صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الكشاف
المؤلف : أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)

{ فَرَقْنَا } فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم . وقرىء : فرّقنا ، بمعنى فصلنا . يقال : فرق بين الشيئين ، وفرّق بين الأشياء؛ لأن المسالك كانت اثني عشر على عدد الأسباط . فإن قلت : ما معنى { بُكْمٌ } ؟ قلت : فيه أوجه : أن يراد أنهم كانوا يسلكونه ، ويتفرّق الماء عند سلوكهم ، فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما ، وأن يراد فرقناه بسببكم ، وبسبب إنجائكم ، وأن يكون في موضع الحال بمعنى فرقناه ملتبساً بكم كقوله :
تَدُوسُ بِنَا الْجَمَاجِمَ وَالتَّرِيبَا ... أي تدوسها ونحن راكبوها . وروى أنّ بني إسرائيل قالوا لموسى : أين أصحابنا لا نراهم؟ قال : سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم . قالوا : لا نرضى حتى نراهم . فقال : اللَّهم أعني على أخلاقهم السيئة . فأوحى إليه : أن قل بعصاك هكذا ، فقال بها على الحيطان . فصارت فيها كوى . فتراؤا وتسامعوا كلامهم { وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } إلى ذلك وتشاهدونه لا تشكون فيه .

(1/90)


وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)

لما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه ، وعد الله موسى أن ينزل عليه التوراة ، وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة . وقيل { أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } لأن الشهور غررها بالليالي . وقرىء { واعدنا } لأن الله تعالى وعده الوحي ووعد المجيء للميقات إلى الطور { مِن بَعْدِهِ } من بعد مضيه إلى الطور { وَأَنتُمْ ظالمون } بإشراككم { ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم } حين تبتم { مِن بَعْدِ ذلك } من بعد ارتكابكم الأمر العظيم وهو اتخاذكم العجل { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } إرادة أن تشكروا النعمة في العفو عنكم .

(1/91)


وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)

{ الكتاب والفرقان } يعني الجامع بين كونه كتاباً منزلاً ، وفرقاناً يفرق بين الحق والباطل : يعني التوراة ، كقولك : رأيت الغيث والليث ، تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة . ونحوه قوله تعالى : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاء وَذِكْراً } [ الأنبياء : 48 ] يعني الكتاب الجامع بين كونه فرقاناً وضياء وذكراً : أو التوراة . والبرهان : الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من الآيات ، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام ، وقيل الفرقان : انفراق البحر . وقيل : النصر الذي فرّق بينه وبين عدوّه ، كقوله تعالى : { يَوْمَ الفرقان } [ الأنفال : 41 ] يريد به يوم بدر . حمل قوله : { فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } على الظاهر وهو البخع وقيل : معناه قتل بعضهم بعضاً . وقيل : أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة . وروى أن الرجل كان يبصر ولده ، ووالده وجاره وقريبه ، فلم يمكنهم المضي لأمر الله ، فأرسل اللَّه ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون تحتها ، وأمروا أن يحْتبوا بأفنية بيوتهم ، ويأخذ الذين لم يعبدوا العجل سيوفهم ، وقيل لهم : اصبروا ، فلعن الله من مدّ طرفه أو حلّ حبوته أو اتقى بيد أو رجل ، فيقولون : آمين فقتلوهم إلى المساء حتى دعا موسى وهارون وقالا : يا رب ، هلكت بنو إسرائيل ، البقية البقية ، فكشفت السحابة ونزلت التوبة . فسقطت الشفار من أيديهم ، وكانت القتلى سبعين ألفاً . فإن قلت : ما الفرق بين الفاآت؟ قلت : الأولى للتسبيب لا غير ، لأن الظلم سبب التوبة . والثانية للتعقيب لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم ، من قِبَلِ أن الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم . ويجوز أن يكون القتل تمام توبتهم . فيكون المعنى : فتوبوا ، فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم ، والثالثة متعلقة بمحذوف ، ولا يخلو إما أن ينتظم في قول موسى لهم فتتعلق بشرط محذوف ، كأنه قال : فإن فعلتم فقد تاب عليكم . وإمّا أن يكون خطاباً من الله تعالى لهم على طريقة الالتفات . فيكون التقدير : ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارؤكم . فإن قلت : من أين اختص هذا الموضع بذكر البارىء؟ قلت : البارىء هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت { مَا ترِى فِى خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت } [ الملك : 3 ] ومتميزاً بعضه من بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة ، فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة أبرياء من التفاوت والتنافر ، إلى عبادة البقرة التي هي مثل في الغباوة والبلادة . في أمثال العرب : أبلد من ثور حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم ، وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم ، حين لم يشكروا النعمة في ذلك ، وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها .

(1/92)


وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)

قيل : القائلون السبعون الذين صعقوا . وقيل : قاله عشرة آلاف منهم { جَهْرَةً } عياناً . وهي مصدر من قولك : جهر بالقراءة وبالدعاء ، كأنَّ الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية ، والذي يرى بالقلب مخافت بها ، وانتصابها على المصدر ، لأنها نوع من الرؤية فنصبت بفعلها كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس ، أو على الحال بمعنى ذوي جهرة . وقرىء «جهرة» بفتح الهاء ، وهي إماّ مصدر كالغلبة . وإما جمع جاهر . وفي هذا الكلام دليل على أن موسى عليه الصلاة والسلام رادّهم القول وعرّفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال وأن من استجاز على الله الرؤية فقد جعله من جملة الأجسام أو الأعراض ، فرادّوه بعد بيان الحجة ووضوح البرهان ، ولجوا فكانوا في الكفر كعبدة العجل ، فسلط الله عليهم الصعقة كما سلط على أولئك القتل تسوية بين الكفرين ودلالة على عظمهما بعظم المحنة . و { الصاعقة } ما صعقهم ، أي أماتهم . قيل : نار وقعت من السماء فأحرقتهم . وقيل : صيحة جاءت من السماء . وقيل : أرسل الله جنوداً سمعوا بحسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة . وموسى عليه السلام ، لم تكن صعقته موتاً ولكن غشية ، بدليل قوله : { فَلَمَّا أَفَاقَ } . والظاهر أنه أصابهم ما ينظرون إليه لقوله : { وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } . وقرأ عليّ رضي الله عنه { فَأَخَذَتْكُم الصَّعْقَة } . { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمة البعث بعد الموت ، أو نعمة الله بعدما كفرتموها إذا رأيتم بأس الله في رميكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت . { وَظَلَّلْنَا } وجعلنا الغمام يظلكم . وذلك في التيه ، سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس؛ وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه ، وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى ، وينزل عليهم { المن } وهو الترنجبين مثل الثلج . من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، لكل إنسان صاع ، ويبعث الله الجنوب فتحشر عليهم { السلوى } وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه { كُلُواْ } على إرادة القول { وَمَا ظَلَمُونَا } يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا ، فاختصر الكلام بحذفه لدلالة { وَمَا ظَلَمُونَا } عليه .

(1/93)


وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)

{ القرية } بيت المقدس . وقيل : أريحاء من قرى الشام ، أمروا بدخولها بعد التيه { الباب } باب القرية . وقيل : هو باب القبة التي كانوا يصلون إليها وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه الصلاة والسلام . أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً لله وتواضعاً . وقيل : «السجود» أن ينحنوا ويتطامنوا داخلين ، ليكون دخولهم بخشوع وإخبات . وقيل : طوطىء لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يخفضوها ، ودخلوا متزحفين على أوراكهم { حِطَّةٌ } فعلة من الحط كالجلسة والركبة ، وهي خبر مبتدأ محذوف ، أي مسألتنا حطة ، أوأمرك حطة . والأصل : النصب بمعنى : حط عنا ذنوبنا حطة . وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات ، كقوله :
صَبْرٌ جَمِيلٌ فَكِلاَنَا مُبْتَلَى ... والأصل صبراً ، على : اصبر صبراً . وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب على الأصل . وقيل معناه : أمرنا حطة ، أي أن نحط في هذه القرية ونستقرّ فيها . فإن قلت : هل يجوز أن تنصب حطة في قراءة من نصبها ب ( قولوا ) ، على معنى : قولوا هذه الكلمة؟ قلت : لا يبعد . والأجود أن تنصب بإضمار فعلها ، وينتصب محل ذلك المضمر ب ( قولوا ) . وقرىء «يغفر لكم» على البناء للمفعول بالياء والتاء { وَسَنَزِيدُ المحسنين } أي من كان محسناً منكم كانت تلك الكلمة سبباً في زيادة ثوابه ، ومن كان مسيئاً كانت له توبة ومغفرة . { فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ } أي وضعوا مكان حطة { قَوْلاً } غيرها . يعني أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار ، فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ، ولم يمتثلوا أمر الله . وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه وهو لفظ الحطة فجاؤا بلفظ آخر ، لأنهم لو جاؤا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به ، لم يؤاخذوا به . كما لو قالوا مكان حطة : نستغفرك ونتوب إليك . أو اللَّهم اعف عنا وما أشبه ذلك . وقيل : قالوا مكان حطة : حنطة . وقيل : قالوا : بالنبطية : «حطا سمقاثا» أي حنطة حمراء ، استهزاء منهم بما قيل لهم ، وعدولاً عن طلب ما عند الله إلى طلب ما يشتهون من أغراض الدنيا . وفي تكرير { الذين ظَلَمُواْ } زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بأنّ إنزال الرجز عليهم لظلمهم . وقد جاء في سورة الأعراف : { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ } [ الأعراف : 133 ] على الإضمار . والرجز : العذاب . وقرىء بضم الراء وروى : أنه مات منهم في ساعة بالطاعون أربعة وعشرون ألفاً . وقيل : سبعون ألفاً .

(1/94)


وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)

عطشوا في التيه ، فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له : { اضرب بّعَصَاكَ الحجر } واللام إمّا للعهد والإشارة إلى حجر معلوم . فقد روي : أنه حجر طوري حمله معه ، وكان حجراً مربعاً له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ثلاث أعين ، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم ، وكانوا ستمائة ألف ، وسعة المعسكر اثنا عشر ميلاً ، وقيل : أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه ، حتى وقع إلى شعيب ، فدفعه إليه مع العصا . وقيل : هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة ، ففرّ به ، فقال له جبريل : يقول لك الله تعالى : ارفع هذا الحجر ، فإنّ لي فيه قدرة ولك فيه معجزة ، فحمله في مخلاته . وإمّا للجنس ، أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر . وعن الحسن : لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه قال : وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة . وروى أنهم قالوا : كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة ، فحمل حجراً في مخلاته فحيثما نزلوا ألقاه . وقيل : كان يضربه بعصاه فينفجر ، ويضربه بها فييبس . فقالوا : إن فقد موسى عصاه متنا عطشاً ، فأوحى إليه : لا تقرع الحجارة ، وكلمها تطعك ، لعلهم يعتبرون . وقيل : كان من رخام وكان ذراعاً في ذراع . وقيل : مثل رأس الإنسان . وقيل : كان من أُسِّى الجنة طوله عشرة أذرع على طول موسى ، وله شعبتان تتقدان في الظلمة ، وكان يحمل على حمار : { فانفجرت } ، الفاء متعلقة بمحذوف ، أي فضرب فانفجرت . أو فإن ضربت فقد انفجرت ، كما ذكرنا في قوله : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام بليغ . وقرىء «عشرة» بكسر الشين وبفتحها وهما لغتان { كُلُّ أُنَاسٍ } كل سبط { مَّشْرَبَهُمْ } عينهم التي يشربون منها { كُلُواْ } على إرادة القول { مِن رّزْقِ الله } مما رزقكم من الطعام وهو المنّ والسلوى ومن ماء العيون . وقيل : الماء ينبت منه الزروع والثمار ، فهو رزق يؤكل منه ويشرب . والعثيّ : أشدّ الفساد ، فقيل لهم : لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه .

(1/95)


وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)

كانوا فلاحة فنزعوا إلى عَكَرِهم فأَجَموا ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم الشقاء { على طَعَامٍ واحد } أرادوا ما رزقوا في التيه من المنّ والسلوى . فإن قلت : هما طعامان فما لهم قالوا على طعام واحد؟ قلت : أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدّل ، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها ، قيل : لا يأكل فلان إلا طعاماً واحداً يراد بالوحدة نفي التبدّل والاختلاف . ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد ، لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والتترف ، ونحن قوم فِلاَحَةٍ أهل زراعات ، فما نريد إلا ما ألفناه وضرينا به من الأشياء المتفاوتة كالحبوب والبقول ونحو ذلك . ومعنى { يُخْرِجْ لَنَا } يظهر لنا ويوجد . والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر . والمراد به أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها . وقرىء «وقُثائها» بالضم . والفوم : الحنطة . ومنه فوّموا لنا ، أي : اخبزوا . وقيل : الثوم . ويدل عليه قراءة ابن مسعود : «وثومها» وهو للعدس والبصل أوفق { الذى هُوَ أدنى } الذي هو أقرب منزلة وأدون مقداراً . والدنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار فيقال : هو داني المحل وقريب المنزلة ، كما يعبر بالبعد عن عكس ذلك فيقال : هو بعيد المحل وبعيد الهمة يريدون الرفعة والعلو . وقرأ زهير الفرقبي : ( أدنأ ) بالهمزة من الدناءة { اهبطوا مِصْرًا } وقرىء «اهبُطوا» بالضم : أي انحدروا إليه من التيه . يقال : هبط الوادي إذا نزل به ، وهبط منه ، إذا خرج . وبلاد التيه : ما بين بيت المقدس إلى قنسرين ، وهي اثنا عشر فرسخاً في ثمانية فراسخ . ويحتمل أن يريد العلم وإنما صرفه مع اجتماع السببين فيه وهما التعريف والتأنيث ، لسكون وسطه كقوله : { وَنُوحاً وَلُوطاً } . وفيهما العجمة والتعريف ، وإن أريد به البلد فما فيه إلا سبب واحد ، وأن يريد مصراً من الأمصار وفي مصحف عبد الله وقرأ به الأعمش : «اهبطوا مصرَ» بغير تنوين كقوله : { ادخلوا مِصْرَ } . وقيل : هو مصرائيم فعرّب { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة } جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم ، فهم فيها كما يكون في القبة من ضربت عليه . أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب ، كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه ، فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة ، إما على الحقيقة وإما لتصاغرهم وتفاقرهم ، خيفة أن تضاعف عليهم الجزية { وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ الله } من قولك : باء فلان بفلان ، إذا كان حقيقاً بأن يقتل به ، لمساواته له ومكافأته ، أي صاروا أحقاء بغضبه { ذلك } إشارة إلى ما تقدّم من ضرب الذلة والمسكنة والخلاقة بالغضب ، أي ذلك بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء وقد قتلت اليهود لعنوا شعيا وزكريا ويحيى وغيرهم ، فإن قلت : قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟ قلت : معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا . وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم ، فلو سئلو وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجهاً يستحقون به القتل عندهم . وقرأ عليّ رضي الله عنه «ويقتِّلون» بالتشديد { ذلك } تكرار للإشارة { بِمَا عَصَواْ } بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي واعتدائهم حدود الله في كل شيء ، مع كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء . وقيل : هو اعتداؤهم في السبت . ويجوز أن يشار بذلك إلى الكفر وقتل الأنبياء على معنى أن ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم؛ لأنهم انهمكوا فيهما وغلوا حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود الآيات وقتل الأنبياء ، أو ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا .

(1/96)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

إن الذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون { والذين هَادُواْ } والذين تهوّدوا . يقال : هاد يهود . وتهوّد إذا دخل في اليهودية ، وهو هائد ، والجمع هود . { والنصارى } وهو جمع نصران . يقال : رجل نصران ، وامرأة نصرانة ، قال : نصرانة لم تحنف . والياء في نصرانيّ للمبالغة كالتي في أحمريّ . سموا لأنهم نصروا المسيح . { والصابئين } وهو من صبأ : إذا خرج من الدين وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة { مَنْ ءامَنَ } من هؤلاء الكفرة إيماناً خالصاً ودخل في ملة الإسلام دخولاً أصيلاً { وَعَمِلَ صالحا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } الذي يستوجبونه بإيمانهم وعملهم . فإن قلت : ما محل من آمن؟ قلت : الرفع إن جعلته مبتدأ خبره «فلهم أجرهم» والنصب إن جعلته بدلاً من اسم إنّ المعطوف عليه . فخبر إنّ في الوجه الأول الجملة كما هي وفي الثاني فلهم أجرهم . والفاء لتضمن { مَنْ } معنى الشرط .

(1/97)


وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)

{ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم } بالعمل على ما في التوراة { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور } حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق . وذلك أن موسى عليه السلام جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها من الآصار والتكاليف الشاقة ، فكبرت عليهم وأبوا قبولها ، فأمر جبريل فقلع الطور من أصله ، ورفعه وظلله فوقهم وقال لهم موسى : إن قبلتم وإلا أُلقي عليكم ، حتى قبلوا . { خُذُواْ } على إرادة القول { مَا ءاتيناكم } من الكتاب { بِقُوَّةٍ } بجدّ وعزيمة { واذكروا مَا فِيهِ } واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } رجاء منكم أن تكونوا متقين ، أو قلنا خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا . { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به { فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ } بتوفيقكم للتوبة لخسرتم . وقرىء : «خذوا ما آتيتكم ، وتذكروا» و «واذكروا» و { السبت } مصدر سبتت اليهودإذا عظمت يوم السبت . وإن ناساً منهم اعتدوا فيه أي جاوزوا ما حدّ لهم فيه من التجرّد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد . وذلك أن الله ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت ، فإذا مضى تفرّقت . كما قال : { تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كذلك نَبْلُوهُم } [ الأعراف : 163 ] فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول ، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد . فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم . { قِرَدَةً خاسئين } خبران أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء ، وهو الصغار والطرد { فَجَعَلْنَاهَا } يعني المسخة { نكالا } عبرة تنكل من اعتبر بها أي تمنعه . ومنه النكل : القيد { لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا } لما قبلها { وَمَا خَلْفَهَا } وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها ، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين : أو أريد بما بين يديها : ما بحضرتها من القرى والأمم . وقيل نكالاً : عقوبة منكلة لما بين يديها لأجل ما تقدّمها من ذنوبهم وما تأخر منها { وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } للذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم ، أو لكل متق سمعها .

(1/98)


وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)

كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتله ابنه بنو أخيه ليرثوه ، وطرحوه على باب مدينة ثم جاءوا يطالبون بديته ، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله { قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } أتجعلنا مكان هزو ، أو أهل هزو ، أو مهزواً بنا ، أو الهزو نفسه لفرط الاستهزاء { مِنَ الجاهلين } لأن الهزو في مثل هذا من باب الجهل والسفه . وقرى «هزؤاً» بضمتين . و «هزءاً» بسكون الزاي ، نحو كفؤا وكفؤاً . وقرأ حفص : «هزواً» بالضمتين والواو وكذلك «كفواً» . والعياذ واللياذ من واد واحد .
في قراءة عبد الله : «سل لنا ربك ما هي»؟ سؤال عن حالها وصفتها . وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا ، فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشأن الخارجة عما عليه البقر . والفارض : المسنة ، وقد فرضت فروضاً فهي فارض . قال خفاف بن ندبة :
لَعَمْرِي لَقَدْ أَعْطَيْتُ ضَيْفَكَ فَارِضاً ... تُسَاقُ إلَيْهِ مَا تَقُومُ عَلَى رِجْلِ
وكأنها سميت فارضاً لأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها . والبكر : الفتية . والعوان النصف . قال :
نَوَاعِمُ بَيْنَ أَبْكَارٍ وَعُونِ ... وقد عوّنْت . فإن قلت : { بَيْنَ } يقتضي شيئين فصاعداً فمن أين جاز دخوله على { ذلك } قلت : لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر من الفارض والبكر . فإن قلت : كيف جاز أن يشار به إلى مؤنثين ، وإنما هو للإشارة إلى واحد مذكر؟ قلت : جاز ذلك على تأويل ما ذكر وما تقدّم ، للاختصار في الكلام ، كما جعلوا ( فعل ) نائباً عن أفعال جمة تذكر قبله : تقول للرجل : نعم ما فعلت ، وقد ذكر لك أفعالاً كثيرة وقصة طويلة ، كما تقول له : ما أحسن ذلك . وقد يجري الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا . قال أبو عبيدة : قلت : لرؤبة في قوله :
فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وبَلَق ... كَأَنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
إن أردت الخطوط فقل : كأنها . وإن أردت السواد والبلق فقل : كأنهما . فقال : أردت كأن ذاك ويلك! والذي حسن منه أنّ أسماء الإشارة تثنيتها وجمعها وتأنيثها ليست على الحقيقة وكذلك الموصولات . ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع { مَا تُؤْمَرونَ } أي ما تؤمرونه بمعنى تؤمرون به من قوله : أمرتك الخير أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول به بالمصدر ، كضرب الأمير .
الفقوع : أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه . يقال في التوكيد : أصفر فاقع ووارس ، كما يقال أسود حالك وحانك ، وأبيض يقق ولهق . وأحمر قاني وذريحي . وأخضر ناضر ومدهامّ . وأورق خطبانيّ وأرمك ردانيّ . فإن قلت : فاقع ههنا واقع خبراً عن اللون ، فلم يقع توكيداً لصفراء قلت : لم يقع خبراً عن اللون إنما وقع توكيداً لصفراء ، إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون من سببها وملتبس بها ، فلم يكن فرق بين قولك صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها . فإن قلت : فهلا قيل صفراء فاقعة؟ وأي فائدة في ذكر اللون؟ قلت : الفائدة فيه التوكيد ، لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة ، فكأنه قيل : شديدة الصفرة صفرتها ، فهو من قولك : جدّ جدّه ، وجنونك مجنون . وعن وهب : إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه . وعن علي رضي الله عنه : من لبس نعلاً صفراء قل همه لقوله تعالى : { تَسُرُّ الناظرين } وعن الحسن البصري { صَفْرآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا } : سوداء شديدة السواد . ولعله مستعار من صفة الإبل؛ لأن سوادها تعلوه صفرة . وبه فسر قوله تعالى :

(1/99)


{ جمالات صُفْرٌ } [ المرسلات : 33 ] . قال الأعشى :
تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ وَتِلْكَ رِكَابِي ... هُنَّ صُفْرٌ أَوْلاَدُهَا كَالزَّبِيبِ
{ مَا هِىَ } مرة ثانية تكرير للسؤال عن حالها وصفتها ، واستكشاف زائد ليزدادوا بياناً لوصفها . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 39 ) " لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم ، ولكن شدّدوا فشدّد الله عليهم " والاستقصاء شؤم . وعن بعض الخلفاء أنه كتب إلى عامله بأن يذهب إلى قوم فيقطع أشجارهم ويهدم دورهم ، فكتب إليه : بأيهما أبدأ؟ فقال : إن قلت لك بقطع الشجر سألتني : بأي نوع منها أبدأ؟ وعن عمر بن عبد العزيز : إذا أمرتك أن تعطي فلاناً شاة سألتني : أضائن أم ماعز؟ فإن بينت لك قلت : أذكر أم أنثى؟ فإن أخبرتك قلت : أسوداء أم بيضاء؟ فإذا أمرتك بشيء فلا تراجعني . وفي الحديث :
( 40 ) " أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لأجل مسئلته " { إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا } أي إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح وقرىء : «تشّابه» ، بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين . وتشابهت ومتشابهة ومتشابه . وقرأ محمد ذو الشامة : إن الباقر يشَّابه ، بالياء والتشديد . جاء في الحديث :
( 41 ) " لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد " أي : لو لم يقولوا إن شاء الله . والمعنى : إنا لمهتدون إلى البقرة المراد ذبحها . ، أو إلى ما خفي علينا من أمر القاتل { لاَّ ذَلُولٌ } صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول ، يعني لم تذلل للكراب وإثارة الأرض ، ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحروث ، و ( لا ) الأولى للنفي ، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى ، لأن المعنى : لا ذلول تثير وتسقي . على أنّ الفعلين صفتان لذلول ، كأنه قيل : لا ذلول مثيرة وساقية . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي : لا ذلول ، بمعنى لا ذلول هناك : أي حيث هي ، وهو نفي لذلها؛ ولأن توصف به فيقال : هي ذلول . ونحوه قولك : مررت بقوم لا بخيل ولا جبان . أي فيهم ، أو حيث هم .

