صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الكشاف
المؤلف : أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)

{ سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ } إخبار بما سوف يقولونه ولما قالوه قال : { وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآء الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء } [ النحل : 35 ] يعنون بكفرهم وتمردهم أن شركهم وشرك آبائهم ، وتحريمهم ما أحلّ الله ، بمشيئة الله وإرادته . ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك ، كمذهب المجبرة بعينه { كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } أي جاءوا بالتكذيب المطلق؛ لأن الله عزّ وجلّ ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دلّ على غناه وبراءته من مشيئة القبائح وإرادتها ، والرسل أخبروا بذلك . فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله ، وهو تكذيب الله وكتبه ورسله ، ونبذ أدلة العقل والسمع وراء ظهره { حتى ذَاقُواْ بَأْسَنَا } حتى أنزلنا عليهم العذاب بتكذيبهم { قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ } من أمر معلوم يصحّ الاحتجاج به فيما قلتم { فَتُخْرِجُوهُ لَنَا } وهذا من التهكم ، والشهادة بأن مثل قولهم محال أن يكون له حجة { إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } في قولكم هذا { وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ } تقدّرون أن الأمر كما تزعمون أو تكذبون . وقرىء : «كذلك كذب الذين من قبلهم» بالتخفيف { قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة } يعني فإن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فللَّهِ الحجة البالغة عليكم على قود مذهبكم { فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } منكم ومن مخالفيكم في الدين ، فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته ، فتوالوهم ولا تعادوهم ، وتوافقوهم ولا تخالفوهم ، لأنّ المشيئة تجمع بين ما أنتم عليه وبين ما هم عليه .

(2/187)


قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)

{ هَلُمَّ } يستوي فيه الواحد والجمع ، والمذكر والمؤنث عند الحجازيين . وبنو تميم تؤنث وتجمع . والمعنى : هاتوا شهداءكم وقرّبوهم . فإن قلت : كيف أمره باستحضار شهدائهم الذين يشهدون أنّ الله حرم ما زعموه محرّماً ، ثم أمره بأن لا يشهد معهم؟ قلت : أمره باستحضارهم وهم شهداء بالباطل ، ليلزمهم الحجة ويلقمهم الحجر ، ويظهر للمشهود لهم بانقطاع الشهداء أنهم ليسوا على شيء ، لتساوي أقدام الشاهدين والمشهود لهم في أنهم لا يرجعون إلى ما يصحّ التمسك به . وقوله : { فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } يعني فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم : لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم وكان واحداً منهم { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الذين كَذَّبُواْ بأياتنا } من وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنّ من كذب بآيات الله وعدل به غيره فهو متبع للهوى لا غير ، لأنه لو اتبع الدليل لم يكن إلا مصدقاً بالآيات موحداً لله تعالى . فإن قلت : هلاّ قيل : قل هلم شهداء يشهدون أنّ الله حرّم هذا؟ وأي فرق بينه وبين المنزل؟ قلت : المراد أن يحضروا شهداءهم الذين علم أنهم يشهدون لهم وينصرون قولهم ، وكان المشهود لهم يقلدونهم ويثقون بهم ويعتضدون بشهادتهم ، ليهدم ما يقومون به فيحق الحق ويبطل الباطل ، فأضيفت الشهداء لذلك ، وجيء بالذين للدلالة على أنهم شهداء معروفون موسومون بالشهادة لهم وبنصرة مذهبهم ، والدليل عليه قوله تعالى : { فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } ولو قيل : هلم شهداء يشهدون لكان معناه هاتوا أناساً يشهدون بتحريم ذلك فكان الظاهر طلب شهداء بالحق وذلك ليس بالغرض . ويناقضه قوله تعالى : { فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } .

(2/188)


قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)

«تعال» ، من الخاص الذي صار عاماً ، وأصله أن يقوله من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه ثم كثر واتسع فيه حتى عمّ . و { مَا حَرَّمَ } منصوب بفعل التلاوة ، أي أتل الذي حرمه ربكم . أو يحرم بمعنى : أقل أيّ شيء حرّم ربكم ، لأنّ التلاوة من القول ، و «أن» في { أَلاَّ تُشْرِكُواْ } مفسرة و «لا» النهي . فإن قلت : هلاّ قلت هي التي تنصب الفعل ، وجعلت أن لا تشركوا بدلاً من { مَا حَرَّمَ } ؟ قلت : وجب أن يكون { لا تُشْرِكُواْ } و { لاَ تَقْرَبُواْ } و { لاَ تَقْتُلُواْ } و { اَ تَتَّبِعُواْ السبل } [ الأنعام : 153 ] نواهي لانعطاف الأوامر عليها ، وهي قوله : { وبالوالدين إحسانا } لأنّ التقدير : وأحسنوا بالوالدين إحساناً . و { أَوْفُواْ } ، { وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا } [ الأنعام : 152 ] ، { وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ } [ الأنعام : 152 ] . فإن قلت : فما تصنع بقوله : { وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه } فيمن قرأ بالفتح ، وإنما يستقيم عطفه على أن لا تشركوا إذا جعلت أن هي الناصبة للفعل ، حتى يكون المعنى : أتل عليكم نفي الإشراك والتوحيد ، وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيماً؟ قلت : أجعل قوله : { وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا } [ الأنعام : 153 ] علة للاتباع بتقدير اللام ، كقوله تعالى : { وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً } [ الجن : 18 ] بمعنى : ولأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه . والدليل عليه القراءة بالكسر ، كأنه قيل : واتبعوا صراطي لأنّه مستقيم ، أو واتبعوا صراطي إنه مستقيم . فإن قلت : إذا جعلت { أن } مفسرة لفعل التلاوة وهو معلق بما حرّم ربكم ، وجب أن يكون ما بعده منهياً عنه محرماً كله ، كالشرك وما بعده مما دخل عليه حرف النهي فما تصنع بالأوامر قلت لما وردت هذه الأوامر مع النواهي وتقدمهن جميعاً فعل التحريم واشتركن في الدخول تحت حكمه ، علم أن التحريم راجع إلى أضدادها ، وهي الإساءة إلى الوالدين ، وبخس الكيل والميزان . وترك العدل في القول ، ونكث عهد الله { مّنْ إملاق } من أجل فقر ومن خشيته ، كقوله تعالى : { خَشْيَةَ إملاق } [ الإسراء : 31 ] . { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } مثل قوله : { ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ } [ الأنعام : 120 ] . { إِلاَّ بالحق } كالقصاص ، والقتل على الردة ، والرجم .

(2/189)


وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)

{ إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } إلاّ بالخصلة التي هي أحسن ما يفعل بمال اليتيم ، وهي حفظه وتثميره والمعنى : احفظوه عليه حتى يبلغ أشدّه فادفعوه إليه { بالقسط } بالسوية والعدل؛ { لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } إلاّ ما يسعها ولا تعجز عنه . وإنما أتبع الأمر بإيفاء الكيل والميزان ذلك؛ لأن مراعاة الحدّ من القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه الحرج ، فأمر ببلوغ الوسع وأن ما وراءه معفوٌّ عنه { وَلَوْ كَانَ ذَا قربى } ولو كان المقول له أو عليه في شهادة أو غيرها من أهل قرابة القاتل ، فما ينبغي أن يزيد في القول أو ينقص ، كقوله : { وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين } [ النساء : 135 ] .

(2/190)


وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)

وقرىء : «وأَنْ هذا صراطي مستقيماً» بتخفيف «أن» وأصله : وأنه هذا صراطي ، على أن الهاء ضمير الشأن والحديث . وقرأ الأعمش : «وهذا صراطي» . وفي مصحف عبد الله : «هذا صراط ربكم» . وفي مصحف أبيّ : «وهذا صراط ربك» { وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل } الطرق المختلفة في الدين ، من اليهودية والنصرانية ، والمجوسية ، وسائر البدع والضلالات { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ } فتفرقكم أيادي سبا { عَن سَبِيلِهِ } عن صراط الله المستقيم وهو دين الإسلام . وقرىء : «فَتَّفَرَّقَ» بإدغام التاء . وروى أبو وائل عن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم :
( 383 ) " أنه خط خطاً ثم قال : هذا سبيل الرشد ، ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً ثم قال : هذه سبل ، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ، ثم تلا هذه الآية " { وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه } وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هذه الآيات محكمات لم ينسخهنّ شيء من جميع الكتب . وقيل : إنهنّ أمّ الكتاب ، من عمل بهنّ دخل الجنة ، ومن تركهنّ دخل النار ، وعن كعب الأحبار : والذي نفس كعب بيده إنّ هذه الآيات لأول شيء في التوراة . فإن قلت : علام عطف قوله : { ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب } قلت : على { وصاكم بِهِ } . فإن قلت : كيف صحّ عطفه عليه بثم - والإيتاء قبل التوصية بدهر طويل-؟ قلت : هذه التوصية قديمة ، لم تزل توصاها كل أمّة على لسان نبيهم ، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما : محكمات لم ينسخهنّ شيء من جميع الكتاب ، فكأنه قيل : ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً .

(2/191)


ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)

{ ثُمَّ } أعظم من ذلك أنا { ءَاتَيْنَا مُوسَى الكتاب } وأنزلنا هذا الكتاب المبارك . وقيل : هو معطوف على ما تقدّم قبل شطر السورة من قوله تعالى : { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ } [ الأنعام : 84 ] { تَمَامًا عَلَى الذى أَحْسَنَ } تماماً للكرامة والنعمة ، على الذي أحسن ، على من كان محسناً صالحاً ، يريد جنس المحسنين . وتدلّ عليه قراءة عبد الله : «على الذين أحسنوا» أو أراد به موسى عليه السلام ، أي تتمة للكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وفي كل ما أمر به أو تماماً على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع ، من أحسن الشيء إذا أجاد معرفته ، أي زيادة على علمه على وجه التتميم . وقرأ يحيى بن يعمر : «على الذي أحسن» ، بالرفع ، أي على الذي هو أحسن ، بحذف المبتدإ كقراءة من قرأ : { مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً } [ البقرة : 26 ] بالرفع أي على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه . أو آتينا موسى الكتاب تماماً ، أي تامَّاً كاملاً على أحسن ما تكون عليه الكتب ، أي على الوجه والطريق الذي هو أحسن وهو معنى قول الكلبي : أتمَّ له الكتاب على أحسنه .

(2/192)


وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157)

{ أَن تَقُولُواْ } كراهة أن تقولوا { على طَائِفَتَيْنِ } يريدون أهل التوراة وأهل الإنجيل { وَإِن كُنَّا } هي إن المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية . والأصل : وإنه كنا عن دراستهم غافلين ، على أن الهاء ضمير الشأن { عَن دِرَاسَتِهِمْ } عن قراءتهم ، أي لم نعرف مثل دراستهم { لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ } لحدّة أذهاننا ، وثقابة أفهامنا ، وغزارة حفظنا لأيام العرب ووقائعها وخطبها وأشعارها وأسجاعها وأمثالها ، على أنا أمّيون . وقرىء : «أن يقولوا» أو يقولوا ، بالياء { فَقَدْ جَاءكُمْ بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } تبكيت لهم ، وهو على قراءة من قرأ : «يقولوا» على لفظ الغيبة أحسن ، لما فيه من الالتفات . والمعنى : إن صدّقتكم فيما كنتم تعدّون من أنفسكم فقد جاءكم بينة من ربكم ، فحذف الشرط وهو من أحاسن الحذوف { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بأيات الله } بعد ما عرف صحتها وصدقها ، أو تمكن من معرفة ذلك { وَصَدَفَ عَنْهَا } الناس فضلّ وأضلّ { سَنَجْزِى الذين يَصْدِفُونَ عَنْ ءاياتنا سُوء العذاب } كقوله : { الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب } [ النحل : 88 ] .

(2/193)


هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)

{ الملائكة } ملائكة الموت ، أو العذاب { أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ } أو يأتي كل آيات ربك . بدليل قوله : { أَوْ يأْتِىَ بَعْضُ ءايات رَبِّكَ } يريد آيات القيامة والهلاك الكلي ، وبعض الآيات . أشراط الساعة ، كطلوع الشمس من مغربها ، وغير ذلك . وعن البراء بن عازب :
( 384 ) كنا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ما تتذاكرون؟ فقلنا : نتذاكر الساعة قال : إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات : الدخان ، ودابة الأرض ، وخسفاً بالمغرب ، وخسفاً بالمشرق ، وخسفاً بجزيرة العرب ، والدجال ، وطُلوع الشمس من مغربها ، ويأجوج ومأجوج ، ونزول عيسى ، وناراً تخرج من عدن " { َلَمْ تَكُنْ آمنت مِن قَبْلُ } صفة لقوله نفساً . وقوله : { أَوْ كَسَبَتْ فِى إيمانها خَيْرًا } عطف على آمنت . والمعنى أنّ أشراط الساعة إذا جاءت وهي آيات ملجئة مضطرة ، ذهب أوان التكليف عندها ، فلم ينفع الإيمان حينئذ نفساً غير مقدّمة إيمانها من قبل ظهور الآيات ، أو مقدّمة الإيمان غير كاسبة في إيمانها خيراً ، فلم يفرق كما ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان ، وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكسب خيراً ، ليعلم أنَّ قوله : { الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } [ البقرة : 25 ] جمع بين قرينتين ، لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى ، حتى يفوز صاحبهما ويسعد ، وإلاّ فالشقوة والهلاك { قُلِ انتظروا إنا مُنتَظِرُونَ } وعيد . وقرىء : «أن يأتيهم الملائكة» بالياء والتاء . وقرأ ابن سيرين : ( لا تنفع ) بالتاء؛ لكون الإيمان مضافاً إلى ضمير المؤنث الذي هو بعضه كقولك : ذهبت بعض أصابعه .

