صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الكشاف |
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)
{ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ } وعدهم الله النصر بشرط الصبر والتقوى في قوله تعالى : { إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ } [ آل عمران : 125 ] ويجوز أن يكون الوعد قوله تعالى : { سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } فلما فشلوا وتنازعوا لم يرعبهم . وقيل : لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزلت . وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحداً خلف ظهره ، واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل ، وأمرهم أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا كانت الدولة للمسلمين أو عليهم فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم ، والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم . يحسونهم أي يقتلونهم قتلا ذريعاً . حتى إذا فشلوا . والفشل : الجبن وضعف الرأي . وتنازعوا ، فقال بعضهم : قد انهزم المشركون فما موقفنا ههنا وقال بعضهم : لا نخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فممن ثبت مكانه عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة وهم المعنيون بقوله : { وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الاخرة } ونفر أعقابهم ينهبون ، وهم الذين أرادوا الدنيا ، فكرّ المشركون على الرماة ، وقتلوا عبد الله بن جبير رضي الله عنه ، وأقبلوا على المسلمين ، وحالت الريح دبوراً وكانت صباً ، حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا ، وهو قوله : { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ } ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم على الإيمان عندها { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } لماعلم من ندمكم على ما فرط منكم من عصيان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم { والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين } يتفضل عليهم بالعفو ، أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال سواء أديل لهم أو أديل عليهم؛ لأنّ الابتلاء رحمة كما أنّ النصرة رحمة . فإن قلت : أين متعلق { حتى إِذَا } قلت : محذوف تقديره : حتى إذا فشلتم منعكم نصره . ويجوز أن يكون المعنى : صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم { إِذْ تُصْعِدُونَ } نصب بصرفكم ، أو بقوله : { لِيَبْتَلِيَكُمْ } أو بإضمار «اذكر» والإصعاد : الذهاب في الأرض والإبعاد فيه . يقال : صعد في الجبل وأصعد في الأرض . يقال : أصعدنا من مكة إلى المدينة وقرأ الحسن رضي الله عنه : «تصعدون» ، يعني في الجبل . وتعضد الأولى قراءة أبي : «إذ تصعدون في الوادي» . وقرأ أبو حيوة : «تصعدون» ، بفتح التاء وتشديد العين ، من تصعد في السلم وقرأ الحسن رضي الله عنه : «تلون» ، بواو واحدة وقد ذكرنا وجهها . وقرىء : «يصعدون» . «ويلوون» بالياء { والرسول يَدْعُوكُمْ } كان يقول : «إليّ عباد الله» إليّ عباد الله ، أنا رسول الله ، من يكرّ فله الجنة» { فِى أُخْرَاكُمْ } في ساقتكم وجماعتكم الأخرى وهي المتأخرة . (1/336)
يقال : جئت في آخر الناس وأخراهم ، كما تقول : في أوّلهم وأولاهم ، بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى { فأثابكم } عطف على صرفكم ، أي فجازاكم الله { غَمّاً } حين صرفكم عنهم وابتلاكم { ب } سبب { غَمّ } أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم له ، أو غما مضاعفاً ، غما بعد غم ، وغما متصلاً بغم ، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر { لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ } لتتمرنوا على تجرع الغموم ، وتضروا باحتمال الشدائد ، فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار ، ويجوز أن يكون الضمير في { فأثابكم } للرسول ، أي فآساكم في الاغتمام ، وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمه ما نزل بكم ، فأثابكم غماً اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله ، ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره ، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله ، ولا على ما أصابكم من غلبة العدو . وأنزل الله الأمن على المؤمنين وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم . وعن أبي طلحة رضي الله عنه : " غشينا النعاس ونحن في مصافنا ، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ، ثم يسقط فيأخذه ، وما أحد إلا ويميل تحت حجفته " وعن ( الزبير ) رضي الله عنه : لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد علينا الخوف ، فأرسل الله علينا النوم . والله إني لأسمع قول معتِّب بن قشير والنعاس يغشاني : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا . والأمنة : الأمن . وقرىء : «أمنة» بسكون الميم ، كأنها المرة من الأمن و { نُّعَاساً } بدل من أمنة . ويجوز أن يكون هو المفعول ، وأمنة حالاً منه مقدمة عليه ، كقولك : رأيت راكباً رجلاً ، أو مفعولاً له بمعنى نعستم أمنة . ويجوز أن يكون حالاً من المخاطبين ، بمعنى ذوي أمنة ، أو على أنه جمع آمن ، كبار وبررة { يغشى } قرىء بالياء والتاء ردا على النعاس ، أو على الأمنة { طَائِفَةً مّنكُمْ } هم أهل الصدق واليقين { وَطَائِفَةٌ } هم المنافقون { قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } ما بهم إلا هم أنفسهم لا هم الدين ولا هم الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، أو قد أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان ، فهم في التشاكي والتباثّ { غَيْرَ الحق } في حكم المصدر . ومعناه : يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به . و { ظَنَّ الجاهلية } بدل منه . ويجوز أن يكون المعنى : يظنون بالله ظن الجاهلية . وغير الحق : تأكيد ليظنون ، كقولك : هذا القول غير ما تقول ، وهذا القول لا قولك وظن الجاهلية ، كقولك : حاتم الجود ، ورجل صدق : يريد الظن المختص بالملة الجاهلية . (1/337)
ويجوز أن يراد ظن أهل الجاهلية ، أي لا يظن مثل ذلك الظن إلا أهل الشرك الجاهلون بالله { يَقُولُونَ } لرسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه { هَل لَّنَا مِنَ الامر مِن شَىْءٍ } معناه هل لنا معاشر المسلمين من أمر الله نصيب قط ، يعنون النصر والإظهار على العدو { قُلْ إِنَّ الامر كُلَّهُ للَّهِ } ولأوليائه المؤمنين وهو النصر والغلبة { كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } [ المجادلة : 21 ] ، { وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون } [ الصافات : 173 ] { يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَالا يُبْدُونَ لَكَ } معناه : يقولون لك فيما يظهرون : هل لنا من الأمر من شيء سؤال المؤمنين المسترشدين وهم فيما يبطنون على النفاق ، يقولون في أنفسهم أو بعضهم لبعض منكرين لقولك لهم إن الأمر كله لله { لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الامر شَىْءٌ } أي لو كان الأمر كما قال محمد إن الأمر كله لله ولأوليائه وأنهم الغالبون ، لما غلبنا قط . ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة { قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ } يعني من علم الله منه أنه يقتل ويصرع في هذه المصارع وكتب ذلك في اللوح لم يكن بد من وجوده فلو قعدتم في بيوتكم { لَبَرَزَ } من بينكم { الذين } علم الله أنهم يقتلون { إلى مَضَاجِعِهِمْ } وهي مصارعهم ليكون ما علم الله أنه يكون . والمعنى أن الله كتب في اللوح قتل من يقتل من المؤمنين ، وكتب مع ذلك أنهم الغالبون ، لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم ، وأن دين الإسلام يظهر على الدين كله ، وأن ما ينكبون به في بعض الأوقات تمحيص لهم وترغيب في الشهادة ، وحرصهم على الشهادة مما يحرضهم على الجهاد فتحصل الغلبة . وقيل : معناه هل لنا من التدبير من شيء ، يعنون لم نملك شيئاً من التدبير حيث خرجنا من المدينة إلى أحد ، وكان علينا أن نقيم ولا نبرح كما كان رأي عبد الله بن أبيّ وغيره ، ولو ملكنا من التدبير شيئاً لما قتلنا في هذه المعركة ، قل إن التدبير كله لله ، يريد أن الله عز وجل قد دبر الأمر كما جرى ، ولو أقمتم بالمدينة ولم تخرجوا من بيوتكم لما نجا من القتل من قتل منكم . وقرىء : «كتب عليهم القتال» . «وكتب عليهم القتل» ، على البناء للفاعل . ولبرِّز ، بالتشديد وضم الباء { وَلِيَبْتَلِىَ الله } وليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص ، ويمحص ما في قلوبهم من وساوس الشيطان . فعل ذلك أو فعل ذلك لمصالح جمة وللابتلاء والتمحيص . فإن قلت : كيف مواقع الجمل التي بعد قوله وطائفة؟ قلت : { قَدْ أَهَمَّتْهُمْ } صفة لطائفة و { يَظُنُّونَ } صفة أخرى أو حال بمعنى : قد أهمتهم أنفسهم ظانين . أو استئناف على وجه البيان للجملة قبلها . و { يَقُولُونَ } بدل من يظنون . فإن قلت : كيف صح أن يقع ما هو مسألة عن الأمر بدلاً من الإخبار بالظن؟ قلت : كانت مسألتهم صادرة عن الظنّ ، فلذلك جاز إبداله منه . ويخفون حال من يقولون . و { قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ } [ آل عمران : 154 ] اعتراض بين الحال وذوي الحال . و { يَقُولُونَ } بدل من { يُخْفُونَ } والأجود أن يكون استئنافاً . (1/338)
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)
{ استزلهم } طلب منهم الزلل ودعاهم إليه { بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } من ذنوبهم ومعناه : إنّ الذين انهزموا يوم أحد كان السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان فاقترفوا ذنوباً ، فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا . وقيل : استزلال الشيطان إياهم هو التولي ، وإنما دعاهم إليه بذنوب قد تقدمت لهم ، لأنّ الذنب يجرّ إلى الذنب ، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفاً فيها . وقال الحسن رضي الله عنه : استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة . وقيل : { بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } هو تركهم المركز الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثبات فيه . فجرّهم ذلك إلى الهزيمة وقيل : ذكرهم تلك الخطايا فكرهوا لقاء الله معها ، فأخروا الجهاد حتى يصلحوا أمرهم ويجاهدوا على حال مرضية . فإن قلت : لم قيل { بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } ؟ قلت : هو كقوله تعالى : { وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } [ المائدة : 15 ] . { وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ } لتوبتهم واعتذارهم { إن الله غَفُورٌ } للذنوب { حَلِيمٌ } لا يعاجل بالعقوبة . (1/339)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)
{ وَقَالُواْ لإخوانهم } أي لأجل إخوانهم ، كقوله تعالى : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } [ الأحقاف : 11 ] ومعنى الأخوّة : اتفاق الجنس أو النسب { إِذَا ضَرَبُواْ فِى الأرض } إذا سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرها { أوكَانُواْ اغزى } جمع غاز ، كعاف وعفى ، كقوله : عفى الحياض أجون . وقرىء بتخفيف الزاي على حذف التاء من غزاة . فإن قلت : كيف قيل : { إِذَا ضَرَبُواْ } مع { قَالُواْ } ؟ قلت : هو على حكاية الحال الماضية ، كقولك : حين يضربون في الأرض فإن قلت : ما متعلق ليجعل؟ قلت : قالوا ، أي قالوا ذلك واعتقدوه ليكون { حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ } على أنّ اللام مثلها في { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [ القصص : 8 ] أو لا تكونوا ، بمعنى : لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده ، ليجعله الله حسرة في قلوبهم خاصة ويصون منها قلوبكم . فإن قلت : ما معنى إسناد الفعل إلى الله تعالى؟ قلت : معناه أنّ الله عز وجل عند اعتقادهم ذلك المعتقد الفاسد يضع الغم والحسرة في قلوبهم ، ويضيق صدورهم عقوبة ، فاعتقاده فعلهم وما يكون عنده من الغم والحسرة وضيق الصدور فعل الله عز وجل كقوله : { يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السماء } [ الأنعام : 125 ] ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى ما دلّ عليه النهى ، أي لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم ، لأنّ مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون ومضادّتهم ، مما يغمهم ويغيظهم { والله يُحْيىِ وَيُمِيتُ } ردٌّ لقولهم . أي الأمر بيده ، قد يحيي المسافر والغازي ، ويميت المقيم والقاعد كما يشاء . وعن خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه قال عند موته : مافيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة ، وها أناذا أموت كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فلا تكونوا مثلهم . وقرى بالياء ، يعني الذين كفروا { لَمَغْفِرَةٌ } جواب القسم ، وهو سادّ مسدّ جواب الشرط ، وكذلك { لإِلَى الله تُحْشَرُونَ } كذب الكافرين أوَّلاً في زعمهم أن من سافر من إخوانهم أو غزى لو كان في المدينة لما مات ، ونهى المسلمين عن ذلك لأنه سبب التقاعد عن الجهاد ، ثم قال لهم : ولئن تم عليكم ما تخافونه من الهلاك بالموت والقتل في سبيل الله ، فإنّ ما تنالونه من المغفرة والرحمة بالموت في سبيل الله خير مما تجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم تموتوا . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء . وقرىء بالياء ، أي يجمع الكفار { لإِلَى الله تُحْشَرُونَ } لإلى الله الرحيم الواسع الرحمة ، المثيب العظيم الثواب تحشرون ولوقوع اسم الله تعالى هذا الموقع مع تقديمه وإدخال اللام على الحرف المتصل به ، شأن ليس بالخفي . قرىء : «متم» بضم الميم وكسرها ، من مات يموت ومات يمات . (1/340)
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)
«ما» مزيدة للتوكيد والدلالة على أنّ لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله ونحوه { فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم لعناهم } [ المائدة : 13 ] ومعنى الرحمة : ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق والتلطف بهم حتى أثابهم غما بغم وآساهم بالمباثة بعد ما خالفوه وعصوا أمره وانهزموا وتركوه { وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً } جافياً { غَلِيظَ القلب } قاسيه { لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } لتفرّقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد منهم { فاعف عَنْهُمْ } فيما يختص بك { واستغفر لَهُمْ } فيما يختص بحق الله إتماماً للشفقة عليهم { وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمر } يعني في أمر الحرب ونحوه مما لم ينزل عليك فيه وحي لتستظهر برأيهم ، ولما فيه من تطييب نفوسهم والرفع من أقدارهم . وعن الحسن رضي الله عنه : قد علم الله أنه ما به إليهم حاجة ، ولكنه أراد أن يستنّ به من بعده . وعن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (1/341)
( 215 ) " ما تشاور قوم قط إلا هدو لأرشد أمرهم " وعن أبي هريرة رضي الله عنه : ما رأيت أحداً أكثر مشاورة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم . وقيل : كان سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه لئلا يثقل عليهم استبداده بالرأي دونهم . وقرىء : «وشاورهم في بعض الأمر» { فَإِذَا عَزَمْتَ } فإذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى { فَتَوَكَّلْ عَلَى الله } في إمضاء أمرك على الأرشد الأصلح ، فإن ما هو أصلح لك لا يعلمه إلا الله لا أنت ولا من تشاور . وقرىء : «فإذا عزمت» بضم التاء ، بمعنى فإذا عزمت لك على شيء وأرشدتك إليه فتوكل عليّ ولا تشاور بعد ذلك أحداً .