(1/100)


وقرىء «تُسقي» بضم التاء من أسقى { مُسَلَّمَةٌ } سلمها الله من العيوب أو معفاة من العمل سلمها أهلها منها كقوله :
أَوْ مَعْبَرَ الظَّهْرِ يُنْبِي عَنْ وَلِيَّتِه ... مَا حَجَّ رَبُهُ فِي الدُّنْيَا وَلاَ اعْتَمَرَا
أو مخلصة اللون ، من سلم له كذا إذا خلص له ، لم يشب صفرتها شيء من الألوان { لاَّ شِيَةَ فِيهَا } لا لمعة في نقبتها من لون آخر سوى الصفرة ، فهى صفراء كلها حتى قرنها وظلفها . وهي في الأصل مصدر وشاه وشيا وشية ، إذا خلط بلونه لوناً آخر ، ومنه ثور موشى القوائم { جِئْتَ بالحق } أي بحقيقة وصف البقرة ، وما بقي إشكال في أمرها { فَذَبَحُوهَا } أي فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها . وقوله : { وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } استثقال لاستقصائهم واستبطاء لهم ، وأنهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم ، ما كادوا يذبحونها وما كادت تنتهي سؤالاتهم وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم ، وقيل : وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها . وقيل : لخوف الفضيحة في ظهور القاتل . وروي : أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عِجلة فأتى بها الغيضة وقال : اللَّهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر ، وكان براً بوالديه ، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه ، فساوموها اليتيم وأمّه حتى اشتروها بملء مَسْكِها ذهباً ، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة . فإن قلت : كانت البقرة التي تناولها الأمر بقرة من شق البقر غير مخصوصة ، ثم انقلبت مخصوصة بلون وصفات ، فذبحوا المخصوصة ، فما فعل الأمر الأوّل؟ قلت : رجع منسوخاً لانتقال الحكم إلى البقرة المخصوصة ، والنسخ قبل الفعل جائز . على أنّ الخطاب كان لإبهامه متناولاً لهذه البقرة الموصوفة كما تناول غيرها ، ولو وقع الذبح عليها بحكم الخطاب قبل التخصيص لكان امتثالاً له ، فكذلك إذا وقع عليها بعد التخصيص { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم { فادرأتم } فاختلفتم واختصمتم في شأنها ، لأنّ المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً ، أي يدفعه ويزحمه . أو تدافعتم ، بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض ، فدفع المطروح عليه الطارح . أو لأنّ الطرح في نفسه دفع . أو دفع بعضكم بعضاً عن البراءة واتهمه { والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل لا يتركه مكتوماً . فإن قلت : كيف أعمل مخرج وهو في معنى المضيّ؟ قلت : وقد حكى ما كان مستقبلاً في وقت التدارؤ . كما حكى الحاضر في قوله : { باسط ذِرَاعَيْهِ } [ الكهف : 18 ] وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما ( ادّارأتم ) و ( فقلنا ) والضمير في { اضربوه } إمّا أن يرجع إلى النفس والتذكير على تأويل الشخص والإنسان ، وإمّا إلى القتيل لما دلّ عليه من قوله : ( ما كنتم تكتمون ) . { بِبَعْضِهَا } ببعض البقرة . واختلف في البعض الذي ضرب به ، فقيل : لسانها ، وقيل : فخذها اليمنى ، وقيل : عَجْبها ، وقيل : العظم الذي يلي الغضروف وهوأصل الأذن ، وقيل : الأذن ، وقيل : البضعة بين الكتفين . والمعنى : فضربوه فحيي ، فحذف ذلك لدلالة قوله : { كذلك يُحْىِ الله الموتى } . وروي : أنهم لمّا ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً ، وقال : قتلني فلان وفلان لابني عمه ، ثم سقط ميتاً ، فأخذا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك . { كذلك يُحْىِ الله الموتى } إما أن يكون خطاباً للذين حضروا حياة القتيل بمعنى وقلنا لهم : كذلك يحيي الله الموتى يوم القيامة { وَيُرِيكُمْ ءاياته } ودلائله على أنه قادر على كل شيء { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } تعملون على قضية عقولكم . وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص حتى لا تنكروا البعث . وإما أن يكون خطاباً للمنكرين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن قلت : هلا أحياه ابتداء؟ ولم شرط في إحيائه ذبح البقرة وضربه ببعضها؟ قلت : في الأسباب والشروط حكم وفوائد . وإنما شرط ذلك لما في ذبح البقرة من التقرّب وأداء التكاليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب ، وما في التشديد عليهم لتشديدهم من اللطف لهم ، ولآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر الله تعالى وارتسامها على الفور ، من غير تفتيش وتكثير سؤال ، ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة ، والدلالة على بركة البرّ بالوالدين ، والشفقة على الأولاد ، وتجهيل الهازىء بما لا يعلم كنهه ، ولا يطلع على حقيقته من كلام الحكماء ، وبيان أنّ من حق المتقرّب إلى ربه أن يتنوّق في اختيار ما يتقرّب به ، وأن يختاره فتيّ السنِّ غير قحم ولا ضرع ، حسن اللون برياً من العيوب يونق من ينظر إليه ، وأن يغالى بثمنه ، كما يروى عن عمر رضي الله عنه :

(1/101)


( 42 ) أنه ضحى بنجيبة بثلاثمائة دينار ، وأنّ الزيادة في الخطاب نسخ له ، وأن النسخ قبل الفعل جائز وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء ، وليعلم بما أمر من مسّ الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب ، لأن الموتين الحاصلين في الجسمين لا يعقل أن تتولد منهما حياة . فإن قلت : فما للقصة لم تقص على ترتيبها ، وكان حقها أن يقدّم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها ، وأن يقال : وإذا قتلتم نفساً فأدّارأتم فيها فقلنا : اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها؟ قلت : كل ما قصّ من قصص بني إسرائيل إنما قصّ تعديداً لما وجد منهم من الجنايات ، وتقريعاً لهم عليها ، ولمّا جدّد فيهم من الآيات العظام . وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين ، فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك . والثانية للتقريع على قتل النفس المحرّمة وما يتبعه من الآية العظيمة . وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ، ولذهب الغرض في تثنية التقريع . ولقد روعيت نكتة بعدما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى ، دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله : { اضربوه بِبَعْضِهَا } حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وتثنيتهِ بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها ، وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة .

(1/102)


ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)

معنى { ثُمَّ قَسَتْ } استبعاد القسوة من بعد ما ذكر مما يوجب لين القلوب ورقتها ونحوه : { ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوّها عن الاعتبار وأنّ المواعظ لا تؤثر فيها . و { ذلك } إشارة إلى إحياء القتيل ، أو إلى جميع ما تقدّم من الآيات المعدودة { فَهِىَ كالحجارة } فهي في قسوتها مثل الحجارة { أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } منها ، ( وأشد ) معطوف على الكاف ، إما على معنى أو مثل أشد قسوة ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . وتعضده قراءة الأعمش بنصب الدال عطفاً على الحجارة ، وإمَّا على : أو هي في أنفسها أشد قسوة . والمعنى أن من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى منها وهو الحديد مثلاً . أو من عرفها شبهها بالحجارة ، أو قال : هي أقسى من الحجارة . فإن قلت : لم قيل : أشد قسوة ، وفعل القسوة مما يخرج منه أفعل التفضيل وفعل التعجب؟ قلت : لكونه أبين وأدلّ على فرط القسوة . ووجه آخر : وهو أن لا يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة ، كأنه قيل : اشتدت قسوة الحجارة ، وقلوبهم أشدّ قسوة . وقرىء : «قساوة» . وترك ضمير المفضل عليه لعدم الإلباس ، كقولك : زيد كريم وعمرو أكرم . وقوله : { وَإِنَّ مِنَ الحجارة } بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في شدّة القسوة ، وتقرير لقوله : ( أو أشدّ قسوة ) . وقرىء «وإنْ» بالتخفيف . وهي ( إن ) المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة . ومنها قوله تعالى : { وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ } [ يس : 33 ] . والتفجر : التفتح بالسعة والكثرة . وقرأ مالك بن دينار «ينفجر» بالنون . { يَشَّقَّقُ } يتشقق . وبه قرأ الأعمش . والمعنى إنّ من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير الغزير ، ومنها ما ينشق انشقاقاً بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضاً { يَهْبِطُ } يتردى من أعلى الجبل . وقرىء بضم الباء . والخشية مجاز عن انقيادها لأمر الله تعالى وأنها لا تمتنع على ما يريد فيها ، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل ما أمرت به . وقرىء «يعملون» بالياء والتاء ، وهو وعيد .

(1/103)


أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)

{ أَفَتَطْمَعُونَ } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين { أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } أن يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم ، كقوله : { فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } [ العنكبوت : 26 ] يعني اليهود ، { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ } طائفة فيمن سلف منهم { يَسْمَعُونَ كلام الله } وهو ما يتلونه من التوراة { ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ } كما حرّفوا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وآية الرجم ، وقيل : كان قوم من السبعين المختارين سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به ونهى ، ثم قالوا : سمعنا الله يقول في آخره : إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا ، وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس . وقرىء «كلم الله» { مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ } من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم ولم تبق لهم شبهة في صحته { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون مفترون . والمعنى : إن كفر هؤلاء وحرّفوا فلهم سابقة في ذلك . { وَإِذَا لَقُواْ } يعني اليهود { قَالُواْ } قال منافقوهم { ءَامَنَّا } بأنكم على الحق ، وأنّ محمداً هو الرسول المبشر به { وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ } الذين لم ينافقوا { إلى بَعضٍ } الذين نافقوا { قَالُواْ } عاتبين عليهم { أَتُحَدّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ } بما بين لكم في التوراة من صفة محمد . أو قال المنافقون لأعقابهم يرونهم التصلب في دينهم : أتحدّثونهم ، إنكاراً عليهم أن يفتحوا عليهم شيئاً في كتابهم فينافقون المؤمنين وينافقون اليهود { لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبّكُمْ } ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه ، جعلوا محاجتهم به ، وقولهم هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله . ألا تراك تقول : هو في كتاب الله هكذا . وهو عند الله هكذا ، بمعنى واحد . { يَعْلَمُ } جميع { مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان .

(1/104)


وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)

{ وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ } لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها . { لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب } التوراة { إِلاَّ أَمَانِىَّ } إلا ما هم عليه من أمانيهم ، وأن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم ، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة . وقيل : إلا أكاذيب مختلفة سمعوها من علمائهم فتقبلوها على التقليد . قال أعرابي لابن دأب في شيء حدّث به : أهذا شيء رويته ، أم تمنيته ، أم اختلقته ، وقيل : إلا ما يقرؤون من قوله :
تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ ... والاشتقاق من منى إذا قدّر ، لأن المتمني يقدّر في نفسه ويحزر ما يتمناه ، وكذلك المختلق والقارىء يقدر أن كلمة كذا بعد كذا . وإلا أمانيّ : من الاستثناء المنقطع . وقرىء : «أماني» بالتخفيف . ذكر العلماء الذين عاندوا بالتحريف مع العلم والاستيقان ، ثم العوامّ الذين قلدوهم ، ونبه على أنهم في الضلال سواء ، لأن العالم عليه أن يعمل بعلمه ، وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظنّ وهو متمكن من العلم . { يَكْتُبُونَ الكتاب } المحرّف { بِأَيْدِيهِمْ } تأكيد ، وهو من محاز التأكيد ، كما تقول لمن ينكر معرفة ما كتبه : يا هذا كتبته بيمينك هذه . { مِّمَّا يَكْسِبُونَ } من الرشا .

(1/105)


وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)

{ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } أربعين يوماً عدد أيام عبادة العجل . وعن مجاهد : كانوا يقولون : مدّة الدنيا سبعة آلاف سنة ، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً . { فَلَن يُخْلِفَ الله } متعلق بمحذوف تقديره : إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده . و { أَمْ } إمّا أن تكون معادلة بمعنى أي الأمرين كائن على سبيل التقرير ، لأن العلم واقع بكون أحدهما . ويجوز أن تكون منقطعة . { بلى } إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله : { لَن تَمَسَّنَا النار } أي بلى تمسكم أبداً ، بدليل قوله : { هُمْ فِيهَا خالدون } . { مَن كَسَبَ سَيّئَةً } من السيئات ، يعني كبيرة من الكبائر { وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ } تلك واستولت عليه ، كما يحيط العدوّ ولم يتفص عنها بالتوبة . وقرىء : «خطاياه» و «خطيئاته» . وقيل : في الإحاطة : كان ذنبه أغلب من طاعته . وسأل رجل الحسن عن الخطيئة قال : سبحان الله : ألا أراك ذا لحية وما تدري ما الخطيئة ، انظر في المصحف فكل آية نهى فيها الله عنها وأخبرك أنه من عمل بها أدخله النار فهي الخطيئة المحيطة .

(1/106)


وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)

{ لاَ تَعْبُدُونَ } إخبار في معنى النهي ، كما تقول : تذهب إلى فلان تقول له كذا ، تريد الأمر ، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي ، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء ، فهو يخبر عنه وتنصره قراءة عبد الله وأبيّ ( اَّ تَعْبُدُواْ ) ولا بدّ من إرادة القول ، ويدل عليه أيضاً قوله { وَقُولُواْ } . وقوله : { وبالوالدين إحسانا } إمّا أن يقدّر : وتحسنون بالوالدين إحساناً . أو وأحسنوا . وقيل : هو جواب قوله : { وإذ أَخَذْنَا ميثاق بَنِى إِسْرءيلَ } إجراء له مجرى القسم ، كأنه قيل : وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون . وقيل : معناه أن لا تعبدوا ، فلما حذفت ( أن ) رفع ، كقوله :
أَلاَ أَيُّهَذَا الزّاجِرِي أَحْضُرٌ الْوَغَى ... ويدل عليه قراءة عبد الله «أن لا تعبدوا» ويحتمل «أن لا تعبدوا» أن تكون ( أن ) فيه مفسرة ، وأن تكون أن مع الفعل بدلاً عن الميثاق ، كأنه قيل : أخذنا ميثاق بني إسرائيل توحيدهم وقرىء بالتاء حكاية لما خوطبوا به ، وبالياء لأنهم غيب . { حُسْناً } قولا هو حسن في نفسه لإفراط حسنه . وقرىء «حسناً» و «حسنى» على المصدر كبشرى . { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } على طريقه الالتفات أي توليتم عن الميثاق ورفضتموه . { إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ } قيل : هم الذين أسلموا منهم . { وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ } وأنتم قوم عادتكم الإعراض عن المواثيق ، والتولية .

