صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الكشاف
المؤلف : أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

والمعنى : أن الأبوين إذا خلصا تقاسما الميراث : للذكر مثل حظ الأنثيين ، فإن قلت : ما العلة في أن كان لها ثلث ما بقي دون ثلث المال؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما أنّ الزوج إنما استحق ما يسهم له بحق العقد لا بالقرابة . فأشبه الوصية في قسمة ما وراءه . والثاني : أن الأب أقوى في الإرث من الأم ، بدليل أنه يضعف عليها إذا خلصا ويكون صاحب فرض وعصبة ، وجامعا بين الأمرين ، فلو ضرب لها الثلث كملاً لأدى إلى حط نصيبه عن نصيبها . ألا ترى أن امرأة لو تركت زوجاً وأبوين فصار للزوج النصف وللأم الثلث والباقي للأب ، حازت الأم سهمين والأب سهماً واحداً ، فينقلب الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين { فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِهِ السدس } الإخوة يحجبون الأم عن الثلث وإن كانوا لا يرثون مع الأب ، فيكون لها السدس وللأب خمسة الأسداس ، ويستوي في الحجب الاثنان فصاعداً إلا عند ابن عباس . وعنه أنهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأم . فإن قلت : فكيف صحّ أن يتناول الإخوة الأخوين . والجمع خلاف التثنية؟ قلت : الإخوة تفيد معنى الجمعية المطلقة بغير كمية ، والتثنية كالتثليث والتربيع في إفادة الكمية ، وهذا موضع الدلالة على الجمع المطلق ، فدل بالإخوة عليه . وقرىء : «فلإمّه» ، بكسر الهمزة إتباعاً للجرّة : ألا تراها لا تكسر في قوله : { وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءايَةً } [ المؤمنون : 50 ] ، { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ } متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها ، لا بما يليه وحده ، كأنه قيل قسمة هذه الأنصبة من بعد وصية يوصى بها . وقرىء «يوصى بها» بالتخفيف والتشديد . و«ويُوصى بها» على البناء للمفعول مخففاً . فإن قلت : ما معنى أو؟ قلت : معناها الإباحة : وأنه إن كان أحدهما أو كلاهما ، قدم على قسمة الميراث ، كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين . فإن قلت : لم قدّمت الوصية على الدين والدين مقدم عليها في الشريعة؟ قلت : لما كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض ، كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم ولا تطيب أنفسهم بها ، فكان أداؤها مظنة للتفريط ، بخلاف الدين فإنّ نفوسهم مطمئنة إلى أدائه ، فلذلك قدمت على الدين بعثاً على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين ، ولذلك جيء بكلمة «أو» للتسوية بينهما في الوجوب ، ثم أكد ذلك ورغب فيه بقوله : { ءَابَاؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ } أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون ، أمن أوصى منهم أمن لم يوص؟ يعني أن من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً وأحضر جدوى ممن ترك الوصية ، فوفر عليكم عرض الدنيا وجعل ثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا ، ذهاباً إلى حقيقة الأمر ، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلاً قريباً في الصورة ، إلا أنه فانٍ ، فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى .

(1/385)


وثواب الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باق فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى . وقيل : إن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه فيرفع . وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه ، سأل أن يرفع إليه ابنه . فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً . وقيل : قد فرض الله الفرائض على ما هو عنده حكمة . ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع ، فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة . وقيل : الأب يجب عليه النفقة على الابن إذا احتاج ، وكذلك الابن إذا كان محتاجاً فهما في النفع بالنفقة لا يدري أيهما أقرب نفعاً . وليس شيء من هذه الأقاويل بملائم للمعنى ولا مجاوب له ، لأن هذه الجملة اعتراضية . ومن حق الاعتراضي أن يؤكد ما اعترض بينه ويناسبه ، والقول ما تقدم { فَرِيضَةً } نصبت نصب المصدر المؤكد ، أي فرض ذلك فرضاً { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً } بمصالح خلقه { حَكِيماً } في كل ما فرض وقسم من المواريث وغيرها .

(1/386)


وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)

{ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ } منكم أو من غيركم . جعلت المرأة على النصف من الرجل بحق الزواج ، كما جعلت كذلك بحق النسب . والواحدة والجماعة سواء في الربع والثمن { وَإِن كَانَ رَجُلٌ } يعني الميت . و { يُورَثُ } من ورث ، أي يورث منه وهو صفة لرجل . و { كلالة } خبر كان ، أي وإن كان رجل موروث منه كلالة ، أو يجعل يورث خبر كان ، وكلالة حالاً من الضمير في يورث . وقرىء «يُورِث» و«يُورّث» بالتخفيف والتشديد على البناء للفاعل ، وكلالة حال أو مفعول به . فإن قلت : ما الكلالة؟ قلت : ينطلق على ثلاثة على من لم يخلف ولداً ولا والداً ، وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين ، وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد . ومنه قولهم : ما ورث المجد عن كلالة ، كما تقول : ما صمت عن عيّ ، وما كف عن جبن . والكلالة في الأصل : مصدر بمعنى الكلال ، وهو ذهاب القوّة من الإعياء . قال الأعشى :
فَآلَيْتُ لاَ أَرْثِي لَهَا مِنْ كَلاَلَةٍ ... فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد ، لأنها بالإضافة إلى قرابتهما كالة ضعيفة ، وإذا جعل صفة للموروث أو الوارث فبمعنى ذي كلالة . كما تقول : فلان من قرابتي ، تريد من ذوي قرابتي . ويجوز أن تكون صفة كالهجاجة والفقاقة للأحمق . فإن قلت : فإن جعلتها اسماً للقرابة في الآية فعلام تنصبها؟ قلت : على أنها مفعول له أي يورث لأجل الكلالة أو يورث غيره لأجلها ، فإن قلت : فإن جعلت يورث على البناء للمفعول من أورث ، فما وجهه؟ قلت : الرجل حينئذٍ هو الوارث لا الموروث . فإن قلت : فالضمير في قوله : { فَلِكُلِّ واحد مّنْهُمَا } إلى من يرجع حيئنئذٍ؟ قلت : إلى الرجل وإلى أخيه أو أخته ، وعلى الأول إليهما . فإن قلت : إذا رجع الضمير إليهما أفاد استواءهما في حيازة السدس من غير مفاضلة الذكر الأنثى ، فهل تبقى هذه الفائدة قائمة في هذا الوجه؟ قلت : نعم ، لأنك إذا قلت السدس له أو لواحد من الأخ أو الأخت على التخيير فقد سوّيت بين الذكر والأنثى . وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، أنه سئل عن الكلالة فقال : أقول فيه برأيي ، فإن كان صواباً فمن الله ، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله منه بريء . الكلالة : ما خلا الولد والوالد . وعن عطاء والضحاك : أنّ الكلالة هو الموروث . وعن سعيد بن جبير : هو الوارث ، . وقد أجمعوا على أنّ المراد أولاد الأم . وتدل عليه قراءة أبيّ : «وله أخ أو أخت من الأم» . وقراءة سعد بن أبي وقاص : «وله أخ أو أخت من أم» . وقيل : إنما استدل على أن الكلالة هاهنا الإخوة للأم خاصة بما ذكر في آخر السورة من أنّ للأختين الثلثين وأنّ للإخوة كل المال ، فعلم هاهنا لما جعل للواحد السدس ، وللاثنين الثلث ، ولم يزادوا على الثلث شيئاً أنه يعني بهم الإخوة للأم ، وإلا فالكلالة عامة لمن عدا الولد والوالد من سائر الإخوة الأخياف والأعيان وأولاد العلات وغيرهم { غَيْرَ مُضَارٍّ } حال ، أي يوصي بها وهو غير مضارّ لورثته وذلك أن يوصي بزيادة على الثلث ، أو يوصي بالثلث فما دونه ، ونيته مضارّة ورثته ومغاضبتهم لا وجه الله تعالى .

(1/387)


وعن قتادة : كره الله الضرار في الحياة وعند الممات ونهى عنه . وعن الحسن : المضارة في الدين أن يوصي بدين ليس عليه ومعناه الإقرار { وَصِيَّةً مّنَ الله } مصدر مؤكد ، أي يوصيكم بذلك وصية ، كقوله : { فَرِيضَةً مّنَ الله } [ النساء : 11 ] ويجوز أن تكون منصوبة بغير مضار ، أي لا يضار وصية من الله وهو الثلث فما دونه بزيادته على الثلث أو وصية من الله بالأولاد وأن لا يدعهم عالة بإسرافه في الوصية . وينصر هذا الوجه قراءة الحسن : «غير مضارّ وصية من الله» بالإضافة { والله عَلِيمٌ } بمن جار أو عدل في وصيته { حَلِيمٌ } عن الجائر لا يعالجه . وهذا وعيد . فإن قلت : في { يوصى } ضمير الرجل إذا جعلته الموروث ، فكيف تعمل إذا جعلته الوارث؟ قلت : كما علمت في قوله تعالى : { فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } [ النساء : 11 ] لأنه علم أن التارك والموصي هو الميت . فإن قلت : فأين ذو الحال فيمن قرأ «يوصى بها» على ما لم يسم فاعله؟ قلت يضمر ( يوصى ) فينتصب عن فاعله لأنه لما قيل { يُوصِى بِهَا } علم أن ثم موصياً ، كما قال : { يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والاصال رجال } [ النور : 36 ] على ما لم يسمّ فاعله ، فعلم أن ثم مسبحاً ، فأضمر يسبح فكما كان ( رجال ) فاعل ما يدل عليه يسبح ، كان غير مضارّ حالاً عما يدل عليه يوصى بها .

(1/388)


تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)

{ تِلْكَ } إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا والمواريث . وسماها حدوداً ، لأن الشرائع كالحدود المضروبة الموقتة للمكلفين ، لا يجوز لهم أن يتجاوزها ويتخطوها إلى ما ليس لهم بحق { يُدْخِلْهُ } قرىء بالياء والنون ، وكذلك { يُدْخِلْهُ نَاراً } وقيل : يدخله ، وخالدين حملاً على لفظ «من» ومعناه . وانتصب خالدين وخالداً على الحال . فإن قلت : هل يجوز أن يكونا صفتين لجنات وناراً؟ قلت : لا ، لأنهما جريا على غير من هما له . فلا بدّ من الضمير وهو قولك : خالدين هم فيها . وخالداً هو فيها .

(1/389)


وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16)

{ يَأْتِينَ الفاحشة } يرهقنها . يقال أتى الفاحشة وجاءها وغشيها ورهقها بمعنى . وفي قراءة ابن مسعود : «يأتين بالفاحشة» . والفاحشة : الزنا لزيادتها في القبح على كثير من القبائح { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى البيوت } قيل معناه : فخلدوهن محبوسات في بيوتكم ، وكان ذلك عقوبتهن في أول الإسلام . ثم نسخ بقوله تعالى : { الزانية والزانى . . . } الآية [ النور : 2 ] ويجوز أن تكون غير منسوخة بأن يترك ذلك الحدّ لكونه معلوماً بالكتاب والسنة ، ويوصي بإمساكهن في البيوت ، بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال { أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً } هو النكاح الذي يستغنين به عن السفاح . وقيل : السبيل هو الحد ، لأنه لم يكن مشروعاً ذلك الوقت . فإن قلت : ما معنى يتوفاهن الموت والتوفي والموت بمعنى واحد ، كأنه قيل : حتى يميتهن الموت ؟ قلت : يجوز أن يراد حتى يتوفاهن ملائكة الموت ، كقوله : { الذين تتوفاهم الملائكة } [ النحل : 28 ] { إِنَّ الذين توفاهم الملئكة } [ النساء : 97 ] ، { قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت } [ السجدة : 11 ] أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن { واللذان يأتيانها مِنكُمْ } يريد الزاني والزانية { فَأاذُوهُمَا } فوبخوهما وذمّوهما وقولوا لهما : أما استحييتما ، أما خفتما الله { فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا } وغيرا الحال { فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا } واقطعوا التوبيخ والمذمة ، فإن التوبة تمنع استحقاق الذم والعقاب ، ويحتمل أن يكون خطاباً للشهود العاثرين على سرهما ، ويراد بالإيذاء ذمهما وتعنيفهما وتهديدهما بالرفع إلى الإمام والحد ، فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فأعرضوا عنهما ولا تتعرضوا لهما . وقيل : نزلت الأولى في السحاقات وهذه في اللواطين . وقرىء : «واللذانّ» بتشديد النون . «واللذأنِّ» : بالهمزة وتشديد النون .