(2/194)


إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)

{ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } اختلفوا فيه كما اختلفت اليهود والنصارى . وفي الحديث :
( 385 ) " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، كلها في الهاوية إلاّ واحدة وهي الناجية ، وافترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة ، كلها في الهاوية إلاّ واحدة ، وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في الهاوية إلاّ واحدة " وقيل : فرّقوا دينهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض . وقرىء : «فارقوا دينهم» أي تركوه { وَكَانُواْ شِيَعاً } فرقاً كل فرقة تشيع إماماً لها { لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْء } أي من السؤال عنهم وعن تفرّقهم . وقيل : من عقابهم . وقيل : هي منسوخة بآية السيف .

(2/195)


مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160)

{ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } على إقامة صفة الجنس المميز مقام الموصوف ، تقديره عشر حسنات أمثالها ، وقرىء : «عشرُ أمثالُهَا» برفعهما جميعاً على الوصف . وهذا أقلّ ما وعد من الإضعاف . وقد وعد بالواحد سبعمائة ، ووعد ثواباً بغير حساب . ومضاعفة الحسنات فضل ، ومكافأة السيئات عدل { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } لا ينقص من ثوابهم ولا يزاد على عقابهم .

(2/196)


قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161)

{ دِينًا } نصب على البدل من محل { إلى صراط } لأنّ معناه : هداني صراطاً ، بدليل قوله : { وَيَهْدِيَكُمْ صراطا مُّسْتَقِيماً } [ الفتح : 2 ] والقيم : فيعل ، من قام ، كسيد من ساد ، وهو أبلغ من القائم . وقرىء : «قيماً» والقيم : مصدر بمعنى القيام وصف به . و { مِلَّةِ إبراهيم } عطف بيان . و { حَنِيفاً } حال من إبراهيم .

(2/197)


قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)

{ قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى } وعبادتي وتقرّبي كله . وقيل : وذبحي . وجمع بين الصلاة والذبح كما في قوله : { فَصَلّ لِرَبّكَ وانحر } [ الكوثر : 2 ] وقيل : صلاتي وحجّي من مناسك الحج { وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى } وما آتيه في حياتي ، وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح { للَّهِ رَبّ العالمين } خالصة لوجهه { وبذلك } من الإخلاص { أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين } لأنّ إسلام كل نبيّ متقدّم لإسلام أمّته .

(2/198)


قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)

{ قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِى رَبّا } جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم ، والهمزة للإنكار ، أي منكر أن أبغي رباً غيره { وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَىْء } فكل من دونه مربوب ليس في الوجود من له الربوبية غيره ، كما قال : { قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ } [ الزمر : 64 ] ، { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } جواب عن قولهم : { اتبعوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خطاياكم } [ العنكبوت : 12 ] .

(2/199)


وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)

{ جَعَلَكُمْ خلائف الارض } لأنّ محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فخلفت أمّته سائر الأمم . أو جعلهم يخلف بعضهم بعضاً . أو هم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات } في الشرف والرزق { لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءاتاكم } من نعمة المال والجاه ، كيف تشكرون تلك النعمة ، وكيف يصنع الشريف بالوضيع ، والحرّ بالعبد ، والغني بالفقير { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب } لمن كفر نعمته { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن قام يشكرها . ووصف العقاب بالسرعة ، لأنّ ما هو آت قريب .
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 386 ) « أنزلت عليّ سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ الأنعام صلّى الله عليه وسلم واستغفر له أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من سورة الأنعام يوماً وليلة »

(2/200)


المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)

{ كِتَابٌ } خبر مبتدأ محذوف ، أي هو كتاب . و { أُنزِلَ إِلَيْكَ } صفة له . والمراد بالكتاب السورة { فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ } أي شك منه ، كقوله : { فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ } [ يونس : 94 ] وسمى الشك حرجاً ، لأن الشاك ضيق الصدر حرجه ، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه . أي لا تشكّ في أنه منزل من الله ، ولا تحرج من تبليغه لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم ، فكان يضيق صدره من الأداء ولا ينبسط له فأمّنه الله ونهاه عن المبالاة بهم . فإن قلت : بم تعلق قوله : { لّتُنذِرَ } ؟ قلت : بأنزل ، أي أنزل إليك لإنذارك به أو بالنهي ، لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم ، وكذلك إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار؛ لأن صاحب اليقين جسور متوكل على ربه ، متكل على عصمته ، فإن قلت؛ فما محل ذكرى؟ قلت : يحتمل الحركات الثلات . النصب بإضمار فعلها . كأنه قيل : لتنذر به وتذكر تذكيراً لأن الذكرى اسم بمعنى التذكير ، والرفع عطفاً على كتاب ، أو بأنه خبر مبتدأ محذوف . والجر للعطف على محل أن تنذر ، أي للإنذار وللذكرى . فإن قلت : النهي في قوله : { فَلاَ يَكُن } متوجه إلى الحرج فما وجهه؟ قلت : هو من قولهم : لا أرينك ههنا .

(2/201)


اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)

{ اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم } من القرآن والسنّة { وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ } من دون الله { أَوْلِيَاء } أي ولا تتلوا من دونه من شياطين الجنّ والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع ويضلوكم عن دين الله وما أنزل إليكم ، وأمركم باتباعه . وعن الحسن : يا ابن آدم ، أمرت باتباع كتاب الله وسنّة محمد صلى الله عليه وسلم . والله ما نزلت آية إلاّ وهو يحب أن تعلم فيم نزلت وما معناها . وقرأ مالك بن دينار : «ولا تبتغوا» من الابتغاء { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا } [ آل عمران : 85 ] . ويجوز أن يكون الضمير في { مِن دُونِهِ } لما أنزل ، على : ولا تتبعوا من دون دين الله دين أولياء { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره . وقرىء : «تذكرون» ، بحذف التاء . «ويتذكرون» بالياء . و { قَلِيلاً } : نصب يتذكرون ، أي تذكرون تذكراً قليلاً . و { مَآ } مزيدة لتوكيد القلة .

(2/202)


وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4)

{ فَجَاءهَا } فجاء أهلها { بَيَاتًا } مصدر واقع موقع الحال ، بمعنى بائتين . يقال : بات بياتاً حسناً ، وبيتة حسنة ، وقوله : { هُمْ قَائِلُونَ } حال معطوفة على «بياتاً» ، كأنه قيل : فجاءهم بأسنا بائتين أو قائلين . فإن قلت : هل يقدر حذف المضاف الذي هو الأهل قبل { قَرْيَةٌ } أو قبل الضمير في { أهلكناها } ؟ قلت : إنما يقدّر المضاف للحاجة ولا حاجة ، فإنّ القرية تهلك كما يهلك أهلها . وإنما قدّرناه قبل الضمير في { فَجَاءهَا } لقوله { أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } فإن قلت : لا يقال : جاءني زيد هو فارس ، بغير واو ، فما بال قوله : { هُمْ قَائِلُونَ } ؟ قلت : قدّر بعض النحويين الواو محذوفة ، ورده الزجاج وقال : لو قلت جاءني زيد راجلاً ، أو هو فارس . أو جاءني زيد هو فارس ، لم يحتج فيه إلى واو ، لأنّ الذكر قد عاد إلى الأول . والصحيح أنها إذا عطفت على حال قبلها حذفت الواو استثقالاً . لاجتماع حرفي عطف ، لأنّ واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل ، فقولك : جاءني زيد راجلاً أو هو فارس ، كلام فصيح وارد على حده وأما جاءني زيد هو فارس فخبيث . فإن قلت : فما معنى قوله : { أهلكناها فَجَاءهَا بَأْسُنَا } والإهلاك إنما هو بعد مجيء البأس؟ قلت : معناه أردنا إهلاكها ، كقوله : { إذا قمتم إلى الصلاة } [ المائدة : 6 ] وإنما خصّ هذان الوقتان وقت البيات ووقت القيلولة ، لأنهما وقت الغفلة والدعة ، فيكون نزول العذاب فيهما أشدّ وأفظع ، وقوم لوط أهلكوا بالليل وقت السحر ، وقوم شعيب وقت القيلولة .

(2/203)


فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)

{ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ } ما كانوا يدعونه من دينهم وينتحلونه من مذهبهم إلاّ اعترافهم ببطلانه وفساده . وقولهم : { إِنَّا كُنَّا ظالمين } فيما كنا عليه . ويجوز : فما كان استغاثتهم إلاّ قولهم هذا ، لأنه لا مستغاث من الله بغيره ، ومن قولهم دعواهم : يا لكعب . ويجوز ، فما كان دعواهم ربهم إلاّ اعترافهم لعلمهم أن الدعاء لا ينفعهم ، وأن لات حين دعاء ، فلا يزيدون على ذمّ أنفسهم وتحسرهم على ما كان منهم ، و { دَعْوَاهُمْ } نصب خبر لكان ، و { أَن قَالُواْ } رفع اسم له ، ويجوز العكس .

(2/204)


فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7)

{ فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } { أُرْسِلَ } مسند إلى الجار والمجرور وهو { إِلَيْهِمْ } ومعناه : فلنسألنّ المرسل إليهم وهم الأمم ، يسألهم عما أجابوا عنه رسلهم ، كما قال : { وَيَوْمَ يناديهم فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ المرسلين } [ القصص : 65 ] ويسأل المرسلين عما أجيبوا به ، كما قال : { يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ } [ المائدة : 109 ] ، { فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم } على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم { بِعِلْمٍ } عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم { وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ } عنهم وعما وجد منهم ، فإن قلت : فإذا كان عالماً بذلك وكان يقصه عليهم ، فما معنى سؤالهم؟ قلت : معناه التوبيخ والتقريع والتقرير إذا فاهوا به بألسنتهم وشهد عليهم أنبياؤهم .

(2/205)


وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9)

{ والوزن يَوْمَئِذٍ الحق } يعني وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها . ورفعه على الابتداء . وخبره { يَوْمَئِذٍ } . و { الحق } صفته أي : والوزن يوم يسأل الله الأمم ورسلهم الوزن الحق ، أي العدل . وقرىء : «القسط» . واختلف في كيفية الوزن فقيل : توزن صحف الأعمال بميزان له لسان وكفتان ، تنظر إليه الخلائق ، تأكيداً للحجة ، وإظهاراً للنصفة ، وقطعاً للمعذرة ، كما يسألهم عن أعمالهم فيعترفون بها بألسنتهم ، وتشهد بها عليهم أيديهم وأرجلهم وجلودهم ، وتشهد عليهم الأنبياء والملائكة والإشهاد ، وكما تثبت في صحائفهم فيقرؤنها في موقف الحساب . وقيل : هي عبارة عن القضاء السويّ والحكم العادل { فَمَن ثَقُلَتْ موازينه } جمع ميزان أو موزون ، أي فمن رجحت أعماله الموزونة التي لها وزن وقدر وهي الحسنات . أو ما توزن به حسناتهم . وعن الحسن : وحق لميزان توضع فيه الحسنات أن يثقل . وحق لميزان توضع فيه السيئات أن يخف . { بأياتنا يَظْلِمُونَ } يكذبون بها ظلماً : كقوله : { فَظَلَمُواْ بِهَا } [ الإسراء : 59 ] .

(2/206)


وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10)

{ مكناكم فِى الأرض } جعلنا لكم فيها مكاناً وقراراً . أو ملكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش } جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها . أوما يتوصل به إلى ذلك . والوجه تصريح الياء . وعن ابن عامر : أنه همز ، على التشبيه بصحائف .

(2/207)


وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11)

{ وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم } يعني خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصوّر ، ثم صورناه بعد ذلك . ألا ترى إلى قوله : { ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ } الآية { مّنَ الساجدين } ممن سجد لآدم .

(2/208)


قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)

{ أَلاَّ تَسْجُدَ } «لا» في { أَن لا تَسْجُدَ } صلة بدليل قوله : { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } [ ص : 75 ] ومثلها { لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب } [ الحديد : 29 ] بمعنى ليعلم : فإن قلت : ما فائدة زيادتها؟ قلت : توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل : ليتحقق علم أهل الكتاب . وما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك؟ { إِذْ أَمَرْتُكَ } لأن أمري لك بالسجود أوجبه عليك إيجاباً وأحتمه عليك حتماً لا بدّ منه ، فإن قلت : لم سأله عن المانع من السجود ، وقد علم ما منعه؟ قلت : للتوبيخ ، ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وازدرائه بأصل آدم ، وأنه خالف أمر ربه معتقداً أنه غير واجب عليه ، لما رأى أنّ سجود الفاضل للمفضول خارج من الصواب . فإن قلت : كيف يكون قوله : { أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } جواباً لما منعك ، وإنما الجواب أن يقول : منعني كذا؟ قلت : قد استأنف قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم ، وبعلة فضله عليه ، وهو أنّ أصله من نار وأصل آدم من طين ، فعلم منه الجواب وزيادة عليه ، وهي إنكار للأمر واستبعاد أن يكون مثله مأموراً بالسجود لمثله ، كأنه يقول : من كان على هذه الصفة كان مستبعداً أن يؤمر بما أُمر به .

(2/209)


قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)

{ فاهبط مِنْهَا } من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة ، إلى الأرض التي هي مقرّ العاصين المتكبرين من الثقلين { فَمَا يَكُونُ لَكَ } فما يصحّ لك { أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } وتعصي { فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين } من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أولياؤه لتكبرك ، كما تقول للرجل : قم صاغراً ، إذا أهنته . وفي ضدّه : قم راشداً . وذلك أنه لما أظهر الاستكبار ألبس الصغار . وعن عمر رضي الله عنه : من تواضع لله رفع الله حَكَمَتَهُ وقال : انتعش أنعشك الله . ومن تكبر وعدا طوره وهصه الله إلى الأرض .