(1/107)


وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)

{ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ } لا يفعل ذلك بعضكم ببعض . جعل غير الرجل نفسه . إذا اتصل به أصلاً أو ديناً . وقيل : إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه ، لأنه يقتص منه . { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه { وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } عليها كقولك : فلان مقرّ على نفسه بكذا شاهد عليها . وقيل : وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق { ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء } استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم . والمعنى ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون ، يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرّين تنزيلاً ، لتغير الصفة منزلة وتغير الذات ، كما تقول : رجعت بغير الوجه الذي خرجت به . وقوله : { تَقْتُلُونَ } بيان لقوله : { ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء } وقيل : ( هؤلاء ) موصول بمعنى الذي . وقرىء : «تظَّاهرون» بحذف التاء وإدغامها . وتتظاهرون بإثباتها وتظهرون بمعنى تتظهرون : أي تتعاونون عليهم . وقرىء : «تفدوهم» ، «وتفادوهم» . «وأسرى» ، «وأسارى» { وَهُوَ } ضمير الشأن . ويجوز أن يكون مبهماً تفسيره { إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب } أي بالفداء { وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } أي بالقتال والإجلاء . وذلك أنّ قريظة كانوا حلفاء الأوس ، والنضير كانوا حلفاء الخزرج ، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه ، وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم ، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه . فعيرتهم العرب وقالت : كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم . فيقولون : أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ، ولكنا نستحي أن نذل حلفاءنا . والخزي : قتل بني قريظة وأسرهم وإجلاء بني النضير . وقيل : الجزية . وإنما ردّ من فعل منهم ذلك إلى أشدّ العذاب ، لأن عصيانه أشدّ . وقرىء : «يردّون» ، «ويعملون» بالياء والتاء { فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ } عذاب الدنيا بنقصان الجزية ، ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم . وكذلك عذاب الآخرة .

(1/108)


وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)

{ الكتاب } التوراة ، آتاه إياها جملة واحدة . ويقال : قفاه إذا أتبعه من القفا . نحو ذنبه ، من الذنب . وقفاه به : أتبعه إياه ، يعني : وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل ، كقوله تعالى : { ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى } [ المؤمنون : 44 ] وهم يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم . وقيل : { عِيسَى } بالسريانية يشوع . و { مَرْيَمَ } بمعنى الخادم . وقيل : المريم بالعربية من النساء ، كالزير من الرجال . وبه فسر قول رؤبة :
قُلْتُ لِزَيْرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ ... ووزن «مريم» عند النحويين «مفعل» لأن فعيلاً بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو عثير وعليب { البينات } المعجزات الواضحات والحجج . كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات . وقرىء : «وآيدناه» . ومنه : آجده بالجيم إذا قوّاه . يقال : الحمد لله الذي آجدني بعد ضعف ، وأوجدني بعد فقر . { بِرُوحِ القدس } بالروح المقدسة كما تقول : حاتم الجود ، ورجل صدق . ووصفها بالقدس كما قال : { وَرُوحٌ مّنْهُ } [ النساء : 171 ] فوصفه بالاختصاص والتقريب للكرامة . وقيل : لأنه لم تضمه الأصلاب ، ولا أرحام الطوامث . وقيل : بجبريل . وقيل : بالإنجيل كما قال في القرآن : { وروحا مِنْ أَمْرِنَا } [ الشورى : 52 ] وقيل : باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره . والمعنى : ولقد آتينا يابني إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم { أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ } منهم بالحق { استكبرتم } عن الإيمان به ، فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجيب من شأنهم . ويجوز أن يريد : ولقد آتيناهم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم . ثم وبخهم على ذلك . ودخول الفاء لعطفه على المقدّر . فإن قلت : هلا قيل وفريقاً قتلتم؟ قلت : هو على وجهين : أن تراد الحال الماضية ، لأنّ الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب ، وأن يراد : وفريقاً تقتلونهم بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أني أعصمه منكم . ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة . وقال صلى الله عليه وسلم عند موته :
( 43 ) " ما زالت أكلةُ خيبر تعادّني ، فهذا أوان قطعت أبهري " { غُلْفٌ } جمع أغلف ، أي هي خلقة وجبلة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ولا تفقهه ، مستعار من الأغلف الذي لم يختن ، كقولهم : { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه } [ فصلت : 5 ) . ثم ردّ الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق ، بأن الله لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم ، فهم الذين غلفوا قلوبهم بما أحدثوا من الكفر الزائغ عن الفطرة وتسببوا بذلك لمنع الألطاف التي تكون للمتوقع إيمانهم وللمؤمنين { فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } فإيماناً قليلاً يؤمنون . وما مزيدة ، وهو إيمانهم ببعض الكتاب . ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم . وقيل : «غلف» تخفيف «غلف» جمع «غلاف» ، أي قلوبنا أوعية للعلم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره . وروى عن أبي عمرو : قلوبنا غلف ، بضمتين { كتاب مّنْ عِندِ الله } هو القرآن { مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } من كتابهم لا يخالفه . وقرىء : «مصدقاً» ، على الحال . فإن قلت : كيف جاز نصبها عن النكرة؟ قلت : إذا وصف النكرة تخصص فصح انتصاب الحال عنه ، وقد وصف «كتاب» بقوله : { مِنْ عِندِ الله } وجواب لما محذوف وهو نحو : كذبوا به ، واستهانوا بمجيئه ، وما أشبه ذلك { يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ } يستنصرون على المشركين ، إذا قاتلوهم قالوا : اللَّهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة ، ويقولون لأعدائهم من المشركين : قد أظل زمان نبيّ يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم . وقيل معنى { يَسْتَفْتِحُونَ } : يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبيّاً يبعث منهم قد قرب أوانه . والسين للمبالغة ، أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم ، كالسين في استعجب واستسخر ، أو يسأل بعضهم بعضاً أن يفتح عليهم { فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ } من الحق { كَفَرُواْ بِهِ } بغياً وحسداً وحرصاً على الرياسة . { عَلَى الكافرين } أي عليهم وضعاً للظاهر موضع المضمر للدلالة على أنّ اللعنة لحقتهم لكفرهم . واللام للعهد . ويجوز أن تكون للجنس ويدخلوا فيه دخولاً أوّلياً .

(1/109)


بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)

«ما» نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس بمعنى بئس شيئاً { اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ } والمخصوص بالذم { أَن يَكْفُرُواْ } واشتروا بمعنى باعوا { بَغْياً } حسداً وطلباً لما ليس لهم ، وهو علة اشتروا { أَن يُنزِّلَ } لأن ينزل أو على أن ينزل ، أي حسدوه على أن ينزّل الله { مِن فَضْلِهِ } الذي هو الوحي { على مَن يَشَاء } وتقتضي حكمته وإرساله { فَبَاءو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ } فصاروا أحقاء بغضب مترادف ، لأنهم كفروا بنبيّ الحق وبغوا عليه . وقيل : كفروا بمحمد بعد عيسى . وقيل : بعد قولهم عزيرُ ابن الله ، وقولهم : ( يد الله مغلولة ) ، وغير ذلك من أنواع كفرهم { بِمَا أنزَلَ الله } مطلق فيما أنزل الله من كل كتاب { قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } مقيد بالتوراة { وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ } أي قالوا : ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة { وَهُوَ الحق مُصَدّقًا لّمَا مَعَهُمْ } منها غير مخالف له ، وفيه ردّ لمقالتهم لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها ثم اعترض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادّعائهم الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوّغ قتل الأنبياء .

(1/110)


وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)

{ وَأَنتُمْ ظالمون } يجوز أن يكون حالاً ، أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة غير موضعها ، وأن يكون اعتراضاً بمعنى : وأنتم قوم عادتكم الظلم . وكرّر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأول مع ما فيه من التوكيد { واسمعوا } ما أمرتم به في التوراة { قَالُواْ سَمِعْنَا } قولك { وَعَصَيْنَا } أمرك . فإن قلت : كيف طابق قوله جوابهم؟ قلت : طابقه من حيث إنه قال لهم : { اسمعوا } وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة ، فقالوا : { سَمِعْنَا } ولكن لا سماع طاعة { وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ العجل } أي تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الثوب الصبيغ . وقوله : { فِى قُلُوبِهِمْ } بيان لمكان الإشراب كقوله : { إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } [ النساء : 10 ] . { بِكُفْرِهِمْ } بسبب كفرهم { بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم } بالتوراة ، لأنه ليس في التوراة عبادة العجاجيل . وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم ، كما قال قوم شعيب { أصلاتكَ تَأْمُرُكَ } [ هود : 87 ] وكذلك إضافة الإيمان إليهم وقوله : { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم له .

(1/111)


قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)

{ خَالِصَةً } نصب على الحال من الدار الآخرة . والمراد الجنة ، أي سالمة لكم ، خاصة بكم ، ليس لأحد سواكم فيها حق . يعني إن صحّ قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً . و { الناس } للجنس وقيل : للعهد وهم المسلمون { فَتَمَنَّوُاْ الموت } لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة الوصول إلى النعيم والتخلص من الدار ذات الشوائب ، كما روى عن المبشرين بالجنة ما روى . كان علي رضي الله عنه يطوف بين الصفين في غلالة ، فقال له ابنه الحسن : ما هذا بزيّ المحاربين . فقال : يا بنيّ لا يبالي أبوك على الموت سقط ، أم عليه سقط الموت . وعن حذيفة رضي الله عنه أنه كان يتمنى الموت ، فلما احتضر قال : حبيب جاء على فاقة ، لا أفلح من ندم . يعني على التمني . وقال عمار بصفين : الآن ألاقي الأحبة محمداً وحزبه . وكان كل واحد من العشرة يحب الموت ويحنّ إليه . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 44 ) " لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض يهودي " { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } بما أسلفوا من موجبات النار من الكفر بمحمد وبما جاء به ، وتحريف كتاب الله ، وسائر أنواع الكفر والعصيان . وقوله : { وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } من المعجزات لأنه إخبار بالغيب وكان كما أخبر به كقوله : { وَلَن تَفْعَلُواْ } فإن قلت : ما أدراك أنهم لم يتمنوا؟ قلت : لأنهم لو تمنوا لنقل ذلك كما نقل سائر الحوادث ، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن في الإسلام أكثر من الذرّ ، وليس أحد منهم نقل ذلك . فإن قلت : التمني من أعمال القلوب ، وهو سر لا يطلع عليه أحد فمن أين علمت : أنهم لم يتمنوا؟ قلت : ليس التمني من أعمال القلوب إنما هو قول الإنسان بلسانه : ليت لي كذا ، فإذا قاله قالوا : تمنى ، وليت : كلمة التمني ، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب ولو كان التمني بالقلوب وتمنوا لقالوا : قد تمنينا الموت في قلوبنا ، ولم ينقل أنهم قالوا ذلك فإن قلت : لم يقولوه لأنهم علموا أنهم لا يصدّقون . قلت : كم حكى عنهم من أشياء قاولوا بها المسلمين من الافتراء على الله وتحريف كتابه وغير ذلك مما علموا أنهم غير مصدقين فيه ولا محمل له إلا الكذب البحت ولم يبالوا ، فكيف يمتنعون من أن يقولوا إنّ التمني من أفعال القلوب وقد فعلناه ، مع احتمال أن يكونوا صادقين في قولهم وإخبارهم عن ضمائرهم ، وكان الرجل يخبر عن نفسه بالإيمان فيصدّق مع احتمال أن يكون كاذباً لأنه أمر خافٍ لا سبيل إلى الاطلاع عليه { والله عَلِيمٌ بالظالمين } تهديد لهم { وَلَتَجِدَنَّهُمْ } هو من وجد بمعنى علم المتعدي إلى مفعولين في قولهم : وجدت زيداً ذا الحفاظ ومفعولاه «هم أحرص» .

(1/112)


فإن قلت : لم قال : { على حياة } بالتنكير؟ قلت : لأنه أراد حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة ، ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبيّ «على الحياة» { وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ } محمول على المعنى لأن معنى أحرص الناس : أحرص من الناس . فإن قلت : ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس؟ قلت : بلى ، ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد . ويجوز أن يراد : وأحرص من الذين أشركوا ، فحذف لدلالة أحرص الناس عليه . وفيه توبيخ عظيم : لأنّ الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا ، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم ، فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقرّ بالجزاء كان حقيقاً بأعظم التوبيخ . فإن قلت : لم زاد حرصهم على حرص المشركين؟ قلت : لأنهم علموا لعلمهم بحالهم أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك . وقيل : أراد بالذين أشركوا المجوس ، لأنهم كانوا يقولون لملوكهم : عش ألف نيروز وألف مهرجان . وعن ابن عباس رضي الله عنه : هو قول الأعاجم : زي هزار سال . وقيل : «ومن الذين أشركوا» كلام مبتدأ ، أي ومنهم ناس { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ } على حذف الموصوف كقوله : { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } [ الصافات : 164 ] والذين أشركوا على هذا مشارٌ به إلى اليهود ، لأنهم قالوا : عزير ابن الله . والضمير في { وَمَا هُوَ } لأحدهم و { أَن يُعَمَّرَ } فاعل ( بمزحزحه ) ، أي : وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره . وقيل : الضمير لما دلّ عليه ( يعمر ) من مصدره ، وأن ( يعمر ) بدل منه . ويجوز أن يكون «هو» مبهماً ، وأن «يعمر» موضحه . والزحزحة : التبعيد والإنحاء فإن قلت : يودّ أجدهم ما موقعه؟ قلت : هو بيان لزيادة حرصهم على طريق الإستئناف . فإن قلت : كيف اتصل لو يعمر بيودّ أحدهم؟ قلت : هو حكاية لودادتهم . و «لو» في معنى التمني ، وكان القياس : لو أعمر ، إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله : { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ } كقولك : حلف بالله ليفعلنّ .

