صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الكشاف
المؤلف : أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

روي أن الله تبارك وتعالى كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالاً ، فلما عصوا الله في محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوه كف الله تعالى ما بسط عليهم من السعة ، فعند ذلك قال فنحاص ابن عازوراء : يد الله مغلولة ، ورضي بقوله الآخرون فأشركوا فيه { وَلَيَزِيدَنَّ } أي يزدادون عند نزول القرآن لحسدهم تمادياً في الجحود وكفروا بآيات الله { وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة } فكلمهم أبداً مختلف ، وقلوبهم شتى ، لا يقع اتفاق بينهم ولا تعاضد { كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً } كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا وقهروا ولم يقم لهم نصر من الله على أحد قط ، وقد أتاهم الإسلام في ملك المجوس . وقيل : خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بختنصر ثم أفسدوا فسلط الله عليهم فطرس الرومي ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين . وقيل : كلما حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نصر عليهم . وعن قتادة رضي الله عنه لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذل الناس { وَيَسْعَوْنَ } ويجتهدون في الكيد للإسلام ومحو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتبهم .

(2/46)


وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)

{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتاب } مع ما عددنا من سيآتهم { ءامَنُواْ } برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به . وقرنوا إيمانهم بالتقوى التي هي الشريطة في الفوز بالإيمان { لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ } تلك السيئات ولم نؤاخذهم بها { ولأدخلناهم } مع المسلمين الجنة . وفيه إعلام بعظهم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيآتهم ، ودلالة على سعة رحمة الله تعالى وفتحه باب التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيئات اليهود والنصارى ، وأن الإيمان لا ينجي ولا يسعد إلا مشفوعاً بالتقوى ، كما قال الحسن : هذا العمود فأين الإطناب { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل } أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ } من سائر كتب الله ، لأنهم مكلفون الإيمان بجميعها ، فكأنها أنزلت إليهم؛ وقيل : هو القرآن . لوسع الله عليهم الرزق وكانوا قد قحطوا . وقوله : { لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } عبارة عن التوسعة . وفيه ثلاث أوجه : أن يفيض عليهم بركات السماء وبركات الأرض وأن يكثر الأشجار المثمرة والزروع المغلة أن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجتنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر ، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم { مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ } طائفة حالها أمم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل : هي الطائفة المؤمنة عبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون من النصارى ، و { سَاء مَا يَعْمَلُونَ } فيه معنى التعجب ، كأنه قيل : وكثير منهم ما أسوأ عملهم ، وقيل : هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم .

(2/47)


يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)

{ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } جميع ما أنزل إليك وأي شيء أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحداً ، ولا خائف أن ينالك مكروه { وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ } وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك { فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } وقرىء : «رسالاته» ، فلم تبلغ إذاً ما كلفت من أداء الرسالات ، ولم تؤدّ منها شيئاً قط ، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض ، وإن لم تؤدّ بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعاً ، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها ، لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها . وكونا كذلك في حكم شيء واحد . والشيء الواحد لا يكون مبلغاً غير مبلغ ، مؤمناً به غير مؤمن به . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : إن كتمت آية لم تبلغ رسالاتي . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 359 ) " بعثني الله برسالاته فضقت بها ذرعاً ، فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك . وضمن لي العصمة فقويت " فإن قلت : وقوع قوله : { فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } جزاء للشرط ما وجه صحته؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما : أنه إذا لم يمتثل أمر الله في تبيلغ الرسالات وكتمها كلها كأنه لم يبعث رسولاً كان أمراً شنيعاً لاخفاء بشناعته ، فقيل : إن لم تبلغ منها أدنى شيء وإن كان كلمة واحدة ، فأنت كمن ركب الأمر الشنيع الذي هو كتمان كلها ، كما عظم قتل النفس بقوله : { فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً } [ المائدة : 32 ] والثاني : أن يراد : فإن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله من العقاب فوضع السبب موضع المسبب ، ويعضده قوله عليه الصلاة والسلام : " فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك " { والله يَعْصِمُكَ } عدة من الله بالحفظ والكلاءة والمعنى : والله يضمن لك العصمة من أعدائك ، فما عذرك في مراقبتهم؟ فإن قلت : أين ضمان العصمة
( 360 ) وقد شجّ في وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته صلوات الله عليه؟ قلت : المراد أنه يعصمه من القتل . وفيه : أن عليه أن يحتمل كل ما دون النفس في ذات الله ، فما أشدّ تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقيل : نزلت بعد يوم أحد ، والناس الكفار بدليل قوله : { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين } ومعناه أنه لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك . وعن أنس :
( 361 ) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت ، فأخرج رأسه من قبة أدم وقال : " انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس " .

(2/48)


قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)

{ لَسْتُمْ على شَىْء } أي على دين يعتد به حتى يسمى شيئاً لفساده وبطلانه ، كما تقول : هذا ليس بشيء تريد تحقيره وتصغير شأنه . وفي أمثالهم : أقل من لا شيء { فَلاَ تَأْسَ } فلا تتأسف عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم ، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك ، وفي المؤمنين غنى عنهم .

(2/49)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)

{ والصابئون } رفع على الابتداء وخبره محذوف ، والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها ، كأنه قيل : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا ، والصابئون كذلك ، وأنشد سيبويه شاهداً له :
وإلاَّ فَاعْلَمُوا أَنَّا وَأَنْتُم ... بُغَاةٌ مَا بَقِيْنَا فِي شِقَاقِ
أي فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك ، فإن قلت : هلا زعمت أن ارتفاعه للعطف على محل إن واسمها؟ قلت : لا يصحّ ذلك قبل الفراغ من الخبر ، لا تقول : إن زيداً وعمرو منطلقان . فإن قلت لم لا يصحّ والنية به التأخير ، فكأنك قلت : إن زيداً منطلق وعمرو؟ قلت : لأني إذا رفعته رفعته عطفاً على محل إن واسمها ، والعامل في محلهما هو الابتداء ، فيجب أن يكون هو العامل في الخبر لأن الابتداء ينتظم الجزأين في عمله كما تنتظمها ( إن ) في عملها؛ فلو رفعت الصابئون المنويّ به التأخير بالابتداء وقد رفعت الخبر بأنّ ، لأعملت فيهما رافعين مختلفين . فإن قلت : فقوله والصابئون معطوف لا بد له من معطوف عليه فما هو؟ قلت : هو مع خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ . . . } الخ ولا محل لها ، كما لا محل للتي عطفت عليها ، فإن قلت : ما التقديم والتأخير إلا لفائدة ، فما فائدة هذا التقديم؟ قلت : فائدته التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم إن صحّ منهم الإيمان والعمل الصالح ، فما الظنّ بغيرهم . وذلك أن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالاً وأشدّهم غياً ، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبئوا عن الأديان كلها ، أي خرجوا ، كما أن الشاعر قدم قوله : ( وأنتم ) تنبيهاً على أن المخاطبين أوغل في الوصف بالبغاة من قومه ، حيث عاجل به قبل الخبر الذي هو ( بغاة ) لئلا يدخل قومه في البغي قبلهم ، مع كونهم أوغل فيه منهم وأثبت قدماً فإن قلت : فلو قيل : والصابئين وإياكم لكان التقديم حاصلاً . قلت : لو قيل : هكذا لم يكن من التقديم في شيء ، لأنه لا إزالة فيه عن موضعه ، وإنما يقال مقدّم ومؤخر للمزال لا للقارّ في مكانه . ومجرى هذه الجملة مجرى الاعتراض في الكلام ، فإن قلت : كيف قال : { الذين آمنوا } ثم قال : { مَنْ ءامَنَ } ؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما : أن يراد بالذين آمنوا : الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون وأن يراد بمن آمن . من ثبت على الإيمان واستقام ولم يخالجه ريبة فيه . فإن قلت : ما محل من آمن قلت : إما الرفع على الابتداء وخبره { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ثم الجملة كما هي خبر إن ، وإما النصب على البدل من اسم إن وما عطف عليه ، أو من المعطوف عليه . فإن قلت : فأين الراجع إلى اسم إن؟ قلت : هو محذوف تقديره من آمن منهم ، كما جاء في موضع آخر . وقرىء : «والصابيون» ، بياء صريحة ، وهو من تخفيف الهمزة ، كقراءة من قرأ : «يستهزيون» . «والصابون» : وهو من صبوت ، لأنهم صبوا إلى اتباع الهوى والشهوات في دينهم ولم يتبعوا أدلة العقل والسمع . وفي قراءة أبيّ رضي الله عنه : «والصابئين» ، بالنصب . وبها قرأ ابن كثير . وقرأ عبد الله : «يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون» .

(2/50)


لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70)

{ لَقَدْ أَخَذْنَا } ميثاقهم بالتوحيد { وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً } ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم { كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ } جملة شرطية وقعت صفة لرسلاً ، والراجع محذوف أي رسول منهم { بِمَا لاَ تهوى أَنفُسُهُمْ } بما يخالف هواهم ويضادّ شهواتهم من مشاق التكليف والعمل بالشرائع . فإن قلت : أين جواب الشرط فإن قوله : { فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ } ناب عن الجواب ، لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين ولأنه يحسن أن تقول إن أكرمت أخي أخاك أكرمت؟ قلت : هو محذوف يدل عليه قوله : { فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ } كأنه قيل كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه ، وقوله : { فَرِيقاً كَذَّبُواْ } جواب مستأنف لقائل يقول : كيف فعلوا برسلهم؟ فإن قلت : لم جيء بأحد الفعلين ماضياً وبالآخر مضارعاً؟ قلت : جيء يقتلون على حكاية الحال الماضية استفظاعاً للقتل واستحضاراً لتلك الحال الشنيعة للتعجب منها . قرىء : أن لا يكون ، بالنصب على الظاهر . وبالرفع عن ( أن ) هي المخففة من الثقيلة ، أصله : أنه لا يكون فتنة فخففت ( أن ) وحذف ضمير الشأن .

(2/51)


وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71)

فإن قلت : كيف دخل فعل الحسبان على ( أن ) التي للتحقيق؟ قلت : نزل حسبانهم لقوّته في صدورهم منزلة العلم : فإن قلت : فأين مفعولا حسب؟ قلت : سدّ ما يشتمل عليه صلة أن وأنّ من المسند والمسند إليه مسدّ المفعولين ، والمعنى : وحسب بنو إسرائيل أنه لا يصيبهم من الله فتنة ، أي بلاء وعذاب في الدنيا والآخرة { فَعَمُواْ } عن الدين { وَصَمُّواْ } حين عبدوا العجل ، ثم تابوا عن عبادة العجل ف { تَابَ الله عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ } كرة ثانية بطلبهم المحال غير المعقول في صفات الله وهو الرؤية : وقرىء : «عموا وصموا» ، بالضم على تقدير عماهم الله وصمهم ، أي رماهم وضربهم بالعمى والصمم ، كما يقال : نزكته إذا ضربته بالنيزك وركبته إذا ضربته بركبتك { كَثِيرٌ مّنْهُمْ } بدل من الضمير : أو على قولهم : أكلوني البراغيث ، أو هو خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم .

(2/52)


لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ ُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72)

لم يفرق عيسى عليه الصلاة والسلام بينه وبينهم في أنه عبد مربوب كمثلهم ، وهو احتجاج على النصارى { إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بالله } في عبادته ، أو فيما هو مختص به من صفاته أو أفعاله { فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة } التي هي دار الموحدين أي حرّمه دخولها ومنعه منه ، كما يمنع المحرّم من المحرّم عليه { وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } من كلام الله على أنهم ظلموا وعدلوا عن سبيل الحق فيما تقوّلوا على عيسى عليه السلام ، فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم ردّه وأنكره ، وإن كانوا معظمين له بذلك ورافعين من مقداره . أو من قول عيسى عليه السلام ، على معنى : ولا ينصركم أحد فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن المعقول . أو [ و ] لا ينصركم ناصر في الآخرة من عذاب الله .

