صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الكشاف
المؤلف : أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84)

هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال ولا استبطان للأمور . كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمن وسلامة أو خوف وخلل { أَذَاعُواْ بِهِ } وكانت إذاعتهم مفسدة ، ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر منهم - وهم كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم - { لَعَلِمَهُ } لعلم تدبير ما أخبروا به { الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ } الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها . وقيل : كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء ، أو على خوف واستشعار ، فيذيعونه فينتشر فيبلغ الأعداء ، فتعود إذاعتهم مفسدة . ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وفوّضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا ، لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه . وقيل : كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئاً من الخبر عن السرايا مظنوناً غير معلوم الصحة فيذيعونه ، فيعود ذلك وبالاً على المؤمنين . ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وقالوا : نسكت حتى نسمعه منهم ونعلم هل هو مما يذاع أو لا يذاع ، لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، لعلم صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع هؤلاء المذيعون ، وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر ، أي يتلقونه منهم ويستخرجون علمه من جهتهم . يقال : أذاع السِّر ، وأذاع به . قال :
أَذَاعَ بِهِ فِي النَّاسِ حَتَّى كَأَنَّهُ ... بِعَلْيَاءَ نَارٌ أُوقِدَتْ بِثَقُوب
ويجوز أن يكون المعنى فعلوا به الإذاعة ، وهو أبلغ من أذاعوه ، وقرىء «لعلْمِه» بإسكان اللام كقوله :
فَإِنْ أَهْجُهُ يَضْجَرْ كَمَا ضَجْرَ بَازِلٌ ... مِنَ الأُدْمِ دَبْرَتْ صَفْحَتَاهُ وَغَارِبُهْ
والنبط : الماء يخرج من البئر أول ما تحفر ، وإنباطه واستنباطه : إخراجه واستخراجه ، فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل ويهم { وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } وهو إرسال الرسول ، وإنزال الكتاب ، والتوفيق { لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان } لبقيتم على الكفر { إِلاَّ قَلِيلاً } منكم . أو إلا اتباعا قليلاً ، لما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال ، وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها . قال : { فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله } إن أفردوك وتركوك وحدك { لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ } غير نفسك وحدها أن تقدّمها إلى الجهاد ، فإنّ الله هو ناصرك لا الجنود ، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف . وقيل : دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج ، وكان أبو سفيان واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها ، فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت ، فخرج وما معه إلا سبعون لم يلوِ على أحد ، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده ، وقرىء { لاَ تُكَلَّفُ } بالجزم على النهي ، و«لا نكلف» : بالنون وكسر اللام ، أي لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها { وَحَرِّضِ المؤمنين } وما عليك في شأنهم إلا التحريض فحسب ، لا التعنيف بهم { عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ } وهم قريش ، وقد كف بأسهم فقد بدا لأبي سفيان وقال : هذا عام مجدب ، وما كان معهم زاد إلا السويق ، ولا يلقون إلا في عام مخصب فرجع بهم { والله أَشَدُّ بَأْساً } من قريش { وَأَشَدُّ تَنكِيلاً } تعذيباً .

(1/439)


مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85)

الشفاعة الحسنة : هي التي روعي بها حق مسلم ، ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير . وابتغي بها وجه الله ولم تؤخذ عليها رشوة ، وكانت في أمر جائز لا في حدّ من حدود الله ولا في حق من الحقوق . والسيئة : ما كان بخلاف ذلك . وعن مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع جارية ، فغضب وردها وقال : لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ، ولا أتكلم فيما بقي منها وقيل : الشفاعة الحسنة : هي الدعوة للمسلم ، لأنها في معنى الشفاعة إلى الله . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 292 ) « من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له [ و ] قال له الملك : ولك مثل ذلك ، فذلك النصيب » ، والدعوة على المسلم بضد ذلك { مُّقِيتاً } شهيداً حفيظاً . وقيل : مقتدراً . وأقات على الشيء ، قال الزبير بن عبد المطلب :
وَذِي ضِغْنٍ نَفَيْتُ السُّوءَ عَنْهُ ... وَكُنْتُ عَلَى إِسَاءَتِهِ مُقِيتاً
وقال السموأل :
أَلِي الْفَضْلُ أَمْ عَلَيّ إِذَا حُو ... سِبْتُ إِنِّي عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ
واشتقاقه من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها .

(1/440)


وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86)

الأحسن منها أن تقول : ( وعليكم السلام ورحمة الله ) إذا قال : ( السلام عليكم ) وأن تزيد ( وبركاته ) إذا قال : ( ورحمة الله ) وروي أن :
( 293 ) رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : السلام عليك ، فقال : «وعليك السلام ورحمة الله» وقال آخر : السلام عليك ورحمة الله ، فقال : «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته» وقال آخر : السلام عليك ورحمة الله وبركاته ، فقال : «وعليك» . فقال الرجل : نقصتني ، فأين ما قال الله؟ وتلا الآية . فقال : «إنك لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله» { أَوْ رُدُّوهَا } أو أجيبوها بمثلها . ورد السلام ورجعه : جوابه بمثله ، لأن المجيب يرد قول المسلم ويكرره ، وجواب التسليمة واجب ، والتخيير إنما وقع بين الزيادة وتركها . وعن أبي يوسف رحمه الله : من قال لآخر : أقرىء فلاناً السلام ، وجب عليه أن يفعل . وعن النخعي : السلام سنة والردّ فريضة . وعن ابن عباس : الردّ واجب . وما من رجل يمرّ على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلا نزع عنهم روح القدس وردّت عليه الملائكة . ولا يرد السلام في الخطبة ، وقراءة القرآن ، جهراً ورواية الحديث ، وعند مذاكرة العلم ، والأذان ، والإقامة ، وعن أبي يوسف : لا يسلم على لاعب النرد والشطرنج ، والمغني ، والقاعد لحاجته ، ومطير الحمام ، والعاري من غير عذر في حمام أو غيره . وذكر الطحاوي : أن المستحب ردّ السلام على طهارة . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 294 ) " أنه تيمم لردّ السلام " قالوا : ويسلم الرجل إذا دخل على امرأته . ولا يسلم على أجنبية . ويسلم الماشي على القاعد . والراكب على الماشي ، وراكب الفرس على راكب الحمار ، والصغير على الكبير ، والأقل على الأكثر . وإذا التقيا ابتدرا . وعن أبي حنيفة : لا تجهر بالرد يعني الجهر الكثير . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 295 ) " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا : وعليكم " أي وعليكم ما قلتم؛ لأنهم كانوا يقولون : السام عليكم .
وروى :
( 296 ) " لا تبتدىء اليهوديّ بالسلام ، وإن بدأك فقل وعليك " وعن الحسن : يجوز أن تقول للكافر : وعليك السلام ، ولا تقل : ورحمة الله ، فإنها استغفار . وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه : وعليك السلام ورحمة الله . فقيل له في ذلك ، فقال : أليس في رحمة الله يعيش؟ وقد رخص بعض العلماء في أن يبدأ أهل الذمة بالسلام إذا دعت إلى ذلك حادثة تحوج إليهم . وروى ذلك عن النخعي . وعن أبي حنيفة : لا تبدأه بسلام في كتاب ولا غيره . وعن أبي يوسف لا تسلم عليهم ولا تصحافهم ، وإذا دخلت فقل : السلام على من اتبع الهدى . ولا بأس بالدعاء له بما يصلحه في دنياه { على كُلّ شَىْء حَسِيباً } أي يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها .

(1/441)


اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87)

{ لاَ إله إِلاَّ هُوَ } إما خبر المبتدأ . وإما اعتراض والخبر { لَيَجْمَعَنَّكُمْ } . ومعناه : الله . والله ليجمعنكم { إلى يَوْمِ القيامة } أي ليحشرنكم إليه . والقيامة والقيام . كالطلابة والطلاب ، وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب . قال الله تعالى : { يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين } [ المطففين : 6 ] { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً } لأنه عز وعلا صادق لا يجوز عليه الكذب . وذلك أنّ الكذب مستقل بصارف عن الإقدام عليه وهو قبحه . ووجه قبحه الذي هو كونه كذباً وإخباراً عن الشيء بخلاف ما هو عليه . فمن كذب لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يكذب ليجرّ منفعة أو يدفع مضرة . أو هو غني عنه إلا أنه يجهل غناه . أو هو جاهل بقبحه . أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالي بأيهما نطق ، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق . وعن بعض السفهاء أنه عوتب على الكذب فقال : لو غرغرت لهواتك به ما فارقته . وقيل لكذاب : هل صدقت قط؟ فقال : لولا أني صادق في قولي لا لقلتها . فكان الحكيم الغني الذي لا يجوز عليه الحاجات العالم بكل معلوم ، منزهاً عنه ، كما هو منزه عن سائر القبائح .

(1/442)


فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88)

{ فِئَتَيْنِ } نصب على الحال ، كقولك : مالك قائماً؟ روى أنّ قوماً من المنافقين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينة ، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين ، فاختلف المسلمون فيهم ، فقال بعضهم : هم كفار . وقال بعضهم : هم مسلمون . وقيل : كانوا قوماً هاجروا من مكة ، ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا على دينك وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا . وقيل : هم قوم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد ثم رجعوا . وقيل : هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يساراً . وقيل : هم قوم أظهروا الإسلام وقعدوا عن الهجرة . ومعناه : ما لكم اختلفتم في شأن قوم نافقوا نفاقاً ظاهراً وتفرقتم فيه فرقتين وما لكم لم تبتوا القول بكفرهم { والله أَرْكَسَهُمْ } أي ردهم في حكم المشركين كما كانوا { بِمَا كَسَبُواْ } من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين واحتيالهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم . أو أركسهم في الكفر بأن خذلهم حتى أركسوا فيه . لما علم من مرض قلوبهم ، { أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ } أن تجعلوا من جملة المهتدين { مَنْ أَضَلَّ الله } من جعله من جملة الضلال ، وحكم عليه بذلك أو خذله حتى ضلّ . وقرىء : «ركسهم» . و«ركسوا فيها» .

(1/443)


وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91)

{ فَتَكُونُونَ } عطف على { تَكْفُرُونِ } ولو نصب على جواب التمني لجاز . والمعنى : ودّوا كفركم فكونكم معهم شرعاً واحداً فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء . فلا تتولوهم وإن آمنوا حتى يظاهروا إيمانهم بهجرة صحيحة هي لله ورسوله لا لغرض من أغراض الدنيا مستقيمة ليس بعدها بداء ولا تعرّب . { فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة المستقيمة ، فحكمهم حكم سائر المشركين يقتلون حيث وجدوا في الحلّ والحرم ، وجانبوهم مجانبة كلية ، وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم { إِلاَّ الذين يَصِلُونَ } استثناء من قوله : { فَخُذُوهُمْ واقتلوهم } ومعنى { يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ } ينتهون إليهم ويتصلون بهم . وعن أبي عبيدة : هو من الانتساب . وصلت إلى فلان واتصلت به إذا انتميت إليه . وقيل : إن الانتساب لا أثر له في منع القتال ، فقد قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من هو من أنسابهم ، والقوم هم الأسلميون ، كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ، وذلك أنه وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه ، وعلى أنّ من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال . وقيل : القوم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح { أَوْ جَآءوكُمْ } لا يخلو من أن يكون معطوفاً على صفة قوم ، كأنه قيل : إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين ، أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم ، أو على صلة الذين ، كأنه قيل : إلا الذين يتصلون بالمعاهدين ، أو الذين لا يقاتلونكم والوجه العطف على الصلة لقوله : { فَإِنِ اعتزلوكم فَلَمْ يقاتلوكم وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } بعد قوله : { فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } فقرّر أن كفهم عن القتال أحد سببي استحقاقهم لنفي التعرض عنهم وترك الإيقاع بهم . فإن قلت : كل واحد من الاتصالين له تأثير في صحة الاستثناء ، واستحقاق إزالة التعرّض الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالمكافين ، لأنّ الاتصال بهؤلاء أو هؤلاء دخول في حكمهم ، فهلا جوزت أن يكون العطف على صفة قوم ، ويكون قوله : { فَإِنِ اعتزلوكم } تقريراً لحكم اتصالهم بالمكافين واختلاطهم بهم وجريهم على سننهم؟ قلت : هو جائز ، ولكن الأول أظهر وأجرى على أسلوب الكلام . وفي قراءة أبيّ : «بينكم وبينهم ميثاق جاؤكم حصرت صدورهم» ، بغير أو ووجهه أن يكون ( جاؤكم ) بياناً ليصلون ، أو بدلاً أو استئنافاً ، أو صفة بعد صفة لقوم . حصرت صدورهم في موضع الحال بإضمار قد . والدليل عليه قراءة من قرأ : «حصرة صدورهم» ، و«حصرات صدورهم» . و«حاصرات صدورهم» . وجعله المبرد صفة لموصوف محذوف على : أو جاؤكم قوماً حصرت صدورهم .

(1/444)


وقيل : هو بيان لجاؤكم ، وهم بنو مدلج جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مقاتلين . والحصر الضيق والانقباض { أن يقاتلوكم } عن أن يقاتلوكم . أو كراهة أن يقاتلوكم . فإن قلت : كيف يجوز أن يسلط الله الكفرة على المؤمنين؟ قلت : ما كانت مكافتهم إلا لقذف الله الرعب في قلوبهم ، ولو شاء لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه لم يقذفه ، فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين ، فذلك معنى التسليط . وقرىء : «فلقتلوكم» ، بالتخفيف والتشديد { فَإِنِ اعتزلوكم } فإن لم يتعرضوا لكم { وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم } أي الانقياد والاستسلام . وقرىء بسكون اللام مع فتح السين { فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم { سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ } هم قوم من بني أسد وغطفان ، كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين ، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم { كُلَّمَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة } كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين { أُرْكِسُواْ فِيِهَا } قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه ، وكانوا شراً فيها من كل عدوّ { حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } حيث تمكنتم منهم { سلطانا مُّبِيناً } حجة واضحة لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر ، وإضرارهم بأهل الإسلام أو تسلطاً ظاهراً حيث أذنا لكم في قتلهم .

(1/445)


وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)

{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله ، كقوله : { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } [ آل عمران : 161 ] ، { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا } [ الأعراف : 89 ] ، { أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً } ابتداء غير قصاص { إِلا خَطَئاً } إلا على وجه الخطأ . فإن قلت : بم انتصب خطأ؟ قلت : بأنه مفعول له ، أي ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده . ويجوز أن يكون حالاً بمعنى لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ . وأن يكون صفة للمصدر إلا قتلاً خطأ . والمعنى أن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة ، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد ، بأن يرمي كافراً فيصيب مسلماً ، أو يرمي شخصاً على أنه كافر فإذا هو مسلم . وقرىء : «خطاء» بالمد و«خطا» ، بوزن عمى - بتخفيف الهمزة - وروى :
( 297 ) أنّ عياش بن أبي ربيعة - وكان أخا أبي جهل لأمّه - أسلم وهاجر خوفاً من قومه إلى المدينة ، وذلك قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا يؤويها سقف حتى يرجع . فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه وهو في أطم ففتل منه أبو جهل في الذروة والغارب ، وقال : أليس محمد يحثك على صلة الرحم ، انصرف وبرَّ أمك وأنت على دينك ، حتى نزل وذهب معهما ، فلما فسحا عن المدينة كتفاه ، وجلده كل واحد مائة جلدة . فقال للحارث : هذا أخي ، فمن أنت يا حارث؟ لله عليّ إن وجدتك خالياً أن أقتلك ، وقدما به على أمه ، فحلفت لا يحل كتافه أو يرتد . ففعل ثم هاجر بعد ذلك وأسلم ، وأسلم الحارث وهاجر ، فلقيه عياش بظهر قباء ولم يشعر بإسلامه فأنحى عليه فقتله ، ثم أخبر بإسلامه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قتلته ولم أشعر بإسلامه ، فنزلت { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } فعليه تحرير رقبة . والتحرير : الإعتاق . والحر والعتيق : الكريم ، لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد . ومنه : عتاق الخيل ، وعتاق الطير لكرامها . وحرّ الوجه : أكرم موضع منه . وقولهم للئيم عبد . وفلان عبد الفعل : أي لئيم الفعل . والرقبة : عبارة عن النسمة ، كما عبر عنها بالرأس في قولهم : فلان يملك كذا رأساً من الرقيق . والمراد برقبة مؤمنة : كل رقبة كانت على حكم الإسلام عند عامة العلماء . وعن الحسن : لا تجزىء إلا رقبة قد صلت وصامت ، ولا تجزىء الصغيرة . وقاس عليها الشافعي كفارة الظهار ، فاشترط الإيمان . وقيل : لما أخرج نفساً مؤمنة عن جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار ، لأنّ إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار { مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ } مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث ، لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء ، يقضي منها الدين ، وتنفذ الوصية وإن لم يبق وارثاً فهي لبيت المال ، لأن المسلمين يقومون مقام الورثة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 298 )

(1/446)


" أنا وارث من لا وارث له "
وعن عمر رضي الله عنه :
( 299 ) أنه قضى بدية المقتول ، فجاءت امرأته تطلب ميراثها من عقله فقال : لا أعلم لك شيئاً ، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه . فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال : كتب إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم . فورّثها عمر ، وعن ابن مسعود : يرث كل وارث من الدية غير القاتل . وعن شريك : لا يقضي من الدية دين ، ولا تنفذ وصية . وعن ربيعة : الغرة لأم الجنين وحدها ، وذلك خلاف قول الجماعة . ( فإن قلت ) : على من تجب الرقبة والدية؟ قلت : على القاتل إلا أن الرقبة في ماله ، والدية تتحملها عنه العاقلة ، فإن لم تكن له عاقلة فهي في بيت المال ، فإن لم يكن ففي ماله { إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } إلا أن يتصدقوا عليه بالدية ومعناه العفو ، كقوله : { إَّلا أَن يَعْفُونَ } [ البقرة : 237 ] ونحوه { وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } [ البقرة : 280 ] وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 300 ) " كل معروف صدقة " ، وقرأ أبيّ : «إلا أن يتصدقوا» . فإن قلت : بم تعلق أن يصدقوا ، وما محله؟ قلت : تعلق بعليه ، أو بمسلمة ، كأنه قيل : وتجب عليه الدية أو يسلمها ، إلا حين يتصدقون عليه . ومحلها النصب على الظرف بتقدير حذف الزمان ، كقولهم : اجلس ما دام زيد جالساً . ويجوز أن يكون حالاً من أهله بمعنى إلا متصدقين { مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ } من قوم كفار أهل الحرب وذلك نحو رجل أسلم في قومه الكفار وهو بين أظهرهم لم يفارقهم ، فعلى قاتله الكفارة إذا قتله خطأ وليس على عاقلته لأهله شيء . لأنهم كفار محاربون . وقيل : كان الرجل يسلم؛ ثم يأتي قومه وهم مشركون فيغزوهم جيش المسلمين ، فيقتل فيهم خطأ لأنهم يظنونه كافراً مثلهم { وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ } كفرة لهم ذمة كالمشركين الذين عاهدوا المسلمين وأهل الذمة من الكتابيين ، فحكمه حكم مسلم من مسلمين { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } رقبة ، بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليه { ف } عليه { فصِيَامٍ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ الله } قبولاً من الله ورحمة منه ، من تاب الله عليه إذا قبل توبته يعني شرع ذلك توبة منه ، أو نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه . هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم وخطب غليظ .

(1/447)


ومن ثم روى عن ابن عباس ما روى من أن توبة قاتل المؤمن عمداً غير مقبولة . وعن سفيان : كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا : لا توبة له ، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد ، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة . وناهيك بمحو الشرك دليلاً . وفي الحديث :
( 301 ) « لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرىء مسلم » وفيه :
( 302 ) « لو أن رجلاً قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه » وفيه :
( 303 ) « إن هذا الإنسان بنيان الله . ملعون من هدم بنيانه » وفيه :
( 304 ) « من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله » والعجب من قوم يقرؤن هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة ، وقول ابن عباس بمنع التوبة . ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة واتباعهم هواهم وما يخيل إليهم مناهم ، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [ محمد : 24 ] ثم ذكر الله سبحانه وتعالى التوبة في قتل الخطأ ، لما عسى يقع من نوع تفريط فيما يجب من الاحتياط والتحفظ فيه حسم للأطماع وأي حسم ، ولكن لا حياة لمن تنادي . فإن قلت : هل فيها دليل على خلود من لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت : ما أبين الدليل وهو تناول قوله : { وَمَن يَقْتُلْ } أيَّ قاتل كان ، من مسلم أو كافر ، تائب أو غير تائب ، إلا أن التائب أخرجه الدليل . فمن ادعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله .

(1/448)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)

{ فَتَبَيَّنُواْ } وقرىء : «فتثبتوا» ، وهما التفعل بمعنى الاستفعال . أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوكوا فيه من غير روية . وقرىء : «السلم» . و«السلام» وهما الاستسلام . وقيل : الإسلام . وقيل : التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام { لَسْتَ مُؤْمِناً } وقرىء «مؤمناً» بفتح الميم من آمنه ، أي لا نؤمنك ، وأصله :
( 305 ) أن مرداس بن نهيك رجلاً من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره ، فغزتهم سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان عليها غالب بن فضالة الليثي ، فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه ، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل وصعد ، فلمَّا تلاحقوا وكبروا كبر ونزل وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، السلام عليكم ، فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه ، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجداً شديداً وقال : قتلتموه إرادة ما معه ، ثم قرأ الآية على أسامة ، فقال : يا رسول الله استغفر لي . قال : فكيف بلا إله إلا الله ، قال أسامة : فما زال يعيدها حتى وددت أن لم أكن أسلمت إلا يومئذٍ ، ثم استغفر لي وقال : أعتق رقبة { تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا } تطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع النفاد ، فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه { فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ } يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوّذ به من التعرض له لتأخذوا ماله { كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ } أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة ، فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم { فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ } بالاستقامة والاشتهار بالإيمان والتقدم ، وإن صرتم أعلاماً فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم ، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في المكافة ، ولا تقولوا إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية ، فتجعلوه سلماً إلى استباحة دمه وماله وقد حرمهما الله وقوله : { فَتَبَيَّنُواْ } تكرير للأمر بالتبين ليؤكد عليهم { إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك .

(1/449)


لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)

{ غَيْرُ أُوْلِى الضرر } قرىء بالحركات الثلاث ، فالرفع صفة للقاعدون ، والنصب استثناء منهم أو حال عنهم ، والجرّ صفة للمؤمنين . والضرر : المرض ، أو العاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها . وعن زيد بن ثابت :
( 306 ) كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة ، فوقعت فخذه على فخذي حتى خشيت أن ترضها ، ثم سري عنه فقال : اكتب فكتبت في كتف { لاَّ يَسْتَوِى القاعدون مِنَ المؤمنين } { والمجاهدون } فقال ابن أمّ مكتوم وكان أعمى : يا رسول الله ، وكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين . فغشيته السكينة كذلك ، ثم قال : اقرأ يا زيد ، فقرأت { لاَّ يَسْتَوِى القاعدون مِنَ المؤمنين } فقال ( غير أولي الضرر ) . قال زيد : أنزلها الله وحدها ، فألحقتها . والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في الكتف . وعن ابن عباس : لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها . وعن مقاتل : إلى تبوك . فإن قلت : معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان ، فما فائدة نفي الاستواء؟ قلت : معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم والبون البعيد ، ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته ، فيهتز للجهاد ويرغب فيه وفي ارتفاع طبقته ، ونحوه { هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } [ الزمر : 9 ] أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلم ، ولينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم { فَضَّلَ الله المجاهدين } جملة موضحة لما نفي من استواء القاعدين والمجاهدين كأنه قيل : ما لهم لا يستوون ، فأجيب بذلك . والمعنى على القاعدين غير أولي الضرر لكون الجملة بياناً للجملة الأولى المتضمنة لهذا الوصف { وَكُلاًّ } وكل فريق من القاعدين والمجاهدين { وَعَدَ الله الحسنى } أي المثوبة الحسنى وهي الجنة وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 307 ) « لقد خلفتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم » وهم الذين صحت نياتهم ونصحت جيوبهم وكانت أفئدتهم تهوى إلى الجهاد ، وبهم ما يمنعهم من المسير من ضرر أو غيره . فإن قلت : قد ذكر الله تعالى مفضلين درجة ومفضلين درجات ، فمن هم؟ قلت : أما المفضلون درجة واحدة فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء وأما المفضلون درجات فالذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم ، لأن الغزو فرض كفاية . فإن قلت : لم نصب ( درجة ) و ( أجراً ) و ( درجات ) ؟ قلت : نصب قوله : ( درجة ) لوقوعها موقع المرة من التفضيل ، كأنه قيل فضلهم تفضيلة واحدة . ونظيره قولك : ضربه سوطاً ، بمعنى ضربه ضربة . وأما ( أجراً ) فقد انتصب بفضل ، لأنه في معنى أجرهم أجراً ودرجات ، ومغفرة ، ورحمة : بدل من أجر . أو يجوز أن ينتصب ( درجات ) نصب درجة . كما تقول : ضربه أسواطاً بمعنى ضربات ، كأنه قيل : وفضله تفضيلات . ونصب { أَجْراً عَظِيماً } على أنه حال عن النكرة التي هي درجات مقدمة عليها ، وانتصب مغفرة ورحمة بإضمار فعلهما بمعنى : وغفر لهم ورحمهم ، مغفرة ورحمة .

(1/450)


إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)

{ توفاهم } يجوز أن يكون ماضياً كقراءة من قرأ : «توفتهم» . ومضارعاً بمعنى تتوفاهم ، كقراءة من قرأ : «توفاهم» ، على مضارع وفيت ، بمعنى أن الله يوفى الملائكة أنفسهم فيتوفونها . أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها { ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } في حال ظلمهم أنفسهم { قَالُواْ } قال الملائكة للمتوفين { فِيمَ كُنتُمْ } في أي شيء كنتم من أمر دينكم . وهم ناس من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة . فإن قلت : كيف صح وقوع قوله : { كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الأرض } جواباً عن قولهم : { فِيمَ كُنتُمْ } ؟ وكان حق الجواب أن يقولوا : كنا في كذا أو لم نكن في شيء؟ قلت : معنى { فِيمَ كُنتُمْ } التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين ، حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا ، فقالوا : كنا مستضعفين اعتذاراً مما وبخوا به واعتلالاً بالاستضعاف ، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء ، فبكتتهم الملائكة بقوله : { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا } أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ومن الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة . وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يحب ، لبعض الأسباب والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر ، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم على العبادة حقت عليه المهاجرة . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 308 ) " من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة ، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد عليهما الصلاة والسلام " اللَّهم إن كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني فاجعلها سبباً في خاتمة الخير ودرك المرجوّ من فضلك والمبتغى من رحمتك وصل جواري لك بعكوفي عند بيتك ، بجوارك في دار كرامتك يا واسع المغفرة ، ثم استثنى من أهل الوعيد المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة في الخروج لفقرهم وعجزهم ولا معرفة لهم بالمسالك . وروي :
( 309 ) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بهذه الآية إلى مسلمي مكة ، فقال جندب بن ضمرة أو ضمرة بن جندب لبنيه : احملوني ، فإني لست من المستضعفين ، وإني لأهتدي الطريق ، والله لا أبيت الليلة بمكة . فحملوه على سرير متوجهاً إلى المدينة وكان شيخاً كبيراً فمات بالتنعيم .
فإن قلت : كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد ، كأنهم كانوا يستحقون الوعيد مع الرجال والنساء لو استطاعوا حيلة واهتدوا سبيلاً؟ قلت : الرجال والنساء قد يكونون مستطيعين مهتدين وقد لا يكونون كذلك .

(1/451)


وأما الولدان فلا يكونون إلا عاجزين عن ذلك ، فلا يتوجه عليهم وعيد ، لأن سبب خروج الرجال والنساء من جملة أهل الوعيد إنما هو كونهم عاجزين ، فإذا كان العجز متمكناً في الولدان لا ينفكون عنه ، كانوا خارجين من جملتهم ضرورة . هذا إذا أريد بالولدان الأطفال ويجوز أن يراد المراهقون منهم الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء فيلحقوا بهم في التكليف . وإن أريد بهم العبيد والإماء البالغون فلا سؤال . فإن قلت : الجملة التي هي { لاَ يَسْتَطِيعُونَ } ما موقعها؟ قلت : هي صفة للمستضعفين أو للرجال والنساء والولدان . وإنما جاز ذلك والجمل نكرات ، لأن الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف فليس لشيء بعينه ، كقوله :
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ... فإن قلت : لم قيل { عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ } بكلمة الإطماع؟ قلت : للدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه ، حتى أن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول عسى الله أن يعفو عني ، فكيف بغيره .

(1/452)


وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100)

{ مُرَاغَماً } مهاجراً وطريقاً يراغم بسلوكه قومه ، أي يفارقهم على رغم أنوفهم . والرغم : الذلّ والهوان . وأصله لصوق الأنف بالرغام - وهو التراب -يقال : راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك . قال النابغة الجعدي .
كَطَوْدٍ يُلاَذُ بِأَرْكَانِهِ ... عَزِيزِ الْمَرَاغِمِ وَالْمَذْهَبِ
وقرىء «مرغماً» . وقرىء { ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف . وقيل : رفع الكاف منقول من الهاء كأنه أراد أن يقف عليها ، ثم نقل حركة الهاء إلى الكاف ، كقوله :
مِنْ عَنَزِيٍّ سَبَّنِي لَمْ أَضْرِبُهْ ... وقرىء «يدركه» بالنصب على إضمار أن ، كقوله :
وَأَلْحَقُ بِالْحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا ... { فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله } فقد وجب ثوابه عليه : وحقيقة الوجوب : الوقوع والسقوط { فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } [ الحج : 36 ] ووجبت الشمس : سقط قرصها . والمعنى : فقد علم الله كيف يثيبه وذلك واجب عليه . وروى في قصة جندب بن ضمرة : أنه لما أدركه الموت أخذ يصفق بيمينه على شماله ثم قال : اللَّهم هذه لك ، وهذه لرسولك ، أبايعك على ما بايعك عليه رسولك . فمات حميداً فبلغ خبره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : لو توفي بالمدينة لكان أتم أجراً ، وقال المشركون وهم يضحكون : ما أدرك هذا ما طلب . فنزلت . وقالوا : كل هجرة لغرض ديني - من طلب علم ، أو حج ، أو جهاد ، أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهداً في الدنيا ، أو ابتغاء رزق طيب - فهي هجرة إلى الله ورسوله . وإن أدركه الموت في طريقه ، فأجره واقع على الله .

(1/453)


وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101)

الضرب في الأرض : هو السفر ، وأدنى مدة السفر الذي يجوز فيه القصر عند أبي حنيفة : مسيرة ثلاثة أيام ولياليهنّ سير الإبل ومشي الأقدام على القصد ، ولا اعتبار بإبطاء الضارب وإسراعه . فلو سار مسيرة ثلاثة أيام ولياليهنّ في يوم ، قصر . ولو سار مسيرة يوم في ثلاثة أيام ، لم يقصر . وعند الشافعي أدنى مدة السفر أربعة برد مسيرة يومين . وقوله : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة } ظاهره التخيير بين القصر والإتمام ، وأن الإتمام أفضل . وإلى التخيير ذهب الشافعي . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 310 ) " أنه أتم في السفر " وعن عائشة رضي الله عنها :
( 311 ) " اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قلت يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، قصرت وأتممت ، وصمت وأفطرت . فقال : أحسنت يا عائشة وما عاب عليّ . " وكان عثمان رضي الله عنه يتم ويقصر . وعند أبي حنيفة رحمه الله : القصر في السفر عزيمة غير رخصة لا يجوز غيره . وعن عمر رضي الله عنه :
( 312 ) " صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم . " وعن عائشة رضي الله عنها :
( 313 ) " أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين ، فأقرت في السفر ، وزيدت في الحضر " فإن قلت : فما تصنع بقوله : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ } ؟ قلت : كأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه . وقرىء : «تقصروا» من أقصر . وجاء في الحديث
( 314 ) " إقصار الخطبة بمعنى تقصيرها . " وقرأ الزهري «تقصِّروا» بالتشديد . والقصر ثابت بنص الكتاب في حال الخوف خاصة ، وهو قوله : { إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ } وأمّا في حال الأمن فبالسنة ، وفي قراءة عبد الله : «من الصلاة أن يفتنكم» ليس فيها { إِنْ خِفْتُمْ } على أنه مفعول له ، بمعنى : كراهة أن يفتنكم . والمراد بالفتنة : القتال والتعرّض بما يكره .

(1/454)


وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)

{ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة } يتعلق بظاهره من لا يرى صلاة الخوف بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث شرط كونه فيهم : وقال من رآها بعده : إن الأئمة نواب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل عصر ، قوّام بما كان يقوم به فكان الخطاب له متناولاً لكل إمام يكون حاضر الجماعة في حال الخوف ، عليه أن يؤمّهم كما أمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجماعات التي كان يحضرها . والضمير في ( فيهم ) للخائفين { فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ } فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك فصل بهم { وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ } الضمير إمّا للمصلين وإمّا لغيرهم فإن كان للمصلين فقالوا : يأخذون من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر ونحوهما . وإن كان لغيرهم فلا كلام فيه { فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ } يعني غير المصلين { مِن وَرَائِكُمْ } يحرسونكم وصفة صلاة الخوف عند أبي حنيفة : أن يصلي الإمام بإحدى الطائفتين ركعة إن كانت الصلاة ركعتين والأخرى بإزاء العدو ثم تقف هذه الطائفة بإزاء العدو وتأتي الأخرى فيصلي بها ركعة ويتم صلاته . ثم تقف بإزاء العدوّ ، وتأتي الأولى فتؤدي الركعة بغير قراءة وتتم صلاتها ثم تحرس ، وتأتي الأخرى فتؤدي الركعة بقراءة وتتم صلاتها . والسجود على ظاهره عند أبي حنيفة . وعند مالك بمعنى الصلاة ، لأن الإمام يصلي عنده بطائفة ركعة ويقف قائماً حتى تتم صلاتها وتسلم وتذهب ، ثم يصلي بالثانية ركعة ويقف قاعداً حتى تتم صلاتها . ويسلم بهم ويعضده { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } . وقرىء : «وأمتعاتكم» : فإن قلت : كيف جمع بين الأسلحة وبين الحذر في الأخذ . قلت : جعل الحذر وهو التحرّز والتيقظ آلة يستعملها الغازي ، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ ، وجعلا مأخوذين . ونحوه قوله تعالى : { والذين تَبَوَّءوا الدار والإيمان } [ الحشر : 9 ] جعل الإيمان مستقراً لهم ومتبوأ لتمكّنهم فيه فلذلك جمع بينه وبين الدار في التبوّء { فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ } فيشدون عليكم شدة واحدة . ورخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم في مطر أو يضعفهم من مرض ، وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدو . فإن قلت : كيف طابق الأمر بالحذر قوله : { إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً } ؟ قلت : الأمر بالحذر من العدو يوهم توقع غلبته واعتزازه . فنفي عنهم ذلك الإيهام بإخبارهم أنّ الله يهين عدوهم ويخذله وينصرهم عليه ، لتقوى قلوبهم ، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لذلك ، وإنما هو تعبد من الله كما قال : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } [ البقرة : 165 ] { فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة } فإذا صليتم في حال الخوف والقتال { فاذكروا الله } فصلوها { قِيَاماً } مسايفين ومقارعين { وَقُعُوداً } جاثين على الركب مرامين { وعلى جُنُوبِكُمْ } مثخنين بالجراح { فَإِذَا اطمأننتم } حين تضع الحرب أوزارها وأمنتم { إنَّ الصلاة كَانَتْ عَلَى المؤمنين كتابا مَّوْقُوتاً } فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي أحوال القلق والانزعاج { فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً } محدوداً بأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أي حال كنتم ، خوف أو أمن .

(1/455)


وهذا ظاهر على مذهب الشافعي رحمه الله في إيجابه الصلاة على المحارب في حالة المسابقة والمشي والاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها ، فإذا اطمأن فعليه القضاء . وأما عند أبي حنيفة رحمه الله فهو معذور في تركها إلى أن يطمئن . وقيل : معناه فإذا قضيتم صلاة الخوف فأديموا ذكر الله مهللين مكبرين مسبحين داعين بالنصرة والتأييد في كافة أحوالكم من قيام وقعود واضطجاع ، فإن ما أنتم فيه من خوف وحرب جدير بذكر الله ودعائه واللجأ إليه { فَإِذَا اطمأننتم } فإذا أقمتم { فَأَقِيمُوا الصلاة } فأتموها .

(1/456)


وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)

{ وَلاَ تَهِنُواْ } ولا تضعفوا ولا تتوانوا { فِى ابتغاء القوم } في طلب الكفار بالقتال والتعرض به لهم ، ثم ألزمهم الحجة بقوله : { إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ } أي ليس ما تكابدون من الألم بالجرح والقتل مختصاً بكم ، إنما هو أمر مشترك بينكم وبينهم يصيبهم كما يصيبكم ، ثم إنهم يصبرون عليه ويتشجعون . فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم ، مع أنكم أولى منهم بالصبر لأنكم { تَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ } من إظهار دينكم على سائر الأديان ، ومن الثواب العظيم في الآخرة . وقرأ الأعرج : «أن تكونوا تألمون» ، بفتح الهمزة ، بمعنى : ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون . وقوله : { فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ } تعليل . وقرىء : «فإنهم ييلون كما تيلون» . وروي أن هذا في بدر الصغرى ، كان بهم جراح فتواكلوا { وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً } لا يكلفكم شيئاً ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا لما هو عالم به مما يصلحكم .