(2/210)


قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15)

فإن قلت : لم أجيب إلى استنظاره ، وإنما استنظر ليفسد عباده ويغويهم قلت : لما في ذلك من ابتلاء العباد ، وفي مخالفته من أعظم الثواب ، وحكمه حكم ما خلق في الدنيا من صنوف الزخارف وأنواع الملاذ والملاهي ، وما ركب في الأنفس من الشهوات ليمتحن بها عباده .

(2/211)


قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)

{ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } فبسبب إغوائك إياي لأقعدنّ لهم . وهو تكليفه إياه ما وقع به في الغي ولم يثبت كما ثبتت الملائكة مع كونهم أفضل منه ومن آدم أنفساً ومناصب ، وعن الأصم : أمرتني بالسجود فحملني الأنف على معصيتك . والمعنى : فبسبب وقوعي في الغيّ لأجتهدن في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي ، كما فسدت بسببهم . فإن قلت : بم تعلقت الباء ، فإن تعلقها بلأقعدنّ يصدّ عنه لام القسم ، لا تقول : والله بزيد لأمرّنّ؟ قلت : تعلقت بفعل القسم المحذوف تقديره : فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدنّ ، أي فبسبب إغوائك أقسم . ويجوز أن تكون الباء للقسم ، أي : فأقسم بإغوائك لأقعدن ، وإنما أقسم بالإغواء؛ لأنه كان تكليفاً ، والتكليف من أحسن أفعال الله ، لكونه تعريضاً لسعادة الأبد ، فكان جديراً بأن يقسم به . ومن تكاذيب المجبرة ما حكوه عن طاوس : أنه كان في المسجد الحرام فجاء رجل من كبار الفقهاء يرمي بالقدر ، فجلس إليه فقال له طاوس : تقوم أو تقام ، فقام الرجل ، فقيل له : أتقول هذا لرجل فقيه؟ فقال : إبليس أفقه منه ، قال رب بما أغويتني ، وهذا يقول : أنا أغوي نفسي ، وما ظنك بقوم بلغ من تهالكهم على إضافة القبائح إلى الله سبحانه ، أن لفقوا الأكاذيب على الرسول والصحابة والتابعين . وقيل : { مَا } للاستفهام ، كأنه قيل : بأي شيء أغويتني ، ثم ابتدىء لأقعدنّ . وإثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على «ما» الاستفهامية ، قليل شاذ . وأصل الغيّ الفساد . ومنه : غوى الفصيل ، إذا بشم . والبشم : فساد في المعدة { لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم } لأعترضن لهم على طريق الإسلام كما يعترض العدوّ على الطريق ليقطعه على السابلة وانتصابه على الظرف ، كقوله :
كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ... وشبهه الزجاج بقولهم : ضرب زيد الظهر والبطن ، أي على الظهر والبطن . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 387 ) " إن الشيطان قعد لابن آدم بأَطرُقِهِ : قعد له بطريق الإسلام فقال له : تدع دين آبائك ، فعصاه فأسلم . ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له : تدع ديارك وتتغرب ، فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له : تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح امرأتك ، فعصاه فقاتل " { ثُمَّ لآتِيَنَّهُم } من الجهات الأربع التي يأتي منها العدوّ في الغالب . وهذا مثل لوسوسته إليهم وتسويله ما أمكنه وقدر عليه ، كقوله : { واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } [ الإسراء : 64 ] . فإن قلت : كيف قيل : { مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } بحرف الابتداء { وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ } بحرف المجاوزة؟ قلت : المفعول فيه عدي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به . فكما اختلفت حروف التعدية في ذاك اختلفت في هذا ، وكانت لغة تؤخذ ولا تقاس . وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط ، فلما سمعناهم يقولون : جلس عن يمينه وعلى يمينه ، وعن شماله وعلى شماله ، قلنا : معنى «على يمينه» أنه تمكن من جهة اليمين تمكُّن المستعلي من المستعلى عليه .

(2/212)


ومعنى «عن يمينه» أنه جلس متجافياً عن صاحب اليمين منحرفاً عنه غير ملاصق له . ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره ، كما ذكرنا في «تعال» . ونحوه من المفعول به قولهم رميت عن القوس ، وعلى القوس ، ومن القوس؛ لأن السهم يبعد عنها ، ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي ، ويبتدىء الرمي منها . كذلك قالوا : جلس بين يديه وخلفه بمعنى فيه؛ لأنهما ظرفان للفعل . ومن بين يديه ومن خلفه : لأن الفعل يقع في بعض الجهتين ، كما تقول : جئته من الليل ، تريد بعض الليل ، وعن شقيق : ما من صباح إلاّ قعد لي الشيطان على أربع مراصد : من بين يديّ ، ومن خلفي ، وعن يميني ، وعن شمالي : أمّا من بين يدي فيقول : لا تخف ، فإن الله غفور رحيم ، فأقرأ : { وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وآمَنَ وَعَمِلَ صالحا } [ طه : 82 ] وأمّا من خلفي ، فيخوّفني الضيعة على مخلفي فأقرأ : { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الارض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا } [ هود : 6 ] وأمّا من قبل يميني ، فيأتيني من قبل الثناء فأقرأ : { والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ } [ الأعراف : 128 ] وأمّا من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ : { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } [ سبأ : 54 ] . { وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين } قاله تظنيناً ، بدليل قوله : { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } [ سبأ : 20 ] وقيل : سمعه من الملائكة بإخبار الله تعالى لهم .

(2/213)


قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18)

{ مَذْءُومًا } من ذأمه إذا ذمّه . وقرأ الزهري : «مذوما» ، بالتخفيف ، مثل مسول في مسؤل . واللام في { لَّمَن تَبِعَكَ } موطئه للقسم . و { لأَمْلاَنَّ } جوابه ، وهو سادّ مسدّ جواب الشرط { مّنكُمْ } منك ومنهم ، فغلب ضمير المخاطب ، كما في قوله : { إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } [ الأعراف : 138 ] . وروى عصمة عن عاصم : «لمن تبعك» بكسر اللام ، بمعنى : لمن تبعك منهم هذا الوعيد ، وهو قوله : { لأمْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ } ، على أن { لأَمْلاَنَّ } في محل الابتداء ، و { لَّمَن تَبِعَكَ } خبره .

(2/214)


وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)

{ وَعَلَّمَ ءادَمَ } وقلنا : يا آدم . وقرىء : «هذي الشجرة» والأصل الياء ، والهاء بدل منها ، ويقال : وسوس ، إذا تكلم كلاماً خفياً يكرره . ومنه وسوس الحليّ ، وهو فعل غير متعدّ ، كولولت المرأة ووعوع الذئب ، ورجل موسوس- بكسر الواو- ولا يقال موسوس بالفتح ، ولكن موسوس له ، وموسوس إليه ، وهو الذي تلقى إليه الوسوسة . ومعنى وسوس له : فعل الوسوسة لأجله ، ووسوس إليه : ألقاها إليه { لِيُبْدِيَ } جعل ذلك غرضاً له ليسوءهما إذا رأيا ما يؤثران ستره ، وأن لا يطلع عليه مكشوفاً . وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور ، وأنه لم يزل مستهجناً في الطباع مستقبحاً في العقول . فإن قلت : ما للواو المضمومة في { وُورِيَ } لم تقلب همزة كما قلبت في أو يصل؟ قلت : لأن الثانية مدّة كألف وارى . وقد جاء في قراءة عبد الله : «أورى» بالقلب { إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ } إلاّ كراهة أن تكونا ملكين . وفيه دليل على أن الملكية بالمنظر الأعلى ، وأن البشرية تلمح مرتبتها كلا ولا . وقرىء : «ملكين» بكسر اللام ، كقوله { وَمُلْكٍ لاَّ يبلى } [ طه : 120 ] . { مِنَ الخالدين } من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين . وقرىء : «من سوأتهما» ، بالتوحيد ، «وسوَّاتهما» ، بالواو المشددة { وَقَاسَمَهُمَا } وأقسم لهما { إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين } . فإن قلت : المقاسمة أن تقسم لصاحبك ويقسم لك تقول : قاسمت فلاناً حالفته ، وتقاسما تحالفا . ومنه قوله تعالى : { تَقَاسَمُواْ بالله لَنُبَيّتَنَّهُ } [ النمل : 49 ] . قلت : كأنه قال لهما : أقسم لكما إني لمن الناصحين ، وقالا له أتقسم بالله إنك لمن الناصحين ، فجعل ذلك مقاسمة بينهم . أو أقسم لهما بالنصحية وأقسما له بقبولها . أو أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة ، لأنه اجتهد فيه اجتهاد المقاسم { فدلاهما } فنزّلهما إلى الأكل من الشجرة { بِغُرُورٍ } بما غرّهما به من القسم بالله . وعن قتادة : وإنما يخدع المؤمن بالله . وعن ابن عمر رضي الله عنه : أنه كان إذا رأى من عبده طاعة وحسن صلاة أعتقه ، فكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق ، فقيل له : إنهم يخدعونك ، فقال : من خدعنا بالله انخدعنا له { فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة } وجدا طعمها آخذين في الأكل منها . وقيل : الشجرة هي السنبلة . وقيل : شجرة الكرم { بَدَتْ لَهُمَا سوءاتهما } أي تهافت عنهما اللباس فظهرت لهما عوراتهما ، وكانا لا يريانها من أنفسهما ، ولا أحدهما من الآخر . وعن عائشة رضي الله عنها :
( 388 ) ما رأيت منه ولا رأى مني . وعن سعيد بن جبير : كان لباسهما من جنس الأظفار . وعن وهب : كان لباسهما نوراً يحول بينهما وبين النظر . ويقال : طفق يفعل كذا ، بمعنى جعل يفعل كذا . وقرأ أبو السَّمَّال : «وطفقا» بالفتح { يَخْصِفَانِ } ورقة فوق ورقة على عوراتهما ليستترا بها ، كما يخصف النعل ، بأن تجعل طرقة على طرقة وتوثق بالسيور .

(2/215)


وقرأ الحسن : «يخصفان» بكسر الخاء وتشديد الصاد ، وأصله يختصفان . وقرأ الزهري : «يُخصفان» ، من أخصف ، وهو منقول من خصف أي يخصفان أنفسهما وقرىء : «يخصفان» من خصف بالتشديد { مِن وَرَقِ الجنة } قيل : كان ورق التين { أَلَمْ أَنْهَكُمَا } عتاب من الله تعالى وتوبيخ وتنبيه على الخطأ ، حيث لم يتحذرا ما حذرهما الله من عداوة إبليس وروي : أنه قال لآدم : ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة؟ فقال : بلى وعزتك ، ولكن ما ظننت أنّ أحداً من خلقك يحلف بك كاذباً . قال : فبعزّتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلاّ كدّاً . فأهبط وعلم صنعة الحديد ، وأمر بالحرث فحرث وسقى وحصد وداس وذرى وطحن وعجن وخبز .

(2/216)


قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)

وسميا ذنبهما وإن كان صغيراً مغفوراً ظلماً لأنفسهما ، وقالا : { لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } على عادة الأولياء والصالحين في استعظامهم الصغير من السيئات ، واستصغارهم العظيم من الحسنات .

(2/217)


قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25)

{ اهبطوا } الخطاب لآدم وحواء وإبليس . و { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } في موضع الحال ، أي متعادين يعاديهما إبليس ويعاديانه { مُّسْتَقِرٌّ } استقرار ، أو موضع استقرار { ومتاع إلى حِينٍ } وانتفاع بعيش إلى انقضاء آجالكم . وعن ثابت البناني : لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة ، فجعلت حواء تدور حولهم ، فقال لها : خلي ملائكة ربي فإنما أصابني الذي أصابني فيك ، فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر وتراً ، وحنطته وكفنته في وتر من الثياب ، وحفروا له ولحدوا ، ودفنوه بسرنديب بأرض الهند ، وقالوا لبنيه : هذه سنتكم بعده .

(2/218)


يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)

جعل ما في الأرض منزلاً من السماء ، لأنه قضى ثم وكتب . ومنه { وأَنَزلَ لَكُمْ مّنَ الانعام ثمانية أزواج } [ الزمر : 6 ] والريش لباس الزينة ، استعير من ريش الطير ، لأنه لباسه وزينته ، أي أنزلنا عليكم لباسين : لباساً يواري سوآتكم ، ولباساً يزينكم؛ لأن الزينة غرض صحيح ، كما قال : { لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } . { وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ } [ النحل : 6 ] وقرأ عثمان رضي الله عنه : «ورياشاً» جمع ريش ، كشعب وشعاب { وَلِبَاسُ التقوى } ولباس الورع والخشية من الله تعالى ، وارتفاعه عن الابتداء وخبره إمّا الجملة التي هي { ذلك خَيْرٌ } كأنه قيل : ولباس التقوى هو خير ، لأن أسماء الإشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع إلى عود الذكر . وأمّا المفرد الذي هو خير وذلك صفة للمبتدأ ، كأنه قيل : ولباس التقوى المشار إليه خير . ولا تخلو الإشارة من أن يراد بها تعظيم لباس التقوى ، أو أن تكون إشارة إلى اللباس المواري للسوأة ، لأنّ مواراة السوأة من التقوى ، تفضيلاً له على لباس الزينة . وقيل : لباس التقوى خبر مبتدأ محذوف ، أي وهو لباس التقوى ، ثم قيل : ذلك خير . وفي قراءة عبد الله وأبيّ : «ولباس التقوى خير» وقيل : المراد بلباس التقوى : ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها مما يتقى به في الحروب وقرىء : «ولباس التقوى» ، بالنصب عطفاً على لباساً وريشاً { ذلك مِنْ ءايات الله } الدالة على فضله ورحمته على عباده . يعني إنزال اللباس { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } فيعرفوا عظيم النعمة فيه وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدو السوآت وخصف الورق عليها ، إظهاراً للمنة فيما خلق من اللباس ، ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة ، وإشعاراً بأنّ التستر باب عظيم من أبواب التقوى .

