صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ الدر المنثور - السيوطي ]
الكتاب : الدر المنثور
المؤلف : عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي
الناشر : دار الفكر - بيروت ، 1993
عدد الأجزاء : 8

النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال : يا أهل الجنة هل تعرفون هذا ؟ فيشرفون وينظرون ويقولون : نعم هذا الموت وكلهم قد رآه ثم يقال : يا أهل النار هل تعرفون هذا ؟ فيشرفون وينظرون ويقولون : نعم هذا الموت وكلهم قد رآه فيؤمر به فيذبح فيقال : يا أهل الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم : وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وأشار بيده وقال : " أهل الدنيا في غفلة "
وأخرج النسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم في قوله : وأنذرهم يوم الحسرة قال : ينادى يا أهل الجنة فيشرفون وينادى يا أهل النار فيشرفون وينظرون فيقال : ما تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم فيجاء بالموت في صورة كبش أملح فيقال : هذا الموت فيقرب ويذبح ثم يقال : يا أهل الجنة خلود لا موت ويا أهل النار خلود ولا موت ثم قرأ وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : وأنذرهم يوم الحسرة قال : يصور الله الموت في صورة كبش أملح فيذبح فييأس أهل النار من الموت فيما يرجونه فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله : وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر قال : إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يأتي الموت بصورة كبش أملح حتى يوقف بين الجنة والنار ثم ينادي مناد يا أهل الجنة هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا ولا يبقى أحد في عليين ولا في أسفل درجة من الجنة إلا نظر إليه ثم ينادي يا أهل النار هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا فلا يبقى أحد في ضحضاح من النار ولا أسفل درك من جهنم إلا نظر إليه ثم يذبح بين الجنة والنار ثم ينادي يا أهل الجنة هو الخلود أبد الآبدين
ويا أهل النار هو الخلود أبد الآبدين فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحد ميتا من فرحة ماتوا ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحدا ميتا من شهقة ماتوا فذلك قوله : وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر يقول : إذا ذبح الموت
وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس يوم الحسرة هو من أسماء

(5/512)


يوم القيامة
وقرأ أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله الزمر آية 56
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن عبد العزيز : أنه كتب إلى عامله بالكوفة أما بعد : فإن الله كتب على خلقه حين خلقهم الموت فجعل مصيرهم إليه فقال : فيما أنزل في كتابه الصادق الذي أنزله بعلمه وأشهد ملائكته على خلقه أنه يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون
الآية 41 - 50 أخرج أبو نعيم والديلمي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " حق الوالد على ولده أن لا يسميه إلا بما سمى إبراهيم أباه يا أبت ولا يسميه باسمه "
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : لأرجمنك قال : لأشتمنك واهجرني مليا قال : حينا

(5/513)


وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : واهجرني مليا قال : اجتنبني سالما قبل أن يصيبك مني عقوبة
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة مثله
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله : واهجرني مليا قال : سالما
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن مثله
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد واهجرني مليا قال : حينا
وأخرج ابن الأنباري في الوقف عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله : واهجرني مليا ما الملي ؟ قال : طويلا قال فيه المهلهل : وتصدعت شم الجبال لموته وبكت عليه المرملات مليا وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : إنه كان بي حفيا قال : لطفيا
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : إنه كان بي حفيا قال : عوده الإجابة
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : ووهبنا له إسحق ويعقوب قال : يقول وهبنا له إسحق ولدا ويعقوب ابن ابنه
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وجعلنا لهم لسان صدق عليا قال الثناء الحسن
الآية 51 - 53 أخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ إنه كان مخلصا بنصب اللام
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : وكان رسولا نبيا قال : النبي وحده الذي تكلم وينزل عليه ولا يرسل ولفظ ابن

(5/514)


أبي حاتم الأنبياء الذين ليسوا برسل يوحى إلى أحدهم ولا يرسل إلى أحدهم والرسل الأنبياء الذين يوحى إليهم ويرسلون
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : جانب الطور الأيمن قال : جانب الجبل الأيمن وقربناه نجيا قال : نجا بصدقه
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية في قوله : وقربناه نجيا قال : قربه حتى سمع صرير القلم
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر عن ميسرة وقربناه نجيا قال : أدني حتى سمع صرير القلم في الألواح وهو يكتب التوراة
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير وقربناه نجيا قال : أردفه جبريل حتى سمع صرير القلم والتوراة تكتب له
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي وقربناه نجيا قال : ادخل في السماء فكلم
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله : وقربناه نجيا قال بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب حجاب نور وحجاب ظلمة حجاب نور وحجاب ظلمة حجاب نور وحجاب ظلمة فما زال موسى يقرب حتى كان بينه وبينه حجاب فلما رأى مكانه وسمع صريف القلم قال : رب أرني أنظر إليك الأعراف الآية 143
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وهناد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس وقربناه نجيا حتى سمع صريف القلم يكتب في اللوح
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن معد يكرب قال : لما قرب الله موسى نجيا بطور سينا قال : يا موسى إذا خلقت لك قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة تعين على الخير فلم أخزن عنك من الخير شيئا ومن أخزن عنه هذا فلم أفتح له من الخير شيئا
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا قال : كان هرون أكبر من موسى ولكن إنما وهب له نبوته

(5/515)


الآية 54 - 55 أخرج الحاكم من طريق سمرة عن كعب قال : كان إسماعيل نبي الله الذي سماه صادق الوعد وكان رجلا فيه حدة مجاهدا أعداء الله ويعطيه الله النصر عليهم والظفر وكان شديد الحرب على الكفار لا يخاف في الله لومة لائم صغير الرأس غليظ العنق طويل اليدين والرجلين يضرب بيديه ركبتيه وهو قائم صغير العينين طويل الأنف عريض الكتف طويل الأصابع بارز الخلق قوي شديد عنيف على الكفار وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكانت زكاته القربات إلى الله من أموالهم وكان لا يعد أحدا شيئا إلا أنجزه فسماه الله صادق الوعد
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج إنه كان صادق الوعد قال : لم يعد ربه عدة قط إلا أنفذها
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري قال : بلغني أن إسماعيل وصاحبا له أتيا قرية فقال له صاحبه : إما أن أجلس وتدخل فتشتري طعاما زادنا وإما أن أدخل فأكفيك ذلك فقال له إسماعيل : بل ادخل أنت وأنا أجلس أنتظرك فدخل ثم نسي فخرج فأقام مكانه حتى كان الحول من ذلك اليوم فمر به الرجل فقال له : أنت ههنا حتى الساعة ؟ قال : قلت لك لا أبرح حتى تجيء فقال تعالى : واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد
وأخرج ابن جرير عن سهل بن سعد قال : أن إسماعيل عليه السلام وعد رجلا أن يأتيه فجاء ونسي الرجل فظل به إسماعيل وبات حتى جاء الرجل من الغد فقال : ما برحت من ههنا ؟ قال : لا قال : إني نسيت قال : لم أكن لأبرح حتى تأتيني
ولذلك كان صادق الوعد
وأخرج مسلم عن واثلة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل كنانة "
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أنا سيد الخلائق يوم القيامة في اثني عشر نبيا منهم إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب "

(5/516)


وأخرج الحاكم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال : أول من نطق بالعربية ووضع الكتاب على لفظه ومنطقه ثم جعله كتابا واحدا - مثل بسم الله الرحمن الرحيم - الوصول - حتى فرق بينه ولده إسماعيل
واخرج ابن سعد عن عقبة بن بشير أنه سأل محمد بن علي من أول من تكلم بالعربية ؟ قال : إسماعيل بن إبراهيم وهو ابن ثلاث عشرة سنة
قلت : فما كان كلام الناس قبل ذلك ؟ قال العبرانية
وأخرج ابن سعد عن الواقدي عن غير واحد من أهل العلم أن إسماعيل ألهم من يوم ولد لسان العرب وولد إبراهيم أجمعون على لسان إبراهيم
وأخرج ابن سعد عن علي بن رباح اللخمي قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " كل العرب من ولد إسماعيل "
وأخرج ابن سعد عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة قال : قبر أم إسماعيل تحت الميزاب بين الركن والبيت
الآية 57 - 56 أخرج الحكم عن سمرة قال : كان إدريس أبيض طويلا ضخم البطن عريض الصدر قليل شعر الجسد كثير شعر الرأس وكانت إحدى عينيه أعظم من الأخرى وكانت في صدره نكتة بيضاء من غير برص فلما رأى الله من أهل الأرض ما رأى من جورهم وإعتدائهم في أمر الله رفعه الله إلى السماء السادسة فهو حيث يقول ورفعناه مكانا عليا
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو بن العاص : أن إدريس أقدم من نوح بعثه الله إلى قومه فأمرهم الله أن يقولوا لا إله إلا الله ويعملوا بما شاء فأبوا فأهلكهم الله
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : ورفعناه مكانا عليا قال : كان إدريس خياطا
وكان لا يغرز إلا قال : سبحان الله
فكان يمسي حين يمسي وليس في الأرض أحد أفضل منه عملا فاستأذن ملك من الملائكة ربه فقال يا رب ائذن لي فأهبط إلى إدريس
فأذن له فأتى إدريس فسلم عليه وقال : إني جئتك لأحدثك فقال : كيف تحدثني وأنت ملك وأنا إنسان ثم قال إدريس

(5/517)


هل بينك وبين ملك الموت شيء ؟ قال الملك : ذاك أخي من الملائكة فقال : هل يستطيع أن ينسئني عند الموت ؟ قال : أما أن يؤخر شيئا أو يقدمه فلا ولكن سأكلمه لك فيرفق بك عند الموت فقال : اركب على جناحي فركب إدريس فصعد إلى السماء العليا فلقي ملك الموت إدريس بين جناحيه فقال له الملك إن لي إليك حاجة قال : علمت حاجتك تكلمني في إدريس وقد محي اسمه من الصحيفة ولم يبق من أجله إلا نصف طرفة عين فمات إدريس بين جناحي الملك
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : سألت كعبا عن رفع إدريس مكانا عليا فقال : كان عبدا تقيا رفع له من العمل الصالح ما رفع لأهل الأرض في زمانه فعجب الملك الذي كان يصعد عليه عمله فاستأذن ربه قال : رب ائذن لي آتي عبدك هذا فأزوره فأذن له فنزل قال : يا إدريس أبشر فإنه رفع لك من العمل الصالح ما لا رفع لأهل الأرض قال : وما علمك ؟ ! قال إني ملك
قال : وإن كنت ملكا ؟ قال : فإني على الباب الذي يصعد عليه عملك
قال : أفلا تشفع إلى ملك الموت فيؤخر من أجلي لأزداد شكرا وعبادة ؟ قال الملك : لن يؤخر الله نفسا غذا جاء أجلها المنافقون آية 11 قال : قد علمت ولكنه أطيب لنفسي فحمله الملك على جناحيه فصعد به إلى السماء فقال : يا ملك الموت هذا عبد تقي نبي رفع له من العمل الصالح ما لا يرفع لأهل الأرض وإني أعجبني ذلك فاستأذنت ربي عليه فلما بشرته بذلك سألني لأشفع له إليك لتؤخر له من أجله ليزداد شكرا وعبادة
قال : ومن هذا ؟ قال : إدريس فنظر في كتاب معه حتى مر باسمه فقال : والله ما بقي من أجل إدريس شيء فمحاه فمات مكانه
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : ورفعناه مكانا عليا قال : رفع إلى السماء السادسة فمات فيها
وأخرج الترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه عن قتادة في قوله : ورفعناه مكانا عليا قال : حدثنا أنس بن مالك أن نبي الله صلى الله عليه و سلم قال : " لما عرج بي رأيت إدريس في السماء الرابعة "

