صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الكشاف
المؤلف : أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)

{ وَقُولُواْ } خطاب للمؤمنين . ويجوز أن يكون خطابً للكافرين ، أي وقولوا لتكونوا على الحق ، وإلا فأنتم على الباطل وكذلك قوله : { بَلْ مِلَّةَ إبراهم } يجوز أن يكون على : بل اتبعوا أنتم ملة إبراهيم أو كونوا أهل ملته . والسبط : الحافد . وكان الحسن والحسين سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَالاسْبَاطِ } حفدة يعقوب ذراريّ أبنائه الاثني عشر { لا نفرق بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى . و { أَحَدٍ } في معنى الجماعة . ولذلك صحّ دخول { بَيْنَ } عليه . { بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ } من باب التبكيت ، لأن دين الحق واحد لا مثل له وهو دين الإسلام { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } [ آل عمران : 185 ] فلا يوجد إذاً دين آخر يماثل دين الإسلام في كونه حقاً ، حتى إن آمنوا بذلك الدين المماثل له كانوا مهتدين ، فقيل : فإن آمنوا بكلمة الشك على سبيل الفرض والتقدير ، أي : فإن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم مساوياً له في الصحة والسداد فقد اهتدوا . وفيه أنّ دينهم الذي هم عليه وكل دين سواه مغاير له غير مماثل ، لأنه حق وهدى وما سواه باطل وضلال . ونحو هذا قولك للرجل الذي تشير عليه : هذا هو الرأي الصواب ، فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به ، وقد علمت أن لا أصوب من رأيك . ولكنك تريد تبكيت صاحبك ، وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه . ويجوز أن لا تكون الباء صلة وتكون باء الاستعانة ، كقولك : كتبت بالقلم ، وعملت بالقدوم أي فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم التي آمنتم بها . وقرأ ابن عباس وابن مسعود : «بما آمنتم به» وقرأ أبيّ : «بالذي آمنتم به» { وَّإِنْ تَوَلَّوْاْ } عما تقولون لهم ولم ينصفوا فما هم إلا { فِى شِقَاقٍ } أي في مناوأة ومعاندة لا غير ، وليسوا من طلب الحق في شيء . أو : وإن تولوا عن الشهادة والدخول في الإيمان بها { فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله } ضمان من الله لإظهار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ، وقد أنجز وعده بقتل قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير . ومعنى السين أنّ ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين { وَهُوَ السميع العليم } وعيد لهم ، أي يسمع ما ينطقون به ، ويعلم ما يضمرون من الحسد والغل وهو معاقبهم عليه . أو وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى : يسمع ما تدعو به ويعلم نيتك وما تريده من إظهار دين الحق ، وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك .

(1/139)


صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)

{ صِبْغَةَ الله } مصدر مؤكد منتصب على قوله : { آمنا بالله } كما انتصب { وَعَدَ الله } عما تقدمه ، وهي ( فعلة ) من صبغ ، كالجلسة من جلس ، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ والمعنى : تطهير الله ، لأن الإيمان يطهر النفوس . والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ، ويقولون : هو تطهير لهم ، وإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال : الآن صار نصرانياً حقاً ، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم : { قُولُواْ ءامَنَّا بالله } وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا ، وطهرنا به تطهيراً لا مثل تطهيرنا . أو يقول المسلمون . صبغنا الله بالإيمان صبغته ولم نصبغ صبغتكم . وإنما جيء بلفظ الصبغة على طريقة المشاكلة ، كما تقول لمن يغرس الأشجار : اغرس كما يغرس فلان ، تريد رجلاً يصطنع الكرم { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً } يعني أنه يصبغ عباده بالإيمان . ويطهرهم به من أوضار الكفر فلا صبغة أحسن من صبغته . وقوله : { وَنَحْنُ لَهُ عابدون } عطف على { آمنا بالله } . وهذا العطف يردّ قول من زعم أن { صِبْغَةَ الله } بدل من { مِلَّةِ إبراهيم } أو نصب على الإغراء بمعنى : عليكم صبغة الله ، لما فيه من فك النظم وإخراج الكلام عن التئامه واتساقه ، وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه ، والقول ما قالت حذام .

(1/140)


قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141)

قرأ زيد بن ثابت «اتحاجُّونَّا» بإدغام النون . والمعنى : اتجادلوننا في شأن الله واصطفائه النبي من العرب دونكم ، وتقولون : لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا ، وترونكم أحق بالنبوة منا { وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } نشترك جميعاً في أننا عباده ، وهو ربنا ، وهو يصيب برحمته وكرامته من يشاء من عباده ، هم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي إذا كان أهلاً للكرامة { وَلَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم } يعني أن العمل هو أساس الأمر وبه العبرة ، وكما أن لكم أعمالاً يعتبرها الله في إعطاء الكرامة ومنعها فنحن كذلك . ثم قال : { وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ } فجاء بما هو سبب الكرامة ، أي ونحن له موحدون نخلصه بالإيمان فلا تستبعدوا أن يؤهل أهل إخلاصه لكرامته بالنبوّة ، وكانوا يقولون : نحن أحقّ بأن تكون النبوَّة فينا ، لأنا أهل كتاب والعرب عبدة أوثان { أَمْ تَقُولُونَ } يحتمل فيمن قرأ بالتاء أن تكون أم معادلة للهمزة في { أَتُحَاجُّونَنَا } بمعنى أيّ الأمرين تأتون : المحاجة في حكمة الله أم ادّعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء؟ والمراد بالاستفهام عنهما إنكارهما معاً ، وأن تكون منقطعة بمعنى : بل أتقولون ، والهمزة للإنكار أيضاً ، وفيمن قرأ بالياء لا تكون إلا منقطعة { قُلْ ءأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله } يعني أن الله شهد لهم بملة الإسلام في قوله : { مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا } [ آل عمران : 67 ] . { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شهادة عِندَهُ مِنَ الله } أي كتم شهادة الله التي عنده أنه شهد بها وهي شهادته لإبراهيم بالحنيفية . ويحتمل معنيين : أحدهما أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم ، لأنهم كتموا هذه الشهادة وهم عالمون بها . والثاني : أنا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منا فلا نكتمها . وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة في كتبهم وسائر شهاداته . ( ومن ) في قوله : { شهادة عِندَهُ مِنَ الله } مثلها في قولك : هذه شهادة مني لفلان إذا شهدت له ، ومثله { بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } [ التوبة : 1 ] .

(1/141)


سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)

{ سَيَقُولُ السفهاء } الخفاف الأحلام وهم اليهود لكراهتهم التوجه إلى الكعبة ، وأنهم لا يرون النسخ . وقيل : المنافقون ، لحرصهم على الطعن والاستهزاء . وقيل : المشركون ، قالوا : رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها ، والله ليرجعن إلى دينهم . فإن قلت : أي فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت : فائدته أن مفاجأة المكروه أشدّ ، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع لما يتقدّمه من توطين النفس ، وأنّ الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وأرد لشغبه ، وقبل الرمي يراش السهم { مَا ولاهم } ما صرفهم { عَن قِبْلَتِهِمُ } وهي بيت المقدس { لّلَّهِ المشرق والمغرب } أي بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها { يَهْدِى مَن يَشَآءُ } من أهلها { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } وهو ما توجبه الحكمة والمصلحة ، من توجيههم تارة إلى بيت المقدس ، وأخرى إلى الكعبة { وكذلك جعلناكم } ومثل ذلك الجعل العجيب جعلناكم { أُمَّةً وَسَطًا } خياراً ، وهي صفة بالاسم الذي هو وسط الشيء . ولذلك استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث . ونحوه قوله عليه السلام : (
( 63 « وأنطوا الثبجة » يريد الوسيطة بين السمينة والعجفاء وصفاً بالثَّج وهو : وسط الظهر ، إلا أنه ألحق تاء التأنيث مراعاة لحق الوصف . وقيل : للخيار : وسط لأنّ الأطراف يتسارع إليها الخلل ، والأعوار والأوساط محمية محوّطة . ومنه قول الطائي :
كَانَتْ هِيَ الْوَسَط المَحْمِيَّ فَاكْتَنفَتْ ... بِهَا الْحَوَادِثُ حَتَّى أَصْبَحَتْ طَرَفَا
وقد اكتريت بمكة جمل أعرابي للحج فقال : أعطني من سطاتهنه ، أراد من خيار الدنانير . أو عدولاً ، لأنّ الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض { لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } روي :
( 64 ) ( أنّ الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء ، فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم ، فيؤتى بأمّة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون ، فتقول الأمم : من أين عرفتم؟ فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق ، فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته ، فيزكيهم ويشهد بعدالتهم ) وذلك قوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً } [ النساء : 41 ] .
فإن قلت : فهلا قيل لكم شهيداً وشهادته لهم لا عليهم . قلت : لما كان الشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له ، جيء بكلمة الاستعلاء . ومنه قوله تعالى : { والله على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } [ المجادلة : 7 ] ، { كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } [ المائدة : 17 ] . وقيل : لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول الأخيار { وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } يزكيكم ويعلم بعدالتكم ، فإن قلت : لم أخرت صلة الشهادة أولاً وقدّمت آخراً؟ قلت : لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم ، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم { التى كُنتَ عَلَيْهَا } ليست بصفة للقبلة إنما هي ثاني مفعولي جعل . يريد : وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة ، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلّي بمكة إلى الكعبة ، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تألفاً لليهود ، ثم حوّل إلى الكعبة فيقول : وما جعلنا القبلة التي تجب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أوّلاً بمكة ، يعني : وما رددناك إليها إلا امتحاناً للناس وابتلاء { لَنَعْلَمُ } الثابت على الإسلام الصادق فيه ، ممن هو على حرف ينكُص { على عَقِبَيْهِ } لقلقه فيرتدّ كقوله : { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } الآية . ويجوز أن يكون بياناً للحكمة في جعل بيت المقدس قبلته . يعني أنّ أصل أمرك أن تستقبل الكعبة ، وأن استقبالك بيت المقدس كان أمراً عارضاً لغرض . وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذا وهي بيت المقدس ، لنمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول منهم ومن لا يتبعه وينفر عنه . وعن ابن عباس رضي الله عنه :

(1/142)


( 65 ) ( كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه ) فإن قلت : كيف قال { لِنَعْلَمَ } ولم يزل عالماً بذلك؟ قلت : معناه : لنعلمه علماً يتعلق به الجزاء ، وهو أن يعلمه موجوداً حاصلاً ونحوه : { وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين } [ التوبة : 16 ] . وقيل : ليعلم رسول الله والمؤمنون . وإنَما أسند علمهم إلى ذاته ، لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده . وقيل : معناه لنميز التابع من الناكص ، كما قال : { لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب } [ الأنفال : 37 ] فوضع العلم موضع التمييز لأنّ العلم به يقع التمييز به { وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً } هي إن المخففة التي تلزمها اللام الفارقة . والضمير في { كَانَتْ } لما دلّ عليه قوله : { وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا } من الردّة ، أو التحويلة ، أو الجعلة . ويجوز أن يكون للقبلة { لَكَبِيرَةٌ } لثقيلة شاقة { إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله } إلا على الثابتين الصادقين في اتباع الرسول الذين لطف الله بهم وكانوا أهلاً للطفه { وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم } أي ثباتكم على الإيمان وأنكم لم تزلّوا ولم ترتابوا ، بل شكر صنيعكم وأعدّ لكم الثواب العظيم . ويجوز أن يراد : وما كان الله ليترك تحويلكم لعلمه أن تركه مفسدة وإضاعة لإيمانكم . وقيل : من كان صلى إلى بيت المقدس قبل التحويل فصلاته غير ضائعة . عن ابن عباس رضي الله عنه :
( 66 ) لما وجه رسول الله إلى الكعبة قالوا : كيف بمن مات قبل التحويل من إخواننا فنزلت .
{ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } لا يضيع أجورهم ولا يترك ما يصلحهم . ويحكى عن الحجاج أنه قال للحسن : ما رأيك في أبي تراب ، فقرأ قوله : { إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله } ثم قال : وعليٌّ منهم ، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته ، وأقرب الناس إليه ، وأحبهم . وقرىء : «إلا لِيُعْلِمَ» على البناء للمفعول . ومعنى العلم : المعرفة . ويجوز أن تكون ( من ) متضمنة لمعنى الاستفهام معلقاً عنها العلم ، كقولك : علمت أزيد في الدار أم عمرو . وقرأ ابن أبي إسحاق «على عقبيه» بسكون القاف . وقرأ اليزيدي «لكبيرة» بالرفع . ووجهها أن تكون ( كان ) مزيدة ، كما في قوله :
وَجِيْرَانٍ لَنَا كانُوا كِرَامِ
والأصل : وإن هي لكبيرةٌ كقولك : إن زيد لمنطلق ثم وإن كانت لكبيرة وقرىء : «ليضيع» بالتشديد .