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162)
{ إِن يَنصُرْكُمُ الله } كما نصركم يوم بدر فلا أحد يغلبكم { وَإِن يَخْذُلْكُمْ } كما خذلكم يوم أحد { فَمَن ذَا الذى يَنصُرُكُم } فهذا تنبيه على أن الأمر كله لله وعلى وجوب التوكل عليه . ونحوه { مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ } [ فاطر : 2 ] . { مِن بَعْدِهِ } من بعد خذلانه . أو هو من قولك ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان؛ تريد إذا جاوزته . وقرأ عبيد بن عمير : «وإن يخذلكم» ، من أخذله إذا جعله مخذولاً . وفيه ترغيب في الطاعة وفيما يستحقون به النصر من الله تعالى والتأييد ، وتحذير من المعصية ومما يستوجبون به العقوبة بالخذلان { وَعَلَى الله } وليخص المؤمنون ربهم بالتوكل والتفويض إليه لعلمهم أنه لا ناصر سواه ، ولأن إيمانهم يوجب ذلك ويقتضيه . يقال غلّ شيئاً من المغنم غلولاً وأغلّ إغلالاً ، إذا أخذه في خفية . يقال أغلّ الجازر ، إذا سرق من اللحم شيئاً مع الجلد . والغل : الحقد الكامن في الصدر . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : (1/342)
( 216 ) " من بعثناه على عمل فغلّ شيئاً جاء يوم القيامة يحمله على عنقه " وقوله صلى الله عليه وسلم :
( 217 ) " هدايا الولاة غلول " وعنه :
( 218 ) " ليس على المستعير غير المغل ضمان " وعنه :
( 219 ) " لا إغلال ولا إسلال " ويقال : أغله إذا وجده غالا ، كقولك : أبخلته وأفحمته ومعنى { وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَغُلَّ } وما صحّ له ذلك ، يعني أن النبوة تنافي الغلول ، وكذلك من قرأ على البناء للمفعول فهو راجع إلى معنى الأوّل ، لأن معناه : وما صح له أن يوجد غالاً ، ولا يوجد غالا إلا إذا كان غالاً . وفيه وجهان : أحدهما أن يبرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وينزه وينبه على عصمته بأن النبوّة والغلول متنافيان؟ لئلا يظن به ظانّ شيئاً منه وألا يستريب به أحد ، كما روى :
( 220 ) أنّ قطيفة حمراء فقدت يوم بدر . فقال بعض المنافقين : لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها . وروي :
( 221 ) أنها نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز وطلبوا الغنيمة وقالوا : نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري ، فقالوا : تركنا بقية إخواننا وقوفاً ، فقال صلى الله عليه وسلم : بل ظنتم أنا نغل ولا نقسم لكم ) : والثاني أن يكون مبالغة في النهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي : أنه بعث طلائع فغنمت غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع ، فنزلت .
يعني : وما كان لنبيّ أن يعطي قوماً ويمنع آخرين ، بل عليه أن يقسم بالسوية . وسمى حرمان بعض الغزاة «غلولا» تغليظاً وتقبيحاً لصورة الأمر ، ولو قرىء : «أن يغل» من أغل بمعنى غل ، لجاز { يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة } يأت بالشيء الذي غله بعينه يحمله كما جاء في الحديث : (1/343)
( 222 ) " جاء يوم القيامة يحمله على عنقه " وروي :
( 223 ) " ألا لا أعرفنّ أحدكم يأتي ببعير له رغاء وببقرة لها خوار وبشاة لها ثغاء ، فينادي يا محمد ، يا محمد ، فأقول : لا أملك لك من الله شيئاً فقد بلغتك " وعن بعض جفاة العرب أنه سرق نافجة مسك ، فتليت عليه الآية فقال : إذاً أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل . ويجوز أن يراد يأتي بما احتمل من وباله وتبعته وإثمه فإن قلت : هلا قيل : ثم يوفى ما كسب ، ليتصل به؟ قلت : جيء بعامّ دخل تحته كل كاسب من الغال وغيره فاتصل به من حيث المعنى ، وهو أبلغ وأثبت ، لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيراً أو شراً مجزي فموفى جزاءه ، علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } أي يعدل بينهم في الجزاء ، كلٌّ جزاؤه على قدر كسبه .
هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)
{ هُمْ درجات } أي هم متفاوتون كما تتفاوت الدرجات كقوله : (1/344)
أَنَصْبٌ لِلْمَنِيَّةِ تَعْتَرِيهِمْ ... رِجَالِي أمْ هُمُو دَرَجُ السُّيُولِ
وقيل : ذوو درجات والمعنى تفاوت منازل المثابين منهم ومنازل المعاقبين ، أو التفاوت بين الثواب والعقاب { والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } عالم بأعمالهم ودرجاتها فمجازيهم على حسبها { لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين } على من آمن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه . وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون بمبعثه { مّنْ أَنفُسِهِمْ } من جنسهم عربياً مثلهم . وقيل من ولد إسماعيل كما أنه من ولده ، فإن قلت : مما وجه المنة عليهم في أن كان من أنفسهم؟ قلت : إذا كان منهم كان اللسان واحداً ، فسهل أخذ ما يجب عليهم أخذه عنه وكانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة ، فكان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به ، وفي كونه من أنفسهم شرف لهم ، كقوله : { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } [ الزخرف : 44 ] وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقراءة فاطمة رضي الله عنها : من «أَنْفَسِهِم» ، أي من أشرفهم . لأن عدنان ذروة ولد إسماعيل ، ومضر ذروة نزار بن معد بن عدنان ، وخندف ذروة مضر ، ومدركة ذروة خندف ، وقريش ذروة مدركة ، وذروة قريش محمد صلى الله عليه وسلم . وفيما خطب به أبو طالب في تزويج خديجة رضي الله عنها وقد حضر معه بنو هاشم ورؤساء مضر : الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضىء معدّ وعنصر مضر ، وجعلنا حضنة بيته وسوّاس حرمه ، وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمنا ، وجعلنا الحكام على الناس . ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله من لا يوزن به فتى من قريش إلا رجح به ، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل . وقرىء : «لمن منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم» . وفيه وجهان : أن يراد لمن منّ الله على المؤمنين منه أو بعثه إذ بعث فيهم ، فحذف لقيام الدلالة ، أو يكون إذ في محل الرفع كإذا في قولك : أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائماً ، بمعنى لمن منّ الله على المؤمنين وقت بعثه { يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياته } بعد ما كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي { وَيُزَكّيهِمْ } ويطهرهم من دنس القلوب بالكفر ونجاسة سائر الجوارح بملابسة المحرمات وسائر الخبائث . وقيل : ويأخذ منهم الزكاة { وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة } القرآن والسنة بعدما كانوا أجهل الناس وأبعدهم من دراسة العلوم { وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ } من قبل بعثة الرسول { لَفِى ضلال } إن هي المخففة من الثقيلة ، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية . وتقديره : وإنّ الشأن والحديث كانوا من قبل في ضلال { مُّبِينٍ } ظاهر لا شبهة فيه .
أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)
{ أصابتكم مُّصِيبَةٌ } يريد : ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم { قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا } يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين . و { لَّمّا } نصب بقلتم . و { أصابتكم } في محل الجرّ بإضافة { لَّمّا } إليه وتقديره : أقلتم حين أصابتكم . و { أنى هذا } نصب لأنه مقول ، والهمزة للتقرير والتقريع . فإن قلت : علام عطفت الواو هذه الجملة؟ قلت : على ما مضى من قصة أحد من قوله : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ } ويجوز أن تكون معطوفة على محذوف ، كأنه قيل : أفعلتم كذا وقلتم حينئذ كذا ، أنى هذا : من أين هذا . كقوله تعالى : { أنى لَكِ هذا } [ آل عمران : 7 ] لقوله : { مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } وقوله : { مِنْ عِندِ الله } والمعنى : أنتم السبب فيما أصابكم ، لاختياركم الخروج من المدينة ، أو لتخليتكم المركز . وعن عليّ رضي الله عنه : لأخذكم الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤذن لكم { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } فهو قادر على النصر وعلى منعه ، وعلى أن يصيب بكم تارة ويصيب منكم أخرى { وَمَا أصابكم } يوم أحد يوم التقى جمعكم وجمع المشركين { ف } هو كائن { بِإِذُنِ الله } أي بتخليته ، استعار الإذن لتخليته الكفار . وأنه لم يمنعهم منهم ليبتليهم ، لأنّ الآذن مخل بين المأذون له ومراده { وَلِيَعْلَمَ } وهو كائن ليتميز المؤمنون والمنافقون ، وليظهر إيمان هؤلاء ونفاق هؤلاء { وَقِيلَ لَهُمْ } من جملة الصلة عطف على نافقوا ، وإنما لم يقل فقالوا لأنه جواب لسؤال اقتضاه دعاء المؤمنين لهم إلى القتال ، كأنه قيل : فماذا قالوا لهم . فقيل : قالوا : لو نعلم . ويجوز أن تقتصر الصلة على { نَافَقُواْ } ، ويكون { وَقِيلَ لَهُمْ } كلاما مبتدأ قسم الأمر عليهم بين أن يقاتلوا للآخرة كما يقاتل المؤمنون ، وبين أن يقاتلوا إن لم يكن بهم غم الآخرة دفعاً عن أنفسهم وأهليهم وأموالهم ، فأبوا القتال وجحدوا القدرة عليه رأساً لنفاقهم ودغلهم وذلك ما روى أن عبد الله بن أبيّ انخذل مع حلفائه ، فقيل له ، فقال ذلك . وقيل : { أَوِ ادفعوا } العدوّ بتكثيركم سواد المجاهدين وإن لم تقاتلوا لأنّ كثرة السواد مما يروع العدو ويكسر منه . وعن سهل بن سعد الساعدي وقد كف بصره : لو أمكنني لبعت داري ولحقت بثغر من ثغور المسلمين فكنت بينهم وبين عدوهم . قيل وكيف وقد ذهب بصرك؟ قال لقوله : { أَوِ ادفعوا } أراد : كثروا سوادهم . ووجه آخر وهو أن يكون معنى قولهم : { لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً } لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً { لاتبعناكم } يعنون أن ما أنتم فيه لخطإ رأيكم وزللكم عن الصواب ليس بشيء ، ولا يقال لمثله قتال ، إنما هو إلقاء بالأنفس إلى التهلكة ، لأنّ رأي عبد الله كان في الإقامة بالمدينة وما كان يستصوب الخروج { هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ للإيمان } يعني أنهم قبل ذلك اليوم كانوا يتظاهرون بالإيمان وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم ، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا ، تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر . (1/345)
وقيل : هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان ، لأنّ تقليلهم سواد المسلمين بالانخذال تقوية للمشركين { يَقُولُونَ بأفواههم } لا يتجاوز إيمانهم أفواههم ومخارج الحروف منهم ولا تعي قلوبهم منه شيئاً . وذكر الأفواه مع القلوب تصوير لنفاقهم ، وأنّ إيمانهم موجود في أفواههم معدوم في قلوبهم ، خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم لأفواههم { والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } من النفاق . وبما يجري بعضهم مع بعض من ذمّ المؤمنين وتجهيلهم وتخطئة رأيهم والشماتة بهم وغير ذلك ، لأنكم تعلمون بعض ذلك علماً مجملاً بأمارات ، وأنا أعلم كله علم إحاطة بتفاصيله وكيفياته { الذين قَالُواْ } في إعرابه أوجه : أن يكون نصباً على الذمّ أو على الردّ على الذين نافقوا ، أو رفعاً على هم الذين قالوا أو على الإبدال من واو يكتمون . ويجوز أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في بأفواههم أو قلوبهم ، كقوله : (1/346)
عَلَى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حَاتِمُ ... { لإخوانهم } لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد أو إخوانهم في النسب وفي سكنى الدار { وَقَعَدُواْ } أي قالوا وقد قعدوا على القتال : لو أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم به من القعود ووافقونا فيه لما قتلوا كما لم نقتل { قُلْ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صادقين } معناه : قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلاً وهو القعود عن القتال ، فجدوا إلى دفع الموت سبيلاً ، يعني أن ذلك الدفع غير مغن عنكم ، لأنكم إن دفعتم القتل الذي هو أحد أسباب الموت ، لم تقدروا على دفع سائر أسبابه المبثوثة ، ولا بد لكم من أن يتعلق بكم بعضها . وروي : أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً . فإن قلت : فقد كانوا صادقين في أنهم دفعوا القتل عن أنفسهم بالقعود ، فما معنى قوله : { إِن كُنتُمْ صادقين } ؟ قلت : معناه أن النجاة من القتل يجوز أن يكون سببها القعود عن القتال وأن يكون غيره ، لأن أسباب النجاة كثيرة ، وقد يكون قتال الرجل سبب نجاته ولو لم يقاتل لقتل ، فما يدريكم أن سبب نجاتكم القعود وأنكم صادقون في مقالتكم؟ وما أنكرتم أن يكون السبب غيره . ووجه آخر : إن كنتم صادقين في قولكم : لو أطاعونا وقعدوا ما قتلوا ، يعني أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقتلوا قاعدين كما قتلوا مقاتلين . وقوله : { فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ } استهزاء بهم ، أي إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت ، فادرؤا جميع أسبابه حتى لا تموتوا .
