صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الكشاف |
سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211)
{ سَلْ } أمر للرسول عليه الصلاة والسلام أو لكل أحد ، وهذا السؤال سؤال تقريع كما تسأل الكفرة يوم القيامة { كَمْ آتيناهم مّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ } على أيدي أنبيائهم وهي معجزاتهم ، أو من آية في الكتب شاهدة على صحة دين الإسلام ، و { نِعْمَةَ اللَّهِ } آياته ، وهي أجل نعمة من الله ، لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة . وتبديلهم إياها : أن الله أظهرها لتكون أسباب هداهم ، فجعلوها أسباب ضلالتهم ، كقوله : { فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ } [ التوبة : 125 ] أو حرفوا آيات الكتب الدالة على دين محمد صلى الله عليه وسلم . فإن قلت : كم استفهامية أم خبرية؟ قلت : تحتمل الأمرين . ومعنى الاستفهام فيها للتقرير . فإن قلت : ما معنى { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ } . قلت : معناه من بعد ما تمكن من معرفتها أو عرفها ، كقوله : { ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه } [ البقرة : 75 ] ؟ لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها ، فكأنها غائبة عنه : وقرىء { وَمَن يُبَدِلْ } بالتخفيف . (1/185)
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)
المزين هو الشيطان ، زين لهم الدنيا وحسنها في أعينهم بوساوسه وحببها إليهم فلا يريدون غيرها . ويجوز أن يكون الله قد زينها لهم بأن خذلهم حتى استحسنوها وأحبوها ، أو جعل إمهال المزين له تزيينا ، ويدل عليه قراءة من قرأ { زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا } على البناء للفاعل { وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ءامَنُواْ } كانت الكفرة يسخرون من المؤمنين الذين لا حظ لهم من الدنيا كابن مسعود وعمار وصهيب وغيرهم ، أي لا يريدون غيرها . وهم يسخرون ممن لا حظ له فيها ، أو ممن يطلب غيرها { والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة } لأنهم في عليين من السماء ، وهم في سجين من الأرض ، أو حالهم عالية لحالهم؛ لأنهم في كرامة وهم في هوان . أو هم عالون عليهم متطاولون يضحكون منهم كما يتطاول هؤلاء عليهم في الدنيا ويرون الفضل لهم عليهم ، { فاليوم الذين ءامَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ } [ المطففين : 34 ] { والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } بغير تقدير ، يعني أنه يوسع على من توجب الحكمة التوسعة عليه كما وسع على قارون وغيره ، فهذه التوسعة عليكم من جهة الله لما فيها من الحكمة وهي استدراجكم بالنعمة . ولو كانت كرامة لكان أولياؤه المؤمنون أحق بها منكم . فإن قلت : لم قال : { مِنَ الذين ءَامَنُواْ } ثم قال : { والذين اتقوا } ؟ قلت : ليريك أنه لا يسعد عنده إلا المؤمن المتقي ، وليكون بعثا للمؤمنين على التقوى إذا سمعوا ذلك . (1/186)
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)
{ كَانَ الناس أُمَّةً واحدة } متفقين على دين الإسلام { فَبَعَثَ الله النبيين } يريد : فاختلفوا فبعث الله . وإنما حذف لدلالة قوله : { لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ } عليه . وفي قراءة عبد الله : «كان الناس أمّة واحدة فاختلفوا فبعث الله» . والدليل عليه قوله عز وعلا { وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا } [ يونس : 19 ] وقيل : كان الناس أمة واحدة كفارًا ، فبعث الله النبيين ، فاختلفوا عليهم . والأوّل الوجه . فإن قلت : متى كان الناس أمة واحدة متفقين على الحق؟ قلت : عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون على شريعة من الحق فاختلفوا . وقيل : هم نوح ومن كان معه في السفينة { وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب } يريد الجنس ، أو مع كل واحد منهم كتابه { لِيَحْكُمَ } الله ، أو الكتاب ، أو النبيّ المنزل عليه { فِيمَا اختلفوا فِيهِ } في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق { وَمَا اختلف فِيهِ } في الحق { إِلاَّ الذين أُوتُوهُ } إلا الذين أوتوا الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف ، أي ازدادوا في الاختلاف لما أنزل عليهم الكتاب ، وجعلوا نزول الكتاب سبباً في شدّة الاختلاف واستحكامه { بَغْياً بَيْنَهُمْ } حسدًا بينهم وظلمًا لحرصهم على الدنيا وقلة إنصاف منهم . و { مِنَ الحق } بيان لما اختلفوا فيه ، أي فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف . (1/187)
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)
{ أَمْ } منقطعة ، ومعنى الهمزة فيها للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده . ولما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين بعد مجيء البينات - تشجيعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لآياته وعداوتهم له - قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ : { أم حسبتم } { وَلَمَّا } فيها معنى التوقع ، وهي في النفي نظيرة «قد» في الإثبات . والمعنى أن إتيان ذلك متوقع منتظر { مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ } حالهم التي هي مثل في الشدة . و { مَسَّتْهُمْ } بيان للمثل وهو استئناف ، كأن قائلاً قال : كيف كان ذلك المثل؟ فقيل : مستهم البأساء { وَزُلْزِلُواْ } وأزعجوا إزعاجاً شديداً شبيها بالزلزلة بما أصابهم من الأهوال والأفزاع { حتى يَقُولَ الرسول } إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه فيها { متى نَصْرُ الله } أي بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك . ومعناه طلب الصبر وتمنيه ، واستطالة زمان الشدة . وفي هذه الغاية دليل على تناهي الأمر في الشدة وتماديه في العظم ، لأنّ الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم ، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمح وراءها { أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } على إرادة القول ، يعني فقيل لهم ذلك إجابة لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر . وقرىء : { حتى يَقُولَ } بالنصب على إضمار أن ومعنى الاستقبال؛ لأنّ «أن» علم له . وبالرفع على أنه في معنى الحال ، كقولك : شربت الإبل حتى يجيء البعير يجرُّ بطنه . إلا أنها حال ماضية محكية . (1/188)
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)
فإن قلت : كيف طابق الجواب السؤال في قوله : { قُلْ مَا أَنفَقْتُم } وهم قد سألوا عن بيان ما ينفقون وأجيبوا ببيان المصرف؟ قلت : قد تضمن قوله { ما أنفقتم مّنْ خَيْرٍ } بيان ما ينفقونه وهو كل خير ، وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف؛ لأنّ النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها . قال الشاعر : (1/189)
إنَّ الصَّنِيعَةَ لاَ تَكُونُ صَنِيعَة ... حَتَّى يُصَابَ بهَا طَرِيقُ الْمصنَعِ
وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه جاء عمرو بن الجموح وهو شيخ هِمّ وله مال عظيم فقال : ماذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعها؟ فنزلت . وعن السدي : هي منسوخة بفرض الزكاة . وعن الحسن : هي في التطوّع .
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)
{ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } من الكراهة بدليل قوله : { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا } ثم إما أن يكون بمعنى الكراهة على وضع المصدر موضع الوصف مبالغة ، كقولها : (1/190)
فَآنَّمَا هِيَ إقْبَالٌ وَإدْبَارُ ... كأنه في نفسه لفرط كراهتهم له . وإما أن يكون فعلاً بمعنى مفعول كالخبز بمعنى المخبوز ، أي وهو مكروه لكم . وقرأ السلمي - بالفتح - على أن يكون بمعنى المضموم ، كالضَّعف والضُّعف ، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على طريق المجاز ، كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له ومشقته عليهم . ومنه قوله تعالى : { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } [ الأحقاف : 15 ] ، وعلى قوله تعالى : { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا } جميع ما كلفوه ، فإن النفوس تكرهه وتنفر عنه وتحب خلافه { والله يَعْلَمُ } ما يصلحكم وما هو خير لكم { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذلك } .
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)
( 116 ) بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش على سرية في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين ليترصد عيرًا لقريش فيها عمرو بن عبد الله الحضرمي وثلاثة معه ، فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير وفيها من تجارة الطائف ، وكان ذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة ، فقالت قريش : قد استحل محمد الشهر الحرام شهرًا يأمن فيه الخائف ويبذعرّ فيه الناس إلى معايشهم فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم العير ، وعظم ذلك على أصحاب السرية وقالوا : ما نبرح حتى تنزل توبتنا ، وردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسارى ، وعن ابن عباس رضي الله عنه : لما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة . والمعنى : يسألك الكفار أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرام . و { قِتَالٍ فِيهِ } بدل الاشتمال من الشهر . وفي قراءة عبد الله : «عن قتال فيه» ، على تكرير العامل ، كقوله : { لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ } [ الأعراف : 75 ] وقرأ عكرمة : «قتل فيه قل قتل فيه كبير» ، أي إثم كبير . وعن عطاء : أنه سئل عن القتال في الشهر الحرام؟ فحلف بالله ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه ، وما نسخت . وأكثر الأقاويل على أنها منسوخة بقوله : { فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [ التوبة : 5 ] . { وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله } مبتدأ وأكبر خبره ، يعني وكبائر قريش من صدّهم عن سبيل الله وعن المسجد الحرام ، وكفرهم بالله وإخراج أهل المسجد الحرام وهم رسول الله والمؤمنون { أَكْبَرُ عِندَ الله } مما فعلته السرية من القتال في الشهر الحرام على سبيل الخطأ والبناء على الظن أعما { والفتنة } الإخراج أو الشرك . والمسجد الحرام : عطف على سبيل الله ، ولا يجوز أن يعطف على الهاء في { بِهِ } . { وَلاَ يَزَالُونَ يقاتلونكم } إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردّوهم عن دينهم ، وحتى معناها التعليل كقولك : فلان يعبد الله حتى يدخل الجنة ، أي يقاتلونكم كي يردّوكم . و { إِنِ اسْتَطَاعُواْ } استبعاد لاستطاعتهم كقول الرجل لعدوّه : إن ظفرت بي فلا تبق عليَّ . وهو واثق بأنه لا يظفر به { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ } ومن يرجع عن دينه إلى دينهم ويطاوعهم على ردّه إليه { فَيَمُتْ } على الردّة { فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والأخرة } لما يفوتهم بإحداث الردة مما للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام ، وباستدامتها والموت عليها من ثواب الآخرة . وبها احتج الشافعي على أن الردّة لا تحبط الأعمال حتى يموت عليها . وعند أبي حنيفة أنها تحبطها وإن رجع مسلمًا . { إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَاجَرُواْ } روي أن عبد الله بن جحش وأصحابه حين قتلوا الحضرمي ، ظنّ قوم أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر ، فنزلت { أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ الله } وعن قتادة : هؤلاء خيار هذه الأمّة ، ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون . وإنه من رجا طلب ، ومن خاف هرب . (1/191)
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)
( 117 ) نزلت في الخمر أربع آيات نزلت بمكة { وَمِن ثمرات النخيل والاعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا } [ النحل : 67 ] فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال . ثم إن عمر ومعاذًا ونفرًا من الصحابة قالوا؛ يا رسول الله ، أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال ، فنزلت : { فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ } فشربها قوم وتركها آخرون . ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسًا منهم فشربوا وسكروا فأمّ بعضهم فقرأ : قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون فنزلت : { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى } فقل من يشربها . ثم دعا عتبان بن مالك قوماً فيهم سعد بن أبي وقاص فلما سكروا افتخروا وتناشدوا حتى أنشد سعد شعراً فيه هجاء الأنصار فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه موضحة ، فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافياً ، فنزلت { إِنَّمَا الخمر والميسر } إلى قوله : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } فقال عمر رضي الله عنه : انتهينا يا رب . وعن عليّ رضي الله عنه : لو وقعت قطرة في بئر فبنيت مكانها منارة لم أؤذن عليها ولو وقعت في بحر ثم جف ونبت فيه الكلأ لم أرعه . وعن ابن عمر رضي الله عنهما : لو أدخلت أصبعي فيه لم تتبعني . وهذا هو الإيمان حقاً ، وهم الذين اتقوا الله حق تقاته . والخمر : ما غلى واشتدّ وقذف بالزبد من عصير العنب ، وهو حرام ، وكذلك نقيع الزبيب أو التمر الذي لم يطبخ ، فإن طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم غلى واشتدّ ذهب خبثه ونصيب الشيطان ، وحلّ شربه ما دون السكر إذا لم يقصد بشربه اللهو والطرب عند أبي حنيفة . وعن بعض أصحابه : لأن أقول مرارًا هو حلال ، أحبّ إليّ من أن أقول مرة هو حرام ، ولأن أخر من السماء فأتقطع قطعاً أحبّ إليّ من أن أتناول منه قطرة . وعند أكثر الفقهاء هو حرام كالخمر ، وكذلك كل ما أسكر من كل شراب . وسميت خمرًا لتغطيتها العقل والتمييز كما سميت سكرًا لأنها تسكرهما ، أي تحجزهما ، وكأنها سميت بالمصدر من «خمرة خمراً» إذا ستره للمبالغة . والميسر : القمار ، مصدر من يسر ، كالموعد والمرجع من فعلهما . يقال : يسرته ، إذا قمرته ، واشتقاقه من اليسر ، لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كدٍّ ولا تعب ، أو من اليسار . لأنه سلب يساره . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله قال : (1/192)
أقُولُ لَهُمْ بِالشِّعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنيِ ... أي يفعلون بي ما يفعل الياسرون بالميسور . فإن قلت : كيف صفة الميسر؟ قلت : كانت لهم عشرة أقداح ، وهي : الأزلام والأقلام ، والفذ ، والتوأم ، والرقيب ، والحلس ، والنافس ، والمسبل ، والمعلى والمنيح والسفيح ، والوغد .
لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤنها عشرة أجزاء . وقيل : ثمانية وعشرين إلا لثلاثة ، وهي المنيح والسفيح والوغد . ولبعضهم : (1/193)
لِيَ في الدُّنْيَا سِهَامٌ ... لَيْسَ فِيهِنَّ رَبِيحُ
وَأسَامِيهِنَّ وَغْدٌ ... وَسَفِيحٌ وَمنيحُ
للفذ سهم ، وللتوأم سهمان ، وللرقيب ثلاثة ، وللحلس أربعة ، وللنافس خمسة ، وللمسبل ستة؛ وللمعلى سبعة يجعلونها في الربابة وهي خريطة ، ويضعونها على يدي عدل ، ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحا منها . فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب المرسوم به ذلك القدح . ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئاً وغرم ثمن الجزور كله . وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها . ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ، ويسمونه البرم . وفي حكم الميسر : أنواع القمار ، من النرد والشطرنج وغيرهما . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 118 ) " إياكم وهاتين اللعبتين المشؤمتين فإنهما من ميسر العجم " وعن عليّ رضي الله عنه : أنّ النرد والشطرنج من الميسر وعن ابن سيرين : كل شيء فيه خطر فهو من الميسر . والمعنى : يسألونك عما في تعاطيهما ، بدليل قوله تعالى : { قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ } ، { وَإِثْمُهُمَآ } وعقاب الإثم في تعاطيهما { أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } وهو الالتذاذ بشرب الخمر والقمار ، والطرب فيهما ، والتوصل بهما إلى مصادقات الفتيان ومعاشرتهم ، والنيل من مطاعمهم ومشاربهم وأعطياتهم ، وسلب الأموال بالقمار ، والافتخار على الأبرام . وقرىء : «إثم كثير» - بالثاء - وفي قراءة أبيّ : «وإثمهما أقرب» . ومعنى الكثرة : أن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة { العفو } نقيض الجهد؛ وهو أن ينفق مالاً يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع ، قال :
خُذِي الْعَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ... ويقال للأرض السهلة : العفو . وقرىء بالرفع والنصب . وعن النبي صلى الله عليه وسلم .
( 119 ) " أنّ رجلاً أتاه ببيضة من ذهب أصابها في بعض المغازي فقال : خذها مني صدقة ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فأتاه من الجانب الأيمن فقال مثله فأعرض عنه ، ثم أتاه من الجانب الأيسر فأعرض عنه؛ فقال : هاتها مغضباً ، فأخذها فخذفه بها خذفاً لو أصابه لشجه أو عقره ، ثم قال : «يجيء أحدكم بماله كله يتصدّق به ويجلس يتكفف الناسا إنما الصدقة عن ظهر غنىً " { فِى الدنيا والأخرة } إمّا أن يتعلق بتتفكرون ، فيكون المعنى : لعلكم تتفكرون فيما يتعلق بالدارين؛ فتأخذون بما هو أصلح لكم؛ كما بينت لكم أنّ العفو أصلح من الجهد في النفقة ، أوتتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع . ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله : { وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا . حتى لا تختاروا النفع العاجل على النجاة من العقاب العظيم .
وإمّا أن يتعلق { يبين } على معنى : يبين لكم الآيات في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون ، لما نزلت { إِنَّ الذى يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } [ النساء : 10 ] اعتزلوا اليتامى وتحاموهم وتركوا مخالطتهم والقيام بأموالهم والاهتمام بمصالحهم ، فشق ذلك عليهم وكاد يوقعهم في الحرج . فقيل { إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ } أي مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم { وَإِن تُخَالِطُوهُمْ } وتعاشروهم ولم تجانبوهم { ف } هم { إخوانكم ْ } في الدين ، ومن حق الأخ أن يخالط أخاه ، وقد حملت المخالطة على المصاهرة { والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح } أي لا يخفى على الله من داخلهم بإفساد وإصلاح فيجازيه على حسب مداخلته ، فاحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح { وَلَوْ شَاء الله لاعْنَتَكُمْ } لحملكم على العنت وهو المشقة وأحرجكم فلم يطلق لكم مداخلتهم . وقرأ طاوس : «قل إصلاح إليهم» . ومعناه إيصال الصلاح وقرىء : «لعنتكم» ، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على اللام ، وكذلك { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } . { إنالله عَزِيزٌ } [ البقرة : 173 ] غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم ولكنه { حَكِيمٌ } لا يكلف إلا ما تتسع فيه طاقتهم . (1/194)
وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)
{ وَلاَ تَنْكِحُواْ } وقرىء بضم التاء ، أي لا تتزوّجوهنّ أو لا تزوّجوهن . و { المشركات } الحربيات ، والآية ثابتة . وقيل المشركات الحربيات والكتابيات جميعاً ، لأن أهل الكتاب من أهل الشرك ، لقوله تعالى : { وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله } إلى قوله تعالى : { سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 31 ] ، وهي منسوخة بقوله تعالى : { والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } [ المائدة : 5 ] . وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء قط . وهو قول ابن عباس والأوزاعي وروي . (1/195)
( 120 ) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة ليخرج منها ناساً من المسلمين وكان يهوى امرأة في الجاهلية اسمها عناق ، فأتته وقالت : ألا نخلو؟ فقال : ويحكا إن الإسلام قد حال بيننا . فقالت : فهل لك أن تتزوّج بي؟ قال : نعم ، ولكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره ، فاستأمره فنزلت { وَلامَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ } ولامرأة مؤمنة حرّة كانت أو مملوكة ، وكذلك { وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ } لأنّ الناس كلهم عبيد الله وإماؤه { وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } ولو كان الحال أنّ المشركة تعجبكم وتحبونها ، فإنّ المؤمنة خير منها مع ذلك { أولئك } إشارة إلى المشركات والمشركين ، أي يدعون إلى الكفر فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا ولا يكون بينهم وبين المؤمنين إلا المناصبة والقتال { والله يَدْعُو إلى الجنة } يعني وأولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة { والمغفرة } وما يوصل إليهما فهم الذين تجب موالاتهم ومصاهرتهم ، وأن يؤثروا على غيرهم { بِإِذْنِهِ َ } بتيسير الله وتوفيقه للعمل الذي تستحق به الجنة والمغفرة . وقرأ الحسن : «والمغفرةُ بإذنه» - بالرفع - أي والمغفرة حاصلة بتيسيره .
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)
{ المحيض } مصدر . يقال : حاضت محيضاً ، كقولك : جاء مجيئاً وبات مبيتاً { قُلْ هُوَ أَذًى } أي الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه نفرة منه وكراهة له { فاعتزلوا النساء } فاجتنبوهنّ؛ يعني فاجتنبوا مجامعتهنّ . روي : (1/196)
( 121 ) أنّ أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على فرش ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس ، فلما نزلت أخذ المسلمون بظاهر اعتزالهنّ فأخرجوهنّ من بيوتهن ، فقال ناس من الأعراب : يا رسول الله البرد شديد والثياب قليلة ، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت؛ وإن استأثرنا بها هلكت الحِيَّضُ : فقال عليه الصلاة والسلام : " إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن ، ولم يأمركم بإخراجهنّ من البيوت كفعل الأعاجم " وقيل : إنّ النصارى كانوا يجامعونهنّ ولا يبالون بالحيض ، واليهود كانوا يعتزلونهنّ في كل شيء ، فأمر الله بالاقتصاد بين الأمرين ، وبين الفقهاء خلاف في الاعتزال ، فأبو حنيفة وأبو يوسف : يوجبان اعتزال ما اشتمل عليه الإزار ، ومحمد بن الحسن لا يوجب إلا اعتزال الفرج ، وروى محمد حديث عائشة رضي الله عنها : أنّ عبد الله بن عمر سألها : هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت : تشدّ إزارها على سفلتها ، ثم ليباشرها إن شاء . وما روى زيد بن أسلم :
( 122 ) أنّ رجلاً سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم : ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال : " لتشدّ عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها " ، ثم قال : وهذا قول أبي حنيفة . وقد جاء ما هو أرخص من هذا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك وقرىء «يطهرن» بالتشديد ، أي يتطهرن ، بدليل قوله : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } وقرأ عبد الله : «حتى يتطهرن» . و«يطهرن» بالتخفيف . والتطهر : الاغتسال . والطهر : انقطاع دم الحيض . وكلتا القراءتين مما يجب العمل به ، فذهب أبو حنيفة إلى أن له أن يقربها في أكثر الحيض بعد انقطاع الدم وإن لم تغتسل ، وفي أقل الحيض لا يقربها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة . وذهب الشافعي إلى أنه لا يقربها حتى تطهر وتُطَهَّر ، فتجمع بين الأمرين ، وهو قول واضح . ويعضده قوله : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } . { مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله } من المأتى الذي أمركم الله به وحلله لكم وهو القبل { إِنَّ الله يُحِبُّ التوبين } مما عسى يندر منهم من ارتكاب مانهوا عنه من ذلك { وَيُحِبُّ المتطهرين } المتنزهين عن الفواحش . أو إنّ الله يحبّ التوّابين الذين يطهرون أنفسهم بطهرة التوبة من كل ذنب ، ويحب المتطهرين من جميع الأقذار : كمجامعة الحائض والطاهر قبل الغسل ، وإتيان ما ليس بمباح ، وغير ذلك { حَرْثٌ لَّكُمْ } مواضع الحرث لكم . وهذا مجاز ، شبهن بالمحارث تشبيها لما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بالبذور . وقوله : { فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ } تمثيل ، أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم . لا تحظر عليكم جهة دون جهة ، والمعنى : جامعوهن من أي شق أردتم بعد أن يكون المأتى واحداً وهو موضع الحرث . وقوله : { هُوَ أَذًى فاعتزلوا النساء } ، { مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله } ، { فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ } من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة . وهذه وأشباهها في كلام الله آداب حسنة على المؤمنين أن يتعلموها ويتأدّبوا بها ويتكلفوا مثلها في محاورتهم ومكاتبتهم . وروي :
( 123 ) أن اليهود كانوا يقولون : من جامع امرأته وهي مجبية من دبرها في قبلها كان ولدها أحول ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم : فقال كذبت اليهود ونزلت . { وَقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ } ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة وما هو خلاف ما نهيتكم عنه . وقيل : هو طلب الولد ، وقيل : التسمية على الوطء { واتقوا الله } فلا تجترئوا على المناهي { واعلموا أَنَّكُم ملاقوه } فتزوّدوا ما لا تفتضحون به { وَبَشّرِ المؤمنين } المستوجبين للمدح والتعظيم بترك القبائح وفعل الحسنات فإن قلت : ما موقع قوله : { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } مما قبله؟ قلت : موقعه موقع البيان والتوضيح لقوله : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله } يعني أنّ المأتى الذي أمركم الله به هو مكان الحرث ، ترجمة له وتفسيراً ، أو إزالة للشبهة ، ودلالة على أنّ الغرض الأصيل في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة ، فلا تأتوهنّ إلا من المأتي الذي يتعلق به هذا الغرض . فإن قلت : ما بال { َيَسْألُونَكَ } جاء بغير واو ثلاث مرات ، ثم مع الواو ثلاثاً؟ قلت : كان سؤالهم عن تلك الحوادث الأول وقع في أحوال متفرّقة ، فلم يؤت بحرف العطف لأنّ كل واحد من السؤالات سؤال مبتدأ . وسألوا عن الحوادث الأخر في وقت واحد ، فجيء بحرف الجمع لذلك ، كأنه قيل : يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر ، والسؤال عن الإنفاق ، والسؤال عن كذا وكذا . (1/197)
وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)
العرضة : فعلة بمعنى مفعول ، كالقبضة والغرفة ، وهي اسم ما تعرضه دون الشيء من عرض العود على الإناء فيعترض دونه ويصير حاجزاً ومانعاً منه . تقول : فلان عرضة دون الخير . والعرضة أيضاً : المعرض للأمر . قال : (1/198)
فَلاَ تجْعَلُونِي عُرْضَةً لِلَّوَائِمِ ... ومعنى الآية على الأولى : أنّ الرجل كان يحلف على بعض الخيرات ، من صلة رحم ، أو إصلاح ذات بين ، أو إحسان إلى أحد ، أو عبادة ، ثم يقول : أخاف الله أن أحنث في يميني ، فيترك البرّ إرادة البرّ في يمينه ، فقيل لهم : { وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لايمانكم } أي حاجزاً لما حلفتم عليه . وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة :
( 124 ) " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك " أي على شيء مما يحلف عليه . وقوله : { أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ } عطف بيان لأيمانكم ، أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس . فإن قلت : بم تعلقت اللام في لأيمانكم؟ قلت : بالفعل ، أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخاً وحجازاً . ويجوز أن يتعلق ب { عُرْضَةً } لما فيها من معنى الاعتراض ، بمعنى لا تجعلوه شيئاً يعترض البر ، من اعترضني كذا . ويجوز أن يكون اللام للتعليل ، ويتعلق أن تبروا بالفعل أو بالعرضة ، أي ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا . ومعناها على الأخرى : ولا تجعلوا الله معرضاً لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به ، ولذلك ذم من أنزل فيه { وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ } [ القلم : 10 ] بأشنع المذامّ وجعل الحلاف مقدّمتها . وأن ( تبروا ) علة للنهي ، أي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا ، لأن الحلاف مجترىء على الله ، غير معظم له ، فلا يكون براً متقياً ، ولا يثق به الناس فلا يدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم . اللغو : الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره . ولذلك قيل لما لا يعتد به في الدية من أولاد الإبل «لغو» واللغو من اليمين : الساقط الذي لا يعتدّ به في الأَيمان ، وهو الذي لا عقد معه . والدليل عليه { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان } [ المائدة : 89 ] ، { بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } واختلف الفقهاء فيه ، فعند أبي حنيفة وأصحابه هو أن يحلف على الشيء يظنه على ما حلف عليه ، ثم يظهر خلافه . وعند الشافعي : هو قول العرب : لا والله ، وبلى والله ، بما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف . ولو قيل لواحد منهم : سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام لأنكر ذلك ، ولعله قال : لا والله ألف مرة . وفيه معنيان : أحدهما { لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ } أي لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم بالظن ، ولكن يعاقبكم بما كسبت قلوبكم ، أي اقترفته من إثم القصد إلى الكذب في اليمين وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهي اليمين الغموس . والثاني : { لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ } أي لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه ، ولكن يلزمكم الكفارة بما كسبت قلوبكم ، أي بما نوت قلوبكم وقصدت من الإيمان ، ولم يكن كسب اللسان وحده { والله غَفُورٌ حَلِيمٌ } حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم .
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)
قرأ عبد الله : «آلوا من نسائهم» . وقرأ ابن عباس : «يقسمون من نسائهم» : فإن قلت : كيف عدي بمن ، وهو معدى بعلى؟ قلت : قد ضمن في هذا القسم المخصوص معنى البعد ، فكأنه قيل : يبعدون من نسائهم مؤلين أو مقسمين . ويجوز أن يراد لهم { مِن نّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } كقوله : لي منك كذا . والإيلاء من المرأة أن يقول : والله لا أقربك أربعة أشهر فصاعداً على التقييد بالأشهر . أو لا أقربك على الإطلاق . ولا يكون في ما دون أربعة أشهر ، إلا ما يحكى عن إبراهيم النخعي . وحكم ذلك : أنه إذا فاء إليها في المدة بالوطء إن أمكنه أو بالقول إن عجز : صح الفيء ، وحنث القادر ، ولزمته كفارة اليمين ، ولا كفارة على العاجز . وإن مضت الأربعة بانت بتطليقة عند أبي حنيفة . وعند الشافعي : لا يصح الإيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر ثم يوقف المولى ، فإما أن يفيء وإما أن يطلق وإن أبى طلق عليه الحاكم . ومعنى قوله : { فَإِن فَآءُوا } فإن فاؤا في الأشهر ، بدليل قراءة عبد الله : «فإن فاؤا فيهن» { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب ضرار النساء بالإيلاء وهو الغالب ، وإن كان يجوز أن يكون على رضا منهن إشفاقاً منهن على الولد من الغيل ، أو لبعض الأسباب لأجل الفيئة التي هي مثل التوبة { وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق } فتربصوا إلى مُضيِّ المدة { فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة ، وعلى قول الشافعي رحمه الله معناه { فَإِن فَآءُوا } { وَإِنْ عَزَمُواْ } بعد مضي المدة . فإن قلت : كيف موقع الفاء إذا كانت الفيئة قبل انتهاء مدّة التربص؟ قلت : موقع صحيح لأن قوله { فَإِن فَآءُوا } ، { وَإِنْ عَزَمُواْ } تفصيل لقوله { لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ } والتفصيل يعقب المفصل ، كما تقول : أنا نزيلكم هذا الشهر ، فإن أحمدتكم أقمت عندكم إلى آخره ، وإلا لم أقم إلا ريثما أتحوّل . فإن قلت : ما تقول في قوله : { فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } وعزمهم الطلاق بما يعلم ولا يسمع؟ قلت : الغالب أن العازم للطلاق وترك الفيئة والضرار ، لا يخلو من مقاولة ودمدمة ولا بد له من أن يحدّث نفسه ويناجيها بذلك ، وذلك حديث لا يسمعه إلا الله كما يسمع وسوسة الشيطان { والمطلقات } أراد المدخول بهن من ذوات الأقراء . فإن قلت : كيف جازت إرادتهن خاصة واللفظ يقتضي العموم؟ قلت : بل اللفظ مطلق في تناول الجنس صالح لكله وبعضه ، فجاء في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك . فإن قلت : فما معنى الإخبار عنهن بالتربص؟ قلت : هو خبر في معنى الأمر . وأصل الكلام : وليتربص المطلقات . وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر ، وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله ، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص . فهو يخبر عنه موجوداً . ونحوه قولهم في الدعاء : رحمك الله ، أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة ، كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها ، وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضاً فضل تأكيد . ولو قيل : ويتربص المطلقات ، لم يكن بتلك الوكادة . فإن قلت : هلا قيل : يتربصن ثلاثة قروء ، كما قيل { تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } وما معنى ذكر الأنفس؟ قلت : في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث ، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن ، وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال ، فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص . والقروء : جمع قرء أو قرء ، وهو الحيض ، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : (1/199)
( 125 ) " دعي الصلاة أيام أقرائك " وقوله : (1/200)
( 126 ) " طلاق الأمة تطليقتان ، وعدتها حيضتان " ولم يقل طهران . وقوله تعالى { واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ } [ الطلاق : 4 ] فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار . ولأن الغرض الأصيل في العدة استبراء الرحم ، والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام دون الطهر ، ولذلك كان الاستبراء من الأمة بالحيضة . ويقال أقرأت المرأة ، إذا حاضت . وامرأة مقرىء . وقال أبو عمرو بن العلاء : دفع فلان جاريته إلى فلانة تقرئها ، أي تمسكها عندها حتى تحيض للاستبراء . فإن قلت : فما تقول : في قوله تعالى : { فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } [ الطلاق : 1 ] والطلاق الشرعي ، إنما هو في الطهر؟ قلت : معناه مستقبلات لعدتهن ، كما تقول : لقيته لثلاث بقين من الشهر ، تريد مستقبلاً لثلاث ، وعدتهنّ الحيض الثلاث . فإن قلت : فما تقول في قول الأعشى :
لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكا ... قلت : أراد : لما ضاع فيها من عدّة نسائك ، لشهرة القروء عندهم في الاعتداد بهن ، أي من مدّة طويلة كالمدة التي تعتد فيها النساء ، استطال مدة غيبته عن أهله كل عام لاقتحامه في الحروب والغارات . وأنه تمرّ على نسائه مدة كمدة العدة ضائعة لا يضاجعن فيها ، أو أراد من أوقات نسائك ، فإنّ القرء والقارىء جاء في معنى الوقت ، ولم يرد لا حيضاً ولا طهراً . فإن قلت : فعلام انتصب { ثلاثة قُرُوء } ؟ قلت : على أنه مفعول به كقولك : المحتكر يتربص الغلاء ، أي يتربصن مضيّ ثلاثة قروء ، أو على أنه ظرف ، أي : يتربصن مدة ثلاثة قروء فإن قلت : لم جاء المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الأقراء؟ قلت : يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في الجمعية . ألا ترى إلى قوله : { بِأَنفُسِهِنَّ } وما هي إلا نفوس كثيرة ، ولعل القروء كانت أكثر استعمالاً في جمع قرء من الأقراء ، فأوثر عليه تنزيلاً لقليل الاستعمال منزلة المهمل ، فيكون مثل قولهم : ثلاثة شسوع . وقرأ الزهري : «ثلاثة قرو» ، بغير همزة { مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ } من الولد أو من دم الحيض . وذلك إذا أرادت المرأة فراق زوجها فكتمت حملها لئلا ينتظر بطلاقها أن تضع ، ولئلا يشفق على الولد فيترك تسريحها ، أو كتمت حيضها وقالت وهي حائض : قد طهرت ، استعجالاً للطلاق . ويجوز أن يراد اللاتي يبغين إسقاط ما في بطونهن من الأجنة فلا يعترفن به ويجحدنه لذلك ، فجعل كتمان ما في أرحامهن كناية عن إسقاطه { إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الاخر } تعظيم لفعلهن ، وأن من آمن بالله وبعقابه لا يجترىء على مثله من العظائم . والبعولة : جمع بعل ، والتاء لاحقة لتأنيث الجمع كما في الحزونة والسهولة . ويجوز أن يراد بالبعولة المصدر من قولك : بعل حسن البعولة ، يعني : وأهل بعولتهن { أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ } برجعتهن . وفي قراءة أبيّ : «بردّتهن» { وَفِي ذلكم } في مدة ذلك التربص . فإن قلت : كيف جُعلوا أحق بالرجعة ، كأن للنساء حقاً فيها؟ قلت : المعنى أنّ الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على قولها وكان هو أحق منها ، إلا أن لها حقاً في الرجعة { إِنْ أَرَادُواْ } بالرجعة { إصلاحا } لما بينهم وبينهن وإحساناً إليهن ولم يريدوا مضارّتهنّ { وَلَهُنَّ مِثْلُ الذى عَلَيْهِنَّ } ويجب لهنّ من الحق على الرجال مثل الذي يجب لهم عليهنّ { بالمعروف } بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس فلا يكلفنهم ما ليس لهنّ ولا يكلفونهنّ ما ليس لهم ولا يعنف أحد الزوجين صاحبه . والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب الواجب في كونه حسنة ، لا في جنس الفعل ، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل نحو ذلك ، ولكن يقابله بما يليق بالرجال { دَرَجَةً } زيادة في الحق وفضيلة . قيل : المرأة تنال من اللذة ما ينال الرجل ، وله الفضيلة بقيامه عليها وإنفاقه في مصالحها .
الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)
{ الطلاق } بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم ، أي التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة ، ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير ، كقوله : { ثم ارجع البصر كرّتين } [ الملك : 4 ] أي كرّة بعد كرّة ، لا كرّتين اثنتين . ونحو ذلك من التثاني التي يراد بها التكرير قولهم : لبيك وسعديك وحنانيك وهذاذيك ودواليك . وقوله تعالى : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } تخيير لهم بعد أن علمهم كيف يطلقون ، بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة والقيام بمواجبهنّ ، وبين أن يسرحوهنّ السراح الجميل الذي علمهم . وقيل : معناه الطلاق الرجعي مرّتان ، لأنه لا رجعة بعد الثلاث ، فإمساك بمعروف أي برجعة ، أو تسريح بإحسان أي بأن لا يراجعها حتى تبين بالعدّة ، أو بأن لا يراجعها مراجعة يريد بها تطويل العدة عليها وضرارها . وقيل : بأن يطلقها الثالثة في الطهر الثالث . وروي : (1/201)
( 127 ) أنّ سائلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين الثالثة؟ فقال عليه الصلاة والسلام : " أو تسريح بإحسان " وعند أبي حنيفة وأصحابه : الجمع بين التطليقتين والثلاث بدعة ، والسنة أن لا يوقع عليها إلا واحدة في طهر لم يجامعها فيه ، لما روي في حديث ابن عمر :
( 128 ) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً فتطلقها لكل قرء تطليقة " وعند الشافعي . لا بأس بإرسال الثلاث .