(1/143)


قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)

{ قَدْ نرى } ربما نرى ، ومعناه : كثرة الرؤية ، كقوله :
قَدْ أَتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرّاً أنَامِلُهُ ... { تَقَلُّبَ وَجْهِكَ } تردّد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوقع من ربه أن يحوّله إلى الكعبة ، لأنها قبلة أبيه إبراهيم ، وأدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم ، ولمخالفة اليهود فكان يراعي نزول جبريل عليه السلام والوحي بالتحويل { فَلَنُوَلّيَنَّكَ } فلنعطينّك ولنمكننك من استقبالها ، من قولك : وليته كذا . إذا جعلته والياً له ، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس { تَرْضَاهَا } تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله وحكمته { شَطْرَ المسجد الحرام } نحوه . قال :
وَأَظْعَنُ بِالْقَوْمِ شَطْرَ الْمُلُوكِ ... وقرأ أبيّ : «تلقاء المسجد الحرام» . وعن البراء بن عازب :
( 67 ) قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ثم وجه إلى الكعبة وقيل :
( 68 ) كان ذلك في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين . ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وقد صلّى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب ، وحوّل الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال ، فسمى المسجد مسجد القبلتين . و { شَطْرَ المسجد } نصب على الظرف ، أي اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد أي في جهته وسمته لأن استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البعيد . وذكر المسجد الحرام دون الكعبة : دليل في أنّ الواجب مراعاة الجهة دون العين { لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق } أن التحويل إلى الكعبة هو الحق لأنه كان في بشارة أنبيائهم برسول الله أنه يصلّي إلى القبلتين { يَعْمَلُونَ } قرىء بالياء والتاء { مَّا تَبِعُواْ } جواب القسم المحذوف سدّ مسدّ جواب الشرط . { بِكُلّ ءايَةٍ } بكل برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق ، ما تبعوا { قِبْلَتَكَ } لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة ، إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق { وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ } حسم لأطماعهم إذ كانوا ماجوا في ذلك وقالوا : لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم . وقرىء : «بتابع قبلتهم» على الإضافة { وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ } يعني أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة لا يرجى اتفاقهم ، كما لا ترجى موافقتهم لك . وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس ، والنصارى مطلع الشمس . أخبر عز وجل عن تصلب كل حزب فيما هو فيه وثباته عليه ، فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه لتمسكه بالبرهان ، والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته في عناده . وقوله : { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم } بعد الإفصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده في قوله { وما أنت بتابع قبلتهم } كلام وارد على سبيل الفرض والتقدير ، بمعنى : ولئن اتبعتم مثلاً بعد وضوح البرهان والإحاطة بحقيقة الأمر { إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين } المرتكبين الظلم الفاحش . وفي ذلك لطف للسامعين وزيادة تحذير . واستفظاع لحال من يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى ، وتهييج وإلهاب للثبات على الحق . فإن قلت : كيف قال : ( وما أنت بتابع قبلتهم ) ولهم قبلتان لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟ قلت : كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحق ، فكانتا بحكم الاتحاد في البطلان قبلة واحدة .

(1/144)


الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)

{ يَعْرِفُونَهُ } يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة جلية يميزون بينه وبين غيره بالوصف المعين المشخص { كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ } لا يشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم . وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنا أعلم به مني بابني . قال : ولم؟ قال : لأني لست أشك في محمد أنه نبي . فأما ولدي ، فلعل والدته خانت ، فقبل عمر رأسه . وجاز الإضمار وإن لم يسبق له ذكر لأن الكلام يدل عليه ولا يلتبس على السامع . ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنه لشهرته وكونه علماً معلوماً بغير إعلام . وقيل : الضمير للعلم أو القرآن أو تحويل القبلة . وقوله : ( كما يعرفون أبناءهم ) يشهد للأول وينصره الحديث عن عبد الله بن سلام . فإن قلت : لم اختص الأبناء؟ قلت : لأنّ الذكور أشهر وأعرف ، وهم لصحبة الآباء ألزم ، وبقلوبهم ألصق . وقال { فريقاً منهم } استثناء لمن آمن منهم ، أو لجهالهم الذين [ قال الله تعالى فيهم ] { وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب } [ البقرة : 78 ] . { الحق مِن رَّبّكَ } يحتمل أن يكون الحق خبر مبتدأ محذوف . أي هو الحق . أو مبتدأ خبره ( من ربك ) وفيه وجهان : أن تكون اللام للعهد ، والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو إلى الحق الذي في قوله ليكتمون الحق . أي : هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك ، وأن تكون للجنس على معنى الحق من الله لا من غيره . يعني أن الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه ، وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل . فإن قلت : إذا جعلت الحق خبر مبتدأ فما محل من ربك؟ قلت : يجوز أن يكون خبراً بعد خبر ، وأن يكون حالاً . وقرأ عليّ رضي الله عنه : «الحق من ربك» . على الإبدال من الأوّل ، أي يكتمون الحق ، الحق من ربك ، { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم ، أوفي أنه من ربك { وَلِكُلٍ } من أهل الأديان المختلفة { وِجْهَةٌ } قبلة . وفي قراءة أبيّ : «ولكل قبلة» { هُوَ مُوَلّيهَا } وجهه ، فحذف أحد المفعولين . وقيل هو لله تعالى ، أي الله موليها إياه . وقرىء : «ولكل وجهة» على الإضافة . والمعنى وكل وجهةٍ اللَّهُ موليها ، فزيدت اللام لتقدم المفعول كقولك : لزيد ضربت ولزيد أبوه ضاربه . وقرأ ابن عامر : «هو مولاها» أي هو مولى تلك الجهة وقد وليها . والمعنى : لكل أمّة قبلة تتوجه إليها ، منكم ومن غيركم { فَاسْتَبِقُوا } أنتم { الخَيْرَاتِ } واستبقوا إليها غيركم من أمر القبلة وغيره . ومعنى آخر : وهو أن يراد : ولكل منكم يا أمة محمد وجهة أي جهة يصلّى إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية فاستبقوا الخيرات { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا } للجزاء من موافق ومخالف لا تعجزونه . ويجوز أن يكون المعنى : فاستبقوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت ، أينما تكونوا من الجهات المختلفة يأت بكم الله جميعاً يجمعكم ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة واحدة ، وكأنكم تصلون حاضري المسجد الحرام .

(1/145)


وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)

{ وَلَنَبْلُوَنَّكُم } ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم ، هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه من الطاعة وتسلمون لأمر الله وحكمه أم لا؟ { بِشَىْءٍ } بقليل من كل واحد من هذه البلايا وطرف منه { وَبَشّرِ الصابرين } المسترجعين عند البلاء؛ لأنّ الاسترجاع تسليم وإذعان . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 70 ) " من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه " . وروي :
( 71 ) أنه طفىء سراج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «إنا لله وإنا إليه راجعون» فقيل : أمصيبة هي؟ قال : «نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة» ، وإنما قلل في قوله : ( بشيء ) ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل إليه ، وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم وإنما وعدهم ذلك قبل كونه ليوطنوا عليه نفوسهم . ( نقص ) عطف على ( شيء ) أو على الخوف ، بمعنى : وشيء من نقص الأموال . والخطاب في ( بشر ) لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو لكل من يتأتى منه البشارة . وعن الشافعي رحمه الله في الخوف : خوف الله . والجوع : صيام شهر رمضان؛ والنقص من الأموال : الزكوات والصدقات ، ومن الأنفس : الأمراض ، ومن الثمرات؛ موت الأولاد . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 72 ) " إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة : أقبضّتم ولد عبدي؟ فيقولون : نعم ، فيقول : أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون : نعم ، فيقول الله تعالى : ماذا قال عبدي؟ فيقولون : حمدك واسترجع ، فيقول الله تعالى : ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد " . والصلاة : الحنو والتعطف ، فوضعت موضع الرأفة وجمع بينها وبين الرحمة . كقوله تعالى : { رَأْفَةً وَرَحْمَةً } [ الحديد : 27 ] ، { رَءوفٌ رَّحِيمٌ } [ التوبة : 117 ] . والمعنى : عليهم رأفة بعد رأفة . ورحمة أيّ رحمة . { وَأُولَئِكَ هُمُ المهتدون } لطريق الصواب حيث استرجعوا وسلموا لأمر الله .
والصفا والمروة : علمان للجبلين ، كالصمان والمقطم ، والشعائر : جمع شعيرة وهي العلامة ، أي من أعلام مناسكه ومتعبداته ، والحج : للقصد . والاعتمار : الزيارة ، فغلبا على قصد البيت وزيارته للنسكين المعروفين ، وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان . وأصل { يَطَّوَّفَ } يتطوّف فأدغم . وقرىء : «أن يطوف» من طاف . فإن قلت : كيف قيل إنهما من شعائر الله ثم قيل لا جناح عليه أن يطوف بهما؟ قلت : كان على الصفا أساف ، وعلى المروة نائلة ، وهما صنمان ، يروى : أنهما كانا رجلاً وامرأة زنيا في الكعبة ، فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما ، فلما طالت المدّة عُبدا من دون الله ، فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما ، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية وأن لا يكون عيهم جناح في ذلك ، فرفع عنهم الجناح . واختلف في السعي ، فمن قائل : هو تطوّع بدليل رفع الجناح وما فيه من التخيير بين الفعل والترك ، كقوله :

(1/146)


{ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا } [ البقرة : 230 ] ، وغير ذلك ، ولقوله : { وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } كقوله : { فمن تطوّع خيراً فهو خير له } [ البقرة : 184 ] . ويروى ذلك عن أنس وابن عباس وابن الزبير ، وتنصره قراءة ابن مسعود : ( فلا جناح عليه أن لا يطوّف بهما ) . وعن أبي حنيفة رحمه الله : أنه واجب وليس بركن وعلى تاركه دم . وعند الأوّلين لا شيء عليه . وعند مالك والشافعي : هو ركن ، لقوله عليه السلام :
( 73 ) " اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " وقرىء : «ومن يطوّع» . بمعنى : ومن يتطوع ، فأدغم . وفي قراءة عبد الله : «ومن يتطوع بخير» .

(1/147)


إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)

{ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ } من أحبار اليهود { مَا أَنَزَلْنَا } فِي التوراة { مِنَ البينات } من الآيات الشاهدة على أمر محمد صلى الله عليه وسلم { والهدى } والهداية بوصفه إلى اتباعه و الإيمان به { مِنْ بَعْدَمَا بيناه } ولخصناه { لِلنَّاسِ فِي الكتاب } في التوراة ، لم ندع فيه موضع إشكال ولا اشتباه على أحد منهم ، فعمدوا إلى ذلك المبين الملخص فكتموه ولَبَّسوا على الناس { أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون } الذين يتأتى منهم اللعن عليهم وهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين .

(1/148)


إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)

{ وَأَصْلَحُواْ } ما أفسدوا من أحوالهم ، وتداركوا ما فرط منهم { وَبَيَّنُواْ } ما بينه الله في كتابهم فكتموه ، أو بينوا للناس ما أحدثوه من توبتهم ليمحوا سمة الكفر عنهم ، ويعرفوا بضدّ ما كانوا يعرفون به ، ويقتدي بهم غيرهم من المفسدين .

(1/149)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)

{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ } يعني الذين ماتوا من هؤلاء الكاتمين ولم يتوبوا ، ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتاً . وقرأ الحسن : «والملائكة والناس أجمعون» ، بالرفع عطفاً على محل اسم الله ، لأنه فاعل في التقدير ، كقولك : عجبت من ضرب زيد وعمرو ، تريد من أن ضرب زيد وعمرو ، كأنه قيل : أولئك عليهم أن لعنهم الله والملائكة . فإن قلت : ما معنى قوله : { والناس أَجْمَعِينَ } وفي الناس المسلم والكافر . قلت : أراد بالناس من يعتدّ بلعنه وهم المؤمنون . وقيل : يوم القيامة يلعن بعضهم بعضاً { خالدين فِيهَا } في اللعنة . وقيل : في النار إلا أنها أضمرت تفخيماً لشأنها وتهويلاً { وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } من الإنظار أي لا يمهلون ولا يؤجلون ، أو لا ينتظرون ليعتذروا . أولا ينظر إليهم نظر رحمة .
{ إله واحد } فرد في الإلهية لا شريك له فيها ولا يصحّ أن يسمى غيره إلها . و { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } تقرير للوحدانية بنفي غيره وإثباته { الرحمن الرحيم } المولى لجميع النعم أصولها وفروعها ، ولا شيء سواه بهذه الصفة ، فإن كلّ ما سواه إمّا نعمة وإما منعم عليه . وقيل : كان للمشركين حول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً ، فلما سمعوا بهذه الآية تعجبوا وقالوا : إن كنت صادقاً فأت بآية نعرف بها صدقك فنزلت .

(1/150)


إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)

{ إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار } واعتقابهما لأنّ كلّ واحد منهما يعقب الآخر ، كقوله : { جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً } [ الفرقان : 62 ] { بِمَا يَنفَعُ الناس } بالذي ينفعهم مما يحمل فيها أو ينفع الناس . فإن قلت : قوله : { وَبَثَّ فِيهَا } عطف على أنزل أم أحيا؟ قلت : الظاهر أنه عطف على أنزل داخل تحت حكم الصلة ، لأنّ قوله : ( فأحيا به الأرض ) عطف على أنزل ، فاتصل به وصارا جميعاً كالشيء الواحد ، فكأنه قيل : وما أنزل في الأرض من ماء وبثّ فيها من كل دابة . ويجوز عطفه على أحيا على معنى فأحيا بالمطر الأرض وبثّ فيها من كل دابة؛ لأنهم ينمون بالخصب ويعيشون بالحيا . { وَتَصْرِيفِ الرياح } في مهابها : قبولاً ، ودبوراً ، وجنوباً ، وشمالاً . وفي أحوالها : حارّة ، وباردة ، وعاصفة ، ولينة . وعقماً ، ولواقح . وقيل تارة بالرحمة ، وتارة بالعذاب { والسحاب المسخر } سخر للرياح تقلبه في الجو بمشيئة الله يمطر حيث شاء { لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون ، لأنها دلائل على عظيم القدرة وباهر الحكمة . وعن النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
( 74 ) " ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ بها " أي لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها . وقرىء : «الفُلُك» بضمتين ، «وتصريف الريح» ، على الإفراد .

