صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الكشاف
المؤلف : أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)

{ وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } وليثبتوا منها ببذل المال الذي هو شقيق الروح . وبذله أشق شيء على النفس على سائر العبادات الشاقة وعلى الإيمان؛ لأن النفس إذا ريضت بالتحامل عليها وتكليفها ما يصعب عليها ذلت خاضعة لصاحبها وقل طمعها في اتباعه لشهواتها ، وبالعكس ، فكان إنفاق المال تثبيتاً لها على الإيمان واليقين . ويجوز أن يراد : وتصديقاً للإسلام . وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم؛ لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله ، علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه . «ومن» على التفسير الأوّل للتبعيض ، مثلها في قولهم : هز من عطفه ، وحرك من نشاطه . وعلى الثاني لابتداء الغاية ، كقوله تعالى : { حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } [ البقرة : 109 ] ويحتمل أن يكون المعنى : وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان مخلصة فيه . وتعضده قراءة مجاهد : «وتبيينا من أنفسهم» . فإن قلت : فما معنى التبعيض؟ قلت : معناه أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه ، ومن بذل ماله وروحه معا فهو الذي ثبتها كلها { وتجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ } [ الصف : 11 ] والمعنى : ومثل نفقة هؤلاء في زكائها عند الله { كَمَثَلِ جَنَّةِ } وهي البستان { بِرَبْوَةٍ } بمكان مرتفع . وخصها لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمراً { أَصَابَهَا وَابِلٌ } مطر عظيم القطر { فَأَتَتْ أُكُلَهَا } ثمرتها { ضِعْفَيْنِ } مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل { فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } فمطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها . أو مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة ، ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطلّ ، وكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة ، فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة بعد أن يطلب بها وجه الله ويبذل فيها الوسع زاكية عند الله ، زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده . وقرىء : «كمثل حبة» ، و«بربوة» بالحركات الثلاث و«أكلها» بضمتين .

(1/234)


أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)

الهمزة في { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ } للإنكار . وقرىء : له جنات ، وذرية ضعاف . والإعصار : الريح التي تستدير في الأرض ، ثم تسطع نحو السماء كالعمود . وهذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي بها وجه الله . فإذا كان يوم القيامة وجدها محبطة ، فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة من أبهى الجنان وأجمعها للثمار فبلغ الكبر ، وله أولاد ضعاف والجنة معاشهم ومنتعشهم ، فهلكت بالصاعقة . وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل عنها الصحابة فقالوا : الله أعلم ، فغضب وقال : قولوا نعلم أو لا نعلم ، فقال ابن عباس رضي الله عنه : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين . قال : قل يا ابن أخي ولا تحقر نفسك . قال : ضربت مثلاً لعمل . قال : لأي عمل؟ قال : لرجل غني يعمل الحسنات . ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها . وعن الحسن رضي الله عنه : هذا مثلٌ قلّ والله يعقله من الناس ، شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته ، وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا . فإن قلت : كيف قال { جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } ثم قال : { لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات } قلت : النخيل والأعناب لما كانا أكرم الشجر وأكثرها منافع ، خصهما بالذكر ، وجعل الجنة منهما وإن كانت محتوية على سائر الأشجار تغليباً لهما على غيرهما ، ثم أردفهما ذكر كل الثمرات . ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها كقوله : { وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ } [ الكهف : 34 ] بعد قوله : { جَنَّتَيْنِ مِنْ أعناب وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ } [ الكهف : 32 ] فإن قلت : علام عطف قوله : { وَأَصَابَهُ الكبر } ؟ قلت : الواو للحال لا للعطف . ومعناه أن تكون له جنة وقد أصابه الكبر . وقيل : يقال : وددت أن يكون كذا ووددت لو كان كذا ، فحمل العطف على المعنى ، كأنه قيل : أيودّ أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر .

(1/235)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)

{ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ } من جياد مكسوباتكم { وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم } من الحب والثمر والمعادن وغيرها . فإن قلت : فهلا قيل : وما أخرجنا لكم ، عطفاً على { مَّا كَسَبْتُم } حتى يشتمل الطيب على المكسوب والمخرج من الأرض؟ قلت معناه : ومن طيبات ما أخرجنا لكم إلا أنه حذف لذكر الطيبات { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث } ولا تقصدوا المال الرديء { مِنْهُ تُنفِقُونَ } تخصونه بالإنفاق ، وهو في محل الحال . وقرأ عبد الله : «ولا تأمموا» ، وقرأ ابن عباس : «ولا تيمموا» ، بضم التاء . ويممه وتيممه وتأممه ، سواء في معنى قصده { وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ } وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم { إلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } إلا بأن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه من قولك : أغمض فلان عن بعض حقه ، إذا غضّ بصره . ويقال للبائع : أغمض ، أي لا تستقص ، كأنك لا تبصر . وقال الطِّرِمَّاح :
لَمْ يَفُتْنَا بِالْوِتْرِ قَوْمٌ ... وَلِلضَّيْمِ رِجَالٌ يَرْضَوْنَ بالإِغمَاضِ
وقرأ الزهريّ : «تغمضوا» . وأغمض وغمض بمعنى . وعنه : «تغمِضُوا» ، بضم الميم وكسرها . من غمض يغمض ويغمض . وقرأ قتادة : «تُغِمَضُوا» ، على البناء للمفعول ، بمعنى إلا أن تدخلوا فيه وتجذبوا إليه . وقيل : إلا أن توجدوا مغمضين . وعن الحسن رضي الله عنه : لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : كانوا يتصدّقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه .

(1/236)


الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)

أي يعدكم في الإنفاق { الفقر } ويقول لكم أنّ عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا . وقريء : «الفقر» ، بالضم . «والفقر» بفتحتين والوعد يستعمل في الخير والشر . قال الله تعالى : { النار وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ } [ الحج : 72 ] { وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء } ويغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور . والفاحش عند العرب : البخيل { والله يَعِدُكُم } في الإنفاق { مَغْفِرَةٍ } لذنوبكم وكفارة لها { وَفَضْلاً } وأن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم ، أو ثواباً عليه في الآخرة .

(1/237)


يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)

{ يُؤْتِى الْحِكْمَةَ } يوفق للعلم والعمل به . والحكيم عند الله : هو العالم العامل وقرىء : «ومن يؤت الحكمة» بمعنى ومن يؤته الله الحكمة . وهكذا قرأ الأعمش . و { خَيْراً كَثِيراً } تنكير تعظيم ، كأنه قال : فقد أوتي أيّ خير كثير { وما يذكر إلا أولو الألباب } . يريد الحكماء العلام العمال . والمراد به الحثّ على العمل بما تضمنت الآي في معنى الإنفاق .

(1/238)


وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270)

{ وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ } في سبيل الله ، أو في سبيل الشيطان { أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ } في طاعة الله ، أو في معصيته { فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ } لا يخفى عليه وهو مجازيكم عليه { وَمَا للظالمين } الذين يمنعون الصدقات أو ينفقون أموالهم في المعاصي ، أو لا يفون بالنذور ، أو ينذرون في المعاصي { مِنْ أَنصَارٍ } ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه .

(1/239)


إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)

«ما» في { نِعِمَّا } نكرة غير موصولة ولا موصوفة . ومعنى { فَنِعِمَّا هِىَ } فنعم شيئاً إبداؤها . وقريء بكسر النون وفتحها { وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقراء } وتصيبوا بها مصارفها مع الإخفاء { فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } فالإخفاء خير لكم . والمراد الصدقات المتطوّع بها ، فإنّ الأفضل في الفرائض أن يجاهر بها . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : «صدقات السر في التطوّع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً ، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً» وإنما كانت المجاهرة بالفرائض أفضل ، لنفي التهمة ، حتى إذا كان المزكي ممن لا يعرف باليسار كان إخفاؤه أفضل ، والمتطوّع إن أراد أن يقتدى به كان إظهاره أفضل { نُكَفِّر } وقرىء بالنون مرفوعاً عطفاً على محل ما بعد الفاء ، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي ونحن نُكَفِّر . أو على أنه جملة من فعل وفاعل مبتدأة ، ومجزوماً عطفاً على محل الفاء وما بعده ، لأنه جواب الشرط . وقرىء : «ويكفّر» ، بالياء مرفوعاً ، والفعل لله أو للاخفاء . وتكفر بالتاء ، مرفوعاً ومجزوماً ، والفعل للصدقات . وقرأ الحسن رضي الله عنه بالياء والنصب بإضمار أن ومعناه : إن تخفوها يكن خيراً لكم ، وأن يكفر عنكم .

(1/240)


لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)

{ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المنّ والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك ، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب { ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء } يلطف بمن يعلم أنّ اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهى عنه { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ } من مال { فَلاِنفُسِكُمْ } فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم { وَمَا تُنفِقُونَ } وليست نفقتكم إلا لابتغاء وجه الله ولطلب ما عنده ، فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله؟ { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } ثوابه أضعافاً مضاعفة ، فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه ، وأن يكون على أحسن الوجوه وأجملها . وقيل : حجت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما فأتتها أمها تسألها وهي مشركة ، فأبت أن تعطيها ، فنزلت ، وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه : كانوا يتقون أن يرضخوا لقراباتهم من المشركين . وروي : أنّ ناساً من المسلمين كانت لهم أصهار في اليهود ورضاع وقد كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام ، فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوهم . وعن بعض العلماء : لو كان شر خلق الله ، لكان لك ثواب نفقتك . واختلف في الواجب ، فجوز أبو حنيفة رضي الله عنه صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة ، وأباه غيره .

(1/241)


لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)

الجار متعلق بمحذوف . والمعنى : اعمدوا للفقراء ، واجعلوا ما تنفقون للفقراء ، كقوله تعالى : { في تسع آيات } [ النمل : 12 ] ويجوزأن يكون خبر مبتدأ محذوف ، أي صدقاتكم للفقراء . و { الذين أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ الله } هم الذين أحصرهم الجهاد { لاَ يَسْتَطِيعُونَ } لاشتغالهم به { ضَرْبًا فِى الارض } للكسب . وقيل هم أصحاب الصفة ، وهم نحو من أربعمائة رجل من مهاجري قريش لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر ، فكانوا في صفة المسجد وهي سقيفته يتعلمون القرآن بالليل ، ويرضخون النوى بالنهار . وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى . وعن ابن عباس رضي الله عنهما :
( 149 ) وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال : « أَبْشِرُوا يا أصحاب الصفة ، فمن بقي من أَمْتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنه من رفقائي في الجنة » { يَحْسَبُهُمُ الجاهل } بحالهم { أَغْنِيَاءَ مِنَ التعفف } مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة { تَعْرِفُهُم بسيماهم } من صفرة الوجه ورثاثة الحال . والإلحاف : الإلحاح ، وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه . من قولهم : لحفني من فضل لحافه ، أي أعطاني من فضل ما عنده . وعن النبي صلى الله عليه وسلم .
( 150 ) « إنّ الله تعالى يحبّ الحَيّيِ الحليم المتعفف ، ويبغض البذيّ السئال الملحف » ومعناه : أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحوا وقيل : هو نفي للسؤال والإلحاف جميعاً كقوله :
عَلَى لاَحِبٍ لاَ يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ ... يريد نفي المنار والاهتداء به .

(1/242)


الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)

{ الذين يُنفِقُونَ أموالهم باليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً } يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير ، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال . وقيل : نزلت في أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه حين تصدّق بأربعين ألف دينار ، عشرة بالليل ، وعشرة بالنهار ، وعشرة في السرّ ، وعشرة في العلانية . وعن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في عليّ رضي الله عنه : لم يملك إلا أربعة دراهم ، فتصدّق بدرهم ليلاً ، وبدرهم نهاراً ، وبدرهم سراً ، وبدرهم علانية . وقيل : نزلت في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله . وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، كان إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية .

(1/243)


الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)

{ الرباا } كتب بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع { لاَ يَقُومُونَ } إذا بعثوا من قبورهم { إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان } أي المصروع . وتخبط الشيطان من زعمات العرب ، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع . والخبط الضرب على غير استواء كخبط العشواء ، فورد على ما كانوا يعتقدون . والمس : الجنون . ورجل ممسوس ، وهذا أيضاً من زعماتهم ، وأن الجنيَّ يمسه فيختلط عقله ، وكذلك جن الرجل : معناه ضربته الجنّ ورأيتهم لهم في الجن قصص وأخبار وعجائب ، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات . فإن قلت : بم يتعلق قوله : { مِنَ المس } ؟ قلت : ب ( لا يقومون ) ، أي لا يقومون من المسّ الذي بهم إلا كما يقوم المصروع . ويجوز أن يتعلق بيقوم ، أي كما يقوم المصروع من جنونه . والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين ، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف . وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون ، إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين ، لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم ، فلا يقدرون على الإيفاض { ذَلِكَ } العقاب بسبب قولهم { إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباا } . فإن قلت : هلا قيل إنما الربا مثل البيع لأنّ الكلام في الربا لا في البيع فوجب أن يقال : إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه ، وكانت شبهتهم أنهم قالوا : لو اشترى الرجل ما لا يساوي إلا درهما بدرهمين جاز ، فكذلك إذا باع درهماً بدرهمين؟ قلت : جيء به على طريق المبالغة ، وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع . وقوله : { وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرباا } إنكار لتسويتهم بينهما ، ودلالة عل أنّ القياس يهدمه النص ، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه { فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ } فمن بلغه وعظ من الله وزجر بالنهي عن الربا { فانتهى } فتبع النهي وامتنع { فَلَهُ مَا سَلَفَ } فلا يؤخذ بما مضى منه ، لأنه أخذ قبل نزول التحريم { وَأَمْرُهُ إِلَى الله } يحكم في شأنه يوم القيامة ، وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به { وَمَنْ عَادَ } إلى الربا { فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } وهذا دليل بيِّن على تخليد الفساق . وذكر فعل الموعظة لأنّ تأنيثها غير حقيقي ، ولأنها في معنى الوعظ . وقرأ أبيٌّ والحسن : «فمن جاءته» . { يَمْحَقُ الله الرباا } يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه . وعن ابن مسعود رضي الله عنه : الربا وإن كثر إلى قلّ . { وَيُرْبِى الصدقات } ما يتصدّق به بأن يضاعف عليه الثواب ويزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه . وفي الحديث .

(1/244)


( 151 ) " ما نقَّصَتْ زكاةٌ من مال قط " { كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } تغليظ في أمر الربا وإيذان بأنه من فعل الكفار لا من فعل المسلمين .
أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا ، فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها . روي : أنها نزلت في ثقيف ، وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا . وقرأ الحسن رضي الله عنه : «ما بقى» ، بقلب الياء ألفاً على لغة طيىء : وعنه «ما بقيْ» بياء ساكنة . ومنه قول جرير :
هُوَ الْخَلِيفَةُ فَارْضَوْا مَا رَضِي لَكُمُو ... مَاضِي الْعَزِيمَةِ مَا فِي حُكْمِهِ جَنَفُ
{ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } إن صح إيمانكم ، يعني أنّ دليل صحة الإيمان وثباته امتثال ما أمرتم به من ذلك { فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ } فاعلموا بها ، من أذن بالشيء إذا علم به . وقرىء : «فآذنوا» ، فأعلموا بها غيركم ، وهو من الإذن وهو الاستماع ، لأنه من طرق العلم . وقرأ الحسن : «فأيقنوا» ، وهو دليل لقراءة العامّة . فإن قلت : هلا قيل بحرب الله ورسوله؟ قلت : كان هذا أبلغ ، لأن المعنى : فأذنوا بنوع من الحرب عظيم عند الله ورسوله . وروي أنها لما نزلت قالت ثقيف : لا يديْ لنا بحرب الله ورسوله . { وَإِن تُبتُمْ } من الارتباء { فَلَكُمْ رُءوسُ أموالكم لاَ تَظْلِمُونَ } المديونين بطلب الزيادة عليها { وَلاَ تُظْلَمُونَ } بالنقصان منها . فإن قلت : هذا حكمهم إن تابوا ، فما حكمهم لو لم يتوبوا قلت : قالوا : يكون مالهم فيئاً للمسلمين ، وروى المفضل عن عاصم : ( لا تظلمون ولا تظلمون ) { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة أو ذو إعسار : وقرا عثمان رضي الله عنه . «ذا عسرة» على وإن كان الغريم ذا عسرة . وقرىء : ( ومن كان ذا عسرة ) { فَنَظِرَةٌ } أي فالحكم أو فالأمر نظرة وهي الإنظار . وقرىء : «فنظْرة» بسكون الظاء . وقرأ عطاء : «فناظره» . بمعنى فصاحب الحق ناظره : أي منتظره ، أو صاحب نظرته على طريقة النسب كقولهم : مكان عاشب وباقل ، أي ذو عشب وذو بقل . وعنه : فناظرْه ، على الأمر بمعنى فسامحه بالنظرة وياسره بها { إلى مَيْسَرَةٍ } إلى يسار وقرىء بضم السين ، كمقبرة ومقبرة ومشرقة ومشرقة . وقرىء بهما مضافين بحذف التاء عند الإضافة كقوله :
وَأخْلَفُوكَ عِدَا الأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا ... وقوله تعالى : { وإقام الصلاة } [ النور : 37 ] . { وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } ندب إلى أن يتصدقوا برؤس أموالهم على من أعسر من غرمائهم أو ببعضها ، كقوله تعالى : { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } [ البقرة : 237 ] . وقيل : أريد بالتصدق الإنظار لقوله صلى الله عليه وسلم .
( 152 ) " لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة " { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه خير لكم فتعملوا به ، جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه . وقرىء «تصدّقوا» بتخفيف الصاد على حذف التاء { تُرْجَعُونَ } قرىء على البناء للفاعل والمفعول : وقرىء : «يرجعون» بالياء على طريقة الالتفات . وقرأ عبد الله : «تردّون» : وقرأ أبيّ : «تصيرون» . وعن ابن عباس : أنها آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام ، وقال : ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة . وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحداً وعشرين يوماً . وقيل : أحداً وثمانين . وقيل : سبعة أيام . وقيل : ثلاث ساعات .

(1/245)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)

{ إِذَا تَدَايَنتُم } إذا داين بعضكم بعضاً . يقال : داينت الرجل عاملته { بِدَيْنٍ } معطياً أو آخذاً كما تقول : بايعته إذا بعته أو باعك . قال رؤبة :
دَايَنْتُ أرْوَى والدُّيُونُ تُقْضَى ... فَمَطَلَتْ بَعْضاً وَأَدَّتْ بَعْضَا
والمعنى : إذا تعاملتم بدين مؤجل فاكتبوه . فإن قلت : هلا قيل : إذا تداينتم إلى أجل مسمى وأي حاجة إلى ذكر «الدين» كما قال : داينت أروى ، ولم يقل : بدين؟ قلت : ذكر ليرجع الضمير إليه في قوله : { فاكتبوه } إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال : فاكتبوا الدين ، فلم يكن النظم بذلك الحسن . ولأنه أبين بتنويع الدين إلى مؤجل وحالّ . فإن قلت : ما فائدة قوله : { مُّسَمًّى } قلت : ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوماً كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام ، ولو قال : إلى الحصاد ، أو الدياس ، أو رجوع الحاج ، لم يجز لعدم التسمية . وإنما أمر بكتبة الدين ، لأنّ ذلك أوثق وآمن من النسيان وأبعد من الجحود ، والأمر للندب . وعن ابن عباس : أن المراد به السلم ، وقال : لما حرم الله الرّبا أباح السلف . وعنه : أشهد أن الله أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم في كتابه وأنزل فيه أطول آية . { بالعدل } متعلق بكاتب صفة له ، أي كاتب مأمون على ما يكتب ، يكتب بالسوية والاحتياط . لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص . وفيه : أن يكون الكاتب فقيها عالماً بالشروط حتى يجيء مكتوبه معدلاً بالشرع . وهو أمر للمتداينين بتخير الكاتب ، وأن لا يستكتبوا إلا فقيهاً دينا { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ } ولا يمتنع أحد من الكتاب وهو معنى تنكير كاتب { أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله } مثل ما علمه الله كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير . وقيل هو قوله تعالى : { وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ } [ القصص : 77 ] أي ينفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها . وعن الشعبي : هي فرض كفاية ، وكما علمه الله : يجوز أن يتعلق بأن يكتب ، وبقوله فليكتب . فإن قلت : أي فرق بين الوجهين؟ قلت : إن علقته بأن يكتب فقد نهى عن الامتناع من الكتابة المقيدة ، ثم قيل له { فَلْيَكْتُبْ } يعني فليكتب تلك الكتابة لا يعدل عنها للتوكيد ، وإن علقته بقوله فليكتب فقد نهى عن الامتناع من الكتابة على سبيل الإطلاق ، ثم أمر بها مقيدة { وَلْيُمْلِلِ الذى عَلَيْهِ الحق } ولا يكن المملي إلا من وجب عليه الحق ، لأنه هو المشهود على ثباته في ذمته وإقراره به . والإملاء والإملال لغتان قد نطق بهما القرآن { فَهِىَ تملى عَلَيْهِ } [ الفرقان : 5 ] . { وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ } من الحق { شَيْئاً } والبخس : النقص . وقرىء «شياً» ، بطرح الهمزة : «وشياً» ، بالتشديد { سَفِيهًا } محجوراً عليه لتبذيره وجهله بالتصرف { أَوْ ضَعِيفًا } صبياً أو شيخاً مختلاً { أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ } أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لعيّ به أو خرس { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ } الذي يلي أمره من وصيّ إن كان سفيهاً أو صبياً ، أو وكيل إن كان غير مستطيع ، أو ترجمان يمل عنه وهو يصدقه .

(1/246)


وقوله تعالى : { أَن يُمِلَّ هُوَ } فيه أنه غير مستطيع بنفسه ولكن بغيره ، وهو الذي يترجم عنه { واستشهدوا شَهِيدَيْنِ } واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدّين { مّن رّجَالِكُمْ } من رجال المؤمنين . والحرية والبلوغ شرط مع الإسلام عند عامة العلماء . وعن علي رضي الله عنه : لا تجوز شهادة العبد في شيء . وعند شريح وابن سيرين وعثمان البتيّ أنها جائزة ، ويجوز عند أبي حنيفة شهادة الكفار بعضهم على بعض على اختلاف الملل . { فَإِن لَّمْ يَكُونَا } فإن لم يكن الشهيدان { رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان } فليشهد رجل وامرأتان ، وشهادة النساء مع الرجال مقبولة عند أبي حنيفة فيما عدا الحدود والقصاص { مِمَّن تَرْضَوْنَ } ممن تعرفون عدالتهم { أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا } أن لا تهتدي إحداهما للشهادة بأن تنساها ، من ضل الطريق إذا لم يهتد له . وانتصابه على أنه مفعول له أي إرادة أن تضل . فإن قلت : كيف يكون ضلالها مراداً لله تعالى؟ قلت : لما كان الضلال سبباً للإذكار ، والإذكار مسبباً عنه ، وهم ينزلون كل واحد من السبب والمسبب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما ، كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار إرادة للإذكار ، فكأنه قيل : إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت . ونظيره قولهم : أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه ، وأعددت السلاح أن يجيء عدوٌّ فأدفعه . وقرىء : «فتذكر» بالتخفيف والتشديد ، وهما لغتان . و«فتذاكر» . وقرأ حمزة : «إن تضل إحداهما» على الشرط . فتذكر : بالرفع والتشديد ، كقوله : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ } [ المائدة : 95 ] وقرىء : «أن تُضَّلَ إحداهما» على البناء للمفعول والتأنيث . ومن بدع التفاسير : فتذكر ، فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا ، يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر { إِذَا مَا دُعُواْ } ليقيموا الشهادة . وقيل : ليستشهدوا . وقيل لهم شهداء قبل التحمل ، تنزيلاً لما يشارف منزلة الكائن . وعن قتادة : كان الرجل يطوف ( في ) الحواء العظيم فيه القوم فلا يتبعه منهم أحد ، فنزلت . كني بالسأم عن الكسل ، لأنّ الكسل صفة المنافق . ومن الحديث :
( 153 ) " لا يقول المؤمن كسلت " ويجوز أن يراد من كثرت مدايناته؛ فاحتاج أن يكتب لكل دين صغير أو كبير كتاباً ، فربما مل كثرة الكتب . والضمير في { تَكْتُبُوهُ } للدين أو الحق { صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا } على أي حال كان الحق من صغر أو كبر . ويجوز أن يكون الضمير للكتاب؛ وأن يكتبوه مختصراً أو مشبعاً لا يخلوا بكتابته { إِلَى أَجَلِهِ } إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته { ذلكم } إشارة إلى أن تكتبوه ، لأنه في معنى المصدر ، أي ذلكم الكتب { أَقْسَطُ } أعدل من القسط { وَأَقْوَمُ للشهادة } وأعون على إقامة الشهادة { وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ } وأقرب من انتفاء الريب .

(1/247)


فإن قلت : مِمَّ بني أفعلا التفضيل ، أعني : أقسط ، وأقوم؟ قلت : يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام ، وأن يكون أقسط من قاسط على طريقة النسب بمعنى ذي قسط ، وأقوم من قويم . وقرىء : «ولا يسأموا أن يكتبوه» بالياء فيهما . فإن قلت : ما معنى { تجارة حَاضِرَةً } وسواء أكانت المبايعة بدين أوبعين فالتجارة حاضرة؟ وما معنى إدارتها بينهم؟ قلت أريد بالتجارة ما يتجر فيه من الأبدال . ومعنى إدارتها بينهم تعاطيهم إياها يداً بيد . والمعنى : إلا أن تتبايعوا بيعاً ناجزاً يداً بيد فلا بأس أن لا تكتبوه ، لأنه لا يتوهم فيه ما يتوهم في التداين . وقرىء : ( تجارةُ حاضرةُ ) بالرفع على كان التامّة . وقيل : هي الناقصة على أنّ الاسم ( تجارة حاضرة ) والخبر ( تديرونها ) وبالنصب على : إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كبيت الكتاب .
بَنِي أسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بلاَءَنَا ... إذَا كَانَ يَوْماً ذَا كَوَاكِبَ أَشْنَعَا
أي إذا كان اليوم يوماً { وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } أمر بالإشهاد على التبايع مطلقاً ، ناجزاً أو كالئا لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الاختلاف . ويجوز أن يراد : وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع يعني التجارة الحاضرة ، على أن الإشهاد كاف فيه دون الكتابة . وعن الحسن : إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد . وعن الضحاك : هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل { وَلاَ يُضَآرَّ } يحتمل البناء للفاعل والمفعول . والدليل عليه قراءة عمر رضي الله عنه : «ولا يضارر» ، بالإظهار والكسر . وقراءة ابن عباس رضي الله عنه : «ولا يضارر» ، بالإظهار والفتح . والمعنى نهي الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما . وعن التحريف والزيادة والنقصان ، أو النهي عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم ، ويلزا ، أو لا يعطي الكاتب حقه من الجعل ، أو يحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد وقرأ الحسن : «ولا يضار» ، بالكسر { وَإِن تَفْعَلُواْ } وإن تضارّوا { فَإِنَّهُ } فإنّ الضرار { فُسُوقٌ بِكُمْ } وقيل : وإن تفعلوا شيئاً مما نهيتم عنه { على سَفَرٍ } مسافرين . وقرأ ابن عباس وأبيّ رضي الله عنهما «كتاباً» . وقال ابن عباس : أرأيت إن وجدت الكاتب ولم تجد الصحيفة والدواة . وقرأ أبو العالية : «كتبا» . وقرأ الحسن : «كتاباً» ، جمع كاتب { فرهان } فالذي يستوثق به رهن . وقرىء «فرهن» بضم الهاء وسكونها ، وهو جمع رهن ، كسقف وسقف . و«فرهان» . فإن قلت : : لم شرط السفر في الارتهان ولا يختص به سفر دون حضر وقد
( 154 ) رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه في غير سفر . قلت : ليس الغرض تجويز الارتهان في السفر خاصة ، ولكن السفر لما كان مظنة لإعواز الكتب والإشهاد ، أمر على سبيل الإرشاد إلى حفظ المال من كان على سفر ، بأن يقيم التوثق بالارتهان مقام التوثق بالكتب والإشهاد . وعن مجاهد والضحاك أنهما لم يجوّزاه إلا في حال السفر أخذاً بظاهر الآية ، وأما القبض فلا بدّ من اعتباره . وعند مالك يصح الارتهان بالإيجاب والقبول بدون القبض { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به . وقرأ أبيّ «فإن أومن» أي آمنه الناس ووصفوا المديون بالأمانة والوفاء والاستغناء عن الارتهان من مثله { فَلْيُؤَدِّ
1649;لَّذِى اؤتمن أمانته } حث المديون على أن يكون عند ظن الدائن به وأمنه منه وائتمانه له ، وأن يؤدّي إليه الحق الذي ائتمنه عليه فلم يرتهن منه . وسمي الدين أمانة وهو مضمون لائتمانه عليه بترك الارتهان منه . والقراءة أن تنطق بهمزة ساكنة بعد الذال أو ياء ، فتقول : الذي اؤتمن ، أو الذي تمن . وعن عاصم أنه قرأ : «الذي اتمن» ، بإدغام الياء في التاء ، قياساً على اتسر في الافتعال من اليسر ، وليس بصحيح . لأنّ الياء منقلبة عن الهمزة ، فهي في حكم الهمزة و «اتزر» عاميٌّ ، وكذلك ريا في رؤيا { ءَاثِمٌ } خبر إن . و { قَلْبِهِ } رفع بآثم على الفاعلية ، كأنه قيل : فإنه يأثم قلبه . ويجوز أن يرتفع قلبه بالابتداء . وآثم خبر مقدّم ، والجملة خبر إن . فإن قلت : هلا اقتصر على قوله : { فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ } ؟ وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده ؟ قلت : كتمان الشهادة : هو أن يضمرها ولا يتكلم بها ، فلما كان إثماً مقترفاً بالقلب أسند إليه ، لأنّ إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ . ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد : هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ، ومما عرفه قلبي ، ولأنّ القلب هو رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله ، فكأنه قيل : فقد تمكن الإثم في أصل نفسه ، وملك أشرف مكان فيه . ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط ، وليعلم أنّ القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه ، واللسان ترجمان عنه . ولأنّ أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح وهي لها كالأصول التي تتشعب منها . ألا ترى أنّ أصل الحسنات والسيآت الإيمان والكفر ، وهما من أفعال القلوب ، فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أكبر الكبائر الإشراك بالله لقوله تعالى :

(1/248)


{ فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة } [ المائدة : 72 ] وشهادة الزور ، وكتمان الشهادة . وقرىء : «قلبه» ، بالنصب ، كقوله : { سَفِهَ نَفْسَهُ } [ البقرة : 130 ] وقرأ ابن أبي عبلة : «أثم قلبه» ، أي جعله إثماً .

(1/249)


لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)

{ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } يعني من السوء يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء لمن استوجب المغفرة بالتوبة مما أظهر منه أو أضمره { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاءُ } ممن استوجب العقوبة بالإصرار . ولا يدخل فيما يخفيه الإنسان : الوساوس وحديث النفس ، لأنّ ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه ، ولكن ما اعتقده وعزم عليه . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه تلاها فقال : لئن آخذنا الله بهذا لنهلكنّ ، ثم بكى حتى سمع نشيجه فذكر لابن عباس فقال : يغفر الله لأبي عبد الرحمن . قد وجد المسلمون منها مثل ما وجد فنزل { لاَ يُكَلّفُ الله } وقرىء : «فيغفر» و«يعذب» ، مجزومين عطفاً على جواب الشرط ، ومرفوعين على : فهو يغفر ويعذب . فإن قلت : كيف يقرأ الجازم؟ قلت : يظهر الراء ويدغم الباء . ومدغم الراء في اللام لاحن مخطىء خطأ فاحشا . وراويه عن أبي عمرو مخطىء مرّتين ، لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم . والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة ، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية ، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو . وقرأ الأعمش : «يغفر» بغير فاء مجزوماً على البدل من يحاسبكم ، كقوله :
مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا في دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأجَّجَا
ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب ، لأنّ التفصيل أوضح من المفصل ، فهو جار مجرى بدل البعض من الكل أو بدل الاشتمال ، كقولك : ضربت زيداً رأسه ، وأحب زيداً عقله ، وهذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان .
{ والمؤمنون } إن عطف على الرسول كان الضمير الذي التنوين نائب عنه في كل راجعاً إلى الرسول والمؤمنين ، أي كلهم آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله من المذكورين . ووقف عليه . وإن كان مبتدأ كان الضمير للمؤمنين . ووحد ضمير كل في آمن على معنى : كل واحد منهم آمن ، وكان يجوز أن يجمع ، كقوله : { وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخرين } [ النمل : 87 ] . وقرأ ابن عباس : «وكتابه» ، يريد القرآن أو الجنس وعنه الكتاب أكثر من الكتب . فإن قلت : كيف يكون الواحد أكثر من الجمع؟ قلت : لأنه إذا أريد بالواحد الجنس والجنسية قائمة في وحدان الجنس كلها لم يخرج منه شيء . فأما الجمع فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية من الجموع { لاَنُفَرِّقُ } يقولون لا نفرق . وعن أبي عمرو : «يفرق» بالياء ، على أن الفعل لكل . وقرأ عبد الله : «لا يفرقون» . و { أَحَدٍ } في معنى الجمع ، كقوله تعالى : { فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين } [ الحاقة : 47 ] ولذلك دخل عليه بين . { سَمِعْنَا } أجبنا { غُفْرَانَكَ } منصوب بإضمار فعله . يقال : غفرانك لا كفرانك ، أي نستغفرك ولا نكفرك وقرىء : «وكتبه ورسله» بالسكون .

(1/250)


لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)

الوسع : ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه ، أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود . وهذا إخبار عن عدله ورحمته كقوله تعالى : { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر } [ البقرة : 185 ] لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس ، ويصوم أكثر من الشهر ، ويحج أكثر من حجة . وقرأ ابن أبي عبلة «وسعها» بالفتح { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت } ينفعها ما كسبت من خير ويضرها ما اكتسبت من شر ، لا يؤاخذ بذنبها غيرها ولا يثاب غيرها بطاعتها . فإن قلت : لم خص الخير بالكسب ، والشر بالاكتساب؟ قلت : في الاكتساب اعتمال ، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمّارة به ، كانت في تحصيله أعمل وأجدّ ، فجعلت لذلك مكتسبة فيه . ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لادلالة فيه على الاعتمال . أي لا تؤاخذنا بالنسيان أو الخطأ إن فرط منا . فإن قلت : النسيان والخطأ متجاوز عنهما ، فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة بهما؟ قلت : ذكر النسيان والخطأ والمراد بهما ما هما مسببان عنه من التفريط والإغفال . ألا ترى إلى قوله : { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان } [ الكهف : 63 ] والشيطان لا يقدر على فعل النسيان ، وإنما يوسوس فتكون وسوسته سبباً للتفريط الذي منه النسيان ، ولأنهم كانوا متقين الله حق تقاته ، فما كانت تفرط منهم فرطة إلا على وجه النسيان والخطأ ، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذاناً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به ، كأنه قيل : إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذ به ، فما فيهم سبب مؤاخذة إلا الخطأ والنسيان ، ويجوز أن يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله لاستدامته والاعتداد بالنعمة فيه . والإصر : العبء الذي يأصر حامله أي يحبسه مكانه لا يستقل به لثقله ، استعير للتكليف الشاقّ ، من نحو قتل الأنفس ، وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب وغير ذلك . وقرىء : «آصاراً» على الجمع . وفي قراءة أبيّ : «ولا تحمّل» علينا بالتشديد . فإن قلت : أيّ فرق بين هذه التشديدة والتي في { وَلاَ تُحَمّلْنَا } ؟ قلت : هذه للمبالغة في حمل عليه ، وتلك لنقل حمله من مفعول واحد إلى مفعولين { وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } من العقوبات النازلة بمن قبلنا ، طلبوا الإعفاء عن التكليفات الشاقة التي كلفها من قبلهم ، ثم عما نزل عليهم من العقوبات على تفريطهم في المحافظة عليها . وقيل : المراد به الشاقّ الذي لا يكاد يستطاع من التكليف . وهذا تكرير لقوله : { وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } . { مولانا } سيدنا ونحن عبيدك . أو ناصرنا . أو متولي أمورنا { فانصرنا } فمن حق المولى أن ينصر عبيده . أو فإنّ ذلك عادتك . أو فإنّ ذلك من أمورنا التي عليك توليها . وعن ابن عباس .

(1/251)


( 155 ) «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا بهذه الدعوات ، قيل له عند كل كلمة : قد فعلت» وعنه عليه السلام .
( 156 ) " من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " وعنه عليه السلام .
( 157 ) " أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهنّ نبيٌّ قبلي " وعنه عليه السلام .
( 158 ) " أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل " فإن قلت : هل يجوز أن يقال : قرأت سورة البقرة أو قرأت البقرة . قلت : لا بأس بذلك . وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم «من آخر سورة البقرة» و «خواتيم سورة البقرة» و «خواتيم البقرة» .
وعن عليّ رضي الله عنه «خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش» وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنه رمى الجمرة ثم قال «من ههنا والذي لا إله غيره رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة» ولا فرق بين هذا وبين قولك سورة الزخرف وسورة الممتحنة وسورة المجادلة . وإذا قيل : قرأت البقرة ، لم يشكل أنّ المراد سورة البقرة كقوله : { واسئل القرية } [ يوسف : 82 ] وعن بعضهم أنه كره ذلك وقال : يقال قرأت السورة التي تذكر فيه البقرة .
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
( 159 ) " السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فإنّ تعلمها بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة . قيل : وما البطلة؟ قال : السحرة " .

(1/252)


الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4)

{ م } حقها أن يوقف عليها كما وقف على ألف ولام ، وأن يبدأ ما بعدها كما تقول : واحد اثنان : وهي قراءة عاصم . وأما فتحها فهي حركة الهمزة ألقيت عليها حين أسقطت للتخفيف . فإن قلت : كيف جاز إلقاء حركتها عليها وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام فلا تثبت حركتها لأنّ ثبات حركتها كثباتها؟ قلت : هذا ليس بدرج ، لأنّ ( م ) في حكم الوقف والسكون والهمزة في حكم الثابت . وإنما حذفت تخفيفاً وألقيت حركتها على الساكن قبلها ليدل عليها . ونظيره قولهم : واحد اثنان ، بإلقاء حركة الهمزة على الدال . فإن قلت : هلا زعمت أنها حركة لالتقاء الساكنين؟ قلت : لأنّ التقاء الساكنين لا يبالى به في باب الوقف ، وذلك قولك : هذا إبراهيم وداود وإسحاق . ولو كان التقاء الساكنين في حال الوقف يوجب التحريك لحرك الميمين في ألف لام ميم ، لالتقاء الساكنين . ولما انتظر ساكن آخر . فإن قلت : إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين في ميم ، لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين ، فإذا جاء ساكن ثالث لم يمكن إلا التحريك فحركوا . قلت : الدليل على أن الحركة ليست لملاقاة الساكن أنه كان يمكنهم أن يقولوا : واحد اثنان ، بسكون الدال مع طرح الهمزة ، فيجمعوا بين ساكنين ، كما قالوا : أصيم ، ومديق . فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير وليست لالتقاء الساكنين . فإن قلت : فما وجه قراءة عمرو بن عبيد بالكسر؟ قلت : هذه القراءة على توهم التحريك لالتقاء الساكنين وما هي بمقولة . و { التوراة والإنجيل } اسمان أعجميان . وتكلف اشتقاقهما من الورى والنجل ووزنهما بتفعلة وأفعيل ، إنما يصح بعد كونهما عربيين . وقرأ الحسن : «الأنجيل» ، بفتح الهمزة ، وهو دليل على العجمة ، لأن أفعيل بفتح الهمزة عديم في أوزان العرب . فإن قلت : لم قيل { نَزَّلَ الكتاب } { وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل } ؟ قلت : لأن القرآن نزل منجماً ، ونزل الكتابان جملة . وقرأ الأعمش : «نزَل عليك الكتابُ» بالتخفيف ورفع الكتاب { هُدًى لّلنَّاسِ } أي لقوم موسى وعيسى . ومن قال نحن متعبدون بشرائع من قبلنا فسره على العموم . فإن قلت : ما المراد بالفرقان؟ قلت : جنس الكتب السماوية ، لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل أو الكتب التي ذكرها ، كأنه قال بعد ذكر الكتب الثلاثة وأنزل ما يفرق به بين الحق والباطل من كتبه ، أو من هذه الكتب ، أو أراد الكتاب الرابع وهو الزبور ، كما قال : { وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً } [ النساء : 163 ] وهو ظاهر . أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له ومدح من كونه فارقاً بين الحق والباطل بعد ما ذكره باسم الجنس ، تعظيماً لشأنه وإظهاراً لفضله { بآيات الله } من كتبه المنزلة وغيرها { ذُو انتقام } له انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم .

(1/253)


إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)

{ لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْءٌ } في العالم فعبر عنه بالسماء والأرض ، فهو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن ، وهو مجازيهم عليه { كَيْفَ يَشَاءُ } من الصور المختلفة المتفاوتة . وقرأ طاوس : «تصوّركم» ، أي صوّركم لنفسه ولتعبده ، كقولك : أثلت مالاً ، إذا جعلته أثلة ، أي أصلاً . وتأثلته ، إذا أثلته لنفسك . وعن سعيد بن جبير : هذا حجاج على من زعم أنّ عيسى كان رباً ، كأنه نبه بكونه مصوراً في الرحم ، على أنه عبد كغيره ، وكان يخفى عليه ما لا يخفى على الله .

(1/254)


هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)

{ محكمات } أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه { متشابهات } مشتبهات محتملات { هُنَّ أُمُّ الكتاب } أي أصل الكتاب تحمل المتشابهات عليها وتردّ إليها ، ومثال ذلك { لاَّ تُدْرِكُهُ الابصار } [ الأنعام : 103 ] ، { إلى رَبّهَا نَاظِرَةٌ } [ القيامة : 23 ] ، { لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء } [ الأعراف : 27 ] . { أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } [ الإسراء : 16 ] . فإن قلت : فهلا كان القرآن كله محكماً؟ قلت : لو كان كله محكماً لتعلق الناس به لسهولة مأخذه ، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمّل من النظر والاستدلال ، ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به ، ولما في المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه ، ولما في تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه وردّه إلى المحكم من الفوائد الجليلة والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله ، ولأنّ المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في كلام الله ولا اختلاف ، إذا رأى فيه ما يتناقض في ظاهره ، وأهمه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد ، ففكر وراجع نفسه وغيره ففتح الله عليه وتبين مطابقة المتشابه المحكم ، ازداد طمأنينة إلى معتقده وقوّة في إيقانه { الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } هم أهل البدع { فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ } فيتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق المحكم ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق { ابتغاء الفتنة } طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم { وابتغاء تَأْوِيلِهِ } وطلب أن يأوّلوه التأويل الذي يشتهونه { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والرسخون فِي العلم } أي لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله وعباده الذين رسخوا في العلم ، أي ثبتوا فيه وتمكنوا وعضوا فيه بضرس قاطع . ومنهم من يقف على قوله ( إلا الله ) ، ويبتدىء ( والراسخون في العلم يقولون ) ويفسرون المتشابه بما استأثر الله بعلمه ، وبمعرفة الحكمة فيه من آياته ، كعدد الزبانية ونحوه : والأوّل هو الوجه . ويقولون : كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هؤلاء العالمون بالتأويل { يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } أي بالمتشابه { كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } أي كل واحد منه ومن المحكم من عنده ، أو بالكتاب كل من متشابهه ومحكمه من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ولا يختلف كتابه { وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الالباب } مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمّل ويجوز أن يكون { يَقُولُونَ } حالا من الراسخين . وقرأ عبد الله : «إن تأويله إلا عند الله» . وقرأ أبيّ : «ويقول الراسخون» .

(1/255)


رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)

{ لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا { بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } وأرشدتنا لدينك . أو لا تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفت بنا { مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } من عندك نعمة بالتوفيق والمعونة . وقرىء «لا تزغ قلوبنا» ، بالتاء والياء ورفع القلوب { جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ } أي تجمعهم لحساب يوم أو لجزاء يوم ، كقوله تعالى : { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجمع } [ التغابن : 9 ] : وقرىء : «جامع الناس» ، على الأصل { إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } معناه أنّ الإلهية تنافي خلف الميعاد كقولك :
إن الجواد لا يخيب سائله ... والميعاد : الموعد . قرأ علي رضي الله عنه : «لن تغني» بسكون الياء ، وهذا من الجدّ في استثقال الحركة على حروف اللين .

(1/256)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)

{ مِّنَ } في قوله : { مِنَ الله } مثله في قوله : { وَإِنَّ الظن لاَ يُغْنِى مِنَ الحق شَيْئاً } [ النجم : 28 ] والمعنى : لن تغني عنهم من رحمة الله أو من طاعة الله { شَيْئًا } أي بدل رحمته وطاعته وبدل الحق : ومنه :
( 160 ) «ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ» أي لا ينفعه جدّه وحظه من الدنيا بذلك ، أي بدل طاعتك وعبادتك وما عندك وفي معناه قوله تعالى : { وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى } [ سبأ : 37 ] وقرىء : «وقود» ، بالضم بمعنى أهل وقودها . والمراد بالذين كفروا من كفر برسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن ابن عباس : هم قريظة والنضير . الدأب : مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله ، والكاف مرفوع المحل تقديره : دأب هؤلاء الكفرة كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم . ويجوز أن ينتصب محل الكاف بلن تغني ، أو بالوقود . أي لن تغني عنهم مثل ما لم تغني عن أولئك أو توقد بهم النار كما توقد بهم ، تقول : إنك لتظلم الناس كدأب أبيك تريد كظلم أبيك ومثل ما كان يظلمهم ، وإنّ فلاناً لمحارف كدأب أبيه ، تريد كما حورف أبوه { كَذَّبُواْ بئاياتنا } تفسير لدأبهم مافعلوا وفعل بهم ، على أنه جواب سؤال مقدّر عن حالهم { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } هم مشركو مكة { سَتُغْلَبُونَ } يعني يوم بدر . وقيل : هم اليهود . ولما غلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر قالوا : هذا والله النبي الأميّ الذي بشرنا به موسى ، وهموا باتباعه . فقال بعضهم : لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى ، فلما كان يوم أحد شَكُّوا . وقيل :
( 161 ) جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدر في سوق بني قينقاع ، فقال : " يا معشر اليهود احذروا مثل ما نزل بقريش وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم ، فقد عرفتم أني نبي مرسل " ، فقالوا لا يغرّنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة ، لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس ، فنزلت . وقرىء : «سيغلبون ويحشرون» ، بالياء ، كقوله تعالى : { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ } [ الأنفال : 38 ] على قل لهم قولي لك سيغلبون . فإن قلت : أي فرق بين القراءتين من حيث المعنى؟ قلت : معنى القراءة بالتاء الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم . فهو إخبار بمعنى سيغلبون ويحشرون وهو الكائن من نفس المتوعد به والذي يدل عليه اللفظ ، ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكي لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه . كأنه قال : أدّ إليهم هذا القول الذي هو قولي لك سيغلبون ويحشرون .

(1/257)


قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13)

{ قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ } الخطاب لمشركي قريش { فِي فِئَتَيْنِ التقتا } يوم بدر { يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ } يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين . أو مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين ، أراهم الله إياهم مع قلتهم أضعافهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم ، وكان ذلك مدداً لهم من الله كما أمدّهم بالملائكة . والدليل عليه قراءة نافع : «ترونهم» ، بالتاء أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي فئتكم الكافرة ، أو مثلي أنفسهم . فإن قلت : فهذا مناقض لقوله في سورة الأنفال { وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ } [ الأنفال : 44 ] . قلت : قللوا أوّلا في أعينهم حتى احترؤا عليهم فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا ، فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين . ونظيره من المحمول على اختلاف الأحوال قوله تعالى : { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } [ الرحمن : 39 ] وقوله تعالى : { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤولون } [ الصافات : 24 ] وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في أعينهم أبلغ في القدرة وإظهار الآية . وقيل : يرى المسلمون المشركين مثلي المسلمين على ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله تعالى : { فإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } [ الأنفال : 66 ] بعد ما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة في قوله تعالى : { إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } [ الأنفال : 65 ] ولذلك وصف ضعفهم بالقلة لأنه قليل بالإضافة إلى عشرة الأضعاف وكان الكافرون ثلاثة أمثالهم . وقراءة نافع لا تساعد عليه . وقرأ ابن مصرِّف : «يرونهم» ، على البناء للمفعول بالياء والتاء ، أي يريهم الله ذلك بقدرته . وقرىء : «فئة تقاتل وأخرى كافرة» ، بالجرّ على البدل من فئتين ، وبالنصب على الاختصاص . أو على الحال من الضمير في ( التقتا ) { رَأْىَ العين } يعني رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها ، معاينة كسائر المعاينات { والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ } كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في عين العدوّ .

(1/258)


زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)

{ زُيّنَ لِلنَّاسِ } المزين هو الله سبحانه وتعالى للابتلاء ، كقوله : { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الارض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ } [ الكهف : 7 ] ويدل عليه قراءة مجاهد : «زَيَّنَ للناس» ، على تسمية الفاعل . وعن الحسن : الشيطان . والله زينها لهم ، لأنا لا نعلم أحداً أذم لها من خالقها { حُبُّ الشهوات } جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها . والوجه أن يقصد تخسيسها فيسميها شهوات ، لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية ، وقال : { زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات } ثم جاء التفسير ، ليقرر أوّلا في النفوس أن المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير ، ثم يفسره بهذه الأجناس ، فيكون أقوى لتخسيسها ، وأدلّ على ذم من يستعظمها ويتهالك عليها ويرجح طلبها على طلب ما عند الله . والقنطار : المال الكثير . قيل : ملء مسك ثور . وعن سعيد بن جبير : مائة ألف دينار . ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا . و { المقنطرة } مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم : ألف مؤلفة ، وبدرة مبدرة . و { المسومة } المعلمة ، من السومة وهي العلامة . أو المطهمة أو المرعية من أسام الدابة وسوّمها { والانعام } الأزواج الثمانية { ذلك } المذكور { مَّتَاعُ الحياة } .
{ لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات } كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم ، كما تقول : هل أدلك على رجل عالم؟ عندي رجل صفته كيت وكيت . ويجوز أن يتعلق اللام بخير . واختص المتقين ، لأنهم هم المنتفعون به . وترتفع { جنات } على : هو جنات . وتنصره قراءة من قرأ «جنات» بالجرّ على البدل من خير { والله بَصِيرٌ بالعباد } يثيب ويعاقب على الاستحقاق ، أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم ، فلذلك أعدّ لهم الجنات .
{ الذين يَقُولُونَ } نصب على المدح ، أو رفع . ويجوز الجرّ صفة للمتقين أو للعباد . والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كما لهم في كل واحدة منها . وقد مرّ الكلام في ذلك . وخص الأسحار لأنهم كانوا يقدّمون قيام الليل فيحسن طلب الحاجة بعده { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ } [ فاطر : 10 ] وعن الحسن : كانوا يصلون في أوّل الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار ، هذا نهارهم ، وهذا ليلهم .

(1/259)


شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)

شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره ، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإخلاص وآية الكرسي وغيرهما بشهادة الشاهد في البيان والكشف ، وكذلك إقرار الملائكة وأولي العلم بذلك واحتجاجهم عليه { قَائِمَاً بالقسط } مقيماً للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال ، ويثيب ويعاقب ، وما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم . وانتصابه على أنه حال مؤكدة منه كقوله : { وَهُوَ الحق مُصَدّقًا } [ البقرة : 91 ] . فإن قلت : لم جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه؟ ولو قلت جاءني زيد وعمرو راكباً لم يجز؟ قلت : إنما جاز هذا لعدم الإلباس كما جاز في قوله : { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } [ الأنبياء : 72 ] إن انتصب نافلة حالا عن يعقوب . ولو قلت : جاءني زيد وهند راكباً جاز لتميزه بالذكورة ، أو على المدح . فإن قلت : أليس من حق المنتصب على المدح أن يكون معرفة كقولك : الحمد لله الحميد .
( 162 ) " إنا معشر الأنبياء لا نورث " إنا بنى نهشل لا ندعي لأب؟ قلت : قد جاء نكرة كما جاء معرفة . وأنشد سيبويه فيما جاء منه نكرة قول الهذلي :
وَيَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطْلٍ ... وَشُعْثا مَرَاضِيعَ مِثْلَ السَّعَالِي
فإن قلت : هل يجوز أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل : لا إله قائماً بالقسط إلا هو؟ قلت : لا يبعد ، فقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف . فإن قلت : قد جعلته حالا من فاعل شهد ، فهل يصح أن ينتصب حالاً عن «هو» في { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } ؟ قلت : نعم ، لأنها حال مؤكدة والحال المؤكدة لا تستدعي أن يكون في الجملة التي هي زيادة في فائدتها عامل فيها ، كقولك : أنا عبد الله شجاعاً . وكذلك لو قلت : لا رجل إلا عبد الله شجاعاً . وهو أوجه من انتصابه عن فاعل شهد ، وكذلك انتصابه على المدح . فإن قلت : هل دخل قيامه بالقسط في حكم شهادة الله والملائكة وأولي العلم كما دخلت الوحدانية؟ قلت : نعم إذا جعلته حالاً من هو ، أو نصباً على المدح منه ، أو صفة للمنفي ، كأنه قيل : شهد الله والملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو ، وأنه قائم بالقسط . وقرأ عبد الله : «القائم بالقسط» ، على أنه بدل من هو ، أو خبر مبتدأ محذوف . وقرأ أبو حنيفة : «قيما بالقسط» { العزيز الحكيم } صفتان مقرّرتان لما وصف به ذاته من الوحدانية والعدل ، يعني أنه العزيز الذي لا يغالبه إله آخر ، والحكيم الذي لا يعدل عن العدل في أفعاله . فإن قلت : ما المراد بأولي العلم الذي عظمهم هذا التعظيم حيث جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله؟ قلت : هم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة وهم علماء العدل والتوحيد . وقرىء : «أنه» بالفتح ، و { إِنَّ الدين } بالكسر على أنّ الفعل واقع على أنه بمعنى شهد الله على أنه ، أو بأنه . وقوله : { إِنَّ الدين عِندَ الله الإسلام } جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى . فإن قلت : ما فائدة هذا التوكيد؟ قلت : فائدة أن قوله : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } توحيد ، وقوله : { قَائِمَاً بالقسط } تعديل ، فإذا أردفه قوله : { إِنَّ الدين عِندَ الله الإسلام } فقد آذن أن الإسلام هو العدل والتوحيد ، وهو الدين عند الله ، وما عداه فليس عنده في شيء من الدين . وفيه أن من ذهب إلى تشبيه أو ما يؤدّي إليه كإجازة الرؤية أو ذهب إلى الجبر الذي هو محض الجور ، لم يكن على دين الله الذي هو الإسلام ، وهذا بين جلي كما ترى . وقرئا مفتوحين ، على أن الثاني بدل من الأوّل . كأنه قيل : شهد الله أن الدين عند الله الإسلام ، والبدل هو المبدل منه في المعنى ، فكان بياناً صريحاً ، لأن دين الله هو التوحيد والعدل . وقرىء الأوّل بالكسر والثاني بالفتح ، على أن الفعل واقع على ( إنّ ) وما بينهما اعتراض مؤكد . وهذا أيضاً شاهد على أن دين الإسلام هو العدل والتوحيد ، فترى القراءات كلها متعاضدة على ذلك . وقرأ عبد الله : «أن لا إله إلا هو» . وقرأ أبيّ : «إن الدين عند الله للإسلام» ، وهي مقوية لقراءة من فتح الأولى وكسر الثانية . وقرىء : «شهداء لله» ، بالنصب على أنه حال من المذكورين قبله ، وبالرفع على هم شهداء الله . فإن قلت : فعلام عطف على هذه القراءة { والملائكة وَأُوْلُواْ العلم } ؟ قلت : على الضمير في شهداء ، وجاز لوقوع الفاصل بينهما . فإن قلت : لم كرر قوله : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } قلت : ذكره أوّلاً للدلالة على اختصاصه بالوحدانية ، وأنه لا إله إلا تلك الذات المتميزة ، ثم ذكره ثانياً بعد ما قرن بإثبات الوحدانية إثبات العدل ، للدلالة على اختصاصه بالأمرين ، كأنه قال : لا إله إلا هذا الموصوف بالصفتين ، ولذلك قرن به قوله : { العزيز الحكيم } لتضمنهما معنى الوحدانية والعدل { الذين أُوتُواْ الكتاب } أهل الكتاب من اليهود والنصارى . واختلافهم أنهم تركوا الإسلام وهو التوحيد والعدل { مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم } أنه الحق الذي لا محيد عنه ، فثلثت النصارى ، وقالت اليهود عزير ابن الله ، وقالوا : كنا أحق بأن تكون النبوّة فينا من قريش لأنهم أمّيون ونحن أهل الكتاب ، وهذا تجوير { بَغْياً بَيْنَهُمْ } أي ما كان ذلك الاختلاف وتظاهر هؤلاء بمذهب وهؤلاء بمذهب إلا حسداً بينهم وطلباً منهم للرياسة وحظوظ الدنيا ، واستتباع كل فريق ناساً يطؤن أعقابهم ، لاشبهة في الإسلام . وقيل : هو اختلافهم في نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث آمن به بعض وكفر به بعض . وقيل : هو اختلافهم في الإيمان بالأنبياء ، فمنهم من آمن بموسى ، ومنهم من آمن بعيسى . وقيل هم اليهود ، واختلافهم أن موسى عليه السلام حين احتضر استودع التوراة سبعين حبراً من بني إسرائيل ، وجعلهم أمناء عليها ، واستخلف يوشع ، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعد ما جاءهم علم التوراة بغيا بينهم وتحاسداً على حظوظ الدنيا والرياسة . وقيل : هم النصارى واختلافهم في أمر عيسى بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله .

(1/260)


فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)

{ فَإنْ حَاجُّوكَ } فإن جادلوك في الدين { فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ } أي أخلصت نفسي وجملتي لله وحده لم أجعل فيها لغيره شريكاً بأن أعبده وأدعوه إلها معه؛ يعني أن ديني التوحيد وهو الدين القديم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندي ، وما جئت بشيء بديع حتى تجادلوني فيه . ونحوه { قُلْ ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً } [ آل عمران : 64 ] فهو دفع للمحاجة بأن ما هو عليه ومن معه من المؤمنين هو حق اليقين الذي لا لبس فيه؛ فما معنى المحاجة فيه؟ { وَمَنِ اتبعن } عطف على التاء في أسلمت وحسن للفاصل . ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع فيكون مفعولاً معه { وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب } من اليهود والنصارى { والاميين } والذين لا كتاب لهم من مشركي العرب { ءأَسْلَمْتُمْ } يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضي حصوله لا محالة؛ فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم؟ وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقاً إلا سلكته : هل فهمتها لا أم لك ، ومنه قوله عزّ وعلا { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } [ المائدة : 91 ] بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر . وفي هذا الاستفهام استقصار وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف ، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف إذعانه للحق ، وللمعاند بعد تجلي الحجة ما يضرب أسداداً بينه وبين الإذعان ، وكذلك في : هل فهمتها؟ توبيخ بالبلادة وكلة القريحة . وفي { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } [ المائدة : 91 ] بالتقاعد عن الانتهاء والحرص الشديد على تعاطي المنهي عنه { فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهتدوا } فقد نفعوا أنفسهم حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى ومن الظلمة إلى النور { وَإِن تَوَلَّوْاْ } لم يضروك فإنك رسول منبه عليك أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الهدى .

(1/261)


إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22)

قرأ الحسن : «يقتلون النبيين» وقرأ حمزة : «ويقاتلون الذين يأمرون» وقرأ عبد الله : «وقاتلوا» وقرأ أبيّ . «يقتلون النبيين» ، والذين يأمرون . وهم أهل الكتاب . قتل أولوهم الأنبياء وقتلوا أتباعهم وهم راضون بما فعلوا ، وكانوا حول قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لولا عصمة الله . وعن أبي عبيدة بن الجراح :
( 163 ) قلت يا رسول الله ، أي الناس أشدّ عذاباً يوم القيامة؟ قال : " رجل قتل نبياً؛ أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن منكر» ثم قرأها ثم قال : «يا أبا عبيدة ، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيّا من أول النهار في ساعة واحدة ، فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً في آخر النهار " { فِى الدنيا والاخرة } لأنّ لهم اللعنة والخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة . فإن قلت : لم دخلت الفاء في خبر إن؟ قلت : لتضمن اسمها معنى الجزاء ، كأنه قيل : الذين يكفرون فبشرهم بمعنى من يكفر فبشرهم ، و «إنّ» لا تغير معنى الابتداء فكأنّ دخولها كلا دخول ، ولو كان مكانها «ليت» أو «لعل» لامتنع إدخال الفاء لتغير معنى الابتداء .

(1/262)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25)

{ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الكتاب } يريد أحبار اليهود ، وأنهم حصلوا نصيباً وافراً من التوراة . و «من» إما للتبعيض وإما للبيان ، أو حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوارة وهي نصيب عظيم { يُدْعَوْنَ إلى كتاب الله } وهو التوراة { لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } وذلك
( 164 ) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مدراسهم فدعاهم فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد : على أي دين أنت؟ قال : على ملة إبراهيم . قالا : إنّ إبراهيم كان يهودياً . قال لهما : إنّ بيننا وبينكم التوارة ، فهلموا إليها» فأبيا . وقيل نزلت في الرجم ، وقد اختلفوا فيه . وعن الحسن وقتادة : كتاب الله القرآن؛ لأنهم قد علموا أنه كتاب الله لم يشكوا فيه { ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مّنْهُمْ } استبعاد لتوليهم بعد علمهم بأن الرجوع إلى كتاب الله واجب { وَهُم مُّعْرِضُونَ } وهم قوم لا يزال الإعراض ديدنهم . وقرىء «لِيُحْكَمَ» على البناء للمفعول . والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم : وأنهم دعوا إلى كتاب الله الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراة ليحكم بين المحق والمبطل منهم ، ثم يتولى فريق منهم وهم الذين لم يسلموا . وذلك أنّ قوله : { لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } يقتضي أن يكون اختلافاً واقعاً فيما بينهم ، لا فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم { ذلك } التولي والإعراض بسبب تسهيلهم على أنفسهم أمر العقاب وطمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل كما طمعت المجبرة والحشوية { وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من أنّ آباءهم هم الأنبياء يشفعون لهم كما غرت أولئك شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كبائرهم { فَكَيْفَ إِذَا جمعناهم } فكيف يصنعون فكيف تكون حالهم ، وهو استعظام لما أعدّ لهم وتهويل لهم ، وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم في دفعه والمخلص منه ، وأن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل وتطمع بما لا يكون . وروي أنّ أوّل راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود ، فيفضحهم الله على رؤوس الاشهاد ، ثم يأمر بهم إلى النار { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } يرجع إلى كل نفس على المعنى ، لأنه في معنى كل الناس كما تقول : ثلاثة أنفس ، تريد ثلاثة أناسي .

(1/263)


قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)

الميم في { اللهم } عوض من يا ، ولذلك لا يجتمعان . وهذا بعض خصائص هذا الاسم كما اختص بالتاء في القسم ، وبدخول حرف النداء عليه ، وفيه لام التعريف ، وبقطع همزته في يا أَلله ، وبغير ذلك { مالك الملك } أي تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرّف الملاك فيما يملكون { تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ } تعطي من تشاء النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك من الملك { وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ } النصيب الذي أعطيته منه ، فالملك الأوّل عام شامل ، والملكان الآخران خاصان بعضان من الكل . روى .
( 165 ) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم ، فقال المنافقون واليهود : هيهات هيهات ، من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ هم أعز وأمنع من ذلك . وروي
( 166 ) " أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً وأخذوا يحفرون ، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول ، فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره ، فأخذ المعول من سلمان فضربها ضربة صدّعتها «وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها ، لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم ، وكبر وكبر المسلمون وقال : أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب ، ثم ضرب الثانية فقال : أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم ، ثم ضرب الثالثة فقال : أضاءت لي قصور صنعاء ، وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمّتي ظاهرة على كلها ، فأبشروا . فقال المنافقون : ألا تعجبون ، يمنيكم ويعدكم الباطل ، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم ، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا ، فنزلت " فإن قلت : كيف قال : { بِيَدِكَ الخير } فذكر الخير دون الشر؟ قلت : لأنّ الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة ، فقال بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك ، ولأن كل أفعال الله تعالى من نافع وضارّ صادر عن الحكمة والمصلحة ، فهو خير كله كإيتاء الملك ونزعه . ثم ذكر قدرته الباهرة بذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما ، وحال الحيّ والميت في إخراج أحدهما من الآخر ، وعطف عليه رزقه بغير حساب دلالة على أنّ من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام ثم قدر أن يرزق بغير حساب دلالة من يشاء من عباده ، فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم وفي بعض الكتب : أنا الله ملك الملوك ، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي ، فإن العباد أطاعوني جعلتهم لهم رحمة ، وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة ، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم ، وهو معنى قوله عليه السلام
( 167 ) " كما تكونوا يولى عليكم " .

(1/264)


لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)

نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر ، وقد كرّر ذلك في القرآن { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } [ المائدة : 51 ] ، { لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاء } [ المائدة : 50 ] ، { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله } الآيه [ المجادلة : 22 ] . والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم وأصل من أصول الإيمان { مِن دُونِ المؤمنين } يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم عليهم { وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَىْءٍ } ومن يوالي الكفرة فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية ، يعني أنه منسلخ من ولاية الله رأساً ، وهذا أمر معقول فإنّ موالاة الوليّ وموالاة عدوّه متنافيان ، قال :
تَوَدُّ عَدُوِّى ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّنِي ... صدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعَازِبِ
{ إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تقاة } إلا أن تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه . وقرىء : «تقية» . قيل للمتقي تقاة وتقية ، كقولهم : ضرب الأمير لمضروبه . رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم ، والمراد بتلك الموالاة مخالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعدواة والبغضاء ، وانتظار زوال المانع من قشر العصا ، كقول عيسى صلوات الله عليه «كن وسطاً وامش جانباً» { وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه ، وهذا وعيد شديد . ويجوز أن يضمن { تَتَّقُواْ } معنى تحذروا وتخافوا ، فيعدى بمن وينتصب { تقاة } أو تقية على المصدر ، كقوله تعالى : { اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ } [ آل عمران : 102 ] .

(1/265)


قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)

{ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ } من ولاية الكفار أو غيرها مما لا يرضي الله { يَعْلَمْهُ } ولم يخف عليه وهو الذي { وَيَعْلَمُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الارض } لا يخفى عليه منه شيء قط . فلا يخفى عليه سركم وعلنكم { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فهو قادر على عقوبتكم . وهذا بيان لقوله : { وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } [ آل عمران : 28 ] لأنّ نفسه وهي ذاته المميزة من سائر الذوات ، متصفة بعلم ذاتي لا يختص بمعلوم دون معلوم ، فهي متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية لا تختص بمقدور دون مقدور ، فهي قادرة على المقدورات كلها ، فكان حقها أن تحذر وتتقى فلا يجسر أحد على قبيح ولا يقصر عن واجب ، فإن ذلك مطلع عليه لا محالة فلاحق به العقاب ، ولو علم بعض عبيد السلطان أنه أراد الإطلاع على أحواله ، فوكل همه بما يورد ويصدر ، ونصب عليه عيوناً ، وبث من يتجسس عن بواطن أموره ، لأخذ حذره وتيقظ في أمره ، واتقى كل ما يتوقع فيه الاسترابة به ، فما بال من علم أنّ العالم الذات الذي علم السر وأخفى مهيمن عليه وهو آمن . اللهم إنا نعوذ بك من اغترارنا بسترك .

(1/266)


يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)

{ يَوْمَ تَجِدُ } منصوب بتودّ . والضمير في بينه لليوم ، أي يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين ، تتمنى لو أنّ بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً . ويجوز أن ينتصب { يَوْمَ تَجِدُ } بمضمر نحو : اذكر ، ويقع على ما عملت وحده ، ويرتفع { وَمَا عَمِلَتْ } على الابتداء ، و { تَوَدُّ } خبره ، أي : والذي عملته من سوء تودّ هي لو تباعد ما بينها وبينه . ولا يصح أن تكون ما شرطية لارتفاع تودّ . فإن قلت : فهل يصح أن تكون شرطية على قراءة عبد الله ودّت؟ قلت : لا كلام في صحته ، ولكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم وأثبت لموافقة قراءة العامّة . ويجوز أن يعطف { وَمَا عَمِلَتْ } على { مَّا عَمِلَتْ } ويكون { تَوَدُّ } حالاً ، أي يوم تجد عملها محضراً وادّة تباعد ما بينها وبين اليوم أو عمل السوء محضراً ، كقوله تعالى : { وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا } [ الكهف : 49 ] يعني مكتوباً في صحفهم يقرؤنه ونحوه { فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ أحصاه الله وَنَسُوهُ } [ المجادلة : 6 ] . والأمد المسافة كقوله تعالى : { ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين } [ الزخرف : 38 ] وكرّر قوله : { وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } ليكون على بال منهم لا يغفلون عنه { والله رَءوفٌ بالعباد } يعني أن تحذيره نفسه وتعريفه حالها من العلم والقدرة من الرأفة العظيمة بالعباد لأنهم إذا عرفوه حق المعرفة وحذروه دعاهم ذلك إلى طلب رضاه واجتناب سخطه . وعن الحسن من رأفته بهم أن حذرهم نفسه . ويجوز أن يريد أنه مع كونه محذوراً لعلمه وقدرته ، مرجوّ لسعة رحمته كقوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } [ فصلت : 43 ] .

(1/267)


قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)

محبة العباد لله مجاز عن إرادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره ورغبتهم فيها . ومحبة الله عباده أن يرضى عنهم ويحمد فعلهم . والمعنى : إن كنتم مريدين لعبادة الله على الحقيقة { فاتبعونى } حتى يصحّ ما تدعونه من إرادة عبادته ، يرض عنكم ويغفر لكم . وعن الحسن : زعم أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله فأراد أن يجعل لقولهم تصديقاً من عمل ، فمن ادعى محبته وخالف سنة رسوله فهو كذاب وكتاب الله يكذبه . وإذا رأيت من يذكر محبة الله ويصفق بيديه مع ذكرها ويطرب وينعر ويصعق فلا تشك في أنه لا يعرف ما الله ولا يدري ما محبة الله . وما تصفيقه وطربه ونعرته وصعقته إلا أنه تصوّر في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة فسماها الله بجهله ودعارته ، ثم صفق وطرب ونعر وصعق تصوّرها ، وربما رأيت المنيَّ قد ملأ إزار ذلك المحب عند صعقته ، وحمقى العامة على حواليه قد ملؤا أدرانهم بالدموع لما رققهم من حاله . وقرىء : «تحبون» . و«يحببكم» و«يحبكم» ، من حبه يحبه . قال :
أُحِبُّ أبَا ثَرْوَانَ مِنْ حُبِّ تَمْرِه ... وَأَعْلَمُ أنّ الرِّفْقَ بِالجَارِ أَرْفَقُ
وَوَاللَّهِ لَوْلاَ تَمْرُهُ ما حَبَبْتُهُ ... وَلاَ كَانَ أَدْنَى مِنْ عُبَيْدٍ وَمُشْرِقُ
{ فَإِن تَوَلَّوْاْ } يحتمل أن يكون ماضياً ، وأن يكون مضارعاً بمعنى : فإن تتولوا ، ويدخل في جملة ما يقول الرسول لهم .

(1/268)


إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)

{ آل إبراهيم ا } إسماعيل وإسحاق وأولادهما . { وَءَالَ عِمْرَانَ } موسى وهرون ابنا عمران ابن يصهر . وقيل عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان ، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة . و { ذُرّيَّةَ } بدل من آل إبراهيم وآل عمران { بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } يعني أنّ الآلين ذرّية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض : موسى وهرون من عمران ، وعمران من يصهر ، ويصهر من فاهث ، وفاهث من لاوى ، ولاوى من يعقوب ، ويعقوب من إسحاق . وكذلك عيسى ابن مريم بنت عمران بن ماثان بن سليمان بن داود بن إيشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق . وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقيل : ( بعضها من بعض ) في الدين ، كقوله تعالى : { المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } [ التوبة : 67 ] { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يعلم من يصلح للاصطفاء ، أو يعلم أنّ بعضهم من بعض في الدين . أو ( سميع عليم ) لقول امرأة عمران ونيتها . و { إِذْ } منصوب به . وقيل : بإضمار اذكر . وامرأة عمران هي امرأة عمران بن ماثان ، أم مريم البتول . جدّة عيسى عليه السلام ، وهي حنة بنت فاقوذ . وقوله : { إِذْ قَالَتِ امرأت عمران } على أثر قوله : { وَءَالَ عِمْران } مما يرجح أنّ عمران هو عمران بن ماثان جدّ عيسى ، والقول الآخر يرجحه أن موسى يقرن بإبراهيم كثيراً في الذكر . فإن قلت : كانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهرون ، ولعمران بن ماثان مريم البتول ، فما أدراك أن عمران هذا هو أبو مريم البتول دون عمران أبي مريم التي هي أخت موسى وهرون؟ قلت : كفى بكفالة زكريا دليلاً على أنه عمران أبو البتول ، لأن زكريا بن آذن وعمران بن ماثان كانا في عصر واحد ، وقد تزوّج زكريا بنته إيشاع أخت مريم فكان يحيى وعيسى ابني خالة . روي أنها كانت عاقرا لم تلد إلى أن عجزت ، فبينا هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له فتحرّكت نفسها للولد وتمنته ، فقالت : اللهم إن لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه ، فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل { مُحَرَّرًا } معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يدَ لي عليه ولا أستخدمه ولا أشغله بشيء ، وكان هذا النوع من النذر مشروعاً عندهم . وروي : أنهم كانوا ينذرون هذا النذر ، فإذا بلغ الغلام خير بين أن يفعل وبين أن لا يفعل . وعن الشعبي { مُحَرَّرًا } : مخلصاً للعبادة ، وما كان التحرير إلا للغلمان ، وإنما بنت الأمر على التقدير ، أو طلبت أن ترزق ذكراً { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } الضمير ل ( ما في بطني ) ، وإنما أنث على المعنى لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله ، أو على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة .

(1/269)


فإن قلت : كيف جاز انتصاب { أنثى } حالا من الضمير في وضعتها وهو كقولك وضعت الأنثى أنثى؟ قلت : الأصل : وضعته أنثى ، وإنما أنثى لتأنيث الحال؛ لأن الحال وذا الحال لشيء واحد ، كما أنث الاسم في ( ما كانت أمّك ) لتأنيث الخبر . ونظيره قوله تعالى : { فَإِن كَانَتَا اثنتين } [ النساء : 176 ] وأمّا على تأويل الحبلة أو النسمة فهو ظاهر ، كأنه قيل : إني وضعت الحبلة أو النسمة أنثى . فإن قلت : فلم قالت : إني وضعتها أنثى وما أرادت إلى هذا القول؟ قلت : قالته تحسراً على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها . فتحزنت إلى ربها لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكراً ، ولذلك نذرته محرّراً للسدانة . ولتكلمها بذلك على وجه التحسر والتحزن قال الله تعالى : { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } تعظيماً لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها منه . ومعناه : والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور ، وأن يجعله وولده آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً . فلذلك تحسرت . وفي قراءة ابن عباس «والله أعلم بما وَضَعْتِ» على خطاب الله تعالى لها أي إنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب وما علم الله من عظم شأنه وعلوّ قدره . وقرىء : «وضعت» . بمعنى : ولعلّ لله تعالى فيه سراً وحكمة ، ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر تسلية لنفسها . فإن قلت : فما معنى قوله : { وَلَيْسَ الذكر كالانثى } ؟ قلت : هو بيان لما في قوله : { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } من التعظيم للموضوع والرفع منه ، ومعناه : وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها ، واللام فيهما للعهد . فإن قلت : علام عطف قوله : { وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } ؟ قلت : هو عطف على إني وضعتها أنثى ، وما بينهما جملتان معترضتان ، كقوله تعالى : { وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } [ الواقعة : 76 ] فإن قلت : فلم ذكرت تسميتها مريم لربها؟ قلت : لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة ، فأرادت بذلك التقريب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها ، وأن يصدق فيها ظنها بها . ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان وإغوائه . وما يروى من الحديث .
( 168 ) " ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهلّ صارخاً من مس الشيطان إياه ، إلا مريم وابنها " فالله أعلم بصحته . فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها ، فإنهما كانا معصومين ، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى : { لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } [ الحجر : 40 41 ] واستهلاله صارخاً من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه ، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول : هذا ممن أغويه ، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي :

(1/270)


لِمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا ... يَكُونُ بُكَاءُ الطَفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ
وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ، ولو سلط إبليس على الناس بنخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلونا به من نخسه { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا } فرضي بها في النذر مكان الذكر { بِقَبُولٍ حَسَنٍ } فيه وجهان : أحدهما أن يكون القبول اسم ما تقبل به الشيء كالسعوط واللدود ، لما يسعط به ويلد ، وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر ، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك ، أو بأن تسلمها من أمّها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة . وروي : أن حنة حين ولدت مريم ، لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ، ووضعتها عند الأحبار أبناء هرون ، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة ، فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم ، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم ، فقال لهم زكريا : أنا أحق بها ، عندي خالتها فقالوا : لا حتى نقترع عليها ، فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر ، فألقوا فيه أقلامهم ، فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم ، فتكفلها . والثاني : أن يكون مصدراً على تقدير حذف المضاف بمعنى : فتقبلها بذي قبول حسن ، أي بأمر ذي قبول حسن وهو الاختصاص . ويجوز أن يكون معنى { فَتَقَبَّلَهَا } فاستقبلها ، كقولك : تعجله بمعنى استعجله ، وتقصاه بمعنى استقصاه ، وهو كثير في كلامهم ، من استقبل الأمر إذا أخذه بأوّله وعنفوانه قال القطامي :
وَخَيْرُ الأَمْرِ مَا استقبلت مِنْهُ ... وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعَا
ومنه المثل «خذ الأمر بقوابله» . أي فأخذها في أوّل أمرها حين ولدت بقبول حسن { وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها . وقرىء : «وَكَفِلَها زكريا» ، بوزن وعملها { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } بتشديد الفاء ونصب زكرياء ، والفعل لله تعالى بمعنى : وضمها إليه وجعله كافلاً لها وضامناً لمصالحها . ويؤيدها قراءة أبيّ : وأكفلها ، من قوله تعالى : { فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا } [ ص : 23 ] وقرأ مجاهد : فتقبلها ربها ، وأنبتها ، وكفلها ، على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة ، ونصب ربها ، تدعو بذلك ، أي فاقبلها يا ربها وربها ، واجعل زكريا كافلاً لها . قيل : بنى لها زكريا محراباً في المسجد ، أي غرفة يصعد إليها بسلم . وقيل : المحراب أشرف المجالس ومقدّمها ، كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس . وقيل : كانت مساجدهم تسمى المحاريب . وروي : أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده ، وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب . { وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا } كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثديا قط ، فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء { أنى لَكِ هذا } من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل به إليك؟ { قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله } فلا تستبعد . قيل تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد . وعن النبي صلى الله عليه وسلم

(1/271)


( 169 ) « أنه جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة رضي الله عنها رغيفين وبضعة لحم آثرته بها ، فرجع بها إليها ، وقال : هلمي يا بنية فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً ، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله ، فقال لها صلى الله عليه وسلم : أنيَّ لك هذا؟ فقالت : هو من عند الله ، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب . فقال عليه الصلاة والسلام : الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل ، ثم جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته ، فأكلوا عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو ، فأوسعت فاطمة على جيرانها » { إنَّ الله يَرْزُقُ } من جملة كلام مريم عليها السلام ، أو من كلام رب العزّة عزّ من قائل { بِغَيْرِ حِسَابٍ } بغير تقدير لكثرته ، أو تفضلاً بغير محاسبة ومجازاة على عمل بحسب الاستحقاق .

(1/272)


هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)

{ هُنَالِكَ } في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت . فقد يستعار هنا وثم وحيث للزمان . لما رأى حال مريم في كرامتها على الله ومنزلتها ، رغب في أن يكون له من ايشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على الله ، وإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أختها كذلك . وقيل : لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر { ذُرِّيَّةَ } ولداً . والذرية يقع على الواحد والجمع { سَمِيعُ الدعاء } مجيبه . قرىء : «فناداه الملائكة» . وقيل : ناداه جبريل عليه السلام ، وإنما قيل الملائكة على قولهم : فلان يركب الخيل { أَنَّ الله يُبَشّركَ } بالفتح على بأن الله ، وبالكسر على إرادة القول . أو لأن النداء نوع من القول . وقرىء : «يبشرك» ، «ويبشرك» ، من بشره وأبشره . «ويَبْشُرك» بفتح الياء من بشره . ويحيى إن كان أعجمياً وهو الظاهر فمنع صرفه للتعريف والعجمة كموسى وعيسى ، وإن كان عربياً فللتعريف ووزن الفعل كيعمر { مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } مصدّقاً بعيسى مؤمناً به . قيل هو أول من آمن به ، وسمي عيسى «كلمة» لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وحدها ، وهي قوله : ( كن ) من غير سبب آخر . وقيل : مصدّقاً بكلمة من الله ، مؤمناً بكتاب منه . وسمي الكتاب كلمة ، كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته . والسيد : الذي يسود قومه ، أي يفوقهم في الشرف . وكان يحيى فائقاً لقومه وفائقاً للناس كلهم في أنه لم يركب سيئة قط ، ويالها من سيادة . والحصور : الذي لا يقرب النساء حصراً لنفسه أي منعاً لها من الشهوات . وقيل هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر . قال الأخطل :
وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكأْسِ نَادَمَني ... لاَ بِالْحَصُورِ وَلاَ فِيهَا بِسَئَّارِ
فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو . وقد روي أنه مرّ وهو طفل بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال : ما للعب خلقت { مّنَ الصالحين } ناشئاً من الصالحين ، لأنه كان من أصلاب الأنبياء ، أو كائناً من جملة الصالحين كقوله : { وَإِنَّهُ فِى الاخرة لَمِنَ الصالحين } [ البقرة : 130 ] . { أنى يَكُونُ لِي غلام } استبعاد من حيث العادة كما قالت مريم . { وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر } كقولهم : أدركته السنّ العالية . والمعنى أثر فيّ الكبر فأضعفني ، وكانت له تسع وتسعون سنة ، ولامرأته ثمان وتسعون { كذلك } أي يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل ، وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر ، أو كذلك الله مبتدأ وخبر ، أي على نحو هذه الصفة الله ، ويفعل ما يشاء بيان له ، أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات { ءَايَةً } علامة أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر { قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ } تقدر على تكليم الناس { ثلاثة أَيَّامٍ } وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة ، مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله ، ولذلك قال : { واذكر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبّحْ بالعشى والإبكار } يعني في أيام عجزك عن تكليم الناس ، وهي من الآيات الباهرة .

(1/273)


فإن قلت : لم حبس لسانه عن كلام الناس؟ قلت : ليخلص المدّة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره ، توفراً منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة ، وشكرها الذي طلب الآية من أجله ، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له : آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر . وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال . ومنتزعاً منه { إِلاَّ رَمْزًا } إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما وأصله التحرّك . يقال ارتمز : إذا تحرّك . ومنه قيل للبحر الراموز . وقرأ يحيى ابن وثاب «إلا رمزاً» بضمتين ، جمع رموز كرسول ورسل . وقرىء : «رمزاً» بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم ، وهو حال منه ومن الناس دفعة كقوله :
مَتَى مَا تَلْقَني فَرْدَيْنِ تَرْجُفْ ... رَوَانِفُ إلْيَتَيْكَ وَتُسْتَطَارَ
بمعنى إلا مترامزين ، كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم . والعشيّ : من حين تزول الشمس إلى أن تغيب . و { والإبكار } من طلوع الفجر إلى وقت الضحى . وقرىء «والأبكار» ، بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار . يقال : أتيته بكراً بفتحتين . فإن قلت : الرمز ليس من جنس الكلام؛ فكيف استثنى منه؟ قلت : لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمي كلاماً . ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً .

(1/274)


وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)

{ يامريم } روي أنهم كلموها شفاها معجزة لزكريا أو إرهاصا لنبوّة عيسى { اصطفاك } أولاً حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة السنية { وَطَهَّرَكِ } مما يستقذر من الأفعال ومما قرفك به اليهود { واصطفاك } آخراً { على نِسَاء العالمين } بأن وهب لك عيسى من غير أب؛ ولم يكن ذلك لأحد من النساء . أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود؛ لكونهما من هيآت الصلاة وأركانها؛ ثم قيل لها { واركعى مَعَ الركعين } بمعنى : ولتكن صلاتك مع المصلين أي في الجماعة؛ أو انظمي نفسك في جملة المصلين وكوني معهم في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم . ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع ، فأمرت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع من لا يركع .

(1/275)


ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)

{ ذلك } إشارة إلى ما سبق من نبإ زكريا ويحيى ومريم وعيسى عليهم السلام ، يعني أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي . فإن قلت : لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم بغير شبهة؟ وترك نفي استماع الأنباء من حفاظها وهو موهوم؟ قلت : كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي ، فلم يبق إلا المشاهدة وهي في غاية الاستبعاد والاستحالة ، فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة . ونحوه { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى } [ القصص : 44 ] ، { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور } [ القصص : 46 ] ، { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ } [ يوسف : 102 ] { أقلامهم } أزلامهم وهي قداحهم التي طرحوها في النهر مقترعين . وقيل : هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة ، اختاروها للقرعة تبركا بها { إِذْ يَخْتَصِمُونَ } في شأنها تنافساً في التكفل بها . فإن قلت : { أَيُّهُمْ يَكْفُلُ } بم يتعلق؟ قلت : بمحذوف دلّ عليه يلقون أقلامهم ، كأنه قيل : يلقونها ينظرون أيهم يكفل ، أو ليعلموا ، أو يقولون .

(1/276)


إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)

{ المسيح } لقب من اولقاب المشرفة ، كالصدّيق والفاروق ، وأصله مشيحاً بالعبرانية ، ومعناه المبارك ، كقوله : { وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ } [ مريم : 31 ] وكذلك { عِيسَى } معرب من أيشوع . ومشتقهما من المسح والعيس ، كالراقم في الماء . فإن قلت : { إِذْ قَالَتِ } بم يتعلق؟ قلت : هو بدل من { وَإِذْ قَالَتِ الملئكة } ويجوز أن يبدل من { إِذْ يَخْتَصِمُونَ } على أن الاختصام والبشارة وقعاً في زمان واسع ، كما تقول : لقيته سنة كذا . فإن قلت : لم قيل : عيسى ابن مريم والخطاب لمريم؟ قلت : لأنّ الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات ، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه ، وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين . فإن قلت : لم ذكر ضمير الكلمة؟ قلت لأن المسمى بها مذكر . فإن قلت : لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم ، وهذه ثلاثة أشياء : الاسم منها عيسى ، و أما المسيح والابن فلقب وصفة؟ قلت : الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره ، فكأنه قيل : الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة { وَجِيهاً } حال من { كلمة } وكذلك قوله : ( ومن المقربين ) ، ( ويكلم ) ( وَمِنَ الصالحين ) . أي يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات . وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة . والوجاهة في الدنيا : النبوّة والتقدم على الناس . وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة . وكونه { مِنَ المقربين } رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة . والمهد : ما يمهد للصبي من مضجعه ، سمي بالمصدر . و { فِى المهد } في محل النصب على الحال ، { وَكَهْلاً } عطف عليه بمعنى : ويكلم الناس طفلاً وكهلاً . ومعناه : يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء ، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء . ومن بدع التفاسير أن قولها : رب نداء لجبريل عليه السلام بمعنى يا سيدي { ونعلمه } عطف على يبشرك ، أو على وجيها أو على يخلق ، أو هو كلام مبتدأ . وقرأ عاصم ونافع : «ويعلمه» ، بالياء . فإن قلت : علام تحمل : ورسولاً ، ومصدّقاً من المنصوبات المتقدّمة ، وقوله : { أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ } و { لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } يأبى حمله عليها؟ قلت : هو من المضائق ، وفيه وجهان : أحدهما أن يضمر له «وأرسلت» على إرادة القول؛ تقديره : ونعلمه الكتاب والحكمة ، ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم . ومصدقاً لما بين يدي . والثاني أن الرسول والمصدّق فيهما معنى النطق ، فكأنه قيل : وناطقاً بأني قد جئتكم ، وناطقاً بأني أصدق ما بين يدي وقرأ اليزيدي : ورسول : عطفاً على كلمة { أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ } أصله أرسلت بأني قد جئتكم ، فحذف الجار وانتصب بالفعل ، و { أَنِى أَخْلُقُ } نصب بدل من { أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ } أو جرّ بدل من آية ، أو رفع على : هي أني أخلق لكم ، وقرىء : «إني» ، بالكسر على الاستئناف ، أي أقدر لكم شيئاً مثل صورة الطير { فَأَنفُخُ فِيهِ } الضمير للكاف ، أي في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير { فَيَكُونُ طَيْرًا } فيصير طيراً كسائر الطيور حياً طياراً .

(1/277)


وقرأ عبد الله : «فأنفخها» قال :
كالهَبْرَقِيِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الْفَحْمَا ... وقيل : لم يخلق غير الخفاش { الاكمه } الذي ولد أعمى ، وقيل : هو الممسوح العين . ويقال : لم يكن في هذه الأمّة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير . وروي أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى ، من أطاق منهم أتاه ، ومن لم يطق أتاه عيسى ، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده . وكرر { بِإِذُنِ الله } دفعاً لوهم من توهم فيه اللاهوتية . وروي : أنه أحيا سام بن نوح وهم ينظرون ، فقالوا هذا سحر فأرنا آية ، فقال : يا فلان أكلت كذا ، ويا فلان خبىء لك كذا . وقرىء «تذخرون» ، بالذال والتخفيف { وَلأُحِلَّ } ردّ على قوله : { بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } أي جئتكم بآية من ربكم ، ولأحل لكم ويجوز أن يكون { مُصَدّقاً } مردوداً عليه أيضاً ، أي جئتكم بآية وجئتكم مصدقاً . وما حرم الله عليهم في شريعة موسى : الشحوم والثروب ولحوم الإبل ، والسمك ، وكل ذي ظفر ، فأحل لهم عيسى بعض ذلك . قيل : أحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية له . واختلفوا في إحلاله لهم السبت . وقرىء «حرم عليكم» على تسمية الفاعل ، وهو ما بين يديّ من التوراة ، أو الله عزّ وجلّ ، أو موسى عليه السلام؛ لأن ذكر التوراة دل عليه ، ولأنه كان معلوماً عندهم . وقرىء : «حرم» ، بوزن كرم { وجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله : { إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ } لأنّ جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه ، وقرىء بالفتح على البدل من { ءايَةً } . وقوله : { فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } اعتراض ، فإن قلت : كيف جعل هذا القول آية من ربه؟ قلت لأنّ الله تعالى جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل ، حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال . ويجوز أن يكون تكريراً لقوله : { جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم ، من خلق الطير ، والإبراء ، والإحياء ، والإنباء بالخفايا ، وبغيره من ولادتي بغير أب ، ومن كلامي في المهد ، ومن سائر ذلك . وقرأ عبد الله . «وجئتكم بآيات من ربكم» ، فاتقوا الله لما جئتكم به من الآيات ، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه . ثم ابتدأ فقال : { إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ } ومعنى قراءة من فتح : ولأنّ الله ربي وربكم فاعبدوه ، كقوله : { لإيلاف قُرَيْشٍ . . . . فَلْيَعْبُدُواْ } [ قريش : 1 3 ] ويجوز أن يكون المعنى : وجئتكم بآية على أن الله ربي وربكم وما بينهما اعتراض .

(1/278)


فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)

{ فَلَمَّا أَحَسَّ } فلما علم منهم { الكفر } علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس . و { إِلَى الله } من صلة أنصاري مضمناً معنى الإضافة ، كأنه قيل : من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله ، ينصرونني كما ينصرني ، أو يتعلق بمحذوف حالاً من الياء ، أي من أنصاري ، ذاهباً إلى الله ملتجئاً إليه { نَحْنُ أَنْصَارُ الله } أي أنصار دينه ورسوله . وحواريّ الرجل : صفوته وخالصته . ومنه قيل : للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونظافتهن قال :
فَقُلْ لِلَحوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَا ... وَلاَ تَبْكِنَا إلاّ الْكِلاَبُ النَّوابِحُ
وفي وزنه الحوالي ، وهو الكثير الحيلة . وإنما طلبوا شهادته بإسلامهم تأكيداً لإيمانهم ، لأنّ الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم { مَعَ الشاهدين } مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم أو مع الذين يشهدون بالوحدانية . وقيل : مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهم شهداء على الناس { وَمَكَرُواْ } الواو لكفار بني إسرائيل الذين أحس منهم الكفر ، ومكرهم أنهم وكلوا به من يقتله غيلة { وَمَكَرَ الله } أن رفع عيسى إلى السماء وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل { والله خَيْرُ الماكرين } أقواهم مكراً وأنفذهم كيداً وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب .

(1/279)


إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)

{ إِذْ قَالَ الله } ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله { إِنّي مُتَوَفّيكَ } أي مستوفي أجلك . معناه : إني عاصمك من أن يقتلك الكفار؛ ومؤخرك إلى أجل كتبته لك . ومميتك حتف أنفك لا قتيلاً بأيدهم { وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } إلى سمائي ومقرّ ملائكتي { وَمُطَهّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ } من سوء جوارهم وخبث صحبتهم . وقيل متوفيك : قابضك من الأرض ، من توفيت مالي على فلان إذا استوفيته : وقيل : مميتك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعك الآن : وقيل : متوفي نفسك بالنوم من قوله : { والتى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا } [ الزمر : 42 ] ورافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف ، وتستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب { فَوْقَ الذين كَفَرُواْ إلى يَوْمِ القيامة } يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف ، ومتبعوه هم المسلمون لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى { فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } تفسير الحكم قوله : { فَأُعَذّبُهُمْ . . . فنوفيهم أُجُورَهُمْ } وقرىء «فيوفيهم» بالياء .

(1/280)


ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58)

{ ذلك } إشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى وغيره وهو مبتدأ خبره { نَتْلُوهُ } و { مِنَ الايات } خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف . ويجوز أن يكون ذلك بمعنى الذي ، ونتلوه صلته . ومن الآيات الخبر : ويجوز أن ينتصب ذلك بمضمر يفسره ( نتلوه ) { والذكر الحكيم } القرآن ، وصف بصفة من هو سببه ، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه .

(1/281)


إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60)

{ إِنَّ مَثَلَ عيسى } إن شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدم . وقوله : { خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم أي خلق آدم من تراب ولم يكن ثمة أب ولا أم ، وكذلك حال عيسى . فإن قلت : كيف شبه به وقد وجد هو من غير أب ، ووجد آدم من غير أب وأم؟ قلت : هو مثيله في إحدى الطرفين ، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به ، لأنّ المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف ، ولأنه شبه به في أنه وجد وجوداً خارجاً عن العادة المستمرة ، وهما في ذلك نظيران ، ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب ، فشبه الغريب بالأغرب؛ ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه . وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم : لِمَ تعبدون عيسى ، قالوا : لأنه لا أب له . قال : فآدم أولى لأنه لا أبوين له . قالوا : كان يحيي الموتى . قال : فحزقيل أولى ، لأن عيسى أحيا أربعة نفر ، وأحيا حزقيل ثمانية آلاف . قالوا : كان يبرىء الأكمه والأبرص . قال : فجرجيس أولى ، لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً . { خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } قدّره جسداً من طين { ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن } أي أنشأه بشراً كقوله { ثُمَّ أَنشأناه خلقاً آخر } [ المؤمنون : 14 ] { فَيَكُونُ } حكاية حال ماضية .
{ الحق من ربك } { الحق مِن رَّبّكَ فَلاَ تَكُنْ مّن الممترين } خبر مبتدأ محذوف ، أي هو الحق كقول أهل خيبر : محمد والخميس ونهيه عن الامتراء وجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ممتريا من باب التهييج لزيادة الثبات والطمأنينة ، وأن يكون لطفاً لغيره .

(1/282)


فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)

{ فَمَنْ حَاجَّكَ } من النصارى { فِيهِ } في عيسى { مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم } أي من البينات الموجبة للعلم { تَعَالَوْاْ } هلموا . والمراد المجيء بالرأي والعزم ، كما تقول تعالَ نفكر في هذه المسألة { نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ } أي يدع كل مني ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة { ثُمَّ نَبْتَهِلْ } ثم نتباهل بأن نقول بهلة الله على الكاذب منا ومنكم . والبهلة بالفتح ، والضم : اللعنة . وبهله الله لعنه وأبعده من رحمته من قولك «أبهله» إذا أهمله . وناقة باهل : لاصرار عليها وأصل الابتهال هذا ، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعانا . وروي :
( 170 ) «أنهم لما دعاهم إلى المباهلة قالوا : حتى نرجع وننظر ، فلما تخالوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم : يا عبد المسيح ، ما ترى؟ فقال والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمداً نبيٌّ مرسل ، وقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم ، والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ، ولئن فعلتم لتهلكنّ فإن أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غداً محتضنا الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي وعليٌّ خلفها وهو يقول : «إذا أنا دعوت فأمّنوا ، فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى ، إني لأرى وجوها لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها ، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، فقالوا : يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك وأن نقرّك على دينك ونثبت على ديننا قال : «فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم» فأبوا . قال : «فإني أناجزكم» فقالوا : ما لنا بحرب العرب طاقة ، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا ترددنا عن ديننا على أنّ نؤدي إليك كل عام ألفي حلة : ألف في صفر ، وألف في رجب ، وثلاثين درعاً عادية من حديد . فصالحهم على ذلك وقال : «والذي نفسي بيده ، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر ، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا» وعن عائشة رضي الله عنها
( 171 ) " أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وعليه مرط مرجل من شعر أسود . فجاء الحسن فأدخله ، ثم جاء الحسين فأدخله ، ثم فاطمة ، ثم علي " ، ثم قال : { إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت } [ الأحزاب : 33 ] . فإن قلت : ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه ، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ قلت : ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه ، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك ولم يقتصر على تعريض نفسه له ، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة . وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب ، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل . ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب ، ويسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة الحقائق . وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم ، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها . وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام . وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك .

(1/283)