(2/219)


يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)

{ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان } لا يمتحننكم بأن لا تدخلوا الجنة ، كما محن أبويكم بأن أخرجهما منها { يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا } حال ، أي أخرجهما نازعاً لباسهما ، بأن كان سبباً في أن نزع عنهما { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ } تعليل للنهي وتحذير من فتنته ، بأنه بمنزلة العدوّ المداجي يكيدكم ويغتالكم من حيث لا تشعرون . وعن مالك بن دينار : إنّ عدواً يراك ولا تراه ، لشديد المؤنة إلاَّ من عصم الله { وَقَبِيلُهُ } وجنوده من الشياطين ، وفيه دليل بَيِّنٌ أن الجنّ لا يرون ولا يظهرون للإنس ، وأن أظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم ، وأن زعم من يدّعي رؤيتهم زور ومخرقة { إِنَّا جَعَلْنَا الشياطين أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } أي خلينا بينهم وبينهم لم نكفهم عنهم حتى تولوهم وأطاعوهم فيما سولوا لهم من الكفر والمعاصي ، وهذا تحذير آخر أبلغ من الأول . فإن قلت : علام عطف وقبيله؟ قلت : على الضمير في يراكم المؤكد بهو ، والضمير في إنه للشأن والحديث ، وقرأ اليزيدي : «وقبيله» بالنصب وفيه وجهان : أن يعطفه على اسم إنّ ، وأن تكون الواو بمعنى مع ، وإذا عطفه على اسم إن وهو الضمير في إنه ، كان راجعاً إلى إبليس .

(2/220)


وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)

الفاحشة : ما تبالغ في قبحه من الذنوب ، أي إذا فعلوها اعتذروا بأن آباءهم كانوا يفعلونها فاقتدوا بهم ، وبأن الله تعالى أمرهم بأن يفعلوها . وكلاهما باطل من العذر لأن أحدهما تقليد والتقليد ليس بطريق للعلم . والثاني : افتراء على الله وإلحاد في صفاته ، كانوا يقولون : لو كره الله منا ما نفعله لنقلنا عنه . وعن الحسن : إن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العرب وهم قدرية مجبرة يحملون ذنوبهم على الله . وتصديقه قول الله تعالى : { وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءابَاءنَا والله أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء } لأن فعل القبح مستحيل عليه لعدم الداعي ووجود الصارف ، فكيف يأمر بفعله { أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } إنكار لإضافتهم القبيح إليه وشهادة على أن مبنى قولهم على الجهل المفرط . وقيل : المراد بالفاحشة : طوافهم بالبيت عراة .

(2/221)


قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)

{ بالقسط } بالعدل وبما قام في النفوس أنه مستقيم حسن عند كل مميز . وقيل : بالتوحيد { وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ } وقل : أقيموا وجوهكم أي : اقصدوا عبادته مستقيمين إليها غير عادلين إلى غيرها { عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } في كل وقت سجود ، أو في كل مكان سجود وهو الصلاة { وادعوه } واعبدوه { مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } أي الطاعة ، مبتغين بها وجه الله خالصاً { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } كما أنشأكم ابتداء يعيدكم ، احتج عليهم في إنكارهم الإعادة بابتداء الخلق ، والمعنى : أنه يعيدكم فيجازيكم على أعمالكم ، فأخلصوا له العبادة .

(2/222)


فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)

{ فَرِيقًا هدى } وهم الذين أسلموا ، أي وفقهم للإيمان { وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة } أي كلمة الضلالة ، وعلم الله أنهم يضلون ولا يهتدون . وانتصاب قوله : { وَفَرِيقًا } بفعل مضمر يفسره ما بعده ، كأنه قيل : وخذل فريقاً حق عليهم الضلالة { إِنَّهُمُ } إن الفريق الذي حقّ عليهم الضلالة : { اتخذوا الشياطين أَوْلِيَاء } أي تولوهم بالطاعة فيما أمروهم به ، وهذا دليل على أن علم الله لا أثر له في ضلالهم ، وأنهم هم الضالون باختيارهم وتوليهم الشياطين دون الله .

(2/223)


يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)

{ خُذُواْ زِينَتَكُمْ } أي ريشكم ولباس زينتكم { عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } كلما صليتم أو طفتم وكانوا يطوفون عراة . وعن طاوس ، لم يأمرهم بالحرير والديباج ، وإنما كان أحدهم يطوف عرياناً ويدع ثيابه وراء المسجد ، وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت عنه ، لأنهم قالوا : لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها ، وقيل : تفاؤلاً ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب . وقيل : الزينة المشط . وقيل : الطيب . والسنّة أن يأخذ الرجل أحسن هيئته للصلاة ، وكان بنو عامر في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلاّ قوتاً ، ولا يأكلون دسماً يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون : فإنا أحق أن نفعل ، فقيل لهم : كلوا واشربوا ولا تسرفوا . وعن ابن عباس رضي الله عنه :
( 389 ) " كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان : سرف ومخيلة . " ويحكى : أنّ الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق ، فقال لعلي بن الحسين بن واقد : ليس في كتابكم من علم الطب شيء . والعلم علمان ، علم الأبدان وعلم الأديان ، فقال له : قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه . قال : وما هي؟ قال : قوله تعالى : { وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ } فقال النصراني : ولا يؤثر من رسولكم شيء في الطب؟ فقال : قد جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة ، قال : وما هي؟ قال قوله :
( 390 ) «المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء وأعط كل بدن ما عوّدته» فقال النصراني : ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً .
{ زِينَةَ الله } من الثياب وكل ما يتجمل به { والطيبات مِنَ الرزق } المستلذات من المآكل والمشارب . ومعنى الاستفهام في من : إنكار تحريم هذه الأشياء . قيل : كانوا إذا أحرموا حرّموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها { قُلْ هِىَلِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الحياوة الدنيا } غير خالصة لهم؛ لأنّ المشركين شركاؤهم فيها { خَالِصَةٌ } لهم { يَوْمُ القيامة } لا يشركهم فيها أحد . فإن قلت : هلا قيل : هي للذين آمنوا ولغيرهم . قلت : لينبه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة ، وأن الكفرة تبع لهم ، كقوله تعالى : { وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار } [ البقرة : 126 ] وقرىء : «خالصةً» بالنصب على الحال ، وبالرفع على أنها خبر بعد خبر .

(2/224)


قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)

{ الفواحش } ما تفاحش قبحه أي تزايد . وقيل : هي ما يتعلق بالفروج { والإثم } عام لكل ذنب . وقيل : شرب الخمر { والبغى } الظلم والكبر ، أفرده بالذكر كما قال : { وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغى } . { مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا } فيه تهكم ، لأنه لا يجوز أن ينزل برهاناً بأن يشرك به غيره { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله } وأن تتقوّلوا عليه وتفتروا الكذب من التحريم وغيره .

(2/225)


وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)

{ وَلِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } وعيد لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله كما نزل بالأمم وقرىء : «فإذا جاء آجالهم» . وقال : { سَاعَةً } لأنها أقل الأوقات في استعمال الناس . يقول المستعجل لصاحبه : في ساعة ، يريد أقصر وقت وأقربه .

(2/226)


يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36)

{ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ } هي «إن» الشرطية ضمت إليها «ما» مؤكدة لمعنى الشرط . ولذلك لزمت فعلها النون الثقيلة أو الخفيفة . فإن قلت : فما جزاء هذا الشرط؟ قلت : الفاء وما بعده من الشرط والجزاء . والمعنى : فمن اتقى وأصلح منكم ، والذين كذبوا منكم . وقرىء : «تأتينكم» ، بالتاء .

(2/227)


فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37)

{ فَمَنْ أَظْلَمُ } فمن أشنع ظلماً ممن تقول على الله ما لم يقله ، أو كذب ما قاله : { أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ الكتاب } أي مما كتب لهم من الأرزاق والأعمار { حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا } حتى غاية لنيلهم نصيبهم واستيفائهم له ، أي إلى وقت وفاتهم ، وهي «حتى» التي يبتدأ بعدها الكلام ، والكلام ههنا الجملة الشرطية ، وهي إذا جاءتهم رسلنا قالوا . و { يَتَوَفَّوْنَهُمْ } حال من الرسل ، أي متوفيهم . والرسل ملك الموت وأعوانه . «وما» وقعت موصولة بأين في خط المصحف ، وكان حقها أن تفصل؛ لأنها موصولة بمعنى : أين الآلهة الذين تدعون { ضَلُّواْ عَنَّا } غابوا عنا فلا نراهم ولا ننتفع بهم ، اعترافاً منهم بأنهم لم يكونوا على شيء فيما كانوا عليه ، وأنهم لم يحمدوه في العاقبة .

(2/228)


قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39)

{ قَالَ ادخلوا } أي يقول الله تعالى يوم القيامة لأولئك الذين قال فيهم : { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بآياته } وهم كفار العرب { فِى أُمَمٍ } في موضع الحال ، أي كائنين في جملة أمم ، وفي غمارهم مصاحبين لهم ، أي ادخلوا في النار مع أمم { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ } وتقدّم زمانهم زمانكم { لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } التي ضلت بالاقتداء بها { حَتَّى إِذَا اداركوا فِيهَا } أي تداركوا بمعنى تلاحقوا واجتمعوا في النار { قَالَتْ أُخْرَاهُمْ } منزلة وهي الأتباع والسفلة { لأولاهم } منزلة وهي القادة والرؤس . ومعنى لأولاهم : لأجل أولاهم؛ لأن خطابهم مع الله لا معهم { عَذَاباً ضِعْفاً } مضاعفاً { لِكُلّ ضِعْفٌ } لأنّ كلا من القادة والأتباع كانوا ضالين مضلين { ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ } قرىء الياء والتاء { فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } عطفوا هذا الكلام على قول الله تعالى للسفلة { لِكُلّ ضِعْفٌ } أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا ، وأنا متساوون في استحقاق الضعف { فَذُوقُواْ العذاب } من قول القادة ، أو من قول الله لهم جميعاً .

(2/229)


إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41)

{ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء } لا يصعد لهم عمل صالح { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب } [ فاطر : 10 ] ، { كَلاَّ إِنَّ كتاب الابرار لَفِى عِلّيّينَ } [ المطففين : 18 ] وقيل : إنّ الجنة في السماء ، فالمعنى لا يؤذن لهم في صعود السماء ولا يطرّق لهم إليها ليدخلوا الجنة . وقيل : لا تصعد أرواحهم إذا ماتوا كما تصعد أرواح المؤمنين . وقيل : لا تنزل عليهم البركة ولا يغاثون ، ففتحنا أبواب السماء . وقرىء : «لا تفتح» ، بالتشديد . «ولا يفتح» بالياء . «ولا تفتح» بالتاء والبناء للفاعل ونصب الأبواب على أنّ الفعل للآيات . وبالياء على أن الفعل لله عزّ وجلّ . وقرأ ابن عباس : «الجمل» ، بوزن القمل . وسعيد بن جبير : «الجمل» بوزن النغر . وقرىء : «الجمل» بوزن القفل . «والجمل» بوزن النصب . «والجمل» . بوزن الحبل . ومعناها القلس الغليظ لأنه حبال جمعت وجعلت جملة واحدة ، وعن ابن عباس رضي الله عنه : إنّ الله أحسن تشبيهاً من أن يشبه بالجمل ، يعني أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سمّ الإبرة ، والبعير لا يناسبه؛ إلاّ أن قراءة العامّة أوقع لأنّ سم الإبرة مثل في ضيق المسلك . يقال : أضيق من خرت الإبرة . وقالوا للدليل الماهر : خِرِّيت ، للاهتداء به في المضايق المشبهة بأخرات الإبر . والجمل : مثل في عظم الجرم . قال :
جِسْمُ الْجِمَالِ وَأَحْلاَمُ الْعَصَافِيرِ ... إن الرجال ليسوا بجزر تراد منهم الأجسام ، فقيل : لا يدخلون الجنة ، حتى يكون ما لا يكون أبداً من ولوج هذا الحيوان الذي لا يلج إلاّ في باب واسع ، في ثقب الإبرة ، وعن ابن مسعود أنه سئل عن الجمل ، فقال : زوج الناقة ، استجهالاً للسائل ، وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف . وقرىء؛ «في سم» بالحركات الثلاث : وقرأ عبد الله : «في سم المهيط» والخياط؛ والمخيط كالحزام والمحزم : ما يخاط به وهو الإبرة { وكذلك } ومثل ذلك الجزاء الفظيع { نَجْزِى المجرمين } ليؤذن أن الإجرام هو السبب الموصل إلى العقاب ، وأن كلّ من أجرم عوقب ، وقد كرره فقال : { وكذلك نَجْزِى الظالمين } لأنّ كلّ مجرم ظالم لنفسه { مِهَادٌ } فراش { غَوَاشٍ } أغطية . وقرىء : «غواش» بالرفع ، كقوله تعالى : { وَلَهُ الجوار المنشآت } [ الرحمن : 24 ] في قراءة عبد الله .