(1/151)


وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)

{ أَندَاداً } أمثالاً من الأصنام . وقيل من الرؤساء الذين كانوا يتبعونهم ويطيعونهم وينزلون على أوامرهم ونواهيهم . واستدلّ بقوله : { إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } . ومعنى : { يُحِبُّونَهُمْ } يعظمونهم ويخضعون لهم تعظيم المحبوب { كَحُبّ الله } كتعظيم الله والخضوع له ، أي كما يحب الله تعالى ، على أنه مصدر من المبني للمفعول ، وإنما استغنى عن ذكر من يحبه لأنه غير ملبس . وقيل : كحبهم الله ، أي يسوُّون بينه وبينهم في محبتهم لأنهم كانوا يقرّون بالله ويتقرّبون إليه . فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين { أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ } لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره؛ بخلاف المشركين فإنهم يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد فيفزعون إليه ويخضعون له ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه ، فيقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، ويعبدون الصنم زماناً ثم يرفضونه إلى غيره ، أو يأكلونه كما أكلت باهلة إلهها من حيس عام المجاعة { الذين ظَلَمُواْ } إشارة إلى متخذي الأنداد أي لو يعلم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم أنّ القدرة كلها لله على كل شيء من العقاب والثواب دون أندادهم ، ويعلمون شدّة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب يوم القيامة ، لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة ووقوع العلم بظلمهم وضلالهم ، فحذف الجواب كما في قوله : { وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ } [ الأنعام : 27 ] ، وقولهم : لو رأيت فلاناً والسياط تأخذه . وقرىء : «ولو ترى» بالتاء على خطاب الرسول أو كل مخاطب ، أي ولو ترى ذلك لرأيت أمراً عظيماً . وقرىء : «إذ يرون» على البناء للمفعول . وإذ في المستقبل كقوله : { وَنَادَى أصحاب الجنة } [ الأعراف : 44 ] . { إِذْ تَبَرَّأَ } بدل من { إِذْ يَرَوْنَ العذاب } أي تبرأ المتبوعون وهم الرؤساء من الأتباع . وقرأ مجاهد الأوّل على البناء للفاعل والثاني على البناء للمفعول ، أي تبرأ الأتباع من الرؤوساء { وَرَأَوُاْ العذاب } و الواو للحال ، أي تبرؤا في حال رؤيتهم العذاب { وَتَقَطَّعَتْ } عطف على تبرأ . و { الأسباب } الوصل التي كانت بينهم : من الاتفاق على دين واحد ، ومن الأنساب ، والمحاب ، والأتباع ، والاستتباع ، كقوله : { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } [ الأنعام : 94 ] { لَوْ } في معنى التمني . ولذلك أجيب بالفاء الذي يجاب به التمني ، كأنه قيل : ليت لنا كرّة ، فنتبرأ منهم { كذلك } مثل ذلك الإراء الفظيع { يُرِيهِمُ الله أعمالهم حسرات } أي ندامات ، وحسرات : ثالث مفاعيل أرى ، ومعناه أنّ أعمالهم تنقلب حسرات عليهم فلا يرون إلا حسرات مكان أعمالهم { وَمَا هُم بخارجين } هم بمنزلته في قوله :
همْ يَفْرِشُونَ اللِّبْدَ كُلَّ طِمِرَّةٍ ... في دلالته على قوّة أمرهم فيما أسند إليهم لا على الاختصاص .

(1/152)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)

{ حَلاَلاً } مفعول كلوا ، أو حال مما في الأرض { طَيِّبَاتِ } طاهراً من كل شبهة { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } فتدخلوا في حرام ، أو شبهة ، أو تحريم حلال ، أو تحليل حرام ، و ( من ) للتبعيض؛ لأن كل ما في الأرض ليس بمأكول . وقرىء : «خطوات» بضمتين ، و«خطوات» بضمة وسكون ، و«خطؤات» بضمتين وهمزة جعلت الضمة على الطاء كأنها على الواو ، و«خطوات» بفتحتين و«خطوات» بفتحة وسكون . والخطوة : المرة من الخطو . والخطوة : ما بين قدمي الخاطي . وهما كالغرفة والغرفة ، والقبضة والقبضة . يقال : اتبع خطواته ، ووطىء على عقبه إذا اقتدى به واستن بسنته { مُّبِينٌ } ظاهر العداوة لا خفاء به { إِنَّمَا يَأْمُرُكُم } بيان لوجوب الإنهاء عن اتباعه وظهور عداوته . أي لا يأمركم بخير قط إنما يأمركم { بالسوء } بالقبيح { والفحشاء } وما يتجاوز الحدّ في القبح من العظائم ، وقيل : السوء ما لا حدّ فيه . والفحشاء : ما يجب الحدّ فيه { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وهو قولكم : هذا حلال وهذا حرام ، بغير علم . ويدخل فيه كل ما يضاف إلى الله تعالى مما لا يجوز عليه . فإن قلت : كيف كان الشيطان آمراً مع قوله : { لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان } [ الحجر : 42 ] قلت : شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر ، كما تقول : أمرتني نفسي بكذا . وتحته رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم له وقبولكم وساوسه؛ ولذلك قال : { وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الأنعام وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله } [ النساء : 119 ] وقال الله تعالى : { إِنَّ النفس لأَمّارَةٌ بالسوء } [ يوسف : 53 ] لما كان الإنسان يطيعها فيعطيها ما اشتهت .

(1/153)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)

{ لَهُمُ } الضمير للناس . وعدل بالخطاب عنهم على طريقة الالتفات للنداء على ضلالهم ، لأنه لا ضال أضل من المقلد ، كأنه يقول للعقلاء : انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون : قيل : هم المشركون . وقيل : هم طائفة من اليهود دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فقالوا : { بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } فإنهم كانوا خيراً منا وأعلم . وألفينا : بمعنى وجدنا ، بدليل قوله : { بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } [ لقمان : 21 ] . { أَوْ لَّوْ كَانَ ءابَاؤُهُمْ } الواو للحال ، والهمزة بمعنى الردّ والتعجيب ، معناه : أيتبعونهم ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً من الدين ولا يهتدون للصواب .
لا بدّ من مضاف محذوف تقديره : ومثل داعي الذين كفروا { كَمَثَلِ الذى يَنْعِقُ } أو : ومثل الذين كفروا كبهائم الذي ينعق . والمعنى : ومثل داعيهم إلى الإيمان - في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوي الصوت ، من غير إلقاء أذهان ولا استبصار - كمثل الناعق بالبهائم ، التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها ، ولا تفقه شيئاً آخر ولا تعي ، كما يفهم العقلاء ويعون . ويجوز أن يراد بما لا يسمع : الأصم الأصلخ ، الذي لا يسمع من كلام الرافع صوته بكلامه إلا النداء والتصويت لا غير ، من غير فهم للحروف . وقيل معناه : ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم كمثل البهائم التي لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته ، فكذلك هؤلاء يتبعونهم على ظاهر حالهم ولا يفقهون أهم على حق أم باطل؟ وقيل معناه : ومثلهم في دعائهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع ، إلا أنّ قوله : { إِلاَّ دُعَاءً َنِدَاءً } لا يساعد عليه ، لأنّ الأصنام لا تسمع شيئاً ، والنعيق : التصويت . يقال : نعق المؤذن ، ونعق الراعي بالضأن . قال الأخطل :
فَانْعَقْ بِضَأْنِكَ يَا جرِيرُ فَإنَّمَا ... مَنَّتْكَ نَفْسُكَ في الخَلاَءِ ضَلاَلاَ
وأما ( نفق الغراب ) فبالغين المعجمة { صُمٌّ } هم صم ، وهو رفع على الذمّ .

(1/154)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)

{ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم } من مستلذاته ، لأنّ كل ما رزقه الله لا يكون إلا حلالاً { واشكروا للَّهِ } الذي رزقكموها { إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } إن صحّ أنكم تخصونه بالعبادة . وتقرّون أنه مولى النعم . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 75 ) « يقول الله تعالى : إني والجنّ والإنس في نبأ عظيم ، أخلقُ ، ويُعبد غيري وأرزق ويُشكر غيري » .

(1/155)


إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)

قرىء : «حَرّم» على البناء للفاعل ، و«حُرِّم» على البناء للمفعول ، و«حَرُم» بوزن كرم { أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله } أي رفع به الصوت للصنم ، وذلك قول أهل الجاهلية : باسم اللات والعزى { غَيْرَ بَاغٍ } على مضطرّ آخر بالاستيثار عليه { وَلاَ عَادٍ } سدَّ الجوعة . فإن قلت : في الميتات ما يحل وهو السمك والجراد . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 76 ) " أحلت لنا ميتتان ودمان " قلت : قصد ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة . ألا ترى أنّ القائل إذا قال : أكل فلان ميتة ، لم يسبق الوهم إلى السمك والجراد ، كما لو قال : أكل دماً ، لم يسبق إلى الكبد والطحال . ولاعتبار العادة والتعارف قالوا : من حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث- وإن أكل لحماً في الحقيقة ، قال الله تعالى : { لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا } [ النحل : 14 ] وشبهوه بمن حلف لا يركب دابة فركب كافراً لم يحنث - وإن سماه الله تعالى دابة في قوله : { إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ } [ الأنفال : 55 ] . فإن قلت : فما له ذكر لحم الخنزير دون شحمه؟ قلت : لأنّ الشحم داخل في ذكر اللحم ، لكونه تابعاً له و صفه فيه ، بدليل قولهم : لحم سمين ، يريدون أنه شحيم .

(1/156)


إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176)

{ فِي بُطُونِهِمْ } ملء بطونهم . يقال : أكل فلان في بطنه ، وأكل في بعض بطنه { إِلاَّ النار } لأنه إذا أكل ما يلتبس بالنار لكونها عقوبه عليه ، فكأنه أكل النار ، ومنه قولهم : أكل فلان الدم ، إذا أكل الدية التي هي بدل منه . قال :
أَكَلْتُ دَماً إنْ لَمْ أَرُعْكِ بِضَرَّةٍ ... وقال :
يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكَافَا ... راد ثمن الإكاف ، فسماه إكافاً لتلبسه بكونه ثمناً له { وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله } تعريض بحرمانهم حال أهل الجنة في تكرمة الله إياهم بكلامه وتزكيتهم بالثناء عليهم . وقيل : نفي الكلام عبارة عن غضبه عليهم كمن غضب على صاحبه فصرمه وقطع كلامه . وقيل : لا يكلمهم بما يحبون ، ولكن بنحو قوله : { اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } [ المؤمنون : 108 ] . { فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار } تعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم ، كما تقول لمن يتعرّض لما يوجب غضب السلطان : ما أصبرك على القيد والسجن ، تريد أنه لا يتعرض لذلك إلا من هو شديد الصبر على العذاب . وقيل : فما أصبرهم ، فأي شيء صبرهم . يقال : أصبره على كذا وصبره بمعنى . وهذا أصل معنى فعل التعجب . والذي روي عن الكسائي أنه قال : قال لي قاضي اليمن بمكة اختصم إليّ رجلان من العرب فحلف أحدهما على حق صاحبه فقال له : ما أصبرك على الله ، فمعناه : ما أصبرك على عذاب الله { ذلك بِأَنَّ الله نَزَّلَ } أي ذلك العذاب بسبب أنّ الله نزل ما نزل من الكتب بالحق { وَإِنَّ الذين اختلفوا } في كتب الله فقالوا في بعضها حق وفي بعضها باطل وهم أهل الكتاب { لَفِى شِقَاقٍ } لفي خلاف { بَعِيدٍ } عن الحق ، والكتاب للجنس ، أو كفرهم ذلك بسبب أنّ الله نزل القرآن بالحق كما يعلمون ، وإن الذين اختلفوا فيه من المشركين -فقال بعضهم : سحر ، وبعضهم : شعر ، وبعضهم : أساطير- لفي شقاق بعيد . يعني أنّ أولئك لو لم يختلفوا ولم يشاقوا لما جسر هؤلاء أن يكفروا .