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)
{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد . وقرىء بالياء على : ولا يحسبنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو ولا يحسبنّ حاسب . ويجوز أن يكون { الذين قُتِلُوْا } فاعلاً ، ويكون التقدير : ولا يحسبنهم الذين قتلوا أمواتاً ، أي لا يحسبنّ الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً . فإن قلت : كيف جاز حذف المفعول الأوّل؟ قلت : هو في الأصل مبتدأ ، فحذف كما حذف المبتدأ في قوله { أَحْيَاءٌ } والمعنى : هم أحياء لدلالة الكلام عليهما . وقرىء : «ولا تحسبنّ» بفتح السين ، «وقتلوا» بالتشديد . «وأحياء» بالنصب على معنى : بل احسبهم أحياء { عِندَ رَبّهِمْ } مقرّبون عنده ذوو زلفى ، كقوله : { فالذين عِندَ رَبّكَ } [ فصلت : 38 ] . { يُرْزَقُونَ } مثل ما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون . وهو تأكيد لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي هم عليها من التنعم برزق الله { فَرِحِينَ بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ } وهو التوفيق في الشهادة وما ساق إليهم من الكرامة والتفضيل على غيرهم ، من كونهم أحياء مقرّبين معجلاً لهم رزق الجنة ونعيمها . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : (1/347)
( 224 ) " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تدور في أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش " { وَيَسْتَبْشِرُونَ ب } إخوانهم المجاهدين { الذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم } أي لم يقتلوا فيلحقوا بهم { مّنْ خَلْفِهِمْ } يريد الذين من خلفهم قد بقوا بعدهم وهم قد تقدموهم . وقيل : لم يلحقوا بهم ، لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم { أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } بدل من الذين . والمعنى : ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين ، وهو أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة . بشرهم الله بذلك فهم مستبشرون به . وفي ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم بعث للباقين بعدهم على ازدياد الطاعة ، والجد في الجهاد ، والرغبة في نيل منازل الشهداء وإصابة فضلهم ، وإحماد لحال من يرى نفسه في خير فيتمنى مثله لإخوانه في الله ، وبشرى للمؤمنين بالفوز في المآب . وكرّر { يَسْتَبْشِرُونَ } ليعلق به ما هو بيان لقوله : { أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } من ذكر النعمة والفضل ، وأن ذلك أجر لهم على إيمانهم يجب في عدل الله وحكمته أن يحصل لهم ولا يضيع وقرىء «وأن الله» بالفتح عطفاً على النعمة والفضل . وبالكسر على الابتداء وعلى أنّ الجملة اعتراض . وهي قراءة الكسائي . وتعضدها قراءة عبد الله . «والله لا يضيع» .
الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)
{ الذين استجابوا } مبتدأ خبره { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } أو صفة للمؤمنين ، أو نصب على المدح . روى : (1/348)
( 225 ) أنّ أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وهموا بالرجوع ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوّة ، فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان وقال : لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال ، وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر ، وألقى الله الرعب في قلوب المشركين فذهبوا ، فنزلت . و «من» في { لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ } للتبيين مثلها في قوله تعالى : { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً } [ الفتح : 29 ] لأنّ الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا ، لا بعضهم . وعن عروة بن الزبير : قالت لي عائشة رضي الله عنها «إن أبويك لمن الذين استجابوا لله والرسول» تعني أبا بكر والزبير { الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } روى
( 226 ) أنّ أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد . يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن شاء الله؛ فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مر الظهران . فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع ، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال : يا نعيم ، إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر ، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن ، وقد بدا لي ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جراءة ، فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشر من الإبل ، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم : ما هذا بالرأي . أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريداً ، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم ، فوالله لا يفلت منكم أحد . وقيل :
( 227 ) مرّ بأبي سفيان ركب من عبد القيس يريدون المدينة للميرة فجعل لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوهم ، فكره المسلمون الخروج . فقال صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد ، فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون : حسبنا الله ونعم الوكيل " وقيل : هي الكلمة التي قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار حتى وافوا بدراً وأقاموا بها ثماني ليال ، وكانت معهم تجارات فباعوها وأصابوا خيراً ، ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين . ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق .
قالوا : إنما خرجتم لتشربوا السويق . فالناس الأوّلون : المثبطون . والآخرون : أبو سفيان وأصحابه . فإن قلت : كيف قيل : { الناس } إن كان نعيم هو المثبط وحده؟ قلت : قيل ذلك لأنه من جنس الناس ، كما يقال : فلان يركب الخيل ويلبس البرود ، وماله إلا فرس واحد وبرد فرد . أو لأنه حين قال ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامونه ، ويصلون جناح كلامه ، ويثبطون مثل تثبيطه . فإن قلت : إلام يرجع المستكن في { فَزَادَهُمْ } ؟ قلت : إلى المقول الذي هو { إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم } كأنه قيل : قالوا لهم هذا الكلام فزادهم إيماناً ، أو إلى مصدر قالوا ، كقولك : من صدق كان خيراً له . أو إلى الناس إذا أريد به نعيم وحده . فإن قلت : كيف زادهم نعيم أو مقوله إيماناً؟ قلت : لما لم يسمعوا قوله وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد وأظهروا حمية الإسلام ، كان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى لاعتقادهم ، كما يزداد الإيقان بتناصر الحجج؛ ولأن خروجهم على أثر تثبيطه إلى وجهة العدو طاعة عظيمة ، والطاعات من جملة الإيمان؛ لأنّ الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل . وعن ابن عمر : (1/349)
( 228 ) قلنا يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال : «نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة . وينقص حتى يدخل صاحبه النار» وعن عمر رضي الله عنه : أنه كان يأخذ بيد الرجل فيقول : قم بنا نزدد إيماناً . وعنه :
( 229 ) " لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمّة لرجح به " { حَسْبُنَا الله } محسبنا ، أي كافينا . يقال : أحسبه الشيء إذا كفاه والدليل على أنه بمعنى المحسب أنك تقول : هذا رجل حسبك ، فتصف به النكرة؛ لأنّ إضافته لكونه في معنى اسم الفاعل غير حقيقة { وَنِعْمَ الوكيل } ونعم الموكول إليه هو { فانقلبوا } فرجعوا من بدر { بِنِعْمَةٍ مّنَ الله } وهي السلامة وحذر العدوّ منهم { وفضل } وهو الربح في التجارة ، كقوله { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } [ البقرة : 198 ] . { لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ } لم يلقوا ما يسوءهم من كيد عدوّ { واتبعوا رضوان الله } بجرأتهم وخروجهم { والله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } قد تفضل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا . وفي ذلك تحسير لمن تخلف عنهم ، وإظهار لخطأ رأيهم حيث حرموا أنفسهم ما فاز به هؤلاء . وروي أنهم قالوا : هل يكون هذا غزوا ، فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي عنهم .
إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)
{ الشيطان } خبر ذلكم ، بمعنى : إنما ذلكم المثبط هو الشيطان . ويخوّف أولياءه : جملة مستأنفة بيان لشيطنته . أو الشيطان صفة لاسم الإشارة . ويخوف الخبر . والمراد بالشيطان نعيم ، أو أبو سفيان . ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف ، بمعنى إنما ذلكم قول الشيطان ، أي قول إبليس لعنه الله { يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ } يخوّفكم أولياءه الذين هم أبو سفيان وأصحابه . وتدل عليه قراءة ابن عباس وابن مسعود : «يخوفكم أولياءه» . وقوله : فلا تخافوهم . وقيل يخوّف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن قلت : فإلام رجع الضمير في { فَلاَ تَخَافُوهُمْ } على هذا التفسير؟ قلت : إلى الناس في قوله : { إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } [ آل عمران : 183 ] فلا تخافوهم فتقعدوا عن القتال وتجبنوا { وَخَافُونِ } فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمركم به { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } يعني أنّ الإيمان يقتضي أن تؤثرواخوف الله على خوف الناس { وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله } [ الأحزاب : 39 ] . (1/350)
وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)
{ يسارعون فِى الكفر } يقعون فيه سريعاً ويرغبون فيه أشدّ رغبة ، وهم الذين نافقوا من المتخلفين . وقيل : هم قوم ارتدّوا عن الإسلام . فإن قلت : فما معنى قوله : { وَلاَ يَحْزُنكَ } ؟ ومن حق الرسول أن يحزن لنفاق من نافق وارتداد من ارتدّ؟ قلت : معناه لا يحزنوك لخوف أن يضرّوك ويعينوا عليك . ألا ترى إلى قوله { إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم ، وما وبال ذلك عائداً على غيرهم . ثم بين كيف يعود وباله عليهم بقوله : { يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى الاخرة } أي نصيباً من الثواب { وَلَهُمْ } بدل الثواب { عَذَابٌ عظِيمٌ } وذلك أبلغ ما ضرّ به الإنسان نفسه . فإن قلت : هلا قيل : لا يجعل الله لهم حظاً في الآخرة ، وأيّ فائدة في ذكر الإرادة؟ قلت : فائدته الإشعار بأنّ الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم قد خلص خلوصاً لم يبق معه صارف قط حين سارعوا في الكفر ، تنبيهاً على تماديهم في الطغيان وبلوغهم الغاية فيه ، حتى أنّ أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم { إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان } إمّا أن يكون تكريراً لذكرهم للتأكيد والتسجيل عليهم بما أضاف إليهم . وإمّا أن يكون عاماً للكفار ، والأوّل خاصاً فيمن نافق من المتخلفين ، أو ارتدّ عن الإسلام أو على العكس . و { شَيْئاً } نصب على المصدر؛ لأن المعنى : شيئاً من الضرر وبعض الضرر { الذين كَفَرُواْ } فيمن قرأ بالتاء نصب و { أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ } بدل منه : أي ولا تحسبنّ أنّ ما نملي للكافرين خير لهم ، و «أن» مع ما في حيزه ينوب عن المفعولين ، كقوله : { أم تحسب أنّ أكثرهم يسمعون } [ الفرقان : 44 ] وما مصدرية ، بمعنى : ولا تحسبنّ أنّ إملاءنا خير ، وكان حقها في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة . ولكنها وقعت في الإمام متصلة فلا يخالف ، وتتبع سنة الإمام في خط المصاحف . فإن قلت : كيف صحّ مجيء البدل ولم يذكر إلا أحد المفعولين ، ولا يجوز الاقتصار بفعل الحسبان على مفعول واحد؟ قلت : صحّ ذلك من حيث إنّ التعويل على البدل والمبدل منه في حكم المنحى ، ألا تراك تقول : جعلت متاعك بعضه فوق بعض ، مع امتناع سكوتك على متاعك . ويجوز أن يقدّر مضاف محذوف على : ولا تحسبنّ الذين كفروا أصحاب أن الإملاء خير لأنفسهم . أو ولا تحسبنّ حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم . وهو فيمن قرأ بالياء رفع ، والفعل متعلق بأن وما في حيزه . والإملاء لهم : تخليتهم وشأنهم ، مستعار من أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء . وقيل : هو إمهالهم وإطالة عمرهم . والمعنى : ولا تحسبنّ أن الإملاء خير لهم من منعهم أو قطع آجالهم { إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ } «ما» هذه حقها أن تكتب متصلة ، لأنها كافة دون الأولى ، وهذه جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها ، كأنه قيل : ما بالهم لا يحسبون الإملاء خيراً لهم ، فقيل : إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً . (1/351)
فإن قلت : كيف جاز أن يكون ازدياد الإثم غرضاً لله تعالى في إملائه لهم؟ قلت : هو علة للإملاء ، وما كل علة بغرض . ألا تراك تقول : قعدت عن الغزو للعجز والفاقة ، وخرجت من البلد لمخافة الشر ، وليس شيء منها بغرض لك . وإنما هي علل وأسباب ، فكذلك ازدياد الإثم جعل علة للإمهال وسبباً فيه . فإن قلت : كيف يكون ازدياد الإثم علة للإملاء كما كان العجز علة للقعود عن الحرب؟ قلت : لما كان في علم الله المحيط بكل شيء أنهم مزدادون إثماً ، فكأن الإملاء وقع من أجله وبسببه على طريق المجاز . وقرأ يحيى بن وثاب بكسر الأولى وفتح الثانية . ولا يحسبنّ بالياء ، على معنى : ولا يحسبنّ الذين كفروا أن إملاءنا لازدياد الإثم كما يفعلون ، وإنما هو ليتوبوا ويدخلوا في الإيمان . وقوله : { أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ } اعتراض بين الفعل ومعموله . ومعناه : أن إملاءنا خير لأنفسهم إن عملوا فيه وعرفوا إنعام الله عليهم بتفسيح المدّة وترك المعاجلة بالعقوبة . فإن قلت : فما معنى قوله : { وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } على هذه القراءة؟ قلت : معناه : ولا تحسبوا إن إملاءنا لزيادة الإثم وللتعذيب ، والواو للحال ، كأنه قيل : ليزداودا إثماً معداً لهم عذاب مهين . (1/352)
مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)
اللام لتأكيد النفي { على مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } من اختلاط المؤمنين الخلص والمنافقين { حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب } حتى يعزل المنافق عن المخلص . وقرىء : «يميز» . من ميز . وفي رواية عن ابن كثير : «يميز» ، من أماز بمعنى ميز . فإن قلت : لمن الخطاب في { أَنتُمْ } ؟ قلت : للمصدّقين جميعاً من أهل الإخلاص والنفاق ، كأنه قيل : ما كان الله ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض ، وأنه لا يعرف مخلصكم من منافقكم لاتفاقكم على التصديق جميعاً حتى يميزهم منكم بالوحي إلى نبيه وإخباره بأحوالكم ، ثم قال : { وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب } أي وما كان الله ليؤتي أحداً منكم علم الغيوب ، فلا تتوهموا عند إخبار الرسول عليه الصلاة والسلام بنفاق الرجل وإخلاص الآخر أنه يطلع على ما في القلوب اطلاع الله فيخبر عن كفرها وإيمانها { ولكن الله } يرسل الرسول فيوحي إليه ويخبره بأنّ في الغيب كذا ، وأن فلاناً في قلبه النفاق وفلاناً في قلبه الإخلاص ، فيعلم ذلك من جهة إخبار الله لا من جهة اطلاعه على المغيبات . ويجوز أن يراد : لا يترككم مختلطين حتى يميز الخبيث من الطيب ، بأن يكلفكم التكاليف الصعبة التي لا يصبر عليها إلا الخلص الذين امتحن الله قلوبهم . كبذل الأرواح في الجهاد ، وإنفاق الأموال في سبيل الله ، فيجعل ذلك عياراً على عقائدكم وشاهداً بضمائركم ، حتى يعلم بعضكم ما في قلب بعض من طريق الاستدلال ، لا من جهة الوقوف على ذات الصدور والاطلاع عليها ، فإن ذلك مما استأثر الله به . وما كان الله ليطلع أحداً منكم على الغيب ومضمرات القلوب حتى يعرف صحيحها من فاسدها مطلعاً عليها { وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ } فيخبره ببعض المغيبات { فآمنوا باللّه ورسوله } بأن تقدروه حق قدره ، وتعلموه وحده مطلعاً على الغيوب ، وأن تنزلوهم منازلهم بأن تعلموهم عباداً مجتبين ، لا يعلمون إلا ما علمهم الله ، ولا يخبرون إلا بما أخبرهم الله به من الغيوب ، وليسوا من علم الغيب في شيء . وعن السدي قال الكافرون : إن كان محمد صادقاً فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر فنزلت . (1/353)
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)
{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ } من قرأ بالتاء قدّر مضافاً محذوفاً ، أي ولا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيراً لهم . وكذلك من قرأ بالياء وجعل فاعل يحسبن ضمير رسول الله ، أو ضمير أحد . ومن جعل فاعله الذين يبخلون كان المفعول الأوّل عنده محذوفاً تقديره : ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم { هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } والذي سوغ حذفه دلالة { يَبْخَلُونَ } عليه ، وهو فصل . وقرأ الأعمش بغير هو { سَيُطَوَّقُونَ } تفسير لقوله : { هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ } أي سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق . وفي أمثالهم : تقلدها طوق الحمامة ، إذا جاء بهنة يسب بها ويذم . وقيل : يجعل ما بخل من الزكاة حية يطوقها في عنقه يوم القيامة ، تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه وتقول : أنا مالك . وعن النبي صلى الله عليه وسلم في مانع الزكاة : (1/354)
( 230 ) " يطوق بشجاع أقرع " وروي " بشجاع أسود " وعن النخعي سيطوقون بطوق من نار { وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السماوات والارض } أي وله ما فيها مما يتوارثه أهلها من مال وغيره فمالهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله . ونحوه قوله : { وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } [ الحديد : 7 ] وقرىء «بما تعملون» بالتاء والياء فالتاء على طريقة الالتفات ، وهي أبلغ في الوعيد والياء على الظاهر .