(2/230)


وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42)

{ لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } جملة معترضة بين المبتدإ والخبر ، للترغيب في اكتساب ما لا يكتنهه وصف الواصف من النعيم الخالد مع التعظيم بما هو في الوسع ، وهو الإمكان الواسع غير الضيق من الإيمان والعمل والصالح . وقرأ الأعمش : «لا تكلف نفس» .

(2/231)


وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)

من كان في قلبه غلّ على أخيه في الدنيا نزع منه ، فسلمت قلوبهم وطهرت ولم يكن بينهم إلاّ التوادّ والتعاطف . وعن عليّ رضي الله عنه : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم { هَدَانَا لهذا } أي وفقنا لموجب هذا الفوز العظيم وهو الإيمان والعمل الصالح { وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ } اللام لتوكيد النفي ويعنون : وما كان يستقيم أن نكون مهتدين لولا هداية الله وتوفيقه . وفي مصاحف أهل الشام : ما كنا لنهتدي بغير واو ، على أنها جملة موضحة للأولى { لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق } فكان لنا لطفاً وتنبيهاً على الاهتداء فاهتدينا يقولون ذلك سروراً واغتباطاً بما نالوا ، وتلذذاً بالتكلم به لا تقرّباً وتعبداً ، كما نرى من رزق خيراً في الدنيا يتكلم بنحو ذلك ولا يتمالك أن لا يقوله للفرح لا للقربة : { ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة } أن مخففة من الثقيلة تقديره : ونودوا بأنه تلكم الجنة { أُورِثْتُمُوهَا } والضمير ضمير الشأن والحديث أو تكون بمعنى أي؛ لأنّ المناداة من القول ، كأنه قيل : وقيل لهم أي تلكم الجنة أورثتموها . { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } بسبب أعمالكم لا بالتفضل ، كما تقول المبطلة .

(2/232)


وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ (45)

«أن» في { أَن قَدْ وَجَدْنَا } يحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة وأن تكون مفسرة كالتي سبقت آنفاً ، وكذلك { أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } وإنما قالوا لهم ذلك اغتباطاً بحالهم ، وشماتة بأصحاب النار ، وزيادة في غمهم ، لتكون حكايته لطفاً لمن سمعها ، وكذلك قول المؤذن بينهم : لعنة الله على الظالمين . وهو ملك يأمره الله فينادي بينهم نداء يسمع أهل الجنة وأهل النار . وقرىء : «أن لعنة الله» بالتشديد والنصب . وقرأ الأعمش : «إن لعنة الله» بكسر إن على إرادة القول ، أو على إجراء { أَذِنَ } مجرى قال . فإن قلت : هلا قيل : ما وعدكم ربكم ، كما قيل : ما وعدنا ربنا؟ قلت : حذف ذلك تخفيفاً لدلالة وعدنا عليه . ولقائل أن يقول : أطلق ليتناول كل ما وعد الله من البعث والحساب والثواب والعقاب وسائر أحوال القيامة؛ لأنهم كانوا مكذبين بذلك أجمع ، ولأن الموعود كله مما ساءهم وما نعيم أهل الجنة إلاّ عذاب لهم فأطلق لذلك .

(2/233)


وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)

{ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ } يعني بين الجنة والنار . أو بين الفريقين ، وهو السور المذكور في قوله تعالى : { فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُور } [ الحديد : 13 ] { وَعَلَى الأعراف } وعلى أعراف الحجاب وهو السور المضروب بين الجنة والنار وهي أعاليه ، جمع عرف استعير من عرف الفرس وعرف الديك { رِجَالٌ } من المسلمين من آخرهم دخولاً في الجنة لقصور أعمالهم ، كأنهم المرجون لأمر الله ، يحبسون بين الجنة والنار إلى أن يأذن الله لهم في دخول الجنة { يَعْرِفُونَ كُلاًّ } من زمر السعداء والأشقياء { بسيماهم } بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها ، يلهمهم الله ذلك : أو تعرّفهم الملائكة .

(2/234)


وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)

إذا نظروا إلى أصحاب الجنة نادوهم بالتسليم عليهم { وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم تِلْقَاء أصحاب النار } ورأوا ما هم فيه من العذاب استعاذوا بالله وفزعوا إلى رحمته أن لا يجعلهم معهم . ونادوا رجالاً من رؤوس الكفرة يقولون لهم : { أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ } إشارة لهم إلى أهل الجنة ، الذين كان الرؤساء يستهينون بهم ويحتقرونهم لفقرهم وقلة حظوظهم من الدنيا ، وكانوا يقسمون أن الله لا يدخلهم الجنة { ادخلوا الجنة } يقال لأصحاب الأعراف ادخلوا الجنة وذلك بعد أن يحبسوا على الأعراف وينظروا إلى الفريقين ويعرفونهم بسيماهم ويقولوا ما يقولون . وفائدة ذلك بيان أن الجزاء على قدر الأعمال ، وأن التقدم والتأخر على حسبها ، وأن أحداً لا يسبق عند الله إلا بسبقه في العمل ، ولا يتخلف عنده إلا بتخلفه فيه ، وليرغب السامعون في حال السابقين ويحرصوا على إحراز قصبتهم ، وليتصوروا أن كل أحد يعرف ذلك اليوم بسيماه التي استوجب أن يوسم بها من أهل الخير والشرّ ، فيرتدع المسيء عن إساءته ، ويزيد المحسن في إحسانه . وليعلم أنّ العصاة يوبخهم كل أحد حتى أقصر الناس عملاً . قوله : { وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم } فيه أن صارفاً يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا ويوبخوا وقرأ الأعمش : «وإذا قلبت أبصارهم» وقرىء : «ادخلوا الجنة» على البناء للمفعول . وقرأ عكرمة : «دخلوا الجنة» ، فإن قلت : كيف لاءم هاتين القراءتين قوله : { لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } ؟ قلت : تأويله : ادخلوا ، أو دخلوا الجنة مقولاً لهم : لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون . فإن قلت : ما محل قوله : لم يدخلوها وهم يطمعون؟ قلت : لا محل له لأنه استئناف؛ كأن سائلاً سأل عن حال أصحاب الأعراف فقيل : لم يدخلوها وهم يطمعون ، يعني حالهم أنّ دخولهم الجنة استأخر عن دخول أهل الجنة ، فلم يدخلوها لكونهم محبوسين وهم يطمعون لم ييأسوا . ويجوز أن يكون له محل ، بأن يقع صفة لرجال { مَا أغنى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ } المال أو كثرتكم واجتماعكم { وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } واستكباركم عن الحق وعلى الناس ، وقرىء : «تستكثرون» من الكثرة .

(2/235)


وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51)

{ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا } فيه دليل على أن الجنة فوق النار { أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } من غيره من الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة ، ويجوز أن يراد : أو ألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة . كقوله :
عَلَفْتُهَا تِبْنَاً ومَاءً بَارِداً ... وإنما يطلبون ذلك مع يأسهم من الإجابة إليه حيرة في أمرهم ، كما يفعل المضطر الممتحن . { حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين } منعهم شراب الجنة وطعامها كما يمنع المكلف ما يحرّم عليه ويحظر ، كقوله :
حَرَامٌ عَلَى عَيْنِيَّ أَنْ تَطْعَمَ الْكَرَى ... { فاليوم ننساهم } نفعل بهم فعل الناسين الذين ينسون عبيدهم من الخير لا يذكرونهم به { كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هذا } كما فعلوا بلقائه فعل الناسين ، فلم يخطروه ببالهم ولم يهتموا به .

(2/236)


وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53)

{ فصلناه على عِلْمٍ } عالمين كيف نفصل أحكامه ومواعظه وقصصه وسائر معانيه ، حتى جاء حكيماً قيماً غير ذي عوج قرأ ابن محيصن فضلتاه بالضاد المعجمة بمعنى فضلناه على جميع الكتب ، عالمين أنه أهل للتفضيل عليها ، و { هُدًى وَرَحْمَةً } حال من منصوب فصلناه ، كما أن على علم حال من مرفوعه { إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } إلاّ عاقبة أمره وما يؤول إليه من تبين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد { قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق } أي تبين وصحّ أنهم جاؤوا بالحق { نُرَدُّ } جملة معطوفة على الجملة قبلها ، داخلة معها في حكم الاستفهام ، كأنه قيل : هل لنا من شفعاء؟ أو هل نردّ؟ ورافعه وقوعه موقعاً يصلح للاسم ، كما تقول ابتداء : هل يضرب زيد؟ ولا يطلب له فعل آخر يعطف عليه . فلا يقدّر : هل يشفع لنا شافع أو نردّ؟ وقرأ ابن أبي إسحاق : «أو نردّ» بالنصب عطفاً على «فيشفعوا لنا» أو تكون «أو» بمعنى «حتى أنّ» أي يشفعوا لنا حتى نردّ فنعمل وقرأ الحسن بنصب «نردّ» ورفع { فَنَعْمَلَ } بمعنى : فنحن نعمل .

(2/237)


إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)

{ يُغْشِى اليل النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثاً } وقرىء : «يغشى» بالتشديد ، أي يلحق الليل النهار ، أو النهار بالليل يحتملهما جميعاً . والدليل على الثاني قراءة حميد بن قيس : يغشى الليل النهار ، بفتح الياء ونصب الليل ورفع النهار ، أي يدرك النهار الليل ويطلبه حثيثاً ، حسن الملاءمة لقراءة حميد { بِأَمْرِهِ } بمشيئته وتصريفه ، وهو متعلق بمسخرات ، أي خلقهن جاريات بمقتضى حكمته وتدبيره ، وكما يريد أن يصرفها سمي ذلك أمراً على التشبيه ، كأنهن مأمورات بذلك . وقرىء : «والشمس والقمر والنجوم مسخرات» ، بالرفع . لما ذكر أنه خلقهنّ مسخرات بأمره قال : { أَلاَ لَهُ الخلق والامر } أي هو الذي خلق الأشياء كلها ، وهو الذي صرفها على حسب إرادته .

(2/238)


ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)

{ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } نصب على الحال ، أي ذوي تضرع وخفية . وكذلك خوفاً وطمعاً . والتضرع تفعُّل من الضراعة وهو الذل ، أي تذللاً وتملقاً . وقرىء : «وخِفْيَة» وعن الحسن رضي الله عنه : إنّ الله يعلم القلب التقي والدعاء الخفي ، إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره ، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير ولا يشعر الناس به ، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة وعنده الزوار وما يشعرون به ، ولقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السرّ فيكون علانية أبداً . ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت ، إن كان إلاّ همساً بينهم وبين ربهم . وذلك أنّ الله تعالى يقول : { ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } وقد أثنى على زكريا فقال : { إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً } [ مريم : 3 ] وبين دعوة السرّ ودعوة العلانية سبعون ضعفاً . { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين } أي المجاوزين ما أمروا به في كل شيء من الدعاء وغيره . وعن ابن جريج؛ هو رفع الصوت بالدعاء . وعنه : الصياح في الدعاء مكروه وبدعة . وقيل : هو الإسهاب في الدعاء . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 391 ) " سيكون قوم يعتدون في الدعاء ، وحسب المرء أن يقول : اللَّهمّ إني أسألك الجنة وما قرّب إليها من قول وعمل ، وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل " ثم قرأ قوله تعالى : { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين } . { إِنَّ رحمتالله قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ } كقوله : { وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وَامَنَ وَعَمِلَ صالحا } [ طه : 82 ] . وإنما ذكر { قَرِيبٌ } على تأويل الرحمة بالرحم أو الترحم ، أو لأنه صفة موصوف محذوف ، أي شيء قريب . أو على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول كما شبه ذاك به ، فقيل قتلاء وأسراء ، أو على أنه بزنة المصدر ، الذي هو النقيض والضغيب . أو لأنّ تأنيث الرحمة غير حقيقي ، قرىء : «نشراً وهو مصدر نشر . وانتصابه إمّا لأن أرسل ونشر متقاربان ، فكأنه قيل : نشرها نشراً : وإمّا على الحال بمعنى منتشرات . ونشراً جمع نشور . ونشراً تخفيف نشر ، كرسل ورسل . وقرأ مسروق : «نشراً» ، بمعنى منشورات ، فعل بمعنى مفعول ، كنقض وحسب . ومنه قولهم «ضم نشره» وبشراً جمع بشير . وبشراً بتخفيفه . وبشراً - بفتح الباء - مصدر من بشره بمعنى بشره ، أي باشرات ، وبشرى { بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } أمام رحمته ، وهي الغيث الذي هو من أتمّ النعم وأجلّها وأحسنها أثراً { أَقَلَّتْ } حملت ورفعت ، واشتقاق الإقلال من القلة ، لأن الرافع المطيق يرى الذي يرفعه قليلاً { سَحَابًا ثِقَالاً } سحائب ثقالاً بالماء جمع سحابة { سقناه } الضمير للسحاب على اللفظ ، ولو حمل على المعنى كالثقال لأنث ، كما لو حمل الوصف على اللفظ لقيل ثقيلاً { لِبَلَدٍ مَّيّتٍ } لأجل بلد ليس فيه حياً ولسقيه .