(1/157)


لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)

{ البر اسم للخير ولكل فعل مرضيّ { أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } الخطاب لأهل الكتاب لأن اليهود تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس ، والنصارى قِبل المشرق . وذلك أنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حوّل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة ، وزعم كل واحد من الفريقين أنّ البرّ التوجه إلى قبلته ، فردّ عليهم . وقيل : ليس البرّ فيما أنتم عليه فإنه منسوخ خارج من البرّ ، ولكن البرّ ما نبينه . وقيل : كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة ، فقيل : ليس البرّ العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البرّ أمر القبلة ، ولكن البرّ الذي يجب الاهتمام به وصرف الهمة برّ من آمن وقام بهذه الأعمال . وقرىء : «وليس البرّ» - بالنصب على أنه خبر مقدم - وقرأ عبد الله : «بأن تولوا» ، على إدخال الباء على الخبر للتأكيد كقولك : ليس المنطلق بزيد { ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله } على تأويل حذف المضاف ، أي برّ من آمن ، أو بتأول البرّ بمعنى ذي البرّ ، أو كما قالت .
فَإنمَا هِيَ إقْبَالٌ وإدْبَارُ ... وعن المبرّد : لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت : ( ولكنّ البرّ ) ، بفتح الباء . وقرىء : «ولكن البارّ» . وقرأ ابن عامر ونافع : ( ولكنّ البر ) بالتخفيف { والكتاب } جنس كتب الله ، أو القرآن { على حُبّهِ } مع حب المال والشح به ، كما قال ابن مسعود : [ أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح ، تأمل العيش وتخشى الفقر ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان ] كذا ولفلان كذا ) . وقيل : على حب الله . وقيل : على حب الإيتاء ، يريد أن يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه . وقدم ذوي القربى لأنهم أحق . قال عليه الصلاة والسلام :
( 78 ) " صدقتك على المسكين صدقة ، وعلى ذي رحمك اثنتان لأنها صدقة وصلة " وقال عليه الصلاة والسلام :
( 79 ) " أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح " . وأطلق { ذَوِى القربى واليتامى } والمراد الفقراء منهم لعدم الإلباس . والمسكين : الدائم السكون إلى الناس ، لأنه لا شيء له كالمسكير : للدائم السكر و { ابن * السبيل } المسافر المنقطع . وجُعل ابناً للسبيل لملازمته له ، كما يقال للص القاطع : ابن الطريق . وقيل : هو الضيف ، لأنّ السبيل يرعف به { والسائلين } المستطعمين . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 80 ) " للسائل حق وإن جاء على ظهر فرسه " { وَفِي الرقاب } وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم . وقيل : في ابتياع الرقاب وإعتاقها . وقيل في فك الأسارى . فإن قلت : قد ذكر إيتاء المال في هذه الوجوه ثم قفاه بإيتاء الزكاة فهل دلّ ذلك على أنّ في المال حقاً سوى الزكاة؟ قلت : يحتمل ذلك . وعن الشعبي : أنّ في المال حقاً سوى الزكاة ، وتلا هذه الآية . ويحتمل أن يكون ذلك بيان مصارف الزكاة ، أو يكون حثاً على نوافل الصدقات والمبارّ . وفي الحديث :

(1/158)


( 81 ) " نسخت الزكاة كلَّ صدقة " يعني وجوبها . وروي :
( 82 ) «ليس في المال حق سوى الزكاة» { والموفون } عطف على من آمن . وأخرج { والصابرين } منصوباً على الاختصاص والمدح ، وإظهاراً لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال . وقرىء : «والصابرون» . وقرىء : «والموفين» ، «والصابرين» . و { البأساء } الفقر والشدة { والضراء } المرض والزمانة { صَدَقُواْ } كانوا صادقين جادّين في الدين .
عن عمر بن عبد العزيز ، والحسن البصري ، وعطاء ، وعكرمة ، وهو مذهب مالك والشافعي رحمة الله عليهم : أنّ الحر لا يقتل بالعبد ، والذكر لا يقتل بالأنثى ، أخذاً بهذه الآية . ويقولون : هي مفسرة لما أبهم في قوله : { النفس بالنفس } [ المائدة : 55 ] ولأنّ تلك واردة لحكاية ما كتب في التوراة على أهلها ، وهذه خوطب بها المسلمون وكتب عليهم ما فيها . وعن سعيد بن المسيب ، والشعبي ، والنخعي ، وقتادة ، والثوري ، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه : أنها منسوخة بقوله : { النفس بالنفس } [ المائدة : 55 ] والقصاص ثابت بين العبد والحرِّ ، والذَّكر والأنثى . ويستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم :
( 83 ) " المسلمون تتكافأ دماؤهم " وبأنَّ التفاضل غير معتبر في الأنفس ، بدليل أنّ جماعة لو قتلوا واحداً قتلوا به . وروي :
( 84 ) «أنه كان بين حيين من أحياء العرب دماء في الجاهلية ، وكان لأحدهما طَوْلٌ على الآخر ، فأقسموا لنقتلنّ الحرّ منكم بالعبد منا ، والذكر بالأنثى ، والاثنين بالواحد ، فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاء الله بالإسلام فنزلت ، وأمرهم أن يتباوؤا» { فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء } معناه : فمن عفي له من جهة أخيه شيء من العفو . على أنه كقولك : سير بزيد بعض السير ، وطائفة من السير . ولا يصحّ أن يكون شيء في معنى المفعول به ، لأنّ ( عفا ) لا يتعدى إلى مفعول به إلا بواسطة وأخوه : هو وليّ المقتول ، وقيل له أخوه ، لأنه لابسه ، من قبل أنه ولي الدم ومطالبه به ، كما تقول للرجل : قل لصاحبك كذا ، لمن بينه وبينه أدنى ملابسة أو ذكره بلفظ الأخوة ، ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام فإن قلت : إن عفى يتعدّى بعن لا باللام ، فما وجه قوله : { فَمَنْ عُفِىَ لَهُ } ؟ قلت : يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب ، فيقال : عفوت عن فلان وعن ذنبه . قال الله تعالى : { عَفَا الله عَنكَ } [ التوبة : 43 ] وقال : { عَفَا الله عَنْهَا } [ المائدة : 101 ] فإذا تعدى إلى الذنب والجاني معاً قيل؛ عفوت لفلان عما جنى ، كما تقول : غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه . وعلى هذا ما في الآية ، كأنه قيل : فمن عفى له عند جنايته ، فاستغنى عن ذكر الجناية ، فإن قلت؛ هلا فسرت عفى بترك حتى يكون شيء في معنى المفعول به؟ قلت : لأن عفا الشيء بمعنى تركه ليس بثبت . ولكن أعفاه . ومنه قوله عليه الصلاة والسلام :

(1/159)


( 85 ) " واعفوا اللحى " فإن قلت : فقد ثبت قولهم : عفا أثره إذا محاه وأزاله ، فهلا جعلت معناه : فمن محي له من أخيه شيء؟ قلت : عبارة قلقة في مكانها ، والعفو في باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة في الكتاب والسنة واستعمال الناس ، فلا يعدل عنها إلى أخرى قلقة نابية عن مكانها ، وترى كثيراً ممن يتعاطى هذا العلم يجترىء- إذا أعضل عليه تخريج وجه للمشكل من كلام الله- على اختراع لغة وادعاء على العرب ما لا تعرفه ، وهذه جرأة يستعاذ بالله منها . فإن قلت؟ : لم قيل : شيء من العفو؟ قلت : للإشعار بأنه إذا عفى له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم . أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم تجب إلا الدية { فاتباع بالمعروف } فليكن اتباع ، أو فالأمر اتباع . وهذه توصية للمعفو عنه والعافي جميعاً . يعني فليتبع الولي القاتل بالمعروف بأن لا يعنف به ولا يطالبه إلا مطالبة جميلة . وليؤدّ إليه القاتل بدل الدم أداء بإحسان ، بأن لا يمطله ولا يبخسه { ذلك } ْالحكم المذكور من العفو والدية { تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ } لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرّم العفو وأخذ الدية ، وعلى أهل الإنجيل العفو وحرّم القصاص والدية . وخيرت هذه الأمّة بين الثلاث : القصاص والدية والعفو ، توسعة عليهم وتيسيراً { فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك } التخفيف ، فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل ، أو القتل بعد أخذ الدية . فقد كان الولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبوله الدية ، ثم يظفر به فيقتله { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة . وعن قتادة : العذاب الأليم أن يقتل لا محالة ولا يقبل منه دية ، لقوله عليه السلام :
( 86 ) " لا أعافي أحداً قتل بعد أخذه الدية " { وَلَكُمْ فِي القصاص حياة } كلام فصيح لما فيه من الغرابة ، وهو أنّ القصاص قتل وتفويت للحياة ، وقد جعل مكاناً وظرفاً للحياة ، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة؛ لأن المعنى : ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة ، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة ، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل ، وكان يُقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر ، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أيّ حياة ، أو نوع من الحياة ، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل ، لأنّه إذا همّ بالقتل فعلم أنه يقتصّ فارتدع منه سلم صاحبه من القتل ، وسلم هو من القود ، فكان القصاص سبب حياة نفسين . وقرأ أبو الجوزاء : ( ولكم في القصص حياة ) أي فيما قص عليكم من حكم القتل القصاص وقيل القصص القرآن أي : «ولكم في القرآن حياة للقلوب» : كقوله تعالى : { رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } [ الشورى : 52 ] ، { وَيُحْىِ مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ } [ الأنفال : 42 ] . { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } أي أريتكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به . وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة .

(1/160)


كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182)

{ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت } إذا دنا منه وظهرت أماراته { خَيْر } مالاً كثيراً . عن عائشة رضي الله عنها : أنّ رجلاً أراد الوصية وله عيال وأربعمائة دينار ، فقالت : ما أرى فيه فضلاً . وأراد آخر أن يوصي فسألته : كم مالك؟ فقال : ثلاثة آلاف . قالت : كم عيالك؟ قال : أربعة . قالت : إنما قال الله { إِن تَرَكَ خَيْرًا } وإنّ هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك ، وعن عليّ رضي الله عنه : أنّ مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة فمنعه . وقال : قال الله تعالى : { إِن تَرَكَ خَيْرًا } والخير هو المال ، وليس لك مال . والوصية فاعل كتب ، وذكر فعلها للفاصل ، ولأنها بمعنى أن يوصى ، ولذلك ذكر الراجع في قوله : { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا مَا سَمِعَهُ } والوصية للوارث كانت في بدء الإسلام فنسخت بآية المواريث ، وبقوله عليه السلام :
( 87 ) « إنّ الله أعطى كلّ ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث » وبتلقي الأمّة إياه بالقبول حتى لحق بالمتواتر وإن كان من الآحاد ، لأنهم لا يتلقون بالقبول إلا الثبت الذي صحت روايته . وقيل : لم تنسخ ، والوارث يجمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين . وقيل : ما هي بمخالفة لآية المواريث . ومعناها : كتب عليكم ما أوصى به الله من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى : { يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم } [ النساء : 11 ] أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم ، وأن لا ينقص من أنصبائهم { بالمعروف } بالعدل ، وهو أن لا يوصي للغني ويدع الفقير ولا يتجاوز الثلث { حَقّاً } مصدر مؤكد ، أي حق ذلك حقاً { فَمَن بَدَّلَهُ } فمن غير الإيصاء عن وجهه إن كان موافقاً للشرع من الأوصياء والشهود { بَعْدِ مَا سَمِعَهُ } وتحققه { فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الذين يُبَدّلُونَهُ } فما إثم الإيصاء المغير أو التبديل إلا على مبدّليه دون غيرهم من الموصي والموصى له ، لأنهما بريان من الحيف { إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } وعيد المبدّل { فَمَنْ خَافَ } فمن توقع وعلم ، وهذا في كلامهم شائع يقولون : أخاف أن ترسل السماء ، يريدون التوقع والظنّ الغالب الجاري مجرى العلم { جَنَفًا } ميلاً عن الحق بالخطأ في الوصية { أَوْ إِثْماً } أو تعمداً للحيف { فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ } بين الموصى لهم وهم الوالدان والأقربون بإجرائهم على طريق الشرع { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } حينئذ ، لأنّ تبديله تبديل باطل إلى حق ذكر من يبدّل بالباطل ثم من يبدّل بالحق ليعلم أنّ كل تبديل لا يؤثم .

(1/161)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)

{ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ } على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم . قال عليّ رضي الله عنه : أوّلهم آدم ، يعني أنّ الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله أمّة من افتراضها عليهم ، لم يفرضها عليكم وحدكم { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } بالمحافظة عليها وتعظيمها لأصالتها وقدمها ، أو لعلكم تتقون المعاصي ، لأنّ الصائم أظلف لنفسه وأردع لها من مواقعة السوء . قال عليه السلام :
( 88 ) " فعليه بالصوم فإنّ الصوم له وجاء " أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين ، لأنّ الصوم شعارهم . وقيل معناه : أنه كصومهم في عدد الأيام وهو شهر رمضان ، كتب على أهل الإنجيل فأصابهم موتان ، فزادوا عشراً قبله وعشراً بعده . فجعلوه خمسين يوماً . وقيل : كان وقوعه في البرد الشديد والحرّ الشديد ، فشقّ عليهم في أسفارهم ومعايشهم فجعلوه بين الشتاء والربيع ، وزادوا عشرين يوماً كفارة لتحويله عن وقته . وقيل : الأيام المعدودات : عاشوراء ، وثلاثة أيام من كل شهر . كتب على رسول الله صلى الله عليه وسلم صيامها حين هاجر . ثم نسخت بشهر رمضان . وقيل : كتب عليكم كما كتب عليهم أن يتقوا المفطر بعد أن يصلوا العشاء وبعد أن يناموا ، ثم نسخ ذلك بقوله : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام } الآية [ البقرة : 87 ] . ومعنى { معدودات } موقتات بعدد معلوم . أو قلائل ، كقوله : { دراهم مَعْدُودَةٍ } [ يوسف : 20 ] وأصله أنّ المال القليل يقدّر بالعدد ويتحكر فيه . والكثير يهال هيلاً ويحثى حثياً . وانتصاب أياماً بالصيام كقولك : نويت الخروج يوم الجمعة { أَوْ على سَفَرٍ } أو راكب سفر { فَعِدَّةٌ } فعليه عدّة . وقرىء بالنصب بمعنى : فليصم عدّة وهذا على سبيل الرخصة . وقيل : مكتوب عليهما أن يفطرا ويصوما عدّة { مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } واختلف في المرض المبيح للإفطار ، فمن قائل : كل مرض ، لأنّ الله تعالى لم يخص مرضاً دون مرض كما لم يخص سفراً دون سفر ، فكما أنّ لكل مسافر أن يفطر ، فكذلك كل مريض . وعن ابن سيرين أنه دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتلّ بوجع أصبعه . وسئل مالك عن الرجل يصيبه الرمد الشديد أو الصداع المضر وليس به مرض يضجعه ، فقال : إنه في سعة من الإفطار . وقائل : هو المرض الذي يعسر معه الصوم ويزيد فيه ، لقوله تعالى : { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر } وعن الشافعي : لا يفطر حتى يجهده الجهد غير المحتمل . واختلف أيضاً في القضاء فعامّة العلماء على التخيير . وعن أبي عبيدة بن الجرّاح رضي الله عنه : «إنّ الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه ، إن شئت فواتر ، وإن شئت ففرّق» وعن عليّ وابن عمر والشعبي وغيرهم أنه يقضي كما فات متتابعاً . وفي قراءة أبيّ : «فعدّة من أيام أخر متتابعات» فإن قلت : فكيف قيل : { فَعِدَّةٌ } على التنكير ولم يقل : فعدّتها ، أي فعدّة الأيام المعدودات؟ قلت : لما قيل : فعدّة والعدّة بمعنى المعدود فأمر بأن يصوم أياماً معدودة مكانها ، علم أنه لا يؤثر عدد على عددها ، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ } وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر بهم إن أفطروا { فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } نصف صاع من برّ أو صاع من غيره عند أهل العراق ، وعند أهل الحجاز مدّ ، وكان ذلك في بدء الإسلام : فرض عليهم الصوم ولم يتعوّدوه فاشتدّ عليهم ، فرخص لهم في الإفطار والفدية . وقرأ ابن عباس : «يطوّقونه» ، تفعيل من الطوق إما بمعنى الطاقة أو القلادة ، أي يكلفونه أو يقلدونه ويقال لهم صوموا . وعنه «يتطوّقونه» بمعنى يتكلفونه أو يتقلدونه . «ويطوقونه» بإدغام التاء في الطاء . «ويطيقونه» «ويطيقونه» بمعنى يتطوقونه ، وأصلهما يطيوقونه ويتطيوقونه ، على أنهما من فيعل وتفعيل من الطوق ، فأدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياء كقولهم : تدير المكان وما بها ديَّار . وفيه وجهان : أحدهما نحو معنى يطيقونه . والثاني يكلفونه أو يتكلفونه على جهد منهم وعسر وهم الشيوخ والعجائز ، وحكم هؤلاء الإفطار والفدية . وهو على هذا الوجه ثابت غير منسوخ . ويجوز أن يكون هذا معنى يطيقونه ، أي يصومونه جهدهم وطاقتهم ومبلغ وسعهم { فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } فزاد على مقدار الفدية { فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ } فالتطوع أخير له أو الخير . وقرىء «فمن يطوّع» ، بمعنى يتطوّع { وَأَن تَصُومُواْ } أيها المطيقون أو المطوقون وحملتم على أنفسكم وجهدتم طاقتكم { خَيْرٌ لَّكُمْ } من الفدية وتطوع الخير . ويجوز أن ينتظم في الخطاب المريض والمسافر أيضاً . وفي قراءة أبيّ : «والصيام خير لكم» .