( 129 ) لحديث العجلاني الذي لاعن امرأته فطلقها ثلاثًا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه . روي :
( 130 ) أنّ جميلة بنت عبد الله بن أبيّ كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها . فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، لا أنا ولا ثابت ، لا يجمع رأسي ورأسه شيء ، والله ما أعيب عليه في دين ولا خلق ، ولكني أكره الكفر في الإسلام ، ما أطيقه بغضاً ، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدّة فإذا هو أشدهم سوادًا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهاً فنزلت ، وكان قد أصدقها حديقة فاختلعت منه بها وهو أوّل خلع كان في الإسلام . فإن قلت : لمن الخطاب في قوله : { وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ } ؟ إن قلت للأزواج لم يطابقه قوله { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله } وإن قلت للأئمة والحكام فهؤلاء ليسوا بآخذين منهن ولا بمؤتيهن؟ قلت : يجوز الأمران جميعاً : أن يكون أوّل الخطاب للأزواج ، وآخره للأئمة والحكام ، ونحو ذلك غير عزيز في القرآن وغيره ، وأن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام ، لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم ، فكأنهم الآخذون والمؤتون { مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ } مما أعطيتموهنّ من الصدقات { إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله } إلا أن يخاف الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية ، لما يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } فلا جناح على الرجل فيما أخذ ولا عليها فيما أعطت { فِيمَا افتدت بِهِ } فيما فدت به نفسها واختلعت به من بذل ما أوتيت من المهر . والخلع بالزيادة على المهر مكروه وهو جائز في الحكم . وروي أن امرأة نشزت على زوجها فرفعت إلى عمر رضي الله عنه ، فأباتها في بيت الزبل ثلاث ليال ثم دعاها فقال : كيف وجدت مبيتك؟ قالت : ما بت منذ كنت عنده أقر لعيني منهن . فقال لزوجها : اخلعها ولو بقرطها . قال قتادة : يعني بمالها كله ، هذا إذا كان النشوز منها ، فإن كان منه كره له أن يأخذ منها شيئاً . وقرىء «إلا» أن يخافا ، على البناء للمفعول وإبدال أن لا يقيما من ألف الضمير ، وهو من بدل الاشتمال كقولك : خيف زيد تركه إقامة حدود الله . ونحوه
{ وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ } [ الأنبياء : 3 ] ويعضده قراءة عبد الله «إلا أن تخافوا» وفي قراءة أبي : «إلا أن يظنا» . ويجوز أن يكون الخوف بمعنى الظن . يقولون : أخاف أن يكون كذا ، وأفرق أن يكون ، يريدون أظن { فَإِن طَلَّقَهَا } الطلاق المذكور الموصوف بالتكرار في قوله تعالى : { الطلاق مَرَّتَانِ } واستوفى نصابه . أو فإن طلقها مرة ثالثة بعد المرّتين { فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ } من بعد ذلك التطليق . { حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } حتى تتزوّج غيره ، والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كما التزوج . ويقال : فلانة ناكح في بني فلان . وقد تعلق من اقتصر على العقد في التحليل بظاهره وهو سعيد ابن المسيب . والذي عليه الجمهور أنه لا بد من الإصابة ، لما روى عروة عن عائشة رضي الله عنها : (1/202)
( 131 ) أنّ امرأة رفاعة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوّجني ، وإنما معه مثل هدبة الثوب وإنه طلقني قبل أن يمسني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا ، حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عُسيلتك " وروي :
( 132 ) أنها لبثت ما شاء الله ، ثم رجعت فقالت : إنه كان قد مسني ، فقال لها : كذبت في قولك الأوّل ، فلن أصدّقك في الآخر ، فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكر رضي الله عنه فقالت : أأرجع إلى زوجي الأوّل . فقال : قد عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لك ما قال ، فلا ترجعي إليه ، فلما قبض أبو بكر رضي الله عنه قالت مثله لعمر رضي الله عنه فقال : إن أتيتني بعد مرّتك هذه لأرجمنك ، فمنعها . فإن قلت فما تقول في النكاح المعقود بشرط التحليل؟ قلت : ذهب سفيان والأوزاعي وأبو عبيد ومالك وغيرهم إلى أنه غير جائز ، وهو جائز عند أبي حنيفة مع الكراهة . وعنه أنهما إن أضمرا التحليل ولم يصرحا به فلا كراهة . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 133 ) « أنه لعن المحلل والمحلل له » وعن عمر رضي الله عنه : لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما وعن عثمان رضي الله عنه : لا نكاح إلا نكاح رغبة غير مدالسة { فَإِن طَلَّقَهَا } الزوج الثاني . { أَن يَتَرَاجَعَا } أن يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه بالزواج { إِن ظَنَّا } إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية . ولم يقل : إن علماً أنهما يقيمان ، لأنّ اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله عز وجل . ومن فسر الظن ههنا بالعلم فقد وهم من طريق اللفظ والمعنى ، لأنك لا تقول : علمت أن يقوم زيد ، ولكن : علمت أنه يقوم ، ولأنّ الإنسان لا يعلم ما في الغد ، وإنما يظن ظناً . (1/203)
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232)
{ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي آخر عدتهن وشارفن منتهاها . والأجل يقع على المدّة كلها ، وعلى آخرها ، يقال لعمر الإنسان : أجل ، وللموت الذي ينتهي به : أجل ، وكذلك الغاية والأمد ، يقول النحويون «من» لابتداء الغاية ، و «إلى» لانتهاء الغاية . وقال : (1/204)
كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ مُدَّةَ الْعُمْرِ ... وَمُودٍ إذَاانْتَهَى أمَدُهْ
ويتسع في البلوغ أيضاً فيقال : بلغ البلد إذا شارفه وداناه . ويقال : قد وصلت ، ولم يصل وإنما شارف ، ولأنه قد علم أنّ الإمساك بعد تقضِّي الأجل لا وجه له ، لأنها بعد تقضيه غير زوجة له [ و ] في غير عدّة منه ، فلا سبيل له عليها { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } فإما أن يراجعها من غير طلب ضرار بالمراجعة { أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } وإما أن يخليها حتى تنقضي عدّتها وتبين من غير ضرار { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } كان الرجل يطلق المرأة ويتركها حتى يقرب انقضاء عدتها ، ثم يراجعها لا عن حاجة ، ولكن ليطوّل العدة عليها ، فهو الإمساك ضراراً { لّتَعْتَدُواْ } لتظلموهنّ . وقيل : لتلجئوهن إلى الافتداء { فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } بتعريضها لعقاب الله { وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيات الله هُزُوًا } أي جدّوا في الأخذ بها والعمل بما فيها ، وارعوها حق رعايتها ، وإلا فقد اتخذتموها هزواً ولعباً . ويقال لمن يجدّ في الأمر : إنما أنت لا عب وهازىء . ويقال : كن يهودياً وإلا فلا تلعب بالتوراة . وقيل : كان الرجل يطلق ويعتق ويتزوّج ويقول : كنت لاعباً . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 134 ) " ثلاث جدّهن جدّ وهزلهن جدّ : الطلاق والنكاح والرجعة " { واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } بالإسلام وبنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم { وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ الكتاب والحكمة } من القرآن والسنة وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقها { يَعِظُكُمْ بِهِ } بما أنزل عليكم { فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } إما أن يخاطب به الأزواج الذين يعضلون نساءهم بعد انقضاء العدة ظلماً وقسراً ، ولحمية الجاهلية لا يتركونهنّ يتزوّجن من شئن من الأزواج . والمعنى : أن ينكحن أزواجهن الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهنّ ، وإما أن يخاطب به الأولياء في عضلهنّ أن يرجعن إلى أزواجهنّ روي :
( 135 ) أنها نزلت في معقل بن يسار حين عضل أخته أن ترجع إلى الزوج الأوّل . وقيل : في جابر بن عبد الله حين عضل بنت عم له . والوجه أن يكون خطاباً للناس ، أي لا يوجد فيما بينكم عضل ، لأنه إذا وجد بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين . والعضل : الحبس والتضييق . ومنه : عضلت الدجاجة إذا نشب بيضها فلم يخرج . وأنشد لابن هرمة :
وَإنَّ قَصَائِدِي لَكَ فَاصْطَنِعْنِي ... عَقَائِلُ قَدْ عَضُلْنَ عَنِ النِّكَاح
وبلوغ الأجل على الحقيقة . وعن الشافعي رحمه الله : دلّ سياق الكلامين على افتراق البلوغين { إِذَا تراضوا } إذا تراضى الخطاب والنساء { بالمعروف } بما يحسن في الدين والمروءة من الشرائط وقيل : بمهر المثل .
ومن مذهب أبي حنيفة رحمه الله أنها إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها فللأولياء أن يعترضوا . فإن قلت : لمن الخطاب في قوله : { ذلك يُوعَظُ بِهِ } ؟ قلت : يجوز أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل أحد . ونحوه { ذلك خير لكم وأطهر } [ المجادلة : 12 ] { أزكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ } من أدناس الآثام ، وقيل : ( أزكى وأطهر ) أفضل وأطيب { والله يَعْلَمُ } ما في ذلك من الزكاء والطهر { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ه ، أو : والله يعلم ما تستصلحون به من الأحكام والشرائع وأنتم تجهلونه . (1/205)
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)
{ يُرْضِعْنَ } مثل يتربصن في أنه خبر في معنى الأمر المؤكد { كَامِلَيْنِ } توكيد كقوله { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } [ البقرة : 196 ] لأنه مما يتسامح فيه فتقول : أقمت عند فلان حولين ، ولم تستكملهما . وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما : «أن يكمل الرضاعة» : وقرىء : «الرِّضاعة» . بكسر الراء . «والرضعة» . «وأن تتم الرضاعة» و«أن يتم الرضاعة» ، برفع الفعل تشبيهاً ل «أن» ب «ما» لتأخيهما في التأويل . فإن قلت : كيف اتصل قوله : { لِمَنْ أَرَادَ } بما قبله؟ قلت : هو بيان لمن توجه إليه الحكم ، كقوله تعالى : { هَيْتَ لَكَ } [ يوسف : 23 ] لك بيان للمهيت به ، أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاع . وعن قتادة : حولين كاملين ، ثم أنزل الله اليسر والتخفيف فقال : { لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة } أراد أنه يجوز النقصان ، وعن الحسن : ليس ذلك بوقت لا ينقص منه بعد أن لا يكون في الفطام ضرر . وقيل : اللام متعلقة بيرضعن ، كما تقول : أرضعت فلانة لفلان ولده ، أي يرضعن حولين لمن أراد أن يتمّ الرضاعة من الآباء ، لأنّ الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم ، وعليه أن يتخذ له ظئراً إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه ، وهي مندوبة إلى ذلك ولا تجبر عليه . ولا يجوز استئجار الأم عند أبي حنيفة رحمه الله ما دامت زوجة أو معتدة من نكاح . وعند الشافعي يجوز . فإذا انقضت عدّتها جاز بالاتفاق . فإن قلت : فما بال الوالدات مأمورات بأن يرضعن أولادهنّ؟ قلت : إما أن يكون أمراً على وجه الندب ، وإما على وجه الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه ، أو لم توجد له ظئر ، أو كان الأب عاجزاً عن الاستئجار . وقيل : أراد الوالدات المطلقات . وإيجاب النفقة والكسوة لأجل الرنَفْسٌ إِلاَّ وضاع { وَعلَى المولود لَهُ } وعلى الذي يولد له وهو الوالد . و { لَهُ } في محل الرفع على الفاعلية ، نحو { عَلَيْهِمْ } في { المغضوب عَلَيْهِمْ } [ الفاتحة : 7 ] فإن قلت لم قيل { المولود } له دون الوالد . قلت : ليعلم أنّ الوالدات إنما ولدن لهم ، لأن الأولاد للآباء ، ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات . وأنشد للمأمون بن الرشيد : (1/206)
فَإنمَا أُمَّهَاتُ النَّاسِ أوْعِيَة ... مُسْتَوْدَعَاتٌ وَلِلآبَاءِ أبْنَاءُ
فكان عليهم أن يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم ، كالأظآر . ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى ، وهو قوله تعالى : { واخشوا يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً } [ لقمان : 33 ] ، { بالمعروف } تفسيره ما يعقبه ، وهو أن لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ولا يتضارّا . وقرىء «لا تكلف» بفتح التاء؛ و ( لا نكلف ) بالنون . وقرىء : «لا تضارُّ» بالرفع على الإخبار ، وهو يحتمل البناء للفاعل والمفعول ، وأن يكون الأصل : تضارر بكسر الراء ، وتضارر بفتحها . وقرأ { لاَ تُضآرَّ } بالفتح أكثر القراء . وقرأ الحسن بالكسر على النهي ، وهو محتمل للبناءين أيضاً . ويبين ذلك أنه قرىء «لا تضارَرْ» ، ولا «تضارِرْ» ، بالجزم وفتح الراء الأولى وكسرها . وقرأ أبو جعفر : لا «تضارْ» ، بالسكون مع التشديد على نية الوقف . وعن الأعرج «لا تضارْ» بالسكون والتخفيف ، وهو من ضاره يضيره . ونوى الوقف كما نواه أبو جعفر ، أو اختلس الضمة فظنه الراوي سكونا . وعن كاتب عمر بن الخطاب : «لا تضرر» . والمعنى : لا تضارّ والدة زوجها بسبب ولدها ، وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة ، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد ، وأن تقول بعد ما ألفها الصبي : اطلب له ظئرًا ، وما أشبه ذلك؛ ولا يضارّ مولود له امرأته بسبب ولده ، بأن يمنعها شيئًا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها؛ ولا يأخذه منها وهي تريد إرضاعه ، ولا يكرهها على الإرضاع . وكذلك إذا كان مبنياً للمفعول فهو نهي عن أي يلحق بها الضرار من قبل الزوج ، وعن أن يلحق بها الضرار بالزوج من قبلها بسبب الولد ، ويجوز أن يكون { تُضَارَّ } بمعنى تضر ، وأن تكون الباء من صلته ، أي لا تضرّ والدة بولدها ، فلا تسيء غذاءه وتعهده ، ولا تفرط فيما ينبغي له ، ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها . ولا يضرّ الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو يقصر في حقها فتقصر هي في حق الولد . فإن قلت : كيف قيل بولدها وبولده؟ قلت : لما نهيت المرأة عن المضارة أضيف إليها الولد استعطافاً لها عليه وأنه ليس بأجنبيّ منها . فمن حقها أن تشفق عليه وكذلك الوالد { وَعَلَى الوارث } عطف على قوله : { وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ } ، وما بينهما تفسير للمعروف معترض بين المعطوف والمعطوف عليه . فكان المعنى : وعلى وارث المولود له مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة ، أي إن مات المولود لزم من يرثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالشريطة التي ذكرت من المعروف وتجنب الضرار . وقيل : هو وارث الصبي الذي لو مات الصبي ورثه . واختلفوا ، فعند ابن أبي ليلى كل من ورثه ، وعند أبي حنيفة من كان ذا رحم محرم منه . وعند الشافعي : لا نفقة فيما عدا الولاد . وقيل من ورثه من عصبته مثل الجد والأخ وابن الأخ والعم وابن العمّ . وقيل : المراد وارث الأب وهو الصبي نفسه ، وأنه إن مات أبوه وورثه وجبت عليه أجرة رضاعه في ماله إن كان له مال ، فإن لم يكن له مال أجبرت الأم على إرضاعه . وقيل ( على الوارث ) على الباقي من الأبوين من قوله :