(2/239)


وقرىء : «مَيْتٍ» { فَأَنزَلْنَا بِهِ } بالبلد أو بالسحاب أو بالسوق . وكذلك { فأخرجنا به . . . كذلك } مثل ذلك الإخراج وهو إخراج الثمرات { نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فيؤدّيكم التذكر إلى أنه لا فرق بين الإخراجين . إذ كل واحد منهما إعادة للشيء بعد إنشائه { والبلد الطيب } الأرض العذاة الكريمة التربة { والذى خَبُثَ } الأرض السبخة التي لا تنبت ما ينتفع به { بِإِذْنِ رَبّهِ } بتيسيره وهو في موضع الحال ، كأنه قيل : يخرج نباته حسناً وافياً لأنه واقع في مقابلة { نَكِدًا } والنكد الذي لا خير فيه . وقرىء : «يخرج نباته» أن يخرجه البلد وينبته وقوله : { والذى خَبُثَ } صفة للبلد ومعناه : والبلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكداً ، فحذف المضاف الذي هو النبات ، وأقيم المضاف إليه الذي هو الراجع إلى البلد مقامه؛ إلاّ أنه كان مجروراً بارزاً ، فانقلب مرفوعاً مستكناً لوقوعه موقع الفاعل ، أو يقدّر : ونبات الذي خبث . وقرىء : «نكداً» بفتح الكاف على المصدر . أي ذا نكد . ونكداً ، بإسكانها للتخفيف ، كقوله : نزه عن الريب ، بمعنى نزه . وهذا مثل لمن ينجع فيه الوعظ والتنبيه من المكلفين ، ولمن لا يؤثر شيء من ذلك . وعن مجاهد : آدم وذرّيته منهم خبيث وطيب . وعن قتادة : المؤمن سمع كتاب الله فوعاه بعقله وانتفع به ، كالأرض الطيبة أصابها الغيث فأنبتت . والكافر بخلاف ذلك . وهذا التمثيل واقع على أثر ذكر المطر ، وإنزاله بالبلد الميت ، وإخراج الثمرات به على طريق الاستطراد { كذلك } مثل ذلك التصريف { نُصَرّفُ الأيات } نردِّدها ونكرّرها { لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } نعمة الله وهم المؤمنون ، ليفكروا فيها ويعتبروا بها . وقرىء : «يصرف» بالياء أي يصرفها الله .

(2/240)


لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)

{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا } جواب قسم محذوف . فإن قلت : ما لهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام ، إلاّ مع «قد» وقلّ عنهم ، نحو قوله :
حَلَفْتُ لَهَا بِاللَّهِ حِلْفَةَ فَاجِر ... لَنَامُوا . . . . . . . . . . . .
قلت : إنما كان ذلك لأن الجملة القسمية لا تساق إلاّ تأكيداً للجملة المقسم عليها ، التي هي جوابها ، فكانت مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى «قد» عند استماع المخاطب كلمة القسم . قيل : أرسل نوحاً عليه السلام وهو ابن خمسين سنة ، وكان نجاراً وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وأخنوخ اسم إدريس النبي عليه السلام . وقرىء : «غيره» بالحركات الثلاث ، فالرفع على المحل ، كأنه قيل : ما لكم إله غيره . والجرّ على اللفظ والنصب على الاستثناء بمعنى : ما لكم من إله إلاّ إياه ، كقولك : ما في الدار من أحد إلاّ زيد أو غير زيد . فإن قلت : فما موقع الجملتين بعد قوله : { اعبدوا الله } ؟ قلت : الأولى بيان لوجه اختصاصه بالعبادة . والثانية : بيان للداعي إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون ما كانوا يعبدونه من دون الله واليوم العظيم يوم القيامة أو يوم نزول العذاب عليهم وهو الطوفان .

(2/241)


قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62)

{ الملأ } الأشراف والسادة : وقيل : الرجال ليس معهم النساء { فِى ضلال } في ذهاب عن طريق الصواب والحق . ومعنى الرؤية : رؤية القلب . فإن قلت : لم قال : { لَيْسَ بِى ضلالة } ولم يقل ضلال كما قالوا؟ قلت : الضلالة أخصّ من الضلال ، فكانت أبلغ في نفي الضلال عن نفسه ، كأنه قال : ليس بي شيء من الضلال ، كما لو قيل لك : ألك تمر ، فقلت : ما لي تمرة فإن قلت : كيف وقع قوله : { وَلَكِنّي رَسُولٌ } استدراكاً للانتفاء عن الضلالة؟ قلت : كونه رسولاً من الله مبلغاً رسالاته ناصحاً ، في معنى كونه على الصراط المستقيم ، فصحّ لذلك أن يكون استدراكاً للانتفاء عن الضلالة . وقرىء : «أبلغكم» بالتخفيف . فإن قلت : كيف موقع قوله : { أُبَلّغُكُمْ } ؟ قلت : فيه وجهان . أحدهما : أن يكون كلاماً مستأنفاً بياناً لكونه رسول رب العالمين . والثاني : أن يكون صفة لرسول . فإن قلت : كيف جاز أن يكون صفة والرسول لفظه لفظ الغائب؟ قلت : جاز ذلك لأن الرسول وقع خبراً عن ضمير المخاطب وكان معناه ، كما قال :
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنيِ أُمِّي حَيْدَرَهْ ... { رسالات رَبّى } ما أوحي إليّ في الأوقات المتطاولة ، أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي والمواعظ والزواجر والبشائر والنذائر . ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء قبله من صحف جدّه إدريس ، وهي ثلاثون صحيفة ، ومن صحف شيث وهي خمسون صحيفة { وَأَنصَحُ لَكُمْ } يقال نصحته ونصحت له . وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة وأنها وقعت خالصة للمنصوح له مقصوداً بها جانبه لا غير ، فرب نصيحة ينتفع بها الناصح فيقصد النفعين جميعاً ولا نصحية أمحض من نصيحة الله تعالى ورسله عليهم السلام { وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي من صفات الله وأحواله ، يعني قدرته الباهرة وشدّة بطشه على أعدائه ، وأن بأسه لا يردّ عن القوم المجرمين . وقيل : لم يسمعوا بقوم حلّ بهم العذاب قبلهم فكانوا آمنين لا يعلمون ما علمه نوح بوحي الله إليه ، أو أراد : وأعلم من جهة الله أشياء لا علم لكم بها قد أوحى إليّ بها .

(2/242)


أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63)

{ أَوَ عَجِبْتُمْ } الهمزة للإنكار ، والواو للعطف ، والمعطوف عليه محذوف ، كأنه قيل : أكذبتم وعجبتم { أَن جَاءكُمْ } من أن جاءكم { ذِكْرٌ } موعظة { مّن رَّبّكُمْ على رَجُلٍ مّنْكُمْ } على لسان رجل منكم ، كقوله : { مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ } [ آل عمران : 194 ] وذلك أنهم يتعجبون من نبوّة نوح عليه السلام ويقولون : ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين ، يعنون إرسال البشر ، ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة { لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ } ليحذركم عاقبة الكفر وليوجد منكم التقوى وهي الخشية بسبب الإنذار { وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ولترحموا بالتقوى إن وجدت منكم .

(2/243)


فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64)

{ والذين مَعَهُ } قيل : كانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة . وقيل : تسعة ، بنوه سام وحام ويافث ، وستة ممن آمن به . فإن قلت : { فِى الفلك } بم يتعلق؟ قلت : هو متعلق بمعه ، كأنه قيل : والذين استقروا معه في الفلك أو صحبوه في الفلك . ويجوز أن يتعلق بفعل الإنجاء ، أي أنجيناهم في السفينة من الطوفان { عَمِينَ } عمى القلوب غير مستبصرين . وقرىء : «عامين» . والفرق بين العمى والعاميّ : أن العمى يدلّ على عمى ثابت ، والعاميّ على حادث . ونحوه قوله : { وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } [ هود : 12 ] .

(2/244)


وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)

{ أخاهم } واحداً منهم من قولك : يا أخا العرب للواحد منهم . وإنما جعل واحداً منهم ، لأنهم أفهم عن رجل منهم وأعرف بحاله في صدقه وأمانته ، وهو هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ، وأخاهم : عطف على نوحاً . و { هُودًا } عطف بيان له . فإن قلت : لم حذف العاطف من قوله : { قَالَ ياقوم } ولم يقل «فقال» كما في قصة نوح؟ قلت : هو على تقدير سؤال سائل قال : فما قال لهم هود؟ فقيل : قال يا قوم اعبدوا الله ، وكذلك { قَالَ الملا } . فإن قلت : لم وصف الملأ [ ب ] { الذين كَفَرُواْ } دون الملأ من قوم نوح؟ قلت : كان في أشراف قوم هود من آمن به ، منهم مرثد بن سعد الذي أسلم وكان يكتم إسلامه فأريدت التفرقة بالوصف ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن . ونحوه قوله تعالى : { وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء الآخرة } [ المؤمنون : 33 ] ويجوز أن يكون وصفاً وارداً للذمّ لا غير { فِي سَفَاهَةٍ } في خفة حلم وسخافة عقل ، حيث تهجر دين قومك إلى دين آخر ، وجعلت السفاهة ظرفاً على طريق المجاز : أرادوا أنه متمكن فيها غير منفك عنها . وفي إجابة الأنبياء عليهم السلام - من نسبهم إلى الضلال والسفاهة ، بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء وترك المقابلة بما قالوا لهم مع علمهم بأنّ خصومهم أضلّ الناس وأسفههم - أدب حسن وخلق عظيم ، وحكاية الله عزّ وجلّ ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم { نَاصِحٌ أَمِينٌ } أي عرفت فيما بينكم بالنصح والأمانة فما حقي أن أُتهم . أو أنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه ، أمين على ما أقول لكم لا أكذب فيه { خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ } أي [ خلفتموهم ] في الأرض ، أو جعلكم ملوكاً في الأرض قد استخلفكم فيها بعدهم { فِى الخلق بَسْطَةً } فيما خلق من أجرامكم ذهاباً في الطول والبدانة . قيل : كان أقصرهم ستين ذراعاً ، وأطولهم مائة ذراع { فاذكروا ءالآء الله } في استخلافكم وبسطة أجرامكم وما سواهما من عطاياه . وواحد الآلاء «إلى» نحو إني وإناء ، وضلع وأضلاع ، وعنب وأعناب . فإن قلت : «إذ» في قوله : { إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء } ما وجه انتصابه؟ قلت : هو مفعول به وليس بظرف ، أي اذكروا وقت استخلافكم .

(2/245)


قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)

{ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ } أنكروا واستبعدوا اختصاص الله وحده بالعبادة ، وترك دين الآباء . في اتخاذ الأصنام شركاء معه ، حباً لما نشأوا عليه ، وألفاً لما صادفوا آباءهم يتدينون به . فإن قلت : ما معنى المجىء في قوله : { أَجِئْتَنَا } قلت : فيه أوجه : أن يكون لهود عليه السلام مكان معتزل عن قومه يتحنث فيه ، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء قبل المبعث فلما أوحى إليه جاء قومه يدعوهم . وأن يريدوا به الاستهزاء ، لأنهم كانوا يعتقدون أنّ الله تعالى لا يرسل إلاّ الملائكة ، فكأنهم قالوا : أجئتنا من السماء كما يجيء الملك ، وأن لا يريدوا حقيقة المجيء ، ولكن التعرّض بذلك والقصد ، كما يقال : ذهب يشمتني ، ولا يراد حقيقة الذهاب ، كأنهم قالوا : أقصدتنا لنعبد الله وحده وتعرّضت لنا بتكليف ذلك؟ { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } استعجال منهم للعذاب { قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم } أي حق عليكم ووجب ، أو قد نزل عليكم . جعل المتوقع الذي لا بدّ من نزوله بمنزلة الواقع . ونحوه قولك لمن طلب إليك بعض المطالب قد كان ذلك . وعن حسان؛ أنّ ابنه عبد الرحمن لسعه زنبور وهو طفل ، فجاء يبكي . فقال له يا بنيّ مالك؟ قال : لسعني طوير كأنه ملتف في بردى حبرة ، فضمه إلى صدره وقال له : يا بني ، قد قلت الشعر . والرجس : العذاب من الارتجاس وهو الاضطراب { فِى أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا } في أشياء ما هي إلاّ أسماء ليس تحتها مسميات ، لأنكم تسمونها آلهة . ومعنى الإلهية فيها معدوم محال وجوده . وهذا كقوله تعالى : { مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَىْء } ومعنى { سَمَّيْتُمُوهَا } سميتم بها من : سميته زيداً . وقطعُ دابرهم : استئصالهم وتدميرهم عن آخرهم . وقصتهم أن «عاداً» قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان وحضرموت . وكانت لهم أصنام يعبدونها . صداء . وصمود ، والهباء ، فبعث الله إليهم هوداً نبياً ، وكان من أوسطهم وأفضلهم حسباً ، فكذبوه وازدادوا عتوّاً وتجبراً ، فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا ، وكان الناس إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى الله تعالى الفرج منه عند بيته المحرّم مسلمهم ومشركهم ، وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ، وسيدهم معاوية ابن بكر ، فجهزت عاد إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلاً ، منهم قيل بن عنز ، ومرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه . فلما قدموا نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجاً عن الحرم ، فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره ، فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان . - قينتان كانتا لمعاوية - فلما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا له أهمه ذلك ، وقال : قد هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء على ما هم عليه ، وكان يستحي أن يكلمهم خيفة أن يظنوا به ثقل مقامهم عليه ، فذكر ذلك للقينتين .