(1/113)


قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)

روي :
( 45 ) أن عبد الله بن صوريا من أحبار «فدك» حاجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسأله عمن يهبط عليه بالوحي ، فقال : جبريل ، فقال : ذاك عدوّنا ، ولو كان غيره لآمنا بك ، وقد عادانا مراراً ، وأشدّها أنه أنزل على نبينا أنّ بيت المقدس سيخربه بختنصّر ، فبعثنا من يقتله فلقيه ببابل غلاما مسكيناً ، فدفع عنه جبريل وقال : إن كان ربكم أمره بهلاككم فإنه لا يسلطكم عليه ، وإن لم يكن إياه فعلى أي حق تقتلونه . وقيل : أمره الله تعالى أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا .
وروي :
( 46 ) أنه كان لعمر رضي الله عنه أرض بأعلى المدينة ، وكان ممرّه على مدارس اليهود ، فكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم ، فقالوا : يا عمر ، قد أحببناك ، وإنا لنطمع فيك فقال : والله ما أجيئكم لحبكم ، ولا أسألكم لأني شاك في ديني ، وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وأرى آثاره في كتابكم ، ثم سألهم عن جبريل فقالوا : ذاك عدوّنا يطلع محمداً على أسرارنا ، وهو صاحب كل خسف وعذاب ، وإنّ ميكائيل يجيء بالخصب والسلام . فقال لهم : وما منزلتهما من الله تعالى قالوا : أقرب منزلة ، جبريل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره . وميكائيل عدوّ لجبريل . فقال عمر : لئن كانا كما تقولون فما هما بعدوّين ، ولأنتم أكفر من الحمير ، ومن كان عدواً لأحدهما كان عدواً للآخر ، ومن كان عدواً لهما كان عدّواً لله . ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد وافقك ربك يا عمر . فقال عمر : لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر . وقرىء : «جبرئيل» ، بوزن قفشليل و«جبرئل» بحذف الياء ، و«جبريل» بحذف الهمزة ، و«جبريل» بوزن قنديل ، و«جبرالّ» بلام شديدة . و«جبرائيل» بوزن جبراعيل . و«جبرائل» بوزن جبراعل . ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة . وقيل معناه : عبد الله . الضمير في { نَزَّلَهُ } للقرآن . ونحو هذا الإضمار أعني إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة لشأن صاحبه ، حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ، ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته { على قَلْبِكَ } أي حفظه إياك وفهمكه { بإذنالله } بتيسيره وتسهيله . فإن قلت : كان حق الكلام أن يقال : على قلبي . قلت : جاءت على حكاية كلام الله تعالى كما تكلم به ، كأنه قيل : قل ما تكلمت به من قولي : من كان عدوّاً لجبريل فإنه نزله على قلبك . فإن قلت : كيف استقام قوله : «فإنه نزله» جزاء للشرط؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته حيث نزل كتاباً مصدّقاً للكتب بين يديه ، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم . والثاني : إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدّقاً لكتابهم وموافقاً له ، وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم ، ولذلك كانوا يحرفونه ويجحدون موافقته له ، كقولك : إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه ، أُفرد الملكان بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر ، وهو مما ذكر أنّ التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات . وقرىء : «ميكال» ، بوزن قنطار . و«ميكائيل» كميكاعيل . و«ميكائل» كميكاعل . و«ميكئل» كميكعل . و«ميكئيل» كميكعيل . قال ابن جني : العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه . { عَدُوٌّ للكافرين } أراد عدوّ لهم فجاء بالظاهر ، ليدل على أنّ الله إنما عاداهم لكفرهم ، وأن عداوة الملائكة كفر ، وإذا كانت عداوة الأنبياء كفراً فما بال الملائكة وهم أشرف والمعنى من عاداهم عاداه الله وعاقبه أشدّ العقاب .

(1/114)


وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)

{ إِلاَّ الفاسقون } إلا المتمرّدون من الكفرة . وعن الحسن : إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره . وعن ابن عباس رضي الله عنه :
( 47 ) قال ابن صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية فنتبعك لها فنزلت . واللام في { الفاسقون } للجنس والأحسن أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب { أوَ كُلَّمَا } الواو للعطف على محذوف معناه أكفروا بالآيات البينات وكلما عاهدوا . وقرأ أبو السَّمَّال بسكون الواو على أنّ الفاسقون بمعنى الذين فسقوا ، فكأنه قيل : وما يكفر بها إلا الذين فسقوا ، أو نقضوا عهد الله مراراً كثيرة . وقرىء «عوهدوا وعهدوا» واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود ، وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا . وكم عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفوا { الذين عاهدت مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلّ مَرَّةٍ } [ الأنفال : 56 ] . والنبذ الرمي بالذمام ورفضه . وقرأ عبد الله «نقضه» { فَرِيقٌ مّنْهُمُ } وقال فريق منهم ، لأنّ منهم من لم ينقض { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بالتوراة وليسوا من الدين في شيء ، فلا يعدّون نقض المواثيق ذنباً ولا يبالون به . { كتاب الله } يعني التوراة ، لأنهم بكفرهم برسول الله المصدق لما معهم كافرون بها نابذون لها . وقيل : كتاب الله : القرآن ، نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول . { كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أنه كتاب الله لا يدخلهم فيه شك . يعني أن علمهم بذلك رصين ، ولكنهم كابروا وعاندوا ونبذوه وراء ظهورهم ، مثل لتركهم وإعراضهم عنه ، مثل بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه . وعن الشعبي : هو بين أيديهم يقرؤنه ، ولكنهم نبذوا العمل به . وعن سفيان : أدرجوه في الديباج والحرير وحلوه بالذهب ، ولم يحلوا حلاله ولم يحرّموا حرامه .

(1/115)


وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)

{ واتبعوا } أي نبذوا كتاب الله واتبعوا { مَا تَتْلُواْ الشياطين } يعني واتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها { على مُلْكِ سليمان } أي على عهد ملكه وفي زمانه . وذلك أنّ الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة وقد دوّنوها في كتب يقرؤنها ويعلمونها الناس ، وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا : إن الجن تعلم الغيب ، وكانوا يقولون : هذا علم سليمان ، وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم ، وبه تسخر الأنس والجن والريح التي تجري بأمره { وَمَا كَفَرَ سليمان } تكذيب للشياطين ودفع لما بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به ، وسماه كفراً { ولكن الشياطين } هم الذين { كَفَرُواْ } باستعمال السحر وتدوينه { يُعَلّمُونَ الناس السحر } يقصدون به إغواءهم وإضلالهم { وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين } عطف على السحر ، أي ويعلمونهم ما أنزل على الملكين . وقيل : هو عطف على ما تتلو ، أي واتبعوا ما أنزل . { هاروت وماروت } عطف بيان للملكين علمان لهما ، والذي أنزل عليهما هو علم السحر ابتلاء من الله للناس . من تعلمه منهم وعمل به كان كافراً ، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه ولئلا يغتر به كان مؤمناً :
عَرَفْتُ الشَّرَّ لاَ لَلشَّرِّ لَكِنْ لِتَوَقِّيهِ ... كما ابتلى قوم طالوت بالنهر ، { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } [ البقرة : 249 ] . وقرأ الحسن «على الملكين» بكسر اللام ، على أنّ المنزل عليهما علم السحر كانا ملكين ببابل . وما يعلم الملكان أحداً حتى ينبهاه وينصحاه ويقولا له { إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ } أي ابتلاء واختبار من الله { فَلاَ تَكْفُرْ } فلا تتعلم معتقداً أنه حق فتكفر { فَيَتَعَلَّمُونَ } الضمير لما دلّ عليه من أحد ، أي فيتعلم الناس من الملكين { مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ } أي علم السحر الذي يكون سبباً في التفريق بين الزوجين من حيلة وتمويه ، كالنفث في العقد ، ونحو ذلك مما يحدث الله عنده الفرك والنشوز والخلاف ابتلاء منه ، لا أنّ السحر له أثر في نفسه بدليل قوله تعالى : { وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } لأنه ربما أحدث الله عنده فعلاً من أفعاله وربما لم يحدث { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } لأنهم يقصدون به الشر . وفيه أن اجتنابه أصلح كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجرّ إلى الغواية . ولقد علم هؤلاء اليهود أن من اشتراه أي استبدل ما تتلو الشياطين من كتاب الله { مَالَهُ فِى الاخرة مِنْ خلاق } من نصيب { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ } أي باعوها . وقرأ الحسن : «الشياطون» . وعن بعض العرب : بستان فلان حوله بساتون . وقد ذكر وجهه فيما بعد . وقرأ الزهري «هاروتُ وماروتُ» بالرفع على : هما هاروت وماروت . وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف ، ولو كانا من الهرت والمرت وهو الكسر كما زعم بعضهم لانصرفا . وقرأ طلحة «وما يعلمان» من أعلم ، وقرىء «بين المرء» بضم الميم وكسرها مع الهمز . والمرّ بالتشديد على تقدير التخفيف والوقف ، كقولهم : فرج ، وإجراء الوصل مجرى الوقف . وقرأ الأعمش : «وما هم بضاريّ» ، بطرح النون والإضافة إلى أحد والفضل بينهما بالظرف ، فإن قلت : كيف يضاف إلى أحد وهو مجرور بمن ، قلت : جعل الجار جزءاً من المجرور . فإن قلت : كيف أثبت لهم العلم أولاً في قوله : { وَلَقَدْ عَلِمُواْ } على سبيل التوكيد القسمي ثم نفاه عنهم في قوله : { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } ؟ قلت : معناه لو كانوا يعملون بعلمهم ، جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسلخون عنه .

(1/116)


وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)

{ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ } برسول الله والقرآن { واتقوا } الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين { لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ } . وقرىء : «لَمَثْوَبَةٌ» ، كمشورة ومشورة { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أنّ ثواب الله خير مما هم فيه وقد علموا ، ولكنه جهلهم لترك العمل بالعلم . فإن قلت : كيف أوثرت الجملة الإسمية على الفعلية في جواب لو؟ قلت : لما في ذلك من الدلالة على اثبات المثوبة واستقرارها كما عدل عن النصب إلى الرفع في سلام عليكم لذلك ، فإن قلت : فهلا قيل لمثوبة الله خير؟ قلت : لأن المعنى : لشيء من الثواب خير لهم . ويجوز أن يكون قوله : { وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ } تمنياً لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم واختيارهم له ، كأنه قيل : وليتهم آمنوا . ثم ابتدىء لمثوبة من عند الله خير . كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ألقى عليهم شيئاً من العلم : راعنا يا رسول الله ، أي راقبنا وانتظرنا وتأن بنا حتى نفهمه ونحفظه . وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية وهي «راعينا» فلما سمعوا بقول المؤمنين : راعنا . افترصوه وخاطبوا به الرسول صلى الله عليه وسلم وهم يعنون به تلك المسبة ، فنهى المؤمنون عنها وأُمروا بما هو في معناها وهو { انظرنا } من نظره إذا انتظره . وقرأ أُبيّ : «انظرنا» من النظرة ، أي أمهلنا حتى نحفظ وقرأ عبد الله بن مسعود : «راعونا» ، على أنهم كانوا يخاطبونه بلفظ الجمع للتوقير : وقرأ الحسن : «راعناً» ، بالتنوين من الرعن وهو الهوج ، أي لا تقولوا قولاً راعنا منسوباً إلى الرعن رعينّاً ، كدارع ولابن لأنه لما أشبه قولهم : راعينا ، وكان سبباً في السب اتصف بالرعن { واسمعوا } وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلقي عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة ، حتى لا تحتاجوا إلى الاستعانة وطلب المراعاة ، أو اسمعوا سماع قبول وطاعة ، ولا يكن سماعكم مثل سماع اليهود حيث قالوا : سمعنا وعصينا ، أو واسمعوا ما أمرتم به بجدّ حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه ، تأكيداً عليهم ترك تلك الكلمة . وروي :
( 48 ) أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال : يا أعداء الله ، عليكم لعنة الله ، والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه . فقالوا : أولستم تقولونها فنزلت . { وللكافرين } ولليهود الذين تهاونوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وسبوه { عَذَابٌ أَلِيمٌ } من الأولى للبيان لأنّ الذين كفروا جنس تحته نوعان : أهل الكتاب ، والمشركون؛ كقوله تعالى : { لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين } [ البينة : 1 ] والثانية مزيدة لاستغراق الخير ، والثالثة لابتداء الغاية . والخير الوحي ، وكذلك الرحمة كقوله تعالى : { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ ر بِكَ } [ الزخرف : 32 ] والمعنى : أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي { والله } يختصّ بالنبوة { مَن يَشَآء } ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة { والله ذُو الفضل العظيم } إشعار بأنّ إيتاء النبوّة من الفضل العظيم كقوله تعالى : { إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا } [ الإسراء : 87 ] .