(5/518)


وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه و سلم ورفعناه مكانا عليا قال : في السماء الرابعة
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه والربيع مثله
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال : رفع إدريس كما رفع عيسى ولم يمت
وأخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : إدريس هو إلياس
وأخرج ابن المنذر عن عمر مولى غفرة يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه و سلم قال : " إن إدريس كان نبيا تقيا زكيا وكان يقسم دهره على نصفين : ثلاثة ايام يعلم الناس الخير وأربعة أيام يسيح في الأرض ويعبد الله مجتهدا
وكان يصعد من عمله وحده إلى السماء من الخير مثل ما يصعد من جميع أعمال بني آدم وإن ملك الموت أحبه في الله فأتاه حين خرج للسياحة فقال له : يا نبي الله إني أريد أن تأذن لي في صحبتك
فقال له إدريس - وهو لا يعرفه - : إنك لن تقوى على صحبتي
قال : بلى إني أرجو أن يقويني الله على ذلك
فخرج معه يومه ذلك حتى إذا كان من آخر النهار مر براعي غنم فقال ملك الموت لإدريس : يا نبي الله إنا لا ندري حيث نمسي فلو أخذنا جفرة من هذه الغنم فأفطرنا عليها ؟ فقال له إدريس : لا تعد إلى مثل هذا تدعوني إلى أخذ ما ليس لنا من حيث نمسي يأتي الله برزق ! فلما أمسى أتاه الله بالرزق الذي كان يأتيه فقال لملك الموت : تقدم فكل
فقال ملك الموت : لا والذي أكرمك بالنبوة ما أشتهي
فأكل ادريس وقاما جميعا إلى الصلاة ففتر إدريس وكل ومل ونعس وملك الموت لا يفتر ولا يمل ولا ينعس فعجب منه وقال : قد كنت أظن أني أقوى الناس على العبادة فهذا أقوى مني ! فصغرت عنده عبادته عندما رأى منه
ثم أصبحا فساحا فلما كان آخر النهار مرا بحديقة عنب فقال ملك الموت لإدريس : يا نبي الله لو أخذنا قطفا من هذا العنب لأنا لا ندري حيث نمسي
فقال إدريس : ألم أنهك عن هذا ؟ وأنت حيث تمسي يأتينا الله برزق ! فلما أمسى أتاه الله الرزق الذي كان يأتيه فأكل إدريس فقال لملك الموت هلم فكل
فقال : لا والذي أكرمك بالنبوة يا نبي الله لا أشتهي
فعجب ! ثم قاما إلى الصلاة ففتر

(5/519)


إدريس أيضا وكل ومل وملك الموت لا يكل ولا يفتر ولا ينعس
فقال له عند ذلك إدريس : لا والذي نفسي بيده ما أنت من بني آدم ! فقال له ملك الموت عنده ذلك : أجل لست من بني آدم
فقال له إدريس : فمن أنت ؟ قال : أنا ملك الموت
فقال له إدريس : أمرت في بأمر ؟ فقال له : لو أمرت فيك بأمر ما ناظرتك نظرتك ؟ ولكني أحبك في الله وصحبتك له
فقال له إدريس : يا ملك الموت إنك معي ثلاثة أيام بلياليها لم تقبض روح أحد من الخلق ؟ قال : بلى والذي أكرمك بالنبوة يا نبي الله إني معك من حين رأيت وإني أقبض نفس من أمرت بقبض نفسه في مشارق الأرض ومغاربها وما الدنيا عندي إلا بمنزلة المائدة بين يدي الرجل يمد يده ليتناول منها ما شاء
فقال له إدريس : يا ملك الموت أسألك بالذي أحببتني له وفيه ألا إلا ؟ قضيت لي حاجة أسألكها ؟ فقال له ملك الموت : سلني ما أحببت يا نبي الله
فقال : أحب أن تذيقني الموت وتفرق بين روحي وجسدي حتى أجد طعم الموت ثم ترد إلي روحي
فقال له ملك الموت - عليه السلام - : ما أقدر على ذلك إلا أن استأذن فيه ربي
فقال له إدريس عليه السلام : فاستأذنه في ذلك
فعرج ملك الموت إلى ربه فأذن له فقبض نفسه وفرق بين روحه وجسده فلما سقط إدريس عليه السلام ميتا رد إليه روحه وطفق يمسح وجهه وهو يقول : يا نبي الله ما كنت أريد أن يكون هذا حظك من صحبتي ! فلما أفاق قال له ملك الموت : يا نبي الله كيف وجدت ؟ قال : يا ملك الموت قد كنت أحدث وأسمع فإذا هو أعظم مما كنت أحدث وأسمع ! ثم قال : يا ملك الموت أريد منك حاجة أخرى قال : وما هي ؟ قال : تريني النار حتى أنظر إلى لمحة منها
فقال له ملك الموت : وما لك والنار ؟ إني لأرجو أن لا تراها ولا تكون من أهلها ! قال : بلى أريد ذلك ليكون أشد لرهبتني وخوفي منها ! فانطلق إلى باب من أبواب جهنم فنادى بعض خزنتها فأجابوه وقالوا : من هذا ؟ قال : أنا ملك الموت
فارتعدت فرائصهم - قالوا : أمرت فينا بأمر ؟ فقال : لو أمرت فيكم بأمر ما ناظرتكم ولكن نبي الله إدريس - عليه السلام - سألني أن تروه لمحة من النار
ففتحوا له قدر ثقب المخيط فأصابه من حرها ولهبها وزفيرها ما صعق ! ه ؟ فقال ملك الموت : أغلقوا ! فأغلقوا فمسح ملك الموت وجهه وهو يقول : يا نبي الله ما كنت أحب أن يكون هذا حظك من صحبتي
فلما أفاق

(5/520)


قال له ملك الموت : يا نبي الله كيف رأيت ؟ قال : يا ملك الموت كنت أحدث وأسمع فإذا هو أعظم مما كنت أحدث وأسمع ! فقال له : يا ملك الموت قد بقيت لي حاجة أخرى لم يبق غيرها
قال : وما هي ؟ قال : تريني لمحة من الجنة
قال له ملك الموت - عليه السلام : يا نبي الله أبشر ! فإنك إن شاء الله من خيار أهلها وإنها إن شاء الله مقيلك ومصيرك
فقال : يا ملك الموت إني أحب أن أنظر إليها ولعل ذلك أن يكون أشد لشوقي وحرصي وطلبي ! فذهب به إلى باب من أبواب الجنة فنادى بعض خزنتها فأجابوه فقالوا : من هذا ؟ قال : ملك الموت
فارتعدت فرائصهم وقالوا : أمرت فينا بشيء ؟ فقال : لو أمرت فيكم بشيء ما ناظرتكم ولكن نبي الله إدريس - عليه السلام - سأل أن ينظر إلى لمحة من الجنة فافتحوا
فلما فتح أصابه من بردها وطيبها وريحانها ما أخذ بقلبه فقال : يا ملك الموت إني أحب أن أدخل الجنة فآكل أكلة من ثمارها وأشرب شربة من مائها فلعل ذلك أن يكون أشد لطلبتي ورغبتي وحرصي
فقال : ادخل
فدخل فأكل من ثمارها وشرب من مائها
فقال له ملك الموت : اخرج يا نبي الله قد أصبت حاجتك حتى يردك الله مع الأنبياء يوم القيامة
فاحتضن بساق شجرة من شجر الجنة وقال : ما أنا بخارج منها وإن شئت أن أخاصمك خاصمتك
فأوحى الله إلى ملك الموت : قاضه الخصومة
فقال له ملك الموت : ما الذي تخاصمني به يا نبي الله ؟ فقال إدريس : قال الله تعالى كل نفس ذائقة الموت آل عمران الآية 185 فقد ذقت الموت الذي كتبه الله على خلقه مرة واحدة
وقال الله : وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا مريم آية 76 وقد وردتها أفأردها مرة بعد مرة وإنما كتب الله ورودها على خلقه مرة واحدة ؟ وقال لأهل الجنة : وما هم منها بمخرجين الحجر آية 48 أفأخرج من شيء ساقه الله إلي ؟ فأوحى الله إلى ملك الموت : خصمك عبدي إدريس وعزتي وجلالي : إن في سابق علمي قبل أن أخلقه أنه لا موت عليه إلا الموتة التي ماتها وإنه لا يرى جهنم غلا خلا ؟ الورد الذي وردها وأنه يدخل الجنة في الساعة التي دخلها وأنه ليس بخارج منها فدعه يا ملك الموت

(5/521)


فقد خصمك وإنه احتج عليك بحجة قوية
فلما قر قرار إدريس في الجنة وألزمه الله دخولها قبل الخلائق عجت الملائكة إلى ربهم فقالوا : ربنا خلقت خلقتنا قبل ؟ إدريس بكذا وكذا ألف سنة - ولم نعصك طرفة عين وإنما خلقت إدريس منذ أيام قلائل فأدخلته الجنة قبلنا ؟ فأوحى الله إليهم : يا ملائكتي إنما خلقتكم لعبادتي وتسبيحي وذكري وجعلت فيها لذتكم ولم أجعل لكم لذة في مطعم ولا مشرب ولا في شيء سواها وقويتكم عليها وجعلت في الأرض الزينة والشهوات واللذات والمعاصي والمحارم وإنه اجتنب ذلك كله من أجلي وآثر هواي على هواه ورضاي ومحبتي على رضاه ومحبته فمن أراد منكم أن يدخل مدخل إدريس فليهبط إلى الأرض فليعبدني بعبادة إدريس ويعمل بعمل إدريس فإن عمل مثل إدريس أدخله مدخل إدريس وإن غير أو بدل استوجب مدخل الظالمين
فقالت الملائكة : ربنا لا نطلب ثوابا ولا تصيبنا بعقاب رضينا بمكاننا منك يا رب وفضيلتك إيانا
وانتدب ثلاثة من الملائكة : هاروت وماروت وملك آخر رضوا به فأوحى الله إليهم : " أما إذا اجتمعتم على هذا فاحذروا إن نفعكم الحذر فإني أنذركم اعلموا أن أكبر الكبائر عندي أربع : - فما عملتم سواها غفرته لكم وإن عملتموها لم أغفر لكم "
قالوا وما هي ؟ قال : أن لا تعبدوا صنما ولا تسفكوا دما ولا تشربوا خمرا ولا تطؤوا محرما
فهبطوا إلى الأرض على ذلك فكانوا في الأرض على مثل ما كان عليه إدريس : يقيمون أربعة ايام في سياحتهم وثلاثة أيام يعلمون الناس الخير ويدعونهم إلى عبادة الله تعالى وطاعته
حتى ابتلاهم الله بالزهرة وكانت من أجمل النساء فلما نظروا إليها افتتنوا بها - لما ؟ أراد الله ولما سبق عليهم في علمه مع خذلان الله إياهم - فنسوا ما تقدم إليهم فسألوها نفسها
قالت لهم : نعم ولكن لي زوج لا أقدر على ما تريدون مني إلا أن تقتلوه وأكون لكم
فقال بعضهم لبعض : إنا قد أمرنا أن لا نسفك دما ولا نطأ محرما ولكن نفعل هذا مع هذا ثم نتوب من هذا كله
فلما أحس الثالث بالفتنة عصمه الله من ذلك كله بالسماء فدخلها فنجا وأقام هاروت وماروت لما كتب عليهما فنشدا على زوجها فقتلاه
فلما أراداها قال قالت ؟ : لي صنم أعبده وأنا أكره معصيته وخلافه فإن أردتما فاسجدا له سجدة واحدة
فدعتهما الفتنة إلى ذلك فقال أحدهما لصاحبه : إنا قد أمرنا أن لا نسفك دما ولا نطأ حرما ولكنا نفعله ثم نتوب من