(2/246)


فقالتا : قل شعراً نغنيهم به لا يدرون من قاله . فقال معاوية :
أَلاَ يَا قَيْلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ ... لَعَلَّ اللَّهَ يَسْقِينَا غَمَامَا
فَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إنَّ عَادا ... قَدْ امْسَوْا مَا يُبَينُونَ الْكَلاَمَا
فلما غنتا به قالوا : إن قومكم يتغوثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم ، فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم ، فقال لهم مرثد بن سعد : والله لا تسقون بدعائكم ، ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله سقيتم وأظهر إسلامه ، فقالوا لمعاوية : احبس عنا مرثداً لا يقدمنّ معنا مكة ، فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا ، ثم دخلوا مكة فقال قيل اللَّهم اسق عاداً ما كنت تسقيهم ، فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثاً بيضاء وحمراء وسوداء ، ثم ناداه منادٍ من السماء . ياقيل ، اختر لنفسك ولقومك ، فقال : اخترت السوداء فإنها أكثرهنّ ماء فخرجت على عاد من وادٍ لهم يقال له المغيث ، فاستبشروا بها وقالوا هذا عارض ممطرنا ، فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ، ونجا هود والمؤمنون معه ، فأتوا مكة فعبدوا الله فيها حتى ماتوا . فإن قلت : ما فائدة نفي الإيمان عنهم في قوله : { وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } مع إثبات التكذيب بآيات الله؟ قلت : هو تعريض بمن آمن منهم كمرثد ابن سعد ، ومن نجا مع هود عليه السلام ، كأنه قال : وقطعنا دابر الذين كذبوا منهم ولم يكونوا مثل من آمن منهم ، ليؤذن أنّ الهلاك خصّ المكذبين ، ونجى الله المؤمنين .

(2/247)


وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)

قرىء : { وإلى ثَمُودَ } بمنع الصرف بتأويل القبيلة ، وإلى ثمود بالصرف بتأويل الحيّ؛ أو باعتبار الأصل؛ لأنه اسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح . وقيل : سميت ثمود لقلة مائها ، من الثمد وهو الماء القليل ، وكانت مساكنهم الحجر بين الشام والحجاز إلى وادي القرى { قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ } آية ظاهرة وشاهد على صحة نبوّتي . وكأنه قيل : ما هذه البينة؟ فقال : { هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ ءايَةً } وآية نصب على الحال ، والعامل فيها ما دلّ عليه اسم الإشارة من معنى الفعل ، كأنه قيل : أشير إليها آية . ولكم : بيان لمن هي له آية موجبة عليه الإيمان خاصة وهم ثمود؛ لأنهم عاينوها وسائر الناس أخبروا عنها وليس الخبر كالمعاينة ، كأنه قال : لكم خصوصاً ، وإنما أضيفت إلى اسم الله تعظيماً لها وتفخيماً لشأنها ، وأنها جاءت من عنده مكوّنة من غير فحل وطروقة آية من آياته ، كما تقول : آية الله . وروى أن عاداً لما أهلكت عمرت ثمود بلادها وخلفوهم في الأرض وكثروا وعمروا أعماراً طوالاً ، حتى أن الرجل كان يبني المسكن المحكم فينهدم في حياته ، فنحتوا البيوت من الجبال ، وكانوا في سعة ورخاء من العيش ، فعتوا على الله وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأوثان ، فبعث الله تعالى إليهم صالحاً عليه السلام ، وكانوا قوماً عرباً وصالح من أوسطهم نسباً ، فدعاهم إلى الله تعالى فلم يتبعه إلاّ قليل منهم مستضعفون ، فحذرهم وأنذرهم ، فسألوه آية ، فقال : أية آية تريدون؟ قالوا : تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم لهم من السنة ، فتدعوا إلهك ، وندعوا آلهتنا ، فإن استجيب لك اتبعناك ، وإن استجيب لنا اتبعتنا ، فقال صالح : نعم ، فخرج معهم ودعوا أوثانهم وسألوها الاستجابة فلم تجبهم ، ثم قال سيدهم - جندع ابن عمرو ، وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يقال لها الكاثبة - أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء - والمخترجة التي شاكلت [ البخت ] - فإن فعلت صدّقناك وأجبناك . فأخذ صالح عليه السلام عليهم المواثيق لئن فعلت ذلك لتؤمننّ ولتصدّقنّ ، قالوا : نعم ، فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها ، فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء . كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلاّ الله تعالى ، وعظماؤهم ينظرون ، ثم نتجت ولداً مثلها في العظم فآمن به جندع ورهط من قومه ، ومنع أعقابهم ناس من رؤوسهم أن يؤمنوا ، فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وتشرب الماء ، وكانت ترد غباً ، فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر فما ترفعه حتى تشرب كلّ ماء فيها ، ثم تتفحج فيحتلبون ما شاؤا حتى تمتلىء أوانيهم ، فيشربون ويدخرون . قال أبو موسى الأشعري : أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر الناقة فوجدته ستين ذراعاً .

(2/248)


وكانت الناقة إذا وقع الحرّ تصيفت بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم فتهبط إلى بطنه وإذا وقع البرد تشتت بطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره ، فشقّ ذلك عليهم وزينت عقرها لهم امرأتان : عنيزة أمّ غنم ، وصدقة بنت المختار - لما أضرت به من مواشيهما وكانتا كثيرتي المواشي - فعقروها واقتسموا لحمها وطبخوه ، فانطلق سقبها حتى رقي جبلاً اسمه قارة فرغى ثلاثاً وكان صالح قال لهم : أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب ، فلم يقدروا عليه وانفجت الصخرة بعد رغائه فدخلها . فقال لهم صالح : تصبحون غداً ووجوهكم مصفرَّة ، وبعد ذلك غدٍ ووجوهكم محمرّة ، واليوم الثالث ووجوهكم مسودّة ، ثم يصحبكم العذاب فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه . فأنجاه الله إلى أرض فلسطين . ولما كان اليوم الرابع وارتفع الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع ، فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا { تَأْكُلْ فِى أَرْضِ الله } أي الأرض أرض الله والناقة ناقة الله ، فذروها تأكل في أرض ربها ، فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات من أنباتكم { وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } لا تضربوها ولا تطردوها ولا تريبوها بشيء من الأذى إكراماً لآية الله . ويروى :
( 392 ) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مرّ بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه؛ " «لا يدخلنّ أحد منكم القرية ، ولا تشربوا من مائها ، ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلاّ أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم» " وقال صلى الله عليه وسلم :
( 393 ) " يا علي ، أتدري من أشقى الأوّلين»؟ قال : الله ورسوله أعلم . قال : «عاقر ناقة صالح ، أتدري من أشقى الآخرين»؟ قال : الله ورسوله أعلم . قال : «قاتلك» " وقرأ أبو جعفر في رواية : «تأكل في أرض الله» وهو في موضع الحال بمعنى آكلة { وَبَوَّأَكُمْ } وترلكم . والمباءة : المنزل { فِى الارض } في أرض الحجر بين الحجاز والشام { مِن سُهُولِهَا قُصُورًا } أي تبنونها من سهولة الأرض بما تعملون منها من الرهص واللبن والآجر . وقرأ الحسن : «وتنحتون» بفتح الحاء وتنحاتون بإشباع الفتحة ، كقوله :
يَنْبَاعُ مِنْ ذَفْرَى أَسِيلٍ حُرَّةٍ ... فإن قلت : علام انتصب { بُيُوتًا } ؟ قلت : على الحال ، كما تقول : خِطْ هذا الثوب قميصاً وابْرِ هذه القصبة قلما ، وهي من الحال المقدّرة ، لأن الجبل لا يكون بيتاً في حال النحت ، ولا الثوب ولا القصبة قميصاً وقلماً في حال الخياطة والبري . وقيل : كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء .

(2/249)


قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)

{ لِلَّذِينَ استضعفوا } للذين استضعفهم رؤساء الكفار واستذلوهم ، و { لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ } بدل من الذين استضعفوا . فإن قلت : الضمير في منهم راجع إلى ماذا؟ قلت : إلى { قَوْمِهِ } أو إلى { الذين استضعفوا } . فإن قلت : هل لاختلاف المرجعين أثر في اختلاف المعنى؟ قلت : نعم وذلك أن الراجع إذا رجع إلى قومه فقد جعل { مَنْ ءامَنَ } مفسراً لمن استضعف منهم ، فدل أن استضعافهم كان مقصوراً على المؤمنين ، وإذا رجع إلى الذين استضعفوا لم يكن الاستضعاف مقصوراً عليهم ، ودلّ أن المستضعفين كانوا مؤمنين وكافرين : { أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالحا مُّرْسَلٌ مّن رَّبّهِ } شيء قالوه على سبيل الطنز والسخرية ، كما تقول للمجسمة : أتعلمون أن الله فوق العرش . فإن قلت : كيف صحّ قولهم : { إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ } جواباً عنه؟ قلت : سألوهم عن العلم بإرساله ، فجعلوا إرساله أمراً معلوماً مكشوفاً مسلماً لا يدخله ريب ، كأنهم قالوا : العلم بإرساله وبما أرسل به ما لا كلام فيه ولا شبهة تدخله لوضوحه وإنارته ، وإنما الكلام في وجوب الإيمان به ، فنخبركم أنا به مؤمنون ، ولذلك كان جواب الكفرة : { إِنَّا بالذى ءَامَنْتُمْ بِهِ كافرون } فوضعوا { ءَامَنتُم بِهِ } موضع { أُرْسِلَ بِهِ } رداً لما جعله المؤمنون معلوماً وأخذوه مسلماً { فَعَقَرُواْ الناقة } أسند العقر إلى جميعهم لأنه كان برضاهم وإن لم يباشره إلاّ بعضهم ، وقد يقال للقبيلة الضخمة : أنتم فعلتم كذا ، وما فعله إلاّ واحداً منهم { وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ } وتولوا عنه واستكبروا عن امتثاله عاتين ، وأمر ربهم : ما أمر به على لسان صالح عليه السلام من قوله : { فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ الله } [ الأعراف : 73 ] أو شأن ربهم وهو دينه . ويجوز أن يكون المعنى : وصدر عتوّهم عن أمر ربهم ، كأن أمر ربهم بتركها كان هو السبب في عتوّهم . ونحو عن هذه ما في قوله : { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى } [ الكهف : 82 ] ، { ائتنا بِمَا تَعِدُنَا } أرادوا من العذاب . وإنما جاز الإطلاق لأنه كان معلوماً . واستعجالهم له لتكذيبهم به ، ولذلك علقوه بما هم به كافرون ، وهو كونه من المرسلين { الرجفة } الصيحة التي زلزلت لها الأرض واضطربوا لها { فِي دَارِهِمْ } في بلادهم أو في مساكنهم { جاثمين } هامدين لا يتحركون موتى . يقال : الناس جثم ، أي قعود لا حراك بهم ولا ينبسون نبسة . ومنه المجثمة التي جاء النهي عنها ، وهي البهيمة تربط وتجمع قوائمها لترمى
. وعن جابر : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما مرّ بالحجر قال :
( 394 ) « لا تسألوا الآيات ، فقد سألها قوم صالح فأخذتهم الصيحة ، فلم يبق منهم إلاّ رجل واحد كان في حرم الله . قالوا من هو؟ قال : ذاك أبو رغال ، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه »

(2/250)


، وروى : أنّ صالحاً كان بعثه إلى قوم فخالف أمره . وروى : أنه عليه السلام مرّ بقبر أبي رغال فقال :
( 395 ) " «أتدرون من هذا»؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . فذكر قصة أبي رغال ، وأنه دفن ههنا ودفن معه غصن من ذهب ، فابتدروه وبحثوا عنه بأسيافهم فاستخرجوا الغصن . " { فتولى عَنْهُمْ } الظاهر أنه كان مشاهداً لما جرى عليهم ، وأنه تولى عنهم بعدما أبصرهم جاثمين ، تولى مغتم متحسر على ما فاته من إيمانهم يتحزن لهم ويقول يا قوم لقد بذلت فيكم وسعي ولم آل جهداً في إبلاغكم والنصيحة لكم ولكنكم { لاَّ تُحِبُّونَ الناصحين } ويجوز أن يتولى عنهم تولي ذاهب عنهم ، منكر لإصرارهم حين رأى العلامات قبل نزول العذاب . وروى : أنّ عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء ، ونزل بهم العذاب يوم السبت . وروى أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي ، فالتفت فرأى الدخان ساطعاً فعلم أنهم قد هلكوا ، وكانوا ألفاً وخمسمائة دار . وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارهم . فإن قلت : كيف صحّ خطاب الموتى وقوله : { وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ الناصحين } ؟ قلت : قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت وكان قد نصحه حياً فلم يسمع منه حتى ألقى بنفسه في التهلكة : يا أخي ، كم نصحتك وكم قلت لك فلم تقبل مني؟ وقوله : { وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ الناصحين } حكاية حال ماضية .