(2/53)


لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)

من في قوله : { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله واحد } للاستغراق وهي القدرة مع ( لا ) التي لنفي الجنس في قولك { لاَ إله إِلاَّ الله } والمعنى : وما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له ، وهو الله وحده لا شريك له : و ( من ) في قوله : { لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ } للبيان كالتي في قوله تعالى : { فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان } [ الحج : 30 ] فإن قلت : فهلا قيل : ليمسنهم عَذَابٌ أَلِيمٌ . قلت : في إقامة الظاهر مقام المضمر فائدة وهي تكرير الشهادة عليهم بالكفر في قوله : { لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ } وفي البيان فائدة أخرى وهي الإعلام في تفسير ( الذين كفروا منهم ) أنهم بمكان من الكفر . والمعنى : ليمسنّ الذين كفروا من النصارى خاصة { عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي نوع شديد الألم من العذاب كما تقول : أعطني عشرين من الثياب ، تريد من الثياب خاصة لا من غيرها من الأجناس التي يجوز أن يتناولها عشرون . ويجوز أن تكون للتبعيض ، على معنى : ليمسنّ الذين بقوا على الكفر منهم ، لأنّ كثيراً منهم تابوا من النصرانية { أَفَلاَ يَتُوبُونَ } ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المكرّرة عليهم بالكفر . وهذا الوعيد الشديد مما هم عليه . وفيه تعجب من إصرارهم { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل } صفة لرسول ، أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله جاء بآيات من الله كما أتوا بأمثالها ، أن أبرأ الله الأبرص وأحيا الموتى على يده ، فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى ، وفلق بها البحر ، وطمس على يد موسى . وإن خلقه من غير ذكر ، فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى { وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ } أي وما أمه أيضاً إلا كصديقة كبعض النساء المصدّقات للأنبياء المؤمنات بهم ، فما منزلتهما إلا منزلة بشرين : أحدهما نبي ، والآخر صحابي . فمن أين اشتبه عليكم أمرهما حتى وصفتموهما بما لم يوصف به سائر الأنبياء وصحابتهم؟ مع أنه لا تميز ولا تفاوت بينهما وبينهم بوجه من الوجوه . ثم صرح ببعدهما عما نسب إليهما في قوله : { كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام } لأنّ من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض لم يكن إلا جسماً مركباً من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة وقرم وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام { كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ الأيات } أي الأعلام من الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم : { أنى يُؤْفَكُونَ } كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله . فإن قلت : ما معنى التراخي في قوله ثم انظر؟ قلت : معناه ما بين العجبين ، يعني أنه بين لهم الآيات بياناً عجيباً ، وإنّ إعراضهم عنها أعجب منه .

(2/54)


قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)

{ مَا لاَ يَمْلِكُ } هو عيسى ، أي شيئاً لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم به الله من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال ، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسعة والخصب ، ولأنّ كل ما يستطيعه البشر من المضارّ والمنافع فبإقدار الله وتمكينه ، فكأنه لا يملك منه شيئاً . وهذا دليل قاطع على أن أمره مناف للربوبية ، حيث جعله لا يستطيع ضراً ولا نفعاً . وصفة الرب أن يكون قادراً على كل شيء لا يخرج مقدور على قدرته { والله هُوَ السميع العليم } متعلق ب ( أتعبدون ) ، أي أتشركون بالله ولا تخشونه ، وهو الذي يسمع ما تقولون ويعلم ما تعتقدون أو أتعبدون العاجز والله هو السميع العليم الذي يصح منه أن يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم ، ولن يكون كذلك إلا وهو حي قادر .

(2/55)


قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)

{ غَيْرَ الحق } صفة للمصدر أي لا تغلوا في دينكم غلوا غير الحق أي غلوا باطلاً؛ لأنّ الغلو في الدين غلوَّان غلوّ حق : وهو أن يفحص عن حقائقه ويفتش عن أباعد معانيه ، ويجتهد في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون من أهل العدل والتوحيد رضوان الله عليهم . وغلوّ باطل وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة واتباع الشبه ، كما يفعل أهل الأهواء والبدع { قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ } هم أئمتهم في النصرانية ، كانوا على الضلال قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم { وَأَضَلُّواْ كَثِيراً } ممن شايعهم على التثليث { وَضَلُّواْ } لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم { عَن سَوَاء السبيل } حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه .

(2/56)


لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)

نزّل الله لعنهم في الزبور { على لِسَانِ دَاوُودُ } وفي الإنجيل على لسان عيسى . وقيل إن أهل أيلة ، لما اعتدوا في السبت قال داود عليه السلام : اللَّهم العنهم واجعلهم آية ، فمسخوا قردة . ولما كفر أصحاب عيسى عليه السلام بعد المائدة قال عيسى عليه السلام : اللَّهم عذب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين ، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت ، فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ، ما فيهم امرأة ولا صبيّ { ذلك بِمَا عَصَواْ } أي لم يكن ذلك اللعن الشنيع الذي كان سبب المسخ ، إلا لأجل المعصية والاعتداء ، لا لشيء آخر؛ ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله : { كَانُواْ لاَ يتناهون } لا ينهى بعضهم بعضاً { عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ } ثم قال : { لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } للتعجيب من سوء فعلهم ، مؤكداً لذلك بالقسم ، فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير ، وقلة عبثهم به ، كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب . فإن قلت كيف وقع ترك التناهي عن المنكر تفسيراً للمعصية والاعتداء؟ قلت : من قبل أنّ الله تعالى أمر بالتناهي ، فكان الإخلال به معصية وهو اعتداء ، لأنّ في التناهي حسماً للفساد فكان تركه على عكسه . فإن قلت : ما معنى وصف المنكر بفعلوه ، ولا يكون النهي بعد الفعل؟ قلت : معناه لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه ، أو عن مثل منكر فعلوه ، أو عن منكر أرادوا فعله ، كما ترى أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوّى وتهيأ فتنكر . ويجوز أن يراد : لا ينتهون ولا يمتنعون عن منكر فعلوه ، بل يصبرون عليه ويداومون على فعله . يقال : تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه وتركه { ترى كَثِيراً مّنْهُمْ } هم منافقو أهل الكتاب ، كانوا يوالون المشركين ويصافونهم { أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ } هو المخصوص بالذمّ ، ومحله الرفع ، كأنه قيل : لبئس زادهم إلى الآخرة سخط الله عليهم . والمعنى : موجب سخط الله { وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ } إيماناً خالصاً غير نفاق ما اتخذوا المشركين { أَوْلِيَاء } يعني أنّ موالاة المشركين كفى بها دليلاً على نفاقهم ، وأنّ إيمانهم ليس بإيمان { ولكن كَثِيراً مّنْهُمْ فاسقون } متمرّدون في كفرهم ونفاقهم . وقيل معناه : ولو كانوا يؤمنون بالله وموسى كما يدّعون ، ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يوالهم المسلمون .

(2/57)


لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86)

وصف الله شدّة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق ولين عريكة النصارى وسهولة ارعوائهم وميلهم إلى الإسلام ، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدّة العداوة للمؤمنين ، بل نبه على تقدّم قدمهم فيها بتقديمهم على الذين أشركوا ، وكذلك فعل في قوله : { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ } [ البقرة : 96 ] ولعمري إنهم لكذلك وأشدّ . وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم :
( 362 ) " ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله " وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودّتهم للمؤمنين { بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً } أي علماء وعباداً { وَإِنَّهُمْ } قوم فيهم تواضع واستكانة ولا كبر فيهم ، واليهود على خلاف ذلك . وفيه دليل بين على أنّ التعلم أنفع شيء وأهداه إلى الخير وأدله على الفوز حتى علم القسيسين ، وكذلك غم الآخرة والتحدّث بالعاقبة وإن كان في راهب ، والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني . ووصفهم الله برقة القلوب وأنهم يبكون عند استماع القرآن ، وذلك نحو ما يحكى عن النجاشيّ رضي الله عنه أنه قال لجعفر بن أبي طالب - حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة والمشركون لعنوا وهم يغرونه عليهم ويتطلبون عنتهم عنده - : هل في كتابكم ذكر مريم؟ قال جعفر : فيه سورة تنسب إليها ، فقرأها إلى قوله : { ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ } [ مريم : 34 ] وقرأ سورة طه إلى قوله : { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى } [ طه : 9 ] فبكى النجاشي وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم سبعون رجلاً حين قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس . فبكوا . فإن قلت : بم تعلقت اللام في قوله : { لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } ؟ قلت : بعداوة ومودّة ، على أنّ عداوة اليهود التي اختصت المؤمنين أشدّ العداوات وأظهرها ، وأن مودّة النصارى التي اختصت المؤمنين أقرب المودّات ، وأدناها وجوداً ، وأسهلها حصولاً . ووصف اليهود بالعداوة والنصارى بالمودّة مما يؤذن بالتفاوت ، ثم وصف العداوة والمودّة بالأشدّ والأقرب . فإن قلت : ما معنى قوله : { تَفِيضُ مِنَ الدمع } قلت : معناه تمتلىء من الدمع حتى تفيض ، لأن الفيض أن يمتلىء الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه ، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الإمتلاء ، وهو من إقامة المسبب مقام السبب ، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها ، أي تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك دمعت عينه دمعاً فإن قلت : أي فرق بين من ومن في قوله : { مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق } ؟ قلت الأولى لابتداء الغاية ، على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق ، وكان من أجله وبسببه . والثانية لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا . وتحتمل معنى التبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق ، فأبكاهم وبلغ منهم ، فكيف إذا عرفوه كله وقرؤا القرآن وأحاطوا بالسنة؟ وقرىء «ترى أعينهم» على البناء للمفعول { رَبَّنَا ءامَنَّا } المراد به إنشاء الإيمان ، والدخول فيه { فاكتبنا مَعَ الشاهدين } مع أمّة محمد صلى الله عليه وسلم الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة

(2/58)


{ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } [ البقرة : 143 ] وقالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك { وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله } إنكار استبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين ، وقيل : لما رجعوا إلى قومهم لاموهم فأجابوهم بذلك . أو أرادوا : وما لنا لا نؤمن بالله وحده لأنهم كانوا مثلثين ، وذلك ليس بإيمان بالله : ومحل ( لا نؤمن ) النصب على الحال ، بمعنى : غير مؤمنين ، كقولك مالك قائماً . والواو في { وَنَطْمَعُ } واو الحال . فإن قلت : ما العامل في الحال الأولى والثانية؟ قلت : العامل في الأولى ما في اللام من معنى الفعل ، كأنه قيل : أي شيء حصل لنا غير مؤمنين ، وفي الثانية معنى هذا الفعل ، ولكن مقيداً بالحال الأولى؛ لأنك لو أزلتها وقلت : وما لنا ونطمع ، لم يكن كلاماً . ويجوز أن يكون ( ونطمع ) حالاً من لا نؤمن ، على أنهم أنكروا على نفوسهم أنهم لا يوحدون الله ، ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين ، وأن يكون معطوفاً على لا نؤمن على معنى : وما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصاحين ، أو على معنى : وما لنا لا نجمع بينهما بالدخول في الإسلام ، لأن الكافر ما ينبغي له أن يطمع في صحبة الصالحين . قرأ الحسن : «فآتاهم» { بِمَا قَالُواْ } بما تكلموا به عن اعتقاد وإخلاص ، من قولك : هذا قول فلان ، أي اعتقاده وما يذهب إليه .

(2/59)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)

{ طيبات مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ } ما طاب ولذ من الحلال . ومعنى { لاَ تُحَرّمُواْ } لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم . أو لا تقولوا حرّمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهداً منكم وتقشفاً وروي :
( 363 ) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف القيامة يوماً لأصحابه ، فبالغ وأشبع الكلام في الإنذار ، فرقوا واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون ، واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين قائمين ، وأن لا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم والودك ، ولا يقربوا النساء والطيب ، ويرفضوا الدنيا ويلبسوا المسوح ويسيحوا في الأرض ، ويجبوا مذاكيرهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : « إني لم أومر بذلك ، إن لأنفسكم عليكم حقاً ، فصوموا وأفطروا ، وقوموا وناموا ، فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر ، وآكل اللحم والدسم ، وآتي النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني » ونزلت . وروي :
( 364 ) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الدجاج والفالوذ ، وكان يعجبه الحلواء والعسل . وقال : « إن المؤمن حلو يحب الحلاوة » ، وعن ابن مسعود أن رجلاً قال له : إني حرمت الفراش فتلا هذه الآية وقال : نم على فراشك وكفر عن يمينك . وعن الحسن أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السنجيّ وأصحابه ، فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج المسمن والفالوذ وغير ذلك ، فاعتزل فرقد ناحية ، فسأل الحسن : أهو صائم؟ قالوا : لا ، ولكنه يكره هذه الألوان . فأقبل الحسن عليه وقال : يا فريقد ، أترى لعاب النحل بلباب البرّ بخالص السمن يعيبه مسلم . وعنه أنه قيل له . فلان لا يأكل الفالوذ ويقول : لا أؤدّي شكره . قال : أفيشرب الماء البارد؟ قالوا : نعم . قال : إنه جاهل ، إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذ . وعنه أن الله تعالى أدّب عباده فأحسن أدبهم . قال الله تعالى : { لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ } [ الطلاق : 7 ] ما عاب الله قوماً وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا ، ولا عذر قوماً زواهاً عنهم فعصوه { وَلاَ تَعْتَدُواْ } ولا تتعدوا حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرّم عليكم . أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات . أو جعل تحريم الطيبات اعتداء وظلماً ، فنهى عن الاعتداء ليدخل تحته النهي عن تحريمها دخولاً أولياً لوروده على عقبه أو أراد ولا تعتدوا بذلك { وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } أي من الوجوه الطيبة التي تسمى رزقاً { حلالا } حال مما رزقكم الله { واتقوا الله } تأكيد للتوصية بما أمر به . وزاده تأكيداً بقوله : { الذى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ } لأنّ الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر به وعما نهى عنه .