(5/522)


جميعه فسجدوا لذلك الصنم
فلما أراداها قالت لهما : قد بقيت لي حاجة أخرى
قالا : وما هي ؟ قالت : لي شراب لا يطيب لي من العيش إلا به
قالا : وما هو ؟ قالت : الخمر
فدعتهما الفتنة إلى ذلك فقال أحدهما لصاحبه : إنا قد أمرنا أن لا نشرب خمرا ! فقال الآخر : إنا قد أمرنا أن لا نسفك دما ولا نطأ محرما ولكنا نفعله ثم نتوب من جميعه
فشربا الخمر
فلما أراداها قالت : قد بقيت لي حاجة أخرى
قالا : وما هي ؟ قالت : تعلماني الكلام الذي تعرجان به إلى السماء
فعلماها إياه فلما تكلمت به عرجت إلى السماء فلما انتهت إلى السماء مسخت نجما فلما ابتليا بما ابتليا به عرجا إلى السماء فغلقت أبواب السماء دونهما وقيل لهما أن السماء لا يدخلها خطاء ! فلما منعا من دخول السماء وعلما أنهما قد افتتنا وابتليا عجا إلى الله بالدعاء والتضرع والإبتهال فأوحى الله إليهما : حل عليكما سخطي ووجبت فيما تعرضتما واستوجبتما وقد كنتما مع ملائكتي في طاعتي وعبادتي حتى عصيتما فصرتما بذلك إلى ما صرتما إليه من معصيتي وخلاف أمري فاختارا إن شئتما عذاب الدنيا وإن شئتما عذاب الآخرة
فعلما أن عذاب الدنيا وإن طال فمصيره إلى زوال وأن عذاب الآخرة ليس له زوال ولا إنقطاع فاختارا عذاب الدنيا فهما ببابل معلقين منكوسين مقرنين إلى يوم القيامة
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند عن بعض أصحابه قال : كان ملك الموت صديقا لإدريس عليه السلام فقال له إدريس يوما : يا ملك الموت قال : لبيك
قال : أمتني فأرني كيف الموت ؟ قال له ملك الموت : سبحان الله يا إدريس ! إنما يفر أهل السموات والأرض من الموت وتسألني أن أريك كيف الموت ؟ قال : إني أحب أن أراه فلما ألح عليه قال له : يا إدريس أنا عبد مملوك مثلك وليس إلي من الأمر شيء
قال : فصعد ملك الموت فقال : رب إن عبدك سألني أن أريه الموت كيف هو ؟ قال الله له : فأمته
فقال له ملك الموت : يا إدريس إنما يفر الخلق من الموت قال : فأرني
فلما مات بقي ملك الموت لا يستطيع أن يرد نفسه إليه فقال : يا رب قد ترى ما إدريس فيه ؟ فرد الله إليه روحه فمكث ما شاء حيا ثم قال يا ملك الموت : أدخلني الجنة فأنظر إليها ؟ قال له : يا إدريس إنما أنا عبد مملوك مثلك ليس إلي من الأمر شيء فألح عليه فقال ملك الموت : يا رب إن عبد إدريس قد ألح علي فسألني أن

(5/523)


أدخله الجنة فيراها ؟ وقد قلت له : إنما أنا عبد مثلك وليس إلي من الأمر شيء
قال الله : فأدخله الجنة قال : إن الله علم من إدريس ما لا أعلم أنا فاحتمله ملك الموت فأدخله الجنة فكان فيها ما شاء الله فقال له ملك الموت : اخرج بنا
قال : لا
قال الله : أفما نحن بميتين إلا موتنا الأولى الصافات آية 58 وقال الله : وما هم منها بمخرجين الحجرات آية 48 وما أنا بخارج منها قال ملك الموت : يا رب قد تسمع ما يقول عبدك إدريس
قال الله له : صدق عبدي هو أعلم منك فاخرج منها ودعه فيها
فقال الله : ورفعناه مكانا عليا
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا مريم آية 57 - 58 قال : كان إدريس أول نبي بعثه الله في الأرض وإنه كان يعمل فيرفع عمله مثل نصف أعمال الناس ثم إن ملكا من الملائكة أحبه فسأل الله أن يأذن له فيأتيه فأذن له فأتاه فحدثته بكرامته على الله فقال : يا أيها الملك أخبرني كم بقي من أجلي لعلي أجتهد لله في العمل
قال : يا إدريس لا يعلم هذا إلا الله
قال : فهل تستطيع أن تصعد بي إلى السماء ؟ فأنظر في ملك الله فأجتهد لله في العمل
قال : لا إلا أن تشفع
فتشفع فأمر به
فحمله تحت جناحيه فصعد به حتى إذا بلغ السماء السادسة استقبل ملك الموت نازلا من عند الله فقال : يا ملك الموت أين تريد ؟ قال : أقبض نفس إدريس
قال : وأين أمرت أن تقبض نفسه ؟ قال : في السماء السادسة
فذهب الملك ينظر إلى إدريس فإذا هو برجليه يخفقان قد مات فوضعه في السماء السادسة
الآية 58

(5/524)


أخرج ابن أبي حتم عن السدي في قوله : أولئك الين أنعم الله عليهم من النبيين قال : هذه تسمية الأنبياء الذين ذكرهم
أما من ذرية آدم : فإدريس ونوح وأما من حمل مع نوح : فإبراهيم - وأما ذرية إبراهيم : فإسماعيل وإسحق ويعقوب
وأما بني اسرئيل : فموسى هارون وزكريا ويحيى وعيسى
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : واحتبينا قال خلصنا
وأخرج عبد بن حميد عن قيس بن سعد قال : جاء ابن عباس حتى قام على عبيد بن عمير وهو يقص فقال : واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا مريم آية 42 واذكر في الكتاب إسماعيل مريم آية 54 واذكر في الكتاب إدريس الآية
حتى بلغ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين قال ابن عباس : ذكرهم بأيام الله إبراهيم آية 6 وأثن على من أثنى الله عليه
وأخرج ابن أبي الدنيا في البكاء وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن عمر بن الخطاب : أنه قرأ سورة مريم فسجد ثم قال : هذا السجود فأين البكاء ؟
الآية 59 - 65

(5/525)


أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : فخلف من بعدهم خلف قال : هم اليهود والنصارى
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد فخلف من بعدهم خلف قال : من هذه الأمة يتراكبون في الطرق كما تراكب الأنعام لا يستحيون من الناس ولا يخافون من الله في السماء
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة قال : عند قيام الساعة - ذهاب صالح أمة محمد - ينزو بعضهم إلى بعض في الآزقة زناة
وأخرج ابن ابي حاتم عن محمد بن كعب القرظي في قوله : أضاعوا الصلاة يقول : تركوا الصلاة
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود في قوله : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة قال : ليس إضاعتها تركها قد يضيع الإنسان الشيء ولا يتركه ولكن إضاعتها إذا لم يصلها لوقتها
وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم في قوله : أضاعوا الصلاة قال : صلوها لغير وقتها
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن القاسم بن مخيمرة في قوله : أضاعوا الصلاة قال : أخروا الصلاة عن ميقاتها ولو تركوها كفروا
وأخرج ابن أبي حاتم والخطيب في المتفق والمفترق عن عمر بن عبد العزيز في قوله : أضاعوا الصلاة قال : لم يكن إضاعتها تركها ولكن أضاعوا المواقيت
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال : والله إني لأجد صفة المنافقين في التوراة : شرابين للقهوات : تباعين للشهوات لعانين للكعبات رقادين عن العتمات مفرطين في الغدوات تراكين للصلوات تراكين للجمعات ثم تلا هذه الآية فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن الأشعث قال : أوحى الله إلى داود عليه السلام : أن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عني محجوبة
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : اغتسلت أنا وآخر فرآنا عمر بن الخطاب وأحدنا ينظر إلى صاحبه فقال : إني لأخشى

(5/526)


أن تكونا من الخلف الذين قال الله فيهم : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا
وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم وتلا هذه الآية فخلف من بعدهم خلف فقال : يكون خلف من عبد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ثم يكون خلف : يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم ويقرأ القرآن ثلاثة : مؤمن ومنافق وفاجر
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " سيهلك من أمتي أهل الكتاب وأهل اللين " قلت يا رسول الله : ما أهل الكتاب ؟ قال : " قوم يتعلمون الكتاب يجادلون به الذين آمنوا " فقلت : ما أهل اللين ؟ قال : قوم يتبعون الشهوات ويضيعون الصلوات
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والحكم وصححه عن عائشة أنها كانت ترسل بالصدقة لأهل الصدقة وتقول : لا تعطوا منها بربريا ولا بربرية فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : هم الخلف الذين قال الله : فخلف من بعدهم خلف
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " يكون في أمتي من يقتل على الغضب ويرتشي في الحكم ويضيع الصلوات ويتبع الشهوات ولا ترد له راية " قيل : يا رسول الله أمؤمنون هم ؟ قال : بالإيمان يقرؤون
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : فسوف يلقون غيا قال : خسرا
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث من طرق عن ابن مسعود في قوله : فسوف يلقون غيا قال : الغي نهر أو واد من جهنم من قيح بعيد القعر خبيث الطعم يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في البعث عن البراء بن عازب في الآية قال : الغي واد في جهنم بعيد القعر منتن الريح
وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي أمامة

(5/527)


قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لو أن صخرة زنة عشرة أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفا ثم تنتهي إلى غي وأثام قلت : ما غي وأثام ؟ قال : نهران في أسفل جهنم يسيل فيها صديد أهل النار وهم اللذان ذكر الله في كتابه فسوف يلقون غيا ومن يفعل ذلك يلقى أثاما الفرقان آية 68
وأخرج ابن مردويه من طريق نهشل عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " الغي واد في جهنم "
وأخرج البخاري في تاريخه عن عائشة في قوله : غيا قالت : نهر في جهنم
وأخرج ابن المنذر عن شقي بن ماتع قال : إن في جهنم واديا يسمى غيا يسيل دما وقيحا فهو لمن خلق له
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : يلقون غيا قال : سوءا إلا من تاب قال : من ذنبه وآمن قال : بربه وعمل صالحا قال : بينه وبين الله
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : لا يسمعون فيها لغوا قال باطلا
وأخرج عبد بن حميد وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : لايسمعون فيها لغوا قال : لا يستبون
وفي قوله : لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا قال : ليس فيها بكرة ولا عشي يؤتون به على النحو الذي يحبون من البكرة والعشي
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا قال : يؤتون به في الآخرة على مقدار ما كانوا يؤتون به في الدنيا
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الوليد بن مسلم قال : سألت زهير بن محمد عن قوله : ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا قال : ليس في الجنة ليل ولا شمس ولا قمر هم في نور أبدا ولهم مقدار الليل والنهار يعرفون مقدار