(1/162)


شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)

الرمضان : مصدر رمض إذا احترق - من الرمضاء- فأضيف إليه الشهر وجعل علماً ، ومنع الصرف للتعريف والألف والنون كما قيل «ابن دأية» للغراب بإضافة الابن إلى داية البعير ، لكثرة وقوعه عليها إذا دبرت . فإن قلت : لم سمي { شَهْرُ رَمَضَانَ } ؟ قلت : الصوم فيه عبادة قديمة ، فكأنهم سموه بذلك لارتماضهم فيه من حرّ الجوع ومقاساة شدّته ، كما سموه ناتقاً لأنه كان ينتقهم أي يزعجهم إضجاراً بشدته عليهم . وقيل : لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها ، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحرّ . فإن قلت : فإذا كانت التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعاً ، فما وجه ما جاء في الأحاديث من نحو قوله عليه الصلاة والسلام :
( 89 ) " من صام رمضان إيماناً وإحتساباً " . ( ( 90
" من أدرك رمضان فلم يغفر له " قلت : هو من باب الحذف لأمن الإلباس كما قال :
بِمَا أَعْيَا النّطَاسِي حِذْيَمَا ... أراد ابن حذيم ، وارتفاعه على أنه مبتدأ خبره { الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن } أو على أنه بدل من الصيام في قوله { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } [ البقرة : 183 ] أو على أنه خبر مبتدأ محذوف . وقرىء بالنصب على : صوموا شهر رمضان ، أو على الإبدال من { أَيَّامًا معدودات } ، أو على أنه مفعول { وَأَن تَصُومُواْ } [ البقرة : 184 ] . ومعنى : { أُنزِلَ فِيهِ القرآن } ابتدىء فيه إنزاله . وكان ذلك في ليلة القدر . وقيل : أنزل جملة إلى سماء الدنيا ، ثم نزل إلى الأرض نجوما . وقيل : أنزل في شأنه القرآن ، وهو قوله : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } كما تقول : أنزل في عمر كذا ، وفي عليّ كذا . وعن النبي عليه السلام :
( 91 ) " نزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان ، وأنزلت التوراة لست مضين ، والإنجيل لثلاث عشرة ، والقرآن لأربع وعشرين مضين " { هُدًى لّلنَّاسِ وبينات } نصب على الحال ، أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق ، وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدي إلى الحق ويفرق بين الحقّ والباطل . فإن قلت : ما معنى قوله : { وبينات مِّنَ الهدى } بعد قوله { هُدًى لّلنَّاسِ } ؟ قلت : ذكر أوّلاً أنه هدى ، ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به الله ، وفرق به بين الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } فمن كان شاهداً ، أي حاضراً مقيماً غير مسافر في الشهر ، فليصم فيه ولا يفطر . والشهر : منصوب على الظرف وكذلك الهاء في { فَلْيَصُمْهُ } ولا يكون مفعولاً به كقولك : شهدت الجمعة ، لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر { يُرِيدُ الله } أن ييسر عليكم ولا يعسر ، وقد نفي عنكم الحرج في الدين ، وأمركم بالحنيفية السمحة التي لا إصر فيها ، و من جملة ذلك ما رخص لكم فيه من إباحة الفطر في السفر والمرض .

(1/163)


ومن الناس من فرض الفطر على المريض والمسافر ، حتى زعم أنّ من صام منهما فعليه الإعادة . وقرىء : «اليسر ، والعسر» - بضمتين . الفعل المعلل محذوف مدلول عليه بما سبق تقديره { وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } شرع ذلك يعني جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر وأمر المرخص له بمراعاة عدة ما أفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر ، فقوله : { لتكلموا } علة الأمر بمراعاة العدّة { َ وَلِتُكَبّرُواْ } علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } علة الترخيص والتيسير ، وهذا نوع من اللف لطيف المسلك لا يكاد يهتدي إلى تبينه إلا النقاب المحدث من علماء البيان . وإنما عدّى فعل التكبير بحرف الاستعلاء لكونه مضمناً معنى الحمد ، كأنه قيل : ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم . ومعنى { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } وإرادة أن تشكروا وقرىء : «ولتكملوا» بالتشديد . فإن قلت : هل يصحّ أن يكون ( ولتكملوا ) معطوفاً على علة مقدرة ، كأنه قيل لتعلموا ما تعلمون ، ولتكملوا العدّة ، أو على اليسر ، كأنه قيل : يريد الله بكم اليسر ، ويريد بكم لتكملوا ، كقوله : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ } [ الصف : 8 ] قلت : لا يبعد ذلك والأوّل أوجه . فإن قلت : ما المراد بالتكبير؟ قلت : تعظيم الله والثناء عليه . وقيل : هو تكبير يوم الفطر . وقيل : هو التكبير عند الإهلال .

(1/164)


وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)

{ فَإِنّي قَرِيبٌ } تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه ، فإذا دعى أسرعت تلبيته ، ونحوه { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد } [ ق : 16 ] وقوله عليه الصلاة والسلام :
( 92 ) " هو بينكم وبين أعناق رواحلكم " وروي :
( 93 ) أنّ أعربياً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أقريب ربنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت : { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى } إذا دعوتهم للإيمان والطاعة ، كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم . وقرىء «يرشَدون ويرشِدون» ، بفتح الشين ، وكسرها .
( 94 ) كان الرجل إذا أمسى حل له الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو يرقد ، فإذا صلاها أو رقد ولم يفطر حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى القابلة ، ثم إنّ عمر رضي الله عنه واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة ، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله ، إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة ، وأخبره بما فعل ، فقال عليه الصلاة والسلام : «ما كنت جديراً بذلك يا عمر» فقام رجال فاعترفوا بما كانوا صنعوا بعد العشاء ، فنزلت . وقرىء : «أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث» ، أي أحلّ الله . وقرأ عبد الله : «الرفوث» ، وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه ، كلفظ النيك ، وقد أرفث الرجل . وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه أنشد وهو محرم :
وهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ... إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِك لَمِيسَا
فقيل له : أرفثت؟ فقال : إنما الرفث ما كان عند النساء . وقال الله تعالى : { فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ } فكنى به عن الجماع ، لأنه لا يكاد يخلو من شيء من ذلك . فإن قلت : لم كنى عنه ههنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله : { وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ } [ النساء : 21 ] ، { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } [ الاعراف : 189 ] ، { باشروهن } ، { أَوْ لامستم النساء } [ النساء : 43 ] ، { دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } [ النساء : 23 ] ، { فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } [ البقرة : 223 ] ، { مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } [ البقرة : 237 ] ، { فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ } [ النساء : 24 ] ، { وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ } [ البقرة : 222 ] ؟ قلت : استهجاناً لما وجد منهم قبل الإباحة ، كما سماه اختياناً لأنفسهم . فإن قلت : لم عدى الرفث بإلى؟ قلت : لتضمينه معنى الإفضاء . لما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه ، شبه باللباس المشتمل عليه . قال الجعدي :
إذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَهَا ... تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا
فإن قلت : ما موقع قوله : { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ } ؟ قلت : هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال ، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهنّ مثل هذه المخالطة والملابسة قلّ صبركم عنهنّ وصعب عليكم اجتنابهنّ ، فلذلك رخص لكم في مباشرتهنّ { تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } تظلمونها وتنقصونها حظها من الخير . والاختيان من الخيانة ، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور { وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ } واطلبوا ما قسم الله لكم وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة ، أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل .

(1/165)


وقيل : هو نهى عن العزل لأنه في الحرائر . وقيل : وابتغوا المحل الذي كتبه الله لكم وحلّله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرّم . وعن قتادة : وابتغوا ما كتب الله لكم من الإباحة بعد الحظر . وقرأ ابن عباس : ( واتبعوا ) وقرأ الأعمش : ( وأتوا ) وقيل معناه : واطلبوا ليلة القدر وما كتب الله لكم من الثواب إن أصبتموها وقمتموها ، وهو قريب من بدع التفاسير { الخيط الابيض } هو أوّل من يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود . و { الخيط الأسود } ما يمتدّ معه من غبش الليل ، شبها بخيطين أبيض وأسود . قال أبو داؤد :
فَلَمَّا أضَاءَتْ لَنَا سَدْفَةٌ ... وَلاَحَ مِنَ الصُّبْحِ خيط أنَارَا
وقوله : { مِنَ الفجر } بيان للخيط الأبيض ، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود . لأنّ بيان أحدهما بيان للثاني . ويجوز أن تكون ( من ) للتبعيض : لأنه بعض الفجر وأوّله . فإن قلت : أهذا من باب الاستعارة أم من باب التشبيه؟ قلت : قوله : { مِنَ الفجر } أخرجه من باب الاستعارة ، كما أن قولك : رأيت أسداً مجاز . فإذا زدت ( من فلان ) رجع تشبيهاً . فإن قلت : فلم زيد { مِنَ الفجر } حتى كان تشبيهاً؟ وهلا اقتصر به على الاستعارة التي هي أبلغ من التشبيه وأدخل في الفصاحة؟ قلت : لأنّ من شرط المستعار أن يدل عليه الحال أو الكلام ، ولو لم يذكر { مِنَ الفجر } لم يعلم أن الخيطين مستعاران ، فزيد { مِنَ الفجر } فكان تشبيهاً بليغاً وخرج من أن يكون استعارة . فإن قلت : فكيف التبس على عديّ بن حاتم مع هذا البيان حتى قال :
( 95 ) عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فكنت أقوم من الليل فأنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود ، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فضحك وقال : " إن كان وسادك لعريضا " وروي : ( إنك لعريض القفا ، إنما ذاك بياض النهار وسواد الليل ) ؟ قلت : غفل عن البيان ، ولذلك عرّض رسول الله صلى الله عليه وسلم قفاه ، لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل وقلة فطنته . وأنشدتني بعض البدويات لبدوي :
عَرِيضُ القَفَا مِيزَانُهُ فِي شِمَالِه ... قَدِ انحص مِنْ حَسْبِ القَرَارِيطِ شَارِبُهْ
فإن قلت : فما تقول فيما روي عن سهل بن سعد الساعدي :
( 96 ) أنها نزلت ولم ينزل { مِنَ الفجر } فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا له ، فنزل بعد ذلك { مِنَ الفجر } فعلموا أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار؟ وكيف جاز تأخير البيان وهو يشبه العبث ، حيث لا يفهم منه المراد ، إذ ليس باستعارة لفقد الدلالة ، ولا بتشبيه قبل ذكر الفجر ، فلا يفهم منه إذن إلا الحقيقة وهي غير مرادة؟ قلت : أما من لم يجوّز تأخير البيان - وهم أكثر الفقهاء والمتكلمين ، وهو مذهب أبي عليّ وأبي هاشم - فلم يصح عندهم هذا الحديث . وأما من يجوّزه فيقول : ليس بعبث . لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب ويعزم على فعله إذا استوضح المراد منه { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل } قالوا : فيه دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان ، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر ، وعلى نفي صوم الوصال { عاكفون فِي المساجد } معتكفون فيها . والاعتكاف أن يحبس نفسه في المسجد يتعبد فيه . والمراد بالمباشرة الجماع لما تقدم من قوله : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَائِكُمْ } ، { فالن باشروهن } وقيل معناه : ولا تلامسوهنّ بشهوة ، والجماع يفسد الاعتكاف ، وكذلك إذا لمس أو قبل فأنزل . وعن قتادة كان الرجل إذا اعتكف خرج فباشر امرأته ثم رجع إلى المسجد ، فنهاهم الله عن ذلك . وقالوا : فيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد ، وأنه لا يختصّ به مسجد دون مسجد . وقيل : لا يجوز إلا في مسجد نبيّ وهو أحد المساجد الثلاثة . وقيل : في مسجد جامع . والعامة على أنه في مسجد جماعة . وقرأ مجاهد : «في المسجد» { تِلْكَ } الأحكام التي ذكرت { حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا } فلا تغشوها . فإن قلت : كيف قيل : { فَلاَ تَقْرَبُوهَا } مع قوله :

(1/166)


{ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله } [ البقرة : 229 ] ؟ قلت : من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق فنهى أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيز الباطل ، ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحدّ الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل لئلا يداني الباطل ، وأن يكون في الواسطة متباعداً عن الطرف فضلاً عن أن يتخطاه ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 97 ) « إنّ لكل ملك حمى ، وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه » فالرتع حول الحمى وقربان حيزه واحد . ويجوز أن يريد بحدود الله محارمه ومناهيه خصوصاً ، لقوله : { وَلاَ تباشروهن } وهي حدود لا تقرب .