(1/390)


إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)

{ التوبة } من تاب الله عليه إذا قبل توبته وغفر له ، يعني إنما القبول والغفران واجب على الله تعالى لهؤلاء { بِجَهَالَةٍ } في موضع الحال أي يعملون السوء جاهلين سفهاء ، لأنّ ارتكاب القبيح مما يدعو إليه السفه والشهوة ، لا مما تدعو إليه الحكمة والعقل . وعند مجاهد : من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته { مِن قَرِيبٍ } من زمان قريب . والزمان القريب : ما قبل حضرة الموت . ألا ترى إلى قوله : { حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت } فبين أنّ وقت الاحتضار وهو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة فبقي ما وراء ذلك في حكم القريب . وعن ابن عباس : قبل أن ينزل به سلطان الموت . وعن الضحاك : كل توبة قبل الموت فهو قريب . وعن النخعي : ما لم يؤخذ بكظمه . وروى أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 262 ) " إنّ الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " وعن عطاء : ولا قبل موته بفواق ناقة .
وعن الحسن :
( 263 ) أنّ إبليس قال حين أُهبط إلى الأرض : وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده . فقال تعالى : وعزتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر . فإن قلت : ما معنى { مِن } في قوله : { مِن قَرِيبٍ } ؟ قلت : معناه التبعيض ، أي يتوبون بعض زمان قريب ، كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زماناً قريباً ، ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب ، وإلا فهو تائب من بعيد . فإن قلت : ما فائدة قوله : { فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ } بعد قوله : ( إنما التوبة على الله ) لهم؟ قلت : قوله : { إِنَّمَا التوبة عَلَى الله } إعلام بوجوبها عليه كما يجب على العبد بعض الطاعات . وقوله : { فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } عدة بأنه يفي بما وجب عليه ، وإعلام بأن الغفران كائن لا محالة كما يعد العبد الوفاء بالواجب { وَلاَ الذين يَمُوتُونَ } عطف على الذين يعملون السيئات . سوّى بين الذين سوّفوا توبتهم إلى حضرة الموت ، وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم ، لأنّ حضرة الموت أول أحوال الآخرة ، فكما أنّ المائت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين ، فكذلك المسوّف إلى حضرة الموت لمجاوزة كل واحد منهما أوان التكليف والاختيار { أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ } في الوعيد نظير قوله : { فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ } في الوعد ليتبين أن الأمرين كائنان لا محالة . فإن قلت : من المراد بالذين يعملون السيئات . أهم الفساق من أهل القبلة أم الكفار؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما أن يراد الكفار ، لظاهر قوله : { وَهُمْ كُفَّارٌ } ، وأن يراد الفساق ، لأن الكلام إنما وقع في الزانيين ، والإعراض عنهما إن تابا وأصلحا ، ويكون قوله : { وَهُمْ كُفَّارٌ } وارداً على سبيل التغليظ كقوله : { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين } [ آل عمران : 97 ] وقوله : ( فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً ) «من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر» لأن من كان مصدقاً ومات وهو لم يحدث نفسه بالتوبة ، حاله قريبة من حال الكافر ، لأنه لا يجترىء على ذلك إلا قلب مصمت .

(1/391)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)

كان يبلون النساء بضروب من البلايا ويظلمونهن بأنواع من الظلم ، فزجروا عن ذلك : كان الرجل إذا مات له قريب من أب أو أخ أو حميم عن امرأة ، ألقي ثوبه عليها وقال أنا أحق بها من كلّ أحد . فقيل { لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهاً } أي أن تأخذوهن على سبيل الإرث كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك ، أو مكرهات . وقيل : كان يمسكها حتى تموت . فقيل : لا يحل لكم أن تمسكوهنّ حتى ترثوا منهنّ وهنّ غير راضيات بإمساككم . وكان الرجل إذا تزوّج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع سوء العشرة والقهر . لتفتدي منه بمالها وتختلع ، فقيل : ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ . والعضل : الحبس والتضييق . ومنه : عضلت المرأة بولدها ، إذا اختنقت رحمها به فخرج بعضه وبقي بعضه { إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } وهي النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء والسلاطة ، أي إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع . ويدل عليه قراءة أبيّ : «إلا أن يفحشن عليكم» ، وعن الحسن : الفاحشة الزنا ، فإن فعلت حلّ لزوجها أن يسألها الخلع . وقيل : كانوا إذا أصابت امرأة فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها . وعن أبي قلابة ومحمد بن سيرين : لا يحل الخلع حتى يوجد رجل على بطنها . وعن قتادة : لا يحل أن يحبسها ضراراً حتى تفتدي منه ، يعني وإن زنت . وقيل : نسخ ذلك بالحدود ، وكانوا يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم : { وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف } وهو النصفة في المبيت والنفقة ، والإجمال في القول : { فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ } فلا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين وأحمد وأدنى إلى الخير ، وأحبت ما هو بضد ذلك ، ولكن للنظر في أسباب الصلاح .

(1/392)


وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)

وكان الرجل إذا طمحت عينه إلى استطراف امرأة؟ بهت التي تحته ورماها بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوّج غيرها . فقيل : { وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ } الآية . والقنطار : المال العظيم ، من قنطرت الشيء إذا رفعته ، ومنه القنطرة ، لأنها بناء مشيد . قال :
كَقَنْطَرَةِ الرُّومِيِّ أَقْسَمَ رَبُّهَا ... لَتُكْتَنَفَنْ حَتَّى تُشَادَ بِقِرْمِدِ
وعن عمر رضي الله عنه أنه قام خطيباً فقال : أيها الناس ، لا تغالوا بصُدُق النساء ، فلو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثني عشر أوقية ، فقامت إليه امرأة فقالت له : يا أمير المؤمنين ، لِمَ تمنعنا حقاً جعله الله لنا والله يقول : { وَءَاتَيْتُمْ إحداهن قِنطَاراً } فقال عمر : كل أحد أعلم من عمر ثم قال لأصحابه : تسمعونني أقول مثل هذا القول فلا تنكرونه عليّ حتى تردّ عليّ امرأة ليست من أعلم النساء والبهتان : أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو بريء منه ، لأنه يبهت عند ذلك ، أي يتحير . وانتصب { بهتانا } على الحال ، أي باهتين وآثمين ، أو على أنه مفعول له وإن لم يكن غرضاً ، كقولك : قعد عند القتال جبناً . والميثاق الغليظ : حق الصحبة والمضاجعة ، كأنه قيل : وأخذن به منكم ميثاقاً غليظاً ، أي بإفضاء بعضكم إلى بعض . ووصفه بالغلظ لقوّته وعظمه ، فقد قالوا : صحبة عشرين يوماً قرابة ، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟ وقيل : هو قول الوليّ عند العقد : أنكحتك على ما في كتاب الله من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 264 ) « استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان في أيديكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله » .

(1/393)


وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23)

وكانوا ينكحون روابهم ، وناس منهم يمقتونه من ذي مروآتهم ، ويسمونه نكاح المقت . وكان المولود عليه يقال له المقتي . ومن ثم قيل : { وَمَقْتاً } كأنه قيل : هو فاحشة في دين الله بالغة في القبح ، قبيح ممقوت في المروءة ولا مزيد على ما يجمع القبحين . وقرىء : «لا تحل لكم» بالتاء ، على أن ترثوا بمعنى الوراثة . وكرها بالفتح ، والضم من الكراهة والإكراه . وقرىء { بفاحشة مُّبَيّنَةٍ } [ النساء : 19 ] من أبانت بمعنى تبينت أو بينت ، كما قرىء «مبيّنة» بكسر الياء وفتحها . و { يَجْعَلُ الله } بالرفع ، على أنه في موضع الحال : { وَءَاتَيْتُمْ إحداهن } بوصل همزة إحداهن . كما قرىء { فلا إثم عليه } [ البقرة : 173 ] . فإن قلت : تعضلوهن ، ما وجه إعرابه؟ قلت : النصب عطفاً على أن ترثوا . و ( لا ) لتأكيد النفي . أي لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن . فإن قلت : أي فرق بين تعدية ذهب بالباء ، وبينها بالهمزة؟ قلت : إذا عدي بالباء فمعناه الأخذ والاستصحاب ، كقوله تعالى : { فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ } [ يوسف : 15 ] وأما الإذهاب فكالإزالة . فإن قلت : { إِلاَّ أَن يَأْتِينَ } [ النساء : 19 ] ما هذا الاستثناء؟ قلت : هو استثناء من أعم عام الظرف أو المفعول له ، كأنه قيل : ولا تعضلوهن في جميع الأوقات إلا وقت أن يأتين بفاحشة . أو : ولا تعضلوهنّ لعلة من العلل إلا لأن يأتين بفاحشة . فإن قلت : من أي وجه صح قوله : { فعسى أَن تَكْرَهُواْ } جزاء للشرط؟ قلت : من حيث أنّ المعنى : فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة ، فلعل لكم فيما تكرهونه خيراً كثيراً ليس فيما تحبونه فإن قلت كيف استثنى ما قد سلف مما نكح آباؤكم؟ قلت : كما استثنى ( غير أن سيوفهم ) من قوله : ( ولا عيب فيهم ) يعني : إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف ، فانكحوه ، فلا يحل لكم غيره . وذلك غير ممكن . والغرض المبالغة في تحريمه وسدّ الطريق إلى إباحته ، كما يعلق بالمحال في التأبيد نحو قولهم : حتى يبيض القار ، وحتى يلج الجمل في سم الخياط .
معنى { حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم } تحريم نكاحهن لقوله : { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ النساء } [ النساء : 22 ] ولأن تحريم نكاحهن هو الذي يفهم من تحريمهن ، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها ، ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله . وقرىء «وبنات الأخت» بتخفيف الهمزة . وقد نزّل الله الرضاعة منزلة النسب ، حتى سمى المرضعة أمًّا للرضيع ، والمراضعة أختاً ، وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه جداه ، وأخته عمته ، وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم إخوته وأخواته لأبيه . وأم المرضعة جدّته ، وأختها خالته ، وكل من ولد لها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه ، ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأمه .

(1/394)


ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :
( 265 ) " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " وقالوا : تحريم الرضاع كتحريم النسب إلا في مسألتين : إحداهما أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب ويجوز أن يتزوّج أخت ابنه من الرضاع ، لأن المانع في النسب وطؤه أمها . وهذا المعنى غير موجود في الرضاع . والثانية : لا يجوز أن يتزوج أم أخيه من النسب ، ويجوز في الرضاع ، لأن المانع في النسب وطء الأب إياها ، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع { مّن نِّسَائِكُمُ } متعلق بربائبكم . ومعناه أن الربيبة من المرأة المدخول بها محرمة على الرجل حلال له إذا لم يدخل بها . فإن قلت : هل يصح أن يتعلق بقوله : { وأمهات نِسَائِكُمْ } ؟ قلت : لا يخلو إمّا أن يتعلق بهن وبالربائب ، فتكون حرمتهن وحرمة الربائب غير مبهمتين جميعاً ، وإما أن يتعلق بهن بدون الربائب فتكون حرمتهن غير مبهمة وحرمة الربائب مبهمة فلا يجوز الأوّل ، لأن معنى ( من ) مع أحد المتعلقين ، خلاف معناه مع الآخر . ألا تراك أنك إذا قلت : وأمّهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ فقد جعلت ( من ) لبيان النساء . وتمييز المدخول بهنّ من غير المدخول بهنّ . وإذا قلت وربائبكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ فإنك جاعل ( من ) لابتداء الغاية ، كما تقول : بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم من خديجة ، وليس بصحيح أن يعني بالكلمة الواحدة في خطاب واحد معنيان مختلفان . ولا يجوز الثاني لأن ما يليه هو الذي يستوجب التعليق به ، ما لم يعترض أمر لا يرد ، إلا أن تقول : أعلقه بالنساء والربائب ، وأجعل ( من ) للاتصال ، كقوله تعالى : { المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } [ التوبة : 67 ] فإني لست منك ولست مني . ما أنا من دد ولا الدد مني : وأمهات النساء متصلات بالنساء لأنهنّ أمهاتهنّ كما أن : الربائب متصلات بأمهاتهن لأنهنّ بناتهنّ . هذا وقد اتفقوا على أن تحريم أمهات النساء مبهم دون تحريم الربائب ، على ما عليه ظاهر كلام الله تعالى
( 266 ) وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها أنه قال : «لا بأس أن يتزوج ابنتها ، ولا يحل له أن يتزوج أمها» ، وعن عمر وعمران بن الحصين رضي الله عنهما : أن الأم تحرم بنفس العقد ، وعن مسروق : هي مرسلة فأرسلوا ما أرسل الله . وعن ابن عباس : أبهموا ما أبهم الله ، إلا ما روي عن علي وابن عباس وزيد وابن عمر وابن الزبير : أنهم قرءوا : «وأمّهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن» . وكان ابن عباس يقول : والله ما نزل إلا هكذا . وعن جابر روايتان . وعن سعيد بن المسيب عن زيد : إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها ، كره أن يخلف على أمّها .