(5/528)


الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق أبان عن الحسن وأبي قلابة قالا : قال رجل : يا رسول الله هل في الجنة من ليل ؟ قال : وما هيجك على هذا ؟ ! قال : سمعت الله يذكر في الكتاب ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا فقلت الليل من البكرة والعشي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ليس هناك ليل وإنما هو ضوء نور يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو وتأتيهم طرف الهدايا من الله لمواقيت الصلوات التي كانوا يصلون فيها في الدنيا وتسلم عليهم الملائكة "
وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير قال : كانت العرب في زمانها إنما لها أكلة واحدة فمن أصاب اثنتين سمي فلانا الناعم
فأنزل الله تعالى يرغب عباده فيما عنده ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : كانوا يعدون النعيم أن يتغدى الرجل ثم يتعشى
قال الله لأهل الجنة : ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ما من غداة من غدوات الجنة كل الجنة غدوات إلا أن يزف إلى ولي الله تعالى فيها زوجة من الحور العين أدناهن التي خلقت من زعفران "
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ تلك الجنة التي نورث بالنون مخففة
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شودب في قوله : وتلك الجنة التي نورث من عبادنا قال : ليس من أحد إلا وله في الجنة منزل وأزواج فإذا كان يوم القيامة ورث الله المؤمن كذا وكذا منزلا من منازل الكفار
فذلك قوله : من عبادنا
وأخرج ابن ابي حاتم عن داود بن أبي هند في قوله : من كان تقيا قال : موحدا
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس

(5/529)


قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لجبريل : " ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا " فنزات : وما نتنزل إلا بأمر ربك إلى آخر الآية
زاد ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم فكان ذلك الجواب لمحمد
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : سئل النبي صلى الله عليه و سلم - أي البقاع أحب إلى الله وأيها أبغضها إلى الله ؟ قال : ما أدري حتى أسأل جبريل وكان قد أبطأ عليه فقال : لقد أبطأت علي حتى ظننت أن بربي علي موجدة !
فقال : وما نتنزل إلا بأمر ربك
وأخرج عبد بن حميد وابن ابي حاتم عن عكرمة قال : أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه و سلم أربعين يوما ثم نزل فقال له النبي صلى الله عليهه وسلم : " ما نزلت حتى اشتقت إليك " فقال له جبريل : " أنا كنت إليك أشوق ولكني مأمور " فأوحى الله إلى جبريل أن قل له : وما نتنزل إلا بأمر ربك
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه و سلم بمكة حتى حزن واشتد عليه فشكا إلى خديجة فقالت خديجة : لعل ربك قد ودعك أو قلاك فنزل جبريل بهذه الآية : ما ودعك ربك وما قلى الضحى آية 2 قال : يا جبريل احتبست عني حتى ساء ظني فقال جبريل : وما نتنزل إلا بأمر ربك
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال : لبث جبريل عن النبي صلى الله عليه و سلم اثنتي عشرة ليلة فلما جاءه قال : " لقد رثت حتى ظن المشركون كل ظن " فنزلت الآية
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : أبطأت الرسل على رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم أتاه جبريل فقال : " ما حبسك عني ؟ " قال : كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم ولا تنقون براجمكم ولا تأخذون شواربكم ولا تستاكون وقرأ وما نتنزل إلا بأمر ربك
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه و سلم فوجد رسول الله صلى الله عليه و سلم من ذلك وحزن فأتاه جبريل وقال : يا محمد : وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا يعني من الدنيا وما خلفنا يعني من الآخرة

(5/530)


وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة له ما بين أيدينا قال : الدنيا وما خلفنا قال : الآخرة
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه له ما بين أيدينا قال : من أمر الآخرة وما خلفنا من أمر الدنيا وما بين ذلك ما بين الدنيا والآخرة
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه وما بين ذلك قال : ما بين النفختين
وأخرج هناد وابن المنذر عن أبي العالية وما بين ذلك قال : ما بين النفختين
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي وما كان ربك نسيا قال : وما كان ربك لينساك يا محمد
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبزار والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه والحاكم وصححه عن أبي الدرداء رفع الحديث قال : ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عافية فأقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا
ثم تلا وما كان ربك نسيا
وأخرج ابن مردويه من حديث جابر مثله
وأخرج الحاكم عن سلمان سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن السمن والجبن ؟ والفراء فقال : " الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه "
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : هل تعلم له سميا قال : هل تعلم للرب مثلا أو شبها
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما هل تعلم له سميا قال : ليس أحد يسمى الرحمن غيره
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله : هل تعلم له سميا يا محمد هل تعلم لإلهك من ولد ؟

(5/531)


وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله : هل تعلم له سميا قال : هل تعلم له ولد ؟ قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم
أما سمعت الشاعر وهو يقول : أما السمي فأنت منه مكثر والمال مال يغتدي ويروح
الآية 66 - 79 أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله : ويقول الإنسان الآية قال : قالها العاصي بن وائل

(5/532)


وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ لسوف أخرج برفع الألف أولا يذكر الإنسان خفيفة بنصب الياء ورفع الكاف
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : جثيا قال : قعودا
وفي قوله عتيا قال : معصية
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : عتيا قال : عصيا
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال : لا أدري كيف قرأ النبي صلى الله عليه و سلم عتيا أو جثيا فإنهما جميعا بالضم
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد والبيهقي في البعث عن عبد الله بن باباه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين "
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ جثيا برفع الجيم وعتيا برفع العين وصليا برفع الصاد
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله : حول جنم جثيا قال : قياما
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ثم لننزعن قال لنبدأن
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : ثم لننزعن الآية : قال : لننزعن من كل أهل دين قادتهم ورؤوسهم في الشر
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله : أيهم أشد على الرحمن عتيا قال : في الدنيا
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الأحوص ثم لننزعن من كل شيعة الآية
قال : يبدأ بالأكابر فالأكابر جرما
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن مسعود قال : يحشر الأول على الآخر حتى إذا تكاملت العدة أثارهم جميعا ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرما ثم قرأ فوربك لنحشرنهم إلى قوله : عتيا
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد في قوله : لننزعن من كل شيعة قال : من كل أمة أشد على الرحمن عتيا قال : كفرا

(5/533)


وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله : ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا يقول : إنهم أولى بالخلود في جهنم
وأخرج الحرث بن أبي أسامة وابن جرير بسند حسن عن ابن عباس قال : إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وزيد في سعتها كذا وكذا وجمع الخلائق بصعيد واحد جنهم وإنسهم فإذا كان ذلك اليوم قيضت هذه السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض ولأهل السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض جنهم وإنسهم بضعف فإذا نثروا على وجه الأرض فزعوا إليهم فيقولون : أفيكم ربنا ؟ فيفزعون من قولهم ويقولون : سبحان ربنا ! ليس فينا وهو آت
ثم تقاض السماء الثانية ولأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل السماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم فإذا نثروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون : أفيكم ربنا ؟ فيفزعون من قولهم ويقولون : سبحان ربنا ! ليس فينا وهو آت ثم تقاض السموات : سماء سماء كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السموات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف فإذا نثروا على أهل الأرض يفزع إليهم أهل الأرض فيقولون لهم مثل ذلك فيرجعون إليهم مثل ذلك حتى تقاض السماء السابعة فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سموات ومن جميع أهل الأرض بضعف فيجيء الله فيهم والأمم جثي صفوف فينادي مناد : ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم ليقم الحمادون لله على كل حال فيقومون فيسرحون إلى الجنة ثم ينادي الثانية : ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون السجدة آية 16 فيقومون فيسرحون إلى الجنة ثم ينادي الثالثة ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم ؟ أين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار النور آية 37 فيقومون فيسرحون إلى الجنة
فإذا أخذ كل من هؤلاء ثلاثة خرج عنق من النار فأشرف

(5/534)


على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول : إني وكلت منكم بثلاثة : بكل جبار عنيد فتلتقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم فتحبس بهم في جهنم ثم تخرج ثانية فتقول : إني وكلت منكم بمن آذى الله تعالى ورسوله فتلتقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم فتحبس بهم في جهنم ثم تخرج ثالثة فتقول : إني وكلت بأصحاب التصاوير فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم فتحبس بهم في جهنم فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة ومن هؤلاء ثلاثة : نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سمية قال : اختلفنا في الورود فقال بعضنا : لا يدخلها مؤمن وقال بعضهم : يدخلونها جميعا ثم ينجي الله الذين اتقوا فلقيت جابر بن عبد الله فذكرت له فقال : وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى أن للنار ضجيجا من بردهم ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن مجاهد قال : خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس فقال ابن عباس : الورود الدخول : وقال نافع : لا
فقرأ ابن عباس إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون الأنبياء آية 98 وقال : وردوا أم لا وقرأ يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار هود آية 98 أوردوا أم لا أما أنا وأنت فسندخلها فانظر هل نخرج منها أم لا
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وإن منكم إلا واردها قال : يردها البر والفاجر
ألم تسمع قوله : فأوردهم النار وبئس الورد المورود هود آية 98 وقوله : ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا مريم آية 86

(5/535)


وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس : أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم كانوا يطلبون العاص بن وائل بدين فأتوه يقايضونه فقال : ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا ومن كل الثمرات ؟ قالوا : بلى
قال : فإن موعدكم الآخرة
والله لأوتين مالا وولدا ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به
فقال الله : أفرأيت الذي كفر بآياتنا الآيات
وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن قال : كان لرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم دين على رجل من المشركين فأتاه يتقاضاه فقال ألست مع هذا الرجل ؟ قال : نعم
قال أليس يزعم أن لكم جنة ونارا وأموالا وبنين ؟ قال : بلى
قال : اذهب فلست بقاضيك إلا ثمة
فأنزلت أفرأيت الذي كفر بآياتنا إلى قوله : ويأتينا فردا
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي اله عنه في قوله : أطلع المغيب يقول : أطلعه الله الغيب ؟ يقول : ماله فيه أم اتخذ عند الرحمن عهدا بعمل صالح قدمه
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أم اتخذ عند الرحمن عهدا قال : لا إله إلا الله يرجو بها
والله أعلم
الآية 80 - 82 أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : ونرثه ما يقول قال : ماله وولده
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : ونرثه ما يقول قال : ماله وولده وذاك الذي قال العاص بن وائل
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله : ونرثه ما يقول قال : ما عنده
وهو قوله : لأوتين مالا وولدا في حرف ابن مسعود ونرثه ما عنده ويأتينا فردا لا مال له ولا ولد

(5/536)


وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نهيك أنه قرأ كلا سيكفرون بعبادتهم برفع الكاف
قال : يعني الآلهة كلها إنهم سيكفرون بعبادتهم
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : ويكونون عليهم ضدا قال : أعوانا
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : ويكونون عليهم ضدا قال : أوثانهم يوم القيامة في النار تكون عليهم عونا يعني أوثانهم تخاصمهم وتكذبهم يوم القيامة في النار
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : ويكونون عليهم ضدا قال : حسرة
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة مثله
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : ويكونون عليهم ضدا قال : قرناء في النار يلعن بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من بعض
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله : ويكونون عليهم ضدا قال : أعداء
وأخرج ابن الأنباري في الوقف عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : ويكونون عليهم ضدا ما الضد ؟ قال : قال فيه حمزة بن عبد المطلب : وإن تكونوا لهم ضدا نكن لكم ضدا بغلباء مثل الليل مكتوم
الآية 83 - 87 أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا قال : تغويهم إغواء

(5/537)


وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : وتؤزهم قال : تحرض المشركين على محمد وأصحابه
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : وتؤزهم أزا تشليهم أشلاء
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله : تؤزهم أزا قال : تزعجهم إزعاجا إلى معاصي الله
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله : ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا قال : كقوله : ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا الزخرف آية 36
وأخرج ابن الأنباري في الوقف عن ابن عباس : أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله : تؤزهم أزا قال : توقدهم وقودا
قال فيه الشاعر : حكيم أمين لا يبالي بخلبة إذا أزه الأقوام لم يترمرم وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : إنما نعد لهم عدا يقول : أنفاسهم التي يتنفسون في الدنيا فهي معدودة كسنهم وآجالهم
وأخرج عبد بن حميد عن أبي جعفر محمد بن علي في قوله : إنما نعد لهم عدا قال : كل شيء حتى النفس
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله : يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا قال : ركبانا
وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي هريرة يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا قال : على الإبل
وأخرج عبد بن حميد عن أبي سعيد رضي الله عنه يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا قال : على نجائب رواحلها من زمرد وياقوت ومن أي لون شاء
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله : يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا قال : إلى الجنة
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا قال : يفدون إلى ربهم فيكرمون ويعطون ويحيون ويشفعون
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال

(5/538)


رسول الله صلى الله عليه و سلم : " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق : راغبين وراهبين وإثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا "
وأخرج ابن مردويه عن علي عن النبي صلى الله عليه و سلم في قوله : يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا قال : أما والله ما يحشرون على أقدامهم ولا يساقون سوقا ولكنهم يؤتون من الجنة لم تنظر الخلائق إلى مثلها : رحالها الذهب وأزمتها الزبرجد فيقعدون عليها حتى يقرعوا باب الجنة
وأخرج ابن ابي شيبة وعبد الله بن أحمد وفي زوائد المسند وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن علي رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفددا فقال : أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم ولا يساقون سوقا ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة لم تنظر الخلائق إلى مثلها عليها رحال الذهب وأزمتها الزبرجد فيركبون عليها حتى يطرقوا باب الجنة
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن علي قال : سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن هذه الاية يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا قلت : يا رسول الله هل الوفد إلا الركب ؟ قال النبي صلى الله عليه و سلم : " والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة وعليها رحال الذهب شرك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مثل مد البصر وينتهون إلى باب الجنة فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب وإذا شجرة على باب الجنة ينبع من أصلها عينان فإذا شربوا من إحدى العينين فتغسل ما في بطونهم من دنس ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعراهم بعدها أبدا فيضربون بالحلقة على الصفيحة فلو سمعت طنين الحلقة يا علي فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل فتستخفها العجلة فتبعث قيمها فيفتح له الباب فإذا رآه خر له ساجدا فيقول : ارفع راسك فإنما أنا قيمك وكلت بأمرك
فيتبعه ويقفو أثره فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه ثم تقول : أنت حبي وأنا حبك وأنا الراضية فلا أسخط أبدا وأنا الناعمة فلا أبأس أبدا وأنا الخالدة فلا أموت أبدا وأنا المقيمة فلا أظعن أبدا فيدخل بيتا

(5/539)


من أساسه إلى سقفه مائة ألف ذراع بني على جندل اللؤلؤ والياقوت طرائق حمر وطرائق خضر وطرائق صفر ما منها طريقة تشاكل صاحبتها
وفي البيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون فراشا عليها سبعون زوجة على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الحلل يقضى جماعهن في مقدار ليلة من لياليكم هذه تجري من تحتهم الأنهار أنهار مطردة أنهار من ماء غير آسن محمد آية 15 صاف ليس فيه كدور وأنهار من لبن لم يتغير طعمه محمد آية 15 ولم يخرج من ضروع الماشية
وأنهار من خمر لذة للشاربين محمد آية 15 لم يعصرها الرجال بأقدامها
وأنهار من عسل مصفى محمد آية 15 لم يخرج من بطون النحل فيستحلي الثمار فإن شاء أكل قائما وإن شاء أكل قاعدا وإن شاء أكل متكئا فيشتهي الطعام فيأتيه طير بيض أجنحتها فيأكل من جنوبها أي لون شاء ثم تطير فتذهب فيدخل الملك فيقول : سلام عليكم الزمر آية 73 تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون الأعراف آية 43
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مسلم بن جعفر البجلي قال : سمعت أبا معاذ البصري : أن عليا قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم : " والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون بنوق لها أجنحة عليها رحال الذهب شرك نعالهم نور تلألأ كل خطوة منها مد البصر فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان فيشربون من أحداهما فيغسل ما في بطونهم من دنس ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدا وتحري عليهم نضرة النعيم فيأتون باب الجنة فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب فيضربون بالحلقة على الصفحة فيسمع لها طنين فيبلغ كل حوراء : أن زوجها قد اقبل فتبعث قيمها فيفتح له فإذا رآه خر له ساجدا فيقول : ارفع رأسك إنما أنا قيمك وكلت بأمرك فيتبعه ويقفو أثره فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه ثم تقول : أنت حبي وأنا حبك وأنا الخالدة التي لا أموت وأنا الناعمة التي لا أبأس وأنا الراضية التي لا أسخط وأنا المقيمة التي لا أظعن فيدخل بيتا من أسه إلى سقفه مائة ألف ذراع بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق : أصفر وأحمر

(5/540)


وأخضر ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها في البيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون حشية على كل حشية سبعون زوجة على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من باطن الحلل يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه الأنهار من تحتهم تطرد : أنهار من ماء غير آسن محمد آية 15 قال : صاف لا كدر فيه وأنهار من لبن لم يتغير طعمه محمد آية 15 قال : لم يخرج من ضروع الماشية وأنهار من خمر لذة للشاربين محمد آية 15 قال : لم تعصرها الرجال بأقدامها وأنهار من عسل مصفى محمد آية 15 قال : لم يخرج من بطون النحل فيستحلي الثمار فإن شاء أكل قائما وإن شاء أكل قاعدا وإن شاء أكل متكئا
ثم تلا ودانية عليهم ظلالها محمد آية 15 الآية
فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض وربما قال : أخضر فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء ثم يطير فيذهب فيدخل الملك فيقول : سلام عليكم تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله : ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا قال : عطاشا
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله : ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا قال : ظماء إلى النار
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد : ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا قال : متقطعة أعناقهم من العطش
وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة : ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا قال : عطاشا
وأخرج هناد عن الحسن مثله
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا قال : شهادة أن لا إله إلا الله وتبرأ من الحول والقوة ولا يرجو إلا الله

(5/541)


وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله : إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا قال : المؤمنون يومئذ بعضهم لبعض شفعاء
وأخرج ابن أبي شيبة عن مقاتل بن حيان إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا قال : العهد الصلاح
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله : إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا قال : من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من أدخل على مؤمن سرورا فقد سرني ومن سرني فقد اتخذ عند الرحمن عهدا ومن اتخذ عند الرحمن عهدا فلا تمسه النار
إن الله لا يخلف الميعاد "
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قرأ إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا قال : إن الله يقول يوم القيامة : " من كان له عندي عهد فليقم فلا يقوم إلا من قال هذا في الدنيا
قولوا اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنك إن تكلني إلى نفسي تقربني

(5/542)


من الشر وتباعدني من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعله لي عندك عهدا تؤديه إلي يوم القيامة إنكى لا تخلف الميعاد "
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من جاء بالصلوات الخمس يوم القيامة - قد حافظ على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها لم ينقص منها شيئا - جاء له عند الله عهد أن لا يعذبه ومن جاء قد انتقص منهن شيئا فليس له عند الله عهد إن شاء رحمه وإن شاء عذبه "
وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي بكر الصديق قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من قال في دبر كل صلاة - بعدما سلم - هؤلاء الكلمات : كتبه ملك في رق فختم بخاتم ثم دفعها إلي يوم القيامة فإذا بعث الله العبد من قبره جاءه الملك ومعه الكتاب ينادي : أين أهل العهود ؟ حتى تدفع إليهم والكلمات أن تقول : اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم - إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل رحمتك لي عهدا عندك تؤديه إلي يوم القيامة : إنك لا تخلف الميعاد " وعن طاوس : أنه أمر بهذه الكلمات فكتبت في كفنه
الآية 88 - 97 أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : لقد جئتم شيئا إدا قال : قولا عظيما
وفي قوله : تكاد السموات يتفطرن منه الآية
قال : إن الشرك فزعت منه السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين وكادت تزول منه لعظمة الله : وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين
وفي قوله : تخر الجبال هدا قال : هدما
وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان من طريق عون عن ابن مسعود قال : إن الجبل لينادي الجبل باسمه يا فلان هل مر بك اليوم أحد ذكر الله ؟ فإذا قال نعم استبشر
قال عون : أفيسمعن الزور إذا قيل ولا يسمعن الخير ؟ ! هي للخير أسمع
وقرأ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا الآيات
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن محمد بن المنكدر قال : بلغني أن الجبلين إذا

(5/543)


أصبحا نادى أحدهما صاحبه يناديه باسمه فيقول : أي فلان هل مر بك ذاكر لله ؟ فيقول : نعم
فيقول : لقد أقر الله عينك ولكن ما مر بي ذاكر لله عز و جل اليوم
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي أمامة : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قرأ " تكاد السموات ينفطرن " بالياء والنون وتخر الجبال بالتاء
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله : يتفطرن منه قال : الإنقطار الإنشقاق
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله : تكاد السموات يتفطرن منه قال : يتشققن من عظمة الله
وأخرج ابن المنذر عن هرون قال : في قراءة ابن مسعود تكاد السموات ينفطرن بالياء
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن عوف : أنه لما هاجر إلى المدينة - وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة منهم : شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف فأنزل الله إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا
وأخرج ابن مردويه والديلمي عن البراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعلي : " قل : اللهم اجعل لي عندك عهدا واجعل لي عندك ودا واجعل لي في صدور المؤمنين مودة فأنزل الله إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا قال : فنزلت في علي
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت في علي بن أبي طالب إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا قال : محبة في قلوب المؤمنين
وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه عن علي قال : سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن قوله : سيجعل لهم الرحمن ودا ما هو ؟ قال : المحبة في قلوب المؤمنين والملائكة المقربين
يا علي إن الله أعطى المؤمن ثلاثا
المنة والمحبة والحلاوة والمهابة في صدور الصالحين

