صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الكشاف |
فإن قلت : هلا قيل ذهب الله بضوئهم؟ لقوله : { فَلَمَّا أَضَاءتْ } ؟ قلت : ذكر النور أبلغ؛ لأنّ الضوء فيه دلالة على الزيادة . فلو قيل : ذهب الله بضوئهم ، لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نوراً ، والغرض إزالة النور عنهم رأساً وطمسه أصلاً . ألا ترى كيف ذكر عقيبه { وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات } والظلمة عبارة عن عدم النور وانطماسه ، وكيف جمعها ، وكيف نكرها ، وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة مبهمة لا يتراءى فيها شبحان وهو قوله : { لاَّ يُبْصِرُونَ } . فإن قلت : فلم وصفت بالإضاءة؟ قلت : هذا على مذهب قولهم : للباطل صولة ثم يضمحل . ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت ، ونار العرفج مثل لنزوة كل طماح . والفرق بين أذهبه وذهب به ، أن معنى أذهبه : أزاله وجعله ذاهباً . ويقال : ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه . وذهبت السلطان بماله : أخذه ( فلما ذهبوا به ) ، { إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ } [ المؤمنون : 91 ] . ومنه : ذهب به الخيلاء . والمعنى : أخذ الله نورهم وأمسكه ، { وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ } [ فاطر : 2 ] فهو أبلغ من الإذهاب . وقرأ اليماني : أذهب الله نورهم . وترك : بمعنى طرح وخلى ، إذا علق بواحد ، كقولهم : تركه ترك ظبي ظله . فإذا علق بشيئين كان مضمناً معنى صير ، فيجري مجرى أفعال القلوب كقول عنترة : (1/45)
فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ ... ومنه قوله : { وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات } أصله : هم في ظلمات ، ثم دخل ترك فنصب الجزأين . والظلمة عدم النور . وقيل : عرض ينافي النور . واشتقاقها من قولهم : ما ظلمك أن تفعل كذا : أي ما منعك وشغلك ، لأنها تسدّ البصر وتمنع الرؤية . وقرأ الحسن «ظلمات» بسكون اللام وقرأ اليماني «في ظُلمة» على التوحيد . والمفعول الساقط من { لاَّ يُبْصِرُونَ } من قبيل المتروك المطرح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال ، لا من قبيل المقدر المنوى ، كأنّ الفعل غير متعدّ أصلاً ، نحو { يَعْمَهُونَ } في قوله : { وَيَذَرُهُمْ فِى طغيانهم يَعْمَهُونَ } [ الأعراف : 186 ] . فإن قلت : فيم شبهت حالهم بحال المستوقد؟ قلت : في أنهم غب الإضاءة خبطوا في ظلمة وتورّطوا في حيرة . فإن قلت : وأين الإضاءة في حال المنافق؟ وهل هو أبداً إلا حائر خابط في ظلماء الكفر؟ قلت : المراد ما استضاءوا به قليلاً من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم ، ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق التي ترمي بهم إلى ظلمة سخط الله وظلمة العقاب السرمد . ويجوز أن يشبه بذهاب الله بنور المستوقد اطلاع الله على أسرارهم وما افتضحوا به بين المؤمنين واتسموا به من سمة النفاق . والأوجه أن يراد الطبع ، لقوله : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } . وفي الآية تفسير آخر : وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى ، عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد ، والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب الله بنورهم وتركه إياهم في الظلمات .
وتنكير النار للتعظيم . كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدّوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم ، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم ، وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم جعلوا كأنما أيفت مشاعرهم وانتقضت بناها التي بنيت عليها للإحساس والإدراك كقوله : (1/46)
صُم إذا سَمِعُوا خَيْراً ذُكِرْتُ بِه ... وإنْ ذُكِرْتُ بُسوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا
أَصَمُّ عَمَّا سَاءَهُ سَمِيعُأ ... َصَمُّ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا أرِيدُهُ ... واسمع خلق الله حين أريد ف
أصَممت عمراً وأعميته ... عَنِ الجُودِ والفَخْرِ يَوْمَ الفَخَار
فإن قلت : كيف طريقته عند علماء البيان؟ قلت : طريقة قولهم «هم ليوث» للشجعان ، وبحور للأسخياء . إلا أنّ هذا في الصفات ، وذاك في الأسماء ، وقد جاءت الاستعارة في الأسماء والصفات والأفعال جميعاً . تقول : رأيت ليوثاً ، ولقيت صماً عن الخير ، ودجا الإسلام . وأضاء الحق . فإن قلت : هل يسمى ما في الآية استعارة؟ قلت : مختلف فيه . والمحققون على تسميته تشبيهاً بليغاً لا استعارة؛ لأنّ المستعار له مذكور وهم المنافقون . والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له ، ويجعل الكلام خلواً عنه صالحاً لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه ، لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام ، كقول زهير :
لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلاَحِ مُقَذَّفٍ ... لَهُ لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ
ومن ثم ترى المفلقين السحرة منهم كأنهم يتناسون التشبيه ويضربون عن توهمه صفحاً . قال أبو تمام :
ويُصْعِدُ حتَّي يَظُنَّ الجَهُولُ ... بأَنَّ لهُ حَاجَةً في السَّمَاءْ
وبعضهم :
لا تَحْسَبُوا أَنَّ في سِرْبَالِهِ رَجُلاً ... ففِيهِ غَيْثٌ وَلَيْثٌ مُسْبِلٌ مُشْبِل
وليس لقائل أن يقول : طوى ذكرهم عن الجملة بحذف المبتدأ فأتسلق بذلك إلى تسميته استعارة لأنه في حكم المنطوق به ، نظيره قول من يخاطب الحجاج :
أَسَدٌ عَلَيَّ وفي الحُرُوبِ نَعَامَةٌ ... فَتْخاءُ تَنْفُرُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ
ومعنى { لاَ يَرْجِعُونَ } أنهم لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه ، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها ، تسجيلاً عليهم بالطبع ، أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا جامدين في مكانهم لا يبرحون ، ولا يدرون أيتقدّمون أم يتأخرون؟ وكيف يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه؟
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)
ثم ثنى الله سبحانه في شأنهم بتمثيل آخر ليكون كشفاً لحالهم بعد كشف ، وإيضاحاً غب إيضاح . وكما يجب على البليغ في مظانّ الإجمال والإيجاز أن يجمل ويوجز؛ فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل والإشباع أن يفصل ويشبع . أنشد الجاحظ : (1/47)
ُيوحُونَ بالخُطَبِ الطِّوَالِ وتَارَةً ... وَحْيَ المُلاَحِظِ خِيفةَ الرُُّقَباء
ومما ثنى من التمثيل في التنزيل قوله : { وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور ، وما يستوي الأحياء ولا الأموات } [ فاطر : 21 ] وألا ترى إلى ذي الرمّة كيف صنع في قصيدته؟
أَذَاكَ أَمْ نَمَشٌ بالْوَشْيِ أَكْرَعُه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَذَاكَ أَمْ خَاضِبٌ بالسَّيِّ مَرْتَعُهُُ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن قلت : قد شبه المنافق في التمثيل الأوّل بالمستوقد ناراً ، وإظهاره الإيمان بالإضاءة ، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار ، فما ذا شبه في التمثيل الثاني بالصيب وبالظلمات وبالرعد وبالبرق وبالصواعق؟ قلت : لقائل أن يقول : شبه دين الإسلام بالصيب ، لأنّ القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر . وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات . وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق . وما يصيب الكفرة من الأفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق . والمعنى : أو كمثل ذوي صيب . والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا . فإن قلت : هذا تشبيه أشياء بأشياء فأين ذكر المشبهات؟ وهلا صرح به كما في قوله : { وَمَا يَسْتَوِى الاعمى والبصير والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَلاَ المسىء } [ غافر : 58 ] ، وفي قول امرىء القيس :
كأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً ويابِساً ... لَدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البَالِي؟
قلت : كما جاء ذلك صريحاً فقد جاء مطوياً ذكره على سنن الاستعارة ، كقوله تعالى : { وَمَا يَسْتَوِى البحران هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ } [ فاطر : 12 ] ، { ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون وَرَجُلاً سَلَماً لّرَجُلٍ } [ الزمر : 39 ] ، والصحيح الذي عليه علماء البيان لا يتخطونه : أنّ التمثيلين جميعاً من جملة التمثيلات المركبة دون المفرّقة ، لا يتكلف الواحد واحد شيء يقدر شبهه به ، وهو القول الفحل والمذهب الجزل ، بيانه : أنّ العرب تأخذ أشياء فرادى ، معزولاً بعضها من بعض ، لم يأخذ هذا بحجزة ذاك فتشبهها بنظائرها ، كما فعل امرؤ القيس وجاء في القرآن ، وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامّت وتلاصقت حتى عادت شيئاً واحداً ، بأخرى مثلها كقوله تعالى : { مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة } [ الجمعة : 5 ] الآية . الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة ، بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة ، وتساوي الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأوقار ، لا يشعر من ذلك إلا بما يمرّ بدفيه من الكدّ والتعب . وكقوله : { واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَاء أنزلناه مِنَ السماء }
[ الكهف : 45 ] المراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء الخضر . فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيرة شيئاً واحداً ، فلا . فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة شبهت حيرتهم وشدّة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل ، وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق . فإن قلت : الذي كنت تقدّره في المفرّق من التشبيه من حذف المضاف وهو قولك : «أو كمثل ذوي صيب» هل تقدّر مثله في المركب منه؟ قلت : لولا طلب الراجع في قوله تعالى : { يَجْعَلُونَ أصابعهم فِى ءاذَانِهِم } ما يرجع إليه لكنت مستغنياً عن تقديره؛ لأني أراعي الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام فلا عليّ أوَلِيَ حرف التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به أم لم يله . ألا ترى إلى قوله : { إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا } [ يس : 24 ] الآية ، كيف ولي الماء الكاف ، وليس الغرض تشبيه الدنيا بالماء ولا بمفرد آخر يتمحل لتقديره . ومما هو بين في هذا قول لبيد : (1/48)
وما النَّاسُ إلاّ كالدِّيَارِ وأَهْلُهَا ... بِهَا يَوْمَ حَلُّوهَا وغَدْواً بَلاَقِعُ
لم يشبه الناس بالديار ، وإنما شبه وجودهم في الدنيا وسرعة زوالهم وفنائهم ، بحلول أهل الديار فيها ووشك نهوضهم عنها ، وتركها خلاء خاوية . فإن قلت : أي التمثيلين أبلغ؟ قلت : الثاني ، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدّة الأمر وفظاعته ، ولذلك أُخر ، وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ . فإن قلت : لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك؟ قلت : أو في أصلها لتساوي شيئين فصاعداً في الشك ، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير الشك ، وذلك قولك : جالس الحسن أو ابن سيرين ، تريد أنهما سيان في استصواب أن يجالسا ، ومنه قوله تعالى : { وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً } [ الإنسان : 24 ] ، أي الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما ، فكذلك قوله : { أَوْ كَصَيّبٍ } معناه أن كيفية قصة المنافقين مشبهة لكيفيتي هاتين القصتين ، وأن القصتين سواء في استقلال كل واحدة منهما بوجه التمثيل ، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب ، وإن مثلتها بهما جميعاً فكذلك . والصيب : المطر الذي يصوّب ، أي ينزل ويقع . ويقال للسحاب : صيب أيضاً . قال الشماخ :
وأَسْحَمَ دَانٍ صَادِقِ الرَّعْدِ صَيِّبِ ... وتنكير صيب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل . كما نكرت النار في التمثيل الأول . وقرىء : كصائب ، والصيب أبلغ . والسماء : هذه المظلة . وعن الحسن : أنها موج مكفوف . فإن قلت : قوله : { مّنَ السماء } ما الفائدة في ذكره؟ والصيب لا يكون إلا من السماء . قلت : الفائدة فيه أنه جاء بالسماء معرفة فنفى أن يتصوّب من سماء ، أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق ، لأنّ كل أفق من آفاقها سماء ، كما أن كل طبقة من الطباق سماء في قوله :
{ وأوحى فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا } [ فصلت : 12 ] . الدليل عليه قوله : (1/49)
ومِنْ بُعْدِ أَرْضٍ بَيْنَنا وسَمَاءِ ... والمعنى أنه غمام مطبق آخذ بآفاق السماء ، كما جاء بصيب . وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء والتنكير . أمد ذلك بأن جعله مطلقاً . وفيه أن السحاب من السماء ينحدر ومنها يأخذ ماءه ، لا كزعم من يزعم أنه يأخذه من البحر . ويؤيده قوله تعالى : { وَيُنَزّلُ مِنَ السماء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ } [ النور : 43 ] فإن قلت : بم ارتفع ظلمات؟ قلت : بالظرف على الاتفاق لاعتماده على موصوف . والرعد : الصوت الذي يسمع من السحاب ، كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتفض إذا حدتها الريح فتصوّت عند ذلك من الارتعاد . والبرق الذي يلمع من السحاب ، من برق الشيء بريقاً إذا لمع . فإن قلت : قد جعل الصيب مكاناً للظلمات فلا يخلو من أن يراد به السحاب أو المطر ، فأيهما أريد فما ظلماته؟ قلت : أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم مطبقاً فظلمتا سجمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل . وأما ظلمات المطر فظلمة تكاثفه وانتساجه بتتابع القطر ، وظلمة إظلال غمامه مع ظلمة الليل . فإن قلت : كيف يكون المطر مكاناً للبرق والرعد وإنما مكانهما السحاب؟ قلت إذا كانا في أعلاه ومصبه وملتبسين في الجملة فهما فيه . ألا تراك تقول : فلان في البلد ، وما هو منه إلا في حيز يشغله جرمه . فإن قلت : هلا جمع الرعد والبرق أخذاً بالأبلغ كقول البحتري :
يَا عَارِضاً مُتَلفِّعاً بُبُرودِهِ ... يَخْتَالُ بَيْنَ بُرُوقِهِ ورُعُودِهِ
وكما قيل ظلمات؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما أن يراد العينان ، ولكنهما لما كانا مصدرين في الأصل يقال : رعدت السماء رعداً وبرقت برقاً ، روعى حكم أصلهما بأن ترك جمعهما وإن أريد معنى الجمع . والثاني : أن يراد الحدثان كأنه قيل : وإرعاد وإبراق . وإنما جاءت هذه الأشياء منكرات ، لأن المراد أنواع منها ، كأنه قيل : فيه ظلمات داجية ، ورعد قاصف ، وبرق خاطب . وجاز رجوع الضمير في يجعلون إلى أصحاب الصيب مع كونه محذوفاً قائماً مقامه الصيب ، كما قال : { أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } [ الأعراف : 4 ] . لأن المحذوف باق معناه وإن سقط لفظه . ألا ترى إلى حسان كيف عوّل على بقاء معناه في قوله :
يُسْقَوْنَ مِنْ وِرْدِ البريص عليْهِمُ ... بَرَدَى يُصَفِّقُ بالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
حيث ذكر يصفق؛ لأن المعنى؛ ماء بردى ، ولا محل لقوله : { يَجْعَلُونَ } لكونه مستأنفاً ، لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدّة والهول ، فكأن قائلاً قال : فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟ فقيل : { يَجْعَلُونَ أصابعهم فِى ءاذَانِهِم } ثم قال : فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟ فقيل : يكاد البرق يخطف أبصارهم . فإن قلت : مرأَيس الأصبع هو الذي يجعل في الأذن فهلا قيل أناملهم؟ قلت : هذا من الاتساعات في اللغة التي لا يكاد الحاصر يحصرها ، كقوله :
{ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيَّدِيَكُم } [ المائدة : 6 ] ، { فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا } [ المائدة : 6 ] أراد البعض الذي هو إلى المرفق والذي إلى الرسغ . وأيضاً ففي ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل . فإن قلت : فالأصبع التي تسدّ بها الأذن أصبع خاصة ، فلم ذكر الاسم العام دون الخاص؟ قلت : لأن السبابة فعالة من السب فكان اجتنابها أولى بآداب القرآن . ألا ترى أنهم قد استبشعوها فكنوا عنها بالمسبحة والسباحة والمهللة والدّعاءة . فإن قلت : فهلا ذكر بعض هذه الكنايات؟ قلت : هي ألفاظ مستحدثة لم يتعارفها الناس في ذلك العهد ، وإنما أحدثوها بعد . وقوله : { مّنَ الصواعق } متعلق بيجعلون ، أي : من أجل الصواعق يجعلون أصابعهم في آذانهم ، كقولك : سقاه من العيمة . والصاعقة : قصفة رعد تنقض معها شقة من نار ، قالوا : تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه ، وهي نار لطيفة حديدة . لا تمرّ بشيء إلا أتت عليه ، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود . يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف ثم طفئت . ويقال : صعقته الصاعقة إذا أهلكته ، فصعق؛ أي مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق . ومنه قوله تعالى : { وَخَرَّ موسى صَعِقًا } [ الأعراف : 143 ] . وقرأ الحسن : «من الصواقع»؛ وليس بقلب للصواعق ، لأنّ كلا البنائين سواء في التصرف ، وإذا استويا كان كل واحد بناء على حياله . ألا تراك تقول : صقعه على رأسه ، وصقع الديك ، وخطيب مصقع : مجهر بخطبته . ونظيره «جبذ» في «جذب» ليس بقلبه لاستوائهما في التصرف . وبناؤها إما أن يكون صفة لقصفة الرعد ، أو للرعد ، والتاء مبالغة كما في الراوية ، أو مصدراً كالكاذبة والعافية . وقرأ ابن أبي ليلى : حذار الموت ، وانتصب على أنه مفعول له كقوله : (1/50)
وأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ ادِّخَارَهُ ... والموت فساد بنية الحيوان . وقيل : عرض لا يصح معه إحساس معاقب للحياة . وإحاطة الله بالكافرين مجاز . والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة . وهذه الجملة اعتراض لا محل لها . والخطف : الأخذ بسرعة . وقرأ مجاهد «يخطف» بكسر الطاء ، والفتح أفصح وأعلى ، وعن ابن مسعود : يختطف . وعن الحسن : يخطف ، بفتح الياء والخاء ، وأصله يختطف . وعنه : يخطف ، بكسرهما على إتباع الياء الخاء . وعن زيد بن علي : يخطف ، من خطف . وعن أبيّ : «يتخطف» ، من قوله : { وتخطفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ } [ العنكبوت : 67 ] . { كُلَّمَا أَضآءَ لَهُم } استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول : كيف يصنعون في تارتي خفوق البرق وخفيته؟ وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون ، إذا صادفوا من البرق خفقة ، مع خوف أن يخطف أبصارهم ، انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة ، فإذا خفى وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة ، ولو شاء الله لزاد في قصيف الرعد فأصمهم ، أو في ضوء البرق فأعماهم . وأضاء : إما متعد بمعنى : كلما نوّر لهم ممشى ومسلكاً أخذوه والمفعول محذوف .