(1/395)


وإذا طلقها قبل أن يدخل بها فإن شاء فعل : أقام الموت مقام الدخول في ذلك ، كما قام مقامه في باب المهر . وسمى ولد المرأة من غير زوجها ربيباً وربيبة ، لأنه يربهما كما يرب ولده في غالب الأمر ، ثم اتسع فيه فسميا بذلك وإن لم يربهما . فإن قلت : ما فائدة قوله في حجوركم؟ قلت : فائدته التعليل للتحريم ، وأنهن لاحتضانكم لهن أو لكونهن بصدد احتضانكم ، وفي حكم التقلب في حجوركم إذا دخلتم بأمّهاتهن ، وتمكن بدخولكم حكم الزواج وثبتت الخلطة والألفة ، وجعل الله بينكم المودة والرحمة ، وكانت الحال خليقة بأن تجروا أولادهن مجرى أولادكم ، كأنكم في العقد على بناتهن عاقدون على بناتكم . وعن علي رضي الله عنه : أنه شرط ذلك في التحريم . وبه أخذ داود . فإن قلت : ما معنى { دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } ؟ قلت : هي كناية عن الجماع ، كقولهم : بنى عليها وضرب عليها الحجاب يعني أدخلتموهن الستر . والباء للتعدية واللمس . ونحوه؛ يقوم مقام الدخول عند أبي حنيفة . وعن عمر رضي الله عنه أنه خلا بجارية فجردها ، فاستوهبها ابن له فقال : إنها لا تحلّ لك . وعن مسروق أنه أمر أن تباع جاريته بعد موته وقال : أما إني لم أصب منها إلا ما يحرمها على ولدي من اللمس والنظر . وعن الحسن في الرجل يملك الأمة فيغمزها لشهوة أو يقبلها أو يكشفها : أنها لا تحل لولده بحال وعن عطاء وحماد بن أبي سليمان : إذا دخل بالأم فعرّاها ولمسها بيده وأغلق الباب وأرخى الستر ، فلا يحلّ له نكاح ابنتها . وعن ابن عباس وطاوس وعمرو بن دينار : أن التحريم لا يقع إلا بالجماع وحده { الذين مِنْ أصلابكم } دون من تبنيتم .
( 267 ) وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش الأسدية بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب حين فارقها زيد بن حارثة ، وقال عزّ وجلّ : { لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ } [ الأحزاب : 37 ] . { وَأَن تَجْمَعُواْ } في موضع الرفع عطف على المحرمات ، أي وحرّم عليكم الجمع بين الأختين . والمراد حرمة النكاح ، لأنّ التحريم في الآية تحريم النكاح وأما الجمع بينهما في ملك اليمين ، فعن عثمان وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا : أحلتهما آية وحرّمتهما آية يعنيان هذه الآية وقوله : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم } [ النساء : 3 ] فرجح عليُّ التحريم ، وعثمانُ التحليل . { إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله : { إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } .

(1/396)


وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)

{ والمحصنات } القراءة بفتح الصاد . وعن طلحة بن مصرف أنه قرأ بكسر الصاد . وهنّ ذوات الأزواج . لأنهنّ أحصنّ فروجهنّ بالتزويج . فهنّ محصنات ومحصنات { إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم } يريد : ما ملكت أيمانهم من اللاتي سبين ولهنّ أزواج في دار الكفر فهنّ حلال لغزاة المسلمين وإن كنّ محصنات . وفي معناه قول الفرزدق :
وَذَاتُ حَلِيلٍ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا ... حَلاَلٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ
{ كتاب الله عَلَيْكُمْ } مصدر مؤكد ، أي كتب الله ذلك عليكم كتاباً وفرضه فرضاً ، وهو تحريم ما حرّم . فإن قلت : علام عطف قوله : { وَأُحِلَّ لَكُمْ } ؟ قلت : على الفعل المضمر الذي نصب { كتاب الله } أي كتب الله عليكم تحريم ذلك ، وأحلّ لكم ما وراء ذلكم . ويدل عليه قراءة اليماني : «كتب الله عليكم» ، «وأحلّ لكم» . وروى عن اليماني : كتب الله عليكم ، على الجمع والرفع أي هذه فرائض الله عليكم . ومن قرأ : «وأحلّ لكم» ، على البناء للمفعول ، فقد عطفه على حرمت . { أَن تَبْتَغُواْ } مفعول له بمعنى بين لكم ما يحلّ مما يحرم ، إرادة أن يكون ابتغاؤكم { بأموالكم } التي جعل الله لكم قياماً في حال كونكم { مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين } لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم ، ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين . والإحصان : العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام ، والأموال : المهور وما يخرج في المناكح . فإن قلت : أين مفعول تبتغوا؟ قلت : يجوز أن يكون مقدّراً وهو النساء . والأجود أن لا يقدر ، وكأنه قيل : أن تخرجوا أموالكم . ويجوز أن يكون { أن تبتغوا } بدلاً من { وراء ذلك } والمسافح الزاني ، من السفح وهو صبّ المنيّ . وكان الفاجر يقول للفاجرة : سافحيني وماذيني من المذي { فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ } فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو خلوة صحيحة أو عقد عليهنّ { فآتوهن أجورهن } عليه ، فأسقط الراجع إلى ( ما ) لأنه لا يلبس ، كقوله : { إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور } [ لقمان : 17 ] بإسقاط منه . ويجوز أن تكون ( ما ) في معنى النساء ، و ( من ) للتبعيض أو البيان ، ويرجع الضمير إليه على اللفظ في به ، وعلى المعنى في { فَئَاتُوهُنَّ } وأجورهن مهورهن لأن المهر ثواب على البضع { فَرِيضَةً } حال من الأجور بمعنى مفروضة أو وضعت موضع إيتاء لأن الإيتاء مفروض أو مصدر مؤكد . أي فرض ذلك فريضة { فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة } فيما تحط عنه من المهر ، أو تهب له من كله أو يزيد لها على مقداره . وقيل فيما تراضيا به من مقام أو فراق وقيل : نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتح الله مكة على رسوله عليه الصلاة والسلام ثم نسخت ، كان الرجل ينكح المرأة وقتاً معلوماً ليلة أو ليلتين أو أسبوعاً بثوب أو غير ذلك ، ويقضي منها وطره ثم يسرحها .

(1/397)


سميت متعة لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها . وعن عمر : لا أوتى برجل تزوّج امرأة إلى أجل إلا رجمتهما بالحجارة . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أباحها ، ثم أصبح يقول :
( 268 ) " يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء : ألا إن الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة " ، وقيل : أبيح مرتين وحرّم مرتين . وعن ابن عباس هي محكمة يعني لم تنسخ ، وكان يقرأ : «فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمى» . ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال : اللَّهم إني أتوب إليك من قولي بالمتعة ، وقولي في الصرف .
الطول : الفضل ، يقال : لفلان على فلان طول أي زيادة وفضل . وقد طاله طولاً فهو طائل . قال :
لَقَدْ زَادَنِي حُبًّا لِنَفْسِي أَنَّنِي ... بَغِيضٌ إِلَى كُلِّ امْرِىءٍ غَيْرِ طَائِلِ
ومنه قولهم : ما حلا منه بطائل ، أي بشيء يعتدّ به مما له فضل وخطر . ومنه الطول في الجسم لأنه زيادة فيه ، كما أن القصر قصور فيه ونقصان . والمعنى : ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرّة فلينكح أَمَةً . قال ابن عباس : من ملك ثلاثمائة درهم فقد وجب عليه الحج وحرم عليه نكاح الإماء وهو الظاهر ، وعليه مذهب الشافعي رحمه الله . وأمّا أبو حنيفة رحمه الله فيقول : الغنيّ والفقير سواء في جواز نكاح الأمة ، ويفسر الآية بأن من لم يملك فراش الحرّة ، على أن النكاح هو الوطء ، فله أن ينكح أمة . وفي رواية عن ابن عباس أنه قال : ومما وسع الله على هذه الأمة نكاح الأمة واليهودية والنصرانية وإن كان موسراً . وكذلك قوله : { مِّن فتياتكم المؤمنات } الظاهر أن لا يجوز نكاح الأمة الكتابية ، وهو مذهب أهل الحجاز . وعند أهل العراق يجوز نكاحها ، ونكاح الأمة المؤمنة أفضل ، فحملوه على الفضل لا على الوجوب ، واستشهدوا على أن الإيمان ليس بشرط بوصف الحرائر به ، مع علمنا أنه ليس بشرط فيهن على الاتفاق ، ولكنه أفضل . فإن قلت : لم كان نكاح الأمة منحطاً عن نكاح الحرة؟ قلت : لما فيه من اتباع الولد الأم في الرق ، ولثبوت حق المولى فيها وفي استخدامها ، ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح ومهانة ، والعزة من صفات المؤمنين . وقوله : { مّن فتياتكم } أي من فتيات المسلمين ، لا من فتيات غيركم وهم المخالفون في الدين . فإن قلت : فما معنى قوله : { والله أَعْلَمُ بإيمانكم } ؟ قلت : معناه أن الله أعلم بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم في الإيمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم ، وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة ، والمرأة أفضل في الإيمان من الرجل وحق المؤمنين أن لا يعتبروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب ، وهذا تأنيس بنكاح الإماء وترك الاستنكاف منه { بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } أي أنتم وأرقاؤكم متواصلون متناسبون لاشتراككم في الإيمان ، لا يفضل حر عبداً إلا برجحان فيه { بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } اشتراط لإذن الموالي في نكاحهن .

(1/398)


ويحتج به لقول أبي حنيفة أن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهن ، لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم . { وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ب المعروف } وأدّوا إليهن مهورهن بغير مطل وضرار وإحواج إلى الاقتضاء واللز . فإن قلت : الموالي هم ملاك مهورهن لا هن ، والواجب أداؤها إليهم لا إليهن ، فلم قيل : وآتوهن؟ قلت : لأنهن وما في أيديهن مال الموالي ، فكان أداؤها إليهن أداء إلى الموالي . أو على أن أصله : فآتوا مواليهن ، فحذف المضاف { المحصنات } عفائف . والأخدان : الأخلاء في السرّ ، كأنه قيل : غير مجاهرات بالسفاح ولا مسرات له { فَإِذَا أُحْصِنَّ } بالتزويج . وقرىء : «أحصن» { نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات } أي الحرائر { مّنَ العذاب } من الحدّ كقوله : { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا } [ النور : 2 ] { وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب } [ النور : 8 ] ولا رجم عليهن ، لأن الرجم لا يتنصف { ذلك } إشارة إلى نكاح الإماء { لِمَنْ خَشِىَ العنت } لمن خاف الإثم الذي يؤدي إليه غلبة الشهوة . وأصل العنت : انكسار العظم بعد الجبر ، فاستعير لكل مشقة وضرر ، ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم . وقيل : أريد به الحدّ ، لأنه إذا هويها خشي أن يواقعها فيحدّ فيتزوجها { وَأَن تَصْبِرُواْ } في محل الرفع على الابتداء ، أي وصبركم عن نكاح الإماء متعففين { خَيْرٌ لَّكُمْ } وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 269 ) " الحرائر صلاح البيت ، والإماء هلاك البيت " .

(1/399)


يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)

{ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ } أصله يريد الله أن يبين لكم فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبين كما زيدت في : لا أبالك ، لتأكيد إضافة الأب . والمعنى : يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم ، وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم { وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } ويرشدكم إلى طاعات إن قمتم بها كانت كفارات لسيآتكم فيتوب عليكم ويكفر لكم { والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } أن تفعلوا ما تستوجبون به أن يتوب عليكم { وَيُرِيدُ } الفجرة { الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً } وهو الميل عن القصد والحق ، ولا ميل أعظم منه بمساعدتهم وموافقتهم على اتباع الشهوات . وقيل : هم اليهود . وقيل : المجوس : كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت ، فلما حرمهنّ الله قالوا : فإنكم تحلون بنت الخالة والعمة ، والخالة والعمة عليكم حرام ، فانكحوا بنات الأخ والأخت ، فنزلت ، يقول تعالى يريدون أن تكونوا زناة مثلهم ( يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ ) إحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص { وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً } لا يصبر عن الشهوات وعلى مشاق الطاعات . وعن سعيد بن المسيب : ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلا أتاهم من قبل النساء ، فقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشو بالأخرى . وإن أخوف ما أخاف عليّ فتنة النساء . وقرىء : «أن يميلوا» بالياء . والضمير للذين يتبعون الشهوات . وقرأ ابن عباس : «وخلق الإنسانَ» على البناء للفاعل ونصب الإنسان وعنه رضي الله عنه : ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت : { يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ } ، { والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } ، { يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ } ، { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } [ النساء : 31 ] ، { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } [ النساء : 40 ] ، { إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } [ النساء : 48 ] { ومَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } [ النساء : 110 ] ، { مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ } [ النساء : 147 ] .

(1/400)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)

{ بالباطل } بما لم تبحه الشريعة من نحو السرقة والخيانة والغصب والقمار وعقود الربا { إِلا أَن تَكُونَ تجارة } إلا أن تقع تجارة . وقرىء «تجارة» على : إلا أن تكون التجارة تجارة . { عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ } والاستثناء منقطع . معناه : ولكن اقصدوا كون تجارة عن تراض منكم . أو ولكن كون تجارة عن تراض غير منهى عنه . وقوله : ( عن تراض ) صفة لتجارة ، أي تجارة صادرة عن تراض . وخص التجارة بالذكر . لأنّ أسباب الرزق أكثرها متعلق بها . والتراضي رضا المتبايعين بما تعاقدا عليه في حال البيع وقت الإيجاب والقبول ، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى . وعند الشافعي رحمه الله تفرّقهما عن مجلس العقد متراضيين . { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } من كان من جنسكم من المؤمنين . وعن الحسن : لا تقتلوا إخوانكم ، أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة .
( 270 ) وعن عمرو بن العاص : أنه تأوله في التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم . وقرأ علي رضي الله عنه : «ولا تقتلوا» بالتشديد { إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } ما نهاكم عما يضركم إلا لرحمته عليكم . وقيل : معناه أنه أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصاً لخطاياهم ، وكان بكم يا أمة محمد رحيماً حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة . { ذلك } إشارة إلى القتل ، أي ومن يقدم على قتل الأنفس { عدوانا وَظُلْماً } لا خطأ ولا اقتصاصاً . وقرىء : «عدواناً» بالكسر . و«نصلَيه» بتخفيف اللام وتشديدها . و«نصليه» بفتح النون من صلاة يصليه . ومنه شاة مصلية ، «ويصليه» بالياء والضمير لله تعالى ، أو لذلك ، لكونه سبباً للصلي { نَارًا } أي ناراً مخصوصة شديدة العذاب { وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً } لأنّ الحكمة تدعو إليه ، ولا صارف عنه من ظلم أو نحوه .

