صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الكشاف
المؤلف : أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172)

{ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح } لن يأنف ولن يذهب بنفسه عزة ، من نكفت الدمع ، إذا نحيته عن خدك بأصابعك { وَلاَ الملئكة المقربون } ولا من هو أعلى منه قدراً وأعظم منه خطراً وهم الملائكة الكروبيون الذين حول العرش ، كجبريل وميكائيل وإسرافيل ، ومن في طبقتهم . فإن قلت : من أين دلّ قوله : { وَلاَ الملئكة المقربون } على أنّ المعنى : ولا من فوقه؟ قلت : من حيث أنّ علم المعاني لا يقتضي غير ذلك . وذلك أنّ الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى وغلوّهم في رفع المسيح عن منزلة العبودية ، فوجب أن يقال لهم : لن يترفع عيسى عن العبودية ، ولا من هو أرفع منه درجة ، كأنه قيل : لن يستنكف الملائكة المقرّبون من العبودية ، فكيف بالمسيح؟ ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة ، تخصيص المقرّبين لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاهم منزلة . ومثاله قول القائل :
وَمَا مِثْلُهُ مِمَّنْ يُجَاوِدُ حَاتِم ... وَلاَ الْبَحْرُ ذُوْ الأَمْوَاجِ يَلْتَجُّ زَاخِرُهُ
لا شبهة في أنه قصد بالبحر ذي الأمواج : ما هو فوق حاتم في الجود . ومن كان له ذوق فليذق مع هذه الآية قوله : { وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى } [ البقرة : 120 ] حتى يعترف بالفرق البين . وقرأ عليّ رضي الله عنه : «عُبيداً لله» ، على التصغير . وروي
( 328 ) أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لم تعيب صاحبنا؟ قال : ومن صاحبكم؟ قالوا : عيسى . قال : وأي شيء أقول؟ قالوا : تقول : إنه عبد الله ورسوله . قال : إنه ليس بعار أن يكون عبداً لله . قالوا : بلى ، فنزلت : أي لا يستنكف عيسى من ذلك فلا تستنكفوا له منه ، فلو كان موضع استنكاف لكان هو أولى بأن يستنكف لأنّ العار ألصق به . فإن قلت : علام عطف قوله : { وَلاَ الملئكة } ؟ قلت : لا يخلو إمّا أن يعطف على المسيح ، أو على اسم ( يكون ) أو على المستتر في ( عبداً ) لما فيه من معنى الوصف ، لدلالته على معنى العبادة ، كقولك : مررت برجل عبد أبوه ، فالعطف على المسيح هو الظاهر لأداء غيره إلى ما فيه بعض انحراف عن الغرض ، وهو أن المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا من فوقه موصوفين بالعبودية ، أو أن يعبد الله هو ومن فوقه . فإن قلت : قد جعلت الملائكة وهم جماعة عبداً لله في هذا العطف ، فما وجهه؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما أن يراد : ولا كل واحد من الملائكة أو ولا الملائكة المقرّبون أن يكونوا عباداً لله ، فحذف ذلك لدلالة ( عبداً لله ) عليه إيجازاً . وأمّا إذا عطفتهم على الضمير في ( عبداً ) فقد طاح هذا السؤال . قرىء «فسيحشرهم» بضم الشين وكسرها وبالنون .

(1/494)


فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175)

فإن قلت : التفصيل غير مطابق للمفصل؛ لأنه اشتمل على الفريقين ، والمفصل على فريق واحد . قلت : هو مثل قولك : جمع الإمام الخوارج ، فمن لم يخرج عليه كساه وحمله ، ومن خرج عليه نكل به ، وصحة ذلك لوجهين ، أحدهما : أن يحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه ، ولأنّ ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني ، كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله عقيب هذا { فَأَمَّا الذين بالله واعتصموا بِهِ } والثاني ، وهو أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم ، فكان داخلاً في جملة التنكيل بهم فكأنه قيل : ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر ، فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب الله . البرهان والنور المبين : القرآن . أو أراد بالبرهان دين الحق أو رسول الله صلى الله عليه وسلم . وبالنور المبين : ما يبينه ويصدقه من الكتاب المعجز { فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ } في ثواب مستحق وتفضل { وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ } إلى عبادته { صراطا مُّسْتَقِيماً } وهو طريق الإسلام . والمعنى : توفيقهم وتثبيتهم .

(1/495)


يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)

روي أنه آخر ما نزل من الأحكام .
( 329 ) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة عام حجة الوداع ، فأتاه جابر بن عبد الله فقال : إنّ لي أختاً ، فكم آخذ من ميراثها إن ماتت؟ وقيل :
( 330 ) كان مريضاً فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني كلالة فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت { إِن امرؤ هَلَكَ } ارتفع امرؤ بمضمر يفسره الظاهر . ومحل { لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } الرفع على الصفة لا النصب على الحال . أي : إن هلك امرؤ غير ذي ولد . والمراد بالولد الابن وهو اسم مشترك يجوز إيقاعه على الذكر وعلى الأنثى؛ لأن الابن يسقط الأخت ، ولا تسقطها البنت إلا في مذهب ابن عباس ، وبالأخت التي هي لأب وأم دون التي لأم ، لأنّ الله تعالى فرض لها النصف وجعل أخاها عصبة وقال : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } وأما الأخت للأم فلها السدس في آية المواريث مسوّى بينها وبين أخيها { وَهُوَ يَرِثُهَا } وأخوها يرثها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها { إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ } أي ابن؛ لأن الابن يسقط الأخ دون البنت . فإن قلت : الابن لا يسقط الأخ وحده فإن الأب نظيره في الإسقاط ، فلم اقتصر على نفي الولد؟ قلت : بين حكم انتفاء الولد ، ووكَّل حكم انتفاء الوالد إلى بيان السُّنة ، وهو قوله عليه السلام :
( 331 ) « ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر » والأب أولى من الأخ ، وليسا بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة . ويجوز أن يدل بحكم انتفاء الولد على حكم انتفاء الوالد ، لأن الولد أقرب إلى الميت من الوالد ، فإذا ورث الأخ عند انتفاء الأقرب ، فأولى أن يرث عند انتفاء الأبعد ، ولأن الكلالة تتناول انتفاء الوالد والولد جميعاً ، فكان ذكر انتفاء أحدهما دالاً على انتفاء الآخر . فإن قلت : إلى من يرجع ضمير التثنية والجمع في قوله : { فَإِن كَانَتَا اثنتين } { وإن كانوا إخوة } قلت : أصله : فإن كان من يرث بالأخوة اثنتين ، وإن كان من يرث بالأخوة ذكوراً وإناثاً : وإنما قيل : فإن كانتا ، وإن كانوا ، كما قيل : من كانت أمّك . فكما أنث ضمير ( من ) لمكان تأنيث الخبر ، كذلك ثنى وجمع ضمير من يرث في كانتا وكانوا ، لمكان تثنية الخبر وجمعه ، والمراد بالإخوة ، الإخوة [ و ] الأخوات ، تغليباً لحكم الذكورة { أَن تَضِلُّواْ } مفعول له . ومعناه : كراهة أن تضلوا . عن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 332 ) « من قرأ سورة النساء فكأنما تصدّق على كل مؤمن ومؤمنة ورث ميراثاً ، وأعطي من الأجر كمن اشترى محرّراً ، وبرىء من الشرك وكان في مشيئة الله من الذين يتجاوز عنهم » .

(1/496)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)

يقال وفى بالعهد وأوفى به ومنه : { والموفون بعهدهم } [ البقرة : 177 ] . والعقد : العهد الموثق ، شبه بعقد الحبل ونحوه ، قال الحطيئة :
قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْداً لِجَارِهِم ... شَدُّوا الْعِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا
وهي عقود الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف . وقيل : هي ما يعقدون بينهم من عقود الأمانات ويتحالفون عليه ويتماسحون من المبايعات ونحوها . والظاهر أنها عقود الله عليهم في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه وأنه كلام قدم مجملاً ثم عقب بالتفصيل وهو قوله : { أُحِلَّتْ لَكُمْ } وما بعده . البهيمة : كلّ ذات أربع في البرّ والبحر ، وإضافتها إلى الأنعام للبيان ، وهي الإضافة التي بمعنى ( من ) كخاتم فضة . ومعناه : البهيمة من الأنعام { إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } إلا محرّم ما يتلى عليكم من القرآن ، من نحو قوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } ، أوإلا ما يتلى عليكم آية تحريمه . والأنعام : الأزواج الثمانية . وقيل : ( بهمية الأنعام ) الظباء وبقر الوحش ونحوها كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس البهائم في الاجترار وعدم الأنياب ، فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه { غَيْرَ مُحِلّى الصيد } نصب على الحال من الضمير في ( لكم ) أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد . وعن الأخفش أن انتصابه عن قوله : { أَوْفُواْ بالعقود } وقوله : { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } حال عن محلي الصيد ، كأنه قيل : أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون ، لئلا نحرج عليكم { إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } من الأحكام ، ويعلم أنه حكمة ومصلحة . والحرم : جمع حرام وهو المحرم .

(1/497)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)

الشعائر جمع شعيرة وهي اسم ما اشعر ، أي جعل شعاراً وعلماً للنسك ، من مواقف الحج ومرامي الجمار ، والمطاف ، والمسعى ، والأفعال التي هي علامات الحج يعرف بها من الإحرام ، والطواف ، والسعي ، والحلق ، والنحر . والشهر الحرام : شهر الحج . والهدي : ما أهدي إلى البيت وتقرب به إلى الله من النسائك . وهو جمع هدية ، كما يقال جدي في جمع جدية السرج والقلائد : جمع قلادة ، وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة ، أو لحاء شجر ، أوغيره . وآمّو المسجد الحرام : قاصدوه ، وهم الحجاج والعمار . وإحلال هذه الأشياء أن يتهاون بحرمة الشعائر وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها ، وأن يحدثوا في أشهر الحج ما يصدّون به الناس عن الحج ، وأن يتعرض للهدي بالغضب أو بالمنع من بلوغ محله . وأما القلائد ففيها وجهان ، أحدهما : أن يراد بها ذوات القلائد من الهدي وهي البدن ، وتعطف على الهدي للاختصاص وزيادة التوصية بها لأنهاأشرف الهدي ، كقوله : { وَجِبْرِيلَ وميكال } [ البقرة : 98 ] كأنه قيل : والقلائد منها خصوصاً . والثاني : أن ينهي عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي ، على معنى : ولا تحلوا قلائدها فضلاً أن تحلوها ، كما قال : { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } [ النور : 31 ] فنهي عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها { وَلآ ءَآمِّينَ } ولا تحلوا قوماً قاصدين المسجد الحرام { يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ } وهو الثواب { وَرِضْوَاناً } وأن يرضى عنهم ، أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم ، تعظيماً لهم واستنكاراً أن يتعرض لمثلهم . قيل : هي محكمة . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 333 ) " المائدة من آخر القرآن نزولاً ، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها " وقال الحسن : ليس فيها منسوخ . وعن أبي ميسرة : فيها ثماني عشرة فريضة وليس فيها منسوخ . وقيل : هي منسوخة . وعن ابن عباس : كان المسلمون والمشركون يحجون جميعاً ، فنهى الله المسلمين أن يمنعوا أحداً عن حج البيت بقوله : { لاَ تُحِلُّواْ } ثم نزل بعد ذلك : { إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } [ التوبة : 28 ] ، { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله } [ التوبة : 17 ] وقال مجاهد والشعبي : { لاَ تُحِلُّواْ } نسخ بقوله : { واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [ النساء : 89 ] . وفسر ابتغاء الفضل بالتجارة ، وابتغاء الرضوان بأنّ المشركين كانوا يظنون في أنفسهم أنهم على سداد من دينهم ، وأنّ الحج يقربهم إلى الله ، فوصفهم الله بظنهم . وقرأ عبد الله : «ولا أمي البيت الحرام» ، على الإضافة . وقرأ حميد بن قيس والأعرج : «تبتغون» ، بالتاء على خطاب المؤمنين { فاصطادوا } إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم ، كأنه قيل : وإذا حللتم فلا جناح عليكم أن تصطادوا . وقرىء بكسر الفاء . وقيل : هو بدل من كسر الهمزة عند الابتداء . وقرىء : «وإذا أحللتم» ، يقال حلّ المحرم وأحلّ . ( جرم ) يجري مجرى ( كسب ) في تعديه إلى مفعول واحد واثنين .

(1/498)


تقول : جرم ذنباً ، نحو كسبه . وجرمته ذنباً ، نحو كسبته إياه . ويقال : أجرمته ذنباً ، على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين ، كقولهم : أكسبته ذنباً . وعليه قراءة عبد الله : «ولا يجرمنكم» بضم الياء ، وأوّل المفعولين على القراءتين ضمير المخاطبين ، والثاني : { أَن تَعْتَدُواْ } . و { أَن صَدُّوكُمْ } بفتح الهمزة ، متعلق بالشنآن بمعنى العلة ، والشنآن : شدة البغض . وقرىء بسكون النون . والمعنى : ولا يكسبنكم بغض قوم لأن صدّوكم الاعتداء ، ولا يحملنكم عليه . وقرىء : «إن صدّوكم» ، على ( إن ) الشرطية . وفي قراءة عبد الله : «إن يصدوكم» . ومعنى صدّهم إياهم عن المسجد الحرام : منع أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة ، ومعنى الاعتداء : الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى } على العفو والإغضاء { ولا تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان } على الانتقام والتشفي . ويجوز أن يراد العموم لكل برّ وتقوى وكلّ إثم وعدوان ، فيتناول بعمومه العفو والانتصار .