(2/60)


لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)

اللغو في اليمين : الساقط الذي لا يتعلق به حكم : واختلف فيه ، فعن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عنه فقالت : هو قول الرجل «لا والله ، بلى والله» وهو مذهب الشافعي . وعن مجاهد : هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك وليس كما ظن . وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله { بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان } بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها بالقصد والنية . وروي أن الحسن رضي الله عنه سئل عن لغو اليمين وكان عنده الفرزدق فقال : يا أبا سعيد ، دعني أجب عنك فقال :
وَلَسْتُ بِمَأْخُوذِ بِلَغْوٍ تَقُولُه ... إِذَا لَمْ تَعَمَّدْ عَاقِدَاتِ الْعَزَائِمِ
وقرىء : «عقدتم» ، بالتخفيف . «وعاقدتم» . والمعنى : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم ، فحذف وقت المؤاخذة . لأنه كان معلوماً عندهم ، أو بنكث ما عقدتم . فحذف المضاف { فَكَفَّارَتُهُ } فكفارة نكثه . والكفارة : الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ } من أقصده ، لأنّ منهم من يسرف في إطعام أهله ، ومنهم من يقتر وهو عند أبي حنيفة رحمه الله نصف صاع من برّ أو صاع من غيره لكل مسكين ، أو يغديهم ويعشيهم . وعند الشافعي رحمه الله : مدّ لكل مسكين . وقرأ جعفر بن محمد : «أهاليكم» ، بسكون الياء ، والأهالي : اسم جمع لأهل : كالليالي في جمع ليلة ، والأراضي في جمع أرض . وقولهم : ( أهلون ) كقولهم ( أرضون ) بسكون الراء . وأما تسكين الياء في حال النصب فللتخفيف ، كما قالوا : رأيت معد يكرب ، تشبيها للياء بالألف { أَوْ كِسْوَتُهُمْ } عطف على محل ( من أوسط ) وقرىء بضم الكاف ، ونحوه : قُدوة في قِدوة ، وأسوة في إسوة ، والكسوة ثوب يغطي العورة ، وعن ابن عباس رضي الله عنه كانت العباءة تجزىء يومئذٍ . وعن ابن عمر : إزار أو قميص أو رداء أو كساء . وعن مجاهد : ثوب جامع . وعن الحسن : ثوبان أبيضان . وقرأ سعيد بن المسيب واليماني : «أو كأسوتهم» ، بمعنى : أو مثل ماتطعمون أهليكم إسرافاً كان أو تقتيراً . لا تنقصونهم عن مقدار نفقتهم ، ولكن تواسون بينهم وبينهم . فإن قلت : ما محل الكاف؟ قلت : الرفع ، تقديره : أو طعامهم كأسوتهم ، بمعنى : كمثل طعامهم إن لم يطعموهم الأوسط { أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } شرط الشافعي رحمه الله الإيمان قياساً على كفارة القتل . وأما أبو حنيفة وأصحابه ، فقد جوّزوا تحرير الرقبة الكافرة في كل كفارة سوى كفارة القتل . فإن قلت : ما معنى أو؟ قلت : التخيير وإيجاب إحدى الكفارات الثلاث على الاطلاق ، بأيتها أخذ المكفر فقد أصاب { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } إحداها { فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ } متتابعات عند أبي حنيفة رحمه الله ، تمسكاً بقراءة أبيّ وابن مسعود رضي الله عنهما : «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» . وعن مجاهد : كل صوم متتابع إلا قضاء رمضان ، ويخير في كفارة اليمين { ذلك } المذكور { كَفَّارَةُ أيمانكم } ولو قيل : تلك كفارة أيمانكم ، لكان صحيحاً بمعنى تلك الأشياء أو لتأنيث الكفارة .

(2/61)


والمعنى { إِذَا حَلَفْتُمْ } وحنثتم . فترك ذكر الحنث لوقوع العلم بأنّ الكفارة إنما تجب بالحنث في الحلف ، لا بنفس الحلف ، والتكفير قبل الحنث لا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه ويجوز عند الشافعي بالمال إذا لم يعص الحانث { واحفظوا أيمانكم } فبروا فيها ولا تحنثوا أراد الأيمان التي الحنث فيها معصية ، لأن الأيمان اسم جنس يجوز إطلاقه على بعض الجنس وعلى كله . وقيل : احفظوها بأن تكفروها . وقيل : احفظوها كيف حلفتم بها ، ولا تنسوها تهاوناً بها { كذلك } مثل ذلك البيان { يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته } أعلام شريعته وأحكامه { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج منه .

(2/62)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)

أكد تحريم الخمر والميسر وجوهاً من التأكيد منها تصدير الجملة بإنما ، ومنها أنه قرنهما بعبادة الأصنام ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام
( 365 ) « شارب الخمر كعابد الوثن » ومنها أنه جعلهما رجساً ، كما قال تعالى : { فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان } [ الحج : 30 ] ومنها أنه جعلهما من عمل الشيطان ، والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت ، ومنها أنه أمر بالاجتناب . ومنها أنه جعل الاجتناب من الفلاح ، وإذا كان الاجتناب فلاحاً ، كان الارتكاب خيبة ومحقة . ومنها أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال ، وهو وقوع التعادي والتباغض من أصحاب الخمر والقمر ، وما يؤدّيان إليه من الصدّ عن ذكر الله ، وعن مراعاة أوقات الصلاة . وقوله : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } من أبلغ ما ينهى عنه ، كأنه قيل : قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع ، فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون . أم أنتم على ما كنتم عليه ، كأن لم توعظوا ولم تزجروا؟ فإن قلت : إلام يرجع الضمير في قوله : { فاجتنبوه } ؟ قلت : إلى المضاف المحذوف ، كأنه قيل : إنما شأن الخمر والميسر أو تعاطيهما أو ما أشبه ذلك . ولذلك قال : { رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ الشيطان } فإن قلت : لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولاً ثم أفردهما آخراً؟ قلت : لأن الخطاب مع المؤمنين . وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر ، وذكر الأنصاب والأزلام لتأكيد تحريم الخمر والميسر ، وإظهار أنّ ذلك جميعاً من أعمال الجاهلية وأهل الشرك ، فوجب اجتنابه بأسره ، وكأنه لا مباينة بين من عبد صنماً وأشرك بالله في علم الغيب ، وبين من شرب خمراً أو قامر ، ثم أفردهما بالذكر ليرى أن المقصود بالذكر الخمر والميسر . وقوله : { وَعَنِ الصلاة } اختصاص للصلاة من بين الذكر كأنه قيل : وعن الصلاة خصوصاً .

(2/63)


وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92)

{ واحذروا } وكونوا حذرين خاشين ، لأنهم إذا حذروا دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيئة وعمل كل حسنة . ويجوز أن يراد : واحذروا ما عليكم في الخمر ولميسر ، أو في ترك طاعة الله والرسول { فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فاعلموا } أنكم لم تضروا بتوليكم الرسول ، لأنّ الرسول ما كلف إلا البلاغ المبين بالآيات ، وإن ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتم .

(2/64)


لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)

رفع الجناح عن المؤمنين في أي شيء طعموه من مستلذات المطاعم ومشتهياتها { إِذَا مَا اتقوا } ما حرم عليهم منها { وَءامَنُواْ } وثبتوا على الإيمان والعمل الصالح وازدادوه { ثُمَّ اتَّقَواْ وَءامَنُواْ } ثم ثبتوا على التقوى والإيمان { ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ } ثم ثبتوا على اتقاء المعاصي وأحسنوا أعمالهم ، أو أحسنوا إلى الناس : واسوهم بما رزقهم الله من الطيبات . وقيل
( 366 ) لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة : يا رسول الله ، فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر فنزلت . يعني أن المؤمنين لا جناح عليهم في أي شيء طعموه من المباحات إذا ما اتقوا المحارم ، ثم اتقوا وآمنوا ، ثم اتقوا وأحسنوا ، على معنى : أنّ أولئك كانوا على هذه الصفة ثناء عليهم وحمداً لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإحسان . ومثاله أن يقال لك : هل على زيد فيما فعل جناح؟ فتقول - وقد علمت أن ذلك أمر مباح - : ليس على أحد جناح في المباح ، إذا اتقى المحارم ، وكان مؤمناً محسناً ، تريد : أن زيداً تقيّ مؤمن محسن؛ وأنه غير مؤاخذ بما فعل .

(2/65)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94)

نزلت عام الحديبية ابتلاهم الله بالصيد وهم محرمون ، وكثر عندهم حتى كان يغشاهم في رحالهم فيستمكنون من صيده ، أخذاً بأيديهم وطعناً برماحهم { لِيَعْلَمَ الله مَن يَخَافُهُ بالغيب } ليتميز من يخاف عقاب الله وهو غائب منتظر في الآخرة فيتقي الصيد ، ممن لا يخافه فيقدم عليه { فَمَنِ اعتدى } فصاد { بَعْدَ ذَلِكَ } الابتلاء فالوعيد لاحق به . فإن قلت : ما معنى التقليل والتصغير في قوله : { بِشَىْء مّنَ الصيد } ؟ قلت : قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي تدحض عندها أقدام الثابتين ، كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال ، وإنما هو شبيه بما ابتلى به أهل أيلة من صيد السمك ، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده فكيف شأنهم عند ما هو أشدّ منه . وقرأ إبراهيم : يناله ، بالياء .

(2/66)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95)

{ حَرَّمَ } محرمون ، جمع حرام ، كردح في جمع رداح . والتعمد : أن يقتله وهو ذاكر لإحرامه ، أو عالم أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله ، فإن قتله وهو ناس لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد فإذا هو صيد ، أو قصد برميه غير صيد فعدل السهم عن رميته فأصاب صيداً فهو مخطىء . فإن قلت : فمحظورات الإحرام يستوي فيها العمد والخطأ ، فما بال التعمد مشروطاً في الآية؟ قلت : لأن مورد الآية فيمن تعمد؛ فقد روي أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش ، فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله ، فقيل له : إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت ولأن الأصل فعل التعمد ، والخطأ لاحق به للتغليظ . ويدل عليه قوله تعالى : { لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ } { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ } وعن الزهري : نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ وعن سعيد بن جبير : لا أرى في الخطأ شيئاً أخذاً باشتراط العمد في الآية . وعن الحسن روايتان { فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ } برفع جزاء ومثل جميعاً ، بمعنى : فعليه جزاء يماثل ما قتل من الصيد ، وهو عند أبي حنيفة قيمة المصيد يقوّم حيث صيد . فإن بلغت قيمته ثمن هدى ، تخير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد ، وبين أن يشتري بقيمته طعاماً ، فيعطي كل مسكين نصف صاع من برّ أو صاع من غيره ، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوماً ، فإن فضل ما لا يبلغ طعام مسكين صام عنه يوماً أو تصدّق به . وعند محمد والشافعي رحمهما الله مثله نظيره من النعم ، فإن لم يوجد له نظير من النعم عدل إلى قول أبي حنيفة رحمه الله . فإن قلت : فما يصنع من يفسر المثل بالقيمة بقوله : { مِنَ النعم } وهو تفسير للمثل ، وبقوله : هدياً بالغ الكعبة؟ قلت : قد خير من أوجب القيمة بين أن يشتري بها هدياً أو طعاماً أو يصوم ، كما خير الله تعالى في الآية . فكان قوله : { مِنَ النعم } بياناً للهدى المشترى بالقيمة في أحد وجوه التخيير؛ لأن من قوم الصيد واشترى بالقيمة هدياً فأهداه ، فقد جزى بمثل ما قتل من النعم . على أن التخيير الذي في الآية بين أن يجزي بالهدى أو يكفر بالإطعام أو بالصوم ، إنما يستقيم استقامة ظاهرة بغير تعسف إذا قوّم ونظر بعد التقويم أيّ الثلاثة يختار ، فأما إذا عمد إلى النظير وجعله الواجب وحده من غير تخيير - فإذا كان شيئاً لا نظير له قوّم حينئذٍ ، ثم يخير بين الإطعام والصوم - ففيه نبوّ عما في الآية . ألا ترى إلى قوله تعالى : { أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مساكين أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً } كيف خير بين الأشياء الثلاثة ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقويم .

(2/67)


وقرأ عبد الله : فجزاؤه مثل ما قتل ، وقرىء : فجزاء مثل ما قتل ، على الإضافة ، وأصله . فجزاء مثل ما قتل ، بنصب مثل بمعنى : فعليه أن يجزى مثل ما قتل ، ثم أضيف كما تقول : عجبت من ضرب زيد ، وقرأ السلميّ على الأصل وقرأ محمد بن مقاتل ، فجزاء مثل ما قتل ، بنصبهما ، بمعنى : فليجز جزاء مثل ما قتل . وقرأ الحسن : من النعم . بسكون العين ، استثقل الحركة على حرف الحلق فسكنه { يَحْكُمُ بِهِ } بمثل ما قتل { ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ } حكمان عادلان من المسلمين . قالوا : وفيه دليل على أن المثل القيمة ، لأنّ التقويم مما يحتاج إلى النظر والاجتهاد دون الأشياء المشاهدة . وعن قبيصة أنه أصاب ظبياً وهو محرم فسأل عمر ، فشاور عبد الرحمن بن عوف ، ثم أمره بذبح شاة ، فقال قبيصة لصاحبه : والله ما علم أمير المؤمنين حتى سأل غيره ، فأقبل عليه ضرباً بالدرّة وقال : أتغمص الفتيا وتقتل الصيد وأنت محرم . قال الله تعالى : { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ } فأنا عمر ، وهذا عبد الرحمن . وقرأ محمد بن جعفر ( ذو عدل منكم ) ، أراد يحكم به من يعدل منكم ولم يرد الوحدة . وقيل أراد الإمام { هَدْياً } حال عن جزاء فيمن وصفه بمثل ، لأنّ الصفة خصصته فقرّبته من المعرفة ، أو بدل عن مثل فيمن نصبه ، أو عن محله فيمن جرّه . ويجوز أن ينتصب حالاً عن الضمير في به . ووصف هدياً ب { بالغ الكعبة } لأن إضافته غير حقيقية . ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح بالحرم ، فأما التصدّق به فحيث شئت عند أبي حنيفة ، وعند الشافعي في الحرم . فإن قلت : بم يرفع { كَفَّارَةٌ } من ينصب جزاء؟ قلت : يجعلها خبر مبتدأ محذوف ، كأنه قيل : أو الواجب عليه كفارة . أو يقدر : فعليه أن يجزي جزاء أو كفارة . فيعطفها على أن يجزي . وقرىء : أو كفارة طعام مساكين على الإضافة ، وهذه الإضافة مبينة ، كأنه قيل : أو كفارة من طعام مساكين ، كقولك : خاتم فضة ، بمعنى خاتم من فضة . وقرأ الأعرج : أو كفارة طعام مسكين . وإنما وحد ، لأنه واقع موقع التبيين ، فاكتفى بالواحد الدال على الجنس . وقرىء : أو عدل ذلك ، بكسر العين . والفرق بينهما أن عدل الشيء ما عادله من غير جنسه ، كالصوم والإطعام . وعدله ما عدل به في المقدار ، ومنه عدلا الحمل ، لأن كل واحد منهما عدل بالآخر حتى اعتدلا ، كأن المفتوح تسمية المصدر ، والمكسور بمعنى المفعول به ، كالذبح ونحوه ، ونحوهما الحمل والحمل . و { ذلك } إشارة إلى الطعام { وصياماً } تمييز للعدل كقولك : لي مثله رجلاً . والخيار في ذلك إلى قاتل الصيد عند أبي حنيفة وأبي يوسف . وعند محمد إلى الحكمين { لّيَذُوقَ } متعلق بقوله : ( فجزاء ) أي فعليه أن يجازي أو يكفر ، ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام .

(2/68)


والوبال : المكروه والضرر الذي يناله في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه ، كقوله تعالى : { فأخذناه أَخْذاً وَبِيلاً } [ المزمل : 16 ] ثقيلاً . والطعام الوبيل : الذي يثقل على المعدة فلا يستمرأ { عَفَا الله عَمَّا سَلَف } لكم من الصيد في حال الإحرام قبل أن تراجعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسألوه عن جوازه . وقيل : عما سلف لكم في الجاهلية منه ، لأنهم كانوا متعبدين بشرائع من قبلهم وكان الصيد فيها محرماً { وَمَنْ عَادَ } إلى قتل الصيد وهو محرم بعد نزول النهي { فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ } ينتقم : خبر مبتدأ محذوف تقديره . فهو ينتقم الله منه ، ولذلك دخلت الفاء . ونحوه { فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ } [ الحجر : 13 ] يعني ينتقم منه في الآخرة . واختلف في وجوب الكفارة على العائد ، فعن عطاء وإبراهيم وسعيد بن جبير والحسن : وجوبها ، وعليه عامة العلماء . وعن ابن عباس وشريح : أنه لا كفارة عليه تعلقاً بالظاهر ، وأنه لم يذكر الكفارة .

(2/69)


أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)

{ صَيْدُ البحر } مصيدات البحر مما يؤكل وما لا يؤكل { وَطَعَامُهُ } وما يطعم من صيده والمعنى : أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر ، وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده عند أبي حنيفة . وعند ابن أبي ليلى جميع ما يصاد منه ، على أن تفسير الآية عنده أحل لكم صيد حيوان البحر وأن تطعموه { متاعا لَّكُمْ } مفعول له ، أي أحل لكم تمتيعاً لكم وهو في المفعول له بمنزلة قوله تعالى : { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } [ الأنبياء : 72 ] في باب الحال ، لأن قوله : { متاعا لَّكُمْ } مفعول له مختص بالطعام ، كما أن نافلة حال مختصة بيعقوب ، يعني أحل لكم طعامه تمتيعاً لتنائكم يأكلونه طرياً ، ولسيارتكم يتزوّدونه قديداً ، كما تزوّد موسى عليه السلام الحوت في مسيره إلى الخضر عليهما السلام . وقرىء : «وطعمه» . وصيد البر : ما صيد فيه . وهو ما يفرّخ فيه وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات ، كطير الماء عند أبي حنيفة . واختلف فيه فمنهم من حرّم على المحرم كل شيء يقع عليه اسم الصيد ، وهو قول عمر وابن عباس ، وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير : أنهم أجازوا للمحرم أكل ما صاده الحلال ، وإن صاده لأجله ، إذا لم يدل ولم يشر ، وكذلك ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه رحمه الله ، وعند مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله : لا يباح له ما صيد لأجله . فإن قلت : ما يصنع أبو حنيفة بعموم قوله : صيد البر؟ قلت قد أخذ أبو حنيفة رحمه الله بالمفهوم من قوله : { وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً } لأن ظاهره أنه صيد المحرمين دون صيد غيرهم ، لأنهم هم المخاطبون فكأنه قيل : وحرم عليكم ما صدتم في البر ، فيخرج منه مصيد غيرهم ، ومصيدهم حين كانوا غير محرمين . ويدل عليه قوله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } وقرأ ابن عباس رضي الله عنه : «وحرّم عليكم صيد البرّ» ، أي الله عزّ وجلّ . وقرىء «ما دمتم» بكسر الدال ، فيمن يقول دام يدام .

(2/70)


جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98)

{ البيت الحرام } عطف بيان على جهة المدح ، لا على جهة التوضيح ، كما تجيء الصفة كذلك { قِيَاماً لّلنَّاسِ } انتعاشاً لهم في أمر دينهم ودنياهم ، ونهوضاً إلى أغراضهم ومقاصدهم في معاشهم ومعادهم ، لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم ، وأنواع منافعهم . وعن عطاء ابن أبي رباح : لو تركوه عاماً واحداً لم ينظروا ولم يؤخروا { والشهر الحرام } الشهر الذي يؤدى فيه الحج ، وهو ذو الحجة ، لأنّ لاختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه شأناً قد عرّفه الله تعالى . وقيل : عنى به جنس الأشهر الحرم { والهدى والقلائد } والمقلد منه خصوصاً وهو البدن ، لأن الثواب فيه أكثر ، وبهاء الحج معه أظهر { ذلك } إشارة إلى جعل الكعبة قياماً للناس ، أو إلى ما ذكر من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره { لِتَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ } كل شيء وهو عالم بما يصلحكم وما ينعكشم مما أمركم به وكلفكم { شَدِيدُ العقاب } لمن انتهك محارمه { غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن حافظ عليها .

(2/71)


مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99)

{ مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ } تشديد في إيجاب القيام بما أمر به ، وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ ، وقامت عليكم الحجة ، ولزمتكم الطاعة ، فلا عذر لكم في التفريط .

(2/72)


قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)

البون بين الخبيث والطيب بعيد عند الله تعالى وإن كان قريباً عندكم ، فلا تعجبوا بكثرة الخبيث حتى تؤثروه لكثرته على القليل الطيب ، فإنّ ما تتوهمونه في الكثرة من الفضل ، لا يوازي النقصان في الخبيث ، وفوات الطيب ، وهو عام في حلال المال وحرامه ، وصالح العمل وطالحه ، وصحيح المذاهب وفاسدها ، وجيد الناس ورديهم { فاتقوا الله } وآثروا الطيب ، وإن قل ، على الخبيث وإن كثر . ومن حق هذه الآية أن تكفح بها وجوه المجبرة إذا افتخروا بالكثرة كما قيل :
وَكَاثِرْ بِسَعْدٍ إِنَّ سَعْداً كَثِيرَةٌ ... وَلاَ تَرْجُ مِنْ سَعْدٍ وَفَاءاً وَلاَ نَصْرَا
وكما قيل :
لاَ يَدْهَمَنَّكَ مِنْ دَهْمَائِهِمْ عَدَدٌ ... فَإِنَّ جُلَّهُمُ بَلْ كُلَّهُمْ بَقَرُ
وقيل : نزلت في حجاج اليمامة ، حين أراد المسلمون أن يوقعوا بهم ، فنهوا عن الإيقاع بهم وإن كانوا مشركين .

(2/73)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102)

الجملة الشرطية والمعطوفة عليها أعني قوله : { إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } صفة للأشياء . والمعنى : لا تكثروا مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تسألوه عن تكاليف شاقة عليكم ، إن أفتاكم بها وكلفكم إياها تغمكم وتشق عليكم وتندموا على السؤال عنها . وذلك نحو ما روي :
( 367 ) أن سراقة بن مالك أو عكاشة بن محصن قال : يا رسول الله ، الحج علينا كل عام؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعاد مسألته ثلاث مرّات ، فقال صلى الله عليه وسلم : « ويحك! ما يؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت : نعم لوجبت ، ولو وجبت ما استطعتم ، ولو تركتم لكفرتم ، فاتركوني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه » { وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرءان } ، وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي وهو ما دام الرسول بين أظهركم يوحى إليه ، تبد لكم . تلك التكاليف الصعبة التي تسؤكم ، وتؤمروا بتحملها ، فتعرّضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها { عَفَا الله عَنْهَا } عفا الله عما سلف ، من مسألتكم ، فلا تعودوا إلى مثلها { والله غَفُورٌ حَلِيمٌ } لا يعاجلكم فيما يفرط منكم بعقوبته . فإن قلت : كيف قال : { لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء } ثم قال : { قَدْ سَأَلَهَا } ولم يقل . قد سأل عنها؟ قلت : الضمير في { سَأَلَهَا } ليس براجع إلى أشياء حتى تَجب تعديته بعن ، وإنما هو راجع إلى المسألة التي دل عليها { لاَ تَسْئَلُواْ } يعني قد سأل قوم هذه المسألة من الأولين { ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا } أي بمرجوعها أو بسببها { كافرين } وذلك أنّ بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبيائهم عن أشياء ، فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا .

(2/74)


مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)

كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر ، بحروا أذنها ، أي شقوها وحرّموا ركوبها ، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى ، وإذا لقيها المعيّي لم يركبها . واسمها البحيرة . وكان يقول الرجل : إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضي فناقتي سائبة . وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها . وقيل : كان الرجل إذا أعتق عبداً قال : هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث . وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم ، وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم . فإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا : وصلت أخاها ، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم . وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا من حمى ظهره ، فلا يركب ، ولا يحمل عليه ، ولا يمنع من ماء ولا مرعى . ومعنى { مَّا جَعَلَ } ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير والتسييب وغير ذلك ، ولكنهم بتحريمهم ما حرّموا { يَفْتَرُونَ على الله الكذب وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } فلا ينسبون التحريم إلى الله حتى يفتروا ، ولكنهم يقلدون في تحريمها كبارها .

(2/75)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104)

الواو في قوله : { أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ } واو الحال قد دخلت عليها همزة الإنكار . وتقديره : أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم { لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } والمعنى أنّ الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي ، وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة .

(2/76)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)

كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتوّ والعناد من الكفرة ، يتمنون دخولهم في الإسلام ، فقيل لهم { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طرق الهدى { لاَ يَضُرُّكُمْ } الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين ، كما قال عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام : { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات } [ فاطر : 8 ] وكذلك من يتأسف على ما فيه الفسقة من الفجور والمعاصي ، ولا يزال يذكر معايبهم ومناكيرهم . فهو مخاطب به ، وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن من تركهما مع القدرة عليهما فليس بمهتد ، وإنما هو بعض الضلال الذين فصلت الآية بينهم وبينه ، وعن ابن مسعود : أنها قرئت عنده فقال : إن هذا ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة . ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يقبل منكم ، فحينئذٍ عليكم أنفسكم ، فهي على هذا تسلية لمن يأمر وينهى فلا يقبل منه ، وبسط لعذره . وعنه : ليس هذا زمان تأويلها . قيل : فمتى؟ قال : إذا جعل دونها السيف والسوط والسجن .
وعن أبي ثعلبة الخشني :
( 368 ) أنه سئل عن ذلك فقال للسائل : سألت عنها خبيراً . سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال : " ائتمروا بالمعروف ، وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك نفسك ودع أمر العوام . وإنّ من ورائكم أياماً الصبر فيهنّ كقبض على الجمر ، للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله " وقيل كان الرجل إذا أسلم قالوا له : سفهت آباءك ، ولاموه . فنزلت { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } عليكم : من أسماء الفعل ، بمعنى : الزموا إصلاح أنفسكم ، ولذلك جزم جوابه . وعن نافع : عليكم أنفسكم ، بالرفع . وقرىء «لا يضركم» وفيه وجهان أن يكون خبراً مرفوعاً وتنصره قراءة أبي حيوة ، «لا يضيركم»؛ وأن يكون جواباً للأمر مجزوماً ، وإنما ضمت الراء إتباعاً لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة . والأصل : لا يضرركم ، ويجوز أن يكون نهياً ، ولا يضركم ، بكسر الضاد وضمها من ضاره يضيره ويضوره .

(2/77)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)

ارتفع اثنان على أنه خبر للمبتدأ الذي هو { شهادة بَيْنِكُمْ } على تقدير : شهادة بينكم شهادة اثنين . أو على أنه فاعل شهادة بينكم على معنى : فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان : وقرأ الشعبي . «شهادة بينكم» بالتنوين . وقرأ الحسن : «شهادة» ، بالنصب والتنوين على : ليقم شهادة اثنان . و { إِذَا حَضَرَ } ظرف للشهادة . و { حِينَ الوصية } بدل منه ، إبداله منه دليل على وجوب الوصية ، وأنها من الأمور اللازمة التي ما ينبغي أن يتهاون بها مسلم ويذهل عنها . وحضور الموت : مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل { مِّنْكُمْ } من أقاربكم . و { مِنْ غَيْرِكُمْ } من الأجانب { إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى الأرض } يعني إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من عشيرتكم ، فاستشهدوا أجنبيين على الوصية ، جعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بأحوال الميت وما هو أصلح وهم له أنصح . وقيل { منكم } من المسلمين ، و { مِنْ غَيْرِكُمْ } من أهل الذمة . وقيل : هو منسوخ لا تجوز شهادة الذمي على المسلم ، وإنما جازت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذر وجودهم في حال السفر . وعن مكحول : نسخها قوله تعالى : { وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ } وروي :
( 369 ) أنه خرج بُديل بن أبي مريم مولى عمرو بن العاص وكان من المهاجرين ، مع عدي بن زيد وتميم بن أوس - وكانا نصرانيين - تجاراً إلى الشام ، فمرض بديل وكتب كتاباً فيه ما معه ، وطرحه في متاعه ولم يخبر به صاحبيه ، وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله . ومات ففتشا متاعه ، فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ، فغيباه ، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء ، فجحدا فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت { تَحْبِسُونَهُمَا } تقفونهما وتصبرونهما للحلف { مِنْ بعدالصلاوة } من بعد صلاة العصر ، لأن وقت اجتماع الناس . وعن الحسن : بعد صلاة العصر أو الظهر؛ لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما . وفي حديث بديل : أنها لما نزلت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا بعديّ وتميم فاستحلفهما عند المنبر ، فحلفا ، ثم وجد الإناء بمكة ، فقالوا : إنا اشتريناه من تميم وعدي . وقيل : هي صلاة أهل الذمّة ، وهم يعظمون صلاة العصر { إِنِ ارتبتم } اعتراض بين القسم والمقسم عليه . والمعنى : إن ارتبتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما . وقيل : إن أريد بهما الشاهدان فقد نسخ تحليف الشاهدين : وإن أريد الوصيان فليس بمنسوخ تحليفهما . وعن عليّ رضي الله عنه : أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما والضمير في { بِهِ } للقسم . وفي { كَانَ } للمقسم له يعني : لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا ، أي لا نحلف كاذبين لأجل المال ، ولو كان من نقسم له قريباً منا ، على معنى : أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً ، وأنهم داخلون تحت قوله تعالى :

(2/78)


{ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين } [ النساء : 135 ] . { شهادة الله } أي الشهادة التي أمر الله بحفظها وتعظيمها . وعن الشعبي أنه وقف على شهادة ، ثم ابتدأ الله بالمدّ ، على طرح حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه . وروي عنه بغير مدّ على ما ذكر سيبويه أن منهم من يحذف حرف القسم ولا يعوض منه همزة الاستفهام ، فيقول : ألله لقد كان كذا . وقرىء : «لملاثمين» بحذف الهمزة وطرح حركتها على اللام وإدغام نون من فيها ، كقوله : عاد لولي : فإن قلت : ما موقع تحبسونهما؟ قلت : هو استئناف كلام ، كأنه قيل بعد اشتراط العدالة فيهما ، فكيف نعمل إن ارتبنا بهما ، فقيل : تحبسونهما فإن قلت : كيف فسرت الصلاة بصلاة العصر وهي مطلقة؟ قلت : لما كانت معروفة عندهم بالتحليف بعدها ، أغنى ذلك عن التقييد ، كما لو قلت في بعض أئمة الفقه : إذا صلّى أخذ في الدرس علم أنها صلاة الفجر . ويجوز أن تكون اللام للجنس ، وأن يقصد بالتحليف على أثر الصلاة أن تكون الصلاة لطفاً في النطق بالصدق ، وناهية عن الكذب والزور { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } [ العنكبوت : 45 ] { فَإِنْ عُثِرَ } فإن اطلع { على أَنَّهُمَا استحقا إِثْماً } أي فعلا مّا أوجب إثماً ، واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين { فَآخَرَانِ } فشاهدان آخران { يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ } أي من الذين استحق عليهم الإثم . معناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرتهم . وفي قصة بديل : أنه لما ظهرت خيانة الرجلين ، حلف رجلان من ورثته أنه إناء صاحبهما ، وأن شهادتهما أحق من شهادتهما . { الأوليان } الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما ، وارتفاعهما على : هما الأوليان كأنه قيل ومن هما؟ فقيل : الأوليان . وقيل : هما بدل من الضمير في يقومان ، أو من آخران . ويجوز أن يرتفعا باستحق ، أي من الذين استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة لإطلاعهم على حقيقة الحال . وقرىء «الأوّلين» على أنه وصف للذين استحق عليهم ، مجرور ، أو منصوب على المدح . ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحقّ بها . وقرىء : «الأولين» على التثنية ، وانتصابه على المدح . وقرأ الحسن : «الأولان» ، ويحتج به من يرى رد اليمين على المدعي . وأبو حنيفة وأصحابه لا يرون ذلك . فوجهه عندهم أن الورثة قد ادعوا على النصرانيين أنهما قد اختانا فحلفا ، فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما كتما ، فأنكر الورثة فكانت اليمين على الورثة لإنكارهم الشراء . فإن قلت : فما وجه قراءة من قرأ استحق عليهم الأوليان على البناء للفاعل ، وهم علي : وأبيّ وابن عباس؟ قلت : معناه من الورثة الذي استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة ، أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين { ذلك } الذي تقدم من بيان الحكم { أدنى } أن يأتي الشهداء على نحو تلك الحادثة { بالشهادة على وَجْهِهَا أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أيمان } أن تكرّ أيمان شهود آخرين بعد إيمانهم فيفتضحوا بظهور كذبهم كما جرى في قصة بديل . { واسمعوا } سمع إجابة وقبول .

(2/79)


يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110)

{ يَوْمَ يَجْمَعُ } بدل من المنصوب في قوله : ( واتقوا الله ) وهو من بدل الاشتمال ، كأنه قيل : واتقوا الله يوم جمعه . أو ظرف لقوله : ( لا يهدي ) أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذ كما يفعل بغيرهم . أو ينصب على إضمار اذكر . أو يوم يجمع الله الرسل كان كيت وكيت . و { مَاذَا } منتصب بأجبتم انتصاب مصدره ، على معنى : أي إجابة أجبتم . ولو أريد الجواب لقيل : بماذا أجبتم . فإن قلت : ما معنى سؤالهم؟ قلت : توبيخ قومهم ، كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد . فإن قلت : كيف يقولون : { لاَ عِلْمَ لَنَا } وقد علموا بما أجيبوا؟ قلت : يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم فيكلون الأمر إلى علمه وإحاطته بما منوا به منهم وكابدوا من سوء إجابتهم ، إظهاراً للتشكي واللجإ إلى ربهم في الانتقام منهم ، وذلك أعظم على الكفرة وأفت في أعضادهم وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم إذا اجتمع توبيخ الله وتشكي أنبيائه عليهم . ومثاله أن ينكب بعض الخوارج على السلطان خاصة من خواصه نكبة قد عرفها السلطان واطلع على كنهها وعزم على الانتصار له منه ، فيجمع بينهما ويقول له : ما فعل بك هذا الخارجي وهو عالم بما فعل به ، يريد توبيخه وتبكيته ، فيقول له : أنت أعلم بما فعل بي تفويضاً للأمر إلى علم سلطانه ، واتكالاً عليه ، وإظهاراً للشكاية ، وتعظيماً لما حلّ به منه . وقيل : من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب ، ثم يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم . وقيل : معناه علمنا ساقط مع علمك ومغمور به ، لأنك علام الغيوب . ومن علم الخفيات لم تخف عليه الظواهر التي منها إجابة الأمم لرسلهم ، فكأنه لا علم لنا إلى جنب علمك . وقيل : لا علم لنا بما كان منهم بعدنا ، وإنما الحكم للخاتمة . وكيف يخفى عليهم أمرهم وقد رأوهم سود الوجوه زرق العيون موبخين . وقرىء : «علام الغيوب» بالنصب على أنّ الكلام قد تم بقوله : { إِنَّكَ أَنتَ } أي أنك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره ثم نصب علام الغيوب على الاختصاص ، أو على على النداء ، أو هو صفة لاسم أنّ { إِذْ قَالَ الله } بدل من ( يوم يجمع ) والمعنى : أنه يوبخ الكافرين يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم ، وبتعديد ما أظهر على أيديهم من الآيات العظام ، فكذبوهم وسموهم سحرة . أو جاوزوا حدّ التصديق إلى أن اتخذوهم آلهة ، كما قال بعض بني إسرائيل فيما أظهر على يد عيسى عليه السلام من البينات والمعجزات { هذا سحر مبين } [ الأحقاف : 7 ] واتخذه بعضهم وأمه إلهين { أَيَّدتُّكَ } قوّيتك . وقرىء : «أيدتك» ، على أفعلتك { بِرُوحِ القدس } بالكلام الذي يحيا به الدين ، وأضافه إلى القدس ، لأنه سبب الطهر من أوضار الآثام .

(2/80)


والدليل عليه قوله تعالى : { تُكَلّمَ الناس } و { فِى المهد } في موضع الحال ، لأنّ المعنى تكلمهم طفلاً { وَكَهْلاً } إلا أن في المهد فيه دليل على حدّ من الطفولة . وقيل روح القدس : جبريل عليه السلام ، أيّد به لتثبيت الحجة . فإن قلت : ما معنى قوله : ( في المهد وكهلاً ) ؟ قلت : معناه تكلمهم في هاتين الحالتين ، من غير أن يتفاوت كلامك في حين الطفولة وحين الكهولة الذي هو وقت كمال العقل وبلوغ الأشد والحدّ الذي يستنبأ فيه الأنبياء { والتوراة والإنجيل } خصّا بالذكر مما تناوله الكتاب والحكمة ، لأن المراد بهما جنس الكتاب والحكمة . وقيل : ( الكتاب ) الخط . و ( الحكمة ) الكلام المحكم الصواب { كَهَيْئَةِ الطير } هيئة مثل هيئة الطير { بِإِذْنِى } بتسهيلي { فَتَنفُخُ فِيهَا } الضمير للكاف ، لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى عليه السلام وينفخ فيها ، ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها؛ لأنها ليست في خلقه ولا من نفخه في شيء . وكذلك الضمير في فتكون { تُخْرِجُ الموتى } تخرجهم من القبور وتبعثهم . قيل : أخرج سام ابن نوح ورجلين وامرأة وجارية { وَإِذَا كَفَفْتُ بَنِى إسراءيل عَنكَ } يعني اليهود حين هموا بقتله . وقيل : لما قال الله تعالى لعيسى { اذكر نِعْمَتِى عَلَيْكَ } كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول : مع كل يوم رزقه ، لم يكن له بيت فيخرب ، ولا ولد فيموت ، أينما أمسى بات .

(2/81)


وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)

{ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين } أمرتهم على ألسنة الرسل { مُّسْلِمُونَ } مخلصون ، من أسلم وجهه لله { عِيسَى } في محل النصب على إتباع حركة الابن ، كقولك : يا زيد بن عمرو ، وهي اللغة الفاشية ويجوز أن يكون مضموماً كقولك : يا زيد بن عمرو . والدليل عليه قوله :
أَحَارِ بْنَ عَمْرٍو كَأَنِّي خَمْر ... وَيَبْدُو عَلَى الْمَرْءِ مَا يَأْتَمِرْ
لأنّ الترخيم لا يكون إلا في المضموم . فإن قلت : كيف قالوا : { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } بعد إيمانهم وإخلاصهم؟ قلت : ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص ، وإنما حكى ادعاءهم لهما ، ثم أتبعه قوله : { إِذَ قَالُواْ } فآذن إنّ دعواهم كانت باطلة ، وإنهم كانوا شاكين ، وقوله : ( هل يستطيع ربك ) كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم ، وكذلك قول عيسى عليه السلام لهم معناه : اتقوا الله ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته ، ولا تقترحوا عليه ، ولا تتحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة . وقرىء : «هل تستطيع ربك» ، أي هل تستطيع سؤال ربك ، والمعنى : هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله . والمائدة : الخوان إذا كان عليه الطعام ، وهي من ( مادّة ) إذا أعطاه ورفده كأنها تميد من تقدّم إليه { وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين } نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل ، أو نكون من الشاهدين لله بالوحدانية ولك وبالنبوّة ، عاكفين عليها ، على أن عليها في موضع الحال ، وكانت دعواهم لإرادة ما ذكروا كدعواهم الإيمان والإخلاص . وإنما سأل عيسى وأجيب ليلزموا الحجة بكمالها ويرسل عليهم العذاب إذا خالفوا . وقرىء : «ويعلم» ، بالياء على البناء للمفعول . «وتعلم» . «وتكون» ، بالتاء . والضمير للقلوب { اللهم } أصله يا ألله . فحذف حرف النداء ، وعوضت منه الميم . و { رَبَّنَا } نداء ثان { تَكُونُ لَنَا عِيداً } أي يكون يوم نزولها عيداً . قيل : هو يوم الأحد . ومن ثم اتخذه النصارى عيداً ، وقيل : العيد السرور العائد ، ولذلك يقال : يوم عيد . فكأنّ معناه : تكون لنا سروراً وفرحاً ، وقرأ عبد الله : «تكون» ، على جواب الأمر . ونظيرهما . يرثني ، ويرثني { لأَوَّلِنَا وَءاخِرِنَا } بدل من لنا بتكرير العامل ، أي لمن في زماننا من أهل ديننا ، ولمن يأتي بعدنا . وقيل : يأكل منها آخر الناس كما يأكل أولهم : ويجوز للمقدّمين منا والأتباع . وفي قراءة زيد : «لأولانا وأخرانا» ، والتأنيث بمعنى الأمّة والجماعة { عَذَاباً } بمعنى تعذيباً . والضمير في ( لا أعذبه ) للمصدر ، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به ، لم يكن بدّ من الباء . وروي أن عيسى عليه السلام لما أراد الدعاء لبس صوفاً ، ثم قال : اللَّهم أنزل علينا ، فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين : غمامة فوقها وأخرى تحتها ، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم ، فبكى عيسى عليه السلام وقال : اللَّهم اجعلني من الشاكرين ، اللَّهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة ، وقال لهم : ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها .

(2/82)


فقال شمعون رأس الحواريين : أنت أولى بذلك ، فقام عيسى وتوضأ وصلّى وبكى ، ثم كشف المنديل وقال : بسم الله خير الرازقين ، فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً . وعند رأسها ملح ، وعند ذنبها خل ، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكرّاث ، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون ، وعلى الثاني عسل ، وعلى الثالث سمن ، وعلى الرابع جبن ، وعلى الخامس قديد . فقال شمعون : يا روح الله ، أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟ فقال : ليس منهما ، ولكنه شيء اخترعه الله بالقدرة العالية ، كلوا ما سألتم واشكروا الله يمددكم الله ويزدكم من فضله : فقال الحواريون : يا روح الله ، لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى ، فقال : يا سمكة أحيي بإذن الله ، فاضطربت . ثم قال لها : عودي كما كنت ، فعادت مشوية . ثم طارت المائدة ، ثم عصوا بعدها فمسخوا قردة وخنازير . وروي أنهم لما سمعوا بالشريطة وهي قوله تعالى : { فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنّى أُعَذّبُهُ } قالوا : لا نريد فلم تنزل . وعن الحسن : والله ما نزلت ، ولو نزلت لكان عيداً إلى يوم القيامة ، لقوله : ( وآخرنا ) . والصحيح أنها نزلت .

(2/83)


وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)

{ سبحانك } من أن يكون لك شريك { مَا يَكُونُ لِى } ما ينبغي لي { أَنْ أَقُولَ } قولاً لا يحق لي أن أقوله { فِى نَفْسِى } في قلبي : والمعنى : تعلم معلومي ولا أعلم معلومك ، ولكنه سلك بالكلام طريق المشاكلة وهو من فصيح الكلام وبينه ، فقيل : { فِى نَفْسِكَ } لقوله في نفسي { إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب } تقرير للجملتين معاً ، لأن ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب ، ولأن ما يعلمه علام الغيوب لا ينتهي إليه علم أحد .

(2/84)


مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)

( أن ) في قوله { أَنِ اعبدوا الله } إن جعلتها مفسرة لم يكن لها بدّ من مفسر . والمفسر إما فعل القول وإما فعل الأمر ، وكلاهما لا وجه له . أما فعل القول فيحكى بعده الكلام من غير أن يتوسط بينهما حرف التفسير ، لا تقول : ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله . ولكن : ما قلت لهم إلا اعبدوا الله . وأما فعل الأمر ، فمسند إلى ضمير الله عزّ وجلّ . فلو فسرته باعبدوا الله ربي وربكم لم يستقم؛ لأن الله تعالى لا يقول : اعبدوا الله ربي وربكم ، وإن جعلتها موصولة بالفعل لم تخل من أن تكون بدلاً من ما أمرتني به ، أو من الهاء في به ، وكلاهما غير مستقيم : لأن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل منه . ولا يقال : ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله ، بمعنى ما قلت لهم إلا عبادته؛ لأن العبادة لا تقال . وكذلك إذا جعلته بدلاً من الهاء لأنك لو أقمت ( أن اعبدوا الله ) مقام الهاء ، فقلت : إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله ، لم يصح ، لبقاء الموصول بغير راجع إليه من صلته . فإن قلت : فكيف يصنع؟ قلت : يحمل فعل القول على معناه؛ لأن معنى ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ) . ما أمرتهم إلا بما أمرتني به ، حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم . ويجوز أن تكون ( أن ) موصولة عطف بيان للهاء لا بدلاً { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } رقيباً كالشاهد على المشهود عليه ، أمنعهم من أن يقولوا ذلك ويتدينوا به { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } تمنعهم من القول به بما نصبت لهم من الأدلة ، وأنزلت عليهم من البينات ، وأرسلت إليهم من الرسل { إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } الذين عرفتهم عاصين جاحدين لآياتك مكذبين لأنبيائك { وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز } القوي القادر على الثواب والعقاب { الحكيم } الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب . فإن قلت : المغفرة لا تكون للكفار فكيف قال : ( وإن تغفر لهم ) ؟ قلت : ما قال إنك تغفر لهم ، ولكنه بنى الكلام على : إن غفرت ، فقال : إن عذبتهم عدلت ، لأنهم أحقاء بالعذاب ، وإن غفرت لهم مع كفرهم لم تعدم في المغفرة وجه حكمة لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول ، بل متى كان الجرم أعظم جرماً كان العفو عنه أحسن .

(2/85)


قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)

قرىء : «هذا يوم ينفع» بالرفع والإضافة . وبالنصب إما على أنه ظرف لقال : وإما على أنّ ( هذا ) مبتدأ ، والظرف خبر . ومعناه : هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع يوم ينفع . ولا يجوز أن يكون فتحاً ، كقوله تعالى : { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ } [ الانفطار : 9 ] لأنه مضاف إلى متمكن . وقرأ الأعمش : «يومٌ ينفع» بالتنوين ، كقوله تعالى : { واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْرِى نَفْسٌ } [ البقرة : 48 ] فإن قلت : ما معنى قوله : ينفع الصادقين صدقهم؟ إن أريد صدقهم في الآخرة فليست الآخرة بدار عمل ، وإن أريد صدقهم في الدنيا فليس بمطابق لما ورد فيه؛ لأنه في معنى الشهادة لعيسى عليه السلام بالصدق فيما يجيب به يوم القيامة؟ قلت : معناه الصدق المستمر بالصادقين في دنياهم وآخرتهم . وعن قتادة : متكلمان تكلما يوم القيامة . أمّا إبليس فقال : إنّ الله وعدكم وعد الحق ، فصدق يومئذ وكان قبل ذلك كاذباً ، فلم ينفعه صدقه . وأما عيسى عليه السلام فكان صادقاً في الحياة وبعد الممات فنفعه صدقه .

(2/86)


لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)

قإن قلت : في السموات والأرض العقلاء وغيرهم ، فهلا غلب العقلاء ، فقيل : ومن فيهنّ؟ قلت : ( ما ) يتناول الأجناس كلها تناولاً عاماً . ألا تراك تقول إذا رأيت شبحاً من بعيد : ما هو؟ قبل أن تعرف أعاقل هو أم غيره ، فكان أولى بإرادة العموم .
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 370 ) « من قرأ سورة المائدة أعطى من الأجر عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا » .

(2/87)


الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)

{ جَعَلَ } يتعدّى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ ، كقوله : { وَجَعَلَ الظلمات والنور } وإلى مفعولين إذا كان بمعنى صيَّر ، كقوله : { وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا } [ الزخرف : 19 ] والفرق بين الخلق والجعل : أن الخلق فيه معنى التقدير ، وفي الجعل معنى التضمين ، كإنشاء شيء من شيء ، أو تصيير شيء شيئاً ، أو نقله من مكان إلى مكان . ومن ذلك { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } [ الأعراف : 189 ] { وَجَعَلَ الظلمات والنور } ؛ لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة ، والنور من النار { ثم جعلكم أزواجاَ } [ فاطر : 11 ] { أَجَعَلَ الالهة إلها واحدا } [ ص : 5 ] . فإن قلت : لم أفرد النور؟ قلت : للقصد إلى الجنس ، كقوله تعالى : { والملك على أَرْجَائِهَا } [ الحاقة : 17 ] أو لأن الظلمات كثيرة ، لأنه ما من جنس من أجناس الأجرام إلاّ وله ظلّ ، وظلّه هو الظلمة ، بخلاف النور فإنه من جنس واحد وهو النار . فإن قلت : علام عطف قوله : { ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } ؟ قلت : إما على قوله : { الحمد للَّهِ } على معنى أن الله حقيق بالحمد على ما خلق؛ لأنه ما خلقه إلاّ نعمة ، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته ، وإما على قوله : { خَلَقَ السماوات } على معنى أنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه ، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه . فإن قلت : فما معنى ثم؟ قلت : استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته ، وكذلك { ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } [ الأنعام : 2 ] استبعاد لأن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم .

(2/88)


هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2)

{ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً } أجل الموت { وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } أجل القيامة . وقيل : الأجل الأوّل : ما بين أن يخلق إلى أن يموت . والثاني : ما بين الموت والبعث وهو البرزخ . وقيل : الأوّل النوم . والثاني : الموت . فإن قلت : المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفاً وجب تأخيره ، فلم جاز تقديمه في قوله : { وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } ؟ قلت : لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة ، كقوله : { وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ } [ البقرة : 221 ] فإن قلت : الكلام السائر أن يقال : عندي ثوب جيد ، ولي عبد كيس ، وما أشبه ذلك؛ فما أوجب التقديم؟ قلت : أوجبه أن المعنى : وأي أجل مسمىً عنده تعظيماً لشأن الساعة ، فلما جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم .

(2/89)


وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)

{ فِى السماوات } متعلق بمعنى اسم الله ، كأنه قيل : وهو المعبود فيها . ومنه قوله : { وَهُوَ الذى فِى السماء إله وَفِى الارض إله } [ الزخرف : 84 ] أو وهو المعروف بالإلهية أو المتوحد بالإلهية فيها ، أو هو الذي يقال له : الله فيها- لا يشرك به في هذا الاسم ، ويجوز أن يكون { الله فِي السموات } خبراً بعد خبر على معنى : أنه الله وأنه في السموات والأرض بمعنى أنه عالم بما فيهما لا يخفى عليه منه شيء ، كأن ذاته فيهما ، فإن قلت : كيف موقع قوله : { يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } ؟ قلت : إن أردت التوحد بالإلهية كان تقريراً له؛ لأن الذي استوى في علمه السر والعلانية هو الله وحده ، وكذلك إذا جعلت في السموات خبراً بعد خبر ، وإلا فهو كلام مبتدأ بمعنى : هو يعلم سركم وجهركم . أو خبر ثالث { وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } من الخير والشرّ ، ويثيب عليه ، ويعاقب .

(2/90)


وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)

{ مِّنْ في { مِّنْ ءَايَةٍ } للاستغراق . وفي { من آيات ربهم } للتبعيض . يعني : وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاستدلال والاعتبار ، إلا كانوا عنه معرضين : تاركين للنظر لا يلتفتون إليه ولا يرفعون به رأساً ، لقلة خوفهم وتدبرهم للعواقب ، { فقد كذبوا } مردود على كلام محذوف كأنه قيل : إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم آية وأكبرها وهو الحق { لَمَّا جَاءهُمْ } يعني القرآن الذي تحدُّوا به على تبالغهم في الفصاحة فعجزوا عنه { فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاء } الشيء الذي { كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } وهو القرآن ، أي أخباره وأحواله ، بمعنى : سيعلمون بأي شيء استهزءوا . وسيظهر لهم أنه لم يكن بموضع استهزاء ، وذلك عند إرسال العذاب عليهم في الدنيا أو يوم القيامة أو عند ظهور الإسلام وعلوّ كلمته .

(2/91)


أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (6)

مكن له في الأرض : جعل له مكاناً له فيها . ونحوه : أرّض له . ومنه قوله : { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض } [ الكهف : 84 ] { أَوَ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ } [ القصص : 57 ] وأمّا مكنته في الأرض فأثبته فيها . ومنه قوله : { وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ } [ الأحقاف : 26 ] ولتقارب المعنيين جمع بينهما في قوله : { مكناهم فِى الارض مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عاداً وثمود وغيرهم ، من البسطة في الأجسام ، والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا . والسماء المظلة؛ لأن الماء ينزل منها إلى السحاب ، أو السحاب أو المطر . والمدرار : المغزار . فإن قلت : أي فائدة في ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم؟ قلت : الدلالة على أنه لا يتعاظمه أن يهلك قرناً ويخرب بلاده منهم؟ فإنه قادر على أن ينشىء مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده ، كقوله تعالى : { وَلاَ يَخَافُ عقباها } [ الشمس : 15 ] .