(1/167)


وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)

ولا يأكل بعضكم مال بعض { بالباطل } بالوجه الذي لم يبحه الله ولم يشرعه . ( و ) لا { تُدْلُواْ بِهَا } ولا تلقوا أمرها والحكومة فيها إلى الحكام { لِتَأْكُلُواْ } بالتحاكم { فَرِيقاً } طائفة { مّنْ أَمْوَالِ الناس بالإثم } بشهادة الزور ، أو باليمين الكاذبة ، أو بالصلح ، مع العلم بأن المقضي له ظالم . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للخصمين :
( 98 ) « إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إليّ ، ولعلّ بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه ، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنّ منه شيئاً ، فإنما أقضي له قطعة من نار » فبكيا وقال كل واحد منهما : حقي لصاحبي . فقال : « اذهبا فتوخيا ، ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه » وقيل : { وَتُدْلُواْ بِهَا } وتلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة . وتدلوا : مجزوم داخل في حكم النهي ، أو منصوب بإضمار أن ، كقوله : { وَتَكْتُمُواْ الحق } [ البقرة : 42 ] . { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنكم على الباطل ، وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح ، وصاحبه أحق بالتوبيخ .
( 99 ) وروي أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاري قالا : يا رسول الله ، ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلىء ويستوي ، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا لا يكون على حالة واحدة؟ فنزلت . { مَوَاقِيتُ } معالم يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدد نسائهم وأيام حيضهنّ ومدد حملهنّ وغير ذلك ، ومعالم للحج يعرف بها وقته . كان ناس من الأنصار إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطاً ولا داراً ولا فسطاطاً من باب ، فإذا كان من أهل المدر نقب نقباً في ظهر بيته منه يدخل ويخرج ، أو يتخذ سلماً يصعد فيه؛ وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فقيل لهم : { و لَّيْسَ البر } بتحرّجكم من دخول الباب { ولكن البر } برّ { مَنِ اتقى } ما حرّم الله . فإن قلت : ما وجه اتصاله بما قبله؟ قلت : كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة في نقصانها وتمامها معلوم - : أنّ كل ما يفعله الله عزّ وجلّ لا يكون إلا حكمة بالغة ومصلحة لعباده ، فدعوا السؤال عنه وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البرّ في شيء وأنتم تحسبونها برّاً . ويجوز أن يجري ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج ، لأنه كان من أفعالهم في الحج . ويحتمل أن يكون هذا تمثيلاً لتعكيسهم في سؤالهم ، وأن مثلهم فيه كمثل من يترك باب البيت ويدخله من ظهره . والمعنى : ليس البر وما ينبغي أن تكونوا عليه بأن تعكسوا في مسائلكم ، ولكن البرّ برّ من اتقى ذلك وتجنبه ولم يجسر على مثله . ثم قال : { وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها } أي وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا . والمراد وجوب توطين النفوس وربط القلوب على أن جميع أفعال الله حكمة وصواب ، من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه؛ لما في السؤال من الاتهام بمقارفة الشك { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ } [ الأنبياء : 21 ] .

(1/168)


وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)

المقاتلة في سبيل الله : هو الجهاد لإعلاء كلمة الله وإعزاز الدين { الذين يقاتلونكم } الذين يناجزونكم القتال دون المحاجزين . وعلى هذا يكون منسوخاً بقوله : { وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً } [ التوبة : 36 ] . وعن الربيع بن أنس رضي الله عنه : هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة فكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقاتل من قاتل ويكف عمن كف . أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ والصبيان و الرهبان والنساء . أو الكفرة كلهم لأنهم جميعاً مضادّون للمسلمين قاصدون لمقاتلتهم ، فهم في حكم المقاتلة ، قاتلوا أو لم يقاتلوا . وقيل : لما صدّ المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله وسلم عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع من قابل فيخلوا له مكة ثلاثة أيام فرجع لعمرة القضاء ، خاف المسلمون أن لايفي لهم قريش ويصدّوهم ويقاتلوهم في الحرم وفي الشهر الحرام وكرهوا ذلك نزلت وأطلق لهم قتال الذين يقاتلونهم منهم في الحرم والشهر الحرام ، ورفع عنهم الجناح في ذلك { وَلاَ تَعْتَدُواْ } بابتداء القتال أو بقتال من نهيتم عن قتاله من النساء والشيوخ والصبيان والذين بينكم وبينهم عهد أو بالمثلة أو بالمفاجأة من غير دعوة { حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } حيث وجدتموهم في حلّ أو حرم . والثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة . ومنه : رجل ثقف ، سريع الأَخذ لأقرانه . قال :
فَإمَّا تَثْقَفُونِي فَاقْتُلُونِي ... فَمَنْ أَثْقَفْ فَلَيْسَ إلَى خُلُود
{ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } أي من مكة وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن لم يسلم منهم يوم الفتح . { والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل } أي المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان يتعذب به أشدّ عليه من القتل . وقيل لبعض الحكماء : ما أشد من الموت؟ قال : الذي يتمنى فيه الموت ، جعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن التي يتمنى عندها الموت . ومنه قول القائل :
لَقَتْلٌ بِحَدِّ السَّيْفِ أَهْوَنُ مَوْقِعا ... عَلَى النَّفْسِ مِنْ قَتْلٍ بِحَدِّ فِرَاقِ
وقيل : ( الفتنة ) عذاب الآخرة { وَذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ } [ الذاريات : 13 ] وقيل : الشرك أعظم من القتل في الحرم ، وذلك أنهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم ويعيبون به المسلمين ، فقيل : والشرك الذي هم عليه أشدّ وأعظم مما يستعظمونه . ويجوز أن يراد : وفتنتهم إياكم بصدّكم عن المسجد الحرام أشدّ من قتلكم إياهم في الحرم ، أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم فلا تبالوا بقتالهم . وقرىء : ( ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم ، فإن قتلوكم ) : جعل وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم . يقال : قتلتنا بنو فلان . وقال : فإن تقتلونا نقتلكم { فَإِنِ انْتَهَوْاْ } عن الشرك والقتال ، كقوله : { إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } [ الأنفال : 38 ] { حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } أي شرك { وَيَكُونَ الدين للَّهِ } خالصاً ليس للشيطان فيه نصيب { فَإِنِ انْتَهَوْاْ } عن الشرك { فَلاَ عدوان إِلاَّ عَلَى الظالمين } فلا تعدوا على المنتهين لأنّ مقاتلة المنتهين عدوان وظلم ، فوضع قوله : { إِلاَّ عَلَى الظالمين } موضع على المنتهين . أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين ، سمي جزاء الظالمين ظلماً للمشاكلة ، كقوله تعالى : { فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ } أو أريد أنكم إن تعرضتم لهم بعد الانتهاء كنتم ظالمين فيسلط عليكم من يعدو عليكم .

(1/169)


الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)

قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو القعدة ، فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال وذلك في ذي القعدة : { الشهر الحرام بالشهر الحرام } أي هذا الشهر بذلك الشهر وهتكه بهتكه ، يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم { والحرمات قِصَاصٌ } أي وكل حرمة يجري فيها القصاص من هتك حرمة أيّ حرمة كانت ، اقتص منه بأن تهتك له حرمة ، فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك ولا تبالوا ، وأكد ذلك بقوله { فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ واتقوا الله } في حال كونكم منتصرين ممن اعتدى عليكم ، فلا تعتدوا إلى ما لا يحلّ لكم .

(1/170)


وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)

الباء في { بِأَيْدِيكُمْ } مزيدة مثلها في أعطى بيده للمنقاد . والمعنى : ولا تقبضوا التهلكة بأيديكم ، أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم . وقيل : ( بأيديكم ) بأنفسكم : وقيل تقديره : ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم ، كما يقال : أهلك فلان نفسه بيده ، إذا تسبب لهلاكها . والمعنى : النهي عن ترك الإنفاق في سبيل الله لأنه سبب الهلاك ، أو عن الإسراف في النفقة حتى يفقر نفسه ويضيع عياله . أو عن الاستقتال والإخطار بالنفس ، أو عن ترك الغزو الذي هو تقوية للعدوّ . وروي :
( 100 ) أن رجلاً من المهاجرين حمل على صف العدوّ فصاح به الناس : ألقى بيده إلى التهلكة . فقال أبو أيوب الأنصاري : نحن أعلم بهذه الآية ، وإنما أنزلت فينا ، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصرناه . وشهدنا معه المشاهد ، وآثرناه على أهالينا وأموالنا وأولادنا ، فلما فشا الإسلام وكثر أهله ووضعت الحرب أوزارها ، رجعنا إلى أهالينا وأولادنا وأموالنا نصلحها ونقيم فيها . فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد . وحكى أبو علي في ( الحلبيات ) عن أبي عبيدة ، التهلكة والهلاك والهلك واحد . قال : فدلّ هذا من قول أبي عبيدة على أن التهلكة مصدر . ومثله ما حكاه سيبويه من قولهم التضرة والتسرة ونحوها في الأعيان : التنضبة والتنفلة . ويجوز أن يقال : أصلها التهلكة كالتجربة والتبصرة ونحوهما ، على أنها مصدر من هلك فأبدلت من الكسرة ضمة ، كما جاء الجوار في الجوار .

(1/171)


وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)

{ وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ } ائتوا بهما تامّين كاملين بمناسكهما وشرائطهما لوجه الله من غير توان ولا نقصان يقع منكم فيهما . قال :
تَمَامُ الْحَجِّ أَنْ تَقِفَ الْمَطَايَا ... عَلَى خَرْقَاءَ وَاضِعَةِ اللِّثَامِ
جعل الوقوف عليها كبعض مناسك الحج الذي لا يتم إلا به . وقيل : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك ، روى ذلك عن عليّ وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم . وقيل : أن تفرد لكل واحد منها سفراً كما قال محمد : حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل . وقيل : أن تكون النفقة حلالاً . وقيل : أن تخلصوهما للعبادة ولا تشوبوهما بشيء من التجارة والأغراض الدنيوية . فإن قلت : هل فيه دليل على وجوب العمرة؟ قلت : ما هو إلا أمر بإتمامهما ، ولا دليل في ذلك على كونهما واجبين أو تطوّعين ، فقد يؤمر بإتمام الواجب والتطوع جميعاً ، إلا أن تقول : الأمر بإتمامهما أمر بأدائهما ، بدليل قراءة من قرأ «وأقيموا الحج والعمرة» والأمر للوجوب في أصله ، إلا أن يدلّ دليل على خلاف الوجوب كما دلّ في قوله { فاصطادوا } [ المائدة : 2 ] { فانتشروا } [ الأحزاب : 53 ] ونحو ذلك ، فيقال لك : فقد دلّ الدليل على نفي الوجوب ، وهو ما روي :
( 101 ) أنه قيل : يا رسول الله : العمرة واجبة مثل الحج؟ قال : " لا ، ولكن أن تعتمر خير لك " وعنه :
( 102 ) " الحج جهاد والعمرة تطوّع " فإن قلت : فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : إن العمرة لقرينة الحج . وعن عمر رضي الله عنه :
( 103 ) أن رجلاً قال له : إني وجدت الحجّ والعمرة مكتوبين عليّ ، أهللت بهما جميعاً فقال : «هُديت لسنة نبيك» . وقد نظمت مع الحج في الأمر بالإتمام فكانت واجبة مثل الحج؟ قلت : كونها قرينة للحج أنّ القارن يقرن بينهما ، وأنهما يقترنان في الذكر فيقال : حجّ فلان واعتمر والحجاج والعمار ، ولأنها الحجّ الأصغر ، ولا دليل في ذلك على كونها قرينة له في الوجوب . وأمّا حديث عمر رضي الله عنه فقد فسر الرجل كونهما مكتوبين عليه بقوله : أهللت بهما ، وإذا أهلّ بالعمرة وجبت عليه كما إذا كبر بالتطوّع من الصلاة . والدليل الذي ذكرناه أخرج العمرة من صفة الوجوب فبقي الحجّ وحده فيها ، فهما بمنزلة قولك : صم شهر رمضان وستة من شوال ، في أنك تأمره بفرض وتطوّع . وقرأ عليّ وابن مسعود والشعبي رضي الله عنهم «والعمرة لله» بالرفع ، كأنهم قصدوا بذلك إخراجها عن حكم الحجّ وهو الوجوب { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } يقال : أُحصر فلان ، إذا منعه أمر من خوف أو مرض أو عجز . قال الله تعالى : { الذين أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ الله } [ البقرة : 273 ] وقال ابن ميادة :
وَمَا هَجْرُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ تَبَاعَدَت ... عَلَيْكَ وَلاَ أَنْ أَحْصَرَتْكَ شَغُولُ