(1/117)


مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)

روى أنهم طعنوا في النسخ فقالوا : ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ، ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً؟ فنزلت . وقرىء : «ما ننسخ من آية» وما نُنسخ ، بضم النون ، من أنسخ ، أو ننسأها . وقرىء : «ننسها» و«ننسها» بالتشديد ، و«تنسها» ، و«تنسها» ، على خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقرأ عبد الله : «ما ننسك من آية أو ننسخها» وقرأ حذيفة : «ما ننسخ من آية أو ننسكها» . ونسخ الآية : إزالتها بإبدال أخرى مكانها وإنساخها : الأمر بنسخها ، وهو أن يأمر جبريل عليه السلام بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها . ونسؤها ، تأخيرها وإذهابها . لا إلى بدل . وإنساؤها أن يذهب بحفظها عن القلوب . والمعنى أن كل آية يذهب بها على ما توجبه المصلحة من إزالة لفظها وحكمها معاً ، أو من إزالة أحدهما إلى بدل أو غير بدل { نَأْتِ } بآية خير منها للعباد ، أي بآية العمل بها أكثر للثواب أو مثلها في ذلك { على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } فهو يقدر على الخير ، وما هو خير منه ، وعلى مثله في الخير { لَّهُ مُلْكُ السموات والارض } فهو يملك أموركم يدبرها ويجريها على حسب ما يصلحكم ، وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ ومنسوخ . لما بين لهم أنه مالك أمورهم ومدبرها على حسب مصالحهم من نسخ الآيات وغيره ، وقررهم على ذلك بقوله : { أَلَمْ تَعْلَمْ } أراد أن يوصيهم بالثقة به فيما هو أصلح لهم مما يتعبدهم به وينزل عليهم وأن لا يقترحوا على رسولهم ما اقترحه آباء اليهود على موسى عليه السلام من الأشياء التي كانت عاقبتها وبالاً عليهم كقولهم : { اجعل لَّنَا إلها } [ الأعراف : 138 ] ، { أَرِنَا الله جَهْرَةً } [ النساء : 153 ] ، وغير ذلك { وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان } ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة ، وشك فيها ، واقترح غيرها { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل } .
( 49 ) روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد : ألم تروا ما أصابكم ، ولو كنتم على الحق ما هزمتم ، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ، ونحن أهدى منكم سبيلاً ، فقال عمار : كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا : شديد . قال : فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد ما عشت . فقالت اليهود : أما هذا فقد صبأ . وقال حذيفة : وأما أنا فقد رضيت بالله رباً ، وبمحمد نبياً ، وبالإسلام ديناً ، وبالقرآن إماماً ، وبالكعبة قبلة ، وبالمؤمنين إخواناً . ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه فقال : " أصبتما خيراً وأفلحتما " فنزلت . فإن قلت : بم تعلق قوله : { مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } ؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما أن يتعلق بوَدَّ ، على معنى أنهم تمنوا أن ترتدوا عن دينكم وتمنيهم ذلك من عند أنفسهم ومن قبل شهوتهم ، لا من قبل التدين والميل مع الحق ، لأنهم ودّوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق ، فكيف يكون تمنيهم من قبل الحق؟ وإما أن يتعلق بحسدا ، أي حسداً متبالغاً منبعثاً من أصل أنفسهم { فاعفوا واصفحوا } فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح عما يكون منهم من الجهل والعداوة { حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ } الذي هو قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } فهو يقدر على الانتقام منهم { مّنْ خَيْرٍ } من حسنة صلاة أو صدقة أو غيرهما { تَجِدُوهُ عِندَ الله } تجدوا ثوابه عند الله { إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } عالم لا يضيع عنده عمل عامل .

(1/118)


وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)

الضمير في { وَقَالُواْ } لأهل الكتاب من اليهود والنصارى . والمعنى : وقالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى ، فلف بين القولين ثقة بأنّ السامع يردّ إلى كل فريق قوله ، وأمناً من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كل واحد منهما لصاحبه . ونحوه : { وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ } [ البقرة : 135 ] ، والهود : جمع هائد ، كعائذ وعُوذ ، وبازل وبُزل . فإن قلت : كيف قيل كان هوداً على توحيد الاسم وجمع الخبر؟ قلت : حمل الاسم على لفظ «من» والخبر على معناه ، كقراءة الحسن «إلا من هو صالو الجحيم» . وقوله : { فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا } [ الجن : 23 ] . وقرأ أبيّ بن كعب : «إلا من كان يهودياً أو نصرانياً» . فإن قلت : لم قيل : { تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } وقولهم : «لن يدخل الجنة» أمنية واحدة؟ قلت : أشير بها إلى الأماني المذكورة وهو أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم ، وأمنيتهم أن يردّوهم كفاراً ، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم : أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم . وقوله : { قُلْ هَاتُواْ برهانكم } متصل بقولهم : { لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى } . و { تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } : اعتراض ، أو أريد أمثال تلك الأمنية أمانيهم ، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه . يريد أن أمانيهم جميعاً في البطلان مثل أمنيتهم هذه . والأمنية أفعولة من التمني ، مثل الأضحوكة والأعجوبة { هَاتُواْ برهانكم } هلموا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة { إِن كُنتُمْ صادقين } في دعواكم ، وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين . وأن كل قول لا دليل عليه فهو باطل غير ثابت . و «هات» صوت بمنزلة هاء ، بمعنى أحضر { بلى } إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة { مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره { وَهُوَ مُحْسِنٌ } في عمله { فَلَهُ أَجْرُهُ } الذي يستوجبه . فإن قلت : من ( أسلم وجهه ) كيف موقعه؟ قلت : يجوز أن يكون { بلى } ردّاً لقولهم ، ثم يقع «من أسلم» كلاماً مبتدأ ، ويكون «من» متضمناً لمعنى الشرط ، وجوابه «فله أجره» ، وأن يكون «من أسلم» فاعلاً لفعل محذوف ، أي بلى يدخلها من أسلم ، ويكون قوله «فله أجره» كلاماً معطوفاً على يدخلها من أسلم .

(1/119)


وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)

{ على شَىْء } أي على شيء يصح ويعتدّ به . وهذه مبالغة عظيمة ، لأن المحال والمعدوم يقع عليهما اسم الشيء ، فإذا نفي إطلاق اسم الشيء عليه . فقد بولغ في ترك الاعتداد به إلى ما ليس بعده . وهذا كقولهم : أقل من لا شيء { وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب } الواو للحال . والكتاب للجنس أي قالوا ذلك ، وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب . وحق من حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب الله وآمن به أن لا يكفر بالباقي؛ لأن كل واحد من الكتابين مصدّق للثاني شاهد بصحته ، وكذلك كتب الله جميعاً متواردة على تصديق بعضها بعضاً { كذلك } أي مثل ذلك الذي سمعت به على ذلك المنهاج { قَالَ } الجهلة { الذين } لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام والمعطلة ونحوهم قالوا لأهل كل دين : ليسوا على شيء . وهذا توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم . وروى :
( 50 ) أن وفد نجران لمّا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم ، فقالت اليهود : ما أنتم على شيء من الدين ، وكفروا بعيسى والإنجيل . وقالت النصارى لهم نحوه ، وكفروا بموسى والتوراة . { فالله يَحْكُمُ } بين اليهود والنصارى { يَوْمَ القيامة } بما يقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه . وعن الحسن : حكم الله بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار { أَن يُذْكَرَ } ثاني مفعولي منع . لأنك تقول : منعته كذا . ومثله { وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ } [ الاسراء : 59 ] ، { وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ } [ الاسراء : 94 ] ويجوز أن يحذف حرف الجر مع أن ، ولك أن تنصبه مفعولاً له بمعنى كراهة أن يذكر ، وهو حكم عام لجنس مساجد الله ، وأن مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم ، والسبب فيه أن النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ويمنعون الناس أن يصلوا فيه ، وأن الروم غزوا أهله فخربوه وأحرقوا التوراة وقتلوا وسبوا . وقيل : أراد به منع المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية . فإن قلت : فكيف قيل مساجد الله وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد وهو بيت المقدس أو المسجد الحرام؟ قلت : لا بأس أن يجيء الحكم عاماً وإن كان السبب خاصاً ، كما تقول لمن آذى صالحاً واحداً : ومن أظلم ممن آذى الصالحين . وكما قال الله عز وجل : { وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } [ الهمزة : 1 ] والمنزول فيه الأخنس بن شريق { وسعى فِى خَرَابِهَا } بانقطاع الذكر أو بتخريب البنيان . وينبغي أن يراد ب «من» منع العموم كما أريد بمساجد الله ، ولا يراد الذين منعوا بأعيانهم من أولئك النصارى أو المشركين { أولئك } المانعون { مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا } أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله { إِلاَّ خَائِفِينَ } على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم ، فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها . والمعنى ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوّهم . وقيل : ما كان لهم في حكم الله ، يعني : أن الله قد حكم وكتب في اللوح أنه ينصر المؤمنين ويقوّيهم حتى لا يدخلوها إلا خائفين . روى : أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكراً مسارقة . وقال قتادة : لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا أنهك ضرباً وأبلغ إليه في العقوبة . وقيل : نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(1/120)


( 51 ) " ألا لا يحجنّ بعد هذاالعام مشرك ، ولا يطوفنّ بالبيت عُريان " وقرأ أبو عبد الله : «إلا خيفاً» ، وهو مثل صيم . وقد اختلف الفقهاء في دخول الكافر المسجد : فجوّزه أبو حنيفة رحمه الله ، ولم يجوزه مالك ، وفرق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره . وقيل : معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه ، كقوله : { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله } [ الاحزاب : 53 ] { خِزْىٌ } قتلٌ وسبيٌ ، أو ذلة بضرب الجزية . وقيل : فتح مدائنهم قسطنطينية ورومية وعمورية .

(1/121)


وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)

{ وَلِلَّهِ المشرق والمغرب } أي بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها لله هو مالكها ومتوليها { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } ففي أي مكان فعلتم التولية ، يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى : { فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وحيثما كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } . { فَثَمَّ وَجْهُ الله } أي جهته التي أمر بها ورضيها . والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس ، فقد جعلت لكم الأرض مسجداً فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها ، وافعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان لا يختص [ إمكانها ] في مسجد دون مسجد ولا في مكان دون مكان { إِنَّ الله واسع } الرحمة يريد التوسعة على عباده والتيسير عليهم { عَلِيمٌ } بمصالحهم . وعن ابن عمر : نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت . وعن عطاء : عميت القبلة على قوم فصلوا إلى أنحاء مختلفة ، فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذروا . وقيل : معناه ( فأينما تولوا ) للدعاء والذكر ولم يرد الصلاة . وقرأ الحسن : فأينما تَولوا ، بفتح التاء من التولي يريد : فأينما توجهوا القبلة .

(1/122)


وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116)

{ وَقَالُواْ } وقرىء بغير واو ، يريد الذين قالوا المسيح ابن الله وعزير ابن الله والملائكة بنات الله . { سبحانه } تنزيه له عن ذلك وتبعيد { بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والارض } هو خالقه ومالكه ، ومن جملته الملائكة وعزير والمسيح { كُلٌّ لَّهُ قانتون } منقادون ، لا يمتنع شيء منه على تكوينه وتقديره ومشيئته ، ومن كان بهذه الصفة لم يجانس ، ومن حق الولد أن يكون من جنس الوالد . والتنوين في { كُلٌّ } عوض من المضاف إليه ، أي كل ما في السموات والأرض . ويجوز أن يراد كلّ من جعلوه لله ولداً له قانتون مطيعون عابدون مقرون بالربوبية منكرون لما أضافوا إليهم . فإن قلت : كيف جاء بما التي لغير أولي العلم مع قوله قانتون؟ قلت : هو كقوله : سبحان ما سخركنَّ لنا . وكأنه جاء ب ( ما ) دون ( من ) تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم ، كقوله : { وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً } [ الصافات : 158 ] .

(1/123)


بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)

يقال بدع الشيء فهو بديع ، كقولك : بزع الرجل فهو بزيع . و { بَدِيعُ السماوات } من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها أي بديع سمواته وأرضه . وقيل : البديع بمعنى المبدع ، كما أنّ السميع في قول عمرو :
أمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ... بمعنى المسمع وفيه نظر { كُنْ فَيَكُونُ } من كان التامّة ، أي أحدث فيحدث . وهذا مجاز من الكلام وتمثيل ولا قول ثم ، كما لا قول في قوله :
إذْ قَالَتِ الأَنْسَاعُ لِلْبَطْنِ الحق ... وإنما المعنى أنّ ما قضاه من الأمور وأراد كونه ، فأنما يتكوّن ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف ، كما أنّ المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه الإباء . أكد بهذا استبعاد الولادة لأنّ من كان بهذه الصفة من القدرة كانت حاله مباينة لأحوال الأجسام في توالدها . وقرىء : «بديعُ السموات» مجروراً على أنه بدل من الضمير في له . وقرأ المنصور بالنصب على المدح .