(1/457)


إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106)

روي :
( 315 ) أنّ طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر سرق درعاً من جار له اسمه قتادة بن النعمان في جراب دقيق ، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه ، وخبأها عند زيد بن السمين رجل من اليهود ، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها ، وما له بها علم ، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها ، فقال : دفعها إليّ طعمة ، وشهد له ناس من اليهود . فقالت بنو ظفر : انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا : إن لم تفعل هلك وافتضح وبرىء اليهودي ، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل وأن يعاقب اليهودي . وقيل : هم أن يقطع يده فنزلت . وروي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطاً بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله { بِمَا أَرَاكَ الله } بما عرفك وأوحى به إليك . وعن عمر رضي الله عنه : لا يقولنّ أحدكم قضيت بما أراني الله ، فإنّ الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكن ليجتهد رأيه ، لأن الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مصيباً ، لأن الله كان يريه إياه ، وهو منا الظن والتكلف { وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ خَصِيماً } ولا تكن لأجل الخائنين مخاصماً للبراء . يعني لا تخاصم اليهود لأجل بني ظفر { واستغفر الله } مما هممت به من عقاب اليهودي .

(1/458)


وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110)

{ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } يخونونها بالمعصية . كقوله : { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } [ البقرة : 187 ] جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم كما جعلت ظلماً لها : لأنّ الضرر راجع إليهم . فإن قلت : لم قيل { للخائنين } و { يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } وكان السارق طعمة وحده؟ قلت : لوجهين ، أحدهما : أنّ بني ظفر شهدوا له بالبراءة ونصروه ، فكانوا شركاء له في الإثم . والثاني : أنه جمع ليتناول طعمة وكل من خان خيانته ، فلا تخاصم لخائن قط ولا تجادل عنه . فإن قلت : لم قيل { خَوَّاناً أَثِيماً } على المبالغة؟ قلت : كان الله عالماً من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المآثم ، ومن كانت تلك خاتمة أمره لم يشك في حاله . وقيل : إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات . وعن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق ، فجاءت أمه تبكي وتقول : هذه أوّل سرقة سرقها فاعف عنه . فقال : كذبت ، إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة { يَسْتَخْفُونَ } يستترون { مِنَ الناس } حياء منهم وخوفاً من ضررهم { وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله } ولا يستحيون منه { وَهُوَ مَعَهُمْ } وهو عالم بهم مطلع عليهم لا يخفى عليهم خاف من سرهم ، وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم من قلة الحياء والخشية من ربهم ، مع علمهم إن كانوا مؤمنين أنهم في حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة ، وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح { يُبَيّتُونَ } يدبرون ويزوّرون وأصله أن يكون بالليل { مَا لاَ يرضى مِنَ القول } وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد ليسرّق دون ويحلف ببراءته . فإن قلت : كيف سمى التدبير قولاً ، وإنما هو معنى في النفس؟ قلت لما حدّث بذلك نفسه سمي قولاً على المجاز . ويجوز أن يراد بالقول : الحلف الكاذب الذي حلف به بعد أن بيته ، وتوريكه الذنب على اليهودي { هاأنتم هؤلاء } ها للتنبيه في أنتم . وأولاء ، وهما مبتدأ وخبر . و { جادلتم } جملة مبينة لوقوع أولاء خبرا ، كما تقول لبعض الأسخياء : أنت حاتم ، تجود بمالك ، وتؤثر على نفسك . ويجوز أن يكون ( أولاء ) اسماً موصولاً بمعنى الذين ، وجادلتم صلته . والمعنى : هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا . فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه . وقرأ عبد الله : «عنه» ، أي عن طعمة { وَكِيلاً } حافظاً ومحامياً من بأس الله وانتقامه { وَمَن يَعْمَلْ سواءا } قبيحاً متعدياً يسوء به غيره ، كما فعل طعمة بقتادة واليهودي { أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } بما يختص به كالحلف الكاذب . وقيل : ومن يعمل سوءاً من ذنب دون الشرك . أو يظلم نفسه بالشرك . وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة لتلزمه الحجة ، مع العلم بما يكون منه . أو لقومه لما فرط منهم من نصرته والذبّ عنه .

(1/459)


وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112)

{ فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ } أي لا يتعدّاه ضرره إلى غيره فليبق على نفسه من كسب السوء { خَطِيئَةً } صغيرة { أَوْ إِثْماً } أو كبيرة { ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } كما رمى طعمة زيداً { فَقَدِ احتمل بهتانا وَإِثْماً } لأنه بكسب الإثم «آثم» وبرمي البريء «باهت» فهو جامع بين الأمرين . وقرأ معاذ بن جبل رضي الله عنه : «ومن يكسب» ، بكسر الكاف والسين المشددة وأصله يكتسب .

(1/460)


وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)

{ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ } أي عصمته وألطافه وما أوحى إليك من الاطلاع على سرّهم { لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ } من بني ظفر { أَن يُضِلُّوكَ } عن القضاء بالحق وتوخي طريق العدل ، مع علمهم أن الجاني هو صاحبهم ، فقد روي أن ناساً منهم كانوا يعلمون كنه القصة { وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } لأن وباله عليهم { وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ } لأنك إنما عملت بظاهر الحال ، وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } من خفيات الأمور وضمائر القلوب ، أو من أمور الدين والشرائع . ويجوز أن يراد بالطائفة بنو ظفر ، ويرجع الضمير في ( منهم ) إلى الناس . وقيل : الآية في المنافقين .

(1/461)


لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)

{ لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ } من تناجي الناس { إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } إلا نجوى من أمر ، على أنه مجرور بدل من كثير ، كما تقول : لا خير في قيامهم إلا قيام زيد . ويجوز أن يكون منصوباً على الانقطاع ، بمعنى : ولكن من أمر بصدقة ، ففي نجواه الخير . وقيل : المعروف القرض . وقيل إغاثة الملهوف . وقيل هو عامّ في كل جميل . ويجوز أن يراد بالصدقة الواجب وبالمعروف ما يتصدق به على سبيل التطوّع . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 316 ) " كلام ابن آدم كله عليه لا له ، إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكر الله " وسمع سفيان رجلاً يقول : ما أشد هذا الحديث . فقال : ألم تسمع الله يقول : { لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ } فهو هذا بعينه أو ما سمعته يقول { والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ } [ العصر : 1- 2 ] فهذا هو بعينه . وشرط في استيجاب الأجر العظيم أن ينوي فاعل الخير عبادة الله والتقرّب به إليه ، وأن يبتغي به وجهه خالصاً . لأن الأعمال بالنيات . فإن قلت : كيف قال : { إِلاَّ مَنْ أَمَرَ } ثم قال : { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } ؟ قلت : قد ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله ، لأنه إذا دخل الآمر به في زمرة الخيرين كان الفاعل فيهم أدخل . ثم قال : { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } فذكر الفاعل وقرن به الوعد بالأجر العظيم ، ويجوز أن يراد : ومن يأمر بذلك ، فعبر عن الأمر بالفعل كما يعبر به عن سائر الأفعال ، وقرىء : «يؤتيه» ، بالياء .

(1/462)


وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121)

{ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين } وهو السبيل الذي هم عليه من الدين الحنيفي القيم ، وهو دليل على أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها ، كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسنة ، لأنّ الله عز وعلا جمع بين اتباع سبيل غير المؤمنين ، وبين مشاقة الرسول في الشرط ، وجعل جزاءه الوعيد الشديد ، فكان اتباعهم واجباً كموالاة الرسول عليه الصلاة والسلام . قوله : { نُوَلّهِ مَا تولى } نجعله والياً لما تولى من الضلال ، بأن نخذله ونخلي بينه وبين ما اختاره { وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ } وقرىء : «ونصله» ، بفتح النون ، من صلاه . وقيل : هي في طعمة وارتداده وخروجه إلى مكة { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } تكرير للتأكيد ، وقيل : كرّر لقصة طعمة ، وروي : أنه مات مشركاً . وقيل :
( 317 ) جاء شيخ من العرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني شيخ منهمك في الذنوب ، إلا أني لم أشرك بالله شيئاً منذ عرفته وآمنت به ، ولم أتخذ من دونه ولياً ، ولم أوقع المعاصي جرأة على الله ولا مكابرة له ، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هرباً ، وإني لنادم تائب مستغفر ، فما ترى حالي عند الله؟ فنزلت . وهذا الحديث ينصر قول من فسر { مَن يَشَآء } بالتائب من ذنبه { إِلاَّ إناثا } هي اللات والعزى ومناة . وعن الحسن لم يكن حيّ من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى بني فلان . وقيل : كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات الله . وقيل : المراد الملائكة . لقولهم : الملائكة بنات الله . وقرىء «أنثاً» ، جمع أنيث أو أناث . «ووثناً» . «وأثناً» ، بالتخفيف والتثقيل جمع وثن ، كقولك أسد وأسد وأسد . وقلب الواو ألفاً نحو «أُجوه» في وجوه . وقرأت عائشة رضي الله عنها : «أوثاناً» { وَإِن يَدْعُونَ } وإن يعبدون بعبادة الأصنام { إِلاَّ شيطانا } لأنه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه فجعلت طاعتهم له عبادة . و { لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لاَتَّخِذَنَّ } صفتان بمعنى شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله وهذا القول الشنيع { نَصِيباً مَّفْرُوضاً } مقطوعاً واجباً فرضته لنفسي من قولهم : فرض له في العطاء ، وفرض الجند رزقه . قال الحسن : من كل ألف تسعمائة وتسعين إلى النار { وَلامَنّيَنَّهُمْ } الأماني الباطلة من طول الأعمار ، وبلوغ الآمال ، ورحمة الله للمجرمين بغير توبة والخروج من النار بعد دخولها بالشفاعة ونحو ذلك . وتبتيكهم الآذان فعلهم بالبحائر ، كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً ، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها . وتغييرهم خلق الله : فقء عين الحامي وإعفاؤه عن الركوب . وقيل : الخصاء ، وهو في قول عامة العلماء مباح في البهائم . وأما في بني آدم فمحظور . وعند أبي حنيفة : يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم ، لأن الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم . وقيل : فطرة الله التي هي دين الإسلام ، وقيل للحسن : إن عكرمة يقول هو الخصاء ، فقال : كذب عكرمة ، هو دين الله . وعن ابن مسعود : هو الوشم . وعنه :
( 318 ) " لعن الله الواشرات والمتنمصات والمستوشمات المغيرات خلق الله " وقيل التخنث .

(1/463)


وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122)

{ وَعْدَ الله حَقّا } مصدران : الأول مؤكد لنفسه ، والثاني مؤكد لغيره { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً } توكيد ثالث بليغ . فإن قلت : ما فائدة هذه التوكيدات؟ قلت : معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة وأمانيه الباطلة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه ، ترغيباً للعباد في إيثار ما يستحقون به تنجز وعد الله ، على ما يتجرعون في عاقبته غصص إخلاف مواعيد الشيطان .

(1/464)


لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124)

في { لَّيْسَ } ضمير وعد الله ، أي ليس ينال ما وعد الله من الثواب { بأمانيكم وَلا } ب { أَمَانِىِّ أَهْلِ الكتاب } والخطاب للمسلمين لأِنه لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به ، وكذلك ذكر أهل الكتاب معهم لمشاركتهم لهم في الإيمان بوعد الله . وعن مسروق والسدي : هي في المسلمين . وعن الحسن : ليس الإيمان بالتمني ، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل ، إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا في الدنيا ولا حسنة لهم ، وقالوا : نحسن الظنّ بالله وكذبوا ، لو أحسنوا الظنّ بالله لأحسنوا العمل له . وقيل : إنّ المسلمين وأهل الكتاب افتخروا ، فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، وقال المسلمون : نحن أولى منكم ، نبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله . فنزلت . ويحتمل أن يكون الخطاب للمشركين لقولهم : إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيراً منهم وأحسن حالاً { لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً } [ مريم : 77 ] ، { إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى } [ فصلت : 50 ] وكان أهل الكتاب يقولون : نحن أبناء الله وأحباؤه . لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ، ويعضده تقدم ذكر أهل الشرك قبله . وعن مجاهد : إن الخطاب للمشركين . قوله : { مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ } وقوله : { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات } بعد ذكر تمني أهل الكتاب ، نحو من قوله : { بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ } [ البقرة : 81 ] ، وقوله : { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } عقيب قوله : { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } [ البقرة : 80 ] وإذا أبطل الله الأماني وأثبت أن الأمر كله معقود بالعمل ، وأن من أصلح عمله فهو الفائز . ومن أساء عمله فهو الهالك : تبين الأمر ووضح ، ووجب قطع الأماني وحسم المطامع ، والإقبال على العمل الصالح . ولكنه فصح لا تعيه الآذان ولا تلقى إليه الأذهان . فإن قلت : ما الفرق بين ( من ) الأولى والثانية؟ قلت : الأولى للتبعيض ، أراد ومن يعمل بعض الصالحات؛ لأنّ كلا لا يتمكن من عمل كل الصالحات لاختلاف الأحوال ، وإنما يعمل منها ما هو تكليفه وفي وسعه . وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة ، وتسقط عنه الصلاة في بعض الأحوال . والثانية لتبيين الإبهام في { وَمَنْ يَعْمَلْ } فإن قلت : كيف خص الصالحون بأنهم لا يظلمون وغيرهم مثلهم في ذلك؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما : أن يكون الراجع في ( ولا يظلمون ) لعمال السوء وعمال الصالحات جميعاً . والثاني أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دالاً على ذكره عند الآخر ، لأن كلا الفريقين مجزيون بأعمالهم لا تفاوت بينهم ، ولأن ظلم المسيء أن يزاد في عقابه ، وأرحم الراحمين معلوم أنه لا يزيد في عقاب المجرم ، فكان ذكره مستغنى عنه وأما المحسن فله ثواب وتوابع للثواب من فضل الله هي في حكم الثواب ، فجاز أن ينقص من الفضل لأنه ليس بواجب . فكان نفي الظلم دلالة على أنه لا يقع نقصان في الفضل .

(1/465)


وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125)

{ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له لا تعرف لها رباً ولا معبوداً سواه { وَهُوَ مُحْسِنٌ } وهو عامل للحسنات تارك للسيئات { حَنِيفاً } حال من المتبع ، أو من إبراهيم كقوله : { بَلْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } [ البقرة : 135 ] وهو الذي تحنف أي مال عن الأديان كلها إلى دين الإسلام { واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً } مجاز عن اصطفائه واختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله . والخليل : المخال ، وهو الذي يخالك أي يوافقك في خلالك ، أو يسايرك في طريقك ، من الخل : وهو الطريق في الرمل ، أو يسدّ خللك كما تسدّ خلله ، أو يداخلك خلال منازلك وحجبك . فإن قلت : ما موقع هذه الجملة؟ قلت : هي جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب ، كنحو ما يجيء في الشعر من قولهم :
. . . . . . . . . وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ ... فائدتها تأكيد وجوب اتباع ملته ، لأن من بلغ من الزلفى عند الله أن اتخذه خليلاً ، كان جديراً بأن تتبع ملته وطريقته . ولو جعلتها معطوفة على الجملة قبلها لم يكن لها معنى . وقيل : إن إبراهيم عليه السلام بعث إلى خليل له بمصر في أزمة أصابت الناس يمتار منه . فقال خليله : لو كان إبراهيم يطلب الميرة لنفسه لفعلت ، ولكنه يريدها للأضياف ، فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة فملؤا منها الغرائر حياء من الناس . فلما أخبروا إبراهيم عليه السلام ساءه الخبر ، فحملته عيناه وعمدت امرأته إلى غرارة منها فأخرجت أحسن حوّارى ، واختبزت واستنبه إبراهيم عليه السلام فاشتم رائحة الخبز ، فقال : من أين لكم؟ فقالت امرأته : من خليلك المصري . فقال : بل من عند خليلي الله عز وجل ، فسماه الله خليلاً .

(1/466)


وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)

{ وَللَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض } متصل بذكر العمال الصالحين والطالحين . معناه : أن له ملك أهل السموات والأرض ، فطاعته واجبة عليهم { وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْءٍ مُّحِيطاً } فكان عالماً بأعمالهم فمجازيهم على خيرها وشرها . فعليهم أن يختاروا لأنفسهم ما هو أصلح لها .

(1/467)


وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127)

{ مَا يتلى } في محل الرفع . أي الله يفتيكم والمتلوّ { فِى الكتاب } في معنى اليتامى ، يعني قوله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِى اليتامى } [ النساء : 3 ] وهو من قولك : أعجبني زيد وكرمه . ويجوز أن يكون . { مَا يتلى عَلَيْكُمْ } مبتدأ و { فِى الكتاب } خبره على أنها جملة معترضة ، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ تعظيماً للمتلو عليهم ، وأن العدل والنصفة في حقوق اليتامى من عظائم الأمور المرفوعة الدرجات عند الله التي تجب مراعاتها والمحافظة عليها ، والمخل بها ظالم متهاون بما عظمه الله . ونحوه في تعظيم القرآن : { وَإِنَّهُ فِى أُمّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ } [ الزخرف : 4 ] ويجوز أن يكون مجروراً على القسم ، كأنه قيل : قل الله يفتيكم فيهنّ ، وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب . والقسم أيضاً لمعنى التعظيم ، وليس بسديد أن يعطف على المجرور في ( فيهنّ ) ، لاختلاله من حيث اللفظ والمعنى ، فإن قلت بم تعلق قوله : { فِى يتامى النساء } ؟ قلت : في الوجه الأوّل هو صلة ( يتلى ) أي يتلى عليكم في معناهن . ويجوز أن يكون ( في يتامى النساء ) بدلاً من ( فيهن ) وأما في الوجهين الآخرين فبدل لا غير . فإن قلت : الإضافة في ( يتامى النساء ) ما هي؟ قلت : إضافة بمعنى ( من ) كقولك : عندي سحق عمامة . وقرىء : «في ييامى النساء» بياءين على قلب همزة أيامى ياء { لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } وقرىء : «ما كتب الله لهنّ» . أي ما فرض لهن من الميراث . وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى نفسه وما لها . فإن كانت جميلة تزوجها وأكل المال ، وإن كانت دميمة عضلها عن التزوج حتى تموت فيرثها { وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } يحتمل في أن تنكحوهن لجمالهن ، وعن أن تنكحوهن لدمامتهن . وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا جاءه ولي اليتيمة نظر ، فإن كانت جميلة غنية قال : زوّجها غيرك والتمس لها من هو خير منك ، وإن كانت دميمة ولا مال لها قال : تزوجها فأنت أحق بها { والمستضعفين } مجرور معطوف على يتامى النساء ، وكانوا في الجاهلية إنما يورثون الرجال القوام بالأمور دون الأطفال والنساء . ويجوز أن يكون خطاباً للأوصياء كقوله : { وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب } [ النساء : 2 ] { وَأَن تَقُومُواْ } مجرور كالمستضعفين بمعنى : يفتيكم في يتامى النساء ، وفي المستضعفين . وفي أن تقوموا . ويجوز أن يكون منصوباً بمعنى : ويأمركم أن تقوموا ، وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا لهم حقوقهم ، ولا يخلوا أحداً يهتضمهم .

(1/468)


وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)

{ خافت مِن بَعْلِهَا } توقعت منه ذلك لما لاح لها مخايله وأماراته . والنشوز : أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته والمودة والرحمة التي بين الرجل والمرأة ، وأن يؤذيها بسب أو ضرب والإعراض : أن يعرض عنها بأن يقل محادثتها ومؤانستها ، وذلك لبعض الأسباب من طعن في سنّ ، أو دمامة ، أو شيء في خلق أو خُلق ، أو ملال ، أو طموح عين إلى أخرى ، أو غير ذلك فلا بأس بهما في أن يصلحا بينهما . وقرىء : يصَّالحا . ويصالحا ، بمعنى : يتصالحا ، ويصطلحا . ونحو أصلح : اصبر في اصطبر { صُلْحاً } في معنى مصدر كل واحد من الأفعال الثلاثة . ومعنى الصلح : أن يتصالحا على أن تطيب له نفساً عن القسمة أو عن بعضها ، كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول صلى الله عليه وسلم وعرفت مكان عائشة من قلبه ، فوهبت لها يومها . وكما روى أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها وكان لها منه ولد فقالت : لا تطلقني ودعني أقوم على ولدي وتقسم لي في كل شهرين فقال : إن في هذا يصلح فهو أحب إليّ ، فأقرها . أو تهب له بعض المهر ، أو كله ، أو النفقة؛ فإن لم تفعل فليس له إلا أن يمسكها بإحسان أو يسرحها { والصلح خَيْرٌ } من الفرقة أو من النشوز والإعراض وسوء العشرة . أو هو خير من الخصومة في كل شيء . أو الصلح خير من الخيور ، كما أن الخصومة شر من الشرور وهذه الجملة اعتراض ، وكذلك قوله { وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح } ومعنى إحضار الأنفس الشح أن الشح جعل حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً ولا تنفك عنه ، يعني أنها مطبوعة عليه والغرض أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها ، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسكها إذا رغب عنها وأحب غيرها { وَإِن تُحْسِنُواْ } بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن ، وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة { وَتَتَّقُواْ } النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة { فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الإحسان والتقوى { خَبِيراً } وهو يثيبكم عليه . وكان عمران بن حطان الخارجي من أدمّ بني آدم ، وامرأته من أجملهم ، فأجالت في وجهه نظرها يوماً ثم تابعت الحمد لله ، فقال : مالك؟ قالت : حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة . قال : كيف؟ قالت : لأنك رزقت مثلي فشكرت ، ورزقت مثلك فصبرت ، وقد وعد الله الجنة عباده الشاكرين والصابرين .

(1/469)


وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129)

{ وَلَن تَسْتَطِيعُواْ } ومحال أن تستطيعوا العدل { بَيْنَ النساء ِ } والتسوية حتى لا يقع ميل البتة ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهن ، فرفع لذلك عنكم تمام العدل وغايته ، وما كلفتم منه إلا ما تستطيعون بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم ، لأنّ تكليف ما لا يستطاع داخل في حدّ الظلم { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ فصلت : 46 ] وقيل : معناه أن تعدلوا في المحبة . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 320 ) أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول « هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك » يعني المحبة؛ لأن عائشة رضي الله عنها كانت أحب إليه . وقيل : إن العدل بينهن أمر صعب بالغ من الصعوبة حداً يوهم أنه غير مستطاع ، لأنه يجب أن يسوّي بينهن في القسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة والمفاكهة والمؤانسة وغيرها مما لا يكاد الحصر يأتي من ورائه ، فهو كالخارج من حدّ الاستطاعة . هذا إذا كن محبوبات كلهن؛ فكيف إذا مال القلب مع بعضهن { فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل } فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها من غير رضاً منها ، يعني : أن اجتناب كل الميل مما هو في حد اليسر والسعة؛ فلا تفرطوا فيه إن وقع منكم التفريط في العدل كله . وفيه ضرب من التوبيخ { فَتَذَرُوهَا كالمعلقة } وهي التي ليست بذات بعل ولا مطلقة قال :
هَلْ هِيَ إلاّ حَظَّةٌ أَوْ تَطْلِيقْ ... أوْ صَلَفٌ أَوْ بَيْنَ ذَاكَ تَعْلِيقْ
وفي قراءة أبيّ : فتذروها كالمسجونة . وفي الحديث :
( 321 ) « من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل . »
وروى أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إلى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال ، فقالت عائشة رضي الله عنها : أإلى كل أزواج رسول الله بعث عمر مثل هذا؟ قالوا : لا ، بعث إلى القرشيات بمثل هذا وإلى غيرهنّ بغيره ، فقالت : ارفع رأسك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا في القسمة بماله ونفسه . فرجع الرسول فأخبره ، فأتم لهن جميعاً وكان لمعاذ امرأتان ، فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى ، فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبر واحد { وَإِن تُصْلِحُواْ } ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة { وَتَتَّقُواْ } فيما يستقبل ، غفر الله لكم .

(1/470)


وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130)

وقرىء : وإن يتفارقا ، بمعنى وإن يفارق كل واحد منهما صاحبه { يُغْنِ الله كُلاًّ } يرزقه زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشه . والسعة الغني . والمقدرة : والواسع : الغني المقتدر .

(1/471)


وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133)

{ مِن قَبْلِكُمْ } متعلق بوصينا ، أو بأوتوا { وإياكم } عطف على الذين أوتوا { الكتاب } اسم للجنس يتناول الكتب السماوية { أَنِ اتقوا } بأن اتقوا . وتكون أن المفسرة ، لأنّ التوصية في معنى القول : وقوله : { وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ } عطف على اتقوا : لأنّ المعنى : أمرناهم وأمرناكم بالتقوى ، وقلنا لهم ولكم : إن تكفروا فإن لله . والمعنى : إن لله الخلق كله وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم أصناف النعم كلها ، فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصيّ . يتقون عقابه ويرجون ثوابه . ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من الأمم السالفة ووصيناكم أن اتقوا الله ، يعني أنها وصية قديمة ما زال يوصي الله بها عباده ، لستم بها مخصوصين ، لأنهم بالتقوى يسعدون عنده ، وبها ينالون النجاة في العاقبة ، وقلنا لهم ولكم : وإن تكفروا فإن لله في سمواته وأرضه من الملائكة والثقلين من يوحده ويعبده ويتقيه { وَكَانَ الله } مع ذلك { غَنِيّاً } عن خلقه وعن عبادتهم جميعاً ، مستحقاً لأن يحمد لكثرة نعمه وإن لم يحمده أحد منهم وتكرير قوله : { للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } تقرير لما هو موجب تقواه ليتقوه فيطيعوه ولا يعصوه ، لأن الخشية والتقوى أصل الخير كله { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } يفنكم ويعدمكم كما أوجدكم وأنشأكم { وَيَأْتِ بِآخَرِينَ } ويوجد إنساً آخرين مكانكم أو خلقاً آخرين غير الإنس { وَكَانَ الله على ذلك } من الإعدام والإيجاد { قَدِيراً } بليغ القدرة لا يمتنع عليه شيء أراده ، وهذا غضب عليهم وتخويف وبيان لاقتداره . وقيل : هو خطاب لمن كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب . أي : إن يشأ يمتكم ويأت بأناس آخرين يوالونه .
ويروى :
( 322 ) أنها لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على ظهر سلمان وقال : «إنهم قوم هذا» يريد أبناء فارس .

(1/472)


مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134)

{ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا } كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة { فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والأخرة } فماله يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما ، لأن من جاهد لله خالصاً لم تخطئه الغنيمة ، وله من ثواب الآخرة ما الغنيمة إلى جنبه كلا شيء . والمعنى : فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده حتى يتعلق الجزاء بالشرط .

(1/473)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)

{ قَوَّامِينَ بالقسط } مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا { شُهَدَاء للَّهِ } تقيمون شهاداتكم لوجه الله كما أمرتم بإقامتها { وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ } ولو كانت الشهادة على أنفسكم أو آبائكم أو أقاربكم . فإن قلت : الشهادة على الوالدين والأقربين أن تقول : أشهد أن لفلان على والديّ كذا ، أو على أقاربي . فما معنى الشهادة على نفسه؟ قلت : هي الإقرار على نفسه ، لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها . ويجوز أن يكون المعنى : وإن كانت الشهادة وبالاً على أنفسكم ، أو على آبائكم وأقاربكم ، وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره { إن يَكُنْ } إن يكن المشهود عليه { غَنِيّاً } فلا تمنع الشهادة عليه لغناه طلباً لرضاه { أَوْ فَقَيراً } فلا تمنعها ترحماً عليه { فالله أولى بِهِمَا } بالغني والفقير أي بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما ، ولولا أن الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها ، لأنه أنظر لعباده من كل ناظر . فإن قلت : لم ثنى الضمير في ( أولى بهما ) وكان حقه أن يوحد ، لأن قوله : { إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً } في معنى إن يكن أحد هذين؟ قلت : قد رجع الضمير إلى ما دل عليه قوله : { إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً } لا إلى المذكور ، فلذلك ثنى ولم يفرد ، وهو جنس الغنيّ وجنس الفقير ، كأنه قيل : فالله أولى بجنسي الغنيّ والفقير ، أي بالأغنياء والفقراء ، وفي قراءة أبيّ : فالله أولى بهم وهي شاهدة على ذلك . وقرأ عبد الله : «إن يكن غني أو فقير» ، على ( كان ) التامة { أَن تَعْدِلُواْ } يحتمل العدل والعدول ، كأنه قيل : فلا تتبعوا الهوى ، كراهة أن تعدلوا بين الناس ، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق { وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ } وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل ، أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها . وقرىء : «وإن تلوا ، أو تعرضوا» ، بمعنى : وإن وليتم إقامة الشهادة أو أعرضتم عن إقامتها { فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } وبمجازاتكم عليه .

(1/474)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)

{ ياأيهالذين ءَامَنُواْ } خطاب للمسلمين . ومعنى { ءامَنُواْ } اثبتوا على الإيمان وداوموا عليه وازدادوه { والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ } المراد به جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من الكتب ، والدليل عليه قوله : { وَكُتُبِهِ } [ و ] قرىء : «وكتابه» على إرادة الجنس . وقرىء : «نزل» . «وأنزل» ، على البناء للفاعل . وقيل : الخطاب لأهل الكتاب ، لأنهم آمنوا ببعض الكتب والرسل وكفروا ببعض . وروي :
( 323 ) أنه لعبد الله بن سلام ، وأسد وأسيد ابني كعب ، وثعلبة بن قيس ، وسلام بن أخت عبد الله بن سلام ، وسلمة ابن أخيه ، ويامين بن يامين ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا رسول الله ، إنا نؤمن بك وبكتابك وموسى والتوراة وعزيز ونكفر بما سواه من الكتب والرسل ، فقال عليه السلام : «بل آمنوا بالله ورسوله محمد وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله ، فقالوا : لا نفعل ، فنزلت ، فآمنوا كلهم . وقيل : هو للمنافقين ، كأنه قيل : يا أيها الذين آمنوا نفاقاً آمنوا إخلاصاً . فإن قلت : كيف قيل لأهل الكتاب { والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ } وكانوا مؤمنين بالتوراة والإنجيل؟ قلت : كانوا مؤمنين بهما فحسب ، وما كانوا مؤمنين بكل ما أنزل من الكتب ، فأمروا أن يؤمنوا بالجنس كله ، ولأن إيمانهم ببعض الكتب لا يصح إيماناً به ، لأن طريق الإيمان به هو المعجزة ، ولا اختصاص لها ببعض الكتب دون بعض ، فلو كان إيمانهم بما آمنوا به لأجل المعجزة لآمنوا به كله ، فحين آمنوا ببعضه علم أنهم لم يعتبروا المعجزة ، فلم يكن إيمانهم إيماناً . وهذا الذي أراد عز وجلّ في قوله : { وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقّاً } [ النساء : 150 ] . فإن قلت : لم قيل ( نَزَّل على رسوله ) و ( أنزل من قبل ) ؟ قلت : لأن القرآن نزل مفرّقاً منجماً في عشرين سنة ، بخلاف الكتب قبله ، ومعنى قوله : { وَمَن يَكْفُرْ بالله } الآية ، ومن يكفر بشيء من ذلك { فَقَدْ ضَلَّ } لأن الكفر ببعضه كفر بكله . ألا ترى كيف قدم الأمر بالإيمان به جميعاً .

(1/475)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137)

{ لَّمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } نفي للغفران والهداية وهي اللطف على سبيل المبالغة التي تُعطيها اللام ، والمراد بنفيهما نفي ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت . والمعنى : إنّ الذين تكرر منهم الارتداد وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه ، يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون اللطف من إيمان صحيح ثابت يرضاه الله ، لأن قلوب أولئك الذين هذا ديدنهم قلوب قد ضربت بالكفر ومرنت على الردّة ، وكان الإيمان أهون شيء عنده وأدونه ، حيث يبدو لهم فيه كرّة بعد أخرى وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردّة ونصحت توبتهم لم يقبل منهم ولم يغفر لهم ، لأنّ ذلك مقبول حيث هو بذل للطاقة واستفراغ للوسع ، ولكنه استبعاد له واستغراب ، وأنه أمر لا يكاد يكون ، وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع ، لا يكاد يرجى منه الثبات . والغالب أنه يموت على شرِّ حال وأسمج صورة . وقيل : هم اليهود ، آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا بالإنجيل وبعيسى . ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم .

(1/476)


بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139)

{ بَشّرِ المنافقين } وضع ( بشر ) مكان : أخبر ، تهكماً بهم . و { الذين } نصب على الذمّ أو رفع بمعنى أريد الذين ، أو هم الذين . وكانوا يمايلون الكفرة ويوالونهم ويقول بعضهم لبعض : لا يتم أمر محمد فتولوا اليهود . { فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً } يريد لأوليائه الذين كتب لهم العز والغلبة على اليهود وغيرهم ، وقال : { وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } [ المنافقون : 8 ] .

(1/477)


وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)

{ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ } هي أن المخففة من الثقيلة . والمعنى أنه إذا سمعتم ، أي نزل عليكم أنّ الشأن كذا والشأن ما أفادته الجملة بشرطها وجزائها ، و ( أن ) مع ما في حيزها في موضع الرفع ب ( نَزَّل ) ، أو في موضع النصب ب ( ننزّل ) ، فيمن قرأ به . والمنزل عليهم في الكتاب : هو ما نزل عليهم بمكة من قوله : { وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِى ءاياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ } [ الأنعام : 68 ] وذلك أن المشركين كانوا يخضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزؤون به ، فنهى المسلمون عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه . وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين ، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا عن مجالسة المشركين بمكة . وكان الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون ، فقيل لهم إنكم إذاً مثل الأحبار في الكفر { إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين } يعني القاعدون والمقعود معهم . فإن قلت : الضمير في قوله : { فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ } إلى من يرجع؟ قلت : إلى من دل عليه { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } كأنه قيل : فلا تقعدوا مع الكافرين بها والمستهزئين بها . فإن قلت : لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم في وقت الخوض؟ قلت : لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين . والراضي بالكفر كافر . فإن قلت : فهلا كان المسلمون بمكة حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين منافقين؟ قلت : لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم ، فكان ترك الإنكار لرضاهم { الذين يَتَرَبَّصُونَ } إما بدل من الذين يتخذون وإما صفة للمنافقين أو نصب على الذم منهم { يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ } أي ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق { أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ } مظاهرين فأسهموا لنا في الغنيمة { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم { وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ المؤمنين } بأن ثبطناهم عنكم . وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبكم ومرضوا في قتالكم ، وتوانينا في مظاهرتهم عليكم ، فهاتوا نصيباً لنا بما أصبتم . وقرىء «ونمنعكم» بالنصب إضمار أن ، قال الحطيئة :
أَلَمْ أَكُ جَارَكُمْ وَيَكُونَ بَيْنِي ... وَبَيْنَكُمُ الْمَوَدَّةُ وَالإِخَاءُ
فإن قلت : لم سمى ظفر المسلمين فتحاً ، وظفر الكافرين نصيباً؟ قلت : تعظيماً لشأن المسلمين وتخسيساً لحظ الكافرين؛ لأن ظفر المسلمين أمر عظيم تفتح لهم أبواب السماء حتى ينزل على أوليائه ، وأمّا ظفر الكافرين ، فما هو إلا حظ دنيّ ولمظة من الدنيا يصيبونها .

(1/478)


إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143)

{ يخادعون الله } يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } وهو فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع حيث تركهم معصومي الدماء والأموال في الدنيا وأعدّ لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة ، ولم يخلهم في العاجل من فضيحة وإحلال بأس ونقمة ورعب دائم . والخادع : اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه . وقيل : يعطون على الصراط نوراً كما يعطى المؤمنون فيمضون بنورهم ثم يطفأ نورهم ويبقى نور المؤمنين ، فينادون : انظرونا نقتبس من نوركم { كسالى } قرىء بضم الكاف وفتحها ، جمع كسلان ، كسكارى في سكران ، أي يقومون متثاقلين متقاعسين ، كما ترى من يفعل شيئاً على كره لا عن طيبة نفس ورغبة { يُرَآءُونَ الناس } يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة { وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً } ولا يصلون إلا قليلاً لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به ، وما يجاهرون به قليل أيضاً لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه . أو ولا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلاً في الندرة ، وهكذا ترى كثيراً من المتظاهرين بالإسلام لو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة ، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه . ويجوز أن يراد بالقلة العدم . فإن قلت : ما معنى المراءاة وهي مفاعلة من الرؤية؟ قلت : فيها وجهان ، أحدهما : أن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحسانه . والثاني : أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل ، فيقال : راءى الناس . يعني رآهم ، كقولك : نعمه وناعمه ، وفنقه وفانقه وعيش مفانق . روى أبو زيد : رأت المرأة المرأة الرجل ، إذا أمسكتها لترى وجهه ، ويدل عليه قراءة ابن أبي إسحاق : يرأونهم بهمزة مشدّدة : مثل . يرعونهم ، أي يبصرونهم أعمالهم ويراؤونهم كذلك { مُّذَبْذَبِينَ } إمّا حال نحو قوله : ( ولا يذكرون ) عن واو يراؤن ، أي يراؤنهم غير ذاكرين مذبذبين ، أو منصوب على الذم . ومعنى ( مذبذبين ) ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر ، فهم متردّدون بينهما متحيرون . وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين أي يذاد ويدفع فلا يقرّ في جانب واحد ، كما قيل : فلان يرمى به الرحوان إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى : كلما مال إلى جانب ذب عنه . وقرأ ابن عباس «مذبذبين» بكسر الذال ، بمعنى يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم . أو بمعنى يتذبذبون . كما جاء : صلصل وتصلصل بمعنى . وفي مصحف عبد الله . متذبذبين . وعن أبي جعفر : «مدبدبين» ، بالدال غير المعجمة وكأن المعنى : أخذ بهم تارة في دبة وتارة في دبة ، فليسوا بماضين على دبة واحدة . والدبة : الطريقة ومنها : دبة قريش . و { ذلك } إشارة إلى الكفر والإيمان { لآ إلى هؤلاءآء } لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونون مؤمنين { وَلاَ إلى هؤلاءآء } ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسمون مشركين .

(1/479)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144)

{ لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَاء } لا تتشبهوا بالمنافقين في اتخاذهم اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام أولياء { سلطانا } حجة بينة ، يعني أن موالاة الكافرين بينة على النفاق . وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له : خالص المؤمن ، وخالق الكافر والفاجر؛ فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن ، وإنه يحق عليك أن تخالص المؤمن .

(1/480)


إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146)

{ الدرك الأسفل } الطبق الذي في قعر جهنم ، والنار سبع دركات ، سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض ، وقرىء بسكون الراء ، والوجه التحريك ، لقولهم : أدراك جهنم . فإن قلت : لِمَ كان المنافق أشدّ عذاباً من الكافر؟ قلت : لأنه مثله في الكفر ، وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله ومداجاتهم { وَأَصْلَحُواْ } ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق { واعتصموا بالله } ووثقوا به كما يثق المؤمنون الخلص { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه { فَأُوْلَئِكَ مَعَ المؤمنين } فهم أصحاب المؤمنين ورفقاؤهم في الدارين { وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً } فيشاركونهم فيه ويساهمونهم . فإن قلت : مَن المنافق؟ قلت : هو في الشريعة من أظهر الإيمان وأبطن الكفر . وأمّا تسمية من ارتكب ما يفسق به : بالمنافق فللتغليظ ، كقوله :
( 324 ) «من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر» ومنه قوله عليه الصلاة والسلام :
( 325 ) " ثلاث من كنّ فيه فهو منافق ، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم : من إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان " ، وقيل لحذيفة رضي الله عنه : مَن المنافق؟ فقال : الذي يصف الإسلام ولا يعمل به . وقيل لابن عمر : ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه فقال : كنا نعدّه من النفاق . وعن الحسن : أتى على النفاق زمان وهو مقروع فيه ، فأصبح وقد عمم وقلد وأعطى سيفاً ، يعني الحجاج .

(1/481)


مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)

{ مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ } أيتشفى به من الغيظ ، أم يدرك به الثار ، أم يستجلب به نفعاً ، أم يستدفع به ضرراً كما يفعل الملوك بعذابهم ، وهو الغنيّ الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك . وإنما هو أمر أوجبته الحكمة أن يعاقب المسيء ، فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب { وَكَانَ الله شاكرا } مثيباً موفياً أجوركم { عَلِيماً } بحق شكركم وإيمانكم . فإن قلت : لم قدم الشكر على الإيمان؟ قلت : لأن العاقل ينظر إلى ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضه للمنافع ، فيشكر شكراً مبهماً ، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكراً مفصلاً ، فكان الشكر متقدماً على الإيمان ، وكأنه أصل التكليف ومداره .

(1/482)


لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149)

{ إَلاَّ مَن ظُلِمَ } إلا جهر من ظلم استثنى من الجهر الذي لا يحبه الله جهر المظلوم . وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء . وقيل : هو أن يبدأ بالشتيمة فيرد على الشاتم { وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ } [ الشورى : 41 ] وقيل : ضاف رجل قوماً فلم يطعموه ، فأصبح شاكياً ، فعوتب على الشكاية فنزلت ، وقرىء «إلا من ظلم» على البناء للفاعل للانقطاع . أي ولكن الظالم راكب ما لا يحبه الله فيجهر بالسوء . ويجوز أن يكون ( من ظلم ) مرفوعاً ، كأنه قيل : لا يحب الله الجهر بالسوء ، إلا الظالم على لغة من يقول : ما جاءني زيد إلا عمرو ، بمعنى ما جاءني إلا عمرو . ومنه { لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى السموات والأرض الغيب إِلاَّ الله } [ النمل : 65 ] ثم حث على العفو ، وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار ، بعد ما أطلق الجهر به وجعله محبوباً ، حثاً على الأحب إليه ، والأفضل عنده والأدخل في الكرم والتخشع والعبودية ، وذكر إبداء الخير وإخفاءه تنبيهاً للعفو ، ثم عطفه عليهما اعتداداً به وتنبيهاً على منزلته ، وأن له مكاناً في باب الخير وسيطاً والدليل على أن العفو هو الغرض المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله : { فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً } أي يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام ، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله .

(1/483)


إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151)

جعل الذين آمنوا بالله وكفروا برسله أو آمنوا بالله وببعض رسله وكفروا ببعض كافرين بالله ورسله جميعاً لما ذكرنا من العلة ، ومعنى اتخاذهم بين ذلك سبيلاً : أن يتخذوا ديناً وسطاً بين الإيمان والكفر كقوله : { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً } [ الإسراء : 110 ] أي طريقاً وسطاً في القراءة وهو ما بين الجهر والمخافتة . وقد أخطؤوا ، فإنه لا واسطة بين الكفر والإيمان ولذلك قال : { أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقّاً } أي هم الكاملون في الكفر . و ( حقاً ) تأكيد لمضمون الجملة ، كقولك : هو عبد الله حقاً ، أي حق ذلك حقاً ، وهو كونهم كاملين في الكفر ، أو هو صفة لمصدر الكافرين ، أي هم الذين كفروا كفراً حقاً ثابتاً يقيناً لا شك فيه .

(1/484)


وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152)

فإن قلت : كيف جاز دخول { بَيْنَ } على { أَحَدٍ } وهو يقتضي شيئين فصاعداً؟ قلت : إن أحداً عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما ، تقول : ما رأيت أحداً ، فتقصد العموم ، ألا تراك تقول : إلا بني فلان ، وإلا بنات فلان؛ فالمعنى : ولم يفرقوا بين اثنين منهم أو بين جماعة ومنه قوله تعالى : { لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النساء } [ الأحزاب : 32 ] ، { سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ } معناه : أنّ إيتاءها كائن لا محالة وإن تأخر فالغرض به توكيد الوعد وتثبيته لا كونه متأخراً .

(1/485)


يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)

روي :
( 326 ) أنّ كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا وغيرهما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كنت نبياً صادقاً فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى . فنزلت . وقيل : كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان أنك رسول الله ، وقيل : كتاباً نعاينه حين ينزل . وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت ، قال الحسن : ولو سألوه لكي يتبينوا الحق لأعطاهم ، وفيما آتاهم كفاية { فَقَدْ سَأَلُواْ موسى } جواب لشرط مقدر . معناه : إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى . { أَكْبَرَ مِن ذلك } وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى وهم النقباء السبعون ، لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومضاهين لهم في التعنت { جَهْرَةً } عياناً بمعنى أرناه نره جهرة { بِظُلْمِهِمْ } بسبب سؤالهم الرؤية . ولو طلبوا أمراً جائزاً لما سموا ظالمين ولما أخذتهم الصاعقة ، كما سأل إبراهيم عليه السلام أن يريه إحياء الموتى فلم يسمه ظالماً ولا رماه بالصاعقة ، فتباً للمشبهة ورمياً بالصواعق { وَءَاتَيْنا مُوسَى اسلطانا مُّبِيناً } تسلطاً واستيلاء ظاهراً عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم حتى يتاب عليهم فأطاعوه ، واحتبوا بأفنيتهم والسيوف تتساقط عليهم فيالك من سلطان مبين { بميثاقهم } بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه { وَقُلْنَا لَهُمُ } والطور مطل عليهم { ادخلوا الباب سُجَّداً } ولا تعدوا في السبت ، وقد أخذ منهم الميثاق على ذلك ، وقولهم سمعنا وأطعنا ، ومعاهدتهم على أن يتموا عليه ثم نقضوه بعد . وقرىء : «لا تعتدوا» . «ولا تعدّوا» ، بادغام التاء في الدال { فَبِمَا نَقْضِهِم } فبنقضهم . و ( ما ) مزيدة للتوكيد . فإن قلت : بم تعلقت الباء؟ وما معنى التوكيد؟ قلت : إما أن يتعلق بمحذوف ، كأنه قيل : فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا ، وإما أن يتعلق بقوله : { حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ } على أنّ قوله : { فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ } [ النساء : 160 ] بدل من قوله : { فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم } وأما التوكيد فمعناه تحقيق أنّ العقاب أو تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك . فإن قلت : هلا زعمت أن المحذوف الذي تعلقت به الباء ما دل عليه قوله : { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا } فيكون التقدير : فبما نقضهم ميثاقهم طبع الله على قلوبهم ، بل طبع الله عليها بكفرهم . قلت : لم يصح هذا التقدير لأنّ قوله : { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } ردّ وإنكار لقولهم : { قُلُوبُنَا غُلْفٌ } فكان متعلقاً به ، وذلك أنهم أرادوا بقولهم : ( قلوبنا غلف ) أن الله خلق قلوبنا غلفاً ، أي في أكنة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والموعظة ، كما حكى الله عن المشركين وقالوا : { لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم } [ الزخرف : 20 ] وكمذهب المجبرة أخزاهم الله ، فقيل لهم : بل خذلها الله ومنعها الألطاف بسبب كفرهم ، فصارت كالمطبوع عليها ، لا أن تخلق غلفاً غير قابلة للذكر ولا متمكنة من قبوله .

(1/486)


فإن قلت : علام عطف قوله : { وَبِكُفْرِهِمْ } ؟ قلت : الوجه أن يعطف على ( فبما نقضهم ) ويجعل قوله : { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } كلاماً تبع قوله : { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } على وجه الاستطراد ، يجوز عطفه على ما يليه من قوله : ( بكفرهم ) . فإن قلت : ما معنى المجيء بالكفر معطوفاً على ما فيه ذكره ، سواء عطف على ما قبل حرف الإضراب ، أو على ما بعده ، وهو قوله : { وَكُفْرِهِم بئايات الله } وقوله : { بِكُفْرِهِمْ } ؟ قلت : قد تكرّر منهم الكفر ، لأنهم كفروا بموسى ، ثم بعيسى ، ثم بمحمد صلوات الله عليهم ، فعطف بعض كفرهم على بعض ، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه ، كأنه قيل : فبجمعهم بين نقض الميثاق ، والكفر بآيات الله ، وقتل الأنبياء وقولهم : قلوبنا غلف ، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم ، وافتخارهم بقتل عيسى ، عاقبناهم . أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا . والبهتان العظيم : هو التزنية . فإن قلت : كانوا كافرين بعيسى عليه السلام ، أعداء له ، عامدين لقتله ، يسمونه الساحر بن الساحرة ، والفاعل بن الفاعلة ، فكيف قالوا : ( إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ) ؟ قلت : قالوه على وجه الاستهزاء ، كقول فرعون { إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } [ الشعراء : 27 ] ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى عما كانوا يذكرونه به وتعظيماً لما أرادوا بمثله كقوله : { لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً } [ الزخرف : 9 ] روي أنّ رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمّه فدعا عليهم «اللَّهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني ، اللَّهم العن من سبني وسب والدتي» ، فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير ، فأجمعت اليهود على قتله ، فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود ، فقال لأصحابه : أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم : أنا . فألقي- عليه شبهه فقتل وصلب . وقيل : كان رجلاً ينافق عيسى ، فلما أرادوا قتله قال : أنا أدلكم عليه ، فدخل بيت عيسى فرفع عيسى وألقي شبهه على المنافق ، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : إنه إله لا يصح قتله . وقال بعضهم : إنه قتل وصلب . وقال بعضهم إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ وقال بعضهم رفع إلى السماء وقال بعضهم : الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا . فإن قلت : { شُبّهَ } مسند إلى ماذا؟ إن جعلته مسنداً إلى المسيح ، فالمسيح مشبه به وليس بمشبه ، وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر قلت : هو مسند إلى الجار والمجرور وهو { لهم } كقولك خيل إليه ، كأنه قيل : ولكن وقع لهم التشبيه .

(1/487)


ويجوز أن يسند إلى ضمير المقتول : لأنّ قوله : إنا قتلنا يدل عليه ، كأنه قيل : ولكن شبه لهم من قتلوه { إِلاَّ اتباع الظن } استثناء منقطع لأنّ اتباع الظن ليس من جنس العلم ، يعني : ولكنهم يتبعون الظن . فإن قلت : قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين ، ثم وصفوا بالظن والظن أن يرتجح أحدهما ، فكيف يكونون شاكين ظانين؟ قلت : أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط ، ولكن إن لاحت لهم أمارة فظنوا ، فذاك { وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً } وما قتلوه قتلاً يقيناً . أو ما قتلوه متيقنين ، كما ادّعوا ذلك في قولهم : ( إنا قتلنا المسيح ) أو يجعل ( يقيناً ) تأكيداً لقوله : { وَمَا قَتَلُوهُ } كقولك : ما قتلوه حقاً أي حق انتفاء قتله حقاً . وقيل : هو من قولهم : قتلت الشيء علماً ونحرته علماً إذا تبالغ فيه علمك . وفيه تهكم ، لأنه إذا نفى عنهم العلم نفياً كلياً بحرف الاستغراق . ثم قيل : وما علموه علم يقين وإحاطة لم يكن إلا تهكماً بهم { لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ } جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره : وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمننّ به . ونحوه : { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } [ الصافات : 164 ] { وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } [ مريم : 71 ] والمعنى : وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمننّ قبل موته بعيسى ، وبأنه عبد الله ورسوله ، يعني : إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف . وعن شهر بن حوشب : قال لي الحجاج : آية ما قرأتها إلا تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية ، وقال : إني أوتى بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك ، فقلت : إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا : يا عدوّ الله ، أتاك موسى نبياً فكذبت به فيقول : آمنت أنه عبد نبيّ . وتقول للنصراني : أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه الله أو ابن الله ، فيؤمن أنه عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه . قال : وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليّ وقال : ممن؟ قلت : حدثني محمد بن عليّ ابن الحنفية ، فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال : لقد أخذتها من عين صافية ، أو من معدنها . قال الكلبي : فقلت له : ما أردت إلى أن تقول حدثني محمد بن عليّ ابن الحنفية . قال : أردت أن أغيظه ، يعني بزيادة اسم عليّ ، لأنه مشهور بابن الحنفية . وعن ابن عباس أنه فسره كذلك ، فقال له عكرمة : فإن أتاه رجل فضرب عنقه قال : لا تخرج نفسه حتى يحرّك بها شفتيه . قال : وإن خرّ من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع قال : يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به . وتدل عليه قراءة أبيّ : «إلا ليؤمننّ به قبل موتهم» بضم النون على معنى : وإن منهم أحد إلا سيؤمنون به قبل موتهم ، لأنّ أحداً يصلح للجمع .

(1/488)


فإن قلت : ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟ قلت : فائدته الوعيد ، وليكون علمهم بأنهم لا بدّ لهم من الإيمان به عن قريب عند المعاينة ، وأن ذلك لا ينفعهم ، بعثاً لهم وتنبيهاً على معالجة الإيمان به في أوان الانتفاع به ، وليكون إلزاماً للحجة لهم ، وكذلك قولهُ : { وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } يشهد على اليهود بأنهم كذبوه ، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله . وقيل : الضميران لعيسى ، بمعنى : وإن منهم أحد إلا ليؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى ، وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله . روي :
( 327 ) « أنه ينزل من السماء في آخر الزمان ، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به ، حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام ، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال ، وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود مع الإبل ، والنمور مع البقر ، والذئاب مع الغنم ، ويلعب الصبيان بالحيات ، ويلبث في الأرض أربعين سنة ، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه » ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به ، على أن الله يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان ، ويعلمهم نزوله وما أنزل له ، ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم . وقيل : الضمير في ( به ) يرجع إلى الله تعالى . وقيل : إلى محمد صلى الله عليه وسلم .

(1/489)


فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)

{ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ } فبأي ظلم منهم . والمعنى ما حرمنا عليهم الطيبات إلا لظلم عظيم ارتكبوه . وهو ما عدّد لهم من الكفر والكبائر العظيمة . والطيبات التي حرّمت عليهم : ما ذكره في قوله : { وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } [ الأنعام : 146 ] وحرّمت عليهم الألبان ، وكلَّما أذنبوا ذنباً صغيراً أو كبيراً حرّم عليهم بعض الطيبات في المطاعم وغيرها { وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً } ناساً كثيراً أو صدًّا كثيراً { بالباطل } بالرشوة التي كانوا يأخذونها من سفلتهم في تحريف الكتاب { لكن الراسخون } يريد من آمن منهم ، كعبد الله بن سلام وأضرابه ، والراسخون في العلم الثابتون فيه المتقنون المستبصرون { والمؤمنون } يعني المؤمنين منهم ، أو المؤمنون من المهاجرين والأنصار . وارتفع الراسخون على الابتداء . و { يُؤْمِنُونَ } خبره . و { وَالمقيمين } نصب على المدح لبيان فضل الصلاة ، وهو باب واسع . وقد كسره سيبويه على أمثلة وشواهد . ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحناً في خط المصحف . وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان ، وغبي عليه أنّ السابقين الأوّلين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه ، من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدّها من بعدهم وخرقاً يرفوه من يلحق بهم . وقيل : هو عطف على { بِمآ أُنزَلَ إِلَيْكَ } أي يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء . وفي مصحف عبد الله : «والمقيمون» ، بالواو . وهي قراءة مالك بن دينار ، والجحدري ، وعيسى الثقفي .

(1/490)


إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166)

{ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء . واحتجاج عليهم بأنّ شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا . وقرىء «زبوراً» بضم الزاي جمع زبر وهو الكتاب { وَرُسُلاً } نصب بمضمر في معنى : أوحينا إليك وهو : أرسلنا ، ونبأنا ، وما أشبه ذلك . أو بما فسره قصصناهم . وفي قراءة أبيّ : «ورسل قد قصصناهم عليك من قبل ورسل لم نقصصهم» . وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب : أنهما قرآ { وَكَلَّمَ الله } بالنصب . ومن بدع التفاسير أنه من الكَلْم ، وأن معناه وجرّح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن { رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } الأوجه أن ينتصب على المدح . ويجوز انتصابه على التكرير . فإن قلت : كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل ، وهم محجوجون بما نصبه الله من الأدلة التي النظر فيها موصل إلى المعرفة ، والرسل في أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر في تلك الأدلة ، ولا عرف أنهم رسل الله إلا بالنظر فيها؟ قلت : الرسل منبهون عن الغفلة ، وباعثون على النظر ، كما ترى علماء أهل العدل والتوحيد مع تبليغ ما حملوه من تفضيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع ، فكان إرسالهم إزاحة للعلة وتتميماً لإلزام الحجة ، لئلا يقولوا : لولا أرسلت إلينا رسولاً فيوقظنا من سنة الغفلة وينبهنا لما وجب الانتباه له . وقرأ السلمي : لكنّ الله يشهد ، بالتشديد . فإن قلت : الاستدراك لا بدّ له من مستدرك فما هو قوله : { لكن الله يَشْهَدُ } ؟ قلت : لما سأل أهل الكتاب إنزال الكتاب من السماء وتعنتوا بذلك واحتج عليهم بقوله : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } قال : لكن الله يشهد ، بمعنى أنهم لا يشهدون لكن الله يشهد . وقيل : لما نزل { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } قالوا : ما نشهد لك بهذا ، فنزل { لكن الله يَشْهَدُ } ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه : إثباته لصحته بإظهار المعجزات ، كما تثبت الدعاوى بالبينات . وشهادة الملائكة : شهادتهم بأنه حق وصدق . فإن قلت : بم يجابون لو قالوا : بم يعلم أن الملائكة يشهدون بذلك؟ قلت : يجابون بأنه يعلم بشهادة الله ، لأنه لما علم بإظهار المعجزات أنه شاهد بصحته علم أن الملائكة يشهدون بصحة ما شهد بصحته؛ لأنّ شهادتهم تبع لشهادته . فإن قلت : ما معنى قوله : { أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } وما موقعه من الجملة التي قبله؟ قلت : معناه أنزله ملتبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره ، وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان ، وموقعه مما قبله موقع الجملة المفسرة لأنه بيان للشهادة ، وأن شهادته بصحته أنه أنزله بالنظم المعجز الفائت للقدرة . وقيل أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه . وقيل : أنزله مما علم من مصالح العباد مشتملاً عليه . ويحتمل : أنه أنزل وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد من الملائكة ، والملائكة يشهدون بذلك ، كما قال في آخر سورة الجنّ . ألا ترى إلى قوله تعالى : { وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ } [ الجن : 8 ] والإحاطة بمعنى العلم { وكفى بالله شَهِيداً } وإن لم يشهد غيره ، لأنّ التصديق بالمعجزة هو الشهادة حقاً { قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله } [ الأنعام : 19 ] .

(1/491)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169)

{ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ } جمعوا بين الكفر والمعاصي ، وكان بعضهم كافرين وبعضهم ظالمين أصحاب كبائر ، لأنه لا فرق بين الفريقين في أنه لا يغفر لهما إلا بالتوبة { وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً } لا يلطف بهم فيسلكون الطريق الموصل إلى جهنم . أو لا يهديهم يوم القيامة طريقاً إلا طريقها { يَسِيراً } أي لا صارف له عنه .

(1/492)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171)

{ فَئَامِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ } وكذلك { انتهوا خَيْراً لَّكُمْ } انتصابه بمضمر ، وذلك أنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر فقال : { خَيْراً لَّكُمْ } أي اقصدوا ، أو ائتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث . وهو الإيمان والتوحيد { لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ } غلت اليهود في حط المسيح عن منزلته ، حيث جعلته مولوداً لغير رشدة . وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه إلها { وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق } وهو تنزيهه عن الشريك والولد . وقرأ جعفر بن محمد «إنما المسيح» بوزن السِّكيت . وقيل لعيسى ( كلمة الله ) ( وكلمة منه ) لأنه وجد بكلمته وأمره لا غير ، من غير واسطة أب ولا نطفة . وقيل له : روح الله ، وروح منه ، لذلك ، لأنه ذو روح وجد من غير جزء من ذي روح ، كالنطفة المنفصلة من الأب الحيِّ وإنَّما اخترع اختراعاً عند الله وقدرته خالصة . ومعنى { ألقاها إلى مَرْيَمَ } أوصلها إليها وحصلها فيها { ثلاثة } خبر مبتدأ محذوف ، فإن صحت الحكاية عنهم أنهم يقولون : هو جوهر واحد ثلاثة أقانيم ، أقنوم الأب ، وأقنوم الابن ، وأقنوم روح القدس . وأنهم يريدون بأقنوم الأب : الذات ، وبأقنوم الابن : العلم ، وبأقنوم روح القدس : الحياة ، فتقديره الله ثلاثة؛ وإلا فتقديره : الآلهة ثلاثة . والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة ، وأنّ المسيح ولد الله من مريم . ألا ترى إلى قوله : { ءَأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله } [ المائدة : 116 ] ، { وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله } [ التوبة : 30 ] والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون : في المسيح لاهوتية وناسوتية من جهة الأب والأم . ويدل عليه قوله : { إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ } فأثبت أنه ولد لمريم اتصل بها اتصال الأولاد بأمّهاتها ، وأن اتصاله بالله تعالى من حيث أنه رسوله ، وأنه موجود بأمره وابتداعه جسداً حياً من غير أب ، فنفى أن يتصل به اتصال الأبناء بالآباء . وقوله : { سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } وحكاية الله أوثق من حكاية غيره . ومعنى { سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } سبحه تسبيحاً من أن يكون له ولد . وقرأ الحسن : «إن يكونُ» ، بكسر الهمزة ورفع النون : أي سبحانه ما يكون له ولد . على أنّ الكلام جملتان { لَّهُ وما فِى السماوات وَمَا فِى الأرض } بيان لتنزهه عما نسب إليه ، يعني أنَّ كل ما فيهما خلقه وملكه ، فكيف يكون بعض ملكه جزأ منه ، على أنَّ الجزء إنَّما يصح في الأجسام وهو متعال عن صفات الأجسام والأعراض { وكفى بالله وَكِيلاً } يكل إليه الخلق كلهم أمورهم ، فهو الغني عنهم وهم الفقراء إليه .

(1/493)