(2/251)


وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)

{ وَلُوطًا } وأرسلنا لوطاً . و { إِذْ } ظرف لأرسلنا . واذكر لوطاً ، وإذ بدل منه ، بمعنى : واذكر وقت : { قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفاحشة } أتفعلون السيئة المتمادية في القبح { مَا سَبَقَكُمْ بِهَا } ما عملها قبلكم ، والباء للتعدية من قولك : سبقته بالكرة ، إذا ضربتها قبله . ومنه قوله عليه [ الصلاة و ] السلام :
( 396 ) " سبقك بها عكاشة " { مِنْ أَحَدٍ مّن العالمين } «من» الأولى زائدة لتوكيد النفي وإفادة معنى الاستغراق ، والثانية للتبعيض . فإن قلت : ما موقع هذه الجملة؟ قلت : هي جملة مستأنفة ، أنكر عليهم أوّلاً بقوله : { أَتَأْتُونَ الفاحشة } ثم وبخهم عليها فقال : أنتم أوّل من عملها . أو على أنه جواب لسؤال مقدّر ، كأنهم قالوا : لما لانأتيها؟ فقال : ما سبقكم بها أحد ، فلا تفعلوا ما لم تسبقوا به { إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال } بيان لقوله : أتأتون الفاحشة . والهمزة مثلها في { أَتَأْتُونَ } للإنكار والتعظيم . وقرىء : «إنكم» على الإخبار المستأنف لتأتون الرجال ، من أتى المرأة إذا غشيها { شَهْوَةً } مفعول له ، أي للاشتهاء لا حامل لكم عليه إلاّ مجرّد الشهوة من غير داع آخر ، ولا ذمّ أعظم منه ، لأنه وصف لهم بالبهيمية ، [ و ] أنه لا داعي لهم من جهة العقل البتة كطلب النسل ونحوه أو حال بمعنى مشتهين تابعين للشهوة غير ملتفتين إلى السماجة { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } أضرب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحال التي توجب ارتكاب القبائح وتدعو إلى اتباع الشهوات وهو أنهم قوم عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء ، فمن ثم أسرفوا في بعض قضاء الشهوة ، حتى تجاوزوا المعتاد إلى غير المعتاد . ونحوه { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } [ الشعراء : 166 ] . { وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُواْ } يعني ما أجابوه بما يكون جواباً عما كلمهم به لوط عليه السلام ، من إنكار الفاحشة ، وتعظيم أمرها ، ووسمهم بسمة الإسراف الذي هو أصل الشرّ كله ، لكنهم جاؤا بشيء آخر لا يتعلق بكلامه ونصيحته ، من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم ، ضجراً بهم وبما يسمعونهم من وعظهم ونصحهم . وقولهم : { إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش ، وافتخاراً بما كانوا فيه من القذارة ، كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم : أبعدوا عنا هذا المتقشف ، وأريحونا من هذالمتزهد { وَأَهْلَهُ } ومن يختصّ به من ذويه أو من المؤمنين { مِنَ الغابرين } من الذين غبروا في ديارهم ، أي بقوا فهلكوا . والتذكير لتغليب الذكور على الإناث . وكانت كافرة موالية لأهل سدوم . وروي : أنها التفتت فأصابها حجر فماتت . وقيل : كانت المؤتفكة خمس مدائن . وقيل : كانوا أربعة آلاف بين الشام والمدينة ، فأمطر الله عليهم الكبريت والنار . وقيل : خسف بالمقيمين منهم ، وأمطرت الحجارة على مسافريهم وشذاذهم .

(2/252)


وقيل : أمطر عليهم ثم خسف بهم . وروي : أن تاجراً منهم كان في الحرم فوقف له الحجر أربعين يوماً حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع عليه . فإن قلت : أي فرق بين مطر وأمطر؟ قلت : يقال مطرتهم السماء وواد ممطور . وفي نوابغ الكلم : حرى غير ممطور . وحرى أن يكون غير ممطور ومعنى مطرتهم : أصابتهم المطر ، كقولهم : غاثتهم ووبلتهم وجادتهم ورهمتهم . ويقال : أمطرت عليهم كذا ، بمعنى أرسلته عليهم إرسال المطر { فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء } [ الأنفال : 32 ] ، { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } [ هود : 82 ] . ومعنى { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا } وأرسلنا عليهم نوعاً من المطر عجيباً يعني الحجارة . ألا ترى إلى قوله : { فَسَاء مَطَرُ المنذرين } [ الأعراف : 84 ] .

(2/253)


وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)

كان يقال لشعيب عليه السلام خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وكانوا أهل بخس للمكاييل والموازين { قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } معجزة شاهدة بصحة نبوّتي أوجبت عليكم الإيمان بي والأخذ بما آمركم به والانتهاء عما أنهاكم عنه ، فأوفوا ولا تبخسوا . فإن قلت : ما كانت معجزته؟ قلت : قد وقع العلم بأنه كانت له معجزة ، لقوله : { قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } ولأنّه لا بدّ لمدعي النبوّة من معجزة تشهد له وتصدقه ، وإلاّ لم تصحّ دعواه ، وكان متنبئاً لا نبياً غير أنّ معجزته لم تذكر في القرآن كما لم تذكر أكثر معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم فيه . ومن معجزات شعيب عليه السلام : ما روي من محاربة عصى موسى عليه السلام التنين حين دفع إليه غنمه . وولادة الغنم الدرع خاصة حين وعده أن تكون له الدرع من أولادها ، ووقوع عصى آدم عليه السلام على يده في المرات السبع ، وغير ذلك من الآيات؛ لأنّ هذه كلها كانت قبل أن يستنبأ موسى عليه السلام ، فكانت معجزات لشعيب . فإن قلت : كيف قيل : { الكيل والميزان } وهلا قيل : المكيال والميزان ، كما في سورة هود عليه السلام؟ قلت : أريد بالكيل : آلة الكيل وهو المكيال ، أو سمي ما يكال به الكيل ، كما قيل : العيش ، لما يعاش به . أو أريد : فأوفوا الكيل ووزن الميزان . ويجوز أن يكون الميزان كالميعاد والميلاد بمعنى المصدر ، ويقال : بخسته حقه : إذا نقصته إياه . ومنه ، قيل للمكس : البخس ، وفي أمثالهم : تحسبها حمقاء وهي باخس . وقيل : { أَشْيَاءهُمْ } لأنهم كانوا يبخسون الناس كل شيء في مبايعاتهم ، أو كانوا مكاسين لا يدعون شيئاً إلاّ مكسوه كما يفعل أمراء الحرمين . وروى : أنهم كانوا إذا دخل الغريب بلدهم أخذوا دراهمه الجياد وقالوا هي زيوف فقطعوها قطاعاً ، ثم أخذوها بنقصان ظاهر أو أعطوه بدلها زيوفاً { بَعْدَ إصلاحها } بعد الإصلاح فيها ، أي لا تفسدوا فيها بعدما أصلح فيها الصالحون من الأنبياء وأتباعهم العاملين بشرائعهم . وإضافته كإضافة قوله : { بَلْ مَكْرُ اليل والنهار } [ سبأ : 33 ] بمعنى بل مكركم في الليل والنهار ، أو بعد إصلاح أهلها على حذف المضاف { ذلكم } إشارة إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل والميزان وترك البخس والإفساد في الأرض ، أو إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه . ومعنى : { خَيْرٌ لَّكُمْ } يعني في الإنسانية وحسن الأحدوثة ، وما تطلبونه من التكسب والتربح ، لأن الناس أرغب في متاجرتكم إذا عرفوا منكم الأمانة والسوية { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } إن كنتم مصدقين لي في قولي ذلكم خير لكم { وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صراط } ولا تقتدوا بالشيطان في قوله : { لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم } [ الأعراف : 16 ] فتقعدوا بكل صراط أي بكل منهاج من مناهج الدين .

(2/254)


والدليل على أن المراد بالصراط سبيل الحق قوله : { وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } ومحل { تُوعَدُونَ } وما عطف عليه : النصب على الحال أي : ولا تقعدوا موعدين وصادّين عن سبيل الله ، وباغيها عوجاً . فإن قلت : صراط الحق واحد ، { وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } [ الأنعام : 153 ] فكيف قيل : بكل صراط؟ قلت : صراط الحق واحد ، ولكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة ، فكانوا إذا رأوا أحداً يشرع في شيء منها أوعدوه وصدّوه . فإن قلت؛ إلام يرجع الضمير في { ءَامَنَ بِهِ } ؟ قلت : إلى كل صراط . تقديره : توعدون من آمن به وتصدّون عنه ، فوضع الظاهر الذي هو سبيل الله موضع الضمير ، زيادة في تقبيح أمرهم ، ودلالة على عظم ما يصدّون عنه . وقيل : كانوا يجلسون على الطرق والمراصد فيقولون لمن مر بهم إنَّ شعيباً كذاب فلا يفتنكم عن دينكم كما كان يفعل قريش بمكة . وقيل : كانوا يقطعون الطرق . وقيل : كانوا عَشَّارين { وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } وتطلبون لسبيل الله عوجاً ، أي تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة غير مستقيمة ، لتصدّوهم عن سلوكها والدخول فيها : أو يكون تهكماً بهم ، وأنهم يطلبون لها ما هو محال ، لأن طريق الحق لا يعوج { واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً } إذ مفعول به غير ظرف . أي : واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلاً عددكم { فَكَثَّرَكُمْ } الله ووفر عددكم . قيل : إن مدين بن إبراهيم تزوّج بنت لوط فولدت فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء فكثروا وفشوا . ويجوز إذ كنتم مقلين فقراء فكثركم : فجعلكم مكثرين موسرين . أو كنتم أقلة أذلة فأعزكم بكثرة العدد والعدد { عاقبة المفسدين } آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم ، كقوم نوح وهود وصالح ولوط ، وكانوا قريبي العهد مما أصاب المؤتفكة { فاصبروا } فتربصوا وانتظروا { حتى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا } أي بين الفريقين ، بأن ينصر المحقين على المبطلين ويظهرهم عليهم . وهذا وعيد للكافرين بانتقام الله منهم ، كقوله : { فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ } [ التوبة : 52 ] أو هو عظة للمؤمنين وحثّ على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم الله بينهم وينتقم لهم منهم . ويجوز أن يكون خطاباً للفريقين ، أي ليصبر المؤمنون على أذى الكفار وليصبر الكفار على ما يسوءهم من إيمان من آمن منهم ، حتى يحكم الله فيميز الخبيث من الطيب { وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين } لأنّ حكمه حق وعدل ، لا يخاف فيه الحيف .

(2/255)


قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)

أي ليكوننّ أحد الأمرين : إمّا إخراجكم؛ وإمّا عودكم في الكفر . فإن قلت : كيف خاطبوا شعيباً عليه السلام بالعود في الكفر في قولهم : { أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا } وكيف أجابهم بقوله : { إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا } والأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم من الصغائر إلاّ ما ليس فيه تنفير ، فضلاً عن الكبائر ، فضلاً عن الكفر؟ قلت : لما قالوا : { لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين ءامَنُواْ مَعَكَ } فعطفوا على ضميره الذين دخلوا في الإيمان منهم بعد كفرهم قالوا : { لَتَعُودُنَّ } فغلبوا الجماعة على الواحد ، فجعلوهم عائدين جميعاً ، إجراءً للكلام على حكم التغليب . وعلى ذلك أجرى شعيب عليه السلام جوابه فقال : { إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا } وهو يريد عود قومه ، إلاّ أنه نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئاً من ذلك إجراء لكلامه على حكم التغليب . فإن قلت : فما معنى قوله { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله } والله تعالى متعال أن يشاء ردّة المؤمنين وعودهم في الكفر؟ قلت : معناه إلاّ أن يشاء الله خذلاننا ومنعنا الألطاف ، لعلمه أنها لا تنفع فينا وتكون عبثاً . والعبث قبيح لا يفعله الحكيم ، والدليل عليه قوله : { وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا } أي هو عالم بكل شيء مما كان وما يكون ، فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحوّل ، وقلوبهم كيف تتقلب؛ وكيف تقسو بعد الرقة ، وتمرض بعد الصحة ، وترجع إلى الكفر بعد الإيمان { عَلَى الله تَوَكَّلْنَا } في أن يثبتنا على الإيمان ويوفقنا لازدياد الإيقان . ويجوز أن يكون قوله : { إِلاَّ أَن يَشَاء الله } حسماً لطمعهم في العود ، لأن مشيئة الله لعودهم في الكفر محال خارج عن الحكمة { أَوَلوْ كُنَّا كارهين } الهمزة للاستفهام ، والواو واو الحال ، تقديره : أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا ، ومع كوننا كارهين . وما يكون لنا ، وما ينبغي لنا . وما يصحّ لنا { رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا } احكم بيننا . والفتاحة؛ الحكومة ، أو أظهر أمرنا حتى يتفتح ما بيننا { وَبَيْنَ قَوْمِنَا } وينكشف بأن تنزل عليهم عذاباً يتبين معه أنهم على الباطل { وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين } كقوله : { وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين } [ يونس : 159 ] . فإن قلت : كيف أسلوب قوله : { قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ } ؟ قلت : هو إخبار مقيد بالشرط ، وفيه وجهان ، أحدهما : أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه معنى التعجب ، كأنهم قالوا : ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر بعد الإسلام . لأنّ المرتد أبلغ في الافتراء من الكافر ، لأنّ الكافر مفتر على الله الكذب . حيث يزعم أن لله نداً ولا ندّ له . والمرتدّ مثله في ذلك وزائد عليه ، حيث يزعم أنه قد تبين له ما خفي عليه من التمييز بين الحق والباطل . والثاني : أن يكون قسماً على تقدير حذف اللام ، بمعنى : والله لقد افترينا على الله كذباً .

(2/256)


وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92)

{ وَقَالَ الملا الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ } أي أشرافهم للذين دونهم يثبطونهم عن الإيمان { لَئِنِ اتبعتم شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون } لاستبدالكم الضلالة بالهدى ، كقوله تعالى : { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فَمَا رَبِحَت تجارتهم } [ البقرة : 16 ] وقيل : تخسرون باتباعه فوائد البخس والتطفيف لأنه ينهاكم عنهما ويحملكم على الإيفاء والتسوية ، فإن قلت : ما جواب القسم الذي وطأته اللام في { لَئِنِ اتبعتم شُعَيْبًا } وجواب الشرط؟ قلت : قوله : { إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون } سادّ مسدّ الجوابين { الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا } مبتدأ خبره { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } وكذلك { كَانُواْ هُمُ الخاسرين } وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص ، كأنه قيل : الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بأن أهلكوا واستؤصلوا ، كأن لم يقيموا في دارهم؛ لأنّ الذين اتبعوا شعيباً قد أنجاهم الله ، الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بالخسران العظيم ، دون أتباعه فإنهم الرابحون . وفي هذا الاستئناف والابتداء وهذا التكرير : مبالغة في ردّ مقالة الملإ لأشياعهم ، وتسفيه لرأيهم ، واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم .

(2/257)