( 136 ) «واجعله الوارث منا» { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً } صادراً { عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } في ذلك ، زادا على الحولين أو نقصا ، وهذه توسعة بعد التحديد . وقيل : هو في غاية الحولين لا يتجاوز ، وإنما اعتبر تراضيهما في الفصال وتشاورهما : أمّا الأب فلا كلام فيه ، وأمّا الأمّ فلأنها أحق بالتربية وهي أعلم بحال الصبي . وقرىء : «فإن أراد» . استرضع : منقول من أرضع . يقال : أرضعت المرأة الصبي ، واسترضعتها الصبي ، لتعديه إلى مفعولين ، كما تقول : أنجح الحاجة ، واستنجحته الحاجة والمعنى : أن تسترضعوا المراضع أولادكم ، فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه ، كما تقول : استنجحت الحاجة ولا تذكر من استنجحته ، وكذلك حكم كل مفعولين لم يكن أحدهما عبارة عن الأوّل { إِذَا سَلَّمْتُم } إلى المراضع { مَّا ءاتَيْتُم } ما أردتم إيتاءه ، كقوله تعالى : (1/207)
{ إِذَا قمتم إلى الصلاة } [ المائدة : 6 ] وقرىء : «ما أتيتم» ، من أتى إليه إحساناً إذا فعله . ومنه قوله تعالى : { إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } [ مريم : 61 ] أي مفعولاً . وروى شيبان عن عاصم : «ما أوتيتم» ، أي ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة ، ونحوه { وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } [ الحديد : 7 ] وليس التسليم بشرط للجواز والصحة ، وإنما هو ندب إلى الأولى . ويجوز أن يكون بعثاً على أن يكون الشيء الذي تعطاه المرضع من أهنى ما يكون ، لتكون طيبة النفس راضية ، فيعود ذلك إصلاحاً لشأن الصبي واحتياطاً في أمره ، فأمرنا بإيتائه ناجزاً يداً بيد ، كأنه قيل : إذا أدّيتم إليهن يداً بيد ما أعطيتموهن { بالمعروف } متعلق بسلمتم ، أمروا أن يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه . ناطقين بالقول الجميل ، مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن ، حتى يؤمن تفريطهن بقطع معاذيرهن . (1/208)
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)
{ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ } على تقدير حذف المضاف ، أراد : وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن . وقيل : معناه يتربصن بعدهم ، كقولهم : السمن مَنَوَان بدرهم . وقرىء : «يتوفون» بفتح الياء أي يستوفون آجالهم ، وهي قراءة علي رضي الله عنه . والذي يحكى : أن أبا الأسود الدؤلي كان يمشي خلف جنازة ، فقال له رجل : من المتوفي - بكسر الفاء ، فقال الله تعالى . وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي رضي الله عنه على أن أمره بأن يضع كتاباً في النحو- تناقضه هذه القراءة { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } يعتددن هذه المدّة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام ، وقيل عشراً ذهاباً إلى الليالي والأيام داخلة معها ، ولا تراهم قط يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام . تقول : صمت عشراً ، ولو ذكرت خرجت من كلامهم . ومن البين فيه قوله تعالى : { إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً } [ طه : 103 ] ثم { إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً } [ طه : 104 ] { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } فإذا انقضت عدّتهن { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أيها الأئمة وجماعة المسلمين { فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ } من التعرّض للخطاب { بالمعروف } بالوجه الذي لا ينكره الشرع . والمعنى أنهن لو فعلن ما هو منكر كان على الأئمة أن يكفوهن . وإن فرّطوا كان عليهم الجناح { فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ } هو أن يقول لها : إنك لجميلة أو صالحة أو نافقة ومن غرضي أن أتزوّج ، وعسى الله أن ييسر لي امرأة صالحة ، ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه ، ولا يصرح بالنكاح ، فلا يقول : إني أريد أن أنكحك ، أو أتزوجك ، أو أخطبك . وروى ابن المبارك عن عبد الله بن سليمان عن خالته قالت : دخل عليَّ أبو جعفر محمد بن علي وأنا في عدتي فقال : قد علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدّي عليّ وقدمي في الإسلام ، فقلت : غفر الله لكا! أتخطبني في عدّتي وأنت يؤخذ عنك؟ فقال : أوقد فعلتا! إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي ، قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها ، فلم يزل يذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدّة تحامله عليها ، فما كانت تلك خطبة . فإن قلت : أي فرق بين الكناية والتعريض؟ قلت : الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له ، كقولك : طويل النجاد والحمائل لطول القامة وكثير الرماد للمضياف . والتعريض : أن تذكر شيئاً تدل به على شيء لم تذكره ، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه : جئتك لأسلم عليك ، ولأنظر إلى وجهك الكريم . ولذلك قالوا : (1/209)
وَحَسْبُكَ بِالتَّسلِيمِ مِنِّي تَقَاضِيَا ... وكأنه إمالة الكلام إلى عرض يدل على الغرض ويسمى التلويح لأنه يلوح منه ما يريده { أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ } أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم لا معرّضين ولا مصرحين { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } لا محالة ولا تنفكون عن النطق برغبتكم فيهنّ ولا تصبرون عنه ، وفيه طرف من التوبيخ كقوله : { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } [ البقرة : 187 ] . فإن قلت : أين المستدرك بقوله : { ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ } ؟ قلت : هو محذوف لدلالة ستذكرونهنّ عليه ، تقديره : علم الله أنكم ستذكرونهنّ فاذكروهنّ ، ولكن لا تواعدوهنّ سرًا . والسر وقع كناية عن النكاح الذي هو الوطء ، لأنه مما يسرّ . قال الأعشى : (1/210)
وَلاَ تَقْرَبَنْ مِنْ جَارَةٍ إنَّ سِرَّهَا ... عَلَيْكَ حَرَامٌ فَانْكِحَنْ أوْ تَأَبَّدَا
ثم عبر به عن النكاح الذي هو العقد لأنه سبب فيه كما فعل بالنكاح { إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } وهو أن تعرّضوا ولا تصرحوا . فإن قلت : بم يتعلق حرف الاستثناء؟ قلت : بلا تواعدوهنّ ، أي لا تواعدوهنّ مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة . أي لا تواعدوهنّ إلا بأن تقولوا ، أي لا تواعدوهنّ إلا بالتعريض . ولا يجوز أن يكون استثناءً منقطعاً من { سِرًّا } لأدائه إلى قولك لا تواعدوهنّ إلا التعريض . وقيل معناه : لا تواعدوهن جماعاً ، وهو أن يقول لها إن نكحتك كان كيت وكيت ، يريد ما يجري بينهما تحت اللحاف . إلا أن تقولوا قولاً معروفاً يعني من غير رفث ولا إفحاش في الكلام . وقيل : لا تواعدوهن سراً : أي في السر على أنّ المواعدة في السرّ عبارة عن المواعدة بما يستهجن ، لأن مسارّتهنّ في الغالب بما يستحيا من المجاهرة به . وعن ابن عباس رضي الله عنهما { إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } : هو أن يتواثقا أن لا تتزوّج غيره { وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح } من عزم الأمر وعزم عليه ، وذكر العزم مبالغة في النهي عن عقدة النكاح في العدّة . لأن العزم على الفعل يتقدّمه ، فإذا نهي عنه كان عن الفعل أنهى ومعناه : ولا تعزموا عقد عُقدة النكاح . وقيل : معناه ولا تقطعوا عقدة النكاح : وحقيقة العزم : القطع ، بدليل قوله عليه السلام .
( 137 ) " لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل " وروي «لمن لم يبيت الصيام» { حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ } يعني ما كتب وما فرض من العدّة { يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ } من العزم على ما لا يجوز { فاحذروه } ولا تعزموا عليه . { غَفُورٌ حَلِيمٌ } لا يعاجلكم بالعقوبة .
لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)
{ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } لا تبعة عليكم من إيجاب مهر { إِن طَلَّقْتُمُ النساء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } ما لم تجامعوهن { أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } إلا أن تفرضوا لهن فريضة ، أو حتى تفرضوا ، وفرض الفريضة : تسمية المهر . وذلك أن المطلقة غير المدخول بها إن سمّى لها مهر فلها نصف المسمى ، وإن لم يسم لها فليس لها نصف مهر المثل ولكن المتعة . والدليل على أن الجناح تبعة المهر قوله : { وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ } إلى قوله : { فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } فقوله : فنصف ما فرضتم : إثبات للجناح المنفي ثمة ، والمتعة درع وملحفة وخمار على حسب الحال عند أبي حنيفة ، إلا أن يكون مهر مثلها أقل من ذلك . فلها الأقل من نصف مهر المثل ومن المتعة ، ولا ينقص من خمسة دراهم؛ لأن أقل المهر عشرة دراهم فلا ينقص من نصفها . و { الموسع } الذي له سعة . و { المقتر } الضيق الحال . [ و ] { قَدَرُهُ } مقداره الذي يطيقه ، لأنّ ما يطيقه هو الذي يختص به . وقرىء بفتح الدال . والقدْر والقدَر لغتان . وعن النبي صلى الله عليه وسلم . (1/211)
( 138 ) " أنه قال لرجل من الأنصار تزوج امرأة ولم يسم لها مهراً ، ثم طلقها قبل أنّ يمسها : «أمتعتها»؟ قال : لم يكن عندي شيء . قال : «متعها بقلنسوتك» " وعند أصحابنا لا تجب المتعة إلا لهذه وحدها ، وتستحب لسائر المطلقات ولا تجب . { متاعا } تأكيد لمتعوهن ، بمعنى تمتيعاً { بالمعروف } بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروءة { حَقّاً } صفة لمتاعاً ، أي متاعاً واجباً عليهم . أو حق ذلك حقاً { عَلَى المحسنين } على الذين يحسنون إلى المطلقات بالتمتيع ، وسماهم قبل الفعل محسنين كما قال صلى الله عليه وسلم .
( 139 ) " من قتل قتيلاً فله سلبه " { إَّلا أَن يَعْفُونَ } يريد المطلقات . فإن قلت : أي فرق بين قولك : الرجال يعفون . والنساء يعفون؟ قلت : الواو في الأوّل ضميرهم ، والنون علم الرفع . والواو في الثاني لام الفعل والنون ضميرهنّ ، والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل وهو في محل النصب ويعفو : عطف على محله . و { الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح } الوليّ يعني إلا أن تعفو المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر ، وتقول المرأة : ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئاً ، أو يعفو الولي الذي يلي عقد نكاحهن ، وهو مذهب الشافعي . وقيل هو الزوج ، وعفوه أن يسوق إليها المهر كاملاً ، وهو مذهب أبي حنيفة والأوّل ظاهر الصحة . وتسمية الزيادة على الحق عفواً فيها نظر ، إلا أن يقال كان الغالب عندهم أن يسوق إليها المهر عند التزوّج ، فإذا طلقها استحقّ أن يطالبها بنصف ما ساق إليها ، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها . أو سماه عفواً على طريق المشاكلة . وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة وطلقها قبل أن يدخل بها فأكمل لها الصداق وقال : أنا أحق بالعفو . وعنه : أنه دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه بنتاً له فتزوّجها ، فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كاملاً ، فقيل له : لم تزوّجتها؟ فقال : عرضها عليّ فكرهت ردّه . قيل : فلم بعثت بالصداق؟ قال : فأين الفضل؟ و { الفضل } التفضل . أي ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض وتتمرؤا ولا تستقصوا ، وقرأ الحسن «أن يعفوْ الذي» بسكون الواو وإسكان الواو والياء في موضع النصب تشبيه لهما بالألف لأنهما أختاها . وقرأ أبو نُهيك : «وأن يعفو» ، بالياء . وقرىء : «ولا تنسو الفضل» ، بكسر الواو .
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)
{ والصلاة الوسطى } أي الوسطى بين الصلوات ، أو الفضلى ، من قولهم للأفضل : الأوسط . وإنما أفردت وعطفت على الصلاة لانفرادها بالفضل وهي صلاة العصر . وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الأحزاب . (1/212)
( 140 ) " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ، ملأ الله بيوتهم ناراً " وقال عليه الصلاة و السلام .
( 141 ) " إنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب " وعن حفصة أنها قالت لمن كتب لها المصحف :
( 142 ) إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ، فأملت عليه : والصلاة الوسطى صلاة العصر وروي عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم : والصلاة الوسطى وصلاة العصر؛ بالواو . فعلى هذه القراءة يكون التخصيص لصلاتين : إحداهما الصلاة الوسطى ، إمّا الظهر ، وإمّا الفجر وإمّا المغرب ، على اختلاف الروايات فيها ، والثانية : العصر ، وقيل : فضلها لما في وقتها من اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم . وعن ابن عمر رضي الله عنهما : هي صلاة الظهر لأنها في وسط النهار ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها بالهاجرة ، ولم تكن صلاة أشدّ على أصحابه منها . وعن مجاهد : هي الفجر لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل . وعن قبيصة بن ذؤيب : هي المغرب ، لأنها وتر النهار ولا تنقص في السفر من الثلاث وقرأ عبد الله : «وعلى الصلاة الوسطى» : وقرأت عائشة رضي الله عنها «والصلاة الوسطى» بالنصب على المدح والاختصاص . وقرأ نافع : «الوصطى» ، بالصاد { وَقُومُواْ لِلَّهِ } في الصلاة { قانتين } ذاكرين لله في قيامكم . والقنوت : أن تذكر الله قائماً . وعن عكرمة كانوا يتكلمون في الصلاة فنهوا . وعن مجاهد : هو الركود وكف الأيدي والبصر . وروي : أنهم كانوا إذا قام أحدهم إلى الصلاة هاب الرحمن أن يمدّ بصره أو يلتفت ، أو يقلب الحصا ، أو يحدّث نفسه بشيء من أمور الدنيا { فَإِنْ خِفْتُمْ } فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره { فَرِجَالاً } فصلوا راجلين ، وهو جمع راجل كقائم وقيام ، أو رجل يقال : رجل رجل ، أي راجل . وقرىء : «فرجالا» . بضم الراء ، «ورجالاً» بالتشديد «ورجلاً» . وعند أبي حنيفة رحمه الله : لا يصلون في حال المشي والمسايفة ما لم يمكن الوقوف : وعند الشافعي رحمه الله : يصلون في كل حال ، والراكب يومىء ويسقط عنه التوجه إلى القبلة { فَإِذَا أَمِنتُمْ } فإذا زال خوفكم { فاذكروا الله كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } من صلاة الأمن ، أو فإذا أمنتم فاشكروا الله على الأمن ، واذكروه بالعبادة ، كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع ، وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن .
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240)
تقديره فيمن قرأ وصية بالرفع : ووصية الذين يتوفون ، أو وحكم الذين يتوفون وصية لأزواجهم ، أو والذين يتوفون أهل وصية لأزواجهم . وفيمن قرأ بالنصب : والذين يتوفون يوصون وصية ، كقولك : إنما أنت سير البريد ، بإضمار تسير . أو والزم الذين يتوفون وصية . وتدل عليه قراءة عبد الله : «كتب عليكم الوصية لأزواجكم متاعاً إلى الحول» ، مكان قوله : { والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا وَصِيَّةً لاّزْوَاجِهِم متاعا إِلَى الحول } وقرأ أبيّ : «متاع لأزواجهم متاعاً» . وروي عنه : «فمتاع لأزواجهم» . ومتاعاً نصب بالوصية ، إلا إذا أضمرت يوصون ، فإنه نصب بالفعل . وعلى قراءة أبيّ متاعاً نصب بمتاع ، لأنه في معنى التمتيع؛ كقولك : الحمد لله حمد الشاكرين ، وأعجبني ضرب لك زيداً ضرباً شديداً . و { غَيْرَ إِخْرَاجٍ } مصدر مؤكد كقولك : هذا القول غير ما تقول . أو بدل من متاعاً . أو حال من الأزواج ، أي غير مخرجات . والمعنى أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولاً كاملاً ، أي ينفق عليهنّ من تركته ولا يخرجن من مساكنهن ، وكان ذلك في أول الإسلام ، ثم نسخت المدة بقوله : { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } وقيل : نسخ ما زاد منه على هذا المقدار ، ونسخت النفقة بالإرث الذي هو الربع والثمن . واختلف في السكنى ، فعند أبي حنيفة وأصحابه : لا سكنى لهن { فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ } من التزين والتعرض للخطاب { مِن مَّعْرُوفٍ } مما ليس بمنكر شرعاً . فإن قلت : كيف نسخت الآية المتقدمةُ المتأخرةَ؟ قلت : قد تكون الآية متقدّمة في التلاوة وهي متأخرة في التنزيل ، كقوله تعالى : { سَيَقُولُ السفهاء } [ البقرة : 142 ] مع قوله { قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء } [ البقرة : 144 ] . (1/213)
وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242)
{ وللمطلقات متاع } عم المطلقات بإيجاب المتعة لهن بعد ما أوجبها لواحدة منهن وهي المطلقة غير المدخول بها ، وقال : { حَقّا عَلَى المتقين } كما قال ثمة : { حقا على المحسنين } . وعن سعيد بن جبير وأبي العالية والزهري : أنها واجبة لكل مطلقة . وقيل قد تناولت التمتيع الواجب والمستحب جميعاً . وقيل : المراد بالمتاع نفقة العدة . (1/214)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)
{ أَلَمْ تَرَ } تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأوّلين ، وتعجيب من شأنهم . ويجوز أن يخاطب به من لم يَرَ ولم يسمع ، لأنّ هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجيب . روي : أنّ أهل داوردان قرية قبل واسط وقع فيها الطاعون فخرجوا هاربين ، فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفرّ من حكم الله وقضائه . وقيل مرّ عليهم حزقيل بعد زمان طويل وقد عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم فلوى شدقه وأصابعه تعجباً مما رأى ، فأوحى إليه : ناد فيهم أن قوموا بإذن الله ، فنادى ، فنظر إليهم قياماً يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت . وقيل : هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا حذراً من الموت ، فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم { وَهُمْ أُلُوفٌ } فيه دليل على الألوف الكثيرة . واختلف في ذلك ، فقيل : عشرة ، وقيل : ثلاثون ، وقيل : سبعون . ومن بدع التفاسير . { أُلُوفٌ } متآلفون ، جمع آلف كقاعد وقعود . فإن قلت : ما معنى قوله : { فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ } ؟ قلت : معناه فأماتهم ، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته ، وتلك ميتة خارجة عن العادة ، كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالاً من غير إباء ولا توقف ، كقوله تعالى : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ يس : 82 ] وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة ، وأنّ الموت إذا لم يكن منه بدٌّ ولم ينفع منه مفر ، فأولى أن يكون في سبيل الله . { لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس } حيث يبصرهم ما يعتبرون به ويستبصرون ، كما بصر أولئك ، وكما بصركم باقتصاص خبرهم . أو لذو فضل على الناس حيث أحيى أولئك ليعتبروا فيفوزوا ، ولو شاء لتركهم موتى إلى يوم البعث . والدليل على أنه ساق هذه القصة بعثاً على الجهاد ما أتبعه من الأمر بالقتال في سبيل الله . { واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ } يسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون { عَلِيمٌ } بما يضمرونه وهو من وراء الجزاء . (1/215)
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)
إقراض الله : مثل لتقديم العمل الذي يطلب به ثوابه . والقرض الحسن : إما المجاهدة في نفسها ، وإما النفقة في سبيل الله { أَضْعَافًا كَثِيرَةً } قيل : الواحد بسبعمائة . وعن السدي : كثيرة لا يعلم كنهها إلا الله { والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ } يوسع على عباده ويقتر ، فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبد لكم الضيقة بالسعة { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجازيكم على ما قدّمتم . (1/216)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)
{ لِنَبِىٍّ لَّهُمُ } هو يوشع أو شمعون أو اشمويل { ابعث لَنَا } أنهض للقتال معنا أميراً نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وننتهي إلى أمره ، طلبوا من نبيهم نحو ما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من التأمير على الجيوش التي كان يجهزها ، ومن أمرهم بطاعته وامتثال أوامره . وروي أنه أمر الناس إذا سافروا أن يجعلوا أحدهم أميراً عليهم { نقاتل } قرىء بالنون والجزم على الجواب . وبالنون والرفع على أنه حال ، أي ابعثه لنا مقدّرين القتال . أو استئناف كأنه قال لهم : ما تصنعون بالملك؟ فقالوا : نقاتل . وقرىء : «يقاتل» بالياء والجزم على الجواب ، وبالرفع على أنه صفة لملكا . وخبر ( عسيتم ) { أَلاَّ تقاتلوا } والشرط فاصل بينهما . والمعنى : هل قاربتم أن لا تقاتلوا؟ يعني هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون؟ أراد أن يقول : عسيتم أن لا تقاتلوا ، بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال ، فأدخل هل مستفهماً عما هو متوقع عنده ومظنون . وأراد بالاستفهام التقرير ، وتثبيت أنّ المتوقع كائن ، وأنه صائب في توقعه ، كقوله تعالى : { هَلْ أتى عَلَى الإنسان } [ الإنسان : 1 ] معناه التقرير . وقرىء «عسيتم» بكسر السين وهي ضعيفة { وَمَا لَنَا أَلاَّ نقاتل } وأيّ داع لنا إلى ترك القتال ، وأي غرض لنا فيه { وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن ديارنا وَأَبْنَائِنَا } وذلك أنّ قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين ، فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين . { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمْ } قيل كان القليل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر { والله عَلِيمٌ بالظالمين } وعيد لهم على ظلمهم في القعود عن القتال وترك الجهاد . (1/217)
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)
{ طَالُوتَ } اسم أعجمي كجالوت وداود . وإنما امتنع من الصرف لتعريفه وعجمته ، وزعموا أنه من الطوال لما وصف به من البسطة في الجسم . ووزنه إن كان من الطول « فعلوت» منه ، أصله طولوت ، إلا أنّ امتناع صرفه يدفع أن يكون منه ، إلا أن يقال : هو اسم عبراني وافق عربياً ، كما وافق حنطاء حنطة ، وبشمالاها لها رحمانا رحيماً بسم الله الرحمن الرحيم ، فهو من الطول كما لو كان عربياً ، وكان أحد سببيه العجمة لكونه عبرانياً { أنى } كيف ومن أين ، وهو إنكار لتملكه عليهم واستبعاد له . فإن قلت ، ما الفرق بين الواوين في { وَنَحْنُ أَحَقُّ } ، { وَلَمْ يُؤْتَ } ؟ قلت : الأولى للحال ، والثانية لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالاً ، قد انتظمتهما معاً في حكم واو الحال . والمعنى : كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك ، وأنه فقير ولا بدّ للملك من مال يعتضد به . وإنما قالوا ذلك لأنّ النبوّة كانت في سبط لاوي بن يعقوب والملك في سبط يهوذا ولم يكن طالوت من أحد السبطين ، ولأنه كان رجلاً سقاء أو دباغاً فقيراً . وروي : أنّ نبيهم دعا الله تعالى حين طلبوا منه ملكاً ، فأتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم ، فلم يساوها إلا طالوت { قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ } يريد أنّ الله هو الذي اختاره عليكم ، وهو أعلم بالمصالح منكم ولا اعتراض على حكم الله . ثم ذكر مصلحتين أنفع مما ذكروا من النسب والمال وهما العلم المبسوط والجسامة . والظاهر أنّ المراد بالعلم المعرفة بما طلبوه لأجله من أمر الحرب . ويجوز أن يكون عالماً بالديانات وبغيرها . وقيل : قد أوحي إليه ونبىء . وذلك أنّ الملك لا بدّ أن يكون من أهل العلم ، فإنّ الجاهل مزدرى غير منتفع به ، وأن يكون جسيماً يملأ العين جهارة لأنه أعظم في النفوس وأهيب في القلوب . والبسطة : السعة والامتداد . وروي أن الرجل القائم كان يمدّ يده فينال رأسه { يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ } أي الملك له غير منازع فيه ، فهو يؤتيه من يشاء : من يستصلحه للملك { والله واسع } الفضل والعطاء ، يوسع على من ليس له سعة من المال ويغنيه بعد الفقر { عَلِيمٌ } بمن يصطفيه للملك . (1/218)
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)
{ التابوت } صندوق التوراة . وكان موسى عليه السلام إذا قاتل قدّمه فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرّون . والسكينة : السكون والطمأنينة ، وقيل : هي صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت ، لها رأس كرأس الهرّ وذنب كذنبه وجناحان ، فتئن فيزف التابوت نحو العدوّ وهم يمضون معه ، فإذا استقرّ ثبتوا وسكنوا ونزل النصر ، وعن عليّ رضي الله عنه : كان لها وجه كوجه الإنسان وفيها ريح هفافة { وَبَقِيَّةٌ } هي رضاض الألواح وعصى موسى وثيابه وشيء من التوراة ، وكان رفعه الله تعالى بعد موسى عليه السلام فنزلت به الملائكة تحمله وهم ينظرون إليه ، فكان ذلك آية لاصطفاء الله طالوت . وقيل : كان مع موسى ومع أنبياء بني إسرائيل بعده يستفتحون به . فلما غيرت بنو إسرائيل غلبهم عليه الكفار فكان في أرض جالوت ، فلما أراد الله أن يملّك طالوت أصابهم ببلاء حتى هلكت خمس مدائن ، فقالوا : هذا بسبب التابوت بين أظهرنا ، فوضعوه على ثورين ، فساقهما الملائكة إلى طالوت . وقيل كان من خشب الشمشار مموّها بالذهب . نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين . وقرأ أبيّ وزيد بن ثابت : «التابوه» بالهاء وهي لغة الأنصار . فإن قلت : ماوزن التابوت؟ قلت : لا يخلو من أن يكون فعلوتا أو فاعولاً ، فلا يكون «فاعولا» لقلته ، نحو : سلس وقلق ، ولأنه تركيب غير معروف فلا يجوز ترك المعروف إليه ، فهو إذاً «فعلوت» من التوب ، وهو الرجوع : لأنه ظرف توضع فيه الأشياء وتودعه ، فلا يزال يرجع إليه ما يخرج منه ، وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته . وأمّا من قرأ بالهاء فهو «فاعول» عنده ، إلا فيمن جعل هاءه بدلاً من التاء ، لاجتماعهما في الهمس وأنهما من حروف الزيادة . ولذلك أبدلت من تاء التأنيث . وقرأ أبو السمال : «سَكِّينة» ، بفتح السين والتشديد وهو غريب . وقرىء : «يحمله» ، بالياء ، فإن قلت : مَن { ءَالُ موسى وَءَالُ هارون } ؟ قلت : الأنبياء من بني يعقوب بعدهما . لأن عمران هو ابن قاهث بن لاوى بن يعقوب فكان أولاد يعقوب آلهما . ويجوز أن يراد : مما تركه موسى وهارون . والآل مقحم لتفخيم شأنهما . (1/219)
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)
{ فَصْلٌ } عن موضع كذا : إذا انفصل عنه وجاوزه ، وأصله : فصل نفسه ، ثم كثر محذوف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي كانفصل . وقيل : فصل عن البلد فصولاً . ويجوزأن يكون : فصله فصلاً ، وفصل فصولاً كوقف وصدّ ونحوهما . والمعنى : انفصل عن بلده { بالجنود } روي أنه قال لقومه : لا يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه ، ولا تاجر مشتغل بالتجارة ، ولا رجل متزوّج بامرأة لم يبن عليها ، ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ . فاجتمع إليه مما اختاره ثمانون ألفاً ، وكان الوقت قيظاً وسلكوا مفازة ، فسألوا أن يجري الله لهم نهراً ، ف { قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم } بما اقترحتموه من النهر { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ } فمن ابتدأ شربه من النهر بأن كرع فيه { فَلَيْسَ مِنّي } فليس بمتصل بي ومتحد معي ، من قولهم : فلان مني ، كأنه بعضه؛ لاختلاطهما واتحادهما . ويجوز أن يراد فليس من جملتي وأشياعي { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ } ومن لم يذقه ، من طعم الشيء ، إذا ذاقه . ومنه طِعم الشيء ، لمذاقه . قال : (1/220)
وَإنْ شِئْت لَمْ أطْعَمْ نَقَاخاً وَلاَ بَرْدَا ... ألا ترى كيف عطف عليه البرد وهو النوم . ويقال : ما ذقت غماضاً . ونحوه من الابتلاء : ما ابتلى الله به أهل أيلة من ترك الصيد مع إتيان الحيتان شرَّعاً ، بل هو أشد منه وأصعب . وإنما عرف ذلك طالوت بإخبار من النبي . وإن كان نبياً كما يروي عن بعضهم فبالوحي . وقرىء «بنهر» بالسكون . فإن قلت : ممَّ استثنى قوله : { إِلاَّ مَنِ اغترف } ؟ قلت : من قوله : { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي } والجملة الثانية في حكم المتأخرة ، إلا أنها قدّمت للعناية كما قدم { والصابئون } [ المائدة : 69 ] في قوله : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون } ومعناه : الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع ، والدليل عليه قوله : { فَشَرِبُواْ مِنْهُ } أي فكرعوا فيه { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمْ } وقرىء : «غَرفة» بالفتح بمعنى المصدر ، وبالضم بمعنى المغروف . وقرأ أبيّ والأعمش : «إلا قليل» ، بالرفع . وهذا من ميلهم مع المعنى والإعراض عن اللفظ جانباً ، وهو باب جليل من علم العربية . فلما كان معنى { فَشَرِبُواْ مِنْهُ } في معنى فلم يطيعوه ، حمل عليه ، كأنه قيل : فلم يطيعوه إلا قليل منهم . ونحوه قول الفرزدق :
. . . . . . . . . . . . لمْ يَدَعْ ... مِنَ الْمَالِ إلاّ مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ
كأنه قال : لم يبق من المال إلا مسحت أو مجلف . وقيل : لم يبق مع طالوت إلا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً { والذين ءامَنُواْ } يعني القليل { قَالَ الذين يَظُنُّونَ } يعني الخُلّص منهم الذين نصبوا بين أعينهم لقاه الله وأيقنوه . أو الذين تيقنوا أنهم يستشهدون عما قريب ويلقون الله ، والمؤمنون مختلفون في قوة اليقين ونصوع البصيرة . وقيل : الضمير في { قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا } للكثير الذين انخذلوا ، والذين يظنون هم القليل الذين ثبتوا معه ، كأنهم تقاولوا بذلك والنهر بينهما . يظهر أولئك عذرهم في الانخذال ، ويرد عليهم هؤلاء ما يعتذرون به . وروي : أنّ الغرفة كانت تكفي الرجل لشربه وإداوته . والذين شربوا منه اسودّت شفاههم وغلبهم العطش .