(1/172)


وحُصر : إذا حبسه عدوّ عن المضي ، أو سجن . ومنه قيل للمحبس : الحصير . وللملك ، الحصير ، لأنه محجوب . هذا هو الأكثر في كلامهم ، وهما بمعنى المنع في كل شيء ، مثل صدّه وأصدّه . وكذلك قال الفرّاء وأبو عمرو الشيباني ، وعليه قول أبي حنيفة رحمهم الله تعالى ، كل منع عنده من عدوّ كان أو مرض أو غيرهما معتبر في إثبات حكم الإحصار . وعند مالك والشافعي منع العدوّ وحده . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 104 ) " من كسر أو عرج فقد حلّ وعليه الحج من قابل " { فَمَا استيسر مِنَ الهدى } فما تيسر منه . يقال : يسر الأمر واستيسر ، كما يقال : صعب واستصعب . والهدي جمع هدية ، كما يقال في جدية السرج جدي ، وقرىء : «من الهديّ» بالتشديد جمع هدية كمطية ومطيّ . يعني فإن منعتم من المضي إلى البيت وأنتم محرمون بحج أو عمرة ، فعليكم إذا أردتم التحلل ما استيسر من الهدي من بعير أو بقرة أو شناة ، فإن قلت : أين ومتى ينحر هدي المحصر؟ قلت : إن كان حاجاً فبالحرم متى شاء عند أبي حنيفة يبعث به ، ويجعل للمبعوث على يده يوم أمار وعندهما في أيام النحر وإن كان معتمراً فبالحرم في كل وقت عندهم جميعاً . و ( ما استيسر ) رفع بالابتداء ، أي فعليه ما استيسر . أو نصب على : فاهدوا ما استيسر { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ } الخطاب للمحصرين : أي لا تحلوا حتى تعلموا أنّ الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ { مَحِلَّهُ } أي مكانه الذي يجب نحره فيه . ومحل الدين وقت وجوب قضائه ، وهو ظاهر على مذهب أبي حنيفة رحمه الله . فإن قلت :
( 105 ) إنّ النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه حيث أحصر؟ قلت : كان محصره طرف الحديبية الذي إلى أسفل مكة وهو من الحرم ، وعن الزهري :
( 106 ) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر هديه في الحرم . وقال الواقدي : الحديبية هي طرف الحرم على تسعة أميال من مكة { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } فمن كان به مرض يحوجه إلى الحلق { أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ } وهو القمل أو الجراحة ، فعليه إذا احتلق فدية { مّن صِيَامٍ } ثلاثة أيام { أَوْ صَدَقَةٍ } على ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع من برّ { أَوْ نُسُكٍ } وهو شاة . وعن كعب بن عجرة
( 107 ) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " لعلك أذاك هوامّك " ؟ قال : نعم يا رسول الله . قال : " احلق رأسك وصم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ، أو انسك شاة " وكان كعب يقول : فيّ نزلت هذه الآية ، وروي :
( 108 ) أنه مرّ به وقد قَرَحَ رَأْسُهُ فقال : «كفى بهذا أذى» وأمره أن يحلق ويطعم ، أو يصوم . والنسك مصدر ، وقيل : جمع نسيكة . وقرأ الحسن : أو «نسك» ، بالتخفيف { فَإِذَا أَمِنتُمْ } الإحصار ، يعني فإذا لم تحصروا وكنتم في أمن وسعة { فَمَن تَمَتَّعَ } أي استمتع { بالعمرة إِلَى الحج } واستمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج : انتفاعه بالتقرّب بها إلى الله تعالى قبل الانتفاع بتقرّبه بالحج . وقيل : إذا حلّ من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرّماً عليه إلى أن يحرم بالحج { فَمَا استيسر مِنَ الهدى } هو ، هدي المتعة ، وهو نسك عند أبي حنيفة ويأكل منه . وعند الشافعي : يجري مجرى الجنايات ولا يأكل منه ، ويذبحه يوم النحر عندنا . وعنده يجوز ذبحه إذا أحرم بحجته { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } الهدي { ف } عليه { صِيَامٍ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج } أي في وقته وهو أشهرهُ ما بين الإحرامين إحرام العمرة وإحرام الحج ، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله . والأفضل أن يصوم يوم التروية وعرفة ويوماً قبلهما ، وإن مضى هذا الوقت لم يجزئه إلا الدم . وعند الشافعي : لا تصام إلا بعد الإحرام بالحج تمسكاً بظاهر قوله : { فِي الحج وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } بمعنى إذا نفرتم وفرغتم من أفعال الحج عند أبي حنيفة ، وعند الشافعي : هو الرجوع إلى أهاليهم . وقرأ ابن أبي عبلة «وسبعةً» بالنصب عطفاً على محل ثلاثة أيام ، وكأنه قيل : فصيام ثلاثة أيام ، كقوله :

(1/173)


{ أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيماً } [ البلد : 15 ] فإن قلت : فما فائدة الفذلكة؟ قلت : الواو قد تجىء للإباحة في نحو قولك : جالس الحسن وابن سيرين . ألا ترى أنه لو جالسهما جميعاً أو واحداً منهما كان ممتثلاً ففذلكت نفياً لتوهم الإباحة ، وأيضاً ففائدة الفذلكة في كل حساب أن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلاً ليحاط به من جهتين ، فيتأكد العلم . وفي أمثال العرب : علمان خير من علم ، وكذلك { كَامِلَةٌ } تأكيد آخر . وفيه زيادة توصية بصيامها وأن لا يتهاون بها ولا ينقص من عددها ، كما تقول للرجل إذا كان لك اهتمام بأمر تأمره به وكان منك بمنزل : الله الله لا تقصر . وقيل : كاملة في وقوعها بدلاً من الهدي . وفي قراءة أبيّ : «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» { ذلك } إشارة إلى التمتع ، عند أبي حنيفة وأصحابه . لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندهم ، ومن تمتع منهم أو قرن كان عليه دم وهو دم جناية لا يأكل منه؛ وأما القارن والمتمتع من أهل الآفاق فدمهما دم نسك يأكلان منه . وعند الشافعي : إشارة إلى الحكم الذي هو وجوب الهدي أو الصيام ولم يوجب عليهم شيئاً . وحاضرو المسجد الحرام : أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة عند أبي حنيفة . وعند الشافعي : أهل الحرم ومن كان من الحرم على مسافة لا تقصر فيها الصلاة { واتقوا الله } في المحافظة على حدوده وما أمركم به ونهاكم عنه في الحج وغيره { واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } لمن خالف ليكون علمكم بشدة عقابه لطفاً لكم في التقوى .

(1/174)


الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)

أي وقت الحج { أَشْهُرٍ } كقولك : البرد شهران . والأشهر المعلومات : شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة عند أبي حنيفة . وعند الشافعي : تسع ذي الحجة وليلة يوم النحر . وعند مالك : ذي الحجة كله . فإن قلت : ما فائدة توقيت الحج بهذه الأشهر؟ قلت : فائدته أن شيئاً من أفعال الحجّ لا يصحّ إلا فيها ، والإحرام بالحج لا ينعقد أيضاً عند الشافعي في غيرها . وعند أبي حنيفة ينعقد إلا أنه مكروه . فإن قلت : فكيف كان الشهران وبعض الثالث أشهر؟ قلت : اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد . بدليل قوله تعالى : { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [ التحريم : 4 ] فلا سؤال فيه إذن ، وإنما كان يكون موضعاً للسؤال لو قيل : ثلاثة أشهر معلومات . وقيل : نُزِّل بعض الشهر منزلة كله ، كما يقال : رأيتك سنة كذا ، أو على عهد فلان ، ولعل العهد عشرون سنة أو أكثر ، وإنما رآه في ساعة منها . فإن قلت : ما وجه مذهب مالك وهو مرويّ عن عروة بن الزبير؟ قلت : قالوا إنّ العمرة غير مستحبة فيها عند عمر وابن عمر؛ فكأنها مخلصة للحج لا مجال فيها للعمرة . وعن عمر رضي الله عنه : أنه كان يخفق الناس بالدّرة وينهاهم عن الاعتمار فيهنّ . وعن عمر رضي الله عنه قال لرجل : إن أطعتني انتظرت حتى إذا أهللت المحرّم خرجت إلى ذات عرق فأهللت منها بعمرة . وقالوا : لعل من مذهب عروة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر { معلومات } معروفات عند الناس لا يشكلن عليهم . وفيه أن الشرع لم يأت على خلاف ما عرفوه ، وإنما جاء مقرّراً له { فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج } فمن ألزم نفسه بالتلبية أو بتقليد الهدي وسوقه عند أبي حنيفة وعند الشافعي بالنية { فَلاَ رَفَثَ } فلا جماع؛ لأنه يفسده . أو فلا فحش من الكلام { وَلاَ فُسُوقَ } ولا خروج عن حدود الشريعة وقيل : هو السباب والتنابز بالألقاب { وَلاَ جِدَالَ } ولا مراء مع الرفقاء والخدم والمكارين : وإنما أمر باجتناب ذلك . وهو واجب الاجتناب في كل حال لأنه مع الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة؛ والتطريب في قراءة القرآن . والمراد بالنفي وجوب انتفائها ، وأنها حقيقة بأن لا تكون . وقرىء المنفيات الثلاث بالنصب وبالرفع . وقرأ أبو عمرو وابن كثير الأوّلين بالرفع؛ والآخر بالنصب : لأنهما حملا الأوّلين على معنى النهي ، كأنه قيل : فلا يكونن رفث ، ولا فسوق ، والثالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل : ولا شك ولا خلاف في الحج ذلك أنّ قريشاً كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام ، وسائر العرب يقفون بعرفة؛ وكانوا يقدّمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء ، فرّد إلى وقت واحد وردّ الوقوف إلى عرفة ، فأخبر الله تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج . واستدلّ على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله صلى الله عليه وسلم :

(1/175)


( 109 ) « من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمه » وأنه لم يذكر الجدال { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله } حث على الخير عقيب النهي عن الشر؛ وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن ، ومكان الفسوق البرّ والتقوى؛ ومكان الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة . أو جعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم حتى لا يوجد منهم ما نهوا عنه ، وينصره قوله تعالى : { وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى } أي اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإن خير الزاد اتقاؤها . وقيل :
( 110 ) كان أهل اليمن لا يتزوّدون ويقولون : نحن متوكلون ونحن نحج بيت الله أفلا يُطعمنا فيكونون كلاًّ على الناس ، فنزلت فيهم . ومعناه : وتزوّدوا واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم ، فإن خير الزاد التقوى { واتقون } وخافوا عقابي { ياأولي الالباب } يعني أن قضية اللب تقوى الله ، ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لا لب له .

(1/176)


لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)

{ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } عطاء منه وتفضلاً ، وهو النفع والربح بالتجارة ، وكان ناس من العرب يتأثمون أن يتجروا أيام الحج ، وإذا دخل العشر كفوا عن البيع والشراء فلم تقم لهم سوق ، ويسمون من يخرج بالتجارة الداجّ . ويقولون هؤلاء الداج وليسوا بالحاج . وقيل : كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يتجرون فيها في أيام الموسم . وكانت معايشهم منها ، فلما جاء الإسلام تأثموا ، فرفع عنهم الجناح في ذلك وأبيح لهم ، وإنما يباح ما لم يشغل عن العبادة ، وعن ابن عمر رضي الله عنه :
( 111 ) أن رجلاً قال له : إنا قوم نكري في هذا الوجه وإن قوماً يزعمون أن لا حج لنا ، فقال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألت فلم يردّ عليه ، حتى نزل { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } فدعا به فقال : أنتم حجاج . وعن عمر رضي الله عنه أنه قيل له : هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟ فقال : وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج . وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما : «فضلاً من ربكم في مواسم الحج» . ( أَنْ تبتغوا ) في أن تبتغوا { أَفَضْتُمْ } دفعتم بكثرة ، وهو من إفاضة الماء وهو صبه بكثرة ، وأصله أفضتم أنفسكم ، فترك ذكر المفعول كما ترك في دفعوا من موضع كذا وصبوا . وفي حديث أبي بكر رضي الله عنه : «صب في دقران وهو يخرش بعيره بمحجنه» ويقال : أفاضوا في الحديث وهضبوا فيه . و { عرفات } علم للموقف سمي بجمع كأذرعات . فإن قلت : هلا مُنعت الصرف وفيها السببان : التعريف والتأنيث؟ قلت : لا يخلو من التأنيث إما أن يكون بالتاء التي في لفظها ، وإما بتاء مقدرة كما في سعاد؛ فالتي في لفظها ليست للتأنيث ، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث ولا يصح تقدير التاء فيها ، لأنّ هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها كما لا يقدر تاء التأنيث في بنت لأن التاء التي هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث فأبت تقديرها . وقالوا : سميت بذلك لأنها وصفت لإبراهيم عليه السلام فلما أبصرها عرفها . وقيل : إن جبريل حين كان يدور به في المشاعر أراه إياها فقال : قد عرفت . وقيل : التقى فيها آدم وحوّاء فتعارفا . وقيل : لأنّ الناس يتعارفون فيها والله أعلم بحقيقة ذلك ، وهي من الأسماء المرتجلة لأنّ العرفة لا تعرف في أسماء الأجناس إلا أن تكون جمع عارف . وقيل : فيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأنّ الإفاضة لا تكون إلا بعده . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 112 ) " الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج " { فاذكروا الله } بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات . وقيل : بصلاة المغرب والعشاء . و { المشعر الحرام } قزح ، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة . وقيل : المشعر الحرام : ما بين جبل المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر ، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام . والصحيح أنه الجبل ، لما روى جابر رضي الله عنه :