(1/401)


إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)

{ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } وقرىء : «كبير ما تنهون عنه» ، أي ما كبر من المعاصي التي ينهاكم الله عنها والرسول { نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم } نمط ما تستحقونه من العقاب في كل وقت على صغائركم ، ونجعلها كأن لم تكن ، لزيادة الثواب المستحق على اجتنابكم الكبائر وصبركم عنها ، على عقاب السيئات . والكبيرة والصغيرة إنما وصفتا بالكبر والصغر بإضافتهما إما إلى طاعة أو معصية أو ثواب فاعلهما . والتكفير : إماطة المستحق من العقاب بثواب أزيد ، أو بتوبة . والإحباط : نقيضه ، وهو إماطة الثواب المستحق بعقاب أزيد أو بندم على الطاعة . وعن علي رضي الله عنه : الكبائر سبع : الشرك ، والقتل ، والقذف ، والزنا ، وأكل مال اليتيم ، والفرار من الزحف ، والتعرُّب بعد الهجرة . وزاد ابن عمر : السحر ، واستحلال البيت الحرام . وعن ابن عباس : أن رجلاً قال له : الكبائر سبع؟ فقال : هي إلى سبعمائة أقرب ، لأنه لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار . وروى إلى سبعين . وقرىء : «يكفر» ، بالياء . و«مَُدْخلاً» بضم الميم وفتحها ، بمعنى المكان والمصدر فيهما .

(1/402)


وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32)

{ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ } نهوا عن التحاسد وعن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال ، لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد ، وبما يصلح المقسوم له من بسط في الرزق أو قبض { وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى الأرض } [ الشورى : 27 ] فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علماً بأن ما قسم له هو مصلحته ، ولو كان خلافه لكان مفسدة له ، ولا يحسد أخاه على حظه { لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبوا } جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف الله من حاله الموجبة للبسط أو القبض كسباً له { واسألوا الله مِن فَضْلِهِ } ولا تتمنوا أنصباء غيركم من الفضل ، ولكن سلوا الله من خزائنه التي لا تنفد . وقيل : كان الرجال قالوا : إن الله فضلنا على النساء في الدنيا : لنا سهمان ولهن سهم واحد ، فنرجو أن يكون لنا أجران في الآخرة على الأعمال ولهن أجر واحد ، فقالت أم سلمة ونسوة معها : ليت الله كتب علينا الجهاد كما كتبه على الرجال فيكون لنا من الأجر مثل ما لهم . فنزلت .

(1/403)


وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33)

{ مّمَّا تَرَكَ } تبيين لكل ، أي : ولكل شيء مما ترك { الوالدان والاقربون } من المال جعلنا موالي وراثاً يلونه ويحرزونه : أو ولكل قوم جعلناهم موالي ، نصيب مما ترك الولدان والأقربون على أن { جَعَلْنَا مَوَالِىَ } صفة لكل ، والضمير الراجع إلى كل محذوف ، والكلام مبتدأ وخبر ، كما تقول : لكل من خلقه الله إنساناً من رزق الله ، أي حظ من رزق الله ، أو : ولكل أحد جعلنا موالي مما ترك ، أي ورّاثاً مما ترك ، على أن ( من ) صلة موالي ، لأنهم في معنى الورّاث ، وفي ( ترك ) ضمير كلّ ، ثم فسر الموالي بقوله : { الوالدان والأقربون } كأنه قيل : مَنْهم هم؟ فقيل : الوالدان والأقربون { والذين عَقَدَتْ أيمانكم } مبتدأ ضمن معنى الشرط . فوقع خبره مع الفاء وهو قوله : { فآتوهم نصيبهم } ويجوز أن يكون منصوباً على قولك : زيداً فاضربه ، ويجوز أن يعطف على الوالدان ، ويكون المضمر في ( فآتوهم ) للموالي ، والمراد بالذين عاقدت أيمانكم : موالي الموالاة كان الرجل يعاقد الرجل فيقول : دمي دمك ، وهدمي هدمك ، وثأري ثأرك ، وحربي حربك ، وسلمي سلمك ، وترثني وأرثك . وتطلب بي وأطلب بك ، وتعقل عني وأعقل عنك ، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف ، فنسخ . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب يوم الفتح فقال :
( 271 ) " ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به ، فإنه لم يزده الإسلام إلا شدة ، ولا تحدثوا حلفاً في الإسلام " وعند أبي حنيفة : لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح عنده وورث بحق الموالاة خلافاً للشافعي . وقيل : المعاقدة التبني . ومعنى عاقدت أيمانكم : عاقدتهم أيديكم وما سحتموهم . وقرىء «عقّدت» بالتشديد والتخفيف بمعنى عقدت عهودهم أيمانكم .

(1/404)


الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)

{ قَوَّامُونَ عَلَى النساء } يقومون عليهن آمرين ناهين ، كما يقوم الولاة على الرعايا . وسموا قوّاماً لذلك . والضمير في { بَعْضَهُمْ } للرجال والنساء جميعاً ، يعني إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله بعضهم وهم الرجال ، على بعض وهم النساء . وفيه دليل على أنّ الولاية إنما تستحق بالفضل ، لا بالتغلب والاستطالة والقهر . وقد ذكروا في فضل الرجال : العقل ، والحزم ، والعزم ، والقوّة ، والكتابة في الغالب ، والفروسية ، والرمي ، وأنّ منهم الأنبياء والعلماء ، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى ، والجهاد ، والأذان ، والخطبة ، والاعتكاف ، وتكبيرات التشريق عند أبي حنيفة ، والشهادة في الحدود ، والقصاص ، وزيادة السهم ، والتعصيب في الميراث ، والحمالة ، والقسامة ، والولاية في النكاح والطلاق والرجعة ، وعدد الأزواج ، وإليهم الانتساب ، وهم أصحاب اللحى والعمائم { وَبِمَا أَنفَقُواْ } وبسبب ما أخرجوا في نكاحهنّ من أموالهم في المهور والنفقات . وروى :
( 272 ) أنّ سعد بن الربيع وكان نقيباً من نقباء الأنصار نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير . فلطمها . فانطلق بها أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أفرشته كريمتي فلطمها فقال : { لتقتص مِنْهُ } فنزلت ، فقال صلى الله عليه وسلم : أردنا أمراً وأراد الله أمراً ، والذي أراد الله خير ، ورفع القصاص . واختلف في ذلك ، فقيل لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ولو شجها ، ولكن يجب العقل . وقيل : لا قصاص إلا في الجرح والقتل . وأما اللطمة ونحوها فلا { قانتات } مطيعات قائمات بما عليهنّ للأزواج { حفظات لّلْغَيْبِ } الغيب خلاف الشهادة . أي حافظات لمواجب الغيب إذا كان الأزواج غير شاهدين لهنّ حفظهن ما يجب عليهنّ حفظه في حال الغيبة . من الفروج والبيوت والأموال . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 273 ) " خير النساء امرأة إن نظرتَ إليها سرّتك ، وإن أمرْتها أطاعتك وإذا غبتَ عنها حفظتك في مالها ونفسها " ، وتلا الآية وقيل : { للغيب } لأسرارهم { بِمَا حَفِظَ الله } بما حفظهنّ الله حين أوصى بهنّ الأزواج في كتابه وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام فقال :
( 274 ) " استوصوا بالنساء خيراً " أو بما حفظهنّ الله وعصمهنّ ووفقهنّ لحفظ الغيب ، أو بما حفظهنّ حين وعدهنّ الثواب العظيم على حفظ الغيب ، وأوعدهنّ بالعذاب الشديد على الخيانة . و ( ما ) مصدرية . وقرىء «بما حفظَ اللهَ» بالنصب على أنْ ما موصولة ، أي حافظات للغيب بالأمر الذي يحفظ حق الله وأمانة الله ، وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم . وقرأ ابن مسعود : «فالصوالح قوانت حوافظ للغيب بما حفظ الله فأصلحوا إليهنّ» . نشوزها ونشوصها : أن تعصي زوجها ، ولا تطمئن إليه وأصله الانزعاج { فِى المضاجع } في المراقد . أي لا تدخلوهن تحت اللحد أو هي كناية عن الجماع .

(1/405)


وقيل : هو أن يوليها ظهره في المضجع وقيل : في المضاجع : في بيوتهن التي يبتن فيها . أي لا تبايتوهن . وقرىء : «في المضجع» ، و«في المضطجع» . وذلك لتعرّف أحوالهن وتحقق أمرهن في النشوز أمر بوعظهن أوّلاً ، ثم هجرانهن في المضاجع ، ثم بالضرب إن لم ينجع فيهن الوعظ والهجران . وقيل : معناه أكرهوهن على الجماع واربطوهن ، من هجر البعير إذا شدّه بالهجار . وهذا من تفسير الثقلاء . وقالوا : يجب أن يكون ضرباً غير مبرِّح لا يجرحها ولا يكسر لها عظماً ويجتنب الوجه . وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم :
( 275 ) " علق سوطك حيث يراه أهلك " وعن أسماء بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله عنهما : كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوّام ، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها . ويروى عن الزبير أبيات منها :
وَلَوْلاَ بَنُوهَا حَوْلَهَا لَخَبَطْتُهَا ... { فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى والتوبيخ والتجني ، وتوبوا عليهن واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن بعد رجوعهن إلى الطاعة والانقياد وترك النشوز { إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً } فاحذروه واعلموا أنّ قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم . ويروى :
( 276 ) أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاماً له ، فبصر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصاح به : " أبا مسعود ، للَّهُ أقدر عليك منك عليه " فرمى بالسوط وأعتق الغلام . أو إن الله كان علياً كبيراً وإنكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه ، ثم تتوبون فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو عمن يجني عليكم إذا رجع .

(1/406)


وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)

{ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } أصله : شقاقاً بينهما ، فأضيف الشقاق إلى الظرف على طريق الإتساع ، كقوله : { بَلْ مَكْرُ اليل والنهار } [ سبأ : 33 ] وأصله : بل مكر في الليل والنهار . أو على أن جعل البين مشاقاً والليل والنهار ماكرين ، على قولهم : نهارك صائم . والضمير للزوجين . ولم يجر ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما ، وهو الرجال والنساء { حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ } رجلاً مقنعاً رضياً يصلح لحكومة العدل والإصلاح بينهما ، وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما ، لأنّ الأقارب أعرف ببواطن الأحوال ، وأطلب للصلاح ، وإنما تسكن إليهم نفوس الزوجين ، ويبرز إليهم ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة ، وموجبات ذلك ومقتضياته وما يزويانه عن الأجانب ولا يحبان أن يطلعوا عليه . فإن قلت : فهل يليان الجمع بينهما والتفريق إن رأيا ذلك؟ قلت : قد اختلف فيه ، فقيل : ليس إليهما ذلك إلا بإذن الزوجين . وقيل : ذلك إليهما ، وما جعلا حكمين إلا وإليهما بناء الأمر على ما يقتضيه اجتهادهما . وعن عبيدة السلماني : شهدت علياً رضي الله عنه وقد جاءته امرأة وزوجها ومع كل واحد منهما فئام من الناس ، فأخرج هؤلاء حكماً وهؤلاء حكماً . فقال عليّ رضي الله عنه للحكمين : أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما ، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما . فقال الزوج : أما الفرقة فلا . فقال عليّ : كذب والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك . فقالت المرأة : رضيت بكتاب الله لي وعليّ . وعن الحسن : يجمعان ولا يفرقان . وعن الشعبي : ما قضى الحكمان جاز . والألف في { إِن يُرِيدَا إصلاحا } للحكمين . وفي { يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا } للزوجين أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله ، بورك في وساطتهما ، وأوقع الله بطيب نفسهما وحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والألفة ، وألقى في نفوسهما المودّة والرحمة . وقيل : الضميران للحكمين ، أي إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين يوفق الله بينهما ، فيتفقان على الكلمة الواحدة ، ويتساندان في طلب الوفاق حتى يحصل الغرض ويتم المراد . وقيل : الضميران للزوجين . أي : إن يريدا إصلاح ما بينهما وطلبا الخير وأن يزول عنهما الشقاق يطرح الله بينهما الألفة ، وأبدلهما بالشقاق وفاقا وبالبغضاء مودة . { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً } يعلم كيف يوفق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين { لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الأرض جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } [ الأنفال : 63 ] .