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)
و ( جَالُوتَ ) جبار من العمالقة من أولاد عمليق بن عاد ، وكانت بيضته فيها ثلثمائة رطل { وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا } وهب لنا ما نثبت به في مداحض الحر من قوّة القلوب وإلقاء الرعب في قلب العدو ونحو ذلك من الأسباب . كان إيشى أبو داود في عسكر طالوت مع ستة من بنيه ، وكان داود سابعهم وهو صغير يرعى الغنم ، فأوحي إلى اشمويل أنّ داود بن إيشى هو الذي يقتل جالوت ، فطلبه من أبيه ، فجاء وقد مرّ في طريقه بثلاثة أحجار دعاه كل واحد منها أن يحمله وقالت له : إنك تقتل بنا جالوت ، فحملها في مخلاته ورمى بها جالوت فقتله ، وزوّجه طالوت بنته . وروي أنه حسده وأراد قتله ثم تاب { وآتاه الله الملك } في مشارق الأرض المقدّسة ومغاربها ، وما اجتمعت بنو إسرائيل على ملك قط قبل داود { والحكمة } والنبوّة { وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ } من صنعة الدروع ، وكلام الطير والدواب وغير ذلك { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس } ولولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم ، لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض . وقيل : ولولا أن الله ينصر المسلمين على الكفار لفسدت الأرض بعيث الكفار فيها وقتل المسلمين . أو لو لم يدفعهم بهم لعمّ الكفر ونزلت السخطة فاستؤصل أهل الأرض . (1/221)
تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)
{ تِلْكَ آيات الله } يعني القصص التي اقتصها ، من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم ، وتمليك طالوت وإظهاره بالآية التي هي نزول التابوت من السماء ، وغلبة الجبابرة على يد صبي { بالحق } باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم كذلك { وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } حيث تخبر بها من غير أن تعرف بقراءة كتاب ولا سماع أخبار . (1/222)
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)
{ تِلْكَ الرسل } إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في السورة ، أو التي ثبت علمها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم { فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } لما أوجب ذلك من تفاضلهم في الحسنات { مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله } منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير وهو موسى عليه السلام . وقرىء : «كلم الله» بالنصب . وقرأ اليماني : «كالم الله» ، من المكالمه ، ويدل عليه قولهم : كليم الله ، بمعنى مكالمه { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات } أي ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء ، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم درجات كثيرة . والظاهر أنه أراد محمداً صلى الله عليه وسلم لأنه هو المفضل عليهم ، حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر . ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلاً منيفاً على سائر ما أوتي الأنبياء ، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات . وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى ، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه ، والمتميز الذي لا يلتبس . ويقال للرجل : من فعل هذا؟ فيقول : أحدكم أو بعضكم ، يريد به الذي تعورف واشتهر بنحوه من الأفعال ، فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه . وسئل الحطيئة عن أشعر الناس؟ فذكر زهيراً والنابغة ثم قال : ولو شئت لذكرت الثالث ، أراد نفسه ، ولو قال : ولو شئت لذكرت نفسي ، لم يفخم أمره . ويجوز أن يريد : إبراهيم ومحمداً وغيرهما من أولي العزم من الرسل . وعن ابن عباس رضي الله عنه . (1/223)
( 143 ) كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء ، فذكرنا نوحاً بطول عبادته ، وإبراهيم بخلته ، وموسى بتكليم الله إياه ، وعيسى برفعه إلى السماء ، وقلنا : رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منهم ، بعث إلى الناس كافة؛ وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر وهو خاتم الأنبياء فدخل عليه السلام فقال : " فيم أنتم؟ فذكرنا له . فقال : لا ينبغي لأحد أن يكون خيراً من يحيى بن زكريا ، فذكر أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهمَّ بها " فإن قلت : فلمَ خصّ موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ قلت : لما أوتيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة . ولقد بين الله وجه التفضيل حيث جعل التكليم من الفضل وهو آية من الآيات ، فلما كان هذان النبيان قد أوتيا ما أوتيا من عظام الآيات خصا بالذكر في باب التفضيل . وهذا دليل بين أنّ من زيد تفضيلاً بالآيات منهم فقد فضل على غيره . ولما كان نبينا صلى الله عليه وسلم هو الذي أوتي منها ما لم يؤت أحد في كثرتها وعظمها .
كان هو المشهود له بإحراز قصبات الفضل غير مدافع ، اللهمّ ارزقنا شفاعته يوم الدين { وَلَوْ شَاءَ الله } مشيئة إلجاء وقسر { مَا اقتتل الذين } من بعد الرسل ، لاختلافهم في الدين ، وتشعب مذاهبهم ، وتكفير بعضهم بعضاً { ولكن اختلفوا فَمِنْهُمْ مَّنْ ءامَنَ } لالتزامه دين الأنبياء { وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ } إعراضه عنه { وَلَوْ شَاء الله مَا اقتتلوا } كرّره للتأكيد { ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } من الخذلان والعصمة { أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم } أراد الإنفاق الواجب لاتصال الوعيد به { مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ } لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق لأنه { لاَّ بَيْعٌ فِيهِ } حتى تبتاعوا ما تنفقونه { وَلاَ خُلَّةٌ } حتى يسامحكم أخلاؤكم به . وإن أردتم أن يحط عنكم ما في ذمّتكم من الواجب لم تجدوا شفيعاً يشفع لكم في حط الواجبات . لأنّ الشفاعة ثمة في زيادة الفضل لا غير { والكافرون هُمُ الظالمون } أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون ، فقال { والكافرون } للتغليظ ، كما قال في آخر آية الحج { وَمَن كَفَرَ } [ النور : 55 ] مكان : ومن لم يحج ، ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار في قوله : { وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة } [ فصلت : 6 ] وقرىء : «لا بيعُ فيه ولا خلةٌ ولا شفاعةٌ» بالرفع . (1/224)
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)
{ الحى } الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء ، وهو على اصطلاح المتكلمين الذي يصح أن يعلم ويقدر . و { القيوم } الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه . وقريء : «القيام» ، «والقيم» والسنة : ما يتقدّم النوم من الفتور الذي يسمي النعاس . قال ابن الرقاع العاملي : (1/225)
وَسْنَانُ أقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ ... فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ
أي لا يأخذه نعاس ولا نوم وهو تأكيد للقيوم؛ لأنّ من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيوماً . ومنه حديث موسى .
( 144 ) أنه سأل الملائكة ( وكان ذلك من قومه كطلب الرؤية ) : أينام ربنا؟ فأوحى الله إليهم أن يوقظوه ثلاثاً ولا يتركوه ينام ، ثم قال : خذ بيدك قارورتين مملوءتين . فأخذهما ، وألقى الله عليه النعاس فضرب إحداهما على الأخرى فانكسرتا ، ثم أوحى إليه : قل لهؤلاء إني أمسك السموات والأرض بقدرتي ، فلو أخذني نوم أو نعاس لزالتا . { مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ } بيان لملكوته وكبريائه . وأن أحداً لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام ، كقوله تعالى : { لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن } [ النبأ : 38 ] { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } ما كان قبلهم وما يكون بعدهم . والضمير لما في السموات والأرض لأنّ فيهم العقلاء ، أو لما دل عليه { مَّن ذَا } من الملائكة والأنبياء { مّنْ عِلْمِهِ } من معلوماته { إِلاَّ بِمَا شَاءَ } إلا بما علم . ( الكرسي ) ما يجلس عليه ، ولا يفضل عن مقعد القاعد . وفي قوله { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ } أربعة أوجه : أحدها أنّ كرسيه لم يضق عن السموات والأرض لبسطته وسعته ، وما هو إلا تصوير لعظمته وتخييل فقط ، ولا كرسي ثمة ولا قعود ، ولا قاعد ، كقوله : { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والارض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ } [ الزمر : 67 ] من غير تصوّر قبضة وطيّ ويمين ، وإنما هو تخييل لعظمة شأنه وتمثيل حسيّ . ألا ترى إلى قوله : { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } والثاني : وسع علمه وسمي العلم كرسياً تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم . والثالث : وسع ملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك . والرابع : ما روي : أنه خلق كرسيا هو بين يدي العرش دونه السموات والأرض ، وهو إلى العرش كأصغر شيء . وعن الحسن : الكرسي هو العرش { وَلاَ يَؤُودُهُ } ولا يثقله ولا يشق عليه { حِفْظُهُمَا } حفظ السموات والأرض { وَهُوَ العلى } الشأن { العظيم } الملك والقدرة . فإن قلت : كيف ترتبت الجمل في آية الكرسي من غير حرف عطف؟ قلت : ما منها جملة إلا وهي واردة على سبيل البيان لما ترتبت عليه والبيان متحد بالمبين ، فلو توسط بينهما عاطف لكان كما تقول العرب : بين العصا ولحائها ، فالأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمنا عليه غير ساه عنه . والثانية لكونه مالكاً لما يدبره . والثالثة لكبرياء شأنه . والرابعة لإحاطته بأحوال الخلق ، وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة ، وغير المرتضى . والخامسة لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها ، أو لجلاله وعظم قدره . فإن قلت : لم فضلت هذه الآية حتى ورد في فضلها ما ورد منه قوله صلى الله عليه وسلم :
( 145 ) « ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوماً ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة ، يا عليّ علمها ولدك وأهلك وجيرانك ، فما نزلت آية أعظم منها » وعن عليّ رضي الله عنه : سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم على أعواد المنبر وهو يقول : (1/226)
( 146 ) « من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ، ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد ، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمّنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله » وتذاكر الصحابة رضوان الله عليهم أفضل ما في القرآن ، فقال لهم عليّ رضي الله عنه .
( 147 ) أين أنتم عن آية الكرسي ، ثم قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم « يا عليّ ، سيد البشر آدم ، وسيد العرب محمد ولا فخر ، وسيد الفرس سلمان ، وسيد الروم صهيب ، وسيد الحبشة بلال ، وسيد الجبال الطور ، وسيد الأيام يوم الجمعة ، وسيد الكلام القرآن ، وسيد القرآن البقرة ، وسيد البقرة آية الكرسي » قلت : لما فضلت له سورة الإخلاص لاشتمالها على توحيد الله وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى ، ولا مذكور أعظم من رب العزة فما كان ذكراً له كان أفضل من سائر الأذكار . وبهذا يعلم أنّ أشرف العلوم وأعلاها منزلة عند الله علم أهل العدل والتوحيد ولا يغرّنك عنه كثرة أعدائه :
فإنَّ الْعَرَانِينَ تَلْقَاهَا مُحَسَّدَةً ... وَلاَ تَرَى لِلئَامِ النَّاسِ حُسَّادًا .
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)
{ لا إِكْرَاهَ فِى الدين } أي لم يجر الله أمر الإيمان على الإجبار والقسر ، ولكن على التمكين والاختيار . ونحوه قوله تعالى : { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى الارض كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [ يونس : 99 ] أي لو شاء لقسرهم على الإيمان ولكنه لم يفعل ، وبنى الأمر على الاختيار { قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي } قد تميز الإيمان من الكفر بالدلائل الواضحة { فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت } فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام والإيمان بالله { فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى } من الحبل الوثيق المحكم ، المأمون انفصامها ، أي انقطاعها . وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر ، والاستدلال بالمشاهد المحسوس ، حتى يتصوّره السامع كأنه ينظر إليه بعينه ، فيحكم اعتقاده والتيقن به . وقيل : هو إخبار في معنى النهي ، أي لا تتكرهوا في الدين . ثم قال بعضهم : هو منسوخ بقوله : { جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ } [ التوبة : 73 ] وقيل : هو في أهل الكتاب خاصة لأنهم حصنوا أنفسهم بأداء الجزية وروي . (1/227)
( 148 ) أنه كان لأنصاري من بني سالم بن عوف ابنان فتنصرا قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال : والله لا أدعكما حتى تسلما ، فأبيا فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الأنصاري : يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟ فنزلت : فخلاهما
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)
{ الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ } أي أرادوا أن يؤمنوا يلطف بهم حتى يخرجهم بلطفه وتأييده من الكفر إلى الإيمان { والذين كَفَرُواْ } أي صمموا على الكفر أمرهم على عكس ذلك . أو الله وليّ المؤمنين يخرجهم من الشبه في الدين إن وقعت لهم بما يهديهم ويوفقهم له من حلها ، حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين { والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ } الشياطين { يُخْرِجُونَهُم } من نور البينات التي تظهر لهم إلى ظلمات الشك والشبهة . (1/228)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)
{ أَلَمْ تَرَ } تعجيب من محاجة نمروذ في الله وكفره به { أَنْ آتاه الله الملك } متعلق بحاجَّ على وجهين : (1/229)
أحدهما حاجّ لأن آتاه الله الملك ، على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتوَّ فحاجّ لذلك ، أو على أنه وضع المحاجة في ربه موضع ما وجب عليه من الشكر على أن آتاه الله الملك ، فكأن المحاجة كانت لذلك ، كما تقول : عاداني فلان لأني أحسنت إليه ، تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان . ونحوه قوله تعالى : { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ } [ الواقعة : 82 ] .
والثاني : حاجّ وقت أن آتاه الله الملك . فإن قلت : كيف جاز أن يؤتي الله الملك الكافر؟ قلت : فيه قولان : آتاه ما غلب به وتسلط من المال والخدم والأتباع ، وأما التغليب والتسليط فلا . وقيل : ملكه امتحاناً لعباده . و { إِذْ قَالَ } نصب بحاج أو بدل من آتاه إذ جعل بمعنى الوقت { أَنَاْ أُحْىِ وَأُمِيتُ } يريد أعفو عن القتل وأقتل . وكان الاعتراض عتيداً ولكن إبراهيم لما سمع جوابه الأحمق لم يحاجه فيه ، ولكن انتقل إلى ما لا يقدر فيه على نحو ذلك الجواب ليبهته أول شيء . وهذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة . وقريء : «فبهت الذي كفر» أي فغلب إبراهيم الكافر . وقرأ أبو حيوة : «فبهت» ، بوزن قرب . وقيل : كانت هذه المحاجة حين كسر الأصنام وسجنه نمروذ ، ثم أخرجه من السجن ليحرقه فقال له : من ربك الذي تدعو إليه؟ فقال : ربي الذي يحيي ويميت . { أَوْ كالذى } معناه . أو أرأيت مثل الذي مرَّ فحذف لدلالة { أَلَمْ تَرَ } عليه؛ لأنّ كلتيهما كلمة تعجيب . ويجوز أن يحمل على المعنى دون اللفظ ، كأنه قيل : أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مرّ على قرية . والمارّ كان كافراً بالبعث ، وهو الظاهر لانتظامه مع نمروذ في سلك ولكلمة الاستبعاد التي هي : ( أنى يُحْيىِ ) . وقيل : هو عزير أو الخضر ، أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة كما طلبه إبراهيم عليه السلام . وقوله : { أَنَّى يُحْىِ } اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء ، واستعظام لقدرة المحيي . والقرية : بيت المقدس حين خربه بختنصر . وقيل : هي التي خرج منها الألوف { وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } تفسيره فيما بعد { يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } بناء على الظن . روي أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس ، فقال قبل النظر إلى الشمس : يوماً ، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال : أو بعض يوم . وروي : أن طعامه كان تيناً وعنباً . وشرابه عصيراً أو لبناً ، فوجد التين والعنب كما جنيا ، والشراب على حاله { لَمْ يَتَسَنَّهْ } لم يتغير ، والهاء أصلية أو هاء سكت . واشتقاقه من السنة على الوجهين ، لأن لامها هاء أو واو ، وذلك أن الشيء يتغير بمرور الزمان . وقيل : أصله يتسنن ، من الحمأ المسنون ، فقلبت نونه حرف علة ، كتقضي البازي . ويجوز أن يكون معنى { لَمْ يَتَسَنَّهْ } لم تمرّ عليه السنون التي مرت عليه ، يعني هو بحاله كما كان كأنه لم يلبث مائة سنة . وفي قراءة عبد الله : «فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسن» . وقرأ أبيّ : «لم يسَّنه» ، بإدغام التاء في السين { وانظر إلى حِمَارِكَ } كيف تفرّقت عظامه ونخرت ، وكان له حمار قد ربطه . ويجوز أن يراد : وانظر إليه سالماً في مكانه كما ربطته ، وذلك من أعظم الآيات أن يعيشه مائة عام من غير علف ولا ماء ، كما حفظ طعامه وشرابه من التغير { وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ } فعلنا ذلك يريد إحياءه بعد الموت وحفظ ما معه ، وقيل : أتى قومه راكب حماره وقال : أنا عزير ، فكذبوه ، فقال : هاتوا التوراة فأخذ يهذها هذاً عن ظهر قلبه وهم ينظرون في الكتاب ، فما خرم حرفاً ، فقالوا : هو ابن الله . ولم يقرأ التوراة ظاهراً أحد قبل عزير ، فذلك كونه آية . وقيل : رجع إلى منزله فرأى أولاده شيوخاً وهو شاب ، فإذا حدّثهم بحديث قالوا : حديث مائة سنة { وانظر إِلَى العظام } هي عظام الحمار أو عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم { كَيْفَ نُنشِزُهَا } كيف نحييها . وقرأ الحسن : «ننشرها» ، من نشر الله الموتى ، بمعنى : أنشرهم فنشروا ، وقريء بالزاي ، بمعنى نحرّكها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب . وفاعل ( تَّبَيَّنَ ) مضمر تقديره : فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير { قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ، كما في قولهم : ضربني وضربت زيداً . ويجوز : فلما تبين له ما أشكل عليه ، يعني أمر إحياء الموتى . وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما : «فلما تبين له» على البناء للمفعول . وقرىء : «قال اعلم» ، على لفظ الأمر : وقرأ عبد الله : «قيل اعلم» . فإن قلت : فإن كان المارّ كافراً فكيف يسوغ أن يكلمه الله؟ قلت : كان الكلام بعد البعث ولم يكن إذ ذاك كافراً .
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)
{ أَرِنِى } بصرني ، فإن قلت : كيف قال له { أَوَ لَمْ تُؤْمِنَ } وقد علم أنه أثبت الناس إيماناً؟ قلت : ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين . و { بلى } إيجاب لما بعد النفي ، معناه بلى آمنت { ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } ليزيد سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال وتظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين ، ولأن علم الاستدلال يجوز معه التشكيك بخلاف العلم الضروري ، فأراد بطمأنينة القلب العلم الذي لا مجال فيه للتشكيك . فإن قلت : بم تعلقت اللام في { لّيَطْمَئِنَّ } ؟ قلت : بمحذوف تقديره : ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب { فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطير } قيل : طاوساً وديكاً وغراباً وحمامة { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } بضم الصاد وكسرها بمعنى فأملهنّ واضممهنّ إليك قال : (1/230)
وَلكنَّ أطْرَافَ الرِّماحِ تَصُورُهَا ... وقال :
وَفَرْعٍ يَصيرُ الجْيِدَ وَحْفٍ كَأنَّه ... عَلَى اللَّيْتِ قِنْوَانُ الْكُرُومِ الدَّوَالِحِ
وقرأ ابن عباس رضي الله عنه «فصرهن» بضم الصاد وكسرها وتشديد الراء ، من صره يصره ويصره إذا جمعه ، نحو ضره ويضره ويضره . وعنه «فصرّهن» من التصرية وهي الجمع أيضاً { ثُمَّ اجعل على كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا } يريد : ثم جزئهن وفرق أجزاءهن على الجبال . والمعنى : على كل جبل من الجبال التي بحضرتك وفي أرضك . وقيل : كانت أربعة أجبل . وعن السدّي : سبعة { ثُمَّ ادعهن } وقل لهن : تعالين بإذن الله { يَأْتِينَكَ سَعْيًا } ساعيات مسرعات في طيرانهن أو في مشيهن على أرجلهن . فإن قلت : ما معنى أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها؟ قلت : ليتأملها ويعرف أشكالها وهيئاتها وحلاها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ولا يتوهم أنها غير تلك ولذلك قال : يأتينك سعياً . وروي أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها ويفرّق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها ، وأن يمسك رؤسها ، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال ، على كل جبل ربعاً من كل طائر . ثم يصيح بها : تعالين بإذن الله ، فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثا ثم أقبلن فانضممن إلى رؤسهن ، كل جثة إلى رأسها . وقريء : «جزأ» بضمتين . «وجّزّاً» ، بالتشديد . ووجهه أنه خفف بطرح همزته ، ثم شدد كما يشدد في الوقف ، إجراء للوصل مجرى الوقف .
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)
{ مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ } لا بد من حذف مضاف ، أي مثل نفقتهم كمثل حبة ، أو مثلهم كمثل باذر حبة . والمنبت هو الله ، ولكن الحبة لما كانت سبباً أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء . ومعنى إنباتها سبع سنابل ، أن تخرج ساقاً يتشعب منها سبع شعب ، لكل واحدة سنبلة وهذا التمثيل تصوير للإضعاف ، كأنها ماثلة بين عيني الناظر . فإن قلت : كيف صحّ هذا التمثيل والممثل به غير موجود؟ قلت : بل هو موجود في الدخن والذرة وغيرهما ، وربما فرخت ساق البرة في الأراضي القوية المقلة فيبلغ حبها هذا المبلغ ، ولو لم يوجد لكان صحيحاً على سبيل الفرض والتقدير : فإن قلت : هلا قيل : سبع سنبلات ، على حقه من التمييز بجمع القلة كما قال : { وَسَبْعَ سنبلات خُضْرٍ } [ يوسف : 53 ] ؟ قلت : هذا لما قدمت عند قوله : { ثلاثة قُرُوءٍ } [ البقرة : 228 ] من وقوع أمثلة الجمع متعاورة مواقعها { والله يضاعف لِمَن يَشَاءُ } أي يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء ، لا لكل منفق ، لتفاوت أحوال المنفقين . أو يضاعف سَبع المائة ويزيد عليها أضعافها لمن يستوجب ذلك . (1/231)
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)
المن : أن يعتدّ على من أحسن إليه بإحسانه ، ويريد أنه اصطنعه وأوجب عليه حقاً له : وكانوا يقولون : إذا صنعتم صنيعة فانسوها . ولبعضهم : (1/232)
وَإنّ امْرَأً أَسْدَى إلَىَّ صَنِيعَةً ... وَذَكّرَنِيهَا مَرَّةً لَلئِيمُ
وفي نوابغ الكلم : صنوان من منح سائله ومنّ ، ومن منع نائله وضنّ . وفيها طعم الآلاء أحلى من المنّ وهي أمرّ من الآلاء مع المنّ . والأذى : أن يتطاول عليه بسبب ما أزال إليه : ومعنى «ثم» إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى ، وأنّ تركهما خير من نفس الإنفاق ، كما جعل الاستقامة على الإيمان خيراً من الدخول فيه بقوله : { ثُمَّ استقاموا } [ فصلت : 30 ] . فإن قلت : أي فرق بين قوله : { لَهُمْ أَجْرُهُمْ } وقوله فيما بعد : { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } ؟ قلت : الموصول لم يضمن ههنا معنى الشرط . وضمنه ثمة . والفرق بينهما من جهة المعنى أنّ الفاء فيها دلالة على أنّ الإنفاق به استحق الأجر ، وطرحها عار عن تلك الدلالة .
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)
{ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } ردّ جميل { وَمَغْفِرَةٌ } وعفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤل أو : ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل ، أو : وعفو من جهة السائل لأنه إذا ردّه ردّا جميلاً عذره { خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًىً } وصح الإخبار عن المبتدأ النكرة لاختصاصه بالصفة { والله غَنِىٌّ } لا حاجة به إلى منفق يمنُّ ويؤذي { حَلِيمٌ } عن معاجلته بالعقوبة ، وهذا سخط منه ووعيد له . ثم بالغ في ذلك بما أتبعه { كالذى يُنفِقُ مَالَهُ } أي لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى كإبطال المنافق الذي ينفق ماله { رِئَاءَ الناس } لا يريد بإنفاقه رضاء الله ولا ثواب الآخرة { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ } مثله ونفقته التي لا ينتفع بها البتة بصفوان بحجر أملس عليه تراب . وقرأ سعيد بن المسيب : «صفوان» بوزن كروان { فَأَصَابَهُ وَابِلٌ } مطر عظيم القطر { فَتَرَكَهُ صَلْدًا } أجرد نقيا من التراب الذي كان عليه . ومنه : صلد جبين الأصلع إذا برق { لاَّ يَقْدِرُونَ على شَىْءٍ مّمَّا كَسَبُواْ } كقوله : { فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } [ الفرقان : 23 ] ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال : أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق . فإن قلت : كيف قال : { لاَّ يَقْدِرُونَ } بعد قوله : { كالذى يُنفِقُ } ؟ قلت : أراد بالذي ينفق الجنس أو الفريق الذي ينفق ، ولأن «من» و «الذي» يتعاقبان فكأنه قيل : كمن ينفق . (1/233)