وإما غير متعد بمعنى : كلما لمع لهم { مَّشَوْاْ } في مطرح نوره وملقى ضوئه . ويعضده قراءة ابن أبي عبلة : كلما ضاء لهم والمشي : جنس الحركة المخصوصة . فإذا اشتد فهو سعي . فإذا ازداد فهو عدو . فإن قلت : كيف قيل مع الإضاءة : كلما ، ومع الإظلام : إذا؟ قلت : لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي وتأتيه ، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها ، وليس كذلك التوقف والتحبس . وأظلم : يحتمل أن يكون غير متعد وهو الظاهر ، وأن يكون متعدياً منقولاً من ظلم الليل . وتشهد له قراءة يزيد بن قطيب : أظلم ، على ما لم يسم فاعله . وجاء في شعر حبيب بن أوس : (1/51)
هُمَا أَظْلَمَا حالَيَّ ثُمَّتَ أَجْلَيَا ... ظَلاَمَيْهُما عنْ وَجْهِ أَمْرَدَ أشْيَبِ
وهو وإن كان محدثاً لا يستشهد بشعره في اللغة ، فهو من علماء العربية ، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه . ألا ترى إلى قول العلماء : الدليل عليه بيت الحماسة ، فيقتنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه . ومعنى { قَامُواْ } وقفوا وثبتوا في مكانهم . ومنه : قامت السوق ، إذا ركدت وقام الماء : جمد . ومفعول { شَآءَ } محذوف ، لأن الجواب يدل عليه ، والمعنى : ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها ، ولقد تكاثر هذا الحذف في «شاء» و«أراد» لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كنحو قوله :
فَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَبْكِي دَماً لَبَكَيْتُهُ ... وقوله تعالى : { لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاتخذناه مِن لَّدُنَّا } [ الأنبياء : 17 ] { لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً } [ الزمر : 4 ] . وأراد : ولو شاء الله لذهب بسمعهم بقصيف الرعد ، وأبصارهم بوميض البرق . وقرأ ابن أبي عبلة : لأذهب بأسماعهم ، بزيادة الباء كقوله : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ } [ البقرة : 195 ] . والشيء : ما صح أن يعلم ويخبر عنه . قال سيبويه في ساقة الباب المترجم بباب مجاري أواخر الكلم من العربية : وإنما يخرج التأنيث من التذكير . ألا ترى أن الشيء يقع على كل ما أخبر عنه من قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى؟ ، والشيء : مذكر ، وهو أعم العام : كما أن الله أخص الخاص يجري على الجسم والعرض والقديم . تقول : شيء لا كالأشياء؛ أي معلوم لا كسائر المعلومات ، وعلى المعدوم والمحال فإن قلت : كيف قيل : { على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } وفي الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل وفعل قادر آخر؟ قلت : مشروط في حد القادر أن لا يكون الفعل مستحيلاً؛ فالمستحيل مستثنى في نفسه عند ذكر القادر على الأشياء كلها ، فكأنه قيل : على كل شيء مستقيم قدير . ونظيره : فلان أمير على الناس أي على من وراءه منهم ، ولم يدخل فيهم نفسه وإن كان من جملة الناس . وأما الفعل بين قادرين فمختلف فيه . فإن قلت : ممّ اشتقاق القدير؟ قلت : من التقدير ، لأنه يوقع فعله على مقدار قوّته واستطاعته وما يتميز به عن العاجز .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)
لما عدّد الله تعالى فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين ، وذكر صفاتهم وأحوالهم ومصارف أمورهم ، وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها ، ويحظيها عند الله ويرديها ، أقبل عليهم بالخطاب ، وهو من الالتفات المذكور عند قوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ } ، وهو فنّ من الكلام جزل ، فيه هزّ وتحريك من السامع ، كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكياً عن ثالث لكما : إنّ فلاناً من قصته كيت وكيت ، فقصصت عليه ما فرط منه ، ثم عدلت بخطابك إلى الثالث فقلت : يا فلان من حقك أن تلزم الطريقة الحميدة في مجاري أمورك ، وتستوي على جادّة السداد في مصادرك ومواردك . نبهته بالتفاتك نحوه فضل تنبيه ، واستدعيت إصغاءه إلى إرشادك زيادة استدعاء ، وأوجدته بالانتقال من الغيبة إلى المواجهة هازاً من طبعه ما لاً يجده إذا استمررت على لفظ الغيبة ، وهكذا الافتنان في الحديث والخروج فيه من صنف إلى صنف ، يستفتح الآذان للاستماع ، ويستهش الأنفس للقبول ، وبلغنا بإسناد صحيح عن إبراهيم عن علقمة : أنّ كل شيء نزل فيه : ( يا أيها الناس ) فهو مكي ، و ( يا أيها الذين آمنوا ) فهو مدني ، فقوله : ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) خطاب لمشركي مكة ، و«يا» حرف وضع في أصله لنداء البعيد ، صوت يهتف به الرجل بمن يناديه . وأما نداء القريب فله أي والهمزة ، ثم استعمل في مناداة من سها وغفل وإن قرب . تنزيلاً له منزلة من بعد ، فإذا نودي به القريب المفاطن فذلك للتأكيد المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه معنيّ به جداً . فإن قلت : فما بال الداعي يقول في جؤاره : يا رب ، ويا ألله ، وهو أقرب إليه من حبل الوريد ، وأسمع به وأبصر؟ قلت : هو استقصار منه لنفسه ، واستبعاد لها من مظانّ الزلفى وما يقرّبه إلى رضوان الله ومنازل المقرّبين ، هضماً لنفسه وإقراراً عليها بالتفريط في جنب الله ، مع فرط التهالك على استجابة دعوته والإذن لندائه وابتهاله ، و«أي» وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام ، كما أنّ «ذو» و«الذي» وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل . وهو اسم مبهم مفتقر إلى ما يوضحه ويزيل إبهامه ، فلا بد أن يردفه اسم جنس أو ما يجري مجراه يتصف به حتى يصح المقصود بالنداء ، فالذي يعمل فيه حرف النداء هو «أيّ» والاسم التابع له صفته ، كقولك : يا زيد الظريف؛ إلا أن «أيا» لا يستقل بنفسه استقلال «زيد» فلم ينفك من الصفة . وفي هذا التدرّج من الإبهام إلى التوضيح ضرب من التأكيد والتشديد . وكلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها لفائدتين : معاضدة حرف النداء ومكانفته بتأكيد معناه ، ووقوعها عوضاً مما يستحقه أيّ من الإضافة . فإن قلت : لم كثر في كتاب الله النداء على هذه الطريقة ما لم يكثر في غيره؟ قلت : لاستقلاله بأوجه من التأكيد وأسباب من المبالغة : لأن كل ما نادى الله له عباده من أوامره ونواهيه ، وعظاته وزواجره ووعده ووعيده ، واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليهم ، وغير ذلك مما أنطق به كتابه أمور عظام ، وخطوب جسام ، ومعان عليهم أن يتيقظوا لها ، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها ، وهم عنها غافلون . (1/52)
فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ . فإن قلت : لا يخلو الأمر بالعبادة من أن يكون متوجهاً إلى المؤمنين والكافرين جميعاً ، أو إلى كفار مكة خاصة ، على ما روي عن علقمة والحسن ، فالمؤمنون عابدون ربهم فكيف أمروا بما هم ملتبسون به؟ وهل هو إلا كقول القائل : (1/53)
فلَو أنِّي فعلت كُنْتُ مَنْ ... تَسْأَلُهُ وهُوَ قائمٌ أنْ يَقُوما
وأما الكفار فلا يعرفون الله ، ولا يقرّون به فكيف يعبدونه؟ قلت : المراد بعبادة المؤمنين : ازديادهم منها وإقبالهم وثباتهم عليها . وأما عبادة الكفار فمشروط فيها ما لا بدلها منه وهو الإقرار ، كما يشترط على المأمور بالصلاة شرائطها من الوضوء والنية وغيرهما وما لا بد للفعل منه ، فهو مندرج تحت الأمر به وإن لم يذكر ، حيث لم ينفعل إلا به ، وكان من لوازمه . على أنّ مشركي مكة كانوا يعرفون الله ويعترفون به { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله } [ الزخرف : 87 ] . فإن قلت : فقد جعلت قوله { اعبدوا } متناولاً شيئين معاً : الأمر بالعبادة ، والأمر بازديادها . قلت : الازدياد من العبادة عبادة وليس شيئاً آخر . فإن قلت : { رَبَّكُمُ } ما المراد به؟ قلت : كان المشركون معتقدين ربوبيتين : ربوبية الله ، وربوبية آلهتهم . فإن خصوا بالخطاب فالمراد به اسم يشترك فيه رب السموات والأرض والآلهة التي كانوا يسمونها أرباباً وكان قوله : { الذى خَلَقَكُمْ } صفة موضحة مميزة . وإن كان الخطاب للفرق جميعاً ، فالمراد به «ربكم» على الحقيقة . والذي خلقكم : صفة جرت عليه على طريق المدح والتعظيم . ولا يمتنع هذا الوجه في خطاب الكفرة خاصة ، إلا أن الأول أوضح وأصح . والخلق : إيجاد الشيء على تقدير واستواء . يقال : خلق النعل ، إذا قدره وسواها بالمقياس . وقرأ أبو عمرو : { خَلَقَكُمْ } بالإدغام . وقرأ ابن السميفع : وخلق من قبلكم . وفي قراءة زيد بن علي : ( والذين مِن قَبْلِكُمْ ) وهي قراءة مشكلة ، ووجهها على إشكالها أن يقال : أقحم الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيداً ، كما أقحم جرير في قوله :
يا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيٍّ لا أَبَالَكُمُ ... تيما الثاني بين الأول وما أضيف إليه ، وكإقحامهم لام الإضافة بين المضاف والمضاف إليه في : لا أبالك : ولعل للترجي أو الإشفاق . تقول : لعل زيداً يكرمني . ولعله يهينني . وقال الله تعالى : { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه : 44 ] ، { لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ } [ الشورى : 17 ] . ألا ترى إلى قوله : { والذين ءامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا } [ الشورى : 18 ] . وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن ، ولكن لأنه إطماع من كريم رحيم ، إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة ، لجري إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به .