(1/499)


حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)

كان أهل الجاهلية يأكلون هذه المحرمات : البهيمة التي تموت حتف أنفها ، والفصيد وهو الدم في المباعر ، يشونها ويقولون : لم يحرم من فزد له { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } أي رفع الصوت به لغير الله ، وهو قولهم : باسم اللات والعزى عند ذبحه { والمنخنقة } التي خنقوها حتى ماتت ، أو انخنقت بسبب { والموقوذة } التي أثخنوها ضرباً بعصا أو حجر حتى ماتت { والمتردية } التي تردَّت من جبل أو في بئر فماتت { والنطيحة } التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح { وَمَا أَكَلَ السبع } بعضه { إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح وتشخب أوداجه . وقرأ عبد الله «والمنطوحة» . وفي رواية عن أبي عمرو «السبْع» بسكون الباء . وقرأ ابن عباس : «وأكيل السبع» { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب } كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها ، ويعظمونها بذلك ويتقرّبون به إليها ، تسمى الأنصاب ، والنصب واحد . قال الأعشى :
وَذَا النَّصْبِ الْمَنْصُوبِ لاَ تَعْبُدَنَّه ... لِعَاقِبَةٍ وَاللَّهِ رَبَّكَ فَاعْبُدَا
وقيل : هو جمع ، والواحد نصاب . وقرىء : «النصْب» بسكون الصاد { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام } وحرّم عليكم الاستقسام بالأزلام أي بالقداح . كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو أمراً من معاظم الأمور ضرب بالقداح ، وهي مكتوب على بعضها : نهاني ربي ، وعلى بعضها : أمرني ربي ، وبعضها غفل؛ فإن خرج الآمر مضى لطيته ، وإن خرج الناهي أمسك ، وإن خرج الغفل أجالها عوداً . فمعنى الاستقسام بالأزلام : طلب معرفة ما قسم له مما لم يقسم له بالأزلام . وقيل : هو الميسر . وقسمتهم الجزور على الأنصباء المعلومة { ذلكم فِسْقٌ } الإشارة إلى الاستقسام : أو إلى تناول ما حرّم عليهم؛ لأنّ المعنى حرّم عليكم تناول الميتة وكذا وكذا . فإن قلت : لم كان استقسام المسافر وغيره بالأزلام لتعرف الحال فسقاً؟ قلت : لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر به علام الغيوب وقال : { لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله } [ النمل : 65 ] واعتقاد أنّ إليه طريقاً وإلى استنباطه ، وقوله : أمرني ربي ، ونهاني ربي : افتراء على الله . وما يدريه أنه أمره أو نهاه . والكهنة والمنجمون بهذه المثابة . وإن كان أراد بالرب الصنم - فقد روي أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم - فأمره ظاهر { اليوم } لم يرد به يوماً بعينه ، وإنما أراد به الزمان الحاضر وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية ، كقولك : كنت بالأمس شاباً ، وأنت اليوم أشيب ، فلا تريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك ، ولا باليوم يومك . ونحوه ( الآن ) في قوله :
الآنَ لَمَّا ابْيَضَّ مَسْرُبتِي ... وَعَضَضْتُ مِنْ نَابِي عَلَى جَذَمِ
وقيل : أريد يوم نزولها ، وقد نزلت يوم الجمعة ، وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع { يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } يئسوا منه أن يبطلوه وأن ترجعوا محللين لهذه الخبائث بعد ما حرّمت عليكم .

(1/500)


وقيل : يئسوا من دينكم أن يغلبوه؛ لأن الله عزّ وجلّ وفىَّ بوعده من إظهاره على الدين كله { فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } بعد إظهار الدين وزوال الخوف من الكفار وانقلابهم مغلوبين مقهورين بعدما كانوا غالبين { واخشونى } وأخلصوا لي الخشية { أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } كفيتكم أمر عدوِّكم ، وجعلت اليد العليا لكم ، كما تقول الملوك : اليوم كمل لنا الملك وكمل لنا ما نريد ، إذا كفوا من ينازعهم الملك ووصلوا إلى أغراضهم ومباغيهم . أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف على الشرائع وقوانين القياس وأصول الاجتهاد { وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين ، وهدم منار الجاهلية ومناسكهم وأنَّ لم يحجّ معكم مشرك ، ولم يطف بالبيت عريان . أو أتمتت نعمتي عليكم بإكمال أمر الدين والشرائع كأنه قال : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي بذلك ، لأنه لا نعمة أتمّ من نعمة الإسلام { وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً } يعني اخترته لكم من بين الأديان ، وآذنتكم بأنه هو الدين المرضي وحده { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } [ آل عمران : 85 ] ، { إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } [ الأنبياء : 92 ] . فإن قلت : بم اتصل قوله : { فَمَنِ اضطر } ؟ قلت : بذكر المحرّمات . وقوله : { ذلكم فِسْقٌ } اعتراض أكد به معنى التحريم ، وكذلك ما بعده؛ لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام المنعوت بالرضا دون غيره من الملل . ومعناه : فمن اضطرّ إلى الميتة أو إلى غيرها { فِى مَخْمَصَةٍ } في مجاعة { غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ } غير منحرف إليه ، كقولِهِ : { غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } [ البقرة : 173 ] . { فَإِنَّ الله غَفُورٌ } لا يؤاخذه بذلك .

(2/1)


يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4)

في السؤال معنى القول ، فلذلك وقع بعده { مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } كأنه قيل : يقولون لك ماذا أحلّ لهم . وإنما لم يقل : ماذا أحلّ لنا ، حكاية لما قالوه لأنّ يسألونك بلفظ الغيبة ، كما تقول أقسم زيد ليفعلنّ . ولو قيل : لأفعلنّ وأُحلّ لنا ، لكان صواباً . و ( ماذا ) مبتدأ ، و ( أحلّ لهم ) خبره كقولك : أي شيء أحلّ لهم؟ ومعناه : ماذا أحلّ لهم من المطاعم كأنهم حين تلا عليهم ما حرّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحلّ لهم منها ، فقيل : { أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } أي ما ليس بخبيث منها ، وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد . { وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح } عطف على الطيبات أي أحلّ لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف . أو تجعل ( ما ) شرطية ، وجوابها ( فكلوا ) والجوارح : الكواسب من سباع البهائم والطير ، كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي والشاهين . والمكلب : مؤدّب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها ، ورائضها لذلك بما علم من الحيل وطرق التأديب والتثقيف ، واشتقاقه من الكلب ، لأنّ التأديب أكثر ما يكون في الكلاب فاشتقّ من لفظه لكثرته من جنسه . أو لأن السبع يسمى كلباً . ومنه قوله عليه السلام :
( 334 ) " اللَّهم سلط عليه كلباً من كلابك " فأكله الأسد . أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة . يقال : هو كلب بكذا ، إذا كان ضارياً به . وانتصاب { مُكَلّبِينَ } على الحال من علمتم . فإن قلت : ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم؟ قلت : فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريراً في علمه مدرّباً فيه ، موصوفاً بالتكليب . و { تُعَلّمُونَهُنَّ } حال ثانية أو استئناف . وفيه فائدة جليلة ، وهي أن على كلّ آخذ علماً أن لا يأخذهُ إلا من أقتل أهله علماً وأنحرهم دراية وأغوصهم على لطائفه وحقائقه ، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل ، فكم من آخذ عن غير متقن ، قد ضيع أيامه وعضّ عند لقاء النحارير أنامله { مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله } من علم التكليب ، لأنه إلهام من الله ومكتسب بالعقل . أو مما عرَّفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه ، وانزجاره بزجره . وانصرافه بدعائه ، وإمساك الصيد عليه وأن لا يأكل منه . وقرىء : «مكلبين» بالتخفيف . وأفعل وفعل يشتركان كثيراً . والإمساك على صاحبه أن لا يأكل منه ، لقوله عليه السلام لعديِّ بن حاتم :
( 335 ) " وإن أكل منه فلا تأكل إنما أمسك على نفسه " وعن علي رضي الله عنه : إذا أكل البازي فلا تأكل . وفرق العلماء ، فاشترطوا في سباع البهائم ترك الأكل لأنها تؤدّب بالضرب ، ولم يشترطوه في سباع الطير . ومنهم من لم يعتبر ترك الأكل أصلاً ولم يفرق بين إمساك الكل والبعض . وعن سلمان ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبي هريرة رضي الله عنهم : إذا أكل الكلب ثلثيه وبقي ثلثه وذكرت اسم الله عليه فكل . فإن قلت : إلام رجع الضمير في قوله : { واذكروا اسم الله عَلَيْهِ } ؟ قلت : إمَّا أن يرجع إلى ما أمسكن على معنى وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته ، أو إلى ما علمتم من الجوارح . أي سموا عليه عند إرساله .

(2/2)


الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5)

{ وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب } قيل : هو ذبائحهم . وقيل : هو جميع مطاعمهم . ويستوي في ذلك جميع النصارى . وعن علي رضي الله عنه : أنه استثنى نصارى بني تغلب وقال : ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر ، وبه أخذ الشافعي . وعن ابن عباس أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال : لا بأس . وهو قول عامة التابعين ، وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه . وحكم الصابئين حكم أهل الكتاب عند أبي حنيفة . وقال صاحباه : هم صنفان : صنف يقرؤن الزبور ويعبدون الملائكة . وصنف لا يقرؤن كتاباً ويعبدون النجوم؛ فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب . وأما المجوس فقد سنّ بهم سنّة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم . وقد وري عن أبي المسيب أنه قال : إذا كان المسلم مريضاً فأمر المجوسي أن يذكر اسم الله ويذبح فلا بأس . وقال أبو ثور : وإن أمره بذلك في الصحة فلا بأس وقد أساء { وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ } فلا عليكم أن تطعموهم ، لأنه لو كان حراماً عليهم طعام المؤمنين لما ساغ لهم إطعامهم { والمحصنات } الحرائر أو العفائف وتخصيصهن بعث على تخير المؤمنين لنطفهم والإماء من المسلمات يصحّ نكاحهنّ بالاتفاق ، وكذلك نكاح غير العفائف منهن ، وأما الإماء الكتابيات ، فعند أبي حنيفة : هنَّ كالمسلمات ، وخالفه الشافعي ، وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات ، ويحتج بقوله : { وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ } [ البقرة : 221 ] ويقول : لا أعلم شركاً أعظم من قولها : إن ربها عيسى . وعن عطاء : قد أكثر الله المسلمات ، وإنّما رخص لهم يومئذ { مُّحْصِنِينَ } أعفاء { وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ } صدائق ، والخدن يقع على الذكر والأنثى { وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان } بشرائع الإسلام وما أحلّ الله وحرّم .

(2/3)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)

{ إذا قمتم إلى الصلاة } كقوله : { فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله } [ النحل : 98 ] وكقولك : إذا ضربت غلامك فهوّن عليه ، في أن المراد إرادة الفعل . فإن قلت : لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل؟ قلت : لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه وإرادته له وهو قصده إليه وميله وخلوص داعيه ، فكما عبر عن القدرة عن الفعل بالفعل في قولهم : الإنسان لا يطير ، والأعمى لا يبصر ، أي لا يقدران على الطيران والإبصار . ومنه قوله تعالى : { نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فاعلين } [ الأنبياء : 104 ] يعني إنا كنا قادرين على الإعادة ، كذلك عبر عن إرادة الفعل بالفعل ، وذلك لأنّ الفعل مسبب عن القدرة والإرادة ، فأقيم المسبب مقام السبب للملابسة بينهما ، ولإيجاز الكلام ونحوه من إقامة المسبب مقام السبب قولهم : كما تدين تدان ، إن عبر عن الفعل المبتدأ الذي هو سبب الجزاء بلفظ الجزاء الذي هو مسبب عنه . وقيل : معنى قمتم إلى الصلاة قصدتموها؛ لأنّ من توجّه إلى شيء وقام إليه كان قاصداً له لا محالة ، فعبَّر عن القصد له بالقيام إليه . فإن قلت : ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصَّلاة محدث وغير محدّث ، فما وجهه؟ قلت : يحتمل أن يكون الأمر للوجوب ، فيكون الخطاب للمحدثين خاصة ، وأن يكون للندب . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده/
( 336 ) أنهم كانوا يتوضئون لكل صلاة . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 337 ) « من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات » وعنه عليه السلام :
( 338 ) « أنه كان يتوضأ لكل صلاة ، فلما كان يوم الفتح مسح على خفيه وصلى الصلوات الخمس بوضوء واحد » ، فقال له عمر : صنعت شيئاً لم تكن تصنعه فقال : « عمداً فعلته يا عمر » يعني بياناً للجواز؟ فإن قلت : هل يجوز أن يكون الأمر شاملاً للمحدثين وغيرهم لهؤلاء على وجه الإيجاب ، ولهؤلاء على وجه الندب . قلت : لا ، لأنَّ تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية . وقيل : كان الوضوء لكل صلاة واجباً أوّل ما فرض . ثم نسخ ( إلى ) تفيد معنى الغاية مطلقاً . فأمَّا دخولها في الحكم وخروجها ، فأمر يدور مع الدليل ، فمما فيه دليل على الخروج قوله : { فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ } [ البقرة : 280 ] لأن الإعسار علة الإنذار . وبوجود الميسرة تزول العلة ، ولو دخلت الميسرة فيه لكان مُنظراً في كلتا الحالتين معسراً وموسراً . وكذلك : { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل } [ البقرة : 187 ] لو دخل الليل لوجب الوصال . ومما فيه دليل على أن الدخول قولك : حفظت القرآن من أوله إلى آخره لأنّ الكلام مسوق لحفظ القرآن كله . ومنه قوله تعالى : { مّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى } [ الإسراء : 1 ] لوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله .

(2/4)


وقوله : { إِلَى المرافق } و { إِلَى الكعبين } لا دليل فيه على أحد الأمرين فأخذ كافة العلماء بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل . وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 339 ) " أنه كان يدير الماء على مرفقيه " { وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ } المراد إلصاق المسح بالرأس . وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح ، كلاهما ملصق للمسح برأسه . فقد أخذ مالك بالاحتياط فأوجب الاستيعاب أو أكثره على اختلاف الرواية ، وأخذ الشافعي باليقين فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح وأخذ أبو حنيفة ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما روي :
( 340 ) أنه مسح على ناصيته . وقدر الناصية بربع الرأس . قرأ جماعة «وأرجلكم» بالنصب ، فدل على أن الأرجل مغسولة فإن قلت : فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟ قلت : الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها ، فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه ، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح ، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها . وقيل : { إِلَى الكعبين } فجيء بالغاية إماطة لظنّ ظانّ يحسبها ممسوحة ، لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة . وعن علي رضي الله عنه : أنه أشرف على فتية من قريش فرأى في وضوئهم تجوزاً ، فقال : ويل للأعقاب من النار ، فلما سمعوا جعلوا يغسلونها غسلاً ويدلكونها دلكاً . وعن ابن عمر [ و ] :
( 341 ) كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ قوم وأعقابهم بيض تلوح فقال : " ويل للأعقاب من النار " وفي رواية جابر :
( 342 ) " ويل للعراقيب " وعن عمر أنه رأى رجلاً يتوضأ فترك باطن قدميه ، فأمره أن يعيد الوضوء ، وذلك للتغليظ عليه ، وعن عائشة رضي الله عنها لأن تقطعا أحب إليّ من أن أمسح على القدمين بغير خفين . وعن عطاء : والله ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على القدمين . وقد ذهب بعض الناس إلى ظاهر العطف فأوجب المسح . وعن الحسن : أنه جمع بين الأمرين . وعن الشعبي : نزل القرآن بالمسح والغسل سنة . وقرأ الحسن : وأرجلكم ، بالرفع بمعنى وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة إلى الكعبين . وقرىء : «فاطهروا» أي فطهروا أبدانكم ، وكذلك ليطهركم . وفي قراءة عبد الله : «فأموا صعيداً » { مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ } في باب الطهارة ، حتى لا يرخص لكم في التيمم { ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } بالتراب إذا أعوزكم التطهر بالماء { وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } وليتمّ برخصه إنعامه عليكم بعزائمه { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمته فيثيبكم .

(2/5)


وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)

{ واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } وهي نعمة الإسلام { وميثاقه الذى وَاثَقَكُم بِهِ } أي عاقدكم به عقداً وثيقاً هو الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر والمنشط والمكره فقبلوا وقالوا : سمعنا وأطعنا . وقيل : هو الميثاق ليلة العقبة وفي بيعة الرضوان .

(2/6)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10)

عدّى { يَجْرِمَنَّكُمْ } بحرف الاستعلاء مضمناً معنى فعل يتعدّى به ، كأنه قيل : ولا يحملنكم . ويجوز أن يكون قوله : { أَن تَعْتَدُواْ } بمعنى على أن تعتدوا ، فحذف مع أن ونحوه قوله عليه السلام :
( 343 ) « من اتبع على ملىء فليتبع » أنه بمعنى أحيل . وقرىء : { شَنَآنُ } بالسكون . ونظيره في المصادر ( ليان ) والمعنى : لا يحملنكم بغضكم للمشركين على أن تتركوا العدل فتعتدوا عليهم بأن تنتصروا منهم وتتشفوا بما في قلوبكم من الضغائن بارتكاب ما لا يحل لكم من مثلة أو قذف أو قتل أولاد أو نساء أو نقض عهد أو ما أشبه ذلك { اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى } نهاهم أولاً أن تحملهم البغضاء على ترك العدل ، ثم استأنف فصرّح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً وتشديداً ، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله : { هُوَ أَقْرَبُ للتقوى } أي العدل أقرب إلى التقوى ، وأدخل في مناسبتها . أو أقرب إلى التقوى لكونه لطفاً فيها . وفيه تنبيه عظيم على أن وجود العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله إذا كان بهذه الصفة من القوة ، فما الظنّ بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه؟ { لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } بيان للوعد بعد تمام الكلام قبله ، كأنه قال : قدّم لهم وعداً فقيل : أي شيء وعده لهم؟ فقيل : لهم مغفرة وأجر عظيم . أو يكون على إرادة القول بمعنى وعدهم وقال لهم مغفرة . أو على إجراء وعد مجرى قال : لأنه ضرب من القول . أو يجعل واقعاً على الجملة التي هي لهم مغفرة ، كما وقع ( تركنا ) على قوله : { سلام على نُوحٍ } [ الصافات : 119 ] كأنه قيل : وعدهم هذا القول وإذا وعدهم من لا يخلف الميعاد هذا القول ، فقد وعدهم مضمونه من المغفرة والأجر العظيم . وهذا القول يتلقون به عند الموت ويوم القيامة ، فيسرون به ويستروحون إليه ويهوّن عليهم السكرات والأهوال قبل الوصول إلى الثواب .

(2/7)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)

روي :
( 344 ) أن المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر يصلون معاً ، وذلك بعسفان في غزوة ذي أنمار . فلما صلوا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم ، فقالوا : إنّ لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم ، يعنون صلاة العصر وهموا بأن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها . فنزل جبريل بصلاة الخوف . وروي :
( 345 ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني قريظة ومعه الشيخان وعليّ رضي الله عنهم يستقرضهم دية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ يحسبهما مشركين . فقالوا : نعم يا أبا القاسم ، اجلس حتى نطعمك ونقرضك ، فأجلسوه في صفة وهموا بالفتك به ، وعمد عمرو بن جحاش إلى رحا عظيمة يطرحها عليه ، فأمسك الله يده ونزل جبريل فأخبره ، فخرج . وقيل :
( 346 ) نزل منزلاً وتفرق الناس في العضاه يستظلون بها ، فعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة ، فجاء أعرابي فسلّ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل عليه فقال : من يمنعك مني؟ قال : الله ، قالها ثلاثاً ، فشام الأعرابي السيف فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه فأخبرهم ، وأبى أن يعاقبه . يقال : بسط إليه لسانه إذا شتمه ، وبسط إليه يده إذا بطش به « وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسوء » [ الممتحنة : 2 ] ومعنى ( بسط اليد ) مدّها إلى المبطوش به . ألا ترى إلى قولهم : فلان بسيط الباع ، ومديد الباع ، بمعنى { فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } فمنعها أن تمدّ إليكم .

(2/8)


وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)

لما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله بالمسير إلى أريحاء أرض الشام وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة ، وقال لهم : إني كتبتها لكم داراً قراراً ، فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها ، وإني ناصركم ، وأمر موسى عليه السلام بأن يأخذ من كل سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أمروا به توثقة عليهم ، فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل ، وتكفل لهم به النقباء وسار بهم ، فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون ، فرأوا أجراماً عظيمة وقوّة وشوكة فهابوا ورجعوا وحدّثوا قومهم وقد نهاهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم ، فنكثوا الميثاق ، إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا ، ويوشع بن نون من سبط أفراثيم بن يوسف ، وكانا من النقباء . والنقيب : الذي ينقب عن أحوال القوم ويفتش عنها ، كما قيل له : عريف ، لأنه يتعرفها { إِنّى مَعَكُمْ } أي ناصركم ومعينكم { وعزرتموهم } نصرتموهم من أيدي العدوّ . ومنه التعزير ، وهو التنكيل والمنع من معاودة الفساد . وقرىء بالتخفيف يقال : عزرت الرجل إذا حطته وكنفته . والتعزير والتأزير من واد واحد . ومنه : لأنصرنك نصراً مؤزراً ، أي قوياً . وقيل معناه : ولقد أخذنا ميثاقهم بالإيمان والتوحيد وبعثنا منهم اثني عشر ملكاً يقيمون فيهم العدل ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر . واللام في { لَئِنْ أَقَمْتُمُ } موطئة للقسم وفي { لأَكَفِّرَنَّ } جواب له ، وهذا الجواب سادّ مسدّ جواب القسم والشرط جميعاً { بَعْدَ ذَلِكَ } بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم . فإن قلت : من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضلّ سواء السبيل . قلت : أجل ، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم ، لأنّ الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة ، فإذازادت النعمة زاد قبح الكفر وتمادى { لعناهم } طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا . وقيل : مسخناهم . وقيل : ضربنا عليهم الجزية { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قاسية } خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى قست قلوبهم . أو أملينا لهم ولم نعاجلهم بالعقوبة حتى قست . وقرأ عبد الله : «قسيَّة» ، أي ردية مغشوشة ، من قولهم : درهم قسيّ وهو من القسوة؛ لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين والمغشوش فيه يبس وصلابة ، والقاسي والقاسح - بالحاء - أخوان في الدلالة على اليبس والصلابة وقرىء : «قسية» ، بكسر القاف للإتباع { يُحَرّفُونَ الكلم } بيان لقسوة قلوبهم ، لأنه لا قسوة أشدّ من الافتراء على الله وتغيير وحيه { وَنَسُواْ حَظَّا } وتركوا نصيباً جزيلاً وقسطاً وافياً { مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } من التوراة ، يعني أن تركهم وإعراضهم عن التوراة إغفال حظ عظيم ، أو قست قلوبهم وفسدت فحرّفوا التوراة وزالت أشياء منها عن حفظهم . وعن ابن مسعود رضي الله عنه : قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية . وتلا هذه الآية . وقيل : تركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته { وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ } أي هذه عادتهم وهجيراهم وكان عليها أسلافهم كانوا يخونون الرسل وهؤلاء يخونونك ينكثون عهودك ويظاهرون المشركين على حربك ويهمون بالفتك بك وأن يسموك { على خَائِنَةٍ } على خيانة ، أو على فعلة ذات خيانة ، أو على نفس ، أو فرقة خائنة .

(2/9)


ويقال : رجل خائنة ، كقولهم : رجل راوية للشعر للمبالغة . قال :
حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالْوَفَاءِ وَلَمْ تَكُن ... لِلْغَدْرِ خَائِنَةً مَضَلَّ الأُصْبُعِ
وقرىء على خيانة { مّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } وهم الذين آمنوا منهم { فاعف عَنْهُمْ } بعث على مخالفتهم . وقيل هو منسوخ بآية السيف . وقيل : فاعف عن مؤمنيهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم .

(2/10)


وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)

{ أَخَذْنَا ميثاقهم } أخذنا من النصارى ميثاق من ذكر قبلهم من قوم موسى ، أي مثل ميثاقهم بالإيمان بالله والرسل وبأفعال الخير ، وأخذنا من النصارى ميثاق أنفسهم بذلك . فإن قلت : فهلا قيل : من النصارى؟ قلت : لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله ، وهم الذين قالوا لعيسى : نحن أنصار الله ، ثم اختلفوا بعد : نسطورية ، ويعقوبية ، وملكانية . أنصاراً للشيطان { فَأَغْرَيْنَا } فألصقنا وألزمنا من غري بالشيء إذا لزمه ولصق به وأغراه غيره . ومنه الغراء الذي يلصق به { بَيْنَهُمْ } بين فرق النصارى المختلفين . وقيل : بينهم وبين اليهود . ونحوه { وكذلك نُوَلّى بَعْضَ الظالمين بَعْضاً } [ الأنعام : 129 ] ، { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } [ الأنعام : 69 ] .
{ يا أَهْلَ الكتاب } خطاب لليهود والنصارى { مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ } من نحو صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن نحو الرجم { وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } مما تخفونه لا يبينه إذا لم تضطر إليه مصلحة دينية ، ولم يكن فيه فائدة إلا اقتضاء حكم وصفته مما لا بدّ من بيانه ، وكذلك الرجم وما فيه إحياء شريعة وإماتة بدعة . وعن الحسن : ويعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه { قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ } يريد القرآن ، لكشفه ظلمات الشرك والشك ، لإبانته ما كان خافياً عن الناس من الحق . أو لأنّه ظاهر الإعجاز { مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ } من آمن به { سُبُلَ السلام } طرق السلامة والنجاة من عذاب الله أو سبل الله .

(2/11)


لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)

قولهم : { إِنَّ الله هُوَ المسيح } معناه بتّ القول ، على أن حقيقة الله هو المسيح لا غير . قيل : كان في النصارى قوم يقولون ذلك . وقيل : ما صرّحوا به ولكن مذهبهم يؤدي إليه ، حيث اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت ويدبر أمر العالم { فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً } فمن يمنع من قدرته ومشيئته شيئاً { إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ } من دعوه إلها من المسيح وأمّه دلالة على أن المسيح عبد مخلوق كسائر العباد . وأراد بعطف { مَن فِى الأرض } على ( المسيح وأمّه ) أنهما من جنسهم لا تفاوت بينهما وبينهم في البشرية { يَخْلُقُ مَا يَشَاء } أي يخلق من ذكر وأنثى ويخلق من أنثى من غير ذكر كما خلق عيسى ، ويخلق من غير ذكر وأنثى كما خلق آدم . أو يخلق ما يشاء كخلق الطير على يد عيسى معجزة له ، وكإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، وغير ذلك . فيجب أن ينسب إليه ولا ينسب إلى البشر المجرى على يده .

(2/12)


وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)

{ أبناؤا الله } أشياع ابني الله عزير والمسيح ، كما قيل لأشياع أبي خبيب وهو عبد الله بن الزبير ( الخبيبون ) وكما كان يقول رهط مسيلمة : نحن أنبياء الله . ويقول أقرباء الملك وذووه وحشمه : نحن الملوك . ولذلك قال مؤمن آل فرعون : لكم الملك اليوم { فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم } فإن صحّ أنكم أبناء الله وأحباؤه فلم تذنبون وتعذبون بذنوبكم فتمسخون وتمسكم النار أياماً معدودات على زعمكم . ولو كنتم أبناء الله ، لكنتم من جنس الأب ، غير فاعلين للقبائح ولا مستوجبين للعقاب . ولو كنتم أحباءهُ ، لما عصيتموه ولما عاقبكم { بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ } من جملة من خلق من البشر { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } وهم أهل الطاعة { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } وهم العصاة .

(2/13)


يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)

{ يُبَيّنُ لَكُمْ } إما أن يقدّر المبين وهو الدين والشرائع ، وحذفه لظهور ما ورد الرسول لتبيينه . أو يقدّر ما كنتم تخفون ، وحذفه لتقدّم ذكره . أو لا يقدر ويكون المعنى . يبذل لكم البيان ، ومحله النصب على الحال ، أي مبيناً لكم . { على فَتْرَةٍ } متعلق بجاءكم ، أي جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي { أَن تَقُولُواْ } كراهة أن تقولوا { فَقَدْ جَاءكُمُ } متعلق بمحذوف ، أي لا تعتذروا فقد جاءكم . وقيل : كان بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما خمسمائة وستون سنة . وقيل : ستمائة . وقيل : أربعمائة ونيف وستون . وعن الكلبي : كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبي وبين عيسى ومحمد صلوات الله عليهم أربعة أنبياء . ثلاث من بني إسرائيل ، وواحد من العرب : خالد بن سنان العبسي . والمعنى : الامتنان عليهم ، وأن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي أحوج ما يكون إليه ، ليهشوا إليه ويعدّوه أعظم نعمة من الله ، وفتح باب إلى الرحمة ، وتلزمهم الحجة فلا يعتلوا غداً بأنه لم يرسل إليهم من ينبههم عن غفلتهم .

(2/14)


وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)

{ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء } لأنه لم يبعث في أمّة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء { وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً } لأنه ملكهم بعد فرعون ملكه ، وبعد الجبابرة ملكهم : ولأنّ الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء . وقيل : كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله ، فسمِّي إنقاذهم ملكاً . وقيل : الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار . وقيل : من له بيت وخدم . وقيل : من له مال لا يحتاج معه إلى تكلّف الأعمال وتحمل المشاق { مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مّن العالمين } من فلق البحر ، وإغراق العدوّ ، وتظليل الغمام ، وإنزال المنّ والسلوى ، وغير ذلك من الأمور العظام ، وقيل : أراد عالمي زمانهم { الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ } يعني أرض بيت المقدس . وقيل : الطور وما حوله . وقيل : الشام . وقيل : فلسطين ودمشق وبعض الأردن . وقيل : سمَّاها الله لإبراهيم ميراثاً لولده حين رفع على الجبل ، فقيل له : انظر ، فلك ما أدرك بصرك ، وكان بيت المقدس قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين { كَتَبَ الله لَكُمْ } قسمها لكم وسماها ، أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم { وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم } ولا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبناً وهلعاً ، وقيل : لما حدثهم النقباء بحال الجبابرة رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا : ليتنا متنا بمصر . وقالوا : تعالوا نجعل علينا رأساً ينصرف بنا إلى مصر . ويجوز أن يراد : لا ترتدوا على أدباركم في دينكم بمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم : فترجعوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة . الجبار ( فعال ) من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد { قَالَ رَجُلاَنِ } هما كالب ويوشع { مِنَ الذين يَخَافُونَ } من الذين يخافون الله ويخشونه ، كأنه قيل : رجلان من المتقين . ويجوز أن تكون الواو لبني إسرائيل والراجع إلى الموصول محذوف تقديره : من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون ، وهما رجلان منهم { أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا } بالإيمان فآمنا ، قالا لهم : إن العمالقة أجسام لا قلوب فيها ، فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم يشجعانهم على قتالهم . وقراءة من قرأ : «يخافون» بالضم شاهدة له ، وكذلك أنعم الله عليهما ، كأنه قيل : من المخوفين . وقيل : هو من الإخافة ، ومعناه من الذين يخوفون من الله بالتذكرة والموعظة . أو يخوّفهم وعيد الله بالعقاب . فإن قلت : ما محل ( أنعم الله عليهما ) ؟ قلت : إن انتظم مع قوله : ( من الذين يخافون ) في حكم الوصف لرجلان فمرفوع ، وإن جعل كلاماً معترضاً فلا محلّ له . فإن قلت : من أين علما أنهم غالبون؟ قلت : من جهة إخبار موسى بذلك . وقوله تعالى : { كَتَبَ الله لَكُمْ } وقيل : من جهة غلبة الظن وما تبينا من عادة الله في نصرة رسله ، وما عهدا من صنع الله لموسى في قهر أعدائه ، وما عرفا من حال الجبابرة .

(2/15)


والباب : باب قريتهم { لَنْ نَّدْخُلَهَا } نفي لدخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس . و { أَبَدًا } تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول . و { مَّا دَامُواْ فِيهَا } بيان للأبد { فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ } يحتمل أن لا يقصدوا حقيقة الذهاب ، ولكن كما تقول : كلمته فدهب يجيبني ، تريد معنى الإرادة والقصد للجواب ، كأنهم قالوا : أريد قتالهم . والظاهر أنهم قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وقلة مبالاة بهما واستهزاء ، وقصدوا ذهابهما حقيقة بجهلهم وجفاهم وقسوة قلوبهم التي عبدوا بها العجل وسألوا بها رؤية الله عزّ وجلّ جهرة . والدليل عليه مقابلة ذهابهما بقعودهم ويحكى أنّ موسى وهارون عليهما السلام خرَّا لوجوههما قدَّامهم لشدة ما ورد عليهما ، فهموا برجمهما . ولأمر مّا قرن الله اليهود بالمشركين وقدمهم عليهم في قوله تعالى : { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ اليهود والذين أَشْرَكُواْ } [ المائدة : 82 ] .

(2/16)


قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)

لما عصوه وتمرّدوا عليه وخالفوه وقالوا ما قالوا من كلمة الكفر ولم يبق معه مطيع موافق يثق له إلا هارون { قَالَ رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ } لنصرة دينك { إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى } وهذا من البث والحزن والشكوى إلى الله والحسرة ورقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة ونحوه قول يعقوب عليه السلام { إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله } [ يوسف : 86 ] . وعن عليّ رضي الله عنه أنه كان يدعو الناس على منبر الكوفة إلى قتال البغاة ، فما أجابه إلا رجلان فتنفس الصعداء . ودعا لهما وقال : أين تقعان مما أريد؟ وذكر في إعراب ( أخي ) وجوه : أن يكون منصوباً عطفاً على نفسي أو على الضمير في ( إني ) بمعنى : ولا أملك إلا نفسي وإن أخي لا يملك إلا نفسه . ومرفوعا عطفاً على محل إن واسمها . كأنه قيل : أنا لا أملك إلا نفسي ، وهارون كذلك لا يملك إلا نفسه أو على الضمير في لا أملك . وجاز للفصل . مجروراً عطفاً على الضمير في نفسي ، وهو ضعيف لقبح العطف على ضمير المجرور إلا بتكرير الجار . فإن قلت : أما كان معه الرجلان المذكوران؟ قلت : كأنه لم يثق بهما كل الوثوق ولم يطمئن إلى ثباتهما ، لما ذاق على طول الزمان واتصال الصحبة من أحوال قومه وتلونهم وقسوة قلوبهم ، فلم يذكر إلا النبي المعصوم الذي لا شبهة في أمره ، ويجوز أن يقول ذلك لفرط ضجره عندما سمع منهم تقليلاً لمن يوافقه . ويجوز أن يريد : ومن يؤاخيني على ديني { فافرق } فافصل { بَيْنِنَا } وبينهم بأن تحكم لنا بما نستحق ، وتحكم عليهم بما يستحقون ، وهو في معنى الدعاء عليهم . ولذلك وصل به قوله : { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } على وجه التسبيب ، أو فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم كقوله : { وَنَجّنِى مِنَ القوم الظالمين } [ القصص : 21 ] { فَإِنَّهَا } فإن الأرض المقدسة { مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } لا يدخلونها ولا يملكونها ، فإن قلت : كيف يوفق بين هذا وبين قوله : { الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } [ المائدة : 21 ] ؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما : أن يراد كتبها لكم بشرط أن تجاهدوا أهلها فلمَّا أبوا الجهاد قيل : فإنها محرّمة عليهم . والثاني : أن يراد فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة ، فإذا مضت الأربعون كان من كتب ، فقد روي أن موسى سار بمن بقي من بني إسرائيل وكان يوشع على مقدمته ففتح أريحاء وأقام فيها ما شاء الله ثم قبض صلوات الله عليه . وقيل : لما مات موسى بعث يوشع نبياً ، فأخبرهم بأنه نبيّ الله ، وأن الله أمره بقتال الجبابرة ، فصدقوه وبايعوه وسار بهم إلى أريحاء وقتل الجبارين وأخرجهم ، وصار الشام كله لبني إسرائيل . وقيل : لم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال : { إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا } وهلكوا في التيه ونشأت نواشيء من ذرّياتهم فقاتلوا الجبارين ودخلوها والعامل في الظرف إما ( محرمة ) وإما ( يتيهون ) ومعنى { يَتِيهُونَ فِى الأرض } يسيرون فيها متحيرين لا يهتدون طريقاً .

(2/17)


والتيه : المفازة التي يتاه فيها . روى أنهم لبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ يسيرون كل يوم جادين ، حتى إذا سئموا وأمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا عنه ، وكان الغمام يظللهم من حرّ الشمس ، ويطلع لهم عمود من نور بالليل يضيء لهم ، وينزل عليهم المنّ والسلوى ، ولا تطول شعورهم ، وإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله . فإن قلت : فلم كان ينعم عليهم بتظليل الغمام وغيره ، وهم معاقبون؟ قلت : كما ينزل بعض النوازل على العصاة عركاً لهم ، وعليهم مع ذلك النعمة متظاهرة . ومثل ذلك مثل الوالد المشفق يضرب ولده ويؤذيه ليتأدب ويتثقف ولا يقطع عنه معروفه وإحسانه . فإن قلت : هل كان معهم في التيه موسى وهارون عليهما السَّلام؟ قلت : اختلف في ذلك ، فقيل لم يكونا معهم لأنه كان عقاباً ، وقد طلب موسى إلى ربه أن يفرق بينهما وبينهم . وقيل : كانا معهم إلا أنه كان ذلك روحاً لهما وسلامة ، ولا عقوبة ، كالنار لإبراهيم ، وملائكة العذاب . وروي أن هارون مات في التيه . ومات موسى بعده فيه بسنة . ودخل يوشع أريحاء بعد موته بثلاثة أشهر . ومات النقباء في التيه بغتة ، إلا كالب ويوشع { فَلاَ تَأْسَ } فلا تحزن عليهم لأنه ندم على الدعاء عليهم ، فقيل : إنهم أحقاء لفسقهم بالعذاب ، فلا تحزن ولا تندم .

(2/18)


وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)

هما ابنا آدم لصلبه قابيل وهابيل ، أوحى الله إلى آدم أن يزوّج كل واحد منهما توأمة الآخر ، وكانت توأمة قابيل أجمل واسمها ( إقليما ) فحسد عليها أخاه وسخط . فقال لهما آدم : قرّبا قرباناً ، فمن أيكما تقبل زوّجها ، فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته؛ فازداد قابيل حسداً وسخطاً ، وتوعده بالقتل . وقيل : هما رجلان من بني إسرائيل { بالحق } تلاوة متلبسة بالحق والصحة . أو اتله نبأ متلبساً بالصدق موافقاً لما في كتب الأوّلين . أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد؛ لأن المشركين وأهل الكتاب كلهم كانوا يحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبغون عليه . أو اتل عليهم وأنت محق صادق . و { إِذْ قَرَّبَا } نصب بالنبأ أي قصتهم وحديثهم في ذلك الوقت ، ويجوز أن يكون بدلاً من النبأ ، أي اتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت ، على تقدير حذف المضاف . والقربان : اسم ما يتقرّب به إلى الله من نسيكة أو صدقة ، كما أنّ الحلوان اسم ما يحلّى أي يعطى . يقال : قرّب صدقة وتقرّب بها ، لأن تقرّب مطاوع قرب : قال الأصمعي : تقرّبوا قرف القمع فيعدى بالباء حتى يكون بمعنى قرب . فإن قلت : كيف كان قوله : { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين } جواباً لقوله : { لأَقْتُلَنَّكَ } ؟ قلت : لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له : إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى ، لا من قبلي ، فلم تقتلني؟ ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول؟ فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان . وفيه دليل على أنّ الله تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق ، فما أنعاه على أكثر العاملين أعمالهم . وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له : ما يبكيك فقد كنت وكنت؟ قال إني أسمع الله يقول : { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين } . { مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ } قيل : كان أقوى من القاتل وأبطش منه ، ولكنه تحرّج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله؛ لأنّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت . قاله مجاهد وغيره { إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ } أن تحتمل إثم قتلي لك لو قتلتك وإثم قتلك لي . فإن قلت : كيف يحمل إثم قتله له ولا تزر وازرة وزر أخرى؟ قلت : المراد بمثل إثمي على الاتساع في الكلام ، كما تقول : قرأت قراءة فلان ، وكتبت كتابته ، تريد المثل وهو اتساع فاش مستفيض لا يكاد يستعمل غيره . ونحوه قوله عليه الصلاة والسلام :
( 347 ) « المستبان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم »

(2/19)


على أنّ البادي عليه إثم سبه ، ومثل إثم سب صاحبه؛ لأنه كان سبباً فيه ، إلا أن الإثم محطوط عن صاحبه معفوّ عنه ، لأنه مكافىء مدافع عن عرضه . ألا ترى إلى قوله : ( ما لم يعتد المظلوم ) لأنه إذا خرج من حدّ المكافأة واعتدى لم يسلم . فإن قلت : فحين كف هابيل عن قتل أخيه واستسلم وتحرج عما كان محظوراً في شريعته من الدفع ، فأين الإثم حتى يتحمل أخوه مثله فيجتمع عليه الإثمان؟ قلت : هو مقدّر فهو يتحمل مثل الإثم المقدّر ، كأنه قال : إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت يدي إليك . وقيل : ( بإثمي ) بإثم قتلي ( وإثمك ) الذي من أجله لم يتقبل قربانك فإن قلت : فكيف جاز أن يريد شقاوة أخيه وتعذيبه النار؟ قلت : كان ظالماً وجزاء الظالم حسن جائز أن يراد . ألا ترى إلى قوله تعالى : { وَذَلِكَ جَزَاء الظالمين } وإذا جاز أن يريده الله ، جاز أن يريده العبد؛ لأنه لا يريد إلا ما هو حسن . والمراد بالإثم وبال القتل وما يجره من استحقاق العقاب ، فإن قلت : لم جاء الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل وهو قوله : { لَئِن بَسَطتَ . . . . مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ } ؟ قلت : ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع . ولذلك أكده بالباء المؤكدة للنفي ، { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ } فوسعته له ويسرته ، من طاع له المرتع : إذا اتسع . وقرأ الحسن : «فطاوعت» . وفيه وجهان : أن يكون مما جاء من فاعل بمعنى فعل ، وأن يراد أنّ قتل أخيه كأنه دعا نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع ، وله لزيادة الربط كقولك : حفظت لزيد ماله . وقيل : قتل وهو ابن عشرين سنة ، وكان قتله عند عقبة حراء ، وقيل : بالبصرة في موضع المسجد الأعظم { فَبَعَثَ الله غُرَاباً } روي : أنه أوّل قتيل قتل على وجه الأرض من بني آدم . ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به ، فخاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح وعكفت عليه السباع ، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر ، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة { قَالَ ياويلتا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب } ويروى أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض ، فسأله آدم عن أخيه فقال : ما كنت عليه وكيلاً ، فقال : بل قتلته ولذلك اسودِّ جسدك . وروي أن آدم مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك وأنه رثاه بشعر ، وهو كذب بحت ، وما الشعر إلا منحول ملحون . وقد صحّ أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر . { لِيُرِيَهُ } ليريه الله . أو ليريه الغراب ، أي ليعلمه؛ لأنه لما كان سبب تعليمه ، فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز { سَوْءَةَ أَخِيهِ } عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من جسده .

(2/20)


والسوأة : الفضيحة لقبحها . قال :
يَا لَقَوْمِ لِلسَّوْأةِ السَّوْآء ... أي للفضيحة العظيمة فكنى بها عنها { فَأُوَارِيَ } بالنصب على جواب الاستفهام . وقرىء بالسكون على : فأنا أواري . أو على التسكين في موضع النصب للتخفيف { مِنَ النادمين } على قتله ، لما تعب فيه من حمله وتحيره في أمره ، وتبين له من عجزه ، وتلمذه للغراب ، واسوداد لونه وسخط أبيه ، ولم يندم ندم التائبين { مِنْ أَجْلِ ذلك } بسبب ذلك وبعلته . وقيل : أصله من أجل شرا إذا جناه يأجله أجلاً . ومنه قوله :
وَأَهِل خِبَاءٍ صَالِحٍ ذَاتُ بَيْنِهِم ... قَدِ احْتَرَبُوا في عَاجِلٍ أَنَا آجِلُهْ
كأنك إذا قلت : من أجلك فعلت كذا ، أردت من أن جنيت فعلته وأوجبته ، ويدل عليه قولهم : من جراك فعلته ، أي من أن جررته بمعنى جنيته . وذلك إشارة إلى القتل المذكور ، أي من أن جنى ذلك القتل الكتب وجرّه { كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل } و ( من ) لابتداء الغاية ، أي ابتدأ الكتب و نشأ من أجل ذلك . ويقال : فعلت كذا لأجل كذا . وقد يقال : أجل كذا ، بحذف الجار وإيصال الفعل قال : أجل إنّ الله قد فضلكم . وقرىء : «من اجل ذلك» ، بحذف الهمزة وفتح النون لإلقاء حركتها عليها . وقرأ أبو جعفر : «من إجل ذلك» ، بكسر الهمزة وهي لغة فإذا خفف كسر النون ملقياً لكسرة الهمزة عليها { بِغَيْرِ نَفْسٍ } بغير قتل نفس ، لا على وجه الاقتصاص { أَوْ فَسَادٍ } عطف على نفس بمعنى أو بغير فساد { فِى الأرض } وهو الشرك . وقيل : قطع الطريق { وَمَنْ أحياها } ومن استنقذها من بعض أسباب الهلكة قتل أو غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك . فإن قلت : كيف شبه الواحد بالجميع وجعل حكمه كحكمهم؟ قلت : لأن كل إنسان يدلي بما يدلي به الآخر من الكرامة على الله وثبوت الحرمة ، فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته وعلى العكس ، فلا فرق إذاً بين الواحد والجميع في ذلك . فإن قلت : فما الفائدة في ذكر ذلك؟ قلت : تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ليشمئز الناس عن الجسارة عليها ، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها؛ لأنّ المتعرض لقتل النفس إذا تصوّر قتلها بصورة قتل الناس جميعاً عظم ذلك عليه فثبطه ، وكذلك الذي أراد إحياءها . وعن مجاهد : قاتل النفس جزاؤه جهنم ، وغضب الله ، والعذاب العظيم . ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك . وعن الحسن : يا ابن آدم ، أرأيت لو قتلت الناس جميعاً أكنت تطمع أن يكون لك عمل يوازي ذلك فيغفر لك به؟ كلا إنه شيء سوَّلته لك نفسك والشيطان ، فكذلك إذا قتلت واحداً { بَعْدَ ذَلِكَ } بعدما كتبنا عليهم وبعد مجيء الرسل بالآيات { لَمُسْرِفُونَ } يعني في القتل لا يبالون بعظمته .

(2/21)


إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)

{ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ } يحاربون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومحاربة المسلمين في حكم محاربته { وَيَسْعَوْنَ فِى الأرض فَسَاداً } مفسدين ، أو لأنّ سعيهم في الأرض لما كان على طريق الفساد نزل منزلة : ويفسدون في الأرض فانتصب فساداً . على المعنى ، ويجوز أن يكون مفعولاً له ، أي الفساد . نزلت في قوم هلال بن عويمر وكان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وقد مرّ بهم قوم يريدون رسول الله فقطعوا عليهم . وقيل : في العرنيين ، فأوحى إليه أنّ من جمع بين القتل وأخذ المال قتل وصلب ومن أفرد القتل قتل . ومن أفرد أخذ المال قطعت يده لأخذ المال ، ورجله لإخافة السبيل . ومن أفرد الإخافة نفي من الأرض . وقيل : هذا حكم كل قاطع طريق كافراً كان أو مسلماً . ومعناه { أَن يُقَتَّلُواْ } من غير صلب ، إن أفردوا القتل { أَوْ يُصَلَّبُواْ } مع القتل إن جمعوا بين القتل والأخذ . قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله ، يصلب حياً ، ويطعن حتى يموت { أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خلاف } إن أخذوا المال { أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض } إذا لم يزيدوا على الإخافة . وعن جماعة منهم الحسن والنخعي : أن الإمام مخير بين هذه العقوبات في كلّ قاطع طريق من غير تفصيل . والنفي : الحبس عند أبي حنيفة ، وعند الشافعي : النفي من بلد إلى بلد ، لا يزال يطلب وهو هارب فزعاً ، وقيل : ينفى من بلده ، وكانوا ينفونهم إلى ( دهلك ) وهو بلد في أقصى تهامة ، و ( ناصع ) وهو بلد من بلاد الحبشة { خِزْىٌ } ذلّ وفضيحة { إِلاَّ الذين تَابُواْ } استثناء من المعاقبين عقاب قطع الطريق خاصة . وأما حكم القتل والجراح وأخذ المال فإلى الأولياء ، إن شاؤا عفواً ، وإن شاؤا استوفوا . وعن عليّ رضي الله عنه : أن الحرث بن بدر جاءه تائباً بعدما كان يقطع الطريق ، فقبل توبته ودرأ عنه العقوبة .

(2/22)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)

الوسيلة : كل ما يتوسل به أي يتقرّب من قرابة أو صنيعة أو غير ذلك ، فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المعاصي . وأنشد للبيد :
أَرَى النَّاسَ لاَ يَدْرُونَ مَا قَدْرُ أَمْرِهِم ... أَلاَ كُلُّ ذِي لُبٍّ إلَى اللَّهِ وَاسِلُ

(2/23)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37)

{ لِيَفْتَدُواْ بِهِ } ليجعلوه فدية لأنفسهم . وهذا تمثيل للزوم العذاب لهم ، وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجه . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 348 ) " يقال للكافر يوم القيامة : أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به ، فيقول : نعم ، فيقال له : قد سئلت أيسر من ذلك " و ( لو ) مع ما في حيزه خبر ( أن ) . فإن قلت : لم وحد الراجع في قوله : { لِيَفْتَدُواْ بِهِ } وقد ذكر شيئان؟ قلت : نحو قوله :
فَإنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ ... أو على إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة ، كأنه قيل : ليفتدوا بذلك . ويجوز أن يكون الواو في ( مثله ) بمعنى ( مع ) فيتوحد المرجوع إليه . فإن قلت : فبم ينصب المفعول معه؟ قلت : بما يستدعيه ( لو ) من الفعل ، لأن التقدير : لو ثبت أن لهم ما في الأرض . قرأ أبو واقد «أن يُخرجوا» بضم الياء من أخرج . ويشهد لقراءة العامّة قوله : ( بخارجين ) . وما يروى عن عكرمة أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس : يا أعمى البصر أعمى القلب تزعم أن قوماً يخرجون من النار ، وقد قال الله تعالى : { وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا } فقال : ويحك ، اقرأ ما فوقها . هذا للكفار . فما لفقته المجبرة وليس بأول تكاذيبهم وفراهم . وكفاك بما فيه من مواجهة ابن الأزرق ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهر أعضاده من قريش وأنضاده من بني عبد المطلب وهو حبر الأمّة وبحرها ومفسرها ، بالخطاب الذي لا يجسر على مثله أحد من أهل الدنيا ، وبرفعه إلى عكرمة دليلين ناصين أن الحديث فرية ما فيها مرية .

(2/24)


وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)

{ والسارق والسارقة } رفعهما على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه ، كأنه قيل : وفيما فرض عليكم السارق والسارقة أي حكمهما . ووجه آخر وهو أن يرتفعا بالابتداء ، والخبر { فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا } ودخول الفاء لتضمنهما معنى الشرط ، لأن المعنى : والذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما ، والاسم الموصول يضمن معنى الشرط . وقرأ عيسى بن عمر بالنصب ، وفضلها سيبويه على قراءة العامّة لأجل الأمر لأنّ ( زيداً فاضربه ) أحسن من ( زيد فاضربه ) { أَيْدِيَهُمَا } يديهما ، ونحوه : { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [ التحريم : 4 ] اكتفى بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف . وأريد باليدين اليمينان ، بدليل قراءة عبد الله : «والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم» ، والسارق في الشريعة : من سرق من الحرز : والمقطع . الرسغ . وعند الخوارج : المنكب . والمقدار الذي يجب به القطع عشرة دراهم عند أبي حنيفة ، وعند مالك والشافعي رحمهما الله ربع دينار . وعن الحسن درهم وفي مواعظه : احذر من قطع يدك في درهم { جَزَاء } و { نكالا } مفعول لهما { فَمَن تَابَ } من السرّاق { مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ } من بعد سرقته { وَأَصْلَحَ } أمره بالتفصي عن التبعات { فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ } ويسقط عنه عقاب الآخرة . وأمّا القطع فلا تسقطه التوبة عند أبي حنيفة وأصحابه وعند الشافعي في أحد قوليه تسقطه ( مَن يَشَآءُ ) من يجب في الحكمة تعذيبه والمغفرة له من المصرين والتائبين . وقيل : يسقط حدّ الحربي إذا سرق بالتوبة ، ليكون أدعى له إلى الإسلام وأبعد من التنفير عنه ، ولا يسقطه عن المسلم : لأنّ في إقامته الصلاح للمؤمنين والحياة { وَلَكُمْ فِي القصاص حياة } [ البقرة : 179 ] . فإن قلت : لم قدّم التعذيب على المغفرة؟ قلت : لأنه قوبل بذلك تقدم السرقة على التوبة .