(1/124)


وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)

{ وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } وقال الجهلة من المشركين . وقيل من أهل الكتاب ، ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به . { لَوْلاَ يُكَلّمُنَا الله } هلا يكلمنا كما يكلم الملائكة وكلّم موسى؟ استكباراً منهم وعتوّاً { أَوْ تَأْتِينَآءَايَةٌ } جحوداً لأن يكون ما أتاهم من آيات الله آيات ، واستهانة بها { تشابهت قُلُوبُهُمْ } أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى ، كقوله : { أَتَوَاصَوْاْ بِهِ } [ الذاريات : 52 ] . { قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ } ينصفون فيوقنون أنها آيات يجب الاعتراف بها والإذعان لها والاكتفاء بها عن غيرها .

(1/125)


إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)

{ إِنَّا أرسلناك } لأن تبشر وتنذر لا لتجبر على الإيمان ، وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتسرية عنه ، لأنه كان يغتم ويضيق صدره لإصرارهم وتصميمهم على الكفر . ولا نسألك { عَنْ أصحاب الجحيم } ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت وبلغت جهدك في دعوتهم ، كقوله : { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب } [ الرعد : 40 ] وقرىء : «ولا تَسْأَلْ» على النهي . روي أنه قال : ( 52 ) " ليت شعري ما فعل أبواي " . فنهى عن السؤال عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله . وقيل : معناه تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب كما تقول : كيف فلان؟ سائلاً عن الواقع في بلية ، فيقال لك : لا تسأل عنه . ووجه التعظيم أن المستخبر يجزع أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته ، فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره ، و أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره لإيحاشه السامع وإضجاره ، فلا تسأل ، وتعضد القراءة الأولى قراءة عبد الله : «ولن تسأَل» ، وقراءة أبيّ : «وما تسأل» .

(1/126)


وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)

كأنهم قالوا : لن نرضى عنك وإن أبلغت في طلب رضانا حتى تتبع ملتنا ، إقناطاً منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن دخولهم في الإسلام ، فحكى الله عزّ وجلّ كلامهم ، ولذلك قال : { قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى } على طريقة إجابتهم عن قولهم ، يعني أن هدى الله الذي هو الإسلام وهو الهدى بالحق والذي يصح أن يسمى هدى ، وهو الهدى كله ليس وراءه هدى ، وما تدعون إلى اتباعه ما هو بهدى إنما هو هوى . ألا ترى إلى قوله : { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم } أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع { بَعْدَ الذي جَاءكَ مِنَ العلم } أي من الدين المعلوم صحته بالبراهين الصحيحة .

(1/127)


الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)

{ الذين ءاتيناهم الكتاب } هم مؤمنون أهل الكتاب { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ } لا يحرّفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ } بكتابهم دون المحرفين { وَمن يَكْفُرْ بِهِ } من المحرفين { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } حيث اشتروا الضلالة بالهدى .

(1/128)


وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)

{ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات } اختبره بأوامر ونواه . واختبار الله عبده مجاز عن تمكينه عن اختيار أحد الأمرين : ما يريد الله ، وما يشتهيه العبد ، كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك . وقرأ أبو حنيفة رضي الله عنه وهي قراءة ابن عباس رضي الله عنه : «إبراهيمُ ربَّه» رفع إبراهيم ونصب ربه . والمعنى : أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه إليهنّ أم لا؟ فإن قلت : الفاعل في القراءة المشهورة يلي الفعل في التقدير ، فتعليق الضمير به إضمار قبل الذكر . قلت : الإضمار قبل الذكر أن يقال : ابتلى ربه إبراهيم . فأما ابتلى إبراهيم ربه أو ابتلى ربه إبراهيم ، فليس واحداً منهما بإضمار قبل الذكر . أما الأوّل فقد ذكر فيه صاحب الضمير قبل الضمير ذكراً ظاهراً . وأما الثاني فإبراهيم فيه مقدّم في المعنى ، وليس كذلك : ابتلى ربه إبراهيم ، فإن الضمير فيه قد تقدم لفظاً ومعنى فلا سبيل إلى صحته . والمستكن { فَأَتَمَّهُنَّ } في إحدى القراءتين لإبراهيم بمعنى : فقام بهنّ حق القيام وأدّاهنّ أحسن التأدية من غير تفريط وتوان . ونحو : { وإبراهيم الذى وفى } وفى الأخرى لله تعالى بمعنى فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئاً . ويعضده ما روي عن مقاتل أنه فسر الكلمات بما سأل إبراهيم ربه في قوله : { رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا } [ البقرة : 126 ] ، { واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } ، { وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ } . { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } فإن قلت : ما العامل في إذ؟ قلت : إما مضمر نحو : واذكر إذ ابتلى أو إذ ابتلاه كان كيت وكيت ، وإما { قَالَ إِنّى جاعلك } . فإن قلت : فما موقع قال؟ قلت : هو على الأوّل استئناف ، كأنه قيل : فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات؟ فقيل : قال إني جاعلك للناس إماماً . وعلى الثاني جملة معطوفة على ما قبلها . ويجوز أن يكون بياناً لقوله : ( ابتلى ) وتفسيراً له فيراد بالكلمات ما ذكره من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده . والإسلام قبل ذلك في قوله : { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ } وقيل في الكلمات : هنّ خمس في الرأس : الفرق ، وقص الشارب ، والسواك ، والمضمضة والاستنشاق . وخمس في البدن : الختان ، والاستحداد ، والاستنجاء ، وتقليم الأظفار ، ونتف الإبط . وقيل : ابتلاه من شرائع الإسلام بثلاثين سهماً : عشر في براءة { التائبون العابدون } [ التوبة : 122 ] ، وعشر في الأحزاب { إِنَّ المسلمين والمسلمات } [ الاحزاب : 35 ] ، وعشر في المؤمنون ، و ( سأل سائل ) إلى قوله : { وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } [ المعارج : 34 ] . وقيل : هي مناسك الحج ، كالطواف والسعي والرمي والإحرام والتعريف وغيرهنّ . وقيل : ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس والختان وذبح ابنه والنار والهجرة . والإمام اسم من يؤتم به على زنة الإله ، كالإزار لما يؤتزر به ، أي يأتمون بك في دينهم { وَمِن ذُرّيَتِى } عطف على الكاف ، كأنه قال : وجاعل بعض ذريتي ، كما يقال لك : سأكرمك ، فتقول : وزيداً { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } وقرىء : «الظالمون» ، أي من كان ظالماً من ذرّيتك .

(1/129)


لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالإمامة ، وإنما ينال من كان عادلاً بريئاً من الظلم وقالوا : في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة . وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته . ولا تجب طاعته؛ ولا يقبل خبره ، ولا يقدّم للصلاة . وكان أبو حنيفة رحمه الله يفتي سراً بوجوب نصرة زيد بن عليّ رضوان الله عليهما ، وحمل المال إليه ، والخروج معه على اللص المتغلب المتسمي بالإمام والخليفة ، كالدوانيقي وأشباهه . وقالت له امرأة : أشرت على ابني بالخروج مع إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن الحسن حتى قتل . فقال : ليتني مكان ابنك . وكان يقول في المنصور وأشياعه : لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عدّ آجره لما فعلت . وعن ابن عيينة : لا يكون الظالم إماماً قط . وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة ، والإمام إنما هو لكف الظلمة . فإذا نصب من كان ظالماً في نفسه فقد جاء المثل السائر : من استرعى الذئب ظلم . و { البيت } اسم غالب للكعبة ، كالنجم للثريا { مَثَابَةً لّلنَّاسِ } مباءة ومرجعاً للحجاج والعمار ، يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه أي يثوب إليه أعيان الذين يزورونه أو أمثالهم { وَأَمْناً } موضع أمن ، كقوله : { حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ } [ العنكبوت : 67 ] ولأن الجاني يأوي إليه فلا يتعرض له حتى يخرج . وقرىء : «مثابات» ، لأنه مثابة لكل من الناس لا يختص به واحد منهم { سَوَاء العاكف فِيهِ والباد } { واتخذوا } على إرادة القول ، أي وقلنا : اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه . وهو على وجه الاختيار والاستحباب دون الوجوب . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( ( 53 " أنه أخذ بيد عمر فقال : هذا مقام إبراهيم ، فقال عمر : أفلا نتخذه مصلى يريد أفلا نؤثره لفضله بالصلاة فيه تبركاً به وتيمناً بموطىء قدم إبراهيم فقال : لم أومر بذلك ، فلم تغب الشمس حتى نزلت» " وعن جابر بن عبد الله :
( 54 ) «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استلم الحجر ورمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة ، حتى إذا فرغ ، عمد إلى مقام إبراهيم ، فصلى خلفه ركعتين ، وقرأ : { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } وقيل : مصلى مدعى . ومقام إبراهيم : الحجر الذي فيه أثر قدميه ، والموضع الذي كان فيه الحجر حين وضع عليه قدميه ، وهو الموضع الذي يسمى مقام إبراهيم . وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل المطلب بن أبي وداعة : هل تدري أين كان موضعه الأوّل؟ قال : نعم ، فأراه موضعه اليوم . وعن عطاء { مَّقَامِ إبراهيم } : عرفة والمزدلفة والجمار ، لأنه قام في هذه المواضع ودعا فيها . وعن النخعي : الحرم كله مقام إبراهيم . وقرىء «واتخذوا» بلفظ الماضي عطفا على «جعلنا» أي واتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذرّيته عنده قبلةً يصلون إليها { عَهِدْنَا } أمرناهما { أَن طَهّرَا بَيْتِىَ } بأن طهرا ، أو أي طهرا . والمعنى طهراه من الأوثان والأنجاس وطواف الجنب والحائض والخبائث كلها ، أو أخلصاه لهؤلاء لا يغشه غيرهم { والعاكفين } المجاورين الذين عكفوا عنده ، أي أقاموا لا يبرحون ، أو المعتكفين . ويجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين يعني القائمين في الصلاة ، كما قال : { لِلطَّائِفِينَ والقائمين والركع السجود } [ الحج : 26 ] ، والمعنى : للطائفين والمصلين ، لأن القيام والركوع والسجود هيآت المصلي .

(1/130)


وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)

أي اجعل هذا البلد أو هذا المكان { بَلَدًا آمِنًا } ذا أمن ، كقوله { عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } [ الحاقة : 21 ] . أو آمنا من فيه ، كقوله : ليل نائم . و { مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم } بدل من أهله ، يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة . { وَمَن كَفَرَ } عطف على من آمن كما عطف { وَمِن ذُرّيَتِى } على الكاف في جاعلك فإن قلت : لم خصّ إبراهيم صلوات الله عليه المؤمنين حتى ردّ عليه؟ قلت : قاس الرزق على الإمامة فعرّف الفرق بينهما ، لأن الاستخلاف استرعاء يختص بمن ينصح للمرعى ، وأبعد الناس عن النصيحة الظالم ، بخلاف الرزق فإنه قد يكون استدراجاً للمرزوق وإلزاماً للحجة له . والمعنى : وأرزق من كفر فأمتعه . ويجوز أن يكون { وَمَن كَفَرَ } مبتدأ متضمناً معنى الشرط . وقوله : { فَأُمَتّعُهُ } جواباً للشرط ، أي ومن كفر فأنا أمتعه . وقرىء : «فأمتعه فأضطره» فألزه إلى عذاب النار لزّ المضطر الذي لا يملك الامتناع مما اضطر إليه ، وقرأ أبيّ : «فنمتعه قليلاً ثم نضطره» . وقرأ يحيى بن وثاب : «فإضطره» ، بكسر الهمزة . وقرأ ابن عباس : «فأَمْتْعهُ قليلاً ثم اضطرَّه» ، على لفظ الأمر . والمراد : الدعاء من إبراهيم دعا ربّه بذلك . فإن قلت : فكيف تقدير الكلام على هذه القراءة؟ قلت : في ( قال ) : ضمير إبراهيم ، أي قال إبراهيم بعد مسئلته اختصاص المؤمنين بالرزق : ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم اضطره . وقرأ ابن محيصن : «فأطره» ، بإدغام الضاد في الطاء كما قالوا : اطجع ، وهي لغة مرذولة ، لأنّ الضاد من الحروف الخمسة التي يدغم هي فيها ما يجاورها ولا تدغم هي فيما يجاورها ، وهي حروف «ضم شفر» .