(5/544)


وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله : سيجعل لهم الرحمن ودا قال : محبة في الناس في الدنيا
وأخرج هناد عن الضحاك سيجعل لهم الرحمن ودا قال : محبة في صدور المؤمنين
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس سيجعل لهم الرحمن ودا قال : يحبهم ويحبونه
وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إذا أحب الله عبدا نادى جبريل : أني قد أحببت فلانا فأحبه
فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قول الله : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل : إني قد أبغضت فلانا فينادي في أهل السماء ثم تنزل له البغضاء في أهل الأرض
وأخرج ابن مردويه عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " إن العبد ليلتمس مرضاة الله فلا يزال كذلك فيقول الله لجبريل : إن عبدي فلانا يلتمس أن يرضيني فرضائي عليه فيقول جبريل : رحمة الله على فلان ويقوله حملة العرش ويقوله الذين يلونهم حتى يقوله أهل السموات السبع ثم يهبط إلى الأرض " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وهي الآية التي أنزل الله في كتابه إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا " وإن العبد ليلتمس سخط الله فيقول الله : يا جبريل إن فلانا يسخطني ألا وإن غضبي عليه فيقول جبريل : غضب الله على فلان ويقوله حملة العرش ويقوله من دونهم حتى يقوله أهل السموات السبع ثم يهبد إلى الأرض "
وأخرج عبد بن حميد عن كعب قال : أجد في التوراة : أنه لم تكن محبة لأحد من أهل الأرض حتى تكون بدؤها من الله تعالى - ينزلها على أهل الأرض ثم قرأت القرآن فوجدت فيه إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا
وأخرج الحيكم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس بسند ضعيف : أن

(5/545)


رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " إن الله أعطى المؤمن ثلاثة : المقة والملاحة والمودة والمحبة في صدور المؤمنين " ثم تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : كتب أبو الدرداء إلى مسلمة بن مخلد سلام عليك أما بعد : فإن العبد إذا عمل بطاعة الله أحبه الله فإذا أحبه الله حببه إلى عباده وإن العبد إذا عمل بمعصية الله أبغضه الله فإذا أبغضه الله بغضه إلى عباده
وأخرج الحيكم الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لكل عبد صيت فإن كان صالحا وضع في الأرض وإن كان شيئا وضع في الأرض "
وأخرج أحمد والحكيم الترمذي عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إن المقة من الله والصيت من السماء فإذا أحب الله عبدا قال لجبريل : إني أحب فلانا فينادي جبريل : إن ربكم يحب فلانا فأحبوه فتنزل له المحبة في الأرض وإذا أبغض عبدا قال لجبريل : إني أبغض فلانا فأبغضه فينادي جبريل : إن ربكم يبغض فلانا فأبغضوه فيجري له البغض في الأرض
وأخرح ابن جرير عن ابن عباس في قوله : وتنذر به قوما لدا قال : فجارا
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله : لدا قال : صما
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله : لدا قال : خصماء
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله : قوما لدا قال : جدلا بالباطل
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قوما لدا قال : هم قريش
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد لدا قال : لا يستقيمون
الآية 98

(5/546)


أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله : هل تحس منهم من أحد قال : هل ترى منهم من أحد
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ هل تحس منهم برفع التاء وكسر الحاء ورفع السين ولا يدغمها
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله تعالى : هل تحس منهم من أحدا أو تسمع لهم ركزا قال : هل ترى عينا أو تسمع صوتا
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الآية قال : ذهب القوم فلا صوت ولا عين
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : ركزا قال : صوتا
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله : ركزا فقال : حسا
قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم
أما سمعت قول الشاعر : وقد توجس ركزا متفقد ندس بنية الصوت ما في سمعه كذب

(5/547)


بسم الله الرحمن الرحيم
20
- سورة طه
مكية وآياتها خمس وثلاثون ومائة
مقدمة سورة طه أخرج النحاس وابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت سورة طه بمكة
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال : نزلت سورة طه بمكة
وأخرج الدارمي وابن خزيمة في التوحيد والعقيلي في الضعفاء والطبراني في الأوسط وابن عدي وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إن الله تبارك وتعالى قرأ طه ويس قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام " فلما سمعت الملائكة القرآن قالت : طوبى لأمة ينزل عليها هذا وطوبى لأجواف تحمل هذا وطوبى لألسنة تتكلم بهذا
وأخرج الديلمي عن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم نحوه
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " أعطيت السورة التي ذكرت فيها الأنعام من الذكر الأول وأعطيت طه والطواسيم من ألواح موسى وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم البقرة من تحت العرش وأعطيت المفصل نافلة "
وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " كل قرآن يوضع على أهل الجنة فلا يقرؤون منه شيئا إلا طه ويس فإنهم يقرؤون بهما في الجنة "
الآية 1 - 11

(5/548)


أخرج ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه و سلم أول ما أنزل عليه الوحي كان يقوم على صدور قدميه إذا صلى فأنزل الله : طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى
وأخرج ابن مردويه وابن جرير عن ابن عباس قال : قالوا لقد شقي هذا الرجل بربه فأنزل الله : طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قام من الليل يربط نفسه بحبل كي لا ينام فأنزل الله عليه طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال : كان النبي صلى الله عليه و سلم يربط نفسه ويضع إحدى رجليه على الأخرى فنزلت : طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى
وأخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال : لما نزل على النبي صلى الله عليه و سلم يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا سورة المزمل آية 1 قام الليل كله حتى تورمت قدماه فجعل يرفع رجلا ويضع رجلا فهبط عليه جبريل فقال : طه يعني : الأرض بقدميك يا محمد ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى وأنزل فاقرؤوا ما تيسر من القرآن
وأخرج البزار بسند حسن عن علي قال : كان النبي صلى الله عليه و سلم يراوح بين قدميه يقوم على كل رجل حتى نزلت ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس قال : كان النبي صلى الله عليه و سلم

(5/549)


إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى فأنزل الله طه يعني طأ الأرض يا محمد ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى
وأخرج ابن مردويه عن بان عباس في قوله : طه قال : إن رسول الله صلى الله عليه و سلم ربما قرأ القرآن إذا صلى قام على رجل واحدة فأنزل الله طه برجليك ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال : لما أنزل الله القرآن على النبي صلى الله عليه و سلم قام به وأصحابه فقال له كفار قريش : ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى به
فأنزل الله طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : طه قال : يا رجل
وأخرج الحارث بن أبي أسامة وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : طه بالنبطية أي طا يا رجل
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : طه بالنبطية أي طا يا رجل
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : طه قال : هو كقولك يا رجل
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة قال : طه يا رجل بالنبطية
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال : طه بالنبطية يا رجل
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك قال : طه يا رجل بالنبطية
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : طه يا رجل بالسريانية
وأخرج الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : طه قال : هو كقولك يا محمد بلسان الحبش
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله : طه قال : هو كقولك يا رجل : بلسان الحبشة
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله : طه قال : كلمة عربت
وأخرج عن مجاهد قال : طه فواتح السور

(5/550)


وأخرج عن محمد بن كعب طه قال : الطاء من ذي الطول
وأخرج ابن مردويه عن أبي الطفيل قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن لي عشرة أسماء عند ربي قال أبو الطفيل : حفظت منها ثمانية : محمد وأحمد وأبو القاسم والفاتح والخاتم والماحي والعاقب والحاشر وزعم سيف أن أبا جعفر قال : الإسمان الباقيان طه ويس
وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه عن زر قال : قرأ رجل على ابن مسعود طه مفتوحة فأخذها عليه عبد الله طه مكسورة فقال له الرجل : إنها بمعنى ضع رجلك
فقال عبد الله : هكذا قرأها النبي صلى الله عليه و سلم وهكذا أنزلها جبريل
وأخرج ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قال : أول سورة تعلمتها من القرآن طه وكنت إذا قرأت طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى قال النبي صلى الله عليه و سلم : " لا شقيت يا عائش "
وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله : طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى وكان يقوم الليل على رجليه فهي بلغة لعك إن قلت لعكي يا رجل لم يلتفت وإذا قلت طه التفت إليك
وأخرج عبد بن حميد عن عروة بن خالد رضي الله عنه قال : سمعت الضحاك وقال رجل من بني مازن بن مالك : ما يخفى علي شيء من القرآن وكان قارئا للقرآن شاعرا فقال له الضحاك : أنت تقول ذلك ؟ أخبرني ما طه ؟ قال : هي من أسماء الله الحسنى
نحو : طسم وحم فقال الضحاك : إنما هي بالنبطية يا رجل
وأخرج ابن المنذر وابن مسعود عن ابن عباس قال : طه قسم أقسمه الله وهو من أسماء الله
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى يقول : في الصلاة هي مثل قوله : فاقرؤوا ما تيسر منه المزمل آية 20 قال : وكانوا يعلقون الحبال بصدروهم في الصلاة

(5/551)


وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى لا والله ما جعله الله شقيا ولكن جعله الله رحمة ونورا ودليلا إلى الجنة إلا تذكرة لمن يخشى قال : إن الله أنزل كتابه وبعث رسله رحمة رحم بها العباد ليذكر ذاكر وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله وهو ذكر أنزله الله فيه حلاله وحرمه
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب وما تحت الثرى ما تحت سبع أرضين
وأخرج ابن أبي حاتم عن ثتادة قال : الثرى كل شيء مبتل
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي : وما تحت الثرى قال : هي الصخرة التي تحت الأرض السابعة وهي صخرة خضراء وهو سجين الذي فيه كتاب الكفار
واخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال : الثرى ما حفر من التراب مبتلا
وأخرج أبو يعلى عن جابر بن عبد الله : أن النبي صلى الله عليه و سلم سئل ما تحت هذه الأرض ؟ قال : الماء
قيل : فما تحت الماء ؟ قال : ظلمة
قيل : فما تحت الظلمة ؟ قال : الهواء
قيل : فما تحت الهواء ؟ قال : الثرى
قيل : فما تحت الثرى ؟ قال : انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد اللله قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك إذ عارضنا رجل مترجب - يعني طويلا فدنا من النبي صلى الله عليه و سلم فأخذ بخطام راحلته فقال : أنت محمد ؟ قال : نعم
قال : إني أريد أن أسألك عن خصال لا يعلمها أحد من أهل الأرض إلا رجل أو رجلان ؟ فقال : سل عما شئت
قال : يا محمد ما تحت هذه ؟ - يعني الأرض - قال : خلق
قال : فما تحتهم ؟ قال : أرض
قال : فما تحتها ؟ قال : خلق ؟ قال : فما تحتهم ؟ قال : أرض حتى انتهى إلى السابعة
قال : فما تحت السابعة ؟ قال : صخرة
قال : فما تحت الصخرة ؟ قال : الحوت
قال : فما تحت الحوت ؟ قال : الماء
قال : فما تحت الماء ؟ قال : الظلمة
قال : فما تحت الظلمة ؟ قال : الهواء
قال : فما تحت الهواء ؟ قال : الثرى
قال : فما تحت الثرى ؟ ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه و سلم بالبكاء ؟ فقال : انقطع علم المخلوقين

(5/552)


عند علم الخالق أيها السائل ما المسؤول بأعلم من السائل
قال : صدقت أشهد أنك رسول الله يا محمد أما إنك لو ادعيت تحت الثرى شيئا لعلمت أنك ساحر كذاب أشهد أنك رسول الله ثم ولى الرجل
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " يا أيها الناس هل تدرون ما هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم
قال : هذا جبريل "
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : يعلم السر وأخفى قال : السر ما أسره ابن آدم في نفسه وأخفى ما خفي ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه فإنه يعلم ذلك كله فعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة وهو كقوله : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة لقمان آية 28
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله : يعلم السر وأخفى قال : السر ما علمته أنت وأخفى ما قذف الله في قلبك مما لم تعلمه
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي بلفظ : يعلم ما تسر في نفسك ويعلم ما تعمل غدا
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله : يعلم السر وأخفى قال : أخفى من السر ما حدثت به نفسك وما لم تحدث به نفسك أيضا مما هو كائن
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : يعلم السر وأخفى قال : الوسوسة والسر العمل الذي تسرون من الناس
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن قال : السر ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى من ذلك ما أسر في نفسه
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في الآية
قال : السر ما تسر في نفسك وأخفى من السر ما لم يكن بعد وهو كائن
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في الآية
قال : السر ما حدث به الرجل أهله وأخفى ما تكلمت به في نفسك
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله : يعلم السر وأخفى قال : السر ما أسررت في نفسك وأخفى ما لم تحدث به نفسك

(5/553)


وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن زيد بن أسلم في قوله : يعلم السر وأخفى قال : يعلم أسرار العباد وأخفى سره فلا نعلمه والله أعلم
وأخرح عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : إني آنست نارا أي أحسست نارا
أو أجد على النار هدى قال : من يهديني
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله : أو أجد على النار هدى قال : من يهديني إلى الطريق وكانوا شاتين فضلوا الطريق
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : أو أجد على النار هدى يقول : من يدل على الطريق
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله : أو أجد على النار هدى قال : يهديه الطريق
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله : أو أجد على النار هدى قال : هاد يهديني إلى الماء
وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال : لما رأى موسى النار انطلق يسير حتى وقف منها قريبا فإذا هو بنار عظيمة : تفور من ورق الشجر خضراء شديدة الخضرة يقال لها العليق لا تزداد النار فيما يرى إلا عظما وتضرما ولا تزداد الشجرة على شدة الحريق إلا خضرة وحسنا ! فوقف ينظر لا يدري ما يصنع إلا أنه قد ظن أنها شجرة تحترق وأوقد إليها موقد فنالها فاحترقت وإنه إنما يمنع النار شدة خضرتها وكثرة مائها وكثافة ورقها وعظم جذعها فوضع أمرها على هذا فوقف وهو يطمع أن يسقط منها شيء فيقتبسه فلما طال عليه ذلك أهوى إليها بضغث في يده وهو يريد أن يقتبس من لهبها فلما فعل ذلك موسى مالت نحوه كأنها تريده فاستأخر عنها وهاب ثم عاد فطاف بها ولم تزل تطمعه ويطمع بها ثم لم يكن شيء بأوشك من خمودها فاشتد عند ذلك عجبه وفكر موسى في أمرها فقال : هي نار ممتنعة لا يقتبس منها ولكنها تتضرم في جوف شجرة فلا تحرقها ثم خمودها على قدر عظمها في أوشك من طرفة عين
فلما رأى ذلك موسى قال : إن لهذه شأنا
ثم وضع أمرها على أنها مأمورة أو مصنوعة لا يدري من أمرها ولا بما أمرت ولا من صنعها ولا لم صنعت فوقف متحيرا لا يدري أيرجع أم يقيم ؟ فبينا هو على ذلك

(5/554)


إذ رمى بطرفه نحو فرعها فإذا هو أشد مما كان خضرة ساطعة في السماء ينظر إليها يغشى الظلام ثم لم تزل الخضرة تنور وتصفر وتبيض حتى صارت نورا ساطعا عمودا بين السماء والأرض عليه مثل شعاع الشمس تكل دونه الأبصار كلما نظر إليه يكاد يخطف بصره فعند ذلك اشتد خوفه وحزنه فرد يده على عينيه ولصق بالأرض وسمع الحنين والوجس
إلا أنه سمع حينئذ شيئا لم يسمع السامعون بمثله عظما ! فلما بلغ موسى الكرب واشتد عليه الهول نودي من الشجرة فقيل : يا موسى فأجاب سريعا وما يدري من دعاه ؟ وما كان سرعة إجابته إلا استئناسا بالإنس فقال لبيك مرارا إني لأسمع صوتك وأحس حسك ولا أرى مكانك فأين أنت ؟ قال : أنا فوقك ومعك وخلفك وأقرب إليك من نفسك
فلما سمع هذا موسى علم أنه لا ينبغي هذا إلا لربه فأيقن به فقال : كذلك أنت يا إلهي فكلامك أسمع أم رسولك ؟ قال : بل أنا الذي أكلمك فادن مني فجمع موسى يديه في العصا ثم تحامل حتى استقل قائما فرعدت فرائصه حتى اختلفت واضطربت رجلاه وانقطع لسانه وانكسر قلبه ولم يبق منه عظم يحمل آخر فهو بمنزلة الميت إلا أن روح الحياة تجري فيه ثم زحف على ذلك وهو مرعوب حتى وقف قريبا من الشجرة التي نودي منها
فقال له الرب تبارك وتعالى : ما تلك بيمينك يا موسى قال : هي عصاي
قال : ما تصنع بها ؟ - ولا أحد أعلم منه بذلك - قال موسى : أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى قد علمتها وكان لموسى في العصا مآرب كان لها شعبتان ومحجن تحت الشعبتين فإذا طال الغصن حناه بالمحجن وإذا أراد كسره لواه بالشعبتين وكان يتوكأ عليها ويهش بها وكان إذا شاء ألقاها على عاتقه فعلق بها قوسه وكنانته ومرجامه ومخلاته وثوبه وزادا إن كان معه وكان إذا ارتع في البرية حيث لا ظل له ركزها ثم عرض بالوتد بين شعبتيها وألقى فوقها كساءه فاستظل بها ما كان مرتعا وكان إذا ورد ماء يقصر عنه رشاؤه وصل بها وكان يقاتل بها السباع عن غنمه
قال له الرب ألقها يا موسى فظن موسى أنه يقول : ارفضها
فألقاها على وجه الرفض ثم حانت منه نظرة فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون يرى ! يلتمس كأنه يبتغي شيئا يريد أخذه يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيلتقمها ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها عينان توقدان نارا وقد عاد المحجن عرقا فيه

(5/555)


شعر مثل النيازك وعاد الشعبتان فهما مثل القليب الواسع فيه أضراس وأنياب لها صريف فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرا ولم يعقل النمل آية 10 فذهب حتى أمعن ورأى أنه قد أعجز الحية ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه ثم نودي يا موسى أن ارجع حيث كنت فرجع وهو شديد الخوف فقال : خذها بيمينك ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى
قال : وكان على موسى حينئذ مدرعة فجعلها في يده فقال له ملك : أرأيت يا موسى لو أذن الله بما تحاذر ؟ أكانت المدرعة تغني عنك شيئا قال : لا
ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت
فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية ثم سمع حس الأضراس والأنياب ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا تؤكأ بين الشعبتين
قال له ربه : " ادن "
فلم يزل يدينه - حتى شد ظهره بجذع الشجرة
فاستقر وذهبت عنه الرعدة وجمع يديه في العصا وخضع برأسه وعنقه ثم قال له : إني قد أقمتك اليوم في مقام لا ينبغي لبشر بعدك أن يقوم مقامك
إذ أدنيتك وقربتك حتى سمعت كلامي وكنت بأقرب الأمكنة مني فانطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي وإن معك يدي وبصري وإني قد ألبستك جبة من سلطاني لتكمل بها القوة في أمري فأنت جند عظيم من جنودي بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر من نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي وعد من دوني وزعم أنه لا يعرفني وإني لأقسم بعزتي : لولا العذر والحجة التي وضعت بيني وبين خلقي
لبطشت به بطشة جبار - يغضب لغضبه السموات والأرض والجبال والبحار - فإن أمرت السماء حصبته وإن أمرت الأرض ابتلعته وإن أمرت البحار غرقته وإن أمرت الجبال دمرته ولكنه هان علي وسقط من عيني وسعه حلمي واستغنيت بما عندي وحق لي أني أنا الغني لا غني غيري فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاص اسمي وذكره بآياتي وحذره نقمتي وبأسي وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي وقل له فيما بين ذلك : قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وأخبره أني أنا العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة ولا يروعنك ما ألبسته من لباس الدنيا فإن ناصيته بيدي ليس يطرف ولا ينطق ولا يتنفس إلا بإذني

(5/556)


وقل له : أجب ربك فإنه واسع المغفرة فإنه قد أمهلك أربعمائة سنة - في كلها أنت مبارزه بالمحاربة تتشبه وتتمثل به وتصد عباده عن سبيله وهو يمطر عليك السماء وينبت لك الأرض لم تسقم ولم تهرم ولم تفتقر ولم تغلب ولو شاء أن يجعل لك ذلك أو يسلبكه فعل ولكنه ذو أناة وحلم عظيم وجاهده بنفسك وأخيك وأنتما محتسبان بجهاده فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها فعلت ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجموعه : أن الفئة القليلة ولا قليل مني تغلب الفئة الكبيرة بإذني ولا يعجبنكما زينته ولا ما متع به ولا تمدا إلى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين وإني لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة يعلم فرعون - حين ينظر إليها - أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت ولكن أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما وكذلك أفعل بأوليائي وقد نما ما حويت لهم من ذلك فإني لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق غنمه من مواقع الهلكة وإني لأجنبهم شكوها وغنمها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة وما ذاك لهوانهم علي ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا لم تكلمه الدنيا ولم يطغه الهوى واعلم أنه لم يتزين إلي العباد بزينة
هي أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا فإنه زينة المتقين عليهم منه : لباس يعرفون به من السكينة والخشوع سيماهم في وجوههم من أثر السجود الفتح آية 29 " أولئك هم أوليائي حقا فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك واعلم أنه من أهان لي وليا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وبادأني وعرض لي نفسه ودعاني إليها وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي فيظن الذي يحاربني أو يعاديني أن يعجزني أو يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة ؟ ! لا أكل نصرتهم إلى غيري " قال : فأقبل موسى إلى فرعون في مدينة قد جعل حولها الأسد في غيضة قد غرسها والأسد فيها مع ساستها إذا أرسلها على أحد أكلته وللمدينة أربعة أبواب في الغيضة فأقبل موسى من الطريق الأعظم الذي يراه فرعون فلما رأته الأسد صاحت صياح الثعالب فأنكر ذلك الساسة وفرقوا من فرعون فأقبل موسى حتى انتهى إلى الباب الذي فيه فرعون فقرعه بعصاه وعليه جبة من صوف وسراويل فلما رآه البواب عجب من جراءته فتركه ولم يأذن له فقال :

(5/557)


هل تدري باب من أنت تضرب ؟ ! إنما أنت تضرب باب سيدك
قال : أنت وأنا وفرعون عبيد لربي فأنا ناصره فأخبر البواب الذي يليه من البوابين حتى بلغ ذلك أدناهم ودونه سبعون حجابا كل حاجب منهم تحت يده من الجنود ما شاء الله حتى خلص الخبر إلى فرعون فقال : أدخلوه علي فأدخل فلما أتاه قال له فرعون : أعرفك ؟ قال : نعم
قال : ألم نربك فينا وليدا الشعراء آية 18 قال : فرد إليه موسى الذي رد
قال : فرعون خذوه
فبادر موسى فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين الشعراء آية 32 فحملت على الناس فانهزموا منها فمات منهم خمسة وعشرون ألفا قتل بعضهم بعضا وقام فرعون منهزما حتى دخل البيت فقال لموسى : اجعل بيننا وبينك موعدا ننظر فيه
قال : موسى : لم أؤمر بذلك إنما أمرت بمناجزتك وإن أنت لم تخرج إلي دخلت عليك
فأوحى الله إلى موسى : أن اجعل بينك وبينه أجلا وقل له : أن يجعله هو
قال فرعون : اجعله إلى أربعين يوما ففعل
قال : وكان فرعون لا يأتي الخلاء إلا في كل أربعين يوما مرة فاختلف ذلك اليوم أربعين مرة
قال : وخرج موسى من المدينة فلما مر بالأسد خضعت له بأذنابها وسارت مع موسى تشعيه ولا تهيجه ولا أحدا من بني إسرائيل
الآية 12 - 14 أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه في قوله : فاخلع نعليك قال : كانتا من جلد حمار ميت فقيل له اخعلهما
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال : ما بال خلع النعلين في الصلاة ؟ إنما أمر موسى بخلع نعليه إنهما كانتا من جلد حمار ميت

(5/558)


وأخرج عبد بن حميد عن كعب رضي الله عنه في قوله : فاخلع نعليك قال : كان نعلا موسى من جلد حمار ميت فأراد ربك أن يمسه القدس كله
وأخرج ابن أبي حاتم الزهري في قوله : فاخلع نعليك قال : كانتا من جلد حمار أهلي
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال : كانت نعلا موسى التي قيل له اخعلهما : من جلد خنزير
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله : فاخلع نعليك قال كي تمس راحة قدميك الأرض الطيبة
وأخرج الطبراني عن علقمة أن ابن مسعود أتى أبا موسى الأشعري منزله فحضرت الصلاة فقال أبو موسى رضي الله عنه : - تقدم يا أبا عبد الرحمن فإنك أقدم سنا وأعلم
قال : لا
بل تقدم أنت فإنما أتيناك في منزلك فتقدم أبو موسى رضي الله عنه فخلع نعليه فلما صلى قال له ابن مسعود رضي الله عنه : - لم خلعت نعليك ؟ أبالواد المقدس أنت ؟ لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي في الخفين والنعلين
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : إنك بالواد المقدس قال : المبارك طوى قال : اسم الوادي

(5/559)


وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله : بالواد المقدس قال : الطاهر
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله : بالواد المقدس قال : واد بلفلسطين قدس مرتين
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله : بالواد المقدس طوى يعني الأرض المقدسى وذلك أنه مر بواديها ليلا فطوي
يقال : طويت وادي كذا وكذا والطاوي من الليل وارتفع إلى أعلى الوادي وذلك نبي الله موسى عليه السلام
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : إنك بالواد المقدس قال : المبارك : طوى قال : اسم الوادي
وأخرج ابن أبي حاتم عن مبشر بن عبيد طوى بغير نون واد بإيلة زعم أنه طوي بالبركة مرتين
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : طوى قال : طا الوادي
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبي نجيح رضي الله عنه في قوله : طوى قال طا الأرض حافيا كما تدخل الكعبة حافيا
يقول : من بركة الوادي هذا قول سعيد بن جبير
قال : وكان مجاهد رضي الله عنه يقول : طوى اسم الوادي
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله : بالواد المقدس طوى قال : واد قدس مرتين واسمه طوى
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ طوى برفع الطاء وبنون فيها
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " مكتوب على باب الجنة : إنني أنا الله لا إله إلا أنا لا أعذب من قالها "
وأخرج ابن سعد وأبو يعلى والحاكم والبيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال : خرج عمر متقلدا بالسيف فاقيه رجل من بني زهرة فقال له : أين تغدو يا عمر قال : أريد أن أقتل محمدا
قال : وكيف تأمن بني هاشم وبني زهرة ؟ فقال له عمر : ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك ! قال : أفلا أدلك على العجب ؟ ! إن أختك وختنك قد صبآ وتركا دينك فمشى عمرا زائرا حتى أتاهما وعندهما خباب فلما سمع خباب بحس عمر توارى في البيت فدخل عليهما فقال : ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم وكانوا يقرأون طه فقالا : ما عدا حديثا تحدثنا به
قال : فلعلكما قد صبأتما
فقال له خنته : يا عمر إن كان الحق في غير دينك ؟ فوثب عمر على خنته فوطئه وطأ شديدا : فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها فنفخها نفخة بيده فدمى وجهها
فقال عمر : أعطوني الكتاب الذي هو عندكم فأقرأه فقالت أخته : إنك رجس وإنه لا يمسه إلا المطهرون الواقعة آية 79 فقم فتوضأ فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ طه حتى انتهى إلى أنني أنا الله لا

(5/560)


إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري فقال عمر : دلوني على محمد فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت فقال : أبشر يا عمر فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه و سلم لك - ليلة الخميس - " اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمر بن هشام " فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن جبريل عليه السلام قال : قال الله عز و جل أني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني " من جاءني منكم بشهادة أن لا إله إلا الله بالإخلاص دخل حصني ومن دخل حصني أمن عذابي "
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : وأقم الصلاة لذكري قال : إذا صلى عبد ذكر ربه
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم في قوله : وأقم الصلاة لذكري قال : حين تذكر
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن مردويه عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال أقم الصلاة لذكري "
وأخرج الترمذي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما قفل رسول الله صلى الله عليه و سلم من خيبر أسري ليلة حتى أدركه الكرى أناخ فعرس ثم قال : " يا بلال أكلأنا الليلة " قال : فصلى بلال ثم تساند إلى راحلته مستقبل الفجر فغلبته عيناه فنام فلم يستيقظ أحد منهم حتى ضربتهم الشمس وكان أولهم استيقاظا النبي صلى الله عليه و سلم فقال : " أي بلال " فقال بلال : بأبي أنت يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " اقتادوا " ثم أناخ فتوضأ وأقام الصلاة ثم صلى مثل صلاته للوقت في تمكث ثم قال : " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال : أقم الصلاة لذكري وكان ابن شهاب يقرؤها " للذكرى "
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال : سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن رجل غفل عن الصلاة حتى طلعت الشمس أو غربت ما

(5/561)


كفارتها ؟ قال : " يتقرب إلى الله ويحسن وضوءه ويصلي الصلاة ويستغفر الله فلا كفارة لها إلا ذلك " إن الله يقول : أقم الصلاة لذكري
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن سمرة بن يحيى قال : نسيت صلاة العتمة حتى أصبحت فغدوت إلى ابن عباس فأخبرته فقال : قم فصلها ثم قرأ أقم الصلاة لذكري
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إذا نسيت صلاة فاقضها متى ذكرت
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي وإبراهيم في قوله : أقم الصلاة لذكري
قالا : صلها إذا ذكرتها وقد نسيتها
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : من نام عن صلاة أو نسيها يصلي متى ذكرها عند طلوع الشمس وعند غروبها ثم قرأ أقم الصلاة لذكري قال : إذا ذكرتها فصلها في أي ساعة كنت
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم من الحديبية فنزلنا دهاسا من الأرض - والدهاس الرمل - فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من يكلؤنا ؟ قال بلال : أنا فناموا حتى طلعت عليهم الشمس فقال النبي صلى الله عليه و سلم : " افعلوا كما كنتم تفعلون " كذلك لمن نام أو نسي
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جحيفة قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفره الذي ناموا فيه حتى طلعت الشمس ثم قال : " إنكم كنتم أمواتا فرد الله إليكم أرواحكم فمن نام عن الصلاة أو نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها وإذا استيقظ "
الآية 15 - 24

(5/562)


أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : إن الساعة آتية أكاد أخفيها يقول : لا أظهر عليها أحدا غيري
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : إن الساعة آتية أكاد أخفيها قال : أكاد أخفيها من نفسي
وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : أكاد أخفيها قال : من نفسي
وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه قرأ " أكاد أخفيها من نفسي "
يقول : لأنها لا تخفى من نفس الله أبدا
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال : ليس من أهل السموات والأرض أحد إلا وقد أخفى الله عنه علم الساعة وهي في قراءة ابن مسعود " أكاد أخفيها عن نفسي "
يقول : أكتمها من الخلائق حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي فعلت
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال : في بعض القراءة " أكاد أخفيها عن نفسي "
قال : لعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين ومن الأنبياء والمرسلين
وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح في قوله : أكاد أخفيها قال : يخفيها من نفسه
وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري عن ورقاء قال : أقرأنيها سعيد بن جبير أكاد أخفيها يعني بنصب الألف وخفض الفاء
يقول : أظهرها
ثم قال أما سمعت قول الشاعر : دأت شهرين ثم شهرا دميكا ما دميكين يخفيان عميرا

(5/563)


وأخرج ابن الأنباري عن الفراء قال : في قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه " أكاد أخفيها من نفسي فكيف أطلعكم عليها "
وأخرج عبد بن جميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : لتجزى كل نفس بما تسعى قال : لتعطى ثواب ما تعمل
أخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه وابن شبرمة قال : إنما سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس : عصا موسى - قال - : أعطاه إياها ملك من الملائكة إذ توجه إلى مدين فكانت تضيء له بالليل ويضرب بها الأرض فيخرج له النبات ويهش بها على غنمه ورق الشجر
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله : هي عصاي أتوكأ عليها قال : إذا مشى مع غنمه
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله : وأهش بها على غنمي قال : أضرب بها الشجر فيتساقط منه الورق على غنمي
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن ميمون في قوله : وأهش بها على غنمي قال : الهش أن يخبط الرجل بعصاه الشجر فيتساقط الورق
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن ميمون قال : الهش العصا بين الشعبتين ثم يحركها حتى يسقط الورق والخبط أن يخبط حتى يسقط الورق
وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس قال : الهش أن يضع الرجل المحجن في الغصن ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره ولا يكسر العود فهذا الهش ولا يخبط
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله : وأهش بها على غنمي قال : أخبط بها الشجر
ولي فيها مآرب أخرى قال : حاجات أخرى
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : ولي فيها مآرب أخرى قال : حوائج

(5/564)


وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : مآرب أخرى قال : حاجات ومنافع
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله : مآرب أخرى يقول : حوائج أخرى أحمل عليها المزود والسقاء
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : ولي فيها مآرب أخرى قال : كانت تضيء له بالليل وكانت عصا آدم عليه السلام
وأخلاج ابن أبي حاتم عن ابن عباس : فألقاها فإذا هي حية تسعى ولم تكن قبل ذلك حية فمرت بشجرة فأكلتها ومرت بصخرة فابتلعتها فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها ف ولى