(2/25)


يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)

قرىء «لا يحزنك» بضم الياء . ويسرعون . والمعنى : لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين { فِى الكفر } أي في إظهاره بما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام ومن موالاة المشركين ، فإني ناصرك عليهم وكافيك شرّهم . يقال : أسرع فيه الشيب . وأسرع فيه الفساد ، بمعنى : وقع فيه سريعاً ، فكذلك مسارعتهم في الكفر ووقوعهم وتهافتهم فيه ، أسرع شيء إذا وجدوا فرصة لم يخطئوها . و { ءَامَنَّا } مفعول قالوا . و { بأفواههم } متعلق بقالوا لا بآمَنَّا { وَمِنَ الذين هِادُواْ } منقطع مما قبله خبر لسماعون ، أي : ومن اليهود قوم سماعون . ويجوز أن يعطف على { من الذين قالوا } ويرتفع سماعون على : هم سماعون . والضمير للفريقين . أو للذين هادوا . ومعنى { سماعون لِلْكَذِبِ } قابلون لما يفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على الله وتحريف كتابه من قولك الملك يسمع كلام فلان . ومنه ( سمع الله لمن حمده ) { سماعون لِقَوْمٍ ءاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ } يعني اليهود الذين لم يصلوا إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجافوا عنه لما أفرط فيهم من شدّة البغضاء وتبالغ من العداوة ، أي قابلون من الأحبار ومن أولئك المفرطين في العداوة الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك . وقيل : سماعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكذبوا عليه بأن يمسخوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير ، سماعون من رسول الله لأجل قوم آخرين من اليهود وجهوهم عيوناً ليبلغوهم ما سمعوا منه . وقيل : السَّمَّاعون : بنو قريظة . والقوم الآخرون : يهود خيبر { يُحَرّفُونَ الكلم } يميلونه ويزيلونه { عَن مواضعه } التي وضعه الله تعالى فيها ، فيهملونه بغير مواضع بعد أن كان ذا مواضع { إِنْ أُوتِيتُمْ هذا } المحرف المزال عن مواضعه { فَخُذُوهُ } واعلموا أنه الحق واعملوا به { وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ } وأفتاكم محمد بخلافه { فاحذروا } وإياكم وإياه فهو الباطل والضلال . وروي :
( 349 ) أن شريفاً من خيبر زنى بشريفة وهما محصنان وحّدهما الرجم في التوراة ، فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطاً منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وقالوا : إن أمركم محمد بالجلد والتحميم فاقبلوا وإن يأمركم بالرجم فلا تقبلوا ، وأرسلوا الزانيين معهم ، فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ، فقال : " هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له : ابن صوريا " ؟ قالوا : نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض ورضوا به حكماً . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه ، هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟ "

(2/26)


قال : نعم ، فوثب عليه سفلة اليهود ، فقال : خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب . ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب مسجده { وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ } تركه مفتوناً وخذلانه { فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً } فلن تستطيع له من لطف الله وتوفيقه شيئاً { أُوْلَئِكَ الذين لَمْ يُرِدِ الله } أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم؛ لأنهم ليسوا من أهلها ، لعلمه أنها لا تنفع فيهم ولا تنجع { إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله لاَ يَهْدِيهِمُ الله } [ النحل : 104 ] ، { كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم } [ آل عمران : 86 ] .

(2/27)


سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)

{ السحت } كل ما لا يحل كسبه ، وهو من - سحته - إذا استأصله لأنه مسحوت البركة كما قال تعالى : { يَمْحَقُ الله الربا } [ البقرة : 276 ] والربا باب منه . وقرىء : «السحت» بالتخفيف والتثقيل . والسحت بفتح السين على لفظ المصدر من سحته . «والسحت» ، بفتحتين . «والسحت» ، بكسر السين . وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام . وعن الحسن : كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه أحدهم برشوة جعلها في كمه فأراها إياه وتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه ، فيأكل الرشوة ويسمع الكذب . وحكى أن عاملاً قدم من عمله فجاءه قومه ، فقدم إليهم العراضة وجعل يحدثهم بما جرى له في عمله ، فقال أعرابي من القوم : نحن كما قال الله تعالى : { سماعون لِلْكَذِبِ أكالون لِلسُّحْتِ } وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 350 ) " كل لحم أَنبته السحت فالنار أولى به " قيل : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيراً - إذا تحاكم إليه أهل الكتاب - بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم . وعن عطاء والنخعي والشعبي : أنهم إذا ارتفعوا إلى حكام المسلمين ، فإن شاءوا حكموا وإن شاءوا أعرضوا . وقيل : هو منسوخ بقوله : { وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله } وعند أبي حنيفة رحمه الله : إن احتكموا إلينا حملوا على حكم الإسلام ، وإن زنى منهم رجل بمسلمة أو سرق من مسلم شيئاً أقيم عليه الحدّ . وأما أهل الحجاز فإنهم لا يرون إقامة الحدود عليهم ، يذهبون إلى أنهم قد صولحوا على شركهم وهو أعظم من الحدود . ويقولون : إنّ النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين قبل نزول الجزية { فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً } لأنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأيسر والأهون عليهم ، كالجلد مكان الرجم . فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم ، شقّ عليهم وتكرهوا إعراضه عنهم وكانوا خلقاء بأن يعادوه ويضاروه ، فأمن الله سربه { بالقسط } بالعدل والاحتياط كما حكم بالرجم { وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ } تعجيب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه ، مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذي يدّعون الإِيمان به { ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذلك } ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم لا يرضون به { وَمَا أُوْلَئِكَ بالمؤمنين } بكتابهم كما يدّعون . أو وما أولئك بالكاملين في الإيمان على سبل التهكم بهم . فإن قلت : { فِيهَا حُكْمُ الله } ما موضعه من الإعراب؟ قلت : إمّا أن ينتصب حالاً من التوراة وهي مبتدأ خبره عندهم وإمّا أن يرتفع خبراً عنها كقولك : وعندهم في التوراة ناطقة بحكم الله وإمّا أن لا يكون له محل وتكون جملة مبنية ، لأنّ عندهم ما يغنيهم عن التحكيم ، كما تقول : عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب ، فما تصنع بغيره؟ فإن قلت : لم أنثت التوراة؟ قلت : لكونها نظيرة لموماة ودوداة ونحوها في كلام العرب . فإن قلت : علام عطف ثم يتولون؟ قلت : على يحكمونك .

(2/28)


إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)

{ فِيهَا هُدًى } يهدي للحق والعدل { وَنُورٌ } يبين ما استبهم من الأحكام { الذين أَسْلَمُواْ } صفة أجريت على النبيين على سبيل المدح ، كالصفات الجارية على القديم سبحانه لا للتفصلة والتوضيح ، وأريد بإجرائها التعريض باليهود ، وأنهم بعداء من ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم في القديم والحديث ، وأنّ اليهودية بمعزل منها . وقوله : { الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ } مناد على ذلك { والربانيون والأحبار } والزهاد والعلماء من ولد هارون ، الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود { بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله } بما سألهم أنبياؤهم حفظه من التوراة ، أي بسبب سؤال أنبيائهم إياهم أن يحفظوه من التغيير والتبديل ، و ( من ) في ( من كتاب الله ) للتبيين { وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء } رقباء لئلا يبدل . والمعنى يحكم بأحكام التوراة النبييون - بين موسى وعيسى وكان بينهماألف بني وعيسى - للذين هادوا يحملونهم على أحكام التوراة لا يتركونهم أن يعدلوا عنها ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حملهم على حكم الرجم وإرغام أنوفهم ، وإبائه عليهم ما اشتهوه من الجلد . وكذلك حكم الربانيون والأحبار والمسلمون بسبب ما استحفظهم أنبياؤهم من كتاب الله والقضاء بأحكامه ، وبسبب كونهم عليه شهداء . ويجوز أن يكون الضمير في ( استحفظوا ) للأنبياء والربانيين والأحبار جميعاً ويكون الاستحفاظ من الله ، أي كلفهم الله حفظه وأن يكونوا عليه شهداء { فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس } نهي للحكام عن خشيتهم غير الله في حكوماتهم وإدهانهم فيها وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل لخشية سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد من القرباء والأصدقاء { وَلاَ تَشْتَرُواْ } ولا تستبدلوا ولا تستعيضوا { بآياتي } وأحكامه { ثَمَناً قَلِيلاً } وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس ، كما حرّف أحبار اليهود كتاب الله وغيروا أحكامه رغبة في الدنيا وطلباً للرياسة فهلكوا { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله } مستهيناً به { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون } والظالمون والفاسقون : وصف لهم بالعتوّ في كفرهم حين ظلموا آيات الله بالاستهانة . وتمرّدوا بأن حكموا بغيرها . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنّ الكافرين والظالمين والفاسقين : أهل الكتاب . وعنه : نعم القوم أنتم ، ما كان من حلو فلكم ، ومن كان من مرة فهو لأهل الكتاب ، من جحد حكم الله كفر ، ومن لم يحكم به وهو مقرّ فهو ظالم فاسق . وعن الشعبي : هذه في أهل الإسلام والظالمون في اليهود ، والفاسقون في النصارى . وعن ابن مسعود : هو عام في اليهود وغيرهم . وعن حذيفة : أنتم أشبه الأمم سمتاً ببني إسرائيل : لتركبن طريقهم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة ، غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟ .

(2/29)


وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)

في مصحف أبيّ : ( وأنزل الله على بني إسرائيل فيها ) : وفيه : ( وأن الجروح قصاص ) . والمعطوفات كلها قرئت منصوبة ومرفوعة ، والرفع للعطف على محل أن النفس ، لأن المعنى وكتبنا عليهم النفس بالنفس ، إما لإجراء كتبنا مجرى قلنا ، وإما لأنّ معنى الجملة التي هي قولك النفس بالنفس مما يقع عليه الكتاب كما تقع عليه القراءة . تقول : كتبت الحمد لله ، وقرأ سورة أنزلناها . ولذلك قال الزجاج : لو قرىء : إن النفس بالنفس ، بالكسر؛ لكان صحيحاً . أو للاستئناف . والمعنى : فرضنا عليهم فيها { أَنَّ النفس } مأخوذة { بالنفس } مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق { و } كذلك { العين } مفقوءة { بالعين والأنف } مجدوع { بالأنف والأذن } مصلومة { بالاذن والسن } مقلوعة { بالسن والجروح قِصَاصٌ } ذات قصاص ، وهو المقاصة ، ومعناه : ما يمكن فيه القصاص وتعرف المساواة . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت : { فَمَن تَصَدَّقَ } من أصحاب الحق { بِهِ } بالقصاص وعفا عنه { فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } فالتصدق به كفارة للمتصدق يكفر الله من سيآته ما تقتضيه الموازنة كسائر طاعاته ، وعن عبد الله بم عمرو يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به ، وقيل : فهو كفارة للجاني ، إذا تجاوز عنه صاحب الحق سقط عنه ما لزمه ، وفي قراءة أبيّ : فهو كفارته له يعني فالمتصدق كفارته له أي الكفارة التي يستحقها له لا ينقص منها ، وهو تعظيم لما فعل ، كقوله تعالى { فَأَجْرُهُ عَلَى الله } [ الشورى : 40 ] وترغيب في العفو .

(2/30)


وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)

قفيته مثل عقبته ، إذا اتبعته ثم يقال قفيته بفلان وعقبته به ، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء ، فإن قلت : فأين المفعول الأول في الآية؟ قلت : هو محذوف والظرف الذي هو { على ءاثارهم } كالسَّادِّ مسدّه؛ لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه ، والضمير في آثارهم للنبيين في قوله : { يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ } . وقرأ الحسن : ( الأَنجيل ) بفتح الهمزة؛ فإن صحّ عنه فلأنه أعجمي خرج لعجمته عن زِناتِ العربية ، كما خرج هابيل وآجر { وَمُصَدّقًا } عطف على محل { فِيهِ هُدًى } ومحله النصب على الحال { وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ } يجوز أن ينتصبا على الحال . كقوله : { مُصَدّقاً } وأن ينتصبا مفعولاً لهما ، كقوله : { وَلْيَحْكُمْ } كأنه قيل . وللهدى والموعظة آتيناه الإنجيل ، وللحكم بما أنزل الله فيه من الأحكام . فإن قلت : فإن نظمت { هُدًى وَمَوْعِظَةً } في سلك مصدقاً ، فما تصنع بقوله ( وليحكم ) قلت : اصنع به ما صنعت بهدى وموعظة حين جعلتهما مفعولاً لهما ، فأقدّر : وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله آتيناه إياه . وقرىء : «وَلْيحكُمْ» على لفظ الأمر بمعنى : وقلنا ليحكم . وروي في قراءة أبيّ : «وأن ليحكم» ، بزيادة ( أن ) مع الأمر على أنّ ( أن ) موصولة بالأمر ، كقولك : أمرته بأن قم كأنه قيل : وآتيناه الأنجيل وأمرنا بأن يحكم أهل الإنجيل . وقيل : إن عيسى عليه السلام كان متعبداً بما في التوراة من الأحكام؛ لأن الإنجيل مواعظ وزواجر والأحكام فيه قليلة . وظاهر قوله : { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ } يردّ ذلك ، وكذلك قوله : { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا } [ المائدة : 48 ] وإن ساغ لقائل أن يقول : معناه : وليحكموا بما أنزل الله فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة .

(2/31)


وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)

فإن قلت : أي فرق بين التعريفين في قوله : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب } وقوله : { لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب } ؟ قلت : الأول : تعريف العهد ، لأنه عنى به القرآن . والثاني : تعريف الجنس ، لأنه عنى به جنس الكتب المنزلة : ويجوز أن يقال : هو للعهد؛ لأنه لم يرد به ما يقع عليه اسم الكتاب على الإطلاق ، وإنما أريد نوع معلوم منه ، وهو ما أنزل من السماء سوى القرآن { وَمُهَيْمِناً } ورقيباً على سائر الكتب؛ لأنه يشهد لها بالصحة والثبات . وقرىء : «مهيمناً عليه» بفتح الميم ، أي هو من عليه بأن حفظ من التغيير والتبديل ، كما قال : { لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } [ فصلت : 42 ] والذي هيمن الله عليه عزّ وجلّ أو الحفاظ في كل بلد ، لو حُرِّف حَرْف منه أو حركة أو سكون لتنبه عليه كل أحد ، ولا شمأزوا رادّين ومنكرين . ضمن { لاَ تَتَّبِعُواْ } معنى ولا تنحرف؛ فلذلك عدّي بعن كأنه قيل : ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ } أيها الناس { شِرْعَةً } شريعة . وقرأ يحيى بن وثاب بفتح الشين { ومنهاجا } وطريقا واضحاً في الدين تجرون عليه . وقيل : هذا دليل على أنَّا غير متعبدين بشرائع من قبلنا { لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة } جماعة متفقة على شريعة واحدة ، أو ذوي أمّة واحدة أي دين واحد لا اختلاف فيه { ولكن } أراد { لِيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءاتاكم } من الشرائع المختلفة ، هل تعملون بها مذعنين معتقدين أنها مصالح قد اختلفت على حسب الأحوال والأوقات ، معترفين بأن الله لم يقصد باختلافها إلا ما اقتضته الحكمة؟ أم تتبعون الشبه وتفرطون في العمل؟ { فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } فابتدروها وتسابقوا نحوها { إلى الله مَرْجِعُكُمْ } استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات { فَيُنَبّئُكُمْ } فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم ، وعاملكم ومفرطكم في العمل .

(2/32)


وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)

فإن قلت : { وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ } معطوف على ماذا؟ قلت : على ( الكتاب ) في قوله : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب } كأنه قيل : وأنزلنا إليك أن احكم على أنّ ( أن ) وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال : ويجوز أن يكون معطوفاً على ( بالحق ) أي أنزلناه بالحق وبأن احكم { أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ } أن يضلوك عنه ويستزلوك : وذلك :
( 351 ) أن كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس من أحبار اليهود قالوا : اذهبوا بنا إلى محمد نفتنه عن دينه ، فقالوا : يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود ، وأنا إن اتبعناك اتبعتنا اليهود كلهم ولم يخالفونا ، وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم ، ونحن نؤمن بك ونصدّقك ، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت { فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الحكم بما أنزل الله إليك وأرادوا غيره { فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } يعني بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه ، فوضع { بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } موضع ذلك وأرادأنّ لهم ذنوباً جمة كثيرة العدد ، وأنّ هذا الذنب مع عظمه بعضها وواحد منها ، وهذا الإبهام لتعظيم التولي واستسرافهم في ارتكابه . ونحو البعض في هذا الكلام ما في قول لبيد :
أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا ... أراد نفسه : وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام ، كأنه قال : نفساً كبيرة ، ونفساً أيّ نفس ، فكما أن التنكير يعطي معنى التكبير وهو معنى البعضية ، فكذلك إذا صرح بالبعض { لفَاَسِقُونَ } لمتمرّدون في الكفر معتدون فيه ، يعني أنّ التولي عن حكم الله من التمرّد العظيم والاعتداء في الكفر .

(2/33)


أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)

{ أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ } فيه وجهان ، أحدهما : أنّ قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى : وروي : ( ( 352 أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : «القتلى بواء» فقال بنو النضير : نحن لا نرضى بذلك فنزلت : والثاني : أن يكون تعبيراً لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم ، وهم يبغون حكم الملة الجاهلية التي هي هوى وجهل ، لا تصدر عن كتاب ولا ترجع إلى وحي من الله تعالى : وعن الحسن : هو عامّ في كل من يبغي غير حكم الله : والحكم حكمان : حكم بعلم فهو حكم الله ، وحكم بجهل فهو حكم الشيطان . وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض ، فقرأ هذه الآية : وقرىء : «تبغون» ، بالتاء والياء : وقرأ السلمي : «أفحكمُ الجاهلية يبغون» ، برفع الحكم على الابتداء ، وإيقاع يبغون خبراً وإسقاط الراجع عنه كإسقاطه عن الصلة في { أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولاً } [ الفرقان : 31 ] وعن الصفة في : الناس رجلان : رجل أهنت ، ورجل أكرمت . وعن الحال في ( مررت بهند يضرب زيد ) وقرأ قتادة : { أَفَحُكْمَ الجاهلية } على أنّ هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به أفعى نجران ، أو نظيره من حكام الجاهلية ، فأرادوا بسفههم أن يكون محمد خاتم النبيين حكماً كأولئك الحكام . اللام في قوله : { لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } للبيان كاللام في ( هيت لك ) أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون ، فإنهم الذين يتيقنون أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكماً منه .

(2/34)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53)

لا تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتصافونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين . ثم علل النهي بقوله : { بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } أي إنما يوالي بعضهم بعضاً لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر ، فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ } من جملتهم وحكمه حكمهم . وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 353 ) " لا تراءى ناراهما " ومنه قول عمر رضي الله عنه لأبي موسى في كاتبه النصراني : لا تكرموهم إذ أهانهم الله ، ولا تأمنوهم إذ خوّنهم الله ، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله : وروي : أنه قال له أبو موسى : لا قوام للبصرة إلا به ، فقال : مات النصراني والسلام ، يعني هب أنه قد مات ، فما كنت تكون صانعاً حينئذ فاصنعه الساعة ، واستغن عنه بغيره { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } يعني الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفر يمنعهم الله ألطافه ويخذلهم مقتاً لهم { يسارعون فِيهِمْ } ينكمشون في موالاتهم ويرغبون فيها ويعتذرون بأنهم لا يأمنون أن تصيبهم دائرة من دوائر الزمان ، أي صرف من صروفه ودولة من دوله ، فيحتاجون إليهم وإلى معونتهم ، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه
( 354 ) أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنّ لي من موالي من يهود كثيراً عددهم ، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولايتهم وأُوالي الله ورسوله فقال عبد الله بن أبيّ : إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية مواليّ وهم يهود بني قينقاع .
{ فَعَسَى الله أَن يَأْتِىَ بالفتح } لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وإظهار المسلمين { أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ } يقطع شأفة اليهود ويجليهم عن بلادهم ، فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم : وذلك أنهم كانوا يشكون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون : ما نظن أن يتم له أمر ، وبالحري أن تكون الدولة والغلبة لهؤلاء . وقيل أو أمر من عنده : أو أن يؤمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم فيندموا على نفاقهم . وقيل : أو أمر من عند الله لا يكون فيه للناس فعل كبني النضير الذين طرح الله في قلوبهم الرعب . فأعطوا بأيديهم من غير أن يوجف عليهم بخيل ولا ركاب { وَيَقُولُ الذين ءامَنُواْ } قرىء بالنصب عطفاً على أن يأتي . وبالرفع على أنه كلام مبتدأ ، أي : ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت : وقرىء : «يقول» : بغير واو ، وهي في مصاحف مكة والمدينة والشأم كذلك على أنه جواب قائل يقول : فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ فقيل : يقول الذين آمنوا هؤلاء الذين أقسموا . فإن قلت : لمن يقولون هذا القول؟ قلت : إمّا أن يقوله بعضهم لبعض تعجباً من حالهم واغتباطاً بما منّ الله عليهم من التوفيق في الإخلاص { أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ } لكم بإغلاظ الأيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار . وإمّا أن يقولوه لليهود لأنهم حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة . كما حكى الله عنهم { وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ } [ الحشر : 11 ] . { حَبِطَتْ أعمالهم } من جملة قول المؤمنين ، أي بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها في رأى أعين الناس . وفيه معنى التعجيب كأنه قيل : ما أحبط أعمالهم! فما أخسرهم! أو من قول الله عزّ وجلّ شهادة لهم بحبوط الأعمال وتعجبا من سوء حالهم .

(2/35)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)

وقرىء : «من يرتد» ومن «يرتدد» ، وهو في الإمام بدالين ، وهو من الكائنات التي أخبر عنها في القرآن قبل كونها . وقيل : بل كان أهل الردّة إحدى عشرة فرقة : ثلاث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم :
بنو مدلج ، ورئيسهم ذو الخمار وهو الأسود العنسي ، وكان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده ، وأخرج عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن ، فأهلكه الله على يدي فيروز الديلمي بَيَّتَهُ فقتله وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ليلة قتل ، فسرّ المسلمون وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد . وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول .
وبنو حنيفة ، قوم مسيلمة تنبأ وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله . أمّا بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك . فأجاب عليه الصلاة والسلام : " من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب . أمّا بعد ، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين " فحاربه أبو بكر رضي الله عنه بجنود المسلمين ، وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة . وكان يقول : قتلت خير الناس في الجاهلية ، وشرّ الناس في الإسلام ، أراد في جاهليتي وإسلامي . وبنو أسد : قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خالداً فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه . وسبع في عهد أبي بكر رضي الله عنه : فزاره قوم عيينة بن حصين وغطفان قوم قرّة بن سلمة القشيري ، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد يا ليل .
وبنو يربوع ، قوم مالك بن نويرة وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب ، وفيها يقول أبو العلاء المعري في كتاب استغفر واستغفري :
أَمَّتْ سجَاحٌ وَوَالاَهَا مُسَيْلِمَة ... كَذَّابَةٌ فِي بَنِي الدُّنْيَا وَكَذَّابُ
وكندة ، قوم الأشعث بن قيس ، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطيم بن زيد ، وكفى الله أمرهم على يد أبي بكر رضي الله عنه . وفرقة واحدة في عهد عمر رضي الله عنه : غسان قوم جبلة ابن الأيهم نصرته اللطيمة وسيرته إلى بلاد الروم بعد إسلامه { فَسَوْفَ يَأْتِى الله بِقَوْمٍ } قيل :
( 355 ) لما نزلت أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى الأشعري فقال : «قوم هذا» وقيل : هم ألفان من النخع ، وخمسة آلاف من كندة وبجيلة ، وثلاثة آلاف من أفناء الناس جاهدوا يوم القادسية . وقيل : هم الأنصار . وقيل :
( 356 ) سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فضرب يده على عاتق سلمان وقال : «هذا وذووه» ثم قال :

(2/36)


« لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس » { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } محبة العباد لربهم طاعته وابتغاء مرضاته ، وأن لا يفعلوا ما يوجب سخطه وعقابه ، ومحبة الله لعباده أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويعظمهم ويثني عليهم ويرضى عنهم : وأما ما يعتقده أجهل الناس وأعداهم للعلم وأهله وأمقتهم للشرع وأسوأهم طريقة ، وإن كانت طريقتهم عند أمثالهم من الجهلة والسفهاء شيئا ، وهم الفرقة المفتعلة المتفعلة من الصوف ، وما يدينون به من المحبة والعشق ، والتغني على كراسيهم خربها الله ، وفي مراقصهم عطلها الله ، بأبيات الغزل المقولة في المردان الذين يسمونهم شهداء ، وصعقاتهم التي أين عنها صعقة موسى عند دكّ الطور ، فتعالى الله عنه علواً كبيراً ، ومن كلماتهم : كما أنه بذاته يحبهم كذلك يحبون ذاته ، فإنّ الهاء راجعة إلى الذات دون النعوت والصفات . ومنها : الحب شرطه أن تلحقه سكرات المحبة ، فإذا لم يكن ذلك لم تكن فيه حقيقة . فإن قلت : أين الراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن لمعنى الشرط؟ قلت : هو محذوف معناه : فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم ، أو ما أشبه ذلك { أَذِلَّةٍ } جمع ذليل . وأما ذلول فجمعه ذلل . ومن زعم أنه من الذلّ الذي هو نقيض الصعوبة ، فقد غبى عنه أن ذلولاً لا يجمع على أذلة . فإن قلت : هلا قيل أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما أن يضمن الذلّ معنى الحنوّ والعطف كأنه قيل : عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع . والثاني : أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم . ونحوه قوله عزّ وجلّ : { أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } [ الفتح : 29 ] وقرىء : أذلة وأعزة بالنصب على الحال { وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ } يحتمل أن تكون الواو للحال ، على أنهم يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين ، فإنهم كانوا موالين لليهود - لعنت - فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود ، فلا يعملون شيئاً مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم . وأمّا المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون لومة لائم قط . وأن تكون للعطف ، على أن من صفتهم المجاهدة في سبيل الله ، وأنهم صلاب في دينهم ، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين إنكار منكر أو أمر بمعروف ، مضوا فيه كالمسامير المحماة ، لا يرعبهم قول قائل ولا اعتراض معترض ولا لومة لائم ، يشقّ عليه جدهم في إنكارهم وصلابتهم في أمرهم . واللومة : المرّة من اللوم ، وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قيل : لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللوام . و { ذلك } إشارة إلى ما وصف به القوم من المحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة { يُؤْتِيهُ } يوفق له { مَن يَشَآءُ } ممن يعلم أنّ له لطفاً { واسع } كثير الفواضل والألطاف { عَلِيمٌ } بمن هو من أهلها .

(2/37)


إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)

عقب النهي عن موالاة من تجب معاداتهم ذكر من تجب موالاتهم بقوله تعالى : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين ءامَنُواْ } ومعنى ( إنما ) وجوب اختصاصهم بالموالاة . فإن قلت : قد ذكرت جماعة فهلا قيل : إنما أولياؤكم؟ قلت : أصل الكلام : إنما وليكم الله ، فجعلت الولاية لله على طريق الأصالة ، ثم نظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على سبيل التبع ، ولو قيل : إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا ، لم يكن في الكلام أصل وتبع وفي قراءة عبد الله : «إنما مولاكم» . فإن قلت : { الذين يُقِيمُونَ } ما محله؟ قلت : الرفع على البدل من الذين آمنوا ، أو على : هم الذين يقيمون . أو النصب على المدح . وفيه تمييز للخلص من الذين آمنوا نفاقاً ، أو واطأت قلوبهم ألسنتهم إلا أنهم مفرطون في العمل { وَهُمْ رَاكِعُونَ } الواو فيه للحال ، أي يعملون ذلك في حال الركوع وهو الخشوع والإخبات والتواضع لله إذا صلوا وإذا زكوا . وقيل : هو حال من يؤتون الزكاة ، بمعنى يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة ، و
( 357 ) أنها نزلت في عليٍّ كرم الله وجهه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه .
كأنه كان مرجاً في خنصره ، فلم يتكلف لخلعه كثير عما تفسد بمثله صلاته ، فإن قلت : كيف صحّ أن يكون لعليّ رضي الله عنه واللفظ لفظ جماعة؟ قلت : جيء به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلا واحداً ، ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه ، ولينبه على أن سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان وتفقد الفقراء ، حتى إن لزهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة ، لم يؤخروه إلى الفراغ منها .

(2/38)


وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)

{ فَإِنَّ حِزْبَ الله } من إقامة الظاهر مقام المضمر . ومعناه : فإنهم هم الغالبون ، ولكنهم بذلك جعلوا أعلاماً لكونهم حزب الله . وأصل الحزب؟ القوم يجتمعون لأمر حزبهم . ويحتمل أن يريد بحزب الله : الرسول والمؤمنين . ويكون المعنى : ومن يتولهم فقد تولى حزب الله ، واعتضد بمن لا يغالب .

(2/39)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58)

روي أن رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث كانا قد أظهرا الإسلام ثم نافقا ، وكان رجال من المسلمين يؤادّونهما ، فنزلت . يعني أن اتخاذهم دينكم هزواً ولعباً لا يصحّ أن يقابل باتخاذكم إياهم أولياء ، بل يقابل ذلك بالبغضاء والشنآن والمنابذة . وفصل المستهزئين بأهل الكتاب والكفار - وإن كان أهل الكتاب من الكفار - إطلاقاً للكفار على المشركين خاصة . والدليل عليه قراءة عبد الله : «ومن الذين أشركوا» . وقرىء : «والكفار» بالنصب والجرّ . وتعضد قراءة الجرّ قراءة أُبيّ : «ومن الكفار» { واتقوا الله } في موالاة الكفار وغيرها { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } حقاً؛ لأن الإيمان حقاً يأبى موالاة أعداء الدين { اتخذوها } الضمير للصلاة أو للمناداة . قيل : كان رجلاً من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول : ( أشهد أن محمداً رسول الله ) قال : حرّق الكاذب ، فدخلت خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم ، فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت ، واحترق هو وأهله . وقيل : فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده { لاَ يَعْقِلُونَ } لأنّ لعبهم وهزؤهم من أفعال السفهاء والجهلة ، فكأنه لا عقل لهم .

(2/40)


قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59)

قرأ الحسن : «هل تنقمون» بفتح القاف . والفصيح كسرها . والمعنى هل تعيبون منا وتنكرون إلا الإيمان بالكتب المنزلة كلها { وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون } . فإن قلت : علام عطف قوله : { وَأَنْ أَكْثَرَكُمْ فاسقون } ؟ قلت : فيه وجوه : منها أن يعطف على أن آمنا ، بمعنى : وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمرّدكم وخروجكم عن الإيمان ، كأنه قيل : وما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في دين الإسلام وأنتم خارجون منه . ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف ، أي واعتقاد أنكم فاسقون ومنها أن يعطف على المجرور ، أي وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم فاسقون . ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع ، أي وما تنقمون منا إلا الإيمان مع أنّ أكثركم فاسقون . ويجوز أن يكون تعليلاً معطوفاً على تعليل محذوف ، كأنه قيل : وما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم الشهوات . ويدل عليه تفسير الحسن : بفسقكم نقمتم ذلك علينا .

(2/41)


قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61)

وروي :
( 358 ) أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ فقال : " أومن بالله وما أنزل إلينا إلى قوله : ونحن له مسلمون " فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى عليه السلام : ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم ، ولا ديناً أشرّ من دينكم . فنزلت . وعن نعيم بن ميسرة : «وإنّ أكثركم» ، بالكسر . ويحتمل أن ينتصب ( وأن أكثركم ) بفعل محذوف يدل عليه هل تنقمون ، أي : ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون ، أو يرتفع على الابتداء والخبر محذوف ، أي [ و ] فسقكم ثابت معلوم عندكم ، لأنكم علمتم أنا على الحق وأنكم على الباطل ، إلا أن حب الرياسة وكسب الأموال لا يدعكم فتنصفوا { ذلك } إشارة إلى المنقوم ، ولا بدّ من حذف مضاف قبله ، أو قبل ( من ) تقديره : بشرّ من أهل ذلك ، أو دين من لعنه الله . و { مَن لَّعَنَهُ الله } في محل الرفع على قولك : هو من لعنه الله ، كقوله تعالى : { قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذلكم النار } [ الحج : 72 ] أو في محل الجرّ على البدل من شرّ . وقرىء : «مثوبة» . «ومثوبة» . ومثالهما : مشورة ، ومشورة . فإن قلت : المثوبة مختصة بالإحسان ، فكيف جاءت في الإساءة؟ قلت : وضعت المثوبة موضع العقوبة على طريقة قوله :
شع تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ ... ومنه { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران : 21 ] . فإن قلت : المعاقبون من الفريقين هم اليهود ، فلم شورك بينهم في العقوبة؟ قلت : كان اليهود - لعنوا -يزعمون أن المسلمين ضالون مستوجبون للعقاب ، فقيل لهم : من لعنه الله شرّ عقوبة في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم ودعواكم { وَعَبَدَ الطاغوت } عطف على صلة ( من ) كأنه قيل : ومن عبد الطاغوت . وفي قراءة أبيّ «وعبدوا الطاغوت» ، على المعنى . وعن ابن مسعود : «ومن عبدوا» . وقرىء : «وعابد الطاغوت» عطفاً على القردة . «وعابدي» . «وعباد» . «وعبد» . «وعبد» . ومعناه : الغلوّ في العبودية ، كقولهم ، رجل حذر وفطن ، للبليغ في الحذر والفطنة . قال :
أَبَنِي لُبَيْنَى إنَّ أُمَّكُم ... أَمَةٌ وَإنَّ أَبَاكُمُو عَبْدُ
وعبد بوزن حطم . وعبيد . وعبد - بضمتين - جمع عبيد : وعبدة بوزن كفرة . وعبد ، وأصله عبدة ، فحذفت التاء للإضافة . أو هو كخدم في جمع خادم . وعبد وعباد . وأعبد ، وعبد الطاغوت ، على البناء للمفعول ، وحذف الراجع ، بمعنى : وعبد الطاغوت فيهم ، أو بينهم ، وعبد الطاغوت بمعنى صار الطاغوت معبوداً من دون الله ، كقولك ( أمر ) إذا صار أميراً . وعبد الطاغوت ، بالجر عطفاً على { مَن لَّعَنَهُ الله } . فإن قلت : كيف جاز أن يجعل الله منهم عباد الطاغوت؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما : أنه خذلهم حتى عبدوه . والثاني : أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به ، كقوله تعالى :

(2/42)


{ وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا } [ الزخرف : 19 ] وقيل : الطاغوت : العجل؛ لأنه معبود من دون الله ، ولأن عبادتهم للعجل مما زينه لهم الشيطان ، فكانت عبادتهم له عبادة للشيطان وهو الطاغوت . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه : أطاعوا الكهنة ، وكل من أطاع أحداً في معصية الله فقد عبده . وقرأ الحسن : «الطواغيت» . وقيل : وجعل منهم القردة أصحاب السبت ، والخنازير كفار أهل مائدة عيسى . وقيل : كلا المسخين من أصحاب السبت ، فشبانهم مسخوا قردة ، ومشايخهم مسخوا خنازير . وروي أنها لما نزلت كان المسلمون يعيرون اليهود ويقولون : يا أخوة القردة والخنازير فينكسون رءوسهم { أولئك } الملعونون الممسوخون { شَرٌّ مَّكَاناً } جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله . وفيه مبالغة ليست في قولك : أولئك شرّ وأضلّ ، لدخوله في باب الكناية التي هي أخت المجاز . نزلت في ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهرون له الإيمان نفاقاً ، فأخبره الله تعالى بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا ، لم يتعلق بهم شيء مما سمعوا به من تذكيرك بآيات الله ومواعظك . وقوله : ( بالكفر ) و ( به ) حالان ، أي دخلوا كافرين وخرجوا كافرين . وتقديره : ملتبسين بالكفر . وكذلك قوله : ( وقد دخلوا ) ؛ ( وهم قد خرجوا ) ولذلك دخلت ( قد ) تقريباً للماضي في الحال . ولمعنى آخر : وهو أن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متوقعاً لإظهار الله ما كتموه ، فدخل حرف التوقع وهو متعلق بقوله : ( قالوا آمنا ) أي قالوا ذلك وهذه حالهم .

(2/43)


وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)

الإثم الكذب بدليل قوله تعالى : { عَن قَوْلِهِمُ الإثم } . { والعدوان } الظلم . وقيل : الإثم كلمة الشرك . وقولهم عزير ابن الله . وقيل : الإثم ما يختص بهم . والعدوان : ما يتعداهم إلى غيرهم . والمسارعة في الشيء الشروع فيه بسرعة { السحت لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } كأنهم جعلوا آثم من مرتكبي المناكير لأن كل عامل لا يسمى صانعاً ، ولا كل عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرّب وينسب إليه ، وكأن المعنى في ذلك أن مواقع المعصية معه الشهوة التي تدعوه إليها وتحمله على ارتكابها ، وأما الذي ينهاه فلا شهوة معه في فعل غيره ، فإذا فرط في الإنكار كان أشدّ حالاً من المواقع . ولعمري إن هذه الآية مما يقد السامع وينعي على العلماء توانيهم . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هي أشدّ آية في القرآن . وعن الضحاك : ما في القرآن آية أخوف عندي منها .

(2/44)


وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)

غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ، ومنه قوله تعالى : { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط } [ الإسراء : 29 ] ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط ، ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازاً عنه لأنهما كلامان متعقبان على حقيقة واحدة ، حتى أنه يستعمله في ملك لا يعطي عطاء قط ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يد وبسطها وقبضها ، ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلاً لقالوا : ما أبسط يده بالنوال ، لأن بسط اليد وقبضها عبارتان وقعتا متعاقبتين للبخل والجود ، وقد استعملوهما حيث لا تصحّ اليد كقوله :
جَادَ الْحِمَى بَسْطُ الْيَدَيْنِ بِوَابِل ... شَكَرَتْ نَدَاهُ تِلاَعُه وَوِهَادُهُ
ولقد جعل لبيد للشمال يداً في قوله :
إذْ أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشِّمَالِ زِمَامُهَا ... ويقال بسط اليأس كفيه في صدري ، فجعلت لليأس الذي هو من المعاني لا من الأعيان كفان . ومن لم ينظر في علم البيان عمي عن تبصر محجة الصواب في تأويل أمثال هذه الآية ، ولم يتخلص من يد الطاعن إذا عبثت به . فإن قلت : قد صحّ أن قولهم : { يَدُ الله مَغْلُولَةٌ } عبارة عن البخل . فما تصنع بقوله : { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } ؟ ومن حقه أن يطابق ما تقدمه وإلا تنافر الكلام وزل عن سننه؟ قلت : يجوز أن يكون معناه الدعاء عليهم بالبخل والنكد ، ومن ثم كانوا أبخل خلق الله وأنكدهم . ونحوه بيت الأشتر :
بَقِيتُ وَفْرى وَانْحَرَفْتُ عَنِ الْعُلا ... وَلَقِيتُ أَضْيَافِي بِوَجْهِ عَبُوسِ
ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة ، يغللون في الدنيا أسارى ، وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم : والطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز ، كما تقول : سبني سب الله دابره ، أي قطعه؛ لأنَّ السَّب أصله القطع . فإن قلت : كيف جاز أن يدعو الله عليهم بما هو قبيح وهو البخل والنكد؟ قلت : المراد به الدعاء بالخذلان الذي تقسو به قلوبهم ، فيزيدون بخلاً إلى بخلهم ونكداً إلى نكدهم ، أو بما هو مسبب عن البخل والنكد من لصوق العار بهم وسوء الأحدوثة التي تخزيهم وتمزق أعراضهم . فإن قلت : لم ثنيت اليد في قوله تعالى : { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } وهي مفردة في { يَدُ الله مَغْلُولَةٌ } ؟ قلت : ليكون ردّ قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفي البخل عنه . وذلك أنّ غاية ما يبذله السخي بماله من نفسه أن يعطيه بيديه جميعاً فبني المجاز على ذلك . وقرىء : «ولعنوا» بسكون العين . وفي مصحف عبد الله : «بل يداه بسطان» . يقال : يده بسط بالمعروف . ونحوه مشية شحح وناقة صرح { يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء } تأكيد للوصف بالسخاء ، ودلالة على أنه لا ينفق إلا على مقتضى الحكمة والمصلحة .

(2/45)