(1/131)


وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)

{ يَرْفَعُ } حكاية حال ماضية . و { القواعد } جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه ، وهي صفة غالبة ، ومعناها الثابتة . ومنه قعّدك الله ، أي أسأل الله أن يقعدك أي يثبتك . ورفع الأساس : البناء عليها لأنها إذا بنى عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر . ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأنّ كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه . ومعنى رفع القواعد : رفعها بالبناء لأنه إذا وضع سافاً فوق ساف فقد رفع السافات . ويجوز أن يكون المعنى : وإذ يرفع إبراهيم ما قعد من البيت أي استوطأ يعني جعل هيئته القاعدة المستوطئة مرتفعة عالية بالبناء ، وروي : أنه كان مؤسساً قبل إبراهيم فبنى على الأساس . وروي : أن الله تعالى أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد : شرقي وغربي ، وقال لآدم عليه السلام : أهبطت لك ما يطاف به كما يطاف حول عرشي ، فتوجه آدم من أرض الهند إليه ماشياً ، وتلقته الملائكة فقالوا : بَرَّ حجك يا آدم ، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام وحج آدم أربعين حجة من أرض الهند إلى مكة على رجليه ، فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيام الطوفان إلى السماء الرابعة فهو البيت المعمور ، ثم إن الله تعالى أمر إبراهيم ببنائه وعرّفه جبريل مكانه . وقيل : بعث الله سحابةً أظلته : ونودي : أن ابن على ظلها لا تزد ولا تنقص . وقيل : بناه من خمسة أجبل طورسينا ، وطورزيتا ، ولبنان ، والجودي ، وأسسه من حراء . وجاءه جبريل بالحجر الأسود من السماء . وقيل : تمخض أبو قبيس فانشق عنه ، وقد خبىء فيه في أيام الطوفان وكان ياقوتة بيضاء من الجنة ، فلما لمسته الحيض في الجاهلية اسودّ . وقيل : كان إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة { رَبَّنَا } أي يقولان ربنا . وهذا الفعل في محل النصب على الحال ، وقد أظهره عبد الله في قراءته ، ومعناه : يرفعانها قائلين ربنا { إِنَّكَ أَنتَ السميع } لدعائنا { العليم } بضمائرنا ونياتنا . فإن قلت : هلا قيل : قواعد البيت ، وأي فرق بين العبارتين؟ قلت : في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام ما ليس في إضافتها لما في الإيضاح بعد الإبهام من تفخيم لشأن المبين { مُسْلِمَيْنِ لَكَ } مخلصين لك أوجهنا ، من قوله : { أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } [ البقرة : 112 ] أو مستسلمين . يقال : أسلم له وسلم واستسلم ، إذا خضع وأذعن . والمعنى : زدنا إخلاصاً أو إذعاناً لك . وقرىء : «مسلمين» على الجمع ، كأنهما أرادا أنفسهما وهاجر ، أو أجريا التثنية على حكم الجمع لأنها منه { وَمِن ذُرّيَّتِنَا } واجعل من ذرّيتنا { أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } و { مِنَ } للتبعيض أو للتبيين ، كقوله : { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ } [ النور : 55 ] . فإن قلت : لم خصّا ذرّيتهما بالدعاء؟ قلت : لأنهم أحق بالشفقة والنصيحة

(1/132)


{ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً } [ التحريم : 6 ] ، ولأنّ أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم وشايعوهم على الخير . ألا ترى أن المقدّمين من العلماء والكبراء إذا كانوا على السداد ، كيف يتسببون لسداد من وراءهم؟ وقيل : أراد بالأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم { وَأَرِنَا } منقول من رأى بمعنى أبصر أو عرّف . ولذلك لم يتجاوز مفعولين ، أي وبصرنا متعبداتنا في الحج ، أو وعرفناها . وقيل : مذابحنا . وقرىء : ( وأرْنا ) بسكون الراء قياساً على فخذ في فخذ . وقد استرذلت ، لأن الكسرة منقولة من الهمزة الساقطة دليل عليها ، فإسقاطها إجحاف . وقرأ أبو عمرو بإشمام الكسرة . وقرأ عبد الله : «وأرهم مناسكهم» . { وَتُبْ عَلَيْنَا } ما فرط منا من الصغائر أو استتاباً لذرّيتهما { وابعث فِيهِمْ } في الأمة المسلمة { رَسُولاً مّنْهُمْ } من أنفسهم . وروى أنه قيل له : قد استجيب لك وهو في آخر الزمان ، فبعث الله فيهم محمداً صلى الله عليه وسلم . قال عليه الصلاة والسلام :
( 55 ) " أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى ورؤيا أمي " { يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتك } يقرأ عليهم ويبلغهم ما يوحى إليه من دلائل وحدانيتك وصدق أنبيائك { وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب } القرآن { والحكمة } الشريعة وبيان الأحكام { وَيُزَكّيهِمْ } ويطهرهم من الشرك وسائر الأرجاس ، كقوله : { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث } [ الاعراف : 157 ] .

(1/133)


وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)

{ وَمَن يَرْغَبُ } إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم . و { مَن سَفِهَ } في محل الرفع على البدل من الضمير في يرغب ، وصحّ البدل لأنّ من يرغب غير موجب ، كقولك : هل جاءك أحد إلا زيد { سَفِهَ نَفْسَهُ } امتهنها واستخف بها . وأصل السفه : الخفة . ومنه زمام سفيه . وقيل : انتصاب النفس على التمييز ، نحو : غبن رأيه وألم رأسه . ويجوز أن يكون في شذوذ تعريف المميز نحو قوله :
وَلاَ بِفَزَارَةَ الشُّعُرِ الرِّقَابَا ... أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنَامُ ... وقيل معناه : سفه في نفسه ، فحذف الجار ، كقولهم : زيد ظني مقيم ، أي في ظني . والوجه هو الأوّل . وكفى شاهداً له بما جاء في الحديث :
( 56 ) « الكبر أن تَسَفِّهَ الحق وتغمص الناس » وذلك أنه إذا رغب عمَّا لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إذالة نفسه وتعجيزها ، حيث خالف بها كل نفس عاقبة { وَلَقَدِ اصطفيناه } بيان لخطأِ رأي من رغب عن ملته ، لأنّ من جمع الكرامة عند الله في الدارين ، بأن كان صفوته وخيرته في الدنيا وكان مشهوداً له بالاستقامة على الخير في الآخرة ، لم يكن أحد أولى بالرغبة في طريقته منه { إِذْ قَالَ } ظرف لاصطفيناه ، أي : اخترناه في ذلك الوقت . أو انتصب بإضمار ( اذكر ) استشهاداً على ما ذكر من حاله . كأنه قيل : اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله . ومعنى قال له : أسلم ، أخطر بباله النظر في الدلائل المؤدية إلى المعرفة والإسلام . و { قَالَ أَسْلَمْتُ } أي فنظر وعرف ، وقيل : أسلمْ : أي أَذعنْ وأَطعْ . وروي : أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجراً إلى الإسلام فقال لهما : قد علمنا أنّ الله تعالى قال في التوراة : إني باعث من ولد إسماعيل نبياً اسمه أحمد ، فمن آمن به فقد اهتدى ورشد ، ومن لم يؤمن به فهو ملعون . فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم ، فنزلت .

(1/134)


وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)

قرىء : ( وأوصى ) ، وهي في مصاحف أهل الحجاز والشام . والضمير في { بِهَآ } لقوله : { أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين } على تأويل الكلمة والجملة ، ونحوه رجوع الضمير في قوله : { وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقية } [ الزخرف : 28 ] إلى قوله : { إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الذى فَطَرَنِى } [ الزخرف : 26-27 ] وقوله : ( كلمة باقية ) . دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة { وَيَعْقُوبُ } عطف على إبراهيم ، داخل في حكمه . والمعنى : ووصى بها يعقوب بنيه أيضاً . وقرىء : «ويعقوب» ، بالنصب عطفاً على بنيه . ومعناه ووصى بها إبراهيم بنيه ونافلته يعقوب { أَوْ يا بني } على إضمار القول عند البصريين . وعند الكوفيين يتعلق بوصى ، لأنه في معنى القول . ونحوه قول القائل :
رَجْلاَنِ مِنْ ضَبَّةَ أخْبَرَانَا ... إنّا رَأَيْنَا رَجُلاً عُرْيَانَا
بكسر الهمزة : فهو بتقدير القول عندنا . وعندهم يتعلق بفعل الإخبار . وفي قراءة أبيّ وابن مسعود : «أن يا بنيَّ» { اصطفى لَكُمُ الدين } أعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان وهو دين الإسلام . ووفقكم للأخذ به { فَلاَ تَمُوتُنَّ } معناه فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام ، فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا ، كقولك : لا تصلّ إلا وأنت خاشع ، فلا تنهاه عن الصلاة ، ولكن عن ترك الخشوع في حال صلاته . فإن قلت : فأي نكتة في إدخال حرف النهي على الصلاة وليس بمنهى عنها؟ قلت : النكتة فيه إظهار أن الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة ، فكأنه قال : أنهاك عنها إذا لم تصلها على هذه الحالة . ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام :
( 57 ) " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " فإنه كالتصريح بقولك لجار المسجد : لا تصلِّ إلا في المسجد : وكذلك المعنى في الآية إظهار أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام موت لا خير فيه ، وأنه ليس بموت السعداء ، وأن من حق هذا الموت أن لا يحل فيهم . وتقول في الأمر أيضاً : مت وأنت شهيد . وليس مرادك الأمر بالموت . ولكن بالكون على صفة الشهداء إذا مات؛ وإنما أمرته بالموت اعتداداً منك بميتته ، وإظهاراً لفضلها على غيرها ، وأنها حقيقة بأن يحث عليها .

(1/135)


أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)

{ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء } هي أم المنقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار . والشهداء جمع شهيد ، بمعنى الحاضر : أي ما كنتم حاضرين يعقوب عليه السلام إذ حضره الموت ، أي حين احتضر والخطاب للمؤمنين بمعنى : ما شاهدتم ذلك وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي . وقيل : الخطاب لليهود ، لأنهم كانوا يقولون : ما مات نبيٌ إلا على اليهودية ، إلا أنهم لو شهدوه وسمعوا ما قاله لبنيه وما قالوه ، لظهر لهم حرصه على ملة الإسلام ، ولما ادعوا عليه اليهودية . فالآية منافية لقولهم ، فكيف يقال لهم : ( أم كنتم شهداء ) ؟ ولكن الوجه أن تكون أم متصلة على أن يقدر قبلها محذوف ، كأنه قيل : أتدّعون على الأنبياء اليهودية؟ { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت } يعني أن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإسلام ، وقد علمتم ذلك ، فما لكم تدّعون على الأنبياء ما هم منه برآء؟ وقرىء «حَضِرَ» بكسر الضاد وهي لغة . { مَا تَعْبُدُونَ } أي شيء تعبدون؟ و { مَا } عامّ في كل شيء فإذا علم فرق بما ومن ، وكفاك دليلاً قول العلماء ( من ) لما يعقل . ولو قيل : من تعبدون ، لم يعم إلا أولي العلم وحدهم . ويجوز أن يقال : { مَا تَعْبُدُونَ } سؤال عن صفة المعبود . كما تقول : ما زيد؟ تريد : أفقيه أم طبيب أم غير ذلك من الصفات؟ و { إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } عطف بيان لآبائك . وجعل إسماعيل وهو عمه من جملة آبائه ، لأنّ العمّ أب والخالة أمّ ، لانخراطهما في سلك واحد وهو الأخوة لا تفاوت بينهما . ومنه قوله عليهالصلاة و السلام :
( 58 ) " عمّ الرجل صنو أبيه " أي لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوي النخلة . وقال عليه الصلاة والسلام في العباس :
( 59 ) " هذا بقية آبائي " وقال :
( 60 ) " ردّوا عليّ أبي ، فإني أخشى أن تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود " وقرأ أبيّ : و«إله إبراهيم» ، بطرح آبائك . وقرىء : «أبيك» . وفيه وجهان : أن يكون واحداً وإبراهيم وحده عطف بيان له ، وأن يكون جمعاً بالواو والنون . قال :
وَفَدَّيْنَنَا بالأَبِينَا ... { إلها واحدا } بدل من إله آبائك ، كقوله تعالى : { بالناصية نَاصِيَةٍ كاذبة } [ العلق : 15 16 ] أو على الاختصاص ، أي نريد بإله آبائك إلها واحداً { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } حال من فاعل نعبد ، أو من مفعوله ، لرجوع الهاء إليه في له . ويجوز أن تكون جملة معطوفة على نعبد ، وأن تكون جملة اعتراضية مؤكدة ، أي ومن حالنا أنا له مسلمون مخلصون التوحيد أو مذعنون .

(1/136)


تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)

{ تِلْكَ } إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون . والمعنى : أنّ أحداً لا ينفعه كسب غيره متقدماً كان أو متأخراً ، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا ، فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم . وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم . ونحوه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 61 ) « يا بني هاشم ، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم » ، { وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ولا تؤاخذون بسيآتهم كما لا تنفعكم حسناتهم .

(1/137)


وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)

{ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم } بل تكون ملة إبراهيم أي أهل ملته كقول عدّي بن حاتم :
( 62 ) ( إني من دين ) يريد من أهل دين . وقيل : بل نتبع ملة إبراهيم . وقرىء : ( مِلّةُ إبراهيم ) بالرفع ، أي ملته ملتنا ، أو أمرنا ملته ، أو نحن ملته بمعنى أهل ملته . و { حَنِيفاً } حال من المضاف إليه ، كقولك : رأيت وجه هند قائمة . والحنيف : المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق . والحنف : الميل في القدمين . وتحنف إذا مال . وأنشد :
وَلَكِنَّا خُلِقْنَا إذْ خُلِقْنَا ... حَنِيفاً دِينُنَا عَنْ كُلّ دِينِ
{ وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } تعريض بأهل الكتاب وغيرهم لأن كلا منهم يدّعي اتباع إبراهيم وهو على الشرك .

(1/138)