(1/407)


وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36)

{ وبالوالدين إحسانا } وأحسنوا بهما إحساناً { وَبِذِى القربى } وبكل من بينكم وبينه قربى من أخ أو عم أو غيرهما { والجار ذِى القربى } الذي قرب جواره { والجار الجنب } الذي جواره بعيد . وقيل الجار : القريب النسيب ، والجار الجنب : الأجنبي . وأنشد لبلعاء بن قيس :
لاَ يَجْتَوِينَا مُجَاوِرٌ أَبَدا ... ذُو رَحِمٍ أَوْ مُجَاوِرٌ جُنبُ
وقرىء : «والجار ذا القربى» ، نصباً على الاختصاص . كما قرىء { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } [ البقرة : 238 ] تنبيهاً على عظم حقه لإدلائه بحق الجوار والقربى { والصاحب بالجنب } هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك ، إما رفيقاً في سفر ، وإما جاراً ملاصقاً ، وإما شريكاً في تعلم علم أو حرفة . وإما قاعداً إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك ، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه . فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه ، وتجعله ذريعة إلى الإحسان . وقيل : الصاحب بالجنب : المرأة { وابن السبيل } المسافر المنقطع به ، وقيل الضيف ، والمختال : التياه الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه ، فلا يتحفى بهم ولا يلتفت إليهم . وقرىء : «والجار الجنب» ، بفتح الجيم وسكون النون .

(1/408)


الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37)

{ الذين يَبْخَلُونَ } بدل من قوله : { مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً } أو نصب على الذم . ويجوز أن يكون رفعاً عليه ، وأن يكون مبتدأ خبره محذوف ، كأنه قيل : الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون ، أحقاء بكل ملامة . وقرىء «بالبخل» بضم الباء وفتحها . وبفتحتين . وبضمتين : أي يبخلون بذات أيديهم ، وبما في أيدي غيرهم . فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتاً للسخاء ممن وجد . وفي أمثال العرب : أبخل من الضنين بنائل غيره . قال :
وَإِن امرءا ضَنَّتْ يَداه عَلَى امرىء ... بِنَيْلِ يَدٍ مِنْ غَيْرِهِ لَبَخِيلُ
ولقد رأينا ممن بلي بداء البخل ، من إذا طرق سمعه أنّ أحداً جاد على أحد . شخص به وحلّ حبوته ، واضطرب ، ودارت عيناه في رأسه ، كأنما نهب رحله وكسرت خزانته ، ضجراً من ذلك وحسرة على وجوده . وقيل : هم اليهود ، كانوا يأتون رجالاً من الأنصار يتنصحون لهم ويقولون : لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون . وقد عابهم الله بكتمان نعمة الله وما آتاهم من فضل الغنى والتفاقر إلى الناس . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 277 ) " إذا أنعم الله على عبد نعمة أحب أن ترى نعمته على عبده " وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره ، فنمّ به عنده . فقال الرجل : يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته ، فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك ، فأعجبه كلامه . وقيل : نزلت في شأن اليهود الذين كتموا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(1/409)


وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39)

{ رِئَآءَ الناس } للفخار ، وليقال : ما أسخاهم وما أجودهم! لا ابتغاء وجه الله . وقيل : نزلت في مشركي مكة المنفقين أموالهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم : { فَسَاء قِرِيناً } حيث حملهم على البخل والرياء وكل شر . ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأنّ الشيطان يقرن بهم في النار { وَمَاذَا عَلَيْهِمْ } وأي تبعة ووبال عليهم في الإيمان والإنفاق في سبيل الله ، والمراد الذم والتوبيخ . وإلا فكل منفعة ومفلحة في ذلك . وهذا كما يقال للمنتقم : ما ضرك لو عفوت . وللعاق : ما كان يرزؤك لو كنت باراً . وقد علم أنه لا مضرة ولا مرزأة في العفو والبر . ولكنه ذم وتوبيخ وتجهيل بمكان المنفعة { وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً } وعيد .

(1/410)


إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)

الذرّة النملة الصغيرة . وفي قراءة عبد الله : «مثقال نملة» ، وعن ابن عباس : أنه أدخل يده في التراب فرفعه ثم نفخ فيه فقال : كل واحدة من هؤلاء ذرة . وقيل : كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذرة . وفيه دليل على أنه لو نقص من الأجر أدنى شيء وأصغره ، أو زاد في العقاب لكان ظلماً ، وأنه لا يفعله لاستحالته في الحكمة لا لاستحالته في القدرة { وَإِن تَكُ حَسَنَةً } وإن يكن مثقال ذرّة حسنة وإنما أنث ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى مؤنث . وقرىء - بالرفع - على كان التامة { يضاعفها } يضاعف ثوابها لاستحقاقها عنده الثواب في كل وقت من الأوقات المستقبلة غير المتناهية . وعن أبي عثمان النهدي أنه قال لأبي هريرة :
( 278 ) بلغني عنك أنك تقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله تعالى يعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة " قال أبو هريرة : لا ، بل سمعته يقول : إن الله تعالى يعطيه ألفي ألف حسنة ثم تلا هذه الآية . والمراد : الكثرة لا التحديد { وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضل عطاء عظيماً وسماه ( أجراً ) لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته . وقرىء : «يضعفها» بالتشديد والتخفيف ، من أضعف وضعف : وقرأ ابن هرمز : «نضاعفها» بالنون { فَكَيْفَ } يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم { إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ } يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم ، كقوله : { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } [ المائدة : 117 ] . { وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاءِ } المكذبين { شَهِيداً } وعن ابن مسعود :
( 279 ) أنه قرأ سورة النساء على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله : { وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً } فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : «حسبنا» { لَوْ تسوى بِهِمُ الارض } لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى . وقيل : يودّون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء وقيل : تصير البهائم تراباً ، فيودّون حالها { وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً } ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم . وقيل الواو للحال ، أي يودون أن يدفنوا تحت الأرض وأنهم لا يكتمون الله حديثاً . ولا يكذبون في قولهم : { والله ربنا ما كنا مشركين } [ الأنعام : 23 ] ، لأنهم إذا قالوا ذلك وجحدوا شركهم ، ختم الله على أفواههم عند ذلك ، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بتكذيبهم والشهادة عليهم بالشرك فلشدة الأمر عليهم يتمنون أن تسوى بهم الأرض : وقرىء : «تسوى» ، بحذف التاء من تتسوى . يقال : سويته فتسوّى نحو : لويته فتلوى . وتسوى بإدغام التاء في السين ، كقوله : { يسمعون } [ الصافات : 8 ] ، وماضيه أسوى كأزكى .

(1/411)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)

روي :
( 280 ) أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً وشراباً فدعا نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كانت الخمر مباحة ، فأكلوا وشربوا ، فلما ثملوا وجاء وقت صلاة المغرب قدموا أحدهم ليصلي بهم ، فقرأ : أعبد ما تعبدون ، وأنتم عابدون ما أعبد ، فنزلت ، فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات ، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون . ثم نزل تحريمها . ومعنى { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة } لا تغشوها ولا تقوموا إليها واجتنبوها . كقوله : { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنا } [ الإسراء : 32 ] ، { لا تَقْرَبُواْ الفواحش } [ الأنعام : 51 ] ، وقيل معناه : ولا تقربوا مواضعها وهي المساجد ، لقوله عليه الصلاة والسلام :
( 281 ) " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم " ، وقيل : هو سكر النعاس وغلبة النوم ، كقوله :
. . . . . . . . . . . . وَرَانُوا ... بِسُكْرِ سِنَاتِهِمْ كُلَّ الرُّيُونِ
وقرىء : «سكارى» ، بفتح السين ، «وسكرى» ، على أن يكون جمعاً ، نحو : هلكى ، وجوعى ، لأن السكر علة تلحق العقل . أو مفرداً بمعنى : وأنتم جماعة سكرى ، كقولك : امرأة سكرى ، وسكرى بضم السين كحبلى . على أن تكون صفة للجماعة . وحكى جناح بن حبيش : كسلى وكسلى ، بالفتح والضم { وَلاَ جُنُباً } عطف على قوله : { وَأَنتُمْ سكارى } لأن محل الجملة مع الواو النصب على الحال ، كأنه قيل : لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنباً . والجنب : يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب { إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } استثناء من عامة أحوال المخاطبين . وانتصابه على الحال . فإن قلت : كيف جمع بين هذه الحال والحال التي قبلها؟ قلت : كأنه قيل : لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة ، إلا ومعكم حال أخرى تعذرون فيها ، وهي حال السفر . وعبور السبيل : عبارة عنه . ويجوز أن لا يكون حالاً ولكن صفة ، لقوله ( جنباً ) أي ولا تقربوا الصلاة جنباً غير عابري سبيل ، أي جنباً مقيمين غير معذورين ، فإن قلت : كيف تصح صلاتهم على الجنابة لعذر السفر؟ قلت : أريد بالجنب : الذين لم يغتسلوا كأنه قيل : لا تقربوا الصلاة غير مغتسلين . حتى تغتسلوا ، إلا أن تكونوا مسافرين . وقال : من فسر الصلاة بالمسجد معناه : لا تقربوا المسجد جنباً إلا مجتازين فيه ، إذا كان الطريق فيه إلى الماء ، أو كان الماء فيه أو احتلمتم فيه . وقيل : إن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد ، فتصيبهم الجنابة ولا يجدون ممرّا إلا في المسجد ، فرخص لهم . وروي :
( 282 ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأذن لأحد أن يجلس في المسجد أو يمرّ فيه وهو جنب إلا لعلي رضي الله عنه . لأن بيته كان في المسجد فإن قلت : أدخل في حكم الشرط أربعة : وهم المرضى ، والمسافرون ، والمحدثون ، وأهل الجنابة فيمن تعلق الجزاء الذي هو الأمر بالتيمم عند عدم الماء منهم .

(1/412)


قلت : الظاهر أنه تعلق بهم جميعاً وأنّ المرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه فلهم أن يتيمموا . وكذلك السفر إذا عدموه . لبعده . والمحدثون وأهل الجنابة كذلك إذا لم يجدوه لبعض الأسباب . وقال الزجاج : الصعيد وجه الأرض ، تراباً كان أو غيره . وإن كان صخراً لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح . لكان ذلك طهوره . وهو مذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه . فإن قلت : فما يصنع بقوله تعالى في سورة المائدة : { فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْه } [ المائدة : 6 ] أي بعضه ، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه؟ قلت : قالوا إنّ ( من ) لابتداء الغاية . فإن قلت : قولهم إنها لابتداء الغاية قول متعسف . ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل : مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب ، إلا معنى التبعيض . قلت : هو كما تقول . والإذعان للحق أحق من المراء { إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً } كناية عن الترخيص والتيسير . لأنّ من كانت عادته أن يعفو عن الخطائين ويغفر لهم ، آثر أن يكون ميسراً غير معسر . فإن قلت : كيف نظم في سلك واحد بين المرضى والمسافرين ، وبين المحدثين والمجنبين ، والمرض والسفر سببان من أسباب الرخصة ، والحدث سبب لوجوب الوضوء . والجنابة سبب لوجوب الغسل؟ قلت : أراد سبحانه أن يرخص للذين وجب عليهم التطهر وهم عادمون الماء في التيمم بالتراب ، فخص أوّل من بينهم مرضاهم وسفرهم ، لأنهم المتقدّمون في استحقاق بيان الرخصة لهم بكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة ، ثم عم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء لخوف عدو أو سبع أو عدم آلة استسقاء أو إرهاق في مكان لا ماء فيه وغير ذلك بما لا يكثر كثرة المرض والسفر . وقرىء : «من غيط» ، قيل هو تخفيف غيط ، كهين في هين ، والغيط بمعنى الغائط .

(1/413)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45)

{ أَلَمْ تَرَ } من رؤية القلب ، وعدى بإلى ، على معنى : ألم ينته علمك إليهم؟ أو بمعنى : ألم تنظر إليهم؟ { أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الكتاب } حظاً من علم التوراة ، وهم أحبار اليهود { يَشْتَرُونَ الضلالة } يستبدلونها بالهدى وهو البقاء على اليهودية . بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه هو النبي العربي المبشر به في التوراة والإنجيل { وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ } أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه ، وتنخرطوا في سلكهم لا تكفيهم ضلالتهم؛ بل يحبون أن يضل معهم غيرهم . وقرىء : «أن يضلوا» ، بالياء بفتح الضاد وكسرها { والله أَعْلَمُ } منكم { بِأَعْدَائِكُمْ } وقد أخبركم بعداوة هؤلاء ، وأطلعكم على أحوالهم وما يريدون بكم؛ فاحذروهم ولا تستنصحوهم في أموركم ولا تستشيروهم { وكفى بالله وَلِيّاً وكفى بالله نَصِيراً } فثقوا بولايته ونصرته دونهم . أو لا تبالوا بهم ، فإن الله ينصركم عليهم ويكفيكم مكرهم .

(1/414)


مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46)

{ مّنَ الذين هَادُواْ } بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب : لأنهم يهود ونصارى . وقوله : { والله أَعْلَمُ } ، { وكفى بالله } ، { وكفى بالله } جمل توسطت بين البيان والمبين على سبيل الاعتراض أو بيان لأعدائكم ، وما بينهما اعتراض أو صلة لنصيراً ، أي ينصركم من الذين هادوا ، كقوله : { ونصرناه مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ } [ الأنبياء : 77 ] ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ ، على أن { يُحَرِّفُونَ } صفة مبتدأ محذوف تقديره : من الذين هادوا قوم يحرفون . كقوله :
وَمَا الدَّهْرُ إِلاَّ تَارَتَانِ فَمِنْهُمَا ... أَمُوتُ وَأُخْرَى أَبْتَغِي الْعَيْشَ أَكْدَحُ
أي فمنهما تارة أموت فيها { يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه } يميلونه عنها ويزيلونه؛ لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلما غيره ، فقد أمالوه عن مواضعه التي وضعها الله فيها ، وأزالوه عنها ، وذلك نحو تحريفهم ( أسمر ربعة ) عن موضعه في التوراة بوضعهم ( آدم طوال ) مكانه ، ونحو تحريفهم ( الرجم ) بوضعهم ( الحدّ ) بدله : فإن قلت : كيف قيل هاهنا ( عن مواضعه ) وفي المائدة { من بعد مواضعه } [ المائدة : 41 ] قلت : أمّا ( عن مواضعه ) فعلى ما فسرناه من إزالته عن مواضعه التي أوجبت حكمة الله وضعه فيها بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه . وأمّا { من بعد مواضعه } فالمعنى : أنه كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها ، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقارّه ، والمعنيان متقاربان . وقرىء : «يحرفون الكلام» . والكلم بكسر الكاف وسكون اللام : جمع كلمة تخفيف كلمة . قولهم : { غَيْرَ مُسْمَعٍ } حال من المخاطب ، أي اسمع وأنت غير مسمع ، وهو قول ذو وجهين ، يحتمل الذمّ أي اسمع منا مدعوا عليك بلا سمعت لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع ، فكان أصم غير مسمع . قالوا ذلك اتكالاً على أنّ قولهم لا سمعت دعوة مستجابة أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه . ومعناه غير مسمع جواباً يوافقك ، فكأنك لم تسمع شيئاً . أو اسمع غير مسمع كلاماً ترضاه ، فسمعك عنه ناب . ويجوز على هذا أن يكون ( غير مسمع ) مفعول اسمع ، أي اسمع كلاماً غير مسمع إياك ، لأن أذنك لا تعيه نبوًّا عنه . ويحتمل المدح ، أي اسمع غير مسمع مكروهاً ، من قولك : أسمع فلان فلاناً إذا سبه . وكذلك قولهم : { راعنا } يحتمل راعنا نكلمك ، أي ارقبنا وانتظرنا . ويحتمل شبه كلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابون بها ، وهي : راعينا ، فكانوا سخرية بالدين وهزؤا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمونه بكلام محتمل ، ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون به التوقير والإكرام { لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ } فتلا بها وتحريفاً ، أي يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل ، حيث يضعون ( راعناً ) موضع ( انظرنا ) و ( غير مسمع ) موضع : لا أسمعت مكروهاً .

(1/415)


أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً . فإن قلت : كيف جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا : سمعنا وعصينا؟ قلت : جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان . ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء . ويجوز أن يقولوه فيما بينهم . ويجوز أن لا ينطقوا بذلك ، ولكنهم لما لم يؤمنوا جعلوا كأنهم نطقوا به . وقرأ أبيّ : «وأنظرنا» ، من الإنظار وهو الإمهال . فإن قلت : إلام يرجع الضمير في قوله : { لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } قلت : إلى ( أنهم قالوا ) لأن المعنى . ولو ثبت قولهم سمعنا وأطعنا . لكان قولهم ذلك خيراً لهم { وَأَقْوَمَ } وأعدل وأسدّ { وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ } أي خذلهم بسبب كفرهم ، وأبعدهم عن ألطافه { فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ } إيماناً { قَلِيلاً } أي ضعيفاً ركيكاً لا يعبأ به ، وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره ، أو أراد بالقلة العدم ، كقوله :
قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ ... أي عديم التشكي ، أو إلا قليلاً منهم قد آمنوا .

(1/416)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47)

{ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً } أي نمحو تخطيط صورها ، من عين وحاجب وأنف وفم { فَنَرُدَّهَا على أدبارها } فنجعلها على هيئة أدبارها ، وهي الأقفاء مطموسة مثلها . والفاء للتسبيب ، وإن جعلتها للتعقيب على أنهم توعدوا بعقابين : أحدهما عقيب الآخر ، ردها على أدبارها بعد طمسها؛ فالمعنى أن نطمس وجوهاً فننكسها ، الوجوه إلى خلف ، والأقفاء إلى قدّام . ووجه آخر : وهو أن يراد بالطمس القلب والتغيير ، كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة . وبالوجوه ، رؤوسهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم ، فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وإدبارهم أو نردهم إلى حيث جاؤا منه . وهي : أذرعات الشام ، يريد : إجلاء بني النضير . فإن قلت : لمن الراجع في قوله : ( أو نلعنهم ) ؟ قلت : للوجوه إن أريد الوجهاء ، أو لأصحاب الوجوه . لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم أو يرجع إلى ( الذين أوتوا الكتاب ) على طريقة الالتفات { أَوْ نَلْعَنَهُمْ } أو نجزيهم بالمسخ ، كما مسخنا أصحاب السبت . فإن قلت : فأين وقوع الوعيد . قلت : هو مشروط بالإيمان . وقد آمن منهم ناس . وقيل : هو منتظر ، ولا بدّ من طمس ومسخ لليهود قبل يوم القيامة ، ولأن الله عز وجلّ أوعدهم بأحد الأمرين ، بطمس وجوه منهم ، أو بلعنهم فإن الطمس تبديل أحوال رؤسائهم ، أو إجلائهم إلى الشام ، فقد كان أحد الأمرين وإن كان غيره فقد حصل اللعن . فإنهم ملعونون بكل لسان ، والظاهر اللعن المتعارف دون المسخ ألا ترى إلى قوله تعالى : { قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير } [ المائدة : 60 ] { وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً } فلا بدّ أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا .

(1/417)


إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)

فإن قلت : قد ثبت أن الله عزّ وجلَّ يغفر الشرك لمن تاب منه ، وأنه لا يغفر ما دون الشرك من الكبائر إلا بالتوبة ، فما وجه قول الله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ } ؟ قلت : الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعاً موجهين إلى قوله تعالى : { لِمَن يَشَاءُ } كأنه قيل إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك ، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك على أنّ المراد بالأول من لم يتب ، وبالثاني من تاب . ونظيره قولك : إنّ الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء . تريد : لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله ، ويبذل القنطار لمن يستأهله { فَقَدِ افترى إِثْماً } أي ارتكبه وهو مفتر مفتعل ما لا يصح كونه .

(1/418)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50)

{ الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ } اليهود والنصارى ، قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه ، وقالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى . وقيل :
( 283 ) جاء رجال من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطفالهم فقالوا : هل على هؤلاء ذنب؟ قال : ( لا ) . قالوا : والله ما نحن إلا كهيئتهم ، ما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل ، وما عملناه بالليل كفر عنا بالنهار . فنزلت . ويدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند الله . فإن قلت : أما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 284 ) « والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض » ؟ قلت : إنما قال ذلك : حين قال له المنافقون : اعدل في القسمة ، إكذاباً لهم إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه ، وشتان من شهد الله له بالتزكية ، ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم { بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاءُ } إعلام بأن تزكية الله هي التي يعتدّ بها . لا تزكية غيره لأنه هو العالم بمن هو أهل للتزكية . ومعنى يزكي من يشاء : يزكي المرتضين من عباده الذين عرف منهم الزكاء فوصفهم به { وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } أي الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم . أو من يشاء يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم . ونحوه { فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى } [ النجم : 32 ] { كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ } في زعمهم أنهم عند الله أزكياء { وَكَفَى } بزعمهم هذا { إِثْماً مُّبِيناً } من بين سائر آثامهم .

(1/419)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52)

الجبت : الأصنام وكل ما عبد من دون الله : والطاغوت : الشيطان . وذلك أن حُيَيّ بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشاً على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : أنتم أهل كتاب ، وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا ، فلا نأمن مكركم ، فاسجدوا لآلهتنا حتى نطئمن إليكم ففعلوا فهذا إيمانهم { بالجبت والطاغوت } لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس فيما فعلوا . وقال أبو سفيان : أنحن أهدى سبيلاً أم محمد . فقال كعب : ماذا يقول محمد؟ قالوا : يأمر بعبادة الله وحده وينهى عن الشرك . قال : وما دينكم؟ قالوا : نحن ولاة البيت ، ونسقي الحاج ، ونقري الضيف ، ونفك العاني ، وذكروا أفعالهم ، فقال : أنتم أهدى سبيلاً .

(1/420)


أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55)

وصف اليهود بالبخل والحسد وهما شرّ خصلتين : يمنعون ما أوتوا من النعمة ويتمنون أن تكون لهم نعمة غيرهم فقال : { أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ الملك } على أن أم منقطعة ومعنى الهمزة لإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك ثم قال : { فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ } أي لو كان لهم نصيب من الملك فإذاً لا يؤتون أحداً مقدار نقير لفرط بخلهم : والنقير : النقرة في ظهر النواة وهو مثل في القلة ، كالفتيل والقطمير . والمراد بالملك : إما ملك أهل الدنيا . وإما ملك الله كقوله تعالى : { قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّى إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفاق } [ الإسراء : 100 ] وهذا أوصف لهم بالشح ، وأحسن لطباقه نظيره من القرآن . ويجوز أن يكون معنى الهمزة في أم : لإنكار أنهم قد أوتوا نصيباً من الملك ، وكانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة كما تكون أحوال الملوك . وأنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً . وقرأ ابن مسعود : «فإذاً لا يؤتوا» ، على إعمال إذا عملها الذي هو النصب ، وهي ملغاة في قراءة العامة ، كأنه قيل : فلا يؤتون الناس نقيراً إذاً { أَمْ يَحْسُدُونَ الناس } بل أيحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على إنكار الحسد واستقباحه . وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم الله من النصرة والغلبة وازدياد العزّ والتقدم كل يوم { فَقَدْ ءاتَيْنَا } إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء الله الكتاب والحكمة { ءَالَ إبراهيم } الذين هم أسلاف محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما آتى أسلافه . وعن ابن عباس : الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان . وقيل : استكثروا نساءه فقيل لهم : كيف استكثرتم له التسع وقد كان لداود مائة ولسليمان ثلَثمائة مهيرة وسبعمائة سرية؟ { فَمِنْهُمْ } فمن اليهود { مَنْ ءامَنَ بِهِ } أي بما ذكر من حديث آل إبراهيم { وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ } وأنكره مع علمه بصحته . أو من اليهود من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنهم من أنكر نبوّته . أو من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ، ومنهم من كفر ، كقوله : { فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فاسقون } [ الحديد : 26 ] .

(1/421)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56)

{ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا } أبدلناهم إياها . فإن قلت : كيف تعذب مكان الجلود العاصية جلود لم تعص؟ قلت : العذاب للجملة الحساسة ، وهي التي عصت لا للجلد . وعن فضيل : يجعل النضيج غير نضيج . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 285 ) « تبدّل جلودهم كل يوم سبع مرّات » ، وعن الحسن : سبعين مرة يبدّلون جلوداً بيضاء كالقراطيس { لِيَذُوقُواْ العذاب } ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع . كقولك للعزيز : أعزّك الله ، أي أدامك على عزّك وزادك فيه { عَزِيزاً } لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين { حَكِيماً } لا يعذب إلا بعدل من يستحقه .

(1/422)


وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)

{ ظَلِيلاً } صفة مشتقة من لفظ الظلّ لتأكيد معناه . كما يقال : ليل أليل . ويوم أيوم ، وما أشبه ذلك . وهو ما كان فينانا لا جوب فيه ، ودائماً لا تنسخه الشمس ، وسجسجاً لا حرّ فيه ولا برد ، وليس ذلك إلا ظل الجنة . رزقنا الله بتوفيقه لما يزلف إليه التفيؤ تحت ذلك الظل . وفي قراءة عبد الله : «سيدخلهم» بالياء { أَن تُؤدُّاْ الأمانات } الخطاب عام لكل أحد في كل أمانة . وقيل نزلت في عثمان بن طلحة بن عبد الدار وكان سادن الكعبة . وذلك :
( 286 ) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب الكعبة وصعد السطح ، وأبى أن يدفع المفتاح إليه ، وقال : لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه ، فلوى علي بن أبي طالب رضي الله عنه يده . وأخذه منه وفتح ، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين . فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة . فنزلت ، فأمر علياً أن يردّه إلى عثمان ويعتذر إليه فقال عثمان لعليّ : أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق؟ فقال : لقد أنزل الله في شأنك قرآناً ، وقرأ عليه الآية ، فقال عثمان : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ، فهبط جبريل وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبداً . وقيل : هو خطاب للولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل . وقرىء : «الأمانة» ، على التوحيد { نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ } ( ما ) إما أن تكون منصوبة موصوفة بيعظكم به ، وإما أن تكون مرفوعة موصولة به ، كأنه قيل : نعم شيئاً يعظكم به . أو نعم الشيء الذي يعظكم به . والمخصوص بالمدح محذوف ، أي نعمّا يعظكم به ذاك ، وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم . وقرىء «نعما» بفتح النون .