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182)
قال ذلك اليهود حين سمعوا قول الله تعالى : { مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا } ، فلا يخلو إمّا أن يقولوه عن اعتقاد لذلك ، أو عن استهزاء بالقرآن ، وأيهما كان فالكلمة عظيمة لا تصدر إلا عن متمردين في كفرهم . ومعنى سماع الله له : أنه لم يخف عليه ، وأنه أعدّ له كفاءه من العقاب { سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ } في صحائف الحفظة . أو سنحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه كما يثبت المكتوب فإن قلت : كيف قال : { لَّقَدْ سَمِعَ الله } ثم قال { سَنَكْتُبُ } وهلا قيل : ولقد كتبنا؟ قلت : ذكر وجود السماع أوّلاً مؤكداً بالقسم ثم قال : سنكتب على جهة الوعيد بمعنى لن يفوتنا أبداً إثباته وتدوينه كما لن يفوتنا قتلهم الأنبياء . وجعل قتلهم الأنبياء قرينة له إيذاناً بأنهما في العظم أخوان ، وبأن هذا ليس بأوّل ما ركبوه من العظائم . وأنهم أصلاء في الكفر ولهم فيه سوابق ، وأن من قتل الأنبياء لم يستبعد منه الاجتراء على مثل هذا القول . وروي : (1/355)
( 231 ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب مع أبي بكر رضي الله عنه إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً ، فقال فنحاص اليهودي : إنّ الله فقير حين سألنا القرض فلطمه أبو بكر في وجهه وقال : لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجحد ما قاله ، فنزلت . ونحوه قولهم : { يَدُ الله مَغْلُولَةٌ } [ المائدة : 64 ] { وَنَقُولُ } لهم { ذُوقُواْ } وننتقم منهم أن نقول لهم يوم القيامة : ذوقوا { عَذَابَ الحريق } كما أذقتم المسلمين الغصص . يقال للمنتقم منه : أحس ، وذق . وقال أبو سفيان لحمزة رضي الله عنه : ذق عقق وقرأ حمزة : «سيكتب» ، بالياء على البناء للمفعول ، «ويقول» بالياء . وقرأ الحسن والأعرج : «سيكتب» بالياء وتسمية الفاعل . وقرأ ابن مسعود : «ويقال ذوقوا» { ذلك } إشارة إلى ما تقدّم من عقابهم وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال تزاول بهنّ ، فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب فإن قلت : فلم عطف قوله { وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ } { على ما قدّمت أيديكم } ، وكيف جعل كونه غير ظلام للعبيد شريكاً لاجتراحهم السيئات في استحقاق التعذيب؟ قلت : معنى كونه غير ظلام للعبيد أنه عادل عليهم ومن العدل أن يعاقب المسيء منهم ويثيب المحسن .
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184)
{ عَهِدَ إِلَيْنَا } أمرنا في التوراة وأوصانا بأن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بهذه الآية الخاصة ، وهو أن يرينا قربانا تنزل نار من السماء فتأكله ، كما كان أنبياء بني إسرائيل تلك آيتهم ، كان يقرب بالقربان ، فيقوم النبي فيدعو ، فتنزل نار من السماء فتأكله ، وهذه دعوى باطلة وافتراء على الله ، لأن أكل النار القربان لم يوجب الإيمان للرسول الآتي به إلا لكونه آية ومعجزة فهو إذن وسائر الآيات سواء فلا يجوز أن يعينه الله تعالى من بين الآيات . وقد ألزمهم الله أن أنبياءهم جاؤهم بالبينات الكثيرة التي أوجبت عليهم التصديق ، وجاؤهم أيضاً بهذه الآية التي اقترحوها فلم قتلوهم إن كانوا صادقين أن الإيمان يلزمهم بإتيانها وقرىء «بقربان» بضمتين . ونظيره السلطان . فإن قلت : ما معنى قوله : { وبالذى قُلْتُمْ } ؟ قلت : معناه ، وبمعنى الذي قلتموه من قولكم : قربان تأكله النار . ومؤدّاه كقوله : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } [ المجادلة : 3 ] أي لمعنى ما قالوا . في مصاحف أهل الشام : وبالزبر ، وهي الصحف { والكتاب المنير } التوراة والإنجيل والزبور . وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم من تكذيب قومه وتكذيب اليهود . (1/356)
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)
وقرأ اليزيدي «ذائقة الموت» على الأصل . وقرأ الأعمش ( ذَائِقَةُ الموت ) بطرح التنوين مع النصب كقوله : (1/357)
وَلاَ ذَاكِرَ اللَّهَ إلاّ قَلِيلا ... فإن قلت : كيف اتصل به قوله : { وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ } ؟ قلت : اتصاله به على أن كلكم تموتون ولا بدّ لكم من الموت ولا توفون أجوركم على طاعاتكم ومعاصيكم عقيب موتكم ، وإنما توفونها يوم قيامكم من القبور . فإن قلت فهذا يوهم نفي ما يروي أن
( 232 ) " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار " قلت : كلمة التوفية تزيل هذا الوهم ، لأن المعنى أن توفية الأجور وتكميلها يكون ذلك اليوم ، وما يكون قبل ذلك فبعض الأجور . الزحزحزة : التنحية والإبعاد تكرير الزح ، وهو الجذب بعجلة { فَقَدْ فَازَ } فقد حصل له الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط الله والعذاب السرمد ، ونيل رضوان الله والنعيم المخلد . اللهم وفقنا لما ندرك به عندك الفوز في المآب . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 233 ) " من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " وهذا شامل للمحافظة على حقوق الله وحقوق العباد . شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغرّ حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته . والشيطان هو المدلس الغرور . وعن سعيد بن جبير : إنما هذا لمن آثرها على الآخرة ، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ ، خوطب المؤمنون بذلك ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الأذى والشدائد والصبر عليها ، حتى إذا لقوها لقوها وهم مستعدون لايرهقهم ما يرهق من يصيبه الشدة بغتة فينكرها وتشمئز منها نفسه .
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)
والبلاء في الأنفس : القتل والأسر والجراح وما يرد عليها من أنواع المخاوف والمصائب . وفي الأموال : الإنفاق في سبل الخير وما يقع فيها من الآفات . وما يسمعون من أهل الكتاب المطاعن في الدين الحنيف ، وصدّ من أراد الإيمان ، وتخطئة من آمن . وما كان من كعب بن الأشرف من هجائه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريض المشركين ، ومن فنحاص ، ومن بني قريظة والنضير { فَإِنَّ ذلك } فإن الصبر والتقوى { مِنْ عَزْمِ الأمور } من معزومات الأمور ، أي مما يجب العزم عليه من الأمور أو مما عزم الله أن يكون ، يعني أنّ ذلك عزمة من عزمات الله لا بد لكم أن تصبروا وتتقوا . (1/358)
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)
{ وَإِذْ أَخَذَ الله } واذكر وقت أخذ الله ميثاق أهل الكتاب { لَتُبَيّنُنَّهُ } الضمير للكتاب . أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه وقيل له . آلله لتفعلنّ { فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ } فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم ، يعني لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه . والنبذ وراء الظهر مثل في الطرح وترك الاعتداد . ونقيضه جعله نصب عينيه وألقاه بين عينيه ، وكفى به دليلاً على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا الحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا منه شيئاً لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة ، وتطييب لنفوسهم . واستجلاب لمسارّهم أو لجرّ منفعة وحطام دنيا ، أو لتقية : مما لا دليل عليه ولا أمارة أو لبخل بالعلم ، وغيرة أن ينسب إليه غيرهم . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : (1/359)
( 234 ) " من كتم علماً عن أهله ألجم بلجام من نار " وعن طاوس أنه قال لوهب : إني أرى الله سوف يعذبك بهذه الكتب . وقال : والله لو كنت نبياً فكتمت العلم كما تكتمه لرأيت أنّ الله سيعذبك ، وعن محمد بن كعب : لا يحل لأحد من العلماء أن يسكت على علمه ولا يحل لجاهل أن يسكت على جهله حتى يسأل . وعن علي رضي الله عنه : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا . وقرىء : «ليبينَّنهُ» . ولا «يكتمونه» . بالياء لأنهم غيب . وبالتاء على حكاية مخاطبتهم ، كقوله : { وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسراءيل فِى الكتاب لَتُفْسِدُنَّ } [ الإسراء : 4 ] .
لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188)
{ لاَ تَحْسَبَنَّ } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وأحد المفعولين { الذين يَفْرَحُونَ } والثاني { بِمَفَازَةٍ } وقوله : { فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ } تأكيد تقديره : لا تحسبنهم ، فلا تحسبنهم فائزين . وقرىء : «لا تحسبن» . «فلا تحسبنهم» ، بضم الباء على خطاب المؤمنين «ولا يحسبن» . فلا «يحسبنهم» ، بالياء وفتح الباء فيهما ، على أنّ الفعل للرسول . وقرأ أبو عمرو بالياء وفتح الباء في الأوّل وضمها في الثاني ، على أن الفعل للذين يفرحون ، والمفعول الأوّل محذوف على : لا يحسبنهم الذين يفرحون بمفازة ، بمعنى : لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين ، وفلا يحسبنهم ، تأكيد . ومعنى { بِمَا أُوتُواْ } بما فعلوا . وأتى وجاء ، يستعملان بمعنى فعل قال الله تعالى : { إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } [ مريم : 61 ] ، { لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً } [ مريم : 27 ] . ويدل عليه قراءة أبيّ : «يفرحون بما فعلوا» . وقرىء : «آتوا» ، بمعنى أعطوا . وعن علي رضي الله عنه : «بما أوتوا» . ومعنى { بِمَفَازَةٍ مّنَ العذاب } بمنجاة منه . روي : (1/360)
( 235 ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروه بخلافه ، وأروه أنهم قد صدقوه ، واستحمدوا إليه ، وفرحوا بما فعلوا فأطلع الله رسوله على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم " أي لا تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدليسهم عليك ويحبون أن تحمدهم بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه ناجين من العذاب . ومعنى { فرحين } بما أوتوه من علم التوراة . وقيل : يفرحون بما فعلوا من كتمان نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من اتباع دين إبراهيم حيث ادعوا أن إبراهيم كان على اليهودية وأنهم على دينه . وقيل : هم قوم تخلفوا عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قفل اعتذروا إليه بأنهم رأوا المصلحة في التخلف ، واستحمدوا إليه بترك الخروج . وقيل : هم المنافقون يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين ومنافقتهم وتوصلهم بذلك إلى أغراضهم ، ويستحمدون إليهم بالإيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة لإبطانهم الكفر . ويجوز أن يكون شاملاً لكل من يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب . ويحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بالديانة والزهد وبما ليس فيه .