قال من قال : إن «لعل» بمعنى «كي» ، و«لعل» لا تكون بمعنى «كي» . ولكن الحقيقة ما ألقيت إليك . وأيضاً فمن ديدن الملوك وما عليه أوضاع أمرهم ورسومهم أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها على أن يقولوا : عسى ، ولعل ، ونحوهما من الكلمات أو يخيلوا إخالة . أو يظفر منهم بالرمزة أو الابتسامة أو النظرة الحلوة ، فإذا عثر على شيء من ذلك منهم ، لم يبق للطالب ما عندهم شك في النجاح والفوز بالمطلوب . فعلى مثله ورد كلام مالك الملوك ذي العز والكبرياء . أو يجيء على طريق الإطماع دون التحقيق لئلا يتكل العباد ، كقوله : { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سيئاتكم } [ التحريم : 8 ] ، فإن قلت : ف«لعل» التي في الآية ما معناها وما موقعها؟ قلت : ليست مما ذكرناه في شيء ، لأن قوله : { خَلَقَكُمْ } ، { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ، لا يجوز أن يحمل على رجاء الله تقواهم لأن الرجاء لا يجوز على عالم الغيب والشهادة : وحمله على أن يخلقهم راجين للتقوى ليس بسديد أيضاً . ولكن «لعل» واقعة في الآية موقع المجاز لا الحقيقة ، لأن الله عز وجل خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف ، وركب فيهم العقول والشهوات ، وأزاح العلة في أقدارهم وتمكينهم وهداهم النجدين ، ووضع في أيديهم زمام الاختيار ، وأراد منهم الخير والتقوى . فهم في صورة المرجوّ منهم أن يتقوا يترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال المرتجي بين أن يفعل وأن لا يفعل ، ومصداقه قوله عز وجل : { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } [ هود : 7 ] ، [ الملك : 2 ] وإنما يبلو ويختبر من تخفى عليه العواقب ، ولكن شبه بالاختبار بناء أمرهم على الاختيار . فإن قلت : كما خلق المخاطبين لعلهم يتقون ، فكذلك خلق الذين من قبلهم لذلك ، فلم قصره عليهم دون من قبلهم؟ قلت : لم يقصره عليهم ، ولكن غلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ والمعنى على إرادتهم جميعاً . فإن قلت : فهلا قيل تعبدون لأجل اعبدوا؟ أو اتقوا لمكان تتقون ليتجاوب طرفا النظم . قلت : ليست التقوى غير العبادة حتى يؤدّي ذلك إلى تنافر النظم . وإنما التقوى قصارى أمر العابد ومنتهى جهده . فإذا قال : { اعبدوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ } للاستيلاء على أقصى غايات العبادة كان أبعث على العبادة ، وأشدّ إلزاماً لها ، وأثبت لها في النفوس . ونحوه أن تقول لعبدك : احمل خريطة الكتب ، فما ملكتك يميني إلا لجرّ الأثقال . ولو قلت : لحمل خرائط الكتب لم يقع من نفسه ذلك الموقع . (1/54)
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)
قدّم سبحانه من موجبات عبادته وملزمات حق الشكر له خلقهم أحياء قادرين أوّلاً؛ لأنه سابقة أصول النعم ومقدمتها ، والسبب في التمكن من العبادة والشكر وغيرهما ، ثم خلق الأرض التي هي مكانهم ومستقرّهم الذي لا بدّ لهم منه ، وهي بمنزلة عرصة المسكن ومتقلبه ومفترشه ، ثم خلق السماء التي هي كالقبة المضروبة والخيمة المطنبة على هذا القرار ، ثم ما سوّاه عزّ وجل من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها . والإخراج به من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار رزقاً لبني آدم ، ليكون لهم ذلك معتبراً : ومتسلقاً إلى النظر الموصل إلى التوحيد والاعتراف؛ ونعمة يتعرفونها فيقابلونها بلازم الشكر ، ويتفكرون في خلق أنفسهم وخلق ما فوقهم وتحتهم ، وأن شيئاً من هذه المخلوقات كلها لا يقدر على إيجاد شيء منها ، فيتيقنوا عند ذلك أن لا بدّ لها من خالق ليس كمثلها ، حتى لا يجعلوا المخلوقات له أنداداً وهم يعلمون أنها لا تقدر على نحو ما هو عليه قادر . والموصول مع صلته إمّا أن يكون في محل النصب وصفاً كالذي خلقكم ، أو على المدح والتعظيم . وإمّا أن يكون رفعاً على الابتداء وفيه ما في النصب من المدح ، وقرأ يزيد الشامي : بساطاً . وقرأ طلحة : مهادا . ومعنى جعلها فراشاً وبساطاً ومهاداً للناس : أنهم يقعدون عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على فراشه وبساطه ومهاده . فإن قلت : هل فيه دليل على أنّ الأرض مسطحة وليست بكريّة؟ قلت : ليس فيه إلا أن الناس يفترشونها كما يفعلون بالمفارش ، وسواء كانت على شكل السطح ، أو شكر الكرة ، فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع ، لعظم حجمها واتساع جرمها وتباعد أطرافها . وإذا كان متسهلاً في الجبل وهو وتد من أوتاد الأرض ، فهو في الأرض ذات الطول والعرض أسهل . والبناء مصدر سمي به المبنى بيتاً كان أو قبة أو خباء أو طرافاً وأبنية العرب : أخبيتهم ، ومنه بنى على امرأته ، لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديداً . فإن قلت : ما معنى إخراج الثمرات بالماء وإنما خرجت بقدرته ومشيئته؟ قلت : المعنى أنه جعل الماء سبباً في خروجها ومادّة لها ، كماء الفحل في خلق الولد ، وهو قادر على أن ينشىء الأجناس كلها بلا أسباب ولا موادّ كما أنشأ نفوس الأسباب والموادّ ، ولكن له في إنشاء الأشياء مدرجاً لها من حال إلى حال ، وناقلاً من مرتبة إلى مرتبة حكماً ودواعي يجدد فيها لملائكته والنظار بعيون الاستبصار من عباده عبرا وأفكاراً صالحة ، وزيادة طمأنينة ، وسكون إلى عظيم قدرته وغرائب حكمته ، ليس ذلك في إنشائها بغتة من غير تدريج وترتيب . و«من» في { مِنَ الثمرات } للتبعيض بشهادة قوله : (1/55)
{ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلّ الثمرات } [ الأعراف : 57 ] ، وقوله : { فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ } [ فاطر : 27 ] . ولأنّ المنكرين أعني : ماء ، ورزقاً . يكتنفانه . وقد قصد بتنكيرهما معنى البعضية فكأنه قيل : وأنزلنا من السماء بعض الماء ، فأخرجنا به بعض الثمرات ، ليكون بعض رزقكم . وهذا هو المطابق لصحة المعنى ، لأنه لم ينزل من السماء الماء كله ، ولا أخرج بالمطر جميع الثمرات ، ولا جعل الرزق كله في الثمرات . ويجوز أن تكون للبيان كقولك : أنفقت من الدراهم ألفاً . فإن قلت : فيم انتصب { رِزْقاً } ؟ قلت : إن كانت «من» للتبعيض . كان انتصابه بأنه مفعول له . وإن كانت مبنية ، كان مفعولاً لأخرج . فإن قلت : فالثمر المخرج بماء السماء كثير جمّ فلم قيل الثمرات دون الثمر والثمار؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما أن يقصد بالثمرات جماعة الثمرة التي في قولك : فلان أدركت ثمرة بستانه ، تريد ثماره . ونظيره قولهم : كلمة الحويدرة ، لقصيدته . وقولهم للقرية : المدرة ، وإنما هي مدر متلاحق . والثاني : أنّ الجموع يتعاور بعضها موقع بعض لالتقائها في الجمعية ، كقوله : { كَمْ تَرَكُواْ مِن جنات } [ الدخان : 25 ] و { ثلاثة قُرُوء } [ البقرة : 228 ] . ويعضد الوجه الأوّل قراءة محمد بن السميفع : من الثمرة ، على التوحيد . و { لَكُمُ } صفة جارية على الرزق إن أريد به العين ، وإن جعل اسماً للمعنى فهو مفعول به ، كأنه قيل : رزقاً إياكم . فإن قلت : بم تعلق { فَلاَ تَجْعَلُواْ } ؟ قلت : فيه ثلاثة أوجه : أن يتعلق بالأمر . أي اعبدوا ربكم فلا تجعلوا له { أَندَاداً } لأنّ أصل العبادة وأساسها التوحيد ، وأن لا تجعل لله ندّ ولا شريك . أو بلعل ، على أن ينتصب تجعلوا انتصاب ، فأطلع في قوله عز وجل : { لَّعَلّى أَبْلُغُ الاسباب أسباب السموات فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى } [ غافر : 36 37 ] في رواية حفص عن عاصم ، أي خلقكم لكي تتقوا وتخافوا عقابه فلا تشبهوه بخلقه ، أو بالذي جعل لكم ، إذا رفعته على الابتداء ، أي هو الذي خصكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية ، فلا تتخذوا له شركاء . والند : المثل . ولا يقال إلا للمثل المخالف المناوىء . قال جرير : (1/56)
أَتَيما يَجْعَلُون إلَيَّ نِدًّا ... وما تَيْمٌ لِذِي حَسَب نَدِيدَا
وناددت الرجل : خالفته ونافرته ، من ندّ ندوداً إذا نفر . ومعنى قولهم : ليس لله ندّ ولا ضدّ نفى ما يسدّه مسدّه ، ونفى ما ينافيه . فإن قلت : كانوا يسمون أصنامهم باسمه ويعظمونها بما يعظم به من القرب ، وما كانوا يزعمون أنها تخالف الله وتناويه . قلت : لما تقرّبوا إليها وعظموها وسموها آلهة ، أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله ، قادرة على مخالفته ومضادّته فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم . كما تهكم بهم بلفظ الندّ ، شنع عليهم واستفظع شأنهم بأن جعلوا أنداداً كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ندّ قط . وفي ذلك قال زيد بن عمرو بن نفيل حين فارق دين قومه :
أَرَبًّا واحِداً أمْ ألْفُ رَبٍّ ... أدِينُ إذَا تَقَسَّمَتِ الأُمُورُ (1/57)
وقرأ محمد بن السميفع : فلا تجعلوا لله ندا . فإن قلت : ما معنى { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } . قلت : معناه : وحالكم وصفتكم أنكم من صحة تمييزكم بين الصحيح والفاسد ، والمعرفة بدقائق الأمور وغوامض الأحوال ، والإصابة في التدابير ، والدهاء والفطنة ، بمنزل لا تدفعون عنه . وهكذا كانت العرب ، خصوصاً ساكنو الحرم من قريش وكنانة ، لا يصطلي بنارهم في استحكام المعرفة بالأمور وحسن الإحاطة بها . ومفعول { تَعْلَمُونَ } متروك كأنه قيل : وأنتم من أهل العلم والمعرفة . والتوبيخ فيه آكد ، أي أنتم العرّافون المميزون . ثم إنّ ما أنتم عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام لله أنداداً ، هو غاية الجهل ونهاية سخافة العقل . ويجوز أن يقدر : وأنتم تعلمون أنه لا يماثل . أو : وأنتم تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت . أو : وأنتم تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله . كقوله : { هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء } [ الروم : 40 ] .
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)
لما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية ويحققها ، ويبطل الإشراك ويهدمه ، وعلم الطريق إلى إثبات ذلك وتصحيحه ، وعرفهم أنّ من أشرك فقد كابر عقله وغطى على ما أنعم عليه من معرفته وتمييزه عطف على ذلك ما هو الحجة على إثبات نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، وما يدحض الشبهة في كون القرآن معجزة ، وأراهم كيف يتعرفون أهو من عند الله كما يدعي ، أم هو من عند نفسه كما يدعون . بإرشادهم إلى أن يحزروا أنفسهم ويذوقوا طباعهم وهم أبناء جنسه وأهل جلدته . فإن قلت : لم قيل : { مِّمَّا نَزَّلْنَا } على لفظ التنزيل دون الإنزال؟ قلت : لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم ، وهو من محازه لمكان التحدي ، وذلك أنهم كانوا يقولون : لو كان هذا من عند الله مخالفاً لما يكون من عند الناس ، لم ينزل هكذا نجوماً سورة بعد سورة وآيات غب آيات ، على حسب النوازل وكفاء الحوادث وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر ، من وجود ما يوجد منهم مفرقاً حيناً فحيناً ، وشيئاً فشيئاً حسب ما يعنّ لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة ، لا يلقى الناظم ديوان شعره دفعة ، ولا يرمي الناثر بمجموع خطبه أو رسائله ضربة ، فلو أنزل الله لأنزله خلاف هذه العادة جملة واحدة : قال الله تعالى : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة } [ الفرقان : 32 ] ، فقيل : إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج ، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه ، وهلموا نجماً فرداً من نجومه : سورة من أصغر السور ، أو آيات شتى مفتريات . وهذه غاية التبكيت . ومنتهى إزاحة العلل . وقرىء : «على عبادنا» يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته . والسورة : الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات . وواوها إن كانت أصلاً ، فإما أن تسمى بسورة المدينة وهي حائطها ، لأنها طائفة من القرآن محدودة محوّزة على حيالها ، كالبلد المسوّر ، أو لأنها محتوية على فنون من العلم وأجناس من الفوائد ، كاحتواء سورة المدينة على ما فيها . وإما أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة . قال النابغة : (1/58)
ولرَهْطِ حَرَّابٍ وقَدٍّ سُورَةٌ ... في المَجْدِ لَيْسَ غُرَابُهَا بمُطَارِ
لأحد معنيين ، لأن السور بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارىء : وهي أيضاً في أنفسها مترتبة : طوال وأوساط وقصار ، أو لرفعة شأنها وجلالة محلها في الدين . وإن جعلت واوها منقلبة عن همزة ، فلأنها قطعة وطائفة من القرآن ، كالسورة التي هي البقية من الشيء والفضلة منه . فإن قلت : ما فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً؟ قلت : ليست الفائدة في ذلك واحدة . ولأمر ما أنزل الله التوراة والإنجيل والزبور وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه على هذا المنهاج مسوّرة مترجمة السور . وبوّب المصنفون في كل فنّ كتبهم أبواباً موشحة الصدور بالتراجم . ومن فوائده : أنّ الجنس إذا انطوت تحته أنواع ، واشتمل على أصناف ، كان أحسن وأنبل وأفخم من أن يكون بياناً واحداً . ومنها أن القارىء إذا ختم سورة أو باباً من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأهز لعطفه ، وأبعث على الدرس والتحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله . ومثله المسافر ، إذا علم أنه قطع ميلاً ، أو طوى فرسخاً ، أو انتهى إلى رأس بريد : نفس ذلك منه ونشطه للسير . ومن ثم جزأ القرّاء القرآن أسباعاً وأجزاء وعشوراً وأخماساً . ومنها أن الحافظ إذا حذفه السورة ، اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها لها فاتحة وخاتمة ، فيعظم عنده ما حفظه ، ويجل في نفسه ويغتبط به ، . ومنه حديث أنس رضي الله عنه :
( 23 ) «كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران ، جد فينا ومن ثمة كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل . ومنها أنّ التفصيل سبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض . وبذلك تتلاحظ المعاني ويتجاوب النظم ، إلى غير ذلك من الفوائد والمنافع { مِّن مِّثلِهِ } متعلق بسورة صفة لها أي بسورة كائنة من مثله . والضمير لما نزلنا ، أو لعبدنا . ويجوز أن يتعلق بقوله : { فَأْتُواْ } والضمير للعبد . فإن قلت : وما مثله حتى يأتوا بسورة من ذلك المثل؟ قلت : معناه فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب وعلو الطبقة في حسن النظم . أو فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشراً عربياً أو أمياً لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء ، ولا قصد إلى مثل ونظير هنالك . ولكنه نحو قول القبعثري للحجاج وقد قال له : لأحملنك على الأدهم : مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب . أراد من كان على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد . ولم يقصد أحداً يجعله مثلاً للحجاج . وردّ الضمير إلى المنزل أوجه ، لقوله تعالى : { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } . { فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ } [ هود : 11 ] ، { على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } [ الإسراء : 88 ] ، ولأن القرآن جدير بسلامة الترتيب والوقوع على أصح الأساليب ، والكلام مع ردّ الضمير إلى المنزل أحسن ترتيباً . وذلك أن الحديث في المنزل لا في المنزل عليه ، وهو مسوق إليه ومربوط به ، فحقه أن لا يفك عنه برد الضمير إلى غيره . ألا ترى أن المعنى : وإن ارتبتم في أنّ القرآن منزل من عند الله . فهاتوا أنتم نبذاً مما يماثله ويجانسه . وقضية الترتيب لو كان الضمير مردوداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال : وإن ارتبتم في أنّ محمداً مُنزل عليه فهاتوا قرآناً من مثله . ولأنهم إذا خوطبوا جميعاً وهم الجم الغفير بأن بأتوا بطائفة يسيرة من جنس ما أتى به واحد منهم ، كان أبلغ في التحدّي من أن يقال لهم : ليأتي واحد آخر بنحو ما أتى به هذا الواحد ، ولأنّ هذا التفسير هو الملائم لقوله : { وادعوا شُهَدَاءكُم } والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة . (1/59)
ومعنى { دُونِ } أدنى مكان من الشيء . ومنه الشيء الدون ، وهو الدنيّ الحقير ، ودوّن الكتب ، إذا جمعها ، لأن جمع الأشياء إدناء بعضها من بعض وتقليل المسافة بينها . يقال : هذا دون ذاك ، إذا كان أحط منه قليلاً . ودونك هذا : أصله خذه من دونك . أي من أدنى مكان منك فاختصر واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب فقيل زيد دون عمرو في الشرف والعلم . ومنه قول من قال لعدوّه وقد راآه بالثناء عليه : أنا دون هذا وفوق ما في نفسك ، واتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حدّ إلى حدّ وتخطى حكم إلى حكم . قال الله تعالى : { لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين } [ آل عمران : 28 ] أي لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين . وقال أمية : (1/60)
يا نَفْسُ مالَكِ دُونَ اللَّهِ مِنْ وَاقِي ... أي إذا تجاوزت وقاية الله ولم تناليها لم يقك غيره . و { مِن دُونِ الله } متعلق بادعوا أو بشهداءكم . فإن علقته بشهداءكم فمعناه : ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق . أو ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي الله من قول الأعشى :
تُرِيكَ القَذَى مِنْ دُونِهَا وهِيَ دُونَهُ ... أي تريك القذى قدّامها وهي قَدّام القذى ، لرقّتها وصفائها . وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد الذي لا ينطق في معارضة القرآن بفصاحته : غاية التهكم بهم . وادعوا شهداءكم من دون الله ، أي من دون أوليائه ومن غير المؤمنين ، ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله . وهذا من المساهلة وإرخاء العنان والإشعار بأنّ شهداءهم وهم مدارة القوم ، الذين هم وجوه المشاهد وفرسان المقاولة والمناقلة ، تأبى عليهم الطباع وتجمح بهم الإنسانية والأنفة أن يرضوا لأنفسهم الشهادة بصحة الفاسد البين عندهم فساده واستقامة المحال الجلي في عقولهم إحالته ، وتعليقه بالدعاء في هذا الوجه جائز . وإن علقته بالدعاء فمعناه : ادعوا من دون الله شهداءكم ، يعني لا تستشهدوا بالله ولا تقولوا : الله يشهد أنّ ما ندعيه حق ، كما يقوله العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه ، وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم بينة تصحح بها الدعاوى عند الحكام . وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم وانخذالهم . وأنّ الحجة قد بهرتهم ولم تبق لهم متشبثاً غير قولهم : الله يشهد أنا صادقون . وقولهم هذا : تسجيل منهم على أنفسهم بتناهي العجز وسقوط القدرة . وعن بعض العرب أنه سئل عن نسبه فقال : قرشيّ والحمد لله . فقيل له : قولك «الحمد لله» في هذا المقام ريبة . أو ادعوا من دون الله شهداءكم : يعني أنّ الله شاهدكم لأنه أقرب إليكم من حبل الوريد ، وهو بينكم وبين أعناق رواحلكم . والجن والإنس شاهدوكم فادعوا كل من يشهدكم واستظهروا به من الجن والإنس إلا الله تعالى ، لأنه القادر وحده على أن يأتي بمثله دون كل شاهد من شهدائكم ، فهو في معنى قوله : { قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن . . . } [ الإسراء : 88 ] الآية .
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)
لما أرشدهم إلى الجهة التي منها يتعرّفون أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به حتى يعثروا على حقيقته وسرّه وامتياز حقه من باطله قال لهم فإذا لم تعارضوه ولم يتسهل لكم ما تبغون وبان لكم أنه معجوز عنه ، فقد صرح الحق عن محضه ووجب التصديق؛ فآمنوا وخافوا العذاب المعدّ لمن كذب . وفيه دليلان على إثبات النبوّة : صحة كون المتحدي به معجزاً ، والإخبار بأنهم لن يفعلوا وهو غيب لا يعلمه إلا الله . فإن قلت : انتفاء إتيانهم بالسورة واجب ، فهلا جيء ب«إذا» الذي للوجوب دون «إن» الذي للشك . قلت : فيه وجهان : أحدهما أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم ، وأن العجز عن المعارضة كان قبل التأمّل كالمشكوك فيه لديهم لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام . والثاني : أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاويه : إن غلبتك لم أبق عليك وهو يعلم أنه غالبه ويتيقنه تهكماً به . فإن قلت : لم عبر عن الإتيان بالفعل وأي فائدة في تركه إليه؟ قلت : لأنه فعل من الأفعال . تقول : أتيت فلاناً . فيقال لك : نعم ما فعلت . والفائدة فيه أنه جار مجري الكناية التي تعطيك اختصاراً ووجازة تغنيك عن طول المكنى عنه . ألا ترى أنّ الرجل يقول : ضربت زيداً في موضع كذا على صفة كذا ، وشتمته ونكلت به ، ويعد كيفيات وأفعالاً ، فتقول : بئسما فعلت . ولو ذكرت ما أنبته عنه ، لطال عليك ، وكذلك لو لم يعدل عن لفظ الإتيان إلى لفظ الفعل ، لاستطيل أن يقال : فإن لم تأتوا بسورة من مثله . ولن تأتوا بسورة من مثله . فإن قلت : { وَلَن تَفْعَلُواْ } ما محلها؟ قلت : لا محل لها لأنها جملة اعتراضية . فإن قلت : ما حقيقة «لن» في باب النفي؟ قلت : «لا» و«لن» أختان في نفي المستقبل ، إلا أن في «لن» توكيداً وتشديداً . تقول لصاحبك : لا أقيم غداً ، فإن أنكر عليك قلت : لن أقيم غداً؛ كما تفعل في : أنا مقيم ، وإني مقيم ، وهي عند الخليل في إحدى الروايتين عنه أصلها «لا أن» وعند الفراء «لا» أبدلت ألفها نوناً . وعند سيبويه وإحدى الروايتين عن الخليل : حرف مقتضب لتأكيد نفي المستقبل . فإن قلت : من أين لك أنه إخبار بالغيب على ما هو به حتى يكون معجزة؟ قلت : لأنهم لو عارضوه بشيء لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه ، إذ خفاء مثله فيما عليه مبنى العادة محال ، لا سيما والطاعنون فيه أكثف عدداً من الذابين عنه ، فحين لم ينقل علم أنه إخبار بالغيب على ما هو به فكان معجزة . فإن قلت : ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟ قلت : إنهم إذا لم يأتوا بها وتبين عجزهم عن المعارضة ، صح عندهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وإذا صح عندهم صدقه ثم لزموا العناد ولم ينقادوا ولم يشايعوا ، استوجبوا العقاب بالنار؛ فقيل لهم : إن استبتم العجز فاتركوا العناد؛ فوضع { فاتقوا النار } موضعه ، لأنّ اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد ، من حيث أنه من نتائجه؛ لأنّ من اتقى النار ترك المعاندة . ونظيره أن يقول الملك لحشمه : إن أردتم الكرامة عندي فاحذروا سخطي . يريد : فأطيعوني واتبعوا أمري ، وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط . وهو من باب الكناية التي هي شعبة من شعب البلاغة . وفائدته الإيجاز الذي هو من حلية القرآن ، وتهويل شأن العناد بإنابة اتقاء النار منابه وإبرازه في صورته ، مشيعاً ذلك بتهويل صفة النار وتفظيع أمرها . (1/61)
والوقود : ما ترفع به النار . وأمّا المصدر فمضموم ، وقد جاء فيه الفتح . قال سيبويه : وسمعنا من العرب من يقول : وقدت النار وقوداً عالياً . ثم قال : والوقود أكثر ، والوقود الحطب . وقرأ عيسى بن عمر الهمدانيّ بالضم تسمية بالمصدر ، كما يقال : فلان فخر قومه وزين بلده . ويجوز أن يكون مثل قولك : حياة المصباح السليط ، أي ليس حياته إلا به؛ فكأنّ نفس السليط حياته ، فإن قلت : صلة «الذي» و «التي» يجب أن تكون قصة معلومة ، للمخاطب ، فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟ قلت : لا يمتنع أن يتقدّم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب ، أو سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو سمعوا قبل هذه الآية قوله تعالى في سورة التحريم : { نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة } [ التحريم : 6 ] فإن قلت : فلم جاءت النار الموصوفة بهذه الجملة منكرة في سورة التحريم ، وههنا معرّفة؟ قلت : تلك الآية نزلت بمكة ، فعرفوا منها ناراً موصوفة بهذه الصفة . ثم نزلت هذه بالمدينة مشاراً بها إلى ما عرفوه أوّلاً . فإن قلت : ما معنى قوله تعالى : { وَقُودُهَا الناس والحجارة } ؟ قلت : معناه أنها نار ممتازة عن غيرها من النيران ، بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة ، وبأن غيرها إن أريد إحراق الناس بها أو إحماء الحجارة أوقدت أوّلا بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه ، وتلك أعاذنا الله منها برحمته الواسعة توقد بنفس ما يحرق ويحمي بالنار ، وبأنها لإفراط حرّها وشدّة ذكائها إذا اتصلت بما لا تشتعل به نار ، اشتعلت وارتفع لهبها . فإن قلت : أنار الجحيم كلها موقدة بالناس والحجارة ، أم هي نيران شتى منها نار بهذه الصفة؟ قلت : بل هي نيران شتى ، منها نار توقد بالناس والحجارة ، يدل على ذلك تنكيرها في قوله تعالى : { قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارا } [ التحريم : 6 ] ، { فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى } [ الليل : 14 ] ولعل لكفار الجن وشياطينهم نارا وقودها الشياطين ، كما أنّ لكفرة الإنس ناراً وقودها هم ، جزاء لكل جنس بما يشاكله من العذاب . (1/62)
فإن قلت : لم قرن الناس بالحجارة وجعلت الحجارة معهم وقوداً . قلت : لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا ، حيث نحتوها أصناماً وجعلوها لله أنداداً أو عبدوها من دونه : قال الله تعالى : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 98 ] وهذه الآية مفسرة لما نحن فيه . فقوله : ( إنكم ما تعبدون من دون الله ) في معنى الناس والحجارة ، و ( حصب جهنم ) في معنى وقودها . ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء الذين يستشفعون بهم ويستدفعون المضارّ عن أنفسهم بمكانهم ، جعلها الله عذابهم ، فقرنهم بها محماة في نار جهنم ، إبلاغاً في إيلامهم وإعراقاً في تحسيرهم ، ونحوهم ما يفعله بالكانزين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدّة وذخيرة فشحوا بها ومنعوها من الحقوق ، حيث يحمى عليها في نار جهنم فتكوي بها جباههم وجنوبهم . وقيل : هي حجارة الكبريت ، وهو تخصيص بغير دليل وذهاب عما هو المعنى الصحيح الواقع المشهود له بمعاني التنزيل { أُعِدَّتْ } هيئت لهم وجعلت عدّة لعذابهم . وقرأ عبد الله ، أعتدت ، من العتاد بمعنى العدة . (1/63)
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)
من عادته عز وجل في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب ، ويشفع البشارة بالإنذار إرادة التنشيط ، لاكتساب ما يزلف ، والتثبيط عن اقتراف ما يتلف . فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب ، قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي ، وحموها من الإحباط بالكفر والكبائر بالثواب . فإن قلت : من المأمور بقوله تعالى : { وَبَشِّرِ } ؟ قلت : يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن يكون كل أحد . كما قال عليه الصلاة والسلام : (1/64)
( 24 ) " بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة " لم يأمر بذلك واحداً بعينه . وإنما كل أحد مأمور به ، وهذا الوجه أحسن وأجزل؛ لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به . فإن قلت : علام عطف هذا الأمر ولم يسبق أمر ولا نهي يصح عطفه عليه؟ قلت : ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه؛ إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين ، فهي معطوفة على جمة وصف عقاب الكافرين ، كما تقول : زيد يعاقب بالقيد والإرهاق ، وبشر عمراً بالعفو والإطلاق . ولك أن تقول : هو معطوف على قوله : ( فاتقوا ) كما تقول : يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم ، وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم . وفي قراءة زيد بن عليّ رضي الله عنه : { وَبَشِّرِ } على لفظ المبنيّ للمفعول عطفاً على ( أعدت ) . والبشارة : الإخبار مما يظهر سرور المخبر به . ومن ثم قال العلماء : إذا قال لعبيده : أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حرّ ، فبشروه فرادى ، عتق أوّلهم ، لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره دون الباقين . ولو قال مكان «بشرني» أخبرني «عتقوا جميعاً ، لأنهم جميعاً أخبروه . ومنه : البشرة لظاهر الجلد . وتباشير الصبح : ما ظهر من أوائل ضوئه . وأما { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران : 21 ] فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزأ به وتألمه واغتمامه ، كما يقول الرجل لعدوّه : أبشر بقتل ذرّيتك ونهب مالك . ومنه قوله :
فَأعْتَبُوا بِالصَّيْلَم ... والصالحة نحو الحسنة في جريها مجرى الاسم
قال الحطيئة :
كيْفَ الهَجاءُ وما تَنْفَكُّ صَالِحَةٌ ... مِنْ آل لأْمٍ بظهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي
والصالحات : كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة ، واللام للجنس . فإن قلت : أي فرق بين لام الجنس داخلة على المفرد ، وبينها داخلة على المجموع؟ قلت : إذا دخلت على المفرد كان صالحاً لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به ، وأن يراد به بعضه إلى الواحد منه . وإذا دخلت على المجموع ، صلح أن يراد به جميع الجنس ، وأن يراد به بعضه لا إلى الواحد منه؛ لأن وزانه في تناول الجمعية في الجنس وزان المفرد في تناول الجنسية ، والجمعية في جمل الجنس لا في وحدانه . فإن قلت : فما المراد بهذا المجموع مع اللام؟ قلت : الجملة من الأعمال الصحيحة المستقيمة في الدين على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف .
والجنة : البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه . قال زهير : (1/65)
تَسقِي جَنَّةً سُحُقَا ... أي نخلاً طوالاً . والتركيب دائر على معنى الستر ، وكأنها لتكاثفها وتظليلها سميت بالجنة التي هي المرّة ، من مصدر جنه إذا ستره ، كأنها سترة واحدة لفرط التفافها . وسميت دار الثواب «جنة» لما فيها من الجنان . فإن قلت : الجنة مخلوقة أم لا؟ قلت : قد اختلف في ذلك . والذي يقول إنها مخلوقة يستدل بسكنى آدم وحواء الجنة وبمجيئها في القرآن على نهج الأسماء الغالبة اللاحقة بالأعلام ، كالنبي والرسول والكتاب ونحوها . فإن قلت : ما معنى جمع الجنة وتنكيرها؟ قلت : الجنة اسم لدار الثواب كلها ، وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين ، لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان ، فإن قلت : أما يشترط في استحقاق الثواب بالإيمان والعمل الصالح أن لا يحبطهما المكلف بالكفر والإقدام على الكبائر؛ وأن لا يندم على ما أوجده من فعل الطاعة وترك المعصية؟ فهلا شرط ذلك؟ قلت : لما جعل الثواب مستحقاً بالإيمان والعمل الصالح ، والبشارة مختصة بمن يتولاهما ، وركز في العقول أن الإحسان إنما يستحق فاعله عليه المثوبة والثناء ، إذا لم يتعقبه بما يفسده ويذهب بحسنه ، وأنه لا يبقى مع وجود مفسده إحساناً ، واعلم بقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الناس عليه وأعزهم : { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر : 65 ] ، وقال تعالى للمؤمنين : { وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أعمالكم } [ الحجرات : 2 ] كان اشتراط حفظهما من الإحباط والندم كالداخل تحت الذكر . فإن قلت : كيف صورة جري الأنهار من تحتها؟ قلت : كما ترى الأشجار النابتة على شواطىء الأنهار الجارية . وعن مسروق : أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود . وأنزه البساتين وأكرمها منظراً ما كانت أشجاره مظللة ، والأنهار في خلالها مطردة . ولولا أن الماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى ، وأن الجنان والرياض وإن كانت آنق شيء وأحسنه لا تروق النواظر ولا تبهج الأنفس ولا تجلب الأريحية والنشاط حتى يجري فيها الماء ، وإلا كان الأنس الأعظم فائتاً ، والسرور الأوفر مفقوداً ، وكانت كتماثيل لا أرواح فيها ، وصور لا حياة لها ، لما جاء الله تعالى بذكر الجنات مشفوعاً بذكر الأنهار الجارية من تحتها مسوقين على قرن واحد كالشيئين لا بد لأحدهما من صاحبه ، ولما قدّمه على سائر نعوتها . والنهر : المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر . يقال لبردى : نهر دمشق ، وللنيل : نهر مصر . واللغة العالية «النهر» بفتح الهاء . ومدار التركيب على السعة ، وإسناد الجري إلى الأنهار من الإسناد المجازي كقولهم : بنو فلان يطؤهم الطريق ، وصيد عليه يومان .
فإن قلت : لم نكرت الجنات وعرّفت الأنهار . قلت : أما تنكير الجنات فقد ذكر . وأما تعريف الأنهار فأن يراد الجنس ، كما تقول : لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب وألوان الفواكه ، تشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب . أو يراد أنهارها ، فعوّض التعريف باللام من تعريف الإضافة كقوله : { واشتعل الرأس شَيْباً } [ مريم : 4 ] . أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله : { فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } [ محمد : 15 ] الآية . (1/66)
وقوله : { كُلَّمَا رُزِقُواْ } لا يخلو من أن يكون صفة ثانية لجنات ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أو جملة مستأنفة؛ لأنه لما قيل إن لهم جنات لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك الجنات أشباه ثمار جنات الدنيا ، أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس؟ فقيل إنّ ثمارها أشباه ثمار جنات الدنيا ، أي أجناسها أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا الله . فإن قلت : ما موقع من { مِن ثَمَرَةٍ } ؟ قلت : هو كقولك : كلما أكلت من بستانك من الرمان شيئاً حمدتك . فموقع { مِن ثَمَرَةٍ } موقع قولك من الرمان ، كأنه قيل : كلما رزقوا من الجنات من أي ثمرة كانت من تفاحها أو رمّانها أو عنبها أو غير ذلك رزقاً قالوا ذلك . فمن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية لأنّ الرزق قد ابتدىء من الجنات ، والرزق من الجنات قد ابتدىء من ثمرة . وتنزيله تنزيل أن تقول : رزقني فلان ، فيقال لك : من أين؟ فتقول : من بستانه ، فيقال : من أي ثمرة رزقك من بستانه؟ فتقول : من رمّان . وتحريره أن «رزقوا» جعل مطلقاً مبتدأ من ضمير الجنات ، ثم جعل مقيداً بالابتداء من ضمير الجنات ، مبتدأ من ثمرة ، وليس المراد بالثمرة التفاحة الواحدة أو الرمانة الفذة على هذا التفسير ، وإنما المراد النوع من أنواع الثمار . ووجه آخر : وهو أن يكون { مِن ثَمَرَةٍ } بياناً على منهاج قولك : رأيت منك أسداً . تريد أنت أسد . وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمار ، والجنات الواحدة . فإن قلت : كيف قيل : { هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } وكيف تكون ذات الحاضر عندهم في الجنة هي ذات الذي رزقوه في الدنيا؟ قلت : معناه هذا مثل الذي رزقناه من قبل . وشبهه بدليل قوله وأتوا به متشابهاً ، وهذا كقولك : أبو يوسف أبو حنيفة ، تريد أنه لاستحكام الشبه كأن ذاته ذاته . فإن قلت : إلام يرجع الضمير في قوله : { وَأُتُواْ بِهِ } ؟ قلت : إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً؛ لأنّ قوله : { هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين . ونظيره قوله تعالى : { إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا }
[ النساء : 135 ] أي بجنسي الغني والفقير لدلالة قوله : غنياً أو فقيراً على الجنسين . ولو رجع الضمير إلى المتكلم به لقيل أولى به على التوحيد . فإن قلت : لأي غرض يتشابه ثمر الدنيا وثمر الجنة ، وما بال ثمر الجنة لم يكن أجناساً أخر؟ قلت : لأنّ الإنسان بالمألوف آنس ، وإلى المعهود أميل ، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه وعافته نفسه ، ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد وتقدّم معه ألف ، ورأى فيه مزية ظاهرة ، وفضيلة بينة ، وتفاوتاً بينه وبين ما عهد بليغاً ، أفرط ابتهاجه واغتباطه ، وطال استعجابه واستغرابه ، وتبين كنه النعمة فيه ، وتحقق مقدار الغبطة به . ولو كان جنساً لم يعهده وإن كان فائقاً ، حسب أنّ ذلك الجنس لا يكون إلا كذلك ، فلا يتبين موقع النعمة حق التبين . فحين أبصروا الرمانة من رمان الدنيا ومبلغها في الحجم ، وأن الكبرى لا تفضل عن حدّ البطيخة الصغيرة ، ثم يبصرون رمّانة الجنة تشبع السكن . والنبقة من نبق الدنيا في حجم الفلكة ، ثم يرون نبق الجنة كقلال هجر ، كما رأوا ظل الشجرة من شجر الدنيا وقدر امتداده ، ثم يرون الشجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعه ، كان ذلك أبين للفضل ، وأظهر للمزية ، وأجلب للسرور ، وأزيد في التعجب من أن يفاجئوا ذلك الرمان وذلك النبق من غير عهد سابق بجنسهما . وترديدهم هذا القول ونطقهم به عند كل ثمرة يرزقونها ، دليل على تناهي الأمر وتمادي الحال في ظهور المزية وتمام الفضيلة ، وعلى أنّ ذلك التفاوت العظيم هو الذي يستملي تعجبهم ، ويستدعي تبجحهم في كل أوان . عن مسروق : «نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها ، وثمرها أمثال القلال ، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى ، وأنهارها تجري في غير أخدود ، والعنقود أثنا عشر ذراعاً» . ويجوز أن يرجع الضمير في ( أتوا به ) إلى الرزق ، كما أن هذا إشارة إليه ، ويكون المعنى : أن ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانساً في نفسه ، كما يحكى عن الحسن : يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها ، ثم يؤتى بالأخرى فيقول : هذا الذي أتينا به من قبل ، فيقول الملك : كل ، فاللون واحد والطعم مختلف . وعنه صلى الله عليه وسلم : " والذي نفس محمد بيده ، إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي بواصلة إلى فيه حتى يبدّل الله مكانها مثلها " فإذا أبصروها والهيئة هيئة الأولى قالوا ذلك . والتفسير الأوّل هو هو . فإن قلت : كيف موقع قوله : { وَأُتُواْ بِهِ متشابها } من نظم الكلام؟ (1/67)
قلت : هو كقولك : فلان أحسن بفلان ونعم ما فعل . ورأى من الرأي كذا وكان صواباً . ومنه قوله تعالى : { وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وكذلك يَفْعَلُونَ } [ النمل : 34 ] وما أشبه ذلك من الجمل التي تساق في الكلام معترضة للتقرير .
والمراد بتطهير الأزواج : أن طهرن مما يختص بالنساء من الحيض والاستحاضة ، وما لا يختص بهنّ من الأقذار والأدناس . ويجوز لمجيئه مطلقاً : أن يدخل تحته الطهر من دنس الطباع وطبع الأخلاق الذي عليه نساء الدنيا ، مما يكتسبن بأنفسهنّ ، ومما يأخذنه من أعراق السوء والمناصب الرديئة والمناشىء المفسدة ، ومن سائر عيوبهنّ ومثالهنّ وخبثهنّ وكيدهنّ . فإن قلت : فهلاّ جاءت الصفة مجموعة كما في الموصوف؟ قلت : هما لغتان فصيحتان . يقال : النساء فعلن ، وهنّ فاعلات وفواعل ، والنساء فعلت ، وهي فاعلة . ومنه بيت الحماسة : (1/68)
وإذَا العَذَارَى بالدُّخَانِ تَقَنَّعَتْ ... واسْتَعْجَلَتْ نَصْبَ القُدُورِ فملَّتِ
والمعنى وجماعة أزواج مطهرة . وقرأ زيد بن علي «مطهرات» وقرأ عبيد بن عمير : { مُّطَهَّرةٌ } ، بمعنى متطهرة . وفي كلام بعض العرب : ما أحوجني إلى بيت الله . فأطهر به أطهرة . أي فأتطهر به تطهرة . فإن قلت : هلا قيل طاهرة؟ قلت : في { مُّطَهَّرةٌ } فخامة لصفتهنّ ليست في طاهرة ، وهي الإشعار بأن مطهراً طهرهنّ . وليس ذلك إلا الله عزّ وجلّ المريد بعباده الصالحين أن يخوّلهم كلّ مزية فيما أعدّ لهم .
والخلد : الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع . قال الله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ الخلد أَفَإِيْن مّتَّ فَهُمُ الخالدون } [ الأنبياء : 34 ] . وقال امرؤ القيس :
ألاَ أنْعَمْ صَبَاحاً أيُّها الطَّلَلُ البَالِي ... وهَلْ يَنْعَمَنْ مَنْ كانَ في العُصُرِ الخَالي
وهَلْ يَنْعَمَنْ إلاَّ سَعيدٌ مُخَلّدٌ ... قَلِيلُ الهُمُومِ مَا يَبِيتُ بأوْجَالِ
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)
سيقت هذه الآية لبيان أنَّ ما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقّرات من الأشياء مضروباً بها المثل ، ليس بموضع للاستنكار والاستغراب ، من قبل أنّ التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب ، وإدناء المتوهّم من المشاهد . فإن كان المتمثل له عظيمًا كان المتمثل به مثله ، وإن كان حقيراً كان المتمثل به كذلك . فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إذاً إلاَّ أمراً تستدعيه حال المتمثل له وتستجرّه إلى نفسها ، فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية . ألا ترى إلى الحق لما كان واضحاً جلياً أبلج ، كيف تمثل له بالضياء والنور؟ وإلى الباطل لما كان بضد صفته ، كيف تمثل له بالظلمة؟ ولما كانت حال الآلهة التي جعلها الكفار أنداداً لله تعالى لا حال أحقر منها وأقلّ ، ولذلك جعل بيت العنكبوت مثلها في الضعف والوهن ، وجعلت أقلّ من الذباب وأخس قدراً ، وضربت لها البعوضة فالذي دونها مثلا لم يستنكر ولم يستبدع ، ولم يقل للمتمثل : استحى من تمثيلها بالبعوضة ، لأنه مصيب في تمثيله ، محق في قوله . سائق للمثل على قضية مضربه ، محتذ على مثال ما يحتكمه ويستدعيه ، ولبيان أنّ المؤمنين الذين عادتهم الإنصاف والعمل على العدل والتسوية والنظر في الأمور بناظر العقل ، إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا أنه الحق الذي لا تمرّ الشبهة بساحته ، والصواب الذي لا يرتع الخطأ حوله . وأن الكفّار الذين غلبهم الجهل على عقولهم ، وغصبهم على بصائرهم فلا يتفطنون ولا يلقون أذهانهم ، أوعرفوا أنه الحق إلا أنّ حبّ الرّياسة وهوى الألف والعادة لا يخليهم أن ينصفوا ، فإذا سمعوه عاندوا وكابروا وقضوا عليه بالبطلان ، وقابلوه بالإنكار ، وأن ذلك سبب زيادة هدى المؤمنين وانهماك الفاسقين في غيّهم وضلالهم . والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأحناش الأرض والحشرات والهوام ، وهذه أمثال العرب بين أيديهم مسيرة في حواضرهم وبواديهم قد تمثّلوا فيها بأحقر الأشياء فقالوا : أجمع من ذرّة ، وأجرأ من الذباب ، وأسمع من قراد . وأصرد من جرادة ، وأضغف من فراشة . وآكل من السوس . وقالوا في البعوضة : أضعف من بعوضة ، وأعز من مخ البعوض وكلفتني مخ البعوض . ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقرة ، كالزوان والنخالة وحبة الخردل ، والحصاة ، والأرضة ، والدود ، والزنابير . والتمثيل بهذه الأشياء وبأحقر منها مما لا تغني استقامته وصحته على من به أدنى مسكة ، ولكن ديدن المحجوج المبهوت الذي لا يبقى له متمسك بدليل ولا متشبث بأمارة ولا إقناع ، أن يرمي لفرط الحيرة والعجز عن إعمال الحيلة بدفع الواضح وإنكار المستقيم والتعويل على المكابرة والمغالطة إذا لم يجد سوى ذلك معوّلاً . وعن الحسن وقتادة : لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل ، ضحكت اليهود وقالوا : ما يشبه هذا كلام الله . فأنزل الله عز وجل هذه الآية . (1/69)
والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم . واشتقاقه من الحياة . يقال : حيي الرجل ، كما يقال : نسي وحشي وشظي الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء جعل الحيي لما يعتريه من الانكسار والتغير ، منتكس القوّة منتقص الحياة ، كما قالوا : هلك فلان حياء من كذا ، ومات حياء ، ورأيت الهلاك في وجهه من شدّة الحياء . وذاب حياء ، وجمد في مكانه خجلاً . فإن قلت : كيف جاز وصف القديم سبحانه به ولا يجوز عليه التغير والخوف والذم ، وذلك في حديث سلمان قال : (1/70)
( 26 ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردّهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً " قلت : هو جار على سبيل التمثيل مثل تركه تخييب العبد وأنه لا يردّ يديه صفراً من عطائه لكرمه بترك من يترك ردّ المحتاج إليه حياء منه . وكذلك معنى قوله : { إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ } أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها . ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة ، فقالوا : أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال . وهو فنّ من كلامهم بديع ، وطراز عجيب ، منه قول أبي تمام :
مَنْ مُبْلِغٌ أَفْنَاءَ يَعْرُبَ كُلَّها ... أَنِّي بَنَيْتُ الجَارَ قَبْلَ المَنْزِلِ
وشهد رجل عند شريح . فقال : إنك لسبط الشهادة . فقال الرجل : إنها لم تجعد عني . فقال : لله بلادك ، وقبل شهادته . فالذي سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة . ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار . وسبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها . ولله درّ أمر التنزيل وإحاطته بفنون البلاغة وشعبها ، لا تكاد تستغرب منها فناً إلا عثرت عليه فيه على أقوم مناهجه وأسدّ مدارجه . وقد استعير الحياء فيما لا يصحّ فيه :
إذَا مَا اسْتَحَيْنَ المَاءَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ ... كرَعْنَ بِسبْتٍ في إناءٍ مِنَ الوَرْدِ
وقرأ ابن كثير في رواية شبل : «يستحي» بياء واحدة . وفيه لغتان : التعدّي بالجارّ والتعدي بنفسه . يقولون : استحييت منه واستحييته ، وهما محتملتان ههنا .
وضرب المثل : اعتماده وصنعه من ضرب اللبن وضرب الخاتم . وفي الحديث :
( 27 ) " اضطرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ذهب " و { مَّا } هذه إبهامية وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاماً وزادته شياعاً وعموماً ، كقولك : أعطني كتاباً مّا ، تريد أيّ كتاب كان . أو صلة للتأكيد ، كالتي في قوله : { فبما نقضهم ميثاقهم } [ النساء : 155 ] كأنه قيل : لا يستحيي أن يضرب مثلاً حقاً أو البتة ، هذا إذا نصبت { بَعُوضَةً } فإن رفعتها فهي موصولة ، صلتها الجملة؛ لأن التقدير : هو بعوضة ، فحذف صدر الجملة كما حذف في
{ تَمَامًا عَلَى الذى أَحْسَنَ } [ الأنعام : 154 ] ووجه آخر حسن جميل ، وهو أن تكون التي فيها معنى الاستفهام لما استنكفوا من تمثيل الله لأصنامهم بالمحقرات قال : إنّ الله لا يستحيي أن يضرب للأنداد ما شاء من الأشياء المحقّرة مثلاً ، بله البعوضة فما فوقها ، كما يقال فلان لا يبالي بما وهب ما دينار وديناران . والمعنى : أن لله أن يتمثل للأنداد وحقارة شأنها بما لا شيء أصغر منه وأقل ، كما لو تمثل بالجزء الذي لا يتجزأ وبما لا يدركه لتناهيه في صغره إلا هو وحده بلطفه ، أو بالمعدوم ، كما تقول العرب : فلان أقل من لا شيء في العدد . ولقد ألم به قوله تعالى : { إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَىْء } [ العنكبوت : 42 ] وهذه القراءة تعزى إلى رؤبة بن العجاج ، وهو أمضغ العرب للشيح والقيصوم والمشهود له بالفصاحة . وكانوا يشبّهون به الحسن ، وما أظنه ذهب في هذه القراءة إلا إلى هذا الوجه ، وهو المطابق لفصاحته . وانتصب { بَعُوضَةً } بأنها عطف بيان لمثلا . أو مفعول ليضرب ، و { مَثَلاً } حال عن النكرة مقدمة عليه . أو انتصبا مفعولين فجرى ( ضرب ) مجرى ( جعل ) . واشتقاق البعوض من البعض وهو كالقطع كالبضع والعضب . يقال : بعضه البعوض . وأنشد : (1/71)
لَنِعْمَ البَيْتُ بَيْتُ أَبي دِثارٍ ... إذَا مَا خافَ بَعْضُ القَوْمِ بَعْضَا
ومنه : بعض الشيء لأنه قطعة منه . والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع فغلبت ، وكذلك الخموش { فَمَا فَوْقَهَا } فيه معنيان : أحدهما : فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلاً ، وهو القلّة والحقارة ، نحو قولك لمن يقول : فلان أسفل الناس وأنذلهم : هو فوق ذاك ، تريد هو أبلغ وأعرق فيما وصف به من السفالة والنذالة . والثاني : فما زاد عليها في الحجم ، كأنه قصد بذلك ردّ ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت ، لأنهما أكبر من البعوضة . كما تقول لصاحبك وقد ذمّ من عرفته يشح بأدنى شيء فقال : فلان بخل بالدرهم والدرهمين ، : هو لا يبالي أن يبخل بنصف درهم فما فوقه تريد بما فوقه ما بخل فيه وهو الدرهم والدرهمان كأنك قلت : فضلاً عن الدرهم والدرهمين . ونحوه في الاحتمالين ما سمعناه في صحيح مسلم عن إبراهيم عن الأسود قال :
( 28 ) دخل شباب من قريش على عائشة رضي الله عنها وهي بمنى وهم يضحكون . فقالت : ما يضحككم؟ قالوا : فلان خرّ على طنب فسطاط فكادت عنقه أو عينه أن تذهب . فقالت : لا تضحكوا . إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت بها عنه خطيئة »
يحتمل فما عدا الشوكة وتجاوزها في القلة وهي نحو نخبة النملة في قوله عليه الصلاة والسلام : (1/72)
( 29 ) " ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة " وهي عضتها . ويحتمل ما هو أشد من الشوكة وأوجع كالخرور على طنب الفسطاط . فإن قلت : كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر؟ قلت : ليس كذلك ، فإن جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات ، وقد
( 30 ) ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً للدنيا ، وفي خلق الله حيوان أصغر منها ومن جناحها ، ربما رأيت في تضاعيف الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجليها للبصر الحادّ إلا تحركها ، فإذا سكنت فالسكون يواريها ، ثم إذا لوحتَ لها بيدك حادت عنها وتجنبت مضرتها ، فسبحان من يدرك صورة تلك وأعضاءها الظاهرة والباطنة وتفاصيل خلقتها ويبصر بصرها ويطلع على ضميرها ، ولعل في خلقه ما هو أصغر منها وأصغر { سبحان الذى خَلَق الازواج كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } [ يس : 36 ] وأنشدت لبعضهم :
يَا مَنْ يَرَى مَدَّ البَعُوضِ جَنَاحَها ... في ظُلْمَة اللَّيْلِ البَهِيمِ الأَلْيَلِ
وَيَرى عُرُوقَ نِيَاطِها في نَحرِها ... والمُخَّ في تِلْكَ العِظَامِ النُّحَّلِ
اغْفِرْ لِعَبْدٍ تابَ مِنْ فَرَطاتِه ... ما كانَ مِنْهُ في الزَّمانِ الاوَّلِ
{ وَأَمَّا }
حرف فيه معنى الشرط ، ولذلك يجاب بالفاء . وفائدته في الكلام أن يعطيه فضل توكيد . تقول : زيد ذاهب . فإذا قصدت توكيد ذاك وأنه لا محالة ذاهب وأنه بصدد الذهاب وأنه منه عزيمة قلت : أمّا زيد فذاهب . ولذلك قال سيبويه في تفسيره : مهما يكن من شيء فزيد ذاهب : وهذا التفسير مدل لفائدتين : بيان كونه توكيداً ، وأنه في معنى الشرط . ففي إيراد الجملتين مصدّرتين به وإن لم يقل : فالذين آمنوا يعلمون ، والذين كفروا يقولون إحماد عظيم لأمر المؤمنين ، واعتداد بعلمهم أنه الحق ، ونعى على الكافرين إغفالهم حظهم وعنادهم ورميهم بالكلمة الحمقاء . و { الحق } الثابت الذي لا يسوغ إنكاره . يقال : حقّ الأمر ، إذا ثبت ووجب . وحقّت كلمة ربك ، وثوب محقق : محكم النسج : و { مَاذَآ } فيه وجهان : أن يكون ذا اسماً موصولاً بمعنى الذي ، فيكون كلمتين . وأن يكون «ذا» مركبة مع ( ما ) مجعولتين اسماً واحداً فيكون كلمة واحدة ، فهو على الوجه الأوّل مرفوع المحل على الابتداء وخبره ذا مع صلته . وعلى الثاني منصوب المحل في حكم { مَّا } مجعولتين اسماً واحداً فيكون كلمة واحدة ، فهو على الوجه الأوّل مرفوع المحل على الابتداء وخبره ذا مع صلته . وعلى الثاني منصوب المحل في حكم { مَّا } وحده لو قلت : ما أراد الله . والأصوب في جوابه أن يجيىء على الأوّل مرفوعاً ، وعلى الثاني منصوباً ، ليطابق الجواب السؤال . وقد جوّزوا عكس ذلك تقول في جواب من قال : ما رأيت؟ خير ، أي المرئي خير . وفي جواب ما الذي رأيت؟ خيراً ، أي رأيت خيراً . وقرىء قوله تعالى :
{ يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ العفو } [ البقرة : 219 ] بالرفع والنصب على التقديرين . والإرادة نقيض الكراهة ، وهي مصدر أردت الشيء إذا طلبته نفسك ومال إليه قلبك . وفي حدود المتكلمين : الإرادة معنى يوجب للحيّ حالاً لأجلها يقع منه الفعل على وجه دون وجه . وقد اختلفوا في إرادة الله ، فبعضهم على أنّ [ للباري ] مثل صفة المريد منا التي هي القصد ، وهو أمر زائد على كونه عالماً غير ساه . وبعضهم على أن معنى إرادته لأفعاله هو أنه فعلها وهو غير ساه ولا مكره . ومعنى إرادته لأفعال غيره أنه أمر بها . والضمير في { أَنَّهُ الحق } للمثل ، أو لأن يضرب . وفي قولهم : { مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً } استرذال واستحقار كما . (1/73)
( 31 ) قالت عائشة رضي الله عنها في عبد الله بن عمرو بن العاص : يا عجباً لابن عمرو هذا؟ { مَثَلاً } نصب على التمييز كقولك لمن أجاب بجواب غث : ماذا أردت بهذا جواباً . ولمن حمل سلاحاً ردياً : كيف تنتفع بهذا سلاحاً؟ أو على الحال ، كقوله : { هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ ءايَةً } [ الأعراف : 73 ] . وقوله : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } جار مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدّرتين بأما ، وأن فريق العالمين بأنه الحق وفريق الجاهلين المستهزئين به كلاهما موصوف بالكثرة ، وأنّ العلم بكونه حقاً من باب الهدى الذي ازداد به المؤمنون نوراً إلى نورهم ، وأنّ الجهل بحسن مورده من باب الضلالة التي زادت الجهلة خبطاً في ظلماتهم . فإن قلت : لم وصف المهديون بالكثرة والقلة صفتهم ، { وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور } [ سبأ : 13 ] ، { وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } [ ص : 24 ] . «الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة» ، ( وجدت الناس أخبر تقله ) ؟ قلت : أهل الهدى كثير في أنفسهم ، وحين يوصفون بالقلة إنما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال . وأيضاً فإنّ القليل من المهديين كثير في الحقيقة وإن قلّوا في الصورة ، فسمّوا ذهاباً إلى الحقيقة كثيراً :
إنَّ الكِرَام كثيرٌ في البِلادِ وإن ... قَلُّوا كَمَ غَيْرُهُمْ قَلٌّ وإنّ كَثُروا
وإسناد الإضلال إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى السبب : لأنه لما ضرب المثل فضل به قوم واهتدى به قوم ، تسبب لضلالهم وهداهم . وعن مالك بن دينار رحمه الله أنه دخل على محبوس قد أخذ بمال عليه وقيد ، فقال : يا أبا يحيى ، أما ترى ما نحن فيه من القيود؟ فرفع مالك رأسه فرأى سلّة . فقال : لمن هذه السلّة؟ فقال : لي ، فأمر بها تنزل ، فإذا دجاج وأخبصة ، فقال مالك : هذه وضعت القيود على رجلك . وقرأ زيد بن علي : ( يُضَلُّ بِهِ كَثِيرٌ ) وكذلك : ( وَمَا يُضَلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقون ) . والفسق : الخروج عن القصد . قال رؤبة :
فَوَاسِقاً عَنْ قَصْدِها جَوَائرَا ... والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة ، وهو النازل بين المنزلتين أي بين منزلة المؤمن والكافر ، وقالوا : إن أوّل من حدّ له هذا الحدّ أبو حذيفة واصل بن عطاء رضي الله عنه وعن أشياعه .
وكونه بين بين : أنّ حكمه حكم المؤمن في أنه يناكح ويوارث ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين . وهو كالكافر في الذمّ واللعن والبراءة منه واعتقاد عداوته ، وأن لا تقبل له شهادة . ومذهب مالك بن أنس والزيدية : أنّ الصلاة لا تجزىء خلفه . ويقال للخلفاء المردة من الكفار : الفسقة . وقد جاء الاستعمالان في كتاب الله . { بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الايمان } [ الحجرات : 11 ] . يريد اللمز والتنابز { إِنَّ المنافقين هُمُ الفاسقون } [ التوبة : 67 ] . (1/74)
النقض : الفسخ وفك التركيب . فإن قلت : من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد؟ قلت : من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة ، لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين . ومنه قول ابن التيهان في بيعة العقبة :
( 33 ) يا رسول الله ، إنّ بيننا وبين القوم حبالاً ونحن قاطعوها . فنخشى إن اللهُ عز وجل أعزّك وأظهرك أن ترجع إلى قومك ، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار ، ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه ، فينّبهوا بتلك الرمزة على مكانه . ونحوه قولك : شجاع يفترس أقرانه ، وعالم يغترف منه الناس ، وإذا تزوّجت امرأة فاستوثرها . لم تقل هذا إلا وقد نبهت على الشجاع والعالم بأنهما أسد وبحر ، وعلى المرأة بأنها فراش .
والعهد : الموثق . وعهد إليه في كذا : إذا وصاه به ووثقه عليه . واستعهد منه : إذا اشترط عليه واستوثق منه : والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد الله : أحبار اليهود المتعنتون ، أو منافقوهم ، أو الكفار جميعًا . فإن قلت : فما المراد بعهد الله؟ قلت : ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم ، وهو معنى قوله تعالى : { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } [ الأعراف : 112 ] أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذابُعِثَ إليهم رسول يصدقه الله بمعجزاته صدقوه واتبعوه ، ولم يكتموا ذكره فيما تقدمه من الكتب المنزلة عليهم ، كقوله : { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } [ البقرة : 40 ] . وقوله في الإنجيل لعيسى صلوات الله عليه : «سأنزل عليك كتاباً فيه نبأ بني إسرائيل ، وما أريته أياهم من الآيات ، وما أنعمت عليهم وما نقضوا من ميثاقهم الذي واثقوا به ، وما ضيعوا من عهده إليهم» وحسن صنعه للذين قاموا بمثياق الله تعالى وأوفوا بعهده ، ونصره إياهم ، وكيف أنزل بأسه ونقمته بالذين غدروا ونقضوا ميثاقهم ولم يوفوا بعهده ، لأنّ اليهود فعلوا باسم عيسى ما فعلوا باسم محمد صلى الله عليه وسلم من التحريف والجحود وكفروا به كما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم . وقيلا هو أخذ الله العهد عليهم أن لا يسفكوا دماءهم ، ولا يبغي بعضهم على بعض ، ولا يقطعوا أرحامهم . وقيل : عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود : العهد الأوّل الذي أخذه على جميع ذرية آدم ، الإقرار بربوبيته وهو قوله تعالى :
{ وإذ أخذ ربك } [ الأعراف : 172 ] ، وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرّقوا فيه ، وهو قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ } [ الأحزاب : 7 ] ، وعهد خصّ به العلماء وهو قوله : { وَإِذ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لتبيننه للناس ولا يكتمونه } [ آل عمران : 187 ] . والضمير في ميثاقه للعهد وهو ما وثقوا به عهد الله من قبوله وإلزامه أنفسهم . ويجوز أن يكون بمعنى توثقته ، كما أنّ الميعاد والميلاد ، بمعنى الوعد والولادة . ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى ، أي من بعد توثقته عليهم ، أو من بعد ما وثق به عهده من آياته وكتبه وإنذار رسله . ومعنى قطعهم ما أمر الله به أو يوصل : قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين ، وقيل : قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق ، في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض . فإن قلت : ما الأمر؟ قلت : طلب الفعل ممن هو دونك وبعثه عليه . وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور؛ لأن الداعي الذي يدعو إليه من يتولاه شبه بآمر يأمره به ، فقيل له : أمر ، تسمية للمفعول به بالمصدر كأنه مأمور به ، كما قيل له شأن . والشأن : الطلب والقصد . يقال : شأنت شأنه ، أي قصدت قصده { هُمُ الخاسرون } لأنهم استبدلوا النقض بالوفاء ، والقطع بالوصل ، والفساد بالصلاح وعقابها بثوابها . (1/75)
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)
معنى الهمزة التي في { كَيْفَ } مثله في قولك : أتكفرون بالله ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان ، وهو الإنكار والتعجب . ونظيره قولك : أتطير بغير جناج ، وكيف تطير بغير جناح؟ فإن قلت : قولك : أتطير بغير جناح إنكار للطيران ، لأنه مستحيل بغير جناح ، وأما الكفر فغير مستحيل مع ما ذكر من الإماتة والإحياء . قلت : قد أخرج في صورة المستحيل لما قوى من الصارف عن الكفر والداعي إلى الإيمان . فإن قلت : فقد تبين أمر الهمزة وأنها لإنكار الفعل والإيذان باستحالته في نفسه ، أو لقوة الصارف عنه ، فما تقول في { كَيْفَ } حيث كان إنكاراً للحال التي يقع عليها كفرهم؟ قلت : حال الشيء تابعة لذاته ، فإذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع ثبوت الحال؛ فكان إنكار حال الكفار لأنها تبيع ذات الكفر ورديفها إنكاراً لذات الكفر ، وثباتها على طريق الكناية ، وذلك أقوى لإنكار الكفر وأبلغ . وتحريره : أنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها . وقد علم أنّ كل موجود لا ينفك عن حال وصفةٍ عند وجوده . ومحال أن يوجد بغير صفة من الصفات كان إنكاراً لوجوده على الطريق البرهاني . (1/76)
والواو في قوله : { وَكُنتُمْ أمواتا } للحال ، فإن قلت : فكيف صح أن يكون حالاً وهو ماض ، ولا يقال جئت وقام الأمير ، ولكن وقد قام ، إلا لأن يضمر قد؟ قلت : لم تدخل الواو على { كُنتُمْ أمواتا } وحده ، ولكن على جملة قوله : { كُنتُمْ أمواتا } إلى { تُرْجَعُونَ } ، كأنه قيل : كيف تكفرون بالله وقصتكم هذه وحالكم أنكم كنتم أمواتاً نطفاً في أصلاب آبائكم فجعلكم أحياء ثم يميتكم بعد هذه الحياة ، ثم يحييكم بعد الموت ، ثم يحاسبكم . فإن قلت : بعض القصة ماض وبعضها مستقبل ، والماضي والمستقبل كلاهما لا يصح أن يقعا حالاً حتى يكون فعلاً حاضراً وقت وجود ما هو حال عنه ، فما الحاضر الذي وقع حالاً؟ قلت : هو العلم بالقصة ، كأنه قيل : كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة بأولها وآخرها . فإن قلت : فقد آل المعنى إلى قولك : على أي حال تكفرون في حال علمكم بهذه القصة فما وجه صحته؟ قلت : قد ذكرنا أنّ معنى الاستفهام في { كَيْفَ } الإنكار . وأنّ إنكار الحال متضمن لإنكار الذات على سبيل الكناية ، فكأنه قيل : ما أعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه! فإن قلت : إن اتصل علمهم بأنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ثم يميتهم ، فلم يتصل بالإحياء الثاني والرجوع؟ قلت : قد تمكنوا من العلم بهما بالدلائل الموصلة إليه ، فكان ذلك بمنزلة حصول العلم . وكثير منهم علموا ثم عاندوا . والأموات : جمع ميت ، كالأقوال في جمع قَيِّل . فإن قلت : كيف قيل لهم أموات في حال كونهم جماداً ، وإنما يقال ميت فيما يصح فيه الحياة من البتى؟ قلت : بل يقال ذلك لعادم الحياة ، كقوله
{ بَلْدَةً مَّيْتاً } [ الفرقان : 49 ] ، { وَءايَةٌ لَّهُمُ الارض الميتة } [ يس : 33 ] ، { أموات غَيْرُ أَحْيَاء } [ النحل : 21 ] . ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس ، فإن قلت : ما المراد بالإحياء الثاني؟ قلت : يجوز أن يراد به الإحياء في القبر : وبالرجوع : النشور . وأن يراد به النشور ، وبالرجوع : المصير إلى الجزاء . فإن قلت : لم كان العطف الأوّل بالفاء والإعقاب بثم؟ قلت : لأنّ الإحياء الأوّل قد تعقب الموت بغير تراخ ، وأما الموت فقد تراخى عن الإحياء . والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخيا ظاهراً . وإن أريد به إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخ عن النشور . فإن قلت : من أين أنكر اجتماع الكفر مع القصة التي ذكرها الله ، ألأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم عن الكفر ، أم على نعم جسام حقها أن تشكر ولا تكفر؟ قلت : يحتمل الأمرين جميعاً ، لأنّ ما عدّده آيات وهي مع كونها آيات من أعظم النعم . { قبلكمْ } لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم . أما الانتفاع الدنيوي فظاهر . وأمّا الانتفاع الديني فالنظر فيه وما فيه من عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر الحكيم ، وما فيه من التذكير بالآخرة وبثوابها وعقابها ، لاشتماله على أسباب الأنس واللذة من فنون المطاعم والمشارب والفواكه والمناكح والمراكب والمناظر الحسنة البهية ، وعلى أسباب الوحشة والمشقة من أنواع المكاره كالنيران والصواعق والسباع والأحناش والسموم والغموم والمخاوف . وقد استدل بقوله : { خَلَقَ لَكُمْ } على أنّ الأشياء التي يصح أن ينتفع بها ولم تجر مجرى المحظورات في العقل خلقت في الأصل مباحة مطلقاً لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها . فإن قلت : هل لقول من زعم أنّ المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحة؟ قلت : إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما تذكر السماء وتراد الجهات العلوية : جاز ذلك ، فإنّ الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية . و { جَمِيعاً } نصب على الحال من الموصول الثاني . والاستواء : الاعتدال والاستقامة . يقال : استوى العود وغيره ، إذا قام واعتدل ، ثم قيل : استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً ، من غير أن يلوي على شيء . ومنه استعير قوله : { ثُمَّ استوى إِلَى السماء } ، أي قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق ما في الأرض ، من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر . والمراد بالسماء جهات العلو ، كأنه قيل : ثم استوى إلى فوق . والضمير في { فَسَوَّاهُنَّ } ضمير مبهم . و { سَبْعَ سماوات } تفسيره ، كقولهم : ربه رجلاً . وقيل : الضمير راجع إلى السماء . والسماء في معنى الجنس . وقيل : جمع سماءة ، والوجه العربي هو الأوّل . ومعنى تسويتهنّ : تعديل خلقهنّ ، وتقديمه ، وإخلاؤه من العوج والفطور ، أو إتمام خلقهنّ { وَهُوَ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } فمن ثم خلقهنّ خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت ، مع خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم ، فإن قلت : ما فسرت به معنى الاستواء إلى السماء يناقضه ( ثم ) لإعطائه معنى التراخي والمهلة قلت : ( ثم ) ههنا لما بين الخلقين من التفاوت وفضل خلق السموات على خلق الأرض ، لا للتراخي في الوقت كقوله : (1/77)
{ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ } [ البلد : 17 ] . على أنه لو كان لمعنى التراخي في الوقت لم يلزم ما اعترضت به ، لأن المعنى [ أنه ] حين قصد إلى السماء لم يحدث فيما بين ذلك أي في تضاعيف القصد إليها خلقاً آخر . فإن قلت : أما يناقض هذا قوله : { والارض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها } [ النازعات : 30 ] ؟ قلت : لا؛ لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء . وأمّا دحوها فمتأخر . وعن الحسن : خلق الله الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر ، عليها دخان ملتزق بها ، ثم أصعد الدخان وخلق منه السموات ، وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض ، فذلك قوله : { كَانَتَا رَتْقاً } [ الأنبياء : 30 ] وهو الالتزاق . (1/78)
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)
{ وَإِذْ } نصب بإضمار اذكر . ويجوز أن ينتصب بقالوا . والملائكة : جمع ملأك على الأصل ، كالشمائل في جمع شمأل . وإلحاق التاء لتأنيث الجمع . و { جَاعِلٌ } من جعل الذي له مفعولان ، دخل على المبتدأ والخبر وهما قوله : { فِى الارض خَلِيفَةً } فكانا مفعوليه . ومعناه مُصَيّرٌ في الأرض خليفة . والخليفة : من يخلف غيره . والمعنى خليفة منكم ، لأنهم كانوا سكان الأرض فخلفهم فيها آدم وذريته . فإن قلت : فهلا قيل : خلائف ، أو خلفاء؟ قلت : أريد بالخليفة آدم . واستغني بذكره عن ذكر بنيه كما استغنى بذكر أبي القبيلة في قولك : مضر وهاشم . أو أريد من يخلفكم ، أو خلفاً يخلفكم فوحد لذلك . وقرىء : «خليقة» بالقاف ويجوز أن يريد : خليفة مني ، لأنّ آدم كان خليفة الله في ارضه وكذلك كلّ نبي { إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِى الارض } [ ص : 26 ] . فإن قلت : لأي غرض أخبرهم بذلك؟ قلت : ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم ، صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم . وقيل : ليعلم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها ، وعرضها على ثقاتهم ونصائحهم ، وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة { أَتَجْعَلُ فِيهَا } تعجب من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية وهو الحكيم الذي لا يفعل إلا الخير ولا يريد إلا الخير . فإن قلت : من أين عرفوا ذلك حتى تعجبوا منه وإنما هو غيب؟ قلت : عرفوه بإخبار من الله ، أو من جهة اللوح ، أو ثبت في علمهم أن الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون ، وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم ، أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر حيث أسكنوا الأرض فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة . وقرىء : «يسفُك» ، بضم الفاء . ويُسفك . ويَسفك ، من أسفك . وسفك . والواو في { وَنَحْنُ } للحال ، كما تقول : أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه بالإحسان . والتسبيح : تبعيد الله عن السوء ، وكذلك تقديسه ، من سبح في الأرض والماء . وقدس في الأرض : إذا ذهب فيها وأبعد . و { بِحَمْدِكَ } في موضع الحال ، أي نسبح حامدين لك وملتبسين بحمدك؛ لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف لم نتمكن من عبادتك . { أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي أعلم من المصالح في ذلك ما هو خفي عليكم . فإن قلت : هلا بين لهم تلك المصالح؟ قلت : كفى العباد أن يعلموا أن أفعال الله كلها حسنة وحكمة ، وإن خفي عليهم وجه الحسن والحكمة . على أنه قد بين لهم بعض ذلك فيما أَتبعه من قوله { وَعَلَّمَ ءادَمَ الاسماء كُلَّهَا } واشتقاقهم { ءادَمَ } من الأدمة ، ومن أديم الأرض ، نحو اشتقاقهم ( يعقوب ) من العقب ، و ( إدريس ) من الدرس ، و ( إبليس ) من الإبلاس . وما آدم إلا اسم أعجمي؛ وأقرب أمره أن يكون على فاعل ، كآزر ، وعازر ، وعابر وشالخ . (1/79)
وفالغ ، وأشباه ذلك { الأسمآء كُلَّهَا } أي أسماء المسميات فحذف المضاف إليه لكونه معلوماً مدلولاً عليه بذكر الأسماء ، لأن الاسم لا بد له من مسمى ، وعوض منه اللام كقوله : { واشتعل الرأس } [ مريم : 4 ] . فإن قلت : هلا زعمت أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وأن الأصل : وعلم آدم مسميات الأسماء؟ قلت : لأن التعليم وجب تعليقه بالأسماء لا بالمسميات لقوله : { أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء } ، { أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم } فكما علق الإنباء بالأسماء لا بالمسميات ولم يقل : أنبئوني بهؤلاء ، وأنبئهم بهم ، وجب تعليق التعليم بها . فإن قلت : فما معنى تعليمه أسماء المسميات؟ قلت : أراه الأجناس التي خلقها ، وعلمه أن هذا اسمه فرس ، وهذا اسمه بعير ، وهذا اسمه كذا ، وهذا اسمه كذا ، وعلمه أحوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية { ثُمَّ عَرَضَهُمْ } أي عرض المسميات . وإنما ذكّر لأن في المسميات العقلاء فغلبهم . وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت { إِن كُنتُمْ صادقين } يعني في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين سفاكين للدماء إرادة للرد عليهم ، وأن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها ، ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا . فأراهم بذلك وبين لهم بعض ما أجمل من ذكر المصالح في استخلافهم في قوله { إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } . وقوله : { أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والارض } استحضار لقوله لهم : { إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ، إلا أنه جاء به على وجه أبسط من ذلك وأشرح . وقرىء : «وعُلم آدم» على البناء للمفعول . وقرأ عبد الله : «عرضهن» . وقرأ أُبيّ : «عرضها» . والمعنى عرض مسمياتهن أو مسمياتها : لأن العرض لا يصح في الأسماء . وقرىء : «أنبيهم» بقلب الهمزة ياء . «وأنبهم» بحذفها والهاء مكسورة فيهما . (1/80)
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)
السجود لله تعالى على سبيل العبادة ، ولغيره على وجه التكرمة كما سجدت الملائكة لآدم ، وأبو يوسف وإخوته له؟ ويجوز أن تختلف الأحوال والأوقات فيه . وقرأ أبو جعفر : «للملائكةُ اسجدوا» بضم التاء للاتباع . ولا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية بحركة الاتباع إلا في لغة ضعيفة ، كقولهم : «الحمد لله» . { إِلاَّ إِبْلِيسَ } استثناء متصل ، لأنه كان جنّيّاً واحداً بين أظهر الألوف من الملائكة مغموراً بهم ، فغلبوا عليه في قوله : { فَسَجَدُواْ } ثم استثنى منهم استثناء واحد منهم . ويجوز أن يجعل منقطعاً { أبى } امتنع مما أمر به { واستكبر } عنه { وَكَانَ مِنَ الكافرين } من جنس كفرة الجن وشياطينهم ، فلذلك أبى واستكبر كقوله : { كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ } [ الكهف : 50 ] . السكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار . و { أَنتَ } تأكيد للمستكن في { اسكن } ليصح العطف عليه . و { رَغَدًا } وصف للمصدر ، أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً . و { حَيْثُ } للمكان المبهم ، أي : أيّ مكان من الجنة { شِئْتُمَا } أطلق لهما الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة المزيحة للعلة ، حين لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة ، حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة بين أشجارها الفائتة للحصر ، وكانت الشجرة فيما قيل : ( الحنطة ) أو ( الكرمة ) أو ( التينة ) ، وقرىء : «ولا تِقربا» بكسر التاء . [ وهذي ] ، [ والشِّجرة ] ، بكسر الشين . [ والشيرة ] بكسر الشين والياء . وعن أبي عمرو أنه كرهها ، وقال يقرأ بها برابرة مكة وسودانها . { مِنَ الظالمين } من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله { فَتَكُونَا } جزم عطف على { تَقْرَبَا } أو نصب جواب للنهى . الضمير في { عَنْهَا } للشجرة . أي فحملهما الشيطان على الزلة بسببها . وتحقيقه : فأصدر الشيطان زلتهما عنها . و ( عن ) هذه ، مثلها في قوله تعالى : { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى } [ الكهف : 82 ] . وقوله : (1/81)
يَنْهَوْنَ عَنْ أَكْلٍ وعَنْ شُرْبِ
وقيل : فأزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما عنها وأبعدهما ، كما تقول : زلّ عن مرتبته . وزل عنى ذاك : إذا ذهب عنك وزل من الشهر كذا . وقرىء : «فأزالهما» { مِمَّا كَانَا فِيهِ } من النعيم والكرامة . أو من الجنة إن كان الضمير للشجرة في ( عنها ) . وقرأ عبد الله : «فوسوس لهما الشيطان عنها» ، وهذا دليل على أن الضمير للشجرة ، لأن المعنى صدرت وسوسته عنها ، فإن قلت : كيف توصل إلى إزلالهما ووسوسته لهما بعدما قيل له : { فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } [ ص : 77 ] . قلت : يجوز أن يمنع دخولها على جهة التقريب والتكرمة كدخول الملائكة ، ولا يمنع أن يدخل على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء . وقيل : كان يدنو من السماء فيكلمهما . وقيل : قام عند الباب فنادى . وروى أنه أراد الدخول فمنعته الخزنة ، فدخل في فم الحية حتى دخلت به وهم لا يشعرون .
قيل : { اهبطوا } خطاب لآدم وحواء وإبليس : وقيل : والحية . والصحيح أنه لآدم وحواء والمراد هما وذريتهما ، لأنهما لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم . والدليل عليه قوله : { قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } [ طه : 123 ] ويدل على ذلك قوله : { فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } ، { والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } . وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم . ومعنى بعضكم لبعض { لِبَعْضٍ } ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض . والهبوط : النزول إلى الأرض . { مُسْتَقَرٌّ } موضع استقرار أو استقرار { ومتاع } وتمتع بالعيش { إلى حِينٍ } يريد إلى يوم القيامة . وقيل : إلى الموت . (1/82)
فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)
معنى تلقي الكلمات استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها . وقرىء بنصب آدم ورفع الكلمات؛ على أنها استقبلته بأن بلغته واتصلت به . فإن قلت : ما هنّ؟ قلت : قوله تعالى : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا . . . } الآيه [ الأعراف : 23 ] . وعن ابن مسعود رضي الله عنه : «إن أحب الكلام إلى الله ما قاله أبونا آدم حين اقترف الخطيئة : سبحانك اللَّهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ، لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : «يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال : بلى . قال : يا رب ألم تنفخ فيّ الروح من روحك؟ قال : بلى . قال : يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال : بلى . قال : ألم تسكني جنتك؟ قال : بلى . قال : يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال : نعم» ، واكتفى بذكر توبة آدم دون توبة حواء ، لأنها كانت تبعاً له ، كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك . وقد ذكرها في قوله : { قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } [ الاعراف : 23 ] . { فَتَابَ عَلَيْهِ } فرجع عليه بالرحمة والقبول . فإن قلت : لم كرر : { قُلْنَا اهبطوا } ؟ قلت : للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله : { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى } . فإن قلت : ما جواب الشرط الأول؟ قلت : الشرط الثاني مع جوابه كقولك : إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك . والمعنى : فإما يأتينكم مني هدى برسول أبعثه إليكم وكتاب أنزله عليكم؛ بدليل قوله : { والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا } في مقابلة قوله : { فَمَن تَبِعَ هُدَايَ } فإن قلت : فلم جيء بكلمة الشك وإتيان الهدى كائن لا محالة لوجوبه؟ قلت : للإيذان بأنّ الإيمان بالله والتوحيد لا يشترط فيه بعثة الرسل وإنزال الكتب . وأنه إن لم يبعث رسولاً ولم ينزل كتاباً ، كان الإيمان به وتوحيده واجباً؛ لما ركب فيهم من العقول ونصب لهم من الأدلة ومكنهم من النظر والاستدلال . فإن قلت : الخطيئة التي أهبط بها آدم إن كانت كبيرة فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء ، وإن كانت صغيرة ، فلم جرى عليه ما جرى بسببها من نزع اللباس والإخراج من الجنة والإهباط من السماء كما فعل بإبليس ونسبته إلى الغيّ والعصيان ونسيان العهد وعدم العزيمة والحاجة إلى التوبة؟ قلت : ما كانت إلا صغيرة مغمورة بأعمال قلبه من الإخلاص والأفكار الصالحة التي هي أجل الأعمال وأعظم الطاعات . وإنما جرى عليه ما جرى ، تعظيماً للخطيئة وتفظيعاً لشأنها وتهويلاً ، ليكون ذلك لطفاً له ولذريّته في اجتناب الخطايا واتقاء المآثم ، والتنبيه على أنه أخرج من الجنة بخطيئة واحدة ، فكيف يدخلها ذو خطايا جمة . وقرىء : «فمن تبع هُدَيَّ» على لغة هذيل ، «فلا خوف» بالفتح . (1/83)
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)
{ إسراءيل } هو يعقوب عليه السلام لقب له ، ومعناه في لسانهم : صفوة الله ، وقيل : عبد الله . وهو بزنة إبراهيم وإسماعيل غير منصرف مثلهما لوجود العلمية والعجمة . وقرىء «إسرائل» و «إسرائلّ» . وذكرهم النعمة : أن لا يخلو بشكرها ، ويعتدوا بها ، ويستعظموها ، ويطيعوا مانحها . وأراد بها ما أنعم به على آبائهم مما عدّد عليهم : من الإنجاء من فرعون وعذابه ومن الغرق . ومن العفو عن اتخاذ العجل ، والتوبة عليهم ، وغير ذلك ، وما أنعم به عليهم من إدراك زمن محمد صلى الله عليه وسلم المبشر به في التوراة والإنجيل . والعهد يضاف إلى المعاهِد والمعاهَد جميعاً . يقال أوفيت بعهدي ، أي عاهدت عليه كقوله : { وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله } [ التوبة : 111 ] وأوفيت بعهدك : أي بما عاهدتك عليه . ومعنى { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى } وأوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي والطاعة لي ، كقوله : { وَمَنْ أوفى بِمَا عاهد عليهالله } [ الفتح : 10 ] ، { وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله } [ التوبة : 75 ] ، { رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ } [ الأحزاب : 23 ] ، { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم { وإياى فارهبون } فلا تنقضوا عهدي . وهو من قولك : زيداً رهبته . وهو أوكد فى إفادة الاختصاص من { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } . وقرىء «وأُوَفِّ» بالتشديد : أي أبالغ في الوفاء بعهدكم ، كقوله : { مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } [ النمل : 189 ] . ويجوز أن يريد بقوله : { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى } ما عاهدوا عليه ووعدوه من الإيمان بنبيّ الرحمة والكتاب المعجز . ويدل عليه قوله : { وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } أوّل من كفر به ، أو أوّل فريق أو فوج كافر به ، أو : ولا يكن كل واحد منكم أوّل كافر به ، كقولك : كسانا حلة ، أي كل واحد منا . وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أوّل من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته . ولأنهم كانوا المبشرين بزمان من أوحى إليه والمستفتحين على الذين كفروا به . وكانوا يعدون أتباعه أول الناس كلهم ، فلما بعث كان أمرهم على العكس كقوله : { لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين مُنفَكّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة } إلى قوله : { وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة } [ البينة : 1-4 ] { فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } [ البقرة : 89 ] . ويجوز أن يراد : ولا تكونوا مثل أول كافر به ، يعني من أشرك به من أهل مكة . أي : ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكوراً في التوراة موصوفاً ، مثل من لم يعرفه وهو مشرك لا كتاب له . وقيل : الضمير في ( به ) لما معكم ، لأنهم إذا كفروا بما يصدّقه فقد كفروا به . والاشتراء استعارة للاستبدال كقوله تعالى : { اشتروا الضلالة بالهدى } [ البقرة : 16 ] وقوله : (1/84)
كَمَا اشْتَرَى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرَا ... وقوله :
فإنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَك بالجَهْلِ ... يعني ولا تستبدلوا بآياتي ثمناً وإلا فالثمن هو المشترى به . والثمن القليل الرياسة التي كانت لهم في قومهم ، خافوا عليها الفوات لو أصبحوا أتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاستبدلوها وهي بدل قليل ومتاع يسير بآيات الله وبالحق الذي كل كثير إليه قليل ، وكل كبير إليه حقير ، فما بال القليل الحقير . وقيل كانت عامتهم يعطون أحبارهم من زروعهم وثمارهم ، ويهدون إليهم الهدايا ، ويرشونهم الرشا على تحريفهم الكلم ، وتسهيلهم لهم ما صعب عليه من الشرائع . وكان ملوكهم يدرّون عليهم الأموال ليكتموا أو يحرّفوا .
وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)
الباء التي في { بالباطل } إن كانت صلة مثلها في قولك : لبست الشيء بالشيء خلطته به ، كان المعنى : ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم ، حتى لا يميز بين حقها وباطلكم ، وإن كانت باء الاستعانة كالتي في قولك : كتبت بالقلم ، كان المعنى : ولا تجعلوا الحق ملتبساً مشتبهاً بباطلكم الذي تكتبونه { وَتَكْتُمُواْ } جزم داخل تحت حكم النهي بمعنى : ولا تكتموا . أو منصوب بإضمار أن ، والواو بمعنى الجمع ، أي ولا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق ، كقولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن . فإن قلت : لبسهم وكتمانهم ليسا بفعلين متميزين حتى ينهوا عن الجمع بينهما ، لأنهم إذا لبسوا الحق بالباطل فقد كتموا الحق؟ قلت : بل هما متميزان ، لأن لبس الحق بالباطل ما ذكرنا من كتبهم في التوراة ما ليس منها . وكتمانهم الحق أن يقولوا : لا نجد في التوراة صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، أو حكم كذا . أو يمحوا ذلك . أو يكتبوه على خلاف ما هو عليه . وفي مصحف عبد الله . وتكتمون ، بمعنى كاتمين { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } في حال علمكم أنكم لابسون كاتمون ، وهو أقبح لهم ، لأنّ الجهل بالقبيح ربما عذر راكبه { وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ واءتوا الزكاة } يعني صلاة المسلمين وزكاتهم { واركعوا مَعَ الراكعين } منهم ، لأنّ اليهود لا ركوع في صلاتهم . وقيل : ( الركوع ) الخضوع والانقياد لما يلزمهم في دين الله . ويجوز أن يراد بالركوع : الصلاة ، كما يعبر عنها بالسجود ، وأن يكون أمراً بأن تصلى مع المصلين ، يعني في الجماعة ، كأنه قيل : وأقيموا الصلاة وصلوها مع المصلين ، لا منفردين . (1/85)
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)
{ أَتَأْمُرُونَ } الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجيب من حالهم . والبرّ سعة الخير والمعروف . ومنه البر لسعته ، ويتناول كل خير . ومنه قولهم : صدقت وبررت . وكان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه . وقيل : كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدّقون ، وإذا أتوا بصدقات ليفرّقوها خانوا فيها . وعن محمد بن واسع : بلغني أنّ ناساً من أهل الجنة اطلعوا على ناس من أهل النار فقالوا لهم : قد كنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنة . قالوا : كنا نأمركم بها ونخالف إلى غيرها { وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } وتتركونها من البر كالمنسيات { وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكتاب } تبكيت مثل قوله : { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } يعني تتلون التوراة وفيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم ، أو فيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } توبيخ عظيم بمعنى : أفلا تفطنون ، لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه ، وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول لأن العقول تأباه وتدفعه . ونحوه : { أُفّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [ الأنبياء : 67 ] . { واستعينوا } على حوائجكم إلى الله { بالصبر والصلاة } أي بالجمع بينهما ، وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة ، محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب ، وحفظ النيات ، ودفع الوساوس ومراعاة الآداب ، والاحتراس من المكاره مع الخشية والخشوع ، واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات ، ليسأل فك الرقاب عن سخطه وعذابه . ومنه قوله تعالى : { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا } [ طه : 132 ] أو : واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها . (1/86)
( 34 ) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» وعن ابن عباس أنه نعى إليه أخوه «قُثَم» وهو في سفر ، فاسترجع وتنحى عن الطريق فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس ، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول : واستعينوا بالصبر والصلاة ، وقيل : الصبر الصوم ، لأنه حبس عن المفطرات . ومنه قيل لشهر رمضان : شهر الصبر . ويجوز أن يراد بالصلاة الدعاء ، وأن يستعان على البلايا بالصبر ، والالتجاء إلى الدعاء ، والابتهال إلى الله تعالى في دفعه { وَإِنَّهَا } الضمير للصلاة أو للاستعانة . ويجوز أن يكون لجميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله : { اذكروا نِعْمَتِيَ } إلى { واستعينوا } . { لَكَبِيرَةٌ } لشاقة ثقيلة من قولك : كبر عليّ هذا الأمر ، { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } [ الشورى : 13 ] . فإن قلت : ما لها لم تثقل على الخاشعين والخشوع في نفسه مما يثقل؟ قلت : لأنهم يتوقعون ما ادّخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم . ألا ترى إلى قوله تعالى : { الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ }
[ البقرة : 46 ] أي يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده ، ويطمعون فيه . وفي مصحف عبد الله : ( يعلمون ) . ومعناه : يعلمون أن لا بد من لقاء الجزاء فيعملون على حسب ذلك . ولذلك فسر ( يظنون ) بيتيقنون . وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب . كانت عليه مشقة خالصة فثقلت عليه كالمنافقين والمرائين بأعمالهم . ومثله من وعد على بعض الأعمال والصنائع أجرة زائدة على مقدار عمله ، فتراه يزاوله برغبة ونشاط وانشراح صدر ومضاحكة لحاضريه ، كأنه يستلذ مزاولته بخلاف حال عامل يتسخره بعض الظلمة . ومن ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (1/87)
( 35 ) « وجعلت قرّة عيني في الصلاة »
( 36 ) وكان يقول : « يا بلال روّحنا » والخشوع . الإخبات والتطامن . ومنه : الخشعة للرملة المتطامنة . وأما الخضوع فاللين والانقياد . ومنه : خضعت بقولها إذا لينته .
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)
{ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ } نصب عطف على { نِعْمَتِيَ } أي اذكروا نعمتي وتفضيلي { عَلَى العالمين } على الجم الغفير من الناس ، كقوله تعالى : { بَارَكْنَا فِيهَا للعالمين } [ الأنبياء : 71 ] يقال : رأيت عالماً من الناس يراد الكثرة { يَوْمًا } يريد يوم القيامة { لاَّ تَجْزِى } لا تقضي عنها شيئًا من الحقوق . ومنه الحديث في جذعة بن نيار : (1/88)
( 37 ) «تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك» و { شَيْئاً } مفعول به ويجوز أن يكون في موضع مصدر ، أي قليلاً من الجزاء ، كقوله تعالى : { وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً } [ مريم : 60 ] ومن قرأ «لا تجزىء» من أجزأ عنه إذا أغنى عنه ، فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئاً من الإجزاء . وقرأ أبو السرار الغنوي : «لا تجزي نسمة عن نسمة شيئاً» . وهذه الجملة منصوبة المحل صفة ل ( يوماً ) . فإن قلت : فأين العائد منها إلى الموصوف؟ قلت : هو محذوف تقديره : لا تجزي فيه . ونحوه ما أنشده أبو علي :
تَرَوَّحِي أَجْدَرُ أَنْ تَقِيلِي
أي ماء أجدر بأن تقيلي فيه . ومنهم من ينزل فيقول : اتسع فيه ، فأجرى مجرى المفعول به فحذف الجار ثم حذف الضمير كما حذف من قوله : أم مال أصابوا . ومعنى التنكير أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس منها شيئاً من الأشياء ، وهو الإقناط الكلي القطّاع للمطامع . وكذلك قوله : { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } أي فدية لأنها معادلة للمفدى . ومنه الحديث :
( 38 ) " لا يقبل منه صرف ولا عدل " أي توبة ولا فدية . وقرأ قتادة : «ولا يَقْبَلُ منها شفاعةً» على بناء الفعل للفاعل وهو الله عز وجل ، ونصب الشفاعة . وقيل : كانت اليهود تزعم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا . فإن قلت : هل فيه دليل على أنّ الشفاعة لا تقبل للعصاة؟ قلت : نعم ، لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقاً أخلت به من فعل أو ترك ، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع فعلم أنها لا تقبل للعصاة . فإن قلت : الضمير في { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا } إلى أي النفسين يرجع؟ قلت : إلى الثانية العاصية غير المجزى عنها ، وهي التي لا يؤخذ منها عدل . ومعنى لا يقبل منها شفاعة : إن جاءت بشفاعة شفيع لم يقبل منها . ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى ، على أنه لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها ، كما لا تجزئ عنها شيئاً ، ولو أعطت عدلاً عنها لم يؤخذ منها { وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } يعني ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة والتذكير بمعنى العباد والأناسي ، كما تقول : ثلاثة أنفس .
وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)
أصل { ءَالِ } أهل ، ولذلك يصغر بأهيل ، فأبدلت هاؤه ألفاً . وخصّ استعماله بأولى الخطر والشأن كالملوك وأشباههم ، فلا يقال آل الإسكاف والحجام . و { فِرْعَوْنُ } علم لمن ملك العمالقة ، كقيصر : لملك الروم ، وكسرى : لملك الفرس . ولعتو الفراعنة اشتقوا : تفرعن فلان ، إذا عتا وتجبر . وفي مِلَحِ بعضهم : (1/89)
قَدْ جَاءَهُ الْمُوسَى الْكَلُومُ فَزَادَ فِي ... أقْصَى تَفَرْعُنِهِ وَفَرْطِ عُرَامِهِ
وقرىء : «أنْجيناكم» و«نجيتكم» { يَسُومُونَكُمْ } من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً . قال عمرو بن كلثوم :
إذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفاً ... أَبَيْنَا أَنْ يَقِرَّ الْخَسْفُ فِينَا
وأصله من سام السلعة إذا طلبها ، كأنه بمعنى يبغونكم { سُوءَ العذاب } ويريدونكم عليه . والسوء : مصدر السيىء : يقال : أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفعل ، يراد قبحهما . ومعنى { سُوءَ العذاب } والعذاب كله سيّىء : أشدّه وأفظعه ، كأنه قبحه بالإضافة إلى سائره . و { يُذَبّحُونَ } : بيان لقوله : { يَسُومُونَكُمْ } ولذلك ترك العاطف كقوله تعالى : { يضاهئون قَوْلَ الذين كَفَرُواْ } [ التوبة : 20 ] . وقرأ الزهري : «يذبحون» بالتخفيف كقولك : قطعت الثياب وقطعتها . وقرأ عبد الله : «يقتلون» . وإنما فعلوا بهم ذلك لأنّ الكهنة أنذروا فرعون بأنه يولد مولود يكون على يده هلاكه ، كما أنذر نمروذ . فلم يغن عنهما اجتهادهما في التحفظ ، وكان ما شاء الله . والبلاء المحنة إن أشير ب ( ذلكم ) إلى صنيع فرعون . والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء .