيه كالرؤية ونحوها ، وقيل : إلحادهم في أسمائه : تسميتهم الأصنام آلهة ، واشتقاقهم اللات من الله ، والعزى من العزيز . (2/315)
وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)
لما قال : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا } [ الأعراف : 179 ] فأخبر أنّ كثيراً من الثقلين عاملون بأعمال أهل النار ، أتبعه قوله : { وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق } وعن النبي صلى الله عليه وسلم : (2/316)
( 401 ) أنه كان يقول إذا قرأها : " هذه لكم " وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها ، { وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق } [ الأعراف : 159 ] وعنه صلى الله عليه وسلم :
( 402 ) «إنّ من أمّتي قوماً على الحقّ حتى ينزل عيسى عليه السلام» وعن الكلبي : هم الذين آمنوا من أهل الكتاب . وقيل : هم العلماء والدعاة إلى الدين .
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)
الاستدراج : استفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد ، أو الاستنزال درجة بعد درجة . قال الأعشى : (2/317)
فَلَوْ كُنْتَ فِي جُبٍّ ثَمَانِينَ قَامَةً ... وَرَقِيتَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّم
لَيَسْتَدرِجَنَّكَ الْقَوْلُ حَتَّى تَهَرَّه ... وَتَعْلَمَ أَنِي عَنْكُمْ غَيْرَ مُفْحَمِ
ومنه : درج الصبي إذا قارب بين خطاه . وأدرج الكتاب : طواه شيئاً بعد شيء . ودرج القوم : مات بعضهم في أثر بعض . ومعنى { سَنَسْتَدْرِجُهُم } سنستدينهم قليلاً قليلاً إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم { مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } ما يراد بهم ، وذلك أن يواتر الله نعمه عليهم مع أنهماكهم في الغيّ . فكلّما جدّد عليهم نعمة ازدادوا بطراً وجدّدوا معصية ، فيتدرّجون في المعاصي بسبب ترادف النعم ، ظانين أنّ مواترة النعم أثرة من الله وتقريب ، وإنما هي خذلان منه وتبعيد ، فهو استدراج الله تعالى ، نعوذ بالله منه { وَأُمْلِى لَهُمْ } عطف على { سَنَسْتَدْرِجُهُم } وهو داخل في حكم السين { إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } سماه كيداً لأنه شبيه بالكيد ، من حيث أنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان { مَا بِصَاحِبِهِم } بمحمد صلى الله عليه وسلم { مّن جِنَّةٍ } من جنون ، وكانوا يقولون شاعر مجنون . وعن قتادة :
( 403 ) أنّ النبي صلى الله عليه وسلم علا الصفا فدعاهم فخذاً فخذاً يحذرهم بأس الله ، فقال قائلهم : إن صاحبكم هذا لمجنون ، بات يصوِّت إلى الصباح { أَوَلَمْ يَنظُرُواْ } نظر استدلال { فِى مَلَكُوتِ السماوات والأرض } فيما تدلاّن عليه من عظم الملك . والملكوت : الملك العظيم { وَمَا خَلَقَ الله مِن شَىْء } وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم الشيء ومن أجناس لا يحصرها العدد ولا يحيط بها الوصف { وَأَنْ عسى } أن مخففة من الثقيلة ، والأصل : أنه عسى ، على أن الضمير ضمير الشأن . والمعنى : أو لم ينظروا في أنّ الشأن والحديث عسى { أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ } ولعلهم يموتون عما قريب ، فيسارعوا إلى النظر وطلب الحق وما ينجيهم . قبل مغافصة الأجل وحلول العقاب ويجوز أن يراد باقتراب الأجل : اقتراب الساعة ، ويكون من «كان» التي فيها ضمير الشأن . فإن قلت : بم يتعلق قوله : { فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } ؟ قلت : بقوله : { عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ } كأنه قيل : لعلّ أجلهم قد اقترب ، فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الفوت ، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحقِّ ، وبأيّ حديث أحقّ منه يريدون أن يؤمنوا .
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)
قرىء : «ويذرهم» بالياء والنون ، والرفع على الاستئناف ، ويذرهم ، بالياء والجزم عطفاً على محل { فَلاَ هَادِيَ لَهُ } كأنه قيل : من يضلل الله لا يهده أحد ويذرهم . (2/318)
يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187)
{ يَسْئَلُونَكَ } قيل : إن قوماً من اليهود قالوا : يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً ، فإنا نعلم متى هي ، وكان ذلك امتحاناً منهم ، مع علمهم أن الله تعالى قد استأثر بعلمها . وقيل : السائلون قريش . و { الساعة } من الأسماء الغالبة ، كالنجم للثريا . وسميت القيامة بالساعة ، لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها ، أو على العكس لطولها ، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق . { أَيَّانَ } بمعنى متى . وقيل؛ اشتقاقه من أيّ فعلان منه ، لأنّ معناه أيّ وقت وأيّ فعل ، من أويت إليه ، لأنّ البعض آو إلى الكل متساند إليه ، قاله ابن جني ، وأبى أن يكون من «أين» لأنّه زمان ، «وأين» مكان . وقرأ السلمي «إيان» بكسر الهمزة { مرساها } إرساؤها ، أو وقت إرسائها؛ أي إثباتها وإقرارها . وكل شيء ثقيل رسّوه ثباته واستقراره . ومنه رسي الجبل وأرسي السفينة . والمرسى : الأنجر الذي ترسى به ، ولا أثقل من الساعة ، بدليل قوله { ثَقُلَتْ فِى السماوات والأرض } والمعنى حتى يرسيها الله { إِنَّمَا عِلْمُهَا } أي علم وقت إرسائها عنده قد استأثر به ، ولم يخبر به أحداً من ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ، يكاد يخفيها من نفسه ، ليكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى الأجل الخاص وهو وقت الموت لذلك { لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ } أي لا تزال خفية ، لا يظهر أمرها ولا يكشف خفاء علمها إلاّ هو وحده إذا جاء في وقتها بغتة ، لا يجليها بالخبر عنها قبل مجيئها أحد من خلقه ، لاستمرار الخفاء بها على غيره إلى وقت وقوعها { ثَقُلَتْ فِى السماوات والأرض } أي كل من أهلها من الملائكة والثقلين أهمه شأن الساعة ، وبودّه أن يتجلى له علمها وشقّ عليه خفاؤها وثقل عليه . أو ثقلت فيها لأن أهلها يتوقعونها ويخافون شدائدها وأهوالها . أو لأنّ كل شيء لا يطيقها ولا يقوم لها فهي ثقيلة فيها { إِلاَّ بَغْتَةً } إلاّ فجأة على غفلة منكم . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : (2/319)
( 404 ) " إنَّ الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته ، والرجل يقوّم سلعته في سوقه ، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه " { كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا } كأنك عالم بها . وحقيقته : كأنك بليغ في السؤال عنها ، لأنّ من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه ، استحكم فيه ورصن وهذا التركيب معناه المبالغة . ومنه إحفاء الشارب . إحتفاء البقل : استئصاله . وأحفى في المسألة ، إذا ألحف وحفي بفلان وتحفى به : بالغ في البرّ به . وعن مجاهد : استحفيت عنها السؤال حتى علمت . وقرأ ابن مسعود : «كأنك حفيّ بها» أي عالم بها بليغ في العلم بها . وقيل : { عَنْهَا } متعلق بيسئلونك : أي يسئلونك عنها كأنك حفيّ أي عالم بها .