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)
{ وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والارض } فهو يملك أمرهم . وهو على كل شيء قدير ، فهو يقدر على عقابهم { لآيات } لأدلة واضحة على الصانع وعظيم قدرته وباهر حكمته { لاِوْلِى الالباب } للذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار . ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطر . وفي النصائح الصغار : املأ عينيك من زينة هذه الكواكب ، وأجلهما في جملة هذه العجائب ، متفكراً في قدرة مقدّرها ، متدبراً حكمة مدبرها ، قيل أن يسافر بك القدر ، ويحال بينك وبين النظر . وعن ابن عمر رضي الله عنهما : (1/361)
( 236 ) قلت لعائشة رضي الله عنها : أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبكت وأطالت ، ثم قالت : كل أمره عجب ، أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي ، ثم قال : يا عائشة ، هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي؟ فقلت : يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك ، قد أذنت لك . فقام إلى قربة من ماء في البيت . فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ، ثم قام يصلي ، فقرأ من القرآن فجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقويه ، ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي ، ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض ، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له : يا رسول الله ، أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟ فقال : يا بلال أفلا أكون عبداً شكوراً . ثم قال : وما لي لا أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة { إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والارض } ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها وروي :
( 237 ) «ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمّلها» وعن علي رضي الله عنه :
( 238 ) " أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول : { إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض } " وحكي : أنّ الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة ، فعبدها فتى من فتيانهم فلم تظله ، فقالت له أمّه : لعلّ فرطة فرطت منك في مدّتك؟ فقال : ما أذكر . قالت : لعلك نظرت مرّة إلى السماء ولم تعتبر؟ قال : لعلّ . قالت : فما أُتيت إلا من ذاك { الذين يَذْكُرُونَ الله } ذكراً دائباً على أي حال كانوا ، من قيام وقعود واضطجاع لا يخلون بالذكر في أغلب أحوالهم . وعن ابن عمر وعروة بن الزبير وجماعة : أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى فجعلوا يذكرون الله ، فقال بعضهم : أما قال الله تعالى : { يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً } فقاموا يذكرون الله على أقدامهم .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم : (1/362)
( 239 ) « من أحبّ أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله » وقيل : معناه يصلون في هذه الأحوال على حسب استطاعتهم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمران بن الحصين :
( 240 ) « صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب ، تومىء إيماء » وهذه حجة للشافعي رحمه الله في إضجاع المريض على جنبه كما في اللحد . وعند أبي حنيفة رحمه الله أنه يستلقي حتى إذا وجد خفة قعد . ومحل { على جُنُوبُهُمْ } نصب على الحال عطفاً على ما قبله ، كأنه قيل قياماً وقعوداً ومضطجعين { وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السماوات والارض } وما يدل عليه اختراع هذه الأجرام العظام وإبداع صنعتها وما دبر فيها بما تكل الأفهام عن إدراك بعض عجائبه على عظم شأن الصانع وكبرياء سلطانه . وعن سفيان الثوري أنه صلى خلف المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء ، فلما رأى الكواكب غشي عليه ، وكان يبول الدم من طول حزنه وفكرته . وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم :
( 241 ) « بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال : أشهد أنّ لك رباً وخالقاً ، اللهمّ اغفر لي ، فنظر الله إليه فغفر له » وقال النبي صلى الله عليه وسلم :
( 242 ) « لا عبادة كالتفكر » وقيل : الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشبية كما يحدث الماء للزرع النبات . وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 243 ) « لا تفضلوني عل يونس بن متى فإنه كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض » قالوا : وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله الذي هو عمل القلب ، لأن أحداً لا يقدر أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض { مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا } على إرادة القول . أي يقولون ذلك وهو في محل الحال ، بمعنى يتفكرون قائلين . والمعنى : ما خلقته خلقاً باطلاً بغير حكمة ، بل خلقته لداعي حكمة عظيمة ، وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك ووجوب طاعتك واجتناب معصيتك؛ ولذلك وصل به قوله : { فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } لأنه جزاء من عصى ولم يطع . فإن قلت : هذا إشارة إلى ماذا؟ قلت : إلى الخلق على أن المراد به المخلوق ، كأنه قيل : ويتفكرون في مخلوق السموات والأرض ، أي فيما خلق منها . ويجوز أن يكون إشارة إلى السموات والأرض؛ لأنها في معنى المخلوق . كأنه قيل : ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلاً . وفي هذا ضرب من التعظيم كقوله : { إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ } [ الإسراء : 90 ] ويجوز أن يكون ( باطلاً ) حالاً من هذا . وسبحانك : اعتراض للتنزيه من العبث ، وأن يخلق شيئاً بغير حكمة .
رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)
{ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } فقد أبلغت في إخزائه . وهو نظير قوله ( فقد فاز ) . ونحوه في كلامهم : من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك ، ومن سبق فلاناً فقد سبق { وَمَا للظالمين } اللام إشارة إلى من يدخل النار وإعلام بأنّ من يدخل النار فلا ناصر له بشفاعة ولا غيرها . تقول : سمعت رجلاً يقول كذا ، وسمعت زيداً يتكلم ، فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع ، لأنك وصفته بما يسمع أو جعلته حالاً عنه فأغناك عن ذكره ، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد ، وأن يقال سمعت كلام فلان أو قوله . فإن قلت : فأيّ فائدة في الجمع بين المنادي وينادي؟ قلت : ذكر النداء مطلقاً ثم مقيداً بالإيمان تفخيما لشأن المنادي؛ لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان . ونحوه قولك : مررت بهاد يهدي للإسلام . وذلك أنّ المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب ، أو لإطفاء النائرة ، أو لإغاثة المكروب ، أو لكفاية بعض النوازل ، أو لبعض المنافع ، وكذلك الهادي قد يطلق على من يهدي للطريق ويهدي لسداد الرأي وغير ذلك؛ فإذا قلت : ينادي للإيمان ويهدي للإسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته . ويقال : دعاه لكذا وإلى كذا ، وندبه له وإليه ، وناداه له وإليه . ونحوه : هداه للطريق وإليه ، وذلك أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص واقعان جميعاً ، والمنادي هو الرسول { ادعوا إِلَى الله } [ يوسف : 108 ] ، و { ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ } [ النحل : 125 ] . وعن محمد بن كعب : القرآن . { أَنْ ءَامِنُواْ } أي آمنوا ، أو بأن آمنوا { ذُنُوبَنَا } كبائرنا { سيئاتنا } صغائرنا { مَعَ الابرار } مخصوصين بصحبتهم ، معدودين في جملتهم . والأبرار : جمع برّ أو بارّ ، كرب وأرباب ، وصاحب وأصحاب { على رُسُلِكَ } على هذه صلة للوعد ، كما في قولك : وعد الله الجنة على الطاعة . والمعنى : ما وعدتنا على تصديق رسلك . ألا تراه كيف أتبع ذكر المنادي للإيمان وهو الرسول وقوله آمنا وهو التصديق ويجوزأن يكون متعلقاً بمحذوف ، أي ما وعدتنا منزلاً على رسلك ، أو محمولاً على رسلك ، لأن الرسل محملون ذلك { فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ } [ النور : 54 ] وقيل : على ألسنة رسلك . والموعود هو الثواب . وقيل : النصرة على الأعداء . فإن قلت : كيف دعوا الله بإنجاز ما وعد الله لا يخلف الميعاد؟ قلت : معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد أو هو باب من اللجأ إلى الله والخضوع له ، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يستغفرون مع علمهم أنهم مغفور لهم ، يقصدون بذلك التذلل لربهم والتضرع إليه ، واللجأ الذي هو سيما العبودية . (1/363)
فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)
يقال : استجاب له واستجابه . (1/364)
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ ... { أَنّى لاَ أُضِيعُ } قرىء بالفتح على حذف الياء ، وبالكسر على إرادة القول . وقرىء : «لا أضيّع» ، بالتشديد { مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى } بيان لعامل { بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } أي يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد ، فكل واحد منكم من الآخر ، أي من أصله ، أو كأنه منه لفرط اتصالكم واتحادكم . وقيل المراد وصلة الإسلام . وهذه جملة معترضة بينت بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله عباده العاملين وروي :
( 244 ) أنّ أمّ سلمة قالت : يا رسول الله ، إني أسمع الله تعالى يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء . فنزلت { فالذين هاجروا } تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له والتفخيم ، كأنه قال : فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة ، وهي المهاجرة عن أوطانهم فارّين إلى الله بدينهم من دار الفتنة ، واضطرّوا إلى الخروج من ديارهم التي ولدوا فيها ونشؤا بما سامهم المشركون من الخسف { وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى } من أجله وبسببه ، يريد سبيل الدين { وقاتلوا وَقُتِلُواْ } وغزوا المشركين واستشهدوا . وقرىء : «وقتلوا» ، بالتشديد . «وقتلوا وقاتلوا» على التقديم بالتخفيف والتشديد «وقتلوا ، وقتلوا» ، على بناء الأول للفاعل والثاني للمفعول . «وقتلوا» ، «وقاتلوا» ، على بنائهما للفاعل { ثَوَاباً } في موضع المصدر المؤكد بمعنى إثابة أو تثويباً { مِنْ عِندِ الله } لأن قوله : { لاكَفّرَنَّ . . . . . عَنْهُمْ وَلاَدْخِلَنَّهُمْ } في معنى ، لأثيبنهم . { وَعِندَهُ } مثل : أن يختص به وبقدرته وفضله ، لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه ، كما يقول الرجل : عندي ما تريد ، يريد اختصاصه به وبملكه وإن لم يكن بحضرته . وهذا تعليم من الله كيف يدعي وكيف يبتهل إليه ويتضرّع . وتكرير { رَبِّنَا } من باب الابتهال ، وإعلام بما يوجب حسن الإجابة وحسن الإثابة ، من احتمال المشاق في دين الله ، والصبر على صعوبة تكاليفه ، وقطع لأطماع الكسالى المتمنين عليه ، وتسجيل على من لا يرى الثواب موصولاً إليه ، بالعمل بالجهل والغباوة . وروي عن جعفر الصادق رضي الله عنه : من حزبه أمر فقال خمس مرات { رَبِّنَا } أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد ، وقرأ هذه الآية . وعن الحسن : حكى الله عنهم أنهم قالوا خمس مرات { رَبِّنَا } ثم أخبر أنه استجاب لهم ، إلا أنه أتبع ذلك رافع الدعاء وما يستجاب به ، فلا بد من تقديمه بين يدي الدعاء .
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)
{ لاَ يَغُرَّنَّكَ } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ، أي لا تنظر إلى ما هم عليه من سعة الرزق والمضطرب ودرك العاجل وإصابة حظوظ الدنيا ، ولا تغتر بظاهر ما ترى من تبسطهم في الأرض ، وتصرفهم في البلاد يتكسبون ويتجرون ويتدهقنون . وعن ابن عباس : هم أهل مكة . وقيل : هم اليهود . وروي أن أناساً من المؤمنين كانوا يرون ما كانوا فيه من الخصب والرخاء ولين العيش فيقولون : إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد . فإن قلت : كيف جاز أن يغتر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حتى ينهي عن الاغترار به؟ قلت : فيه وجهان أحدهما أن مدرة القوم ومتقدّمهم يخاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعاً ، فكأنه قيل : لا يغرنكم والثاني : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غير مغرور بحالهم فأكد عليه ما كان عليه وثبت على التزامه ، كقوله : { وَلاَ تَكُنْ مع الكافرين } [ هود : 42 ] ، { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } [ الأنعام : 14 ] ، { فَلاَ تُطِعِ المكذبين } [ القلم : 8 ] وهذا في النهي نظير قوله في الأمر { اهدنا الصراط المستقيم } [ الفاتحة : 6 ] ، { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ءامِنُواْ } [ النساء : 36 ] وقد جعل النهي في الظاهر للتقلب وهو في المعنى للمخاطب ، وهذا من تنزيل السبب منزلة المسبب ، لأنّ التقلب لو غرّه لاغتر به ، فمنع السبب ليمتنع المسبب . وقرىء : «لا يغرنك» بالنون الخفيفة { متاع قَلِيلٌ } خبر مبتدأ محذوف ، أي ذلك متاع قليل وهو التقلب في البلاد ، أراد قلته في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة ، أو في جنب ما أعدّ الله للمؤمنين من الثواب ، أو أراد أنه قليل في نفسه لانقضائه وكل زائل قليل . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (1/365)
( 245 ) " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم ، فلينظر بم يرجع " { وَبِئْسَ المهاد } وساء ما مهدوا لأنفسهم .
لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)
النزل والنزل : ما يقام للنازل . ( و ) قال أبو الشعراء الضبي : (1/366)
وَكُنَّا إذَا الجَبَّارُ بِالجَيْشِ ضَافَنَا ... جَعَلْنَا الْقَنَا وَالْمُرْهِفَاتِ لَهُ نُزْلاَ
وانتصابه إمّا على الحال من جنات لتخصصها بالوصف والعامل اللام ، ويجوز أن يكون بمعنى مصدر مؤكد ، كأنه قيل : زرقاء أو عطاء { مّنْ عِندِ الله وَمَا عِندَ الله } من الكثير الدائم { خَيْرٌ لّلابْرَارِ } مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل ، وقرأ مسلمة بن محارب والأعمش { نُزُلاً } بالسكون . وقرأ يزيد بن القعقاع : ( لكنّ الذين اتقوا ) ، بالتشديد .
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199)
{ وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب } عن مجاهد : نزلت في عبد الله بن سلام وغيره من مسلمة أهل الكتاب . وقيل في أربعين من أهل نجران ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فأسلموا . وقيل : في أصحمة النجاشي ملك الحبشة ، ومعنى أصحمة «عطية» بالعربية . وذلك أنه . (1/367)
( 246 ) لما مات نعاه جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم ، فخرج إلى البقيع ونظر إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه واستغفر له " فقال المنافقون : انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط وليس على دينه ، فنزلت ودخلت لام الابتداء على اسم «إنّ» لفصل الظرف بينهما؛ كقوله : { وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ } [ النساء : 72 ] . { وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ } من القرآن { وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ } من الكتابين { خاشعين للَّهِ } حال من فاعل يؤمن ، لأن من يؤمن في معنى الجمع { لاَ يَشْتَرُونَ بئايات الله ثَمَناً قَلِيلاً } كما يفعل من لم يسلم من أحبارهم وكبارهم { أولئك لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } أي ما يختص بهم من الأجر وهو ما وعدوه في قوله : { أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ } [ القصص : 54 ] ، { يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ } [ القصص : 54 ] . { إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } لنفوذ علمه في كل شيء ، فهو عالم بما يستوجبه كل عامل من الأجر . ويجوز أن يراد : إنما توعدون لآت قريب بعد ذكر الموعد .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)
اصبروا على الدين وتكاليفه { وَصَابِرُواْ } أعداء الله في الجهاد ، أي غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب لا تكونوا أقل صبراً منهم وثباتاً والمصابرة : باب من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه ، تخصيصاً لشدته وصعوبته { وَرَابِطُواْ } وأقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها ، مترصدين مستعدين للغزو . قال الله عز وجل : { وَمِن رّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ } [ الأنفال : 60 ] وعن النبي صلى الله عليه وسلم : (1/368)
( 247 ) « من رابط يوماً وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه ، لا يفطر ، ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة »
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 248 ) « من قرأ سورة آل عمران أعطى بكل آية منها أماناً على جسر جهنم »
وعنه عليه الصلاة والسلام :
( 249 ) « من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى تحجب الشمس » .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)
{ ياأيها الناس } يا بني آدم { خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة } فرعكم من أصل واحد وهو نفس آدم أبيكم . فإن قلت : علام عطف قوله : { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } ؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما أن يعطف على محذوف ، كأنه قيل : من نفس واحدة أنشأها أو ابتدأها ، وخلق منها زوجها . وإنما حذف لدلالة المعنى عليه . والمعنى : شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها ، وهي أنه أنشأها من تراب وخلق زوجها حواء من ضلع من أضلاعها { وَبَثَّ مِنْهُمَا } نوعي جنس الإنس وهما الذكور والإناث ، فوصفها بصفة هي بيان وتفصيل بكيفية خلقهم منها . والثاني : أن يعطف على خلقكم ، ويكون الخطاب في { ياأيها الناس } للذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . والمعنى : خلقكم من نفس آدم ، لأنهم من جملة الجنس المفرع منه ، وخلق منها أمكم حواء وبث منهما { رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً } غيركم من الأمم الفائتة للحصر . فإن قلت : الذي يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها ويبحث عليها ، فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذي ذكره موجباً للتقوى وداعياً إليها؟ قلت : لأنّ ذلك مما يدل على القدرة العظيمة . ومن قدر على نحوه كان قادراً على كل شيء ، ومن المقدورات عقاب العصاة ، فالنظر فيه يؤدي إلى أن يتقي القادر عليه ويخشى عقابه ، ولأنَّه يدل على النعمة السابغة عليهم ، فحقهم أن يتقوه في كفرانها والتفريط فيما يلزمهم من القيام بشكرها . أو أراد بالتقوى تقوى خاصة وهي أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم ، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله ، فقيل : اتقوا ربكم الذي وصل بينكم ، حيث جعلكم صنوانا مفرعة من أرومة واحدة . فيما يجب على بعضكم لبعض ، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه . وهذا المعنى مطابق لمعاني السورة . وقرىء : «وخالق منها زوجها . وباث منهما» ، بلفظ اسم الفاعل ، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره : وهو خالق { تَسَاءلُونَ بِهِ } تتساءلون به ، فأدغمت التاء في السين . وقرىء «تساءلون» بطرح التاء الثانية ، أي يسأل بعضكم بعضاً بالله وبالرحم . فيقول : بالله وبالرحم أفعل كذا على سبيل الاستعطاف . وأناشدك الله والرحم . أو تسألون غيركم بالله والرحم ، فقيل «تفاعلون» موضع «تفعلون» للجمع ، كقولك : رأيت الهلال وتراءيناه . وتنصره قراءة من قرأ : «تسلون به» . مهموز أو غير مهموز . وقرىء «والأرحام» بالحركات الثلاث ، فالنصب على وجهين : إما على : واتقوا الله والأرحام ، أو أن يعطف على محل الجار والمجرور ، كقولك : مررت بزيد وعمراً . وينصره قراءة ابن مسعود : «تسألون به وبالأرحام» ، والجر على عطف الظاهر على المضمر ، وليس بسديد؛ لأنّ الضمير المتصل متصل كاسمه ، والجار والمجرور كشيء واحد ، فكانا في قولك : ( مررت به وزيد ) و ( هذا غلامه وزيد ) شديدي الاتصال ، فلما اشتد الاتصال لتكرره أشبه العطف على بعض الكلمة ، فلم يجز ووجب تكرير العامل ، كقولك : ( مررت به وبزيد ) و ( هذا غلامه وغلام زيد ) ألا ترى إلى صحة قولك : ( رأيتك وزيداً ) و ( مررت بزيد وعمرو ) لما لم يقو الاتصال ، لأنه لم يتكرر ، وقد تمحل لصحة هذه القراءة بأنها على تقدير تكرير الجار ونظيرها . (1/369)
فاذهب فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ ... والرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف ، كأنه قيل : والأرحام كذلك ، على معنى : والأرحام مما يتقى أو والأرحام مما يُسَاءل به . والمعنى أنهم كانوا يقرون بأن لهم خالقاً ، وكانوا يتساءلون بذكر الله والرحم ، فقيل لهم : اتقوا الله الذي خلقكم ، واتقوا الذي تتناشدون به واتقوا الأرحام فلا تقطعوها . أو واتقوا الله الذي تتعاطفون باذكاره وباذكار الرحم . وقد آذن عز وجل إذ قرن الأرحام باسمه أن صلتها منه بمكان ، كما قال : { أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا } [ الإسراء : 23 ] ، وعن الحسن : إذا سألك بالله فأعطه ، وإذا سألك بالرحم فأعطه . وللرحم حجنة عند العرش ، ومعناه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه : الرحم معلقة بالعرش فإذا أتاها الواصل بشت به وكلمته . وإذا أتاها القاطع احتجبت منه . وسئل ابن عيينة عن قوله عليه الصلاة والسلام : (1/370)
( 250 ) « تخيروا لنطفكم »
فقال : يقول لأولادكم وذلك أن يضع ولده في الحلال . ألم تسمع قوله تعالى : { واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ والارحام } وأول صلته أن يختار له الموضع الحلال ، فلا يقطع رحمه ولا نسبه فإنما للعاهر الحجر ، ثم يختار الصحة ويجتنب الدَّعر ، ولا يضعه موضع سوء يتبع شهوته وهواه بغير هدى من الله .
وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)
{ اليتامى } الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم . واليتم الانفراد . ومنه : الرملة اليتيمة والدرّة اليتيمة . وقيل : اليتم في الأناسي من قبل الآباء . وفي البهائم من قبل الأمهات . فإن قلت : كيف جمع اليتيم وهو فعيل كمريض على يتامى؟ قلت : فيه وجهان : أن يجمع على يتمى كأسرى ، لأنّ اليتم من وادي الآفات والأوجاع ، ثم يجمع فعلى على فعالى كأسارى . ويجوز أن يجمع على فعائل لجري اليتم مجرى الأسماء ، نحو صاحب وفارس ، فيقال : يتائم ، ثم يتامى على القلب . وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء ، إلا أنه قد غلب أن يسموا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال ، فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم وانتصبوا كفاة يكفلون غيرهم ويقومون عليهم ، زال عنهم هذا الاسم ، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يتيم أبي طالب ، إمّا على القياس وإما حكاية للحال التي كان عليها صغيراً ناشئاً في حجر عمه توضيعاً له . وأمّا قوله عليه السلام : (1/371)
( 251 ) " لا يتم بعد الحلم "
فما هو إلا تعليم شريعة لا لغة ، يعني أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار . فإن قلت : فما معنى قوله : { وَءاتُواْ اليتامى أموالهم } ؟ قلت : إما أن يراد باليتامى الصغار ، وبإتيانهم الأموال : أن لا يطمع فيها الأولياء والأوصياء وولاة السوء وقضاته ويكفوا عنها أيديهم الخاطفة ، حتى تأتي اليتامى إذا بلغوا سالمة غير محذوفة . وإمّا أن يراد الكبار تسمية لهم يتامى على القياس ، أو لقرب عهدهم إذا بلغوا بالصغر ، كما تسمى الناقة عشراء بعد وضعها . على أنّ فيه إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عن حد البلوغ ، ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد ، وأن يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار .
( 252 ) وقيل : هي في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فنزلت ، فلما سمعها العمُّ قال : أطعنا الله وأطعنا الرسول ، نعوذ بالله من الحوب الكبير ، فدفع ماله إليه؛ فقال النبي عليه السلام : «ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره يعني جنته فلما قبض ألفوا ماله أنفقه في سبيل الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «ثبت الأجر ، ثبت الأجر وبقي الوزر» ، قالوا : يا رسول الله ، قد عرفنا أنه ثبت الأجر كيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال : «ثبت أجر الغلام ، وبقي الوزر على والده» .
{ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب } ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه .
أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال أموال اليتامى بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع منها والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز . منه التعجل بمعنى الاستعجال ، والتأخر بمعنى الاستئخار . قال ذو الرمّة : (1/372)
فَيَا كَرَمَ السَّكْنِ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا ... عَنِ الدَّارِ وَالْمُسْتَخْلَفِ الْمُتَبَدَّلِ
أراد : ويا لؤم ما استخلفته الدال واستبدلته . وقيل : هو أن يعطي رديئاً ويأخذ جيداً . وعن السدي : أن يجعل شاة مهزولة مكان سمينة ، وهذا ليس بتبدل ، وإنما هو تبديل إلا أن يكارم صديقاً له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي { وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم } ولا تنفقوها معها . وحقيقتها : ولا تضموها إليها في الإنفاق ، حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم قلة مبالاة بما لا يحل لكم . وتسوية بينه وبين الحلال . فإن قلت : قد حرم عليهم أكل مال اليتامى وحده ومع أموالهم ، فلمَ ورد النهي عن أكله؟ معها قلت : لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من مال حلال وهم على ذلك يطمعون فيها كان القبح أبلغ والذم أحق ولأنهم كانوا يفعلون كذلك قنعى عليهم فعلهم وَسَمّع َبهم ، ليكون أزجر لهم . والحوب : الذنب العظيم . ومنه قوله عليه الصلاة و السلام :
( 253 ) " إن طلاق أم أيوب لحوب " فكأنه قيل : إنه كان ذنباً كبيراً . وقرأ الحسن «حوبا» بفتح الحاء وهو مصدر حاب حوبا . وقرىء : «حابا» . ونظير الحوب والحاب : القول والقال . والطرد والطرد .
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)
ولمَّا نزلت الآية في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير ، خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك الإقساط في حقوق اليتامى ، وأخذوا يتحرّجون من ولايتهم ، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج والثمان والست فلا يقوم بحقوقهنّ ولا يعدل بينهن ، فقيل لهم : إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرّجتم منها ، فخافوا أيضاً ترك العدل بين النساء فقللوا عدد المنكوحات ، لأنّ من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فهو غير متحرّج ولا تائب ، لأنه إنما وجب أن يُتحرج من الذنب ويُتاب منه لقبحه ، والقبح قائم في كل ذنب ، وقيل : كانوا لا يتحرّجون من الزنا وهم يتحرّجون من ولاية اليتامى ، فقيل : إن خفتم الجور في حق اليتامى فخافوا الزنا . فانكحوا ما حلّ لكم من النساء ، ولا تحوموا حول المحرّمات . وقيل : كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال أو يكون وليها ، فيتزوجها ضناً بها عن غيره ، فربما اجتعمت عنده عشر منهن ، فيخاف - لضعفهن وفقد من يغضب لهن - أن يظلمهنّ حقوقهن ويفرط فيما يجب لهنَّ ، فقيل لهم : إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم . ويقال للإناث اليتامى كما يقال للذكور ، وهو جمع يتيمة على القلب ، كما قيل : أيامى ، والأصل : أيائم ويتائم . وقرأ النخعي «تقسطوا» بفتح التاء على أن لا مزيدة مثلها في { لّئَلاَّ يَعْلَمَ } [ الحديد : 29 ] يريد : وإن خفتم أن تجوروا { مَا طَابَ } ما حلّ { لَكُمْ مّنَ النساء } لأنّ منهن ما حرم كاللاتي في آية التحريم . وقيل : ( ما ) ذهاباً إلى الصفة . ولأن الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير العقلاء : ومنه قوله تعالى : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم } { مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } معدولة عن أعداد مكررة ، وإنما منعت الصرف لما فيها من العدلين : عدلها عن صيغها ، وعدلها عن تكررها ، وهي نكرات يعرّفن بلام التعريف . تقول : فلان ينكح المثنى والثلاث والرباع ، ومحلهن النصب على الحال مما طاب ، تقديره : فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ، ثنتين ثنتين ، وثلاثاً ثلاثاً ، وأربعاً أربعاً . فإن قلت : الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع ، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع؟ (1/373)
( قلت ) : الخطاب للجميع ، فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له ، كما تقول للجماعة : اقتسموا هذا المال - وهو ألف درهم - درهمين درهمين ، وثلاثة ثلاثة ، وأربعة أربعة . ولو أفردت لم يكن له معنى . فإن قلت : فلم جاء العطف بالواو دون أو؟ قلت : كما جاء بالواو في المثال الذي حذوته لك . ولو ذهبت تقول : اقتسموا هذا المال درهمين درهمين ، أو ثلاثة ثلاثة ، أو أربعة أربعة : أعلمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة ، وليس لهم أن يجمعوا بينها فيجعلوا بعض القسم على تثنية ، وبعضه على تثليث ، وبعضه على تربيع .
وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو . وتحريره : أنّ الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع ، إن شاؤوا مختلفين في تلك الأعداد ، وإن شاؤوا متفقين فيها ، محظوراً عليهم ما وراء ذلك . وقرأ إبراهيم : وثلث وربع ، على القصر من ثلاث ورباع { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ } بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل فيما فوقها { فواحدة } فالزموا : أو فاختاروا واحدة وذروا الجمع رأساً . فإن الأمر كله يدور مع العدل ، فأينما وجدتم العدل فعليكم به . وقرىء «فواحدةٌ» بالرفع على : فالمقنع واحدة ، أو فكفت واحدة ، أو فحسبكم واحدة { أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم } سوّى في السُّهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء ، من غير حصر ولا توقيت عدد . ولعمري أنهنّ أقل تبعة وأقصر شغباً وأخف مؤنة من المهائر ، لا عليك أكثرت منهن أم أقللت ، عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل ، عزلت عنهن أم لم تعزل . وقرأ ابن أبي عبلة . «من ملكت» { ذلك } إشارة إلى اختيار الواحدة والتسري { أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ } أقرب من أن لا تميلوا ، من قولهم : عال الميزان عولاً ، إذا مال . وميزان فلان عائل ، وعال الحاكم في حكمه إذا جار . وروى أن أعرابياً حكم عليه حاكم فقال له : أتعول عليّ . وقد روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم : (1/374)
( 254 ) " ألا تعولوا : أن لا تجوروا " والذي يحكى عن الشافعي رحمه الله أنه فسر ( أن لا تعولوا ) أن لا تكثر عيالكم . فوجهه أن يجعل من قولك : عال الرجل عياله يعولهم ، كقولهم : مانهم يمونهم ، إذا أنفق عليهم ، لأنّ من كثر عياله لزمه أن يعولهم ، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الكسب وحدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب . وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين ، حقيقي بالحمل على الصحة والسداد ، وأن لا يظنّ به تحريف تعيلوا إلى تعولوا ، فقد روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لا تظنن بكلمة خرجت من فِي أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً . وكفى بكتابنا المترجم بكتاب «شافي العيِّ ، من كلام الشافعي» شاهداً بأنه كان أعلى كعباً وأطول باعاً في علم كلام العرب ، من أن يخفى عليه مثل هذا ، ولكن للعلماء طرقاً وأساليب . فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات . فإن قلت : كيف يقل عيال من تسرى ، وفي السرائر نحو ما في المهائر؟ قلت : ليس كذلك ، لأن الغرض بالتزوّج التوالد والتناسل بخلاف التسري ، ولذلك جاز العزل عن السراري بغير أذنهن ، فكان التسري مظنة لقلة الولد بالإضافة إلى التزوج ، كتزوّج الواحدة بالإضافة إلى تزوج الأربع . وقرأ طاوس : «أن لا تعيلوا» ، من أعال الرجل إذا كثر عياله . وهذه القراءة تعضد تفسير الشافعي رحمه الله من حيث المعنى الذي قصده .
وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)
{ صدقاتهن } مهورهن ، وفي حديث شريح : قضى ابن عباس لها بالصدقة . وقرىء : «صدقاتهن» بفتح الصاد وسكون الدال على تخفيف صدقاتهن . و«صدقاتهن» بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة بوزن غرفة . وقرىء : «صدقتهن» ، بضم الصاد والدال على التوحيد ، وهو تثقيل صدقة ، كقولك في ظلمة : ظُلُمَه . { نِحْلَةً } من نحله كذا إذا أعطاه إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة ونحلاً . ومنه (1/375)
( 255 ) حديث أبي بكر رضي الله عنه : إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقاً بالعالية . وانتصابها على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء فكأنه قيل : وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة ، أي أعطوهنّ مهورهنّ عن طيبة أنفسكم ، أو على الحال من المخاطبين ، أي آتوهنّ صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء ، أو من الصدقات ، أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس . وقيل : نحلة من الله عطية من عنده وتفضلاً منه عليهن ، وقيل : النحلة الملة ، ونحلة الإسلام خير النحل . وفلان ينتحل كذا : أي يدين به . والمعنى : آتوهن مهورهن ديانة ، على أنها مفعول لها . ويجوز أن يكون حالاً من الصدقات ، أي ديناً من الله شرعه وفرضه . والخطاب للأزواج . وقيل : للأولياء ، لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم ، وكانوا يقولون : هنيئاً لك النافجة ، لمن تولد له بنت ، يعنون : تأخذ مهرها فتنفج به مالك أي تعظمه . الضمير في ( منه ) جار مجرى اسم الإشارة كأنه قيل عن شيء من ذلك ، كما قال الله تعالى : { قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم } [ آل عمران : 15 ] بعد ذكر الشهوات ، ومن الحجج المسموعة من أفواه العرب ما روى عن رؤبة أنه قيل له في قوله :
كَأَنَّهُ فِي الْجِلدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ ... فقال : أردت كأن ذاك . أو يرجع إلى ما هو في معنى الصدقات وهو الصداق ، لأنك لو قلت : وآتوا النساء صداقهن ، لم تخل بالمعنى ، فهو نحو قوله : { فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ الصالحين } [ المنافقون : 12 ] كأنه قيل : أصدّق . و { نَفْساً } تمييز ، وتوحيدها لأنّ الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه . والمعنى : فإن وهبن لكم شيئاً من الصداق وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم { فَكُلُوهُ } فأنفقوه . قالوا : فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة ، علم أنها لم تطب منه نفساً ، وعن الشعبي : أن رجلاً أتى مع امرأته شريحاً في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع ، فقال شريح : ردّ عليها . فقال الرجل : أليس قد قال الله تعالى : { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ } قال : لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه . وعنه : أقيلها فيما وهبت ولا أقيله ، لأنهنّ يُخدعن . وحكي أن رجلاً من آل معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقاً كان لها عليه ، فلبث شهراً ثم طلقها ، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان ، فقال الرجل : أعطتني طيبة بها نفسها ، فقال عبد الملك : فأين الآية التي بعدها فلا تأخذوا منه شيئاً؟ اردد عليها .
وعن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى قضاته : إن النساء يعطين رغبة ورهبة . فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها ، وعن ابن عباس : (1/376)
( 256 ) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فقال : «إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهة لا يقضى به عليكم سلطان ولا يؤاخذكم الله به في الآخرة» . وروي : أن أناساً كانوا يتأثمون أن يرجع أحد منهم في شيء مما ساق إلى امرأته ، فقال الله تعالى إن طابت نفس واحدة من غير إكراه ولا خديعة فكلوه سائغاً هنيئاً . وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط ، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقيل : فإن طبن ، ولم يقل : فإن وهبن أو سمحن ، إعلاماً بأنَّ المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة . وقيل : إن طبن لكم عن شيء منه . ولم يقل : فإن طبن لكم عنها ، بعثا لهن على تقليل الموهوب . وعن الليث بن سعد : لا يجوز تبرعها إلا باليسير . وعن الأوزاعي : لا يجوز تبرعها ما لم تلد أو تقم في بيت زوجها سنة . ويجوز أن يكون تذكير الضمير لينصرف إلى الصداق الواحد ، فيكون متناولاً بعضه ، ولو أنث لتناول ظاهره هبة الصداق كله ، لأنّ بعض الصدقات واحدة منها فصاعدا . الهنيء ، والمريء : صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ ، إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه . وقيل : الهنيء : ما يلذه الآكل . والمريء ما يحمد عاقبته . وقيل هو ما ينساغ في مجراه . وقيل لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة «المريء» لمروء الطعام فيه وهو انسياغه ، وهما وصف للمصدر ، أي أكلاً هنيئاً مريئاً ، أو حال من الضمير ، أي كلوه وهو هنيء مريء ، وقد يوقف على فكلوه ويبتدأ هنيئاً مريئاً على الدُّعاء ، وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين ، كأنه قيل : هنأ مرأ . وهذه عبارة عن التحليل والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة .
وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5)
{ السفهاء } المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا يبنغي ولا يدى لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها . والخطاب للأولياء : وأضاف الأموال إليهم لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم ، كما قال : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } [ النساء : 79 ] ، { فمَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن فتياتكم المؤمنات } [ النساء : 25 ] الدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله : { وارزقوهم فِيهَا واكسوهم } ، { جَعَلَ الله لَكُمْ قياما } أي تقومون بها وتنتعشون ، ولو ضيعتموها لضعتم فكأنها في أنفسها قيامكم وانتعاشكم . وقرىء : «قيما» ، بمعنى قياماً ، كما جاء عوذاً بمعنى عياذاً . وقرأ عبد الله بن عمر : «قواماً» ، بالواو . وقوام الشيء : ما يقام به ، كقولك هو ملاك الأمر لما يملك به . وكان السلف يقولون : المال سلاح المؤمن ، ولأن أترك ما لا يحاسبني الله عليه ، خير من أن أحتاج إلى الناس . وعن سفيان - وكانت له بضاعة يقلبها - : لولاها لتمندل بي بنو العباس . وعن غيره - وقيل له إنها تدنيك من الدنيا - : لئن أدنتني من الدنيا لقد صانتني عنها . وكانوا يقولون : اتجروا واكتسبوا ، فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه ، وربما رأوا رجلاً في جنازة فقالوا له : اذهب إلى دكانك { وارزقوهم فِيهَا } واجعلوها مكاناً لرزقهم بأن تتجروا فيها وتتربحوا ، حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الإنفاق . وقيل : هو أمر لكل أحد أن لا يخرج ماله إلى أحد من السفهاء ، قريب أو أجنبي ، رجل أو امرأة ، يعلم أنه يضعه فيما لا ينبغي ويفسده { قَوْلاً مَّعْرُوفاً } قال ابن جريج : عدّة جميلة ، إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم . وعن عطاء : إذا ربحت أعطيتك ، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً . وقيل : إن لم يكن ممن وجبت عليك نفقته فقل : عافانا الله وإياك ، بارك الله فيك . وكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنه عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل ، فهو معروف ، وما أنكرته ونفرت منه لقبحه ، فهو منكر . (1/377)
وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)
{ وابتلوا اليتامى } واختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف ، قبل البلوغ حتى إذا تبينتم منهم رشداً - أي هداية - دفعتم إليهم أموالهم من غير تأخير عن حدّ البلوغ . وبلوغ النكاح . أن يحتلم لأنه يصلح للنكاح عنده ، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد والتناسل . والإيناس : الاستيضاح فاستعير للتبيين . واختلف في الابتلاء والرشد ، فالابتلاء عند أبي حنيفة وأصحابه : أن يدفع إليه ما يتصرف فيه حتى يستبين حاله فيما يجيء منه . والرشد : التهدي إلى وجوه التصرف . وعن ابن عباس : الصلاح في العقل والحفظ للمال . وعند مالك والشافعي : الابتلاء أن يتتبع أحواله وتصرُّفه في الأخذ والإعطاء ، ويتبصر مخايله وميله إلى الدِّين . والرشد : الصلاح في الدين ، لأن الفسق مفسدة للمال . فإن قلت : فإن لم يؤنس منه رشد إلى حدّ البلوغ؟ قلت : عند أبي حنيفة رحمه الله ينتظر إلى خمس وعشرين سنة ، لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسنّ ثماني عشرة سنة ، فإذا زادت عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله عليه الصلاة و السلام : (1/378)
( 257 ) " مروهم بالصلاة لسبع " دفع إليه ماله أونس منه الرشد أو لم يؤنس . وعند أصحابه : لا يدفع إليه أبداً إلا بإيناس الرشد . فإن قلت : ما معنى تنكير الرشد؟ قلت : معناه نوعاً من الرشد وهو الرشد في التصرف والتجارة ، أو طرفاً من الرشد ومخيلة من مخايله حتى لا ينتظر به تمام الرشد . فإن قلت : كيف نظم هذا الكلام؟ قلت : ما بعد { حتى } إلى { فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم } جعل غاية للابتلاء ، وهي «حتى» التي تقع بعدها الجمل . كالتي في قوله :
فَمَا زَالَتِ الْقَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا ... بِدِجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ
والجملة الواقعة بعدها جملة شرطية لأن إذا متضمنة معنى الشرط ، وفعل الشرط بلغوا النكاح وقوله : { فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَ الهم } جملة من شرط وجزاء واقعة جواباً للشرط الأول الذي هو إذا بلغوا النكاح ، فكأنه قيل : وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم ، فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم . وقرأ ابن مسعود : «فإن أحسيتم» بمعنى أحسستم قال :
أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إِلَيْه شُوسُ ... وقرىء : «رشداً» ، بفتحتين ، «ورشداً» ، بضمتين { إِسْرَافاً وَبِدَاراً } مسرفين ومبادرين كبرهم ، أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم ، تفرطون في إنفاقها ، وتقولون ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا . ثم قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنياً وبين أن يكون فقيراً ، فالغني يستعف من أكلها ولا يطمع ، ويقتنع بما رزقه الله من الغنى إشفاقاً على اليتيم ، وإبقاء على ماله . والفقير يأكل قوتاً مقدراً محتاطاً في تقديره على وجه الأجرة ، أو استقراضاً على ما في ذلك من الاختلاف ولفظ الأكل بالمعروف والاستعفاف ، مما يدل على أن للوصي حقاً لقيامه عليها .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم : (1/379)
( 258 ) أن رجلاً قال له : إن في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟ قال : « بالمعروف غير متأثل مالاً ولا واق مالك بماله فقال : أفأضربه؟ قال : مما كنت ضارباً منه ولدك » ؛ وعن ابن عباس : أنّ وليّ اليتيم قال له : أفأشرب من لبن إبله؟ قال : إن كنت تبغي ضالتها ، وتلوط حوضها ، وتهنأ جرباها وتسقيها يوم وردها ، فاشرب غير مضرّ بنسل ، ولا ناهك في الحلب وعنه : يضرب بيده مع أيديهم ، فليأكل بالمعروف ، ولا يلبس عمامة فما فوقها . وعن إبراهيم : لا يلبس الكتان والحلل . ولكن ما سدّ الجوعة ووارى العورة . وعن محمد بن كعب يتقرّم تقرّم البهيمة وينزل نفسه منزلة الأجير فيما لا بدّ منه . وعن الشعبي : يأكل من ماله بقدر ما يعين فيه . وعنه : كالميتة يتناول عند الضرورة ويقضي . وعن مجاهد : يستسلف ، فإذا أيسر أدّى . وعن سعيد بن جبير : إن شاء شرب فضل اللبن وركب الظهر ولبس ما يستره من الثياب وأخذ القوت ولا يجاوزه فإن أيسر قضاه ، وإن أعسر فهو في حلّ . وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة والي اليتيم ، إن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت أكلت بالمعروف ، وإذا أيسرت قضيت واستعف أبلغ من عف ، كأنه طالب زيادة العفة { فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ } بأنهم تسلموها وقبضوها وبرئت عنها ذممكم ، وذلك أبعد من التخاصم والتجاحد وأدخل في الأمانة وبراءة الساحة . ألا ترى أنه إذا لم يشهد فادعى عليه صدق مع اليمين عند أبي حنيفة وأصحابه . وعند مالك والشافعي لا يصدّق إلا بالبينة ، فكان في الإشهاد الاستحراز من توجه الحلف المفضي إلى التهمة أو من وجوب الضمان إذا لم يقم البينة { وكفى بالله حَسِيباً } أي كافياً في الشهادة عليكم بالدفع والقبض ، أو محاسباً . فعليكم بالتصادق ، وإياكم والتكاذب .
لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8)
{ والأقربون } هم المتوارثون من ذوي القرابات دون غيرهم { مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ } بدل مما ترك بتكرير العامل . و { نَصِيباً مَّفْرُوضاً } نصب على الاختصاص ، بمعنى : أعني نصيباً مفروضاً مقطوعاً واجباً لا بدّ لهم من أن يحوزوه ولا يستأثر به . ويجوز أن ينتصب انتصاب المصدر المؤكد كقوله : { فَرِيضَةً مّنَ الله } [ النساء : 11 ] كأنه قيل : قسمة مفروضة . (1/380)
( 259 ) وروي أن أوس بن الصامت الأنصاري ترك امرأته أم كجة وثلاث بنات ، فزوى ابنا عمه سويد وعرفطة أو قتادة وعرفجة ميراثه عنهنّ ، وكان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء والأطفال ، ويقولون : لا يرث إلا من طاعن بالرماح وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة ، فجاءت أم كجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفضيخ فشكت إليه ، فقال : «ارجعي حتى أنظر ما يحدث الله» فنزلت ، فبعث إليهما لا تفرّقا من مال أوس شيئاً فإنّ الله قد جعل لهنّ نصيباً ولم يبين حتى يبين فنزلت { يُوصِيكُمُ الله } [ النساء : 11 ] فأعطى أم كحة الثمن ، والبنات الثلثين ، والباقي ابني العم { وَإِذَا حَضَرَ القسمة } أي قسمة التركة { أُوْلُواْ القربى } ممن لا يرث { فارزقوهم مّنْهُ } الضمير لما ترك الوالدان والأقربون ، وهو أمر على الندب قال الحسن : كان المؤمنون يفعلون ذلك ، إذا اجتمعت الورثة حضرهم هؤلاء فرضخوا لهم بالشيء من رثة المتاع . فحضهم الله على ذلك تأديباً من غير أن يكون فريضة . قالوا : ولو كان فريضة لضرب له حدّ ومقدار كما لغيره من الحقوق ، وروى أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه قسم ميراث أبيه وعائشة رضي الله عنها حية؟ فلم يدع في الدار أحداً إلا أعطاه ، وتلا هذه الآية . وقيل : هو على الوجوب . وقيل : هو منسوخ بآيات الميراث كالوصية . وعن سعيد بن جبير : أن ناساً يقولون نسخت ، ووالله ما نسخت ، ولكنها مما تهاونت به الناس . والقول المعروف أن يلطفوا لهم القول ويقولوا : خذوا بارك الله عليكم ، ويعتذروا إليهم ، ويستقلوا ما أعطوهم ولا يستكثروه ، ولا يمنوا عليهم . وعن الحسن والنخعي : أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات والمساكين واليتامى من العين ، يعنيان الورق والذهب . فإذا قسم الورق والذهب وصارت القسمة إلى الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك ، قالوا لهم قولاً معروفاً ، كانوا يقولون لهم : بورك فيكم .
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)
( لو ) مع ما في حيزه صلة للذين . والمراد بهم : الأوصياء ، أمروا بأن يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى ويشفقوا عليهم ، خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً وشفقتهم عليهم وأن يقدّروا ذلك في أنفسهم ويصوّروه حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة والرحمة . ويجوز أن يكون المعنى : وليخشوا على اليتامى من الضياع . وقيل : هم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون : إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئاً ، فقدم مالك ، فيستغرقه بالوصايا ، فأمروا بأن يخشوا ربهم ، أو يخشوا على أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولاد أنفسهم لو كانوا . ويجوز أن يتصل بما قبله وأن يكون أمراً بالشفقة للورثة على الذين يحضرون القسمة من ضعفاء أقاربهم واليتامى والمساكين وأن يتصوّروا أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضائعين محتاجين . هل كانوا يخافون عليهم الحرمان والخيبة؟ فإن قلت : ما معنى وقوع { لَوْ تَرَكُواْ } وجوابه صلة للذين؟ قلت : معناه : وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافاً ، وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم ، كما قال القائل : (1/381)
لَقَدْ زَادَ الْحَيَاةَ إِلَيَّ حُبًّا ... بَنَاتِي إِنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَافِ
أُحَاذِرُ أَن يَرَيْنَ الْبُؤْسَ بَعْدِي ... وَأَنْ يَشْرَبْنَ رَنْقاً بَعْدَ صَافِي
وقرىء : «ضعفاء» ، «ضُعافى» ، «وضعافى» . نحو سكارى ، وسكارى . والقول السديد من الأوصياء : أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب ، ويدعوهم بيا بنيّ ويا ولدي ، ومن الجالسين إلى المريض أن يقولوا له إذا أراد الوصية : لا تسرف في وصيتك فتجحف بأولادك ، مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد :
( 260 ) " إنك إن تترك ولدك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " وكان الصحابة رضي الله عنهم يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث وأن الخمس أفضل من الربع والربع أفضل من الثلث . ومن المتقاسمين ميراثهم أن يلطفوا القول ويجملوه للحاضرين .
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)
{ ظُلْماً } ظالمين ، أو على وجه الظلم من أولياء السوء وقضاته { فِي بُطُونِهِمْ } ملء بطونهم يقال : أكل فلان في بطنه ، وفي بعض بطنه . قال : (1/382)
كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُوا تَعِفُّوا ... ومعنى يأكلون ناراً : ما يجر إلى النار ، فكأنه نار في الحقيقة . وروى :
( 261 ) أنه يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه فيعرف الناس أنَّه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا . وقرىء «وسيصلون» بضم الياء وتخفيف اللام وتشديدها { سَعِيراً } ناراً من النيران مبهمة الوصف .
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)
{ يُوصِيكُمُ الله } يعهد إليكم ويأمركم { فِى أولادكم } في شأن ميراثهم بما هو العدل والمصلحة . وهذا إجمال تفصيله { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين } فإن قلت : هلا قيل : للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر؛ قلت ليبدأ ببيان حظ الذكر لفضله ، كما ضوعف حظه لذلك ، ولأنّ قوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين } قصد إلى بيان فضل الذكر . وقولك : للأنثيين مثل حظ الذكر ، قصد إلى بيان نقص الأنثى ، وما كان قصداً إلى بيان فضله ، كان أدلّ على فضله من القصد إلى بيان نقص غيره عنه : ولأنهم كانوا يورّثون الذكور دون الإناث وهو السبب لورود الآية ، فقيل : كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث ، فلا يتمادى في حظهن حتى يحرمن مع إدلائهن من القرابة بمثل ما يدلون به . فإن قلت : فإن حظ الأنثيين الثلثان ، فكأنّه قيل للذكر الثلثان . قلت : أريد حال الاجتماع لا الانفراد أي إذا اجتمع الذكر والأنثيان كان له سهمان ، كما أن لهما سهمين . وأما في حال الانفراد ، فالابن يأخذ المال كله والبنتان يأخذان الثلثين . والدليل على أن الغرص حكم الاجتماع ، أنه أتبعه حكم الانفراد ، وهو قوله : { فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } والمعنى للذكر منهم ، أي من أولادكم ، فحذف الراجع إليه لأنه مفهوم ، كقولهم : السمن منوان بدرهم { فَإِن كُنَّ نِسَاءً } فإن كانت البنات أو المولودات نساء خلصاً . ليس معهن رجل يعني بنات ليس معهن ابن { فَوْقَ اثنتين } يجوز أن يكون خبراً ثانياً لكان وأن يكون صفة لنساء أي نساء زائدات على اثنتين { وَإِن كَانَتْ واحدة } وإن كانت البنت أو المولودة منفردة فذة ليس معها أخرى { فَلَهَا النصف } وقرىء : «واحدةٌ» بالرفع على كان التامّة والقراءة بالنصب أوفق لقوله : { فَإِن كُنَّ نِسَاءً } وقرأ زيد بن ثابت «النصف» بالضم . والضمير في { تَرَكَ } للميت : لأنّ الآية لما كانت في الميراث ، علم أن التارك هو الميت . فإن قلت : قوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } كلام مسوق لبيان حظ الذكر من الأولاد ، لا لبيان حظ الأنثيين ، فكيف صح أن يردف قوله : { فَإِن كُنَّ نِسَاءً } وهو لبيان حظ الإناث؟ قلت : وإن كان مسوقاً لبيان حظ الذكر ، إلا أنه لما فقه منه وتبين حظ الأنثيين مع أخيهما؛ كان كأنه مسوق للأمرين جميعاً . فلذلك صح أن يقال : { فَإِن كُنَّ نِسَاءً } : فإن قلت . هل يصح أن يكون الضميران في «كن» و«كانت» مبهمين ، ويكون «نساء» و«واحدة» تفسيراً لهما ، على أن كان تامة؟ قلت : لا أبعد ذلك . فإن قلت : لم قيل { فَإِن كُنَّ نِسَاء } ولم يقل : وإن كانت امرأة؟ قلت : لأنّ الغرض ثمة خلوصهن إناثاً لا ذكر فيهنّ ، ليميز بين ما ذكر من اجتماعهن مع الذكور في قوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } وبين انفرادهن . (1/383)
وأريد هاهنا أن يميز بين كون البنت مع غيرها وبين كونها وحدها لا قرينة لها . فإن قلت : قد ذكر حكم البنتين في حال اجتماعهما مع الابن وحكم البنات والبنت في حال الانفراد ، ولم يذكر حكم البنتين في حال الانفراد فما حكمهما ، وما باله لم يذكر؟ قلت : أما حكمهما فمختلف فيه ، فابن عباس أبى تنزيلهما منزلة الجماعة . لقوله تعالى : { فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين } فأعطاهما حكم الواحدة وهو ظاهر مكشوف . وأما سائر الصحابة فقد أعطوهما حكم الجماعة ، والذي يعلل به قولهم : أن قوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } قد دلّ على أن حكم الأنثيين حكم الذكر ، وذلك أن الذكر كما يحوز الثلثين مع الواحدة ، فالأنثيان كذلك يحوزان الثلثين ، فلما ذكر ما دلّ على حكم الأنثيين قيل : { فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } على معنى : فإن كن جماعة بالغات ما بلغن من العدد فلهن ما للأنثيين وهو الثلثان لا يتجاوزنه لكثرتهن ليعلم أن حكم الجماعة حكم الثنتين بغير تفاوت . وقيل : إن الثنتين أمس رحماً بالميت من الأختين فأوجبوا لهما ما أوجب الله للأختين . ولم يروا أن يقصروا بهما عن حظ من هو أبعد رحماً منهما . وقيل : إن البنت لما وجب لها مع أخيها الثلث كانت أحرى أن يجب لها الثلث إذا كانت مع أخت مثلها . ويكون لأختها معها مثل ما كان يجب لها أيضاً مع أخيها لو انفردت معه ، فوجب لهما الثلثان { وَلاِبَوَيْهِ } الضمير للميت . و { لِكُلّ واحد مّنْهُمَا } بدل من { ولأبويه } بتكرير العامل . وفائدة هذا البدل أنه لو قيل : ولأبويه السدس ، لكان ظاهره اشتراكهما فيه . ولو قيل : ولأبويه السدسان ، لأوهم قسمة السدسين عليهما على التسوية وعلى خلافها . فإن قلت : فهلا قيل : ولكل واحد من أبويه السدس : وأي فائدة في ذكر الأبوين أوّلاً ، ثم في الإبدال منهما؟ قلت : لأنّ في الإبدال والتفصيل بعد الإجمال تأكيداً وتشديداً ، كالذي تراه في الجمع بين المفسر والتفسير . والسدس : مبتدأ . وخبره : لأبويه . والبدل متوسط بينهما للبيان . وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة «السدس» بالتخفيف ، وكذلك الثلث والربع والثمن . والولد : يقع على الذكر والأنثى ، ويختلف حكم الأب في ذلك . فإن كان ذكراً اقتصر بالأب على السدس ، وإن كانت أنثى عصب مع إعطاء السدس . فإن قلت : قد بين حكم الأبوين في الإرث مع الولد : ثم حكمهما مع عدمه ، فهلا قيل : فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث . وأي فائدة في قوله : { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } ؟ قلت معناه : فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فحسب ، فلأمه الثلث مما ترك ، كما قال : { لِكُلّ واحد مّنْهُمَا السدس مِمَّا تَرَكَ } لأنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين ، كان للأم ثلث ما بقي بعد إخراج نصيب الزوج ، لا ثلث ما ترك ، إلا عند ابن عباس . (1/384)