(1/423)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)

لما أمر الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل ، أمر الناس بأن يطيعوهم وينزلوا على قضاياهم . والمراد بأولي الأمر منكم : أمراء الحق؛ لأن أمراء الجور الله ورسوله بريئان منهم ، فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم ، وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما والنهي عن أضدادهما كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان . وكان الخلفاء يقولون : أطيعوني ما عدلت فيكم ، فإن خالفت فلا طاعة لي عليكم . وعن أبي حازم أن مسلمة بن عبد الملك قال له : ألستم أمرتم بطاعتنا في قوله : { وَأُوْلِى الامر مِنْكُمْ } قال : أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله : { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول } وقيل : هم أمراء السرايا وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 287 ) « من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن يطع أميري فقد أطاعني ومن يعصِ أميري فقد عصاني » ، وقيل : هم العلماء الدينون الذين يعلمون الناس الدين ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر . { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ } فإن اختلفتم أنتم وأولوا الأمر منكم في شيء من أمور الدين ، فردّوه إلى الله ورسوله ، أي : ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة . وكيف تلزم طاعة أمراء الجور وقد جنح الله الأمر بطاعة أولي الأمر بما لا يبقى معه شك ، وهو أن أمرهم أولاً بأداء الأمانات وبالعدل في الحكم وأمرهم آخراً بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل ، وأمراء الجور لا يؤدّون أمانة ولا يحكمون بعدل ، ولا يردون شيئاً إلى كتاب ولا إلى سنة ، إنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم ، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند الله ورسوله ، وأحق أسمائهم : اللصوص المتغلبة { ذلك } إشارة إلى الرد إلى الكتاب والسنة { خَيْراً } لكم وأصلح { وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } وأحسن عاقبة . وقيل : أحسن تأويلاً من تأويلكم أنتم .

(1/424)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63)

روي :
( 288 ) أن بشراً المنافق خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ، ثم إنهما احتكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وقال : تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب . فقال اليهودي لعمر : قضى لنا رسول الله فلم يرض بقضائه . فقال للمنافق : أكذلك؟ قال : نعم . فقال عمر : مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر فاشتمل على سيفه ، ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال : هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله ، فنزلت . وقال جبريل : إنّ عمر فرق بين الحق والباطل ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أنت الفاروق» . والطاغوت : كعب بن الأشرف ، سماه الله ( طاغوتاً ) لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم . أو على التشبيه بالشيطان والتسمية باسمه . أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم على التحاكم إليه تحاكماً إلى الشيطان ، بدليل قوله : { وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ } . وقرىء { بِمَا أنزَلَ . . . وَمَا أَنَزلَ } على البناء للفاعل . وقرأ عباس بن الفضل : «أن يكفروا بها» ، ذهاباً بالطاغوت إلى الجمع ، كقوله : { أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُم } [ البقرة : 257 ] وقرأ الحسن «تعالوا» بضم اللام على أنه حذف اللام من تعاليت تخفيفاً ، كما قالوا : ما باليت به بالة ، وأصلها بالية كعافية ، وكما قال الكسائي في ( آية ) إن أصلها ( آيية ) فاعلة ، فحذفت اللام ، فلما حذفت وقعت واو الجمع بعد اللام من تعال فضمت ، فصار ( تعالوا ) ، نحو : تقدموا . ومنه قول أهل مكة : تعالي ، بكسر اللام للمرأة ، وفي شعر الحمداني :
تَعَالِي أُقَاسِمْكِ الهمُومَ تَعَالِي ... والوجه فتح اللام { فَكَيْفَ } يكون حالهم ، وكيف يصنعون؟ يعني أنهم يعجزون عند ذلك فلا يصدرون أمراً ولا يوردونه { إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من التحاكم إلى غيرك واتهامهم لك في الحكم { ثُمَّ جَاؤك } حين يصابون فيعتذرون إليك { يَحْلِفُونَ } ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك { إِلاَّ إِحْسَاناً } لا إساءة { وَتَوْفِيقاً } بين الخصمين ، ولم يرد مخالفة لك ولا تسخطاً لحكمك ، ففرج عنا بدعائك وهذا وعيد لهم على فعلهم ، وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم . ولا يغني عنهم الاعتذار عند حلول بأس الله . وقيل : جاء أولياء المنافق يطلبون بدمه وقد أهدره الله فقالوا : ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بحكومة العدل والتوفيق بينه وبين خصمه ، وما خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم به { فَأَعْرَضْ عَنْهُمْ } لا تعاقبهم لمصلحة في استبقائهم ، ولا تزد على كفهم بالموعظة والنصيحة عما هم عليه { وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } بالغ في وعظهم بالتخفيف والإنذار .

(1/425)


فإن قلت : بم تعلق قوله : { فِى أَنفُسِهِمْ } ؟ قلت : بقوله : ( بليغاً ) أي : قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً ، ويستشعرون منه الخوف استشعاراً ، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق وأطلع قرنه ، وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله ، وأنه لا فرق بينكم وبين المشركين ، وما هذه المكافة إلا لإظهاركم الإيمان وإسراركم الكفر وإضماره ، فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف . أو يتعلق بقوله : { قُلْ لَهُمْ } أي قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً ، وأنّ الله يعلم ما في قلوبكم لا يخفي عليه فلا يغني عنكم إبطانه . فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق ، وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه ، وشراً من ذلك وأغلظ . أو قل لهم في أنفسهم - خالياً بهم ، ليس معهم غيرهم ، مسارًّا لهم بالنصيحة ، لأنه في السر أنجع ، وفي الإمحاض أدخل { قولاً بليغاً } يبلغ منهم ويؤثر فيهم .

(1/426)


وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)

{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ } وما أرسلنا رسولاً قط { إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله } بسبب إذن الله في طاعته ، وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه ، لأنه مؤدّ عن الله ، فطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله ، وَمَن يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ، ويجوز أن يراد بتيسير الله وتوفيقه في طاعته { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالتحاكم إلى الطاغوت { جاؤك } تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا { فاستغفروا الله } من ذلك بالإخلاص ، وبالغوا في الاعتذار إليك من إيذائك بردّ قضائك ، حتى انتصبت شفيعاً لهم إلى الله ومستغفراً { لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً } لعلموه تواباً ، أي لتاب عليهم . ولم يقل . واستغفرت لهم ، وعدل عنه إلى طريقة الالتفات ، تفخيماً لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيماً لاستغفاره ، وتنبيهاً على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان { فَلاَ وَرَبِّكَ } معناه فوربك كقوله تعالى : { فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ } [ الحجر : 92 ] و ( لا ) مزيدة لتأكيد معنى القسم ، كما زيدت في { لّئَلاَّ يَعْلَمَ } [ الحديد : 29 ] لتأكيد وجود العلم . و { لاَ يُؤْمِنُونَ } جواب القسم فإن قلت : هلا زعمت أنها زيدت لتظاهر ( لا ) في ( لا يؤمنون ) ؟ قلت : يأبى ذلك استواء النفي والإثبات فيه ، وذلك قوله : { فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } [ التكوير : 19 ] { فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } فيما اختلف بينهم واختلط ، ومنه الشجر لتداخل أغصانه { حَرَجاً } ضيقاً ، أي لا تضيق صدورهم من حكمك ، وقيل : شكا ، لأنّ الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين { وَيُسَلِّمُواْ } وينقادوا ويذعنوا لما تأتي به من قضائك ، لا يعارضوه بشيء ، من قولك : سلم الأمر لله وأسلم له ، وحقيقة سلم نفسه وأسلمها ، إذا جعلها سالمة له خالصة ، و { تَسْلِيماً } تأكيد للفعل بمنزلة تكريره . كأنه قيل : وينقادوا لحكمه انقياداً لا شبهة فيه ، بظاهرهم وباطنهم . قيل : نزلت في شأن المنافق واليهودي . وقيل :
( 289 ) في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة؛ وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرّة . كانا يسقيان بها النخل ، فقال : «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك» ، فغضب حاطب وقال : لأن كان ابن عمتك؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر واستوف حقك ، ثم أرسله إلى جارك» كان قد أشار على الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه؛ فلما أحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، استوعب للزبير حقه في صريح الحكم ، ثم خرجا فمرا على المقداد ، فقال : لمن كان القضاء؟ فقال الأنصاري : قضى لابن عمته ، ولوى شدقه . ففطن يهودي كان مع المقداد فقال : قاتل الله هؤلاء ، يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضى بينهم ، وايم الله ، لقد أذنبنا ذنباً مرّة في حياة موسى ، فدعانا إلى التوبة منه وقال : اقتلوا أنفسكم ، ففعلنا ، فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا .

(1/427)


فقال ثابت بن قيس بن شماس : أما والله إنّ الله ليعلم مني الصدق ، لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها . وروى أنه قال ذلك ثابت وابن مسعود وعمار بن ياسر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده إنّ من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي » وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : والله لو أمرنا ربنا لفعلنا ، والحمد لله الذي لم يفعل بنا ذلك ، فنزلت الآية في شأن حاطب ، ونزلت في شأن هؤلاء .

(1/428)


وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68)

{ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ } أي لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم ، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل { مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ } ناس { قَلِيلٌ مّنْهُمْ } وهذا توبيخ عظيم . والرفع على البدل من الواو في ( فعلوه ) . وقرىء : «إلا قليلاً» ، بالنصب على أصل الاستثناء ، أو على إلا فعلاً قليلاً { مَا يُوعَظُونَ بِهِ } من اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته . والانقياد لما يراه ويحكم به ، لأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى { لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } في عاجلهم وآجلهم { وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } لإيمانهم وأبعد من الاضطراب فيه { وَإِذاً } جواب لسؤال مقدر ، كأنه قيل وماذا يكون لهم أيضاً بعد التثبيت ، فقيل : وإذاً لو ثبتوا { لاتيناهم } لأن إذاً جواب وجزاء { مّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً } كقوله : { وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } [ النساء : 40 ] في أنّ المراد العطاء المتفضل به من عنده وتسميته أجراً ، لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته { ولهديناهم } وللطفنا بهم ووفقناهم لازدياد الخيرات .

(1/429)


وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)

الصديقون : أفاضل صحابة الأنبياء الذين تقدموا في تصديقهم كأبي بكر الصديق رضي الله عنه وصدقوا في أقوالهم وأفعالهم . وهذا ترغيب للمؤمنين في الطاعة ، حيث وعدوا مرافقة أقرب عباد الله إلى الله وأرفعهم درجات عنده { وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً } فيه معنى التعجب كأنه قيل : وماأحسن أولئك رفيقاً لاستقلاله بمعنى التعجب . قرىء : «وحسْن» ، بسكون السين . يقول المتعجب : حسن الوجه وجهك ! وحسن الوجه وجهك ، بالفتح والضم مع التسكين . والرفيق : كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه ، ويجوز أن يكون مفرداً ، بين به الجنس في باب التمييز . وروي :
( 290 ) أنّ ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه ، فأتاه يوماً وقد تغير وجهه ونحل جسمه وعرف الحزن في وجهه فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حاله ، فقال : يا رسول الله ، ما بي من وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ، فذكرت الآخرة ، فخفت أن لا أراك هناك ، لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وإن أدخلت الجنة كنت في منزل دون منزلك ، وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبداً ، فنزلت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجمعين " وحكى ذلك عن جماعة من الصحابة { ذلك } مبتدأ و { الفضل } صفته و { مِنَ الله } الخبر ، ويجوز أن يكون ( ذلك ) مبتدأ ، ( والفضل من الله ) خبره ، والمعنى : أنّ ما أعطي المطيعون من الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الله لأنه تفضل به عليهم تبعاً لثوابهم { وكفى بالله عَلِيماً } بجزاء من أطاعه أو أراد أَنَّ فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله ، لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه وكفى بالله عليماً بعباده فهو يوفقهم على حسب أحوالهم .

(1/430)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71)

{ خُذُواْ حِذْرَكُمْ } الحِذْرُ والحَذَر بمعنى ، كالإثر والأثر ، يقال : أخذ حذره ، إذا تيقظ واحترز من المخوف ، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه . والمعنى : احذروا واحترزوا من العدوّ ولا تمكنوه من أنفسكم { فانفروا } إذا نفرتم إلى العدوّ . إما { ثُبَاتٍ } جماعات متفرّقة سرية بعد سرية ، وإما { جَمِيعاً } أي مجتمعين كوكبة واحدة ، ولا تتخاذلوا فتلقوا بأنفسكم إلى التهلكة . وقرىء : «فانفروا» بضم الفاء .

(1/431)


وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73)

اللام في ( لمنَ ) للابتداء بمنزلتها في قوله : { إِنَّ الله لَغَفُورٌ } [ النحل : 18 ] وفي { لَّيُبَطّئَنَّ } جواب قسم محذوف تقديره : وإنّ منكم لمن أقسم بالله ليبطئن ، والقسم وجوابه صلة من ، والضمير الراجع منها إليه ما استكن في { لَّيُبَطّئَنَّ } والخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمبطئون منهم المنافقون لأنهم كانوا يغزون معهم نفاقاً . ومعنى ( ليبطئن ) ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد وبطأ بمعنى : أبطأ كعتم بمعنى : أعتم ، إذا أبطأ ، وقرىء «ليبطئن» بالتخفيف يقال : بطأ عليّ فلان وأبطأ عليّ وبطؤ نحو : ثقل ، ويقال : ما بطأ بك ، فيعدى بالباء ، ويجوز أن يكون منقولاً من بطؤ ، نحو؟ ثقل من ثقل ، فيراد ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو ، وكان هذا ديدن المنافق عبد الله بن أبيّ ، وهو الذي ثبط الناس يوم أُحد { فَإِنْ أصابتكم مُّصِيبَةٌ } من قتل أو هزيمة { فَضْلٌ مِنَ اللهِ } من فتح أو غنيمة { لَّيَقُولَنَّ } وقرأ الحسن «ليقولون» بضم اللام إعادة للضمير إلى معنى ( من ) لأن قوله : ( لمن ليبطئن ) في معنى الجماعة ، وقوله : { كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ } اعتراض بين الفعل الذي هو ( ليقولن ) وبين مفعوله وهو { ياليتنى } والمعنى كأن لم تتقدم له معكم موادّة ، لأن المنافقين كانوا يوادّون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر ، وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن ، والظاهر أنه تهكم لأنهم كانوا أعدى عدوّ للمؤمنين وأشدهم حسداً لهم ، فكيف يوصفون بالمودّة إلا على وجه العكس تهكماً بحالهم . وقرىء : «فأفوز» بالرفع عطفاً على ( كنت معهم ) لينتظم الكون معهم ، والفوز معنى التمني ، فيكونا متمنيين جميعاً ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، بمعنى فأنا أفوز في ذلك الوقت .

(1/432)


فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)

{ يَشْرُونَ } بمعنى يشترون ويبيعون قال ابن مفرغ :
وَشَرَيْتُ بُرْداً لَيْتَنِي ... مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ
فالذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة هم المبطئون ، وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله ، ويجاهدوا من سبيل الله حق الجهاد ، والذين يبيعون هم المؤمنون الذين يستحبون الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها ، والمعنى : إن صدّ الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال فليقاتل الثابتون المخلصون ووعد المقاتل في سبيل الله ظافراً أو مظفوراً به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله { والمستضعفين } فيه وجهان أن يكون مجروراً عطفاً على سبيل الله أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين ومنصوباً على اختصاص يعني واختص من سبيل الله خلاص المستضعفين لأنّ سبيل الله عام في كل خير ، وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدّهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد ، وكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة ، وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولي وناصر وهو محمد صلى الله عليه وسلم فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى النصر ، ولما خرج استعمل على أهل مكة عتاب بن أسيد فرأوا منه الولاية والنصرة كما أرادوا ، قال ابن عباس : كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعز بها من الظلمة . فإن قلت : لم ذكر الولدان؟ قلت : تسجيلاً بإفراط ظلمهم ، حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين ، إرغاماً لآبائهم وأمهاتهم ومبغضة لهم لمكانهم ، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالاً لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا ، كما فعل قوم يونس وكما وردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء ، وعن ابن عباس : كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان ، ويجوز أن يراد بالرجال والنساء الأحرار والحرائر ، وبالولدان العبيد والإماء ، لأنّ العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة ، وقيل للولدان والولائد ( الولدان ) لتغليب الذكور على الإناث كما يقال الآباء والإخوة . فإن قلت : لم ذكر الظالم وموصوفه مؤنث؟ قلت : هو وصف للقرية إلا أنه مسند إلى أهلها . فأعطي إعراب القرية لأنه صفتها ، وذكر لإسناده إلى الأهل كما تقول من هذه القرية التي ظلم أهلها ، ولو أنث فقيل : الظالمة أهلها ، لجاز لا لتأنيث الموصوف ، ولكن لأن الأهل يذكر ويؤنث . فإن قلت : هل يجوز من هذه القرية الظالمين أهلها؟ قلت : نعم ، كما تقول : التي ظلموا أهلها ، على لغة من يقول : أكلوني البراغيث . ومنه { وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ } [ الأنبياء : 3 ] ، رغب الله المؤمنين ترغيباً وشجعهم تشجيعاً بإخبارهم أنهم إنما يقاتلون في سبيل الله . فهو وليهم وناصرهم ، وأعداؤهم يقاتلون في سبيل الشيطان فلا وليّ لهم إلا الشيطان ، وكيد الشيطان للمؤمنين إلى جنب كيد الله للكافرين أضعف شيء وأوهنه .

(1/433)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)

{ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ } أي كفوها عن القتال وذلك أن المسلمين كانوا مكفوفين عن مقاتلة الكفار ما داموا بمكة ، وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال } بالمدينة كع فريق منهم لا شكاً في الدين ولا رغبة عنه ، ولكن نفوراً من الإخطار بالأرواح وخوفاً من الموت { كَخَشْيَةِ الله } من إضافة المصدر إلى المفعول ، فإن قلت : ما محل ( كخشية الله ) من الإعراب؟ قلت : محله النصب على الحال من الضمير في ( يخشون ) أي يخشون الناس مثل أهل خشية الله ، أي مشبهين لأهل خشية الله { أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } بمعنى أو أشد خشية من أهل خشية الله ، وأشد معطوف على الحال . فإن قلت : لم عدلت عن الظاهر وهو كونه صفة للمصدر ولم تقدر يخشون خشية مثل خشية الله ، بمعنى مثل ما يخشى الله؟ قلت : أبى ذلك قوله : { أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } لأنه وما عطف عليه في حكم واحد ، ولو قلت يخشون الناس أشد خشية؟ لم يكن إلا حال عن ضمير الفريق ولم ينتصب انتصاب المصدر ، لأنك لا تقول خشي فلان أشد خشية ، فتنصب خشية وأنت تريد المصدر ، إنما تقول أشد خشية فتجرّها ، وإذا نصبتها لم يكن أشد خشية إلا عبارة عن الفاعل حالاً منه ، اللَّهم إلا أن تجعل الخشية خاشية وذات خشية ، على قولهم جد جده فتزعم أن معناه يخشون الناس خشية مثل خشية الله ، أو خشية أشد خشية من خشية الله ، ويجوز على هذا أن يكون محل ( أشد ) مجروراً عطفاً على ( خشية الله ) تريد كخشية الله أو كخشية أشد خشية منها { لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ } استزادة في مدة الكف ، واستمهال إلى وقت آخر ، كقوله : { لَوْلا أَخَّرْتَنِى إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ } [ المنافقون : 15 ] . { وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } ولا تنقصون أدنى شيء من أجوركم على مشاق القتال فلا ترغبوا عنه ، وقرىء : «ولا يظلمون» ، بالياء .

(1/434)


أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)

قرىء «يدركُكم» بالرفع وقيل : هو على حذف الفاء ، كأنه قيل : فيدرككم الموت ، وشبه بقول القائل :
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ للَّهُ يَشْكُرُهَا ... ويجوز أن يقال : حمل على ما يقع موقع { أَيْنَمَا تَكُونُواْ } ، وهو أينما كنتم ، كما حمل «ولا ناعب» ، على ما يقع موقع ( ليسوا مصلحين ) وهو ليسوا بمصلحين ، فرفع كما رفع زهير :
يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرِمُ ... وهو قول نحوي سيبوي . ويجوز أن يتصل بقوله : { وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } أي ولا تنقصون شيئاً مما كتب من آجالكم . أينما تكونوا في ملاحم حروب أو غيرها ، ثم ابتدأ قوله : { يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } والوقف على هذا الوجه على ( أينما تكونوا ) .
والبروج : الحصون . مشيدة مرفعة . وقرىء «مشيَّدة» من شاد القصر إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجصّ . وقرأ نعيم بن ميسرة «مشيدة» بكسر الياء وصفاً لها بفعل فاعلها مجازاً كما قالوا : قصيدة شاعرة ، وإنما الشاعر قارضها . السيئة تقع على البلية والمعصية . والحسنة على النعمة والطاعة . قال الله تعالى : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [ الأعراف : 198 ] وقال : { إِنَّ الحسنات يُذْهِبْن السيآت } [ هود : 114 ] . والمعنى : وإن تصبهم نعمة من خصب ورخاء نسبوها إلى الله ، وإن تصبهم بلية من قحط وشدة أضافوها إليك وقالوا : هي من عندك ، وما كانت إلا بشؤمك ، كما حكى الله عن قوم موسى : { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ } [ الأعراف : 131 ] وعن قوم صالح : { قَالُواْ اطيرنا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ } [ النمل : 47 ] وروي عن اليهود لعنت أنها تشاءمت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : منذ دخل المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها ، فردّ الله عليهم { قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله } يبسط الأرزاق ويقبضها على حسب المصالح { لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً } فيعلموا أن الله هو الباسط القابض ، وكل ذلك صادر عن حكمة وصواب ثم قال { مَا أَصَابَكَ } يا إنسان خطاباً عاماً { مِنْ حَسَنَةٍ } أي من نعمة وإحسان { فَمِنَ الله } تفضلاً منه وإحساناً وامتناناً وامتحاناً { وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ } أي من بلية ومصيبة { فمن نفسك } ، لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك { وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِير } [ الشورى : 30 ] وعن عائشة رضي الله عنها : " ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب ، حتى الشوكة يشاكها ، وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب ، وما يعفو الله أكثر " { وأرسلناك لِلنَّاسِ رَسُولاً } أي رسولاً للناس جميعاً لست برسول العرب وحدهم ، أنت رسول العرب والعجم ، كقوله : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ } [ سبأ : 28 ] ، { قُلْ ياأَيُّهَا الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } [ الأعراف : 158 ] ، { وكفى بالله شَهِيداً } على ذلك ، فما ينبغي لأحد أن يخرج عن طاعتك واتباعك .

(1/435)


مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)

{ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } لأنه لا يأمر إلا بما أمر الله به ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه فكانت طاعته في امتثال ما أمر به والانتهاء عما نهى عنه طاعة لله ، وروي أنه قال :
( 291 ) « من أحبني فقد أحبّ الله ، ومن أطاعني فقد أطاع الله » فقال المنافقون : ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل ، لقد قارف الشرك وهو ينهى أن يعبد غير الله ! ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى ، فنزلت : { وَمَن تولى } عن الطاعة فأعرض عنه { فَمَا أرسلناك } إلا نذيراً ، لا حفيظاً ومهيمناً عليهم تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم ، كقوله : { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } [ الأنعام : 107 ] .

(1/436)


وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81)

{ وَيَقُولُونَ } إذا أمرتهم بشيء { طَاعَةٌ } بالرفع أي أمرنا وشأننا طاعة . ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة . وهذا من قول المرتسم : سمعاً وطاعة . وسمع وطاعة . ونحوه قول سيبويه : وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له : كيف أصبحت؟ فيقول : حمد الله وثناء عليه ، كأنه قال أمري وشأني حمد الله . ولو نصب حمد الله وثناء عليه . كان على الفعل والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها { بَيَّتَ طَائِفَةٌ } زورت طائفة وسوت { غَيْرَ الذى تَقُولُ } خلاف ما قلت وما أمرت به . أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة ، لأنهم أبطلوا الرد لا القبول ، والعصيان لا الطاعة . وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون . والتبييت : إما من البيتوتة لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل ، يقال : هذا أمر بيت بليل . وإما من أبيات الشعر ، لأن الشاعر يدبرها ويسويها { والله يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ } يثبته في صحائف أعمالهم ، ويجازيهم عليه على سبيل الوعيد . أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك فيطلعك على أسرارهم فلا يحسبوا أن إبطانهم يغني عنهم { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } ولا تحدّث نفسك بالانتقام منهم { وَتَوَكَّلْ عَلَى الله } في شأنهم ، فإنّ الله يكفيك معرّتهم وينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام وعز أنصاره . وقرىء «بيت طائفة» بالإدغام وتذكير الفعل ، لأنّ تأنيث الطائفة غير حقيقي ، ولأنها في معنى الفريق والفوج .

(1/437)


أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)

تدبُّر الأمر : تأمُّله والنظر في إدباره وما يؤول إليه في عاقبته ومنتهاه ، ثم استعمل في كل تأمل؛ فمعنى تدبر القرآن : تأمل معانيه وتبصر ما فيه { لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً } لكان الكثير منه مختلفاً متناقضاً قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه ، فكان بعضه بالغاً حدّ الإعجاز ، وبعضه قاصراً عنه يمكن معارضته ، وبعضه إخباراً بغيب قد وافق المخبر عنه ، وبعضه إخباراً مخالفاً للمخبر عنه ، وبعضه دالاً على معنى صحيح عند علماء المعاني . وبعضه دالاً على معنى فاسد غير ملتئم ، فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائتة لقوى البلغاء وتناصر صحة معان وصدق إخبار ، علم أنه ليس إلا من عند قادر على ما لا يقدر عليه غيره ، عالم بما لا يعلمه أحد سواه . فإن قلت : أليس نحو قوله : { فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } [ الأعراف : 107 ] ، { كَأَنَّهَا جَانٌّ } [ النمل : 10 ] ، { فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر : 92 ] ، { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } [ الرحمن : 39 ] من الاختلاف؟ قلت : ليس باختلاف عند المتدبرين .

(1/438)