(2/92)


وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)

{ كتابا } مكتوباً { فِى قِرْطَاسٍ } في ورق { فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } ولم يقتصر بهم على الرؤية ، لئلا يقولوا سكرت أبصارنا ، ولا تبقى لهم علة . لقالوا { إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } تعنتاً وعناداً للحق بعد ظهوره { لَّقُضِىَ الامر } لقضي أمر إهلاكهم { ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } بعد نزوله طرفة عين . إما لأنهم إذا عاينوا الملك قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته وهي آية لا شيء أبين منها وأيقن ، ثم لا يؤمنون كما قال : { وَلَوْأننا َنزَلْنَا إِلَيْهِمُ الملئكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى } [ الأنعام : 111 ] لم يكن بدّ من إهلاكهم ، كما أهلك أصحاب المائدة ، وإما لأنه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف عند نزول الملائكة ، فيجب إهلاكهم . وإما لأنهم إذا شاهدوا ملكاً في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون ومعنى { ثُمَّ } بعد ما بين الأمرين : قضاء الأمر ، وعدم الإنظار . جعل عدم الإنظار أشدّ من قضاء الأمر ، لأنّ مفاجأة الشدّة أشدّ من نفس الشدّة { وَلَوْ جعلناه مَلَكاً } ولو جعلنا الرسول ملكاً كما اقترحوا لأنهم كانوا يقولون : لولا أنزل على محمد ملك . وتارة يقولون : { مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } [ المؤمنون : 33 ] ، { وَلَوْ شَاء رَبُّنَا لاَنزَلَ ملائكة } [ فصلت : 14 ] { لجعلناه رَجُلاً } لأرسلناه في صورة رجل ، كما .
كان ينزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعم الأحوال في صورة دحية . لأنهم لا يبقون مع رؤية الملائكة في صورهم { وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم } ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ ، فإنهم يقولون : إذا رأوا الملك في صورة إنسان : هذا إنسان وليس بملك ، فإن قال لهم : الدليل على أني ملك أني جئت بالقرآن المعجز ، وهو ناطق بأني ملك لا بشر- كذبوه كما كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم ، فإذا فعلوا ذلك خذلوا كما هم مخذولون الآن ، فهو لبس الله عليهم . ويجوز أن يراد : { وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم } حينئذ مثل ما يلبسون على أنفسهم الساعة في كفرهم بآيات الله البينة : وقرأ ابن محيصن : «ولبسنا عليهم» ، بلام واحدة . وقرأ الزهري : «وللبَّسْنا عليهم ما يلبِّسُون» ، بالتشديد .

(2/93)


وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)

{ وَلَقَدِ استهزىء } تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يلقى من قومه { فَحَاقَ } بهم فأحاط بهم الشيء الذي كانوا يستهزؤن به وهو الحق ، حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء به .

(2/94)


قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)

فإن قلت : أي فرق بين قوله { فانظروا } وبين قوله : { ثُمَّ انظروا } ؟ قلت : جعل النظر مسبباً عن السير في قوله : { فانظروا } فكأنه قيل سيروا لأجل النظر ، ولا تسيروا سير الغافلين . وأما قوله : { سِيرُواْ فِى الارض ثُمَّ انظروا } فمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع وإيجاب النظر في آثار الهالكين . ونبه على ذلك بثم ، لتباعد ما بين الواجب والمباح .

(2/95)


قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12)

{ لّمَن مَّا فِى السماوات والارض } سؤال تبكيت ، و { قُل لِلَّهِ } تقرير لهم ، أي هو الله لا خلاف بيني وبينكم ، ولا تقدرون أن تضيفوا شيئاً منه إلى غيره { كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة } أي أوجبها على ذاته في هدايتكم إلى معرفته ، ونصب الأدلة لكم على توحيده بما أنتم مقرون به من خلق السموات الأرض ، ثم أوعدهم على إغفالهم النظر وإشراكهم به من لا يقدر على خلق شيء بقوله { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } فيجازيكم على إشراككم . وقوله : { الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } نصب على الذم ، أو رفع : أي أريد الذين خسروا أنفسهم ، أو أنتم الذين خسروا أنفسهم . فإن قلت : كيف جعل عدم إيمانهم مسبباً عن خسرانهم ، والأمر على العكس؟ قلت : معناه : الذين خسروا أنفسهم في علم الله : لاختيارهم الكفر . فهم لا يؤمنون .

(2/96)


وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)

{ وَلَهُ } عطف على الله { مَا سَكَنَ فِى اليل والنهار } من السكنى وتعديه بفي كما في قوله : { وَسَكَنتُمْ فِى مساكن الذين ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } . { وَهُوَ السميع العليم } يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم ، فلا يخفى عليه شيء مما يشتمل عليه الملوان .

(2/97)


قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)

أوَليّ { أَغَيْرَ الله } ؟ همزة الاستفهام دون الفعل الذي هو { اتخذ } لأن الإنكار في اتخاذ غير الله ولياً ، لا في اتخاذ الولي ، فكان أولى بالتقديم . ونحوه { أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون } [ الزمر : 64 ] { ءَآللهُ أَذِنَ لَكُمْ } [ يونس : 59 ] . وقرىء { فَاطِرِ السماوات } بالجرّ صفة لله ، وبالرفع على المدح . وقرأ الزهري : «فَطَرَ» . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ما عرفت ما فاطر السموات والأرض ، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها أي ابتدعتها { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } وهو يرزُق ولا يُرْزَق ، كقوله : { مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } [ الذاريات : 59 ] والمعنى : أن المنافع كلها من عنده ، ولا يجوز عليه الانتفاع . وقرىء : «ولا يَطعم» ، بفتح الياء . وروى ابن المأمون عن يعقوب : «وهو يُطْعَمُ ولا يُطْعِمُ» ، على بناء الأول للمفعول والثاني للفاعل ، والضمير لغير الله ، وقرأ الأشهب : «وهو يطعم ولا يطعم» ، على بنائهما للفاعل . وفسر بأن معناه : وهو يطعم ، ولا يستطعم . وحكى الأزهري : أطعمت ، بمعنى استطعمت ، ونحوه أفدت . ويجوز أن يكون المعنى : وهو يطعم تارة ولا يطعم أخرى على حسب المصالح ، كقولك : وهو يعطي ويمنع ، ويبسط ، ويقدر ، ويغني ويفقر { أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ } لأنّ النبي سابق أمته في الإسلام ، كقوله { وبذلك أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين } [ الأنعام : 163 ] وكقول موسى : { سبحانك تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين } [ الأعراف : 143 ] { وَلاَ تَكُونَنَّ } وقيل لي لا تكونن { مِنَ المشركين } ومعناه : أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك . و { مِنْ يُصْرَفْ عَنْهُ } العذاب { يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ } الله الرحمة العظمى وهي النجاة ، كقولك : إن أطعمت زيداً من جوعه فقد أحسنت إليه؟ تريد : فقد أتممت الإحسان إليه أو ، فقد أدخله الجنة ، لأن من لم يعذب لم يكن له بدّ من الثواب . وقرىء : «من يَصْرِفْ عنه» على البناء للفاعل ، والمعنى : من يصرف الله عنه في ذلك اليوم فقد رحمه ، بمعنى : من يدفع الله عنه . ويحفظه ، وقد علم من المدفوع عنه . وترك ذكر المصروف؛ لكونه معلوماً أو مذكوراً قبله وهو العذاب . ويجوز أن ينتصب يومئذ يصرف انتصاب المفعول به ، أي من بيصرف الله عنه ذلك اليوم : أي هوله ، فقد رحمه . وينصر هذه القراءة قراءة أبيّ رضي الله عنه : من يصرف الله عنه .

(2/98)


وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)

{ وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ } من مرض أو فقر أو غير ذلك من بلاياه ، فلا قادر على كشفه إلا هو { وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ } من غنى أو صحة { فَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدُيرٌ } فكان قادراً على إدامته أو إزالته .

(2/99)


وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)

{ فَوْقَ عِبَادِهِ } تصوير للقهر والعلوّ بالغلبة والقدرة ، كقوله : { وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون } [ الأعراف : 127 ] الشيء أعم العام لوقوعه على كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، فيقع على القديم والجرم والعرض والمحال والمستقيم . ولذلك صحّ أن يقال في الله عزّ وجلّ : شيء لا كالأشياء ، كأنك قلت : معلوم لا كسائر المعلومات ، ولا يصح : جسم لا كالأجسام .

(2/100)


قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)

وأراد : أي شهيد { أَكْبَرُ شهادة } فوضع شيئاً مقام شهيد ليبالغ في التعميم { قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ } يحتمل أن يكون تمام الجواب عند قوله : { قُلِ الله } بمعنى الله أكبر شهادة ، ثم ابتدىء { شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ } أي هو شهيد بيني وبينكم ، وأن يكون { الله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ } هو الجواب ، لدلالته على أنّ الله عزّ وجلّ إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم ، فأكبر شيء شهادة شهيد له { وَمَن بَلَغَ } عطف على ضمير المخاطبين من أهل مكة . أي : لأنذركم به وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم . وقيل : من الثقلين . وقيل : من بلغه إلى يوم القيامة . وعن سعيد بن جبير : من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً صلى الله عليه وسلم { أئنكم لتشهدون } تقرير لهم مع إنكار واستبعاد { قُل لاَّ أَشْهَدُ } شهادتكم .

(2/101)


الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)

{ الذين ءاتيناهم الكتاب } يعني اليهود والنصارى يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليته ونعته الثابت في الكتابين معرفة خالصة { كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ } بحلاهم ونعوتهم لا يخفون عليهم ولا يلتبسون بغيرهم . وهذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب به وبصحة نبوّته . ثم قال : { الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } من المشركين من أهل الكتاب الجاحدين { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } به ، جمعوا بين أمرين متناقضين ، فكذبوا على الله بما لا حجة عليه ، وكذبوا بما ثبت بالحجة البينة ، والبرهان الصحيح ، حيث قالوا : { لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ ءَابَاؤُنَا } [ الأنعام : 148 ] وقالوا : { والله أَمَرَنَا بِهَا } [ الأعراف : 28 ] وقالوا : { الملائكة بَنَاتُ الله } و { هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله } [ يونس : 18 ] ونسبوا إليه تحريم البحائر والسوائب ، وذهبوا فكذبوا القرآن والمعجزات ، وسموها سحراً ، ولم يؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم .

(2/102)


وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)

{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } ناصبه محذوف تقديره : ويوم نحشرهم كان كيت وكيت ، فترك ليبقى على الإبهام الذي هو داخل في التخويف { أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ } أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله . وقوله : { الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } معناه تزعمونهم شركاء ، فحذف المفعولان . وقرىء : «يحشرهم» . «ثم يقول» : بالياء فيهما . وإنما يقال لهم ذلك على وجه التوبيخ ، ويجوز أن يشاهدوهم ، إلا أنهم حين لا ينفعونهم ولا يكون منهم ما رجوا من الشفاعة . فكأنهم غيب عنهم ، وأن يحال بينهم وبينهم في وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها ، فيروا مكان خزيهم ، وحسرتهم { فِتْنَتُهُمْ } كفرهم . والمعنى : ثم لم تكن عاقبة كفرهم - الذي لزموه أعمارهم ، وقاتلوا عليه وافتخروا به ، وقالوا دين آبائنا- إلا جحوده والتبرؤ منه ، والحلف على الانتفاء من التدين به . ويجوز أن يراد : ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا فسمي فتنة؛ لأنه كذب . وقرىء : «تكن» بالتاء و ( فتنتهم ) ، بالنصب . وإنما أنث { أَن قَالُواْ } لوقوع الخبر مؤنثاً ، كقولك : من كانت أمّك؟ وقرىء بالياء ونصب الفتنة . وبالياء والتاء مع رفع الفتنة . وقرىء : «ربنا» بالنصب على النداء { وَضَلَّ عَنْهُم } وغاب عنهم { مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي يفترون إلهيته وشفاعته . فإن قلت : كيف يصحّ أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور على أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟ قلت : الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشاً : ألا تراهم يقولون : { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظالمون } [ المؤمنون : 107 ] وقد أيقنوا بالخلود ولم يشكوا فيه ، { وَنَادَوْاْ يامالك مالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } [ الزخرف : 77 ] وقد علموا أنه لا يقضى عليهم . وأما قول من يقول : معناه : ما كنا مشركين عند أنفسنا وما علمنا أنا على خطأ في معتقدنا ، وحملُ قوله : { انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ } يعني في الدنيا فتمحل وتعسف وتحريف لأفصح الكلام إلى ما هو عيّ وإقحام ، لأن المعنى الذي ذهبوا إليه ليس هذا الكلام بمترجم عنه ولا منطبق عليه ، وهو نابٍ عنه أشدّ النبوّ . وما أدري ما يصنع من ذلك تفسيره بقوله تعالى : { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَىْء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون } [ المجادلة : 18 ] بعد قوله : { وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [ المجادلة : 14 ] فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا .

(2/103)


وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)

{ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } حين تتلوا القرآن . روي :
( 372 ) أنه اجتمع أبو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهل ، وأضرابهم يستمعون تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا للنضر : يا أبا قُتَيْلَة ، ما يقول محمد؟ فقال : والذي جعلها بيته - يعني الكعبة - ما أدري ما يقول ، إلا أنه يحرّك لسانه ويقول أساطير الأوّلين ، مثل ما حدثتكم عن القرون الماضية ، فقال أبو سفيان : إني لأراه حقاً . فقال أبو جهل : كلا ، فنزلت . والأكنة على القلوب ، والوقر في الأذان : مثلٌ في نبوّ قلوبهم ومسامعهم عن قبوله واعتقاد صحته . ووجه إسناد الفعل إلى ذاته وهو قوله : { وَجَعَلْنَا } للدلالة على أنه أمر ثابت فيهم لا يزول عنهم ، كأنهم مجبولون عليه . أو هي حكاية لما كانوا ينطقون به من قولهم { وفي آذاننا وقر ، ومن بيننا وبينك حجاب } [ فصلت : 5 ] وقرأ طلحة : «وقراً» بكسر الواو { حتى إِذَا جاءوك يجادلونك } هي حتى التي تقع بعدها الجمل . والجملة قوله : { إِذَا جاءوك } { يَقُولُ الذين كَفَرُواْ } و { يجادلونك } موضع الحال . ويجوز أن تكون الجارة ويكون إذا جاؤك في محل الجرّ بمعنى حتى وقت مجيئهم ، ويجادلونك حال ، وقوله : يقول { الذين كفروا } . وتفسير له . والمعنى بأنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك . وفسر مجادلتهم بأنهم يقولون : { إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الاولين } فيجعلون كلام الله وهو أصدق الحديث ، خرافات وأكاذيب ، وهي الغاية في التكذيب { وَهُمْ يَنْهَوْنَ } الناس عن القرآن أو عن الرسول عليه الصلاة والسلام وأتباعه ، ويثبطونهم عن الإيمان به { عَنْهُ وَيَنْئَوْنَ } بأنفسهم فيضلون ويضلون { وَإِن يُهْلِكُونَ } بذلك { إِلاَّ أَنفُسُهُمْ } ولا يتعداهم الضرر إلى غيرهم ، وإن كانوا يظنون أنهم يضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقيل : هو أبو طالب لأنه كان ينهى قريشاً عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وينأى عنه ولا يؤمن به . وروي أنهم اجتمعوا إلى أبي طالب وأرادوا برسول الله صلى الله عليه وسلم سوءاً . فقال :
وَاللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِم ... حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينَا
فَاصْدَعْ بِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ ... وَابْشِرْ بِذَاكَ وَقَرَّ مِنْهُ عُيُونَا
وَدَعَوتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّكَ نَاصِحٌ ... وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أَمِينَا
وَعَرَضْتُ دِيناً لاَ مَحَالَةَ أَنَّهُ ... مِنْ خَيْرِ أَدْيانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا
لَوْلاَ الْمَلاَمَةُ أَوْ حَذَارِيَ سُبَّةً ... لَوَجَدْتَنِي سَمْحاً بِذَاكَ مُبِينَا
فنزلت .

(2/104)


وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28)

{ وَلَوْ تَرَى } جوابه محذوف تقديره . ولو ترى لرأيت أمراً شنيعاً { وُقِفُواْ عَلَى النار } أروها حتى يعاينوها . أو اطلعوا عليها اطلاعاً هي تحتهم ، أو أدخلوها فعرفوا مقدار عذابها من قولك : وقفته على كذا إذا فهمته وعرفته ، وقرىء : «وقفوا» على البناء للفاعل ، ومن وقف عليه وقوفاً { ياليتنا نُرَدُّ } تم تمنيهم . ثم ابتدؤا { وَلاَ نُكَذّبَ بئايات رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين } واعدين الإيمان ، كأنهم قالوا : ونحن لا نكذب ونؤمن على وجه الإثبات . شبهة سيبويه بقولهم : دعني ولا أعود ، بمعنى : دعني وأنا لا أعود ، تركتني أو لم تتركني . ويجوز أن يكون معطوفاً على نردّ ، أو حالاً على معنى : يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين ، فيدخل تحت حكم التمني . فإن قلت : يدفع ذلك قوله : { وَإِنَّهُمْ لكاذبون } لأن المتمنّي لا يكون كاذباً . قلت : هذا تمنٍّ قد تضمن معنى العدة ، فجاز أن يتعلق به التكذيب ، كما يقول الرجل : ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك وأكافئك على صنيعك ، فهذا متمنّ في معنى الواعد ، فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه ولم يكافئه كذب ، كأنه قال : إن رزقني الله مالاً كافأتك على الإحسان . وقرىء : «ولا نكذب ونكون» بالنصب بإضمار أن على جواب التمني ومعناه : إن رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين { بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ } من قبائحهم وفضائحهم في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم؛ فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجراً؛ لا أنهم عازمون على أنهم لو ردّوا لآمنوا . وقيل : هو في المنافقين وأنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرونه . وقيل : هو في أهل الكتاب وأنه يظهر لهم ما كانوا يخفونه من صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَلَوْ رُدُّواْ } إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار { لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } من الكفر والمعاصي { وَإِنَّهُمْ لكاذبون } فيما وعدوا من أنفسهم لا يفون به .

(2/105)


وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)

{ وَقَالُواْ } عطف على لعادوا . أي : ولو ردّوا لكفروا ولقالوا : { إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا } كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة . ويجوز أن يعطف على قوله : وإنهم لكاذبون ، على معنى : وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء ، وهم الذين قالوا : إن هي إلا حياتنا الدنيا . وكفى به دليلاً على كذبهم .

(2/106)


وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)

{ وُقِفُواْ على رَبّهِمْ } مجاز على الحبس للتوبيخ والسؤال ، كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده ليعاتبه . وقيل : وقفوا على جزاء ربهم . وقيل : عرفوه حق التعريف { قَالَ } مردود على قول قائل قال : ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟ فقيل : قال : { أَلَيْسَ هذا بالحق } وهذا تعيير من الله تعالى لهم على التكذيب . وقولهم - لما كانوا يسمعون من حديث البعث والجزاء - : ما هو بحق وما هو إلا باطل { بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } بكفركم بلقاء الله ببلوغ الآخرة وما يتصل بها . وقد حقق الكلام فيه في مواضع أخر . و { حتى } غاية لكذبوا لا لخسر ، لأن خسرانهم لا غاية له . أي ما زال بهم التكذيب إلى حسرتهم وقت مجيء الساعة . فإن قلت : أما يتحسرون عند موتهم؟ قلت : لما كان الموت وقوعاً في أحوال الآخرة ومقدماتها جعل من جنس الساعة وسمي باسمها ، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 373 ) « من مات فقد قامت قيامته » أو جعل مجيء الساعة بعد الموت لسرعته كالواقع بغير فترة { بَغْتَةً } فجأة وانتصابها على الحال بمعنى باغتة ، أو على المصدر كأنه قيل : بغتتهم الساعة بغتة { فَرَّطْنَا فِيهَا } الضمير للحياة الدنيا ، جيء بضميرها وإن لم يجر لها ذكر لكونها معلومة ، أو للساعة على معنى : قصرنا في شأنها وفي الإيمان بها ، كما تقول : فرّطت في فلان . ومنه فرّطت في جنب الله { يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ } كقوله : { فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [ الشورى : 30 ] لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور ، كما ألف الكسب بالأيدي { سَاء مَا يَزِرُونَ } بئس شيئاً يزرون وزرهم ، كقوله { سَاء مَثَلاً القوم } [ الأعراف : 177 ] .

(2/107)


وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)

جعل أعمال الدنيا لعباً ولهواً واشتغالاً بما لا يعني ولا يعقب منفعة ، كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة . وقوله : { لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } دليل على أن ما عدا أعمال المتقين لعب ولهو . وقرأ ابن عباس رضي الله عنه : ( ولدار الآخرة ) وقرىء : «تعقلون» بالتاء والياء .

(2/108)


قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)

{ قَدْ } في { قد نعلم } بمعنى «ربما» الذي يجيء لزيادة الفعل وكثرته ، كقوله :
أَخُو ثِقَةٍ لاَ تُهْلِكُ الْخَمْرُ مَالَه ... وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ الْمَالَ نَائِلُهْ
والهاء في { إِنَّهُ } ضمير الشأن { لَيَحْزُنُكَ } قرىء بفتح الياء وضمها . و { الذى يَقُولُونَ } هو قولهم : ساحر كذاب { لاَ يُكَذّبُونَكَ } قرىء بالتشديد والتخفيف من كذبه إذا جعله كاذباً في زعمه وأكذبه إذا وجده كاذباً . والمعنى أن تكذيبك أمر راجع إلى الله ، لأنك رسوله المصدق بالمعجزات فهم لا يكذبونك في الحقيقة وإنما يكذبون الله بجحود آياته ، فاله عن حزنك لنفسك وإن هم كذبوك وأنت صادق ، وليشغلك عن ذلك ما هو أهمّ وهو استعظامك بجحود آيات الله تعالى والاستهانة بكتابه . ونحوه قول السيد لغلامه -إذا أهانه بعض الناس - إنهم لم يهينوك وإنما أهانوني . وفي هذه الطريقة قوله تعالى : { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } [ الفتح : 10 ] وقيل : فإنهم لا يكذبونك بقلوبهم ، ولكنهم يجحدون بألسنتهم . وقيل : فإنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق ، ولكنهم يجحدون بآيات الله . وعن ابن عباس رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى الأمين فعرفوا أنه لا يكذب في شيء ، ولكنهم كانوا يجحدون . وكان أبو جهل يقول : ما نكذبك لأنك عندنا صادق ، وإنما نكذب ما جئتنا به . وروي :
( 374 ) أنّ الأخنس بن شريق قال لأبي جهل : يا أبا الحكم ، أخبرني عن محمد ، أصادق هو أم كاذب ، فإنه ليس عندنا أحد غيرنا؟ فقال له : والله إن محمداً لصادق وما كذب قط ، ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللواء والسقاية والحجابة والنبوّة ، فماذا يكون لسائر قريش ، فنزلت ، وقوله : { ولكن الظالمين } من إقامة الظاهر مقام المضمر ، للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم .

(2/109)


وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)

{ وَلَقَدْ كُذّبَتْ } تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا دليل على أن قوله : { فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ } [ الأنعام : 33 ] ليس بنفي لتكذيبه ، وإنما هو من قولك لغلامك : ما أهانوك ولكنهم أهانوني { على مَا كُذّبُواْ وَأُوذُواْ } على تكذيبهم وإيذائهم { وَلاَ مُبَدّلَ لكلمات الله } لمواعيده من قوله : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون } [ الصافات : 171 ] { وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ المرسلين } بعض أنبائهم وقصصهم وما كابدوا من مصابرة المشركين .

(2/110)


وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)

كان يكبر على النبي صلى الله عليه وسلم كفر قومه وإعراضهم عما جاء به فنزل : { لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ } [ الشعراء : 3 ] ، { إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } [ القصص : 56 ] ، { وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِى الأرض } منفذاً تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها { أَوْ سُلَّماً فِى السماء فَتَأْتِيَهُمْ } منها { بئَايَةٍ } فافعل . يعني أنك لا تستطيع ذلك . والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وتهالكه عليه ، وأنه لو استطاع أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم . وقيل : كانوا يقترحون الآيات فكان يودُّ أن يجابوا إليها لتمادي حرصه على إيمانهم . فقيل له : إن استطعت ذلك فافعل ، دلالة على أنه بلغ من حرصه أنه لو استطاع ذلك لفعله حتى يأتيهم بما اقترحوا من الآيات لعلهم يؤمنون . ويجوز أن يكون ابتغاء النفق في الأرض أو السلم في السماء هو الإتيان بالآيات ، كأنه قيل : لو استطعت النفوذ إلى ما تحت الأرض أو الرقي إلى السماء لفعلت ، لعل ذلك يكون لك آية يؤمنون عندها . وحذف جواب «إن» كما تقول إن شئت أن تقوم بنا إلى فلان نزوره ولو شاء الله لجمعهم على الهدى بأن يأتيهم بآية ملجئة ، ولكنه لا يفعل لخروجه عن الحكمة { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين } من الذين يجهلون ذلك ويرومون ما هو خلافه { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ } يعني أن الذين تحرص على أن يصدّقوك بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون ، وإنما يستجيب من يسمع ، كقوله : { إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى } [ النمل : 80 ] { والموتى يَبْعَثُهُمُ الله } مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة بأنه هو الذي يبعث الموتى من القبور يوم القيامة { ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } للجزاء فكان قادراً على هؤلاء الموتى بالكفر أن يحييهم بالإيمان . وأنت لا تقدر على ذلك . وقيل : معناه : وهؤلاء الموتى - يعني الكفرة - يبعثهم الله . ثم إليه يرجعون ، فحينئذ يسمعون . وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى استماعهم وقرىء : «يرجعون» ، بفتح الياء .

(2/111)