(1/177)


( 113 ) أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلّى الفجر يعني بالمزدلفة بغلس ، ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل ، ولم يزل واقفاً حتى أسفر . وقوله تعالى : { عِندَ المشعر الحرام } معناه مما يلي المشعر الحرام قريباً منه ، وذلك للفضل ، كالقرب من جبل الرحمة ، وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر . أو جعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر . والمشعر : المعلم ، لأنه معلم العبادة . ووصف بالحرم لحرمته . وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال : لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون . وقيل : سميت المزدلفة وجمعاً : لأنّ آدم صلوات الله عليه اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها ، أي دنا منها . وعن قتادة : لأنه يجمع فيها بين الصلاتين . ويجوز أن يقال : وصفت بفعل أهلها ، لأنهم يزدلفون إلى الله أي يتقرّبون بالوقوف فيها { كَمَا هَدَاكُمْ } ما مصدرية أو كافة . والمعنى : واذكروهُ ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة أواذكروه كما علمكم كيف تذكرونه ، لا تعدلوا عنه { وَإِن كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ } من قبل الهدى { لَمِنَ الضالين } الجاهلين ، لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه . وإِن هي مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة { ثُمَّ أَفِيضُواْ } ثم لتكن إفاضتكم { مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس } ولا تكن من المزدلفة . وذلك لما كان عليه الحمس من الترفع على الناس والتعالي عليهم وتعظمهم عن أن يساووهم في الموقف . وقولهم : نحن أهل الله وقطان حرمه فلا تخرج منه ، فيقفون بجمع وسائر الناس بعرفات؟ فإن قلت : فكيف موقع ثم؟ قلت : نحو موقعها في قولك : أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم ، تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم ، والإحسان إلى غيره وبُعد ما بينهما؛ فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات قال : ثم أفيضوا لتفاوت ما بين الإفاضتين ، وأن إحداهما صواب والثانية خطأ . وقيل : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس وهم الحمس ، أي من المزدلفة إلى منى بعد الإفاضة من عرفات . وقرىء : «من حيث أفاض الناس» بكسر السين أي الناسي وهو آدم ، من قوله : { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آد م مِن قَبْلُ فَنَسِىَ } [ طه : 115 ] يعني أن الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تخالفوا عنه { واستغفروا الله } من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم { فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم } أي فإذا فرغتم من عباداتكم الحجية ونفرتم { فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ } فأكثروا ذكر الله وبالغوا فيه كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم . وكانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا بين المسجد بمنى وبين الجبل ، فيعدّدون فضائل آبائهم ويذكرون محاسن أيامهم . { أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } في موضع جر عطف على ما أضيف إليه الذكر في قوله { كَذِكْرِكُمْ } كما تقول كذكر قريش آباءهم ، أو قوم أشدّ منهم ذكراً . أو في موضع نصب عطف على آباءكم ، بمعنى أو أشدّ ذكراً من آبائكم ، على أن ذكراً من فعل المذكور { فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ } معناه أكثروا ذكر الله ودعاءه فإنّ الناس من بين مقل لا يطلب بذكر الله إلا أعراض الدنيا ، ومكثر يطلب خير الدارين ، فكونوا من المكثرين { آتنا فِى الدنيا } اجعل إيتاءنا أي إعطاءنا في الدنيا خاصة { وَمَا لَهُ فِى الاخرة مِنْ خلاق } أي من طلب خلاقي وهو النصيب . أو ما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب ، لأنّ همه مقصور على الدنيا .

(1/178)


والحسنتان ما هو طلبةُ الصالحين في الدنيا من الصحة والكفاف والتوفيق في الخير ، وطلبتهم في الآخرة من الثواب . وعن علي رضي الله عنه : الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة ، وفي الآخرة الحوراء . وعذاب النار : امرأة السوء . { أولئك } الداعون بالحسنتين { لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ } أي نصيب من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة ، وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة . أو من أجل ما كسبوا ، كقوله : { مما خطيئاتهم أغرقوا } [ نوح : 25 ] . أو لهم نصيب مما دعوا به نعطيهم [ منه ] ما يستوجبونه بحسب مصالحهم في الدنيا واستحقاقهم في الآخرة . وسمى الدعاء كسباً لأنه من الأعمال ، والأعمال موصوفة بالكسب : بما كسبت أيديكم . ويجوز أن يكون ( أولئك ) للفريقين جميعاً ، وأن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا { والله سَرِيعُ الحساب } يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد . فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة ، أو وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه . روي : أنه يحاسب الخلق في قدر حلب شاة . وروى في مقدار فواق ناقة . وروي في مقدار لمحة .

(1/179)


وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)

والأيام المعدودات . أيام التشريق ، وذكر الله فيها : التكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار . وعن عمر رضي الله عنه : أنه كان يكبر في فسطاطه بمنى فيكبر من حوله ، حتى يكبر الناس في الطريق وفي الطواف { فَمَن تَعَجَّلَ } فمن عجّل في النفر أو استعجل النفر . وتعجل ، واستعجل : يجيئان مطاوعين بمعنى عجل . يقال : تعجل في الأمر واستعجل : ومتعديين ، يقال : تعجل الذهاب واستعجله . والمطاوعة أوفق لقوله : { وَمَن تَأَخَّرَ } كما هي كذلك في قوله :
قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِه ... وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
لأجل المتأني { فِى يَوْمَيْنِ } بعد يوم النحر يوم القرّ وهو اليوم الذي يسميه أهل مكة يوم الرؤوس ، واليوم بعده ينفر إذا فرغ من رمي الجمار كما يفعل الناس اليوم وهو مذهب الشافعي ويروى عن قتادة . وعند أبي حنيفة وأصحابه ينفر قبل طلوع الفجر { وَمَن تَأَخَّرَ } حتى رمى في اليوم الثالث . والرمي في اليوم الثالث يجوز تقديمه على الزوال عند أبي حنيفة . وعند الشافعي لايجوز . فإن قلت : كيف قال : { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } عند التعجل والتأخر جميعاً؟ قلت : دلالة على أنّ التعجل والتأخر مخير فيهما ، كأنه قيل : فتعجلوا أو تأخروا . فإن قلت : أليس التأخر بأفضل؟ قلت : بلى ، ويجوز أن يقع التخيير بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل وقيل : إنّ أهل الجاهلية كانوا فريقين : منهم من جعل المتعجل آثماً ، ومنهم من جعل المتأخر آثماً فورد القرآن بنفي المأثم عنهما جميعاً { لِمَنِ اتقى } أي ذلك التخيير ، ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي : لئلا يتخالج في قلبه شيء منهما فيحسب أنّ أحدهما يرهق صاحبه آثام في الإقدام عليه ، لأنّ ذا التقوى حذّر متحرّز من كل ما يريبه ، ولأنه هو الحاج على الحقيقة عند الله . ثم قال : { واتقوا الله } ليعبأ بكم . ويجوز أن يراد ذلك الذي مرّ ذكره من أحكام الحج وغيره لمن اتقى ، لأنه هو المنتفع به دون من سواه ، كقوله : { ذَلِكَ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله } [ الروم : 38 ] .

(1/180)


وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)

{ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ } أي يروقك ويعظم في قلبك . ومنه : الشىء العجيب الذي يعظم في النفس . وهو الأخنس بن شريق كان رجلاً حلو المنطق ، إذا لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألان له القول وادعى أنه يحبه وأنه مسلم وقال : يعلم الله أني صادق . وقيل : هو عامّ في المنافقين ، كانت تحلو لي ألسنتهم ، وقلوبهم أمرّ من الصَّبِرِ ، فإن قلت : بم يتعلق قوله : { فىلحيوة الدنيا } ؟ قلت : بالقول ، أي يعجبك ما يقوله في معنى الدنيا؛ لأن ادّعاءه المحبة بالباطل يطلب به حظاً من حظوظ الدنيا ولا يريد به الآخرة ، كما تراد بالإيمان الحقيقي والمحبة الصادقة للرسول؛ فكلامه إذاً في الدنيا لا في الآخرة . ويجوز أن يتعلق بيعجبك ، أي قوله حلو فصيح في الدنيا فهو يعجبك ، ولا يعجبك في الآخرة لما يرهقه في الموقف من الحبسة واللكنة ، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام فلا يتكلم حتى يعجبك كلامه { وَيُشْهِدُ الله على مَا فِى قَلْبِهِ } أي يحلف ويقول : الله شاهد على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام . وقرىء : «ويشهد الله» . وفي مصحف أبيّ : «ويستشهد الله» : { وَهُوَ أَلَدُّ الخصام } وهو شديد الجدال والعداوة للمسلمين . وقيل : كان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلاً وأهلك ومواشيهم وأحرق زروعهم . والخصام : المخاصمة . وإضافة الألدّ بمعنى في ، كقولهم : ثبت الغدر . أو جعل الخصام ألدّ على المبالغة . وقيل الخصام : جمع خصم ، كصعب وصعاب ، بمعنى وهو أشدّ الخصوم خصومة { وَإِذَا تولى } عنك وذهب بعد إلانة القول وإحلاء المنطق { سعى فِى الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا } كما فعل بثقيف . وقيل : { وَإِذَا تولى } وإذا كان والياً فعل ما يفعل ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل . وقيل : يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل . وقرىء : ( ويهلكُ الحرث والنسلُ ) ، على أن الفعل للحرث والنسل ، والرفع للعطف على سعى . وقرأ الحسن بفتح اللام ، وهي لغة . نحو : أبى يأبى . وروى عنه : «ويهلك» ، على البناء للمفعول { أَخَذَتْهُ العزة بالإثم } من قولك : أخذته بكذا ، إذا حملته عليه وألزمته إياه ، أي حملته العزة التي فيه وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه ، وألزمته ارتكابه ، وأن لا يخلي عنه ضراراً ولجاجاً . أو على ردّ قول الواعظ .

(1/181)


وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)

{ يَشْرِى نَفْسَهُ } يبيعها أي يبذلها في الجهاد . وقيل : يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر حتى يقتل ، وقيل :
( 114 ) نزلت في صهيب بن سنان : أراده المشركون على ترك الإسلام وقتلوا نفراً كانوا معه ، فقال لهم : أنا شيخ كبير ، إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضرّكم ، فخلوني وما أنا عليه وخذوا مالي . فقبلوا منه ماله وأتى المدينة { والله رَءوفٌ بالعباد } حيث كلفهم الجهاد فعرضهم لثواب الشهداء .

(1/182)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)

{ السلام } بكسر السين وفتحها . وقرأ الأعمش بفتح السين واللام ، وهو : الإستسلام والطاعة ، أي استسلموا لله وأطيعوه { كَافَّةً } لا يخرج أحد منكم يده عن طاعته . وقيل هو الإسلام . والخطاب لأهل الكتاب لأنهم آمنوا بنبيهم وكتابهم ، أو للمنافقين لأنهم آمنوا بألسنتهم . ويجوز أن يكون كافة حالا من السلم ، لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب . قال :
السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِه ... وَالحْرَبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ
على أن المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها . وأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة . أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها ، وأن لا يُخلوا بشيء منها . وعن عبد الله بن سلام .
( 115 ) أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيم على السبت وأن يقرأ من التوراة في صلاته من الليل و ( كافة ) من الكف ، كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد باجتماعهم { فَإِن زَلَلْتُمْ } عن الدخول في السلم { مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ البينات } أي الحجج والشواهد على أنّ ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق { فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ } غالب لا يعجزه الانتقام منكم { حَكِيمٌ } لا ينتقم إلا بحق . وروي أنّ قارئًا قرأ غفور رحيم ، فسمعه أعرابي فأنكره ولم يقرأ القرآن وقال : إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم ، لا يذكر الغفران عند الزلل ، لأنه إغراء عليه . وقرأ أبو السّمال : «زللتم» بكسر اللام وهما لغتان ، نحو : ظللت وظللت .

(1/183)


هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)

إتيان الله إتيان أمره وبأسه كقوله : { أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ } [ النحل : 33 ] ، { فجاءهم بأسنا } [ الأنعام : 43 ] ويجوز أن يكون المأتي به محذوفاً ، بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه أو بنقمته للدلالة عليه بقوله : { إنالله عَزِيزٌ } { فِي ظُلَلٍ } جمع ظلة وهي ما أظلك . وقرىء : «ظلال» وهي جمع ظلة ، كقلة وقلال أو جمع ظل . وقرىء والملائكة بالرفع كقوله : { هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة } [ الأنعام : 158 ] وبالجر عطف على ظلل أو على الغمام . فإن قلت : لِمَ يأتيهم العذاب في الغمام؟ قلت : لأنّ الغمام مظنة الرحمة ، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول ، لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم ، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسرّ ، فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير ، ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الغيث . ومن ثمة اشتد على المتفكرين في كتاب الله قوله تعالى : { وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ } [ الزمر : 47 ] . { وَقُضِىَ الأمر } وأتم أمر إهلاكهم وتدميرهم وفرغ منه . وقرأ معاذ بن جبل رضي الله عنه : «وقضاء الأمر» ، على المصدر المرفوع عطفاً على الملائكة . وقرىء : «ترجِع» ، «وترجَع» ، على البناء للفاعل والمفعول بالتأنيث والتذكير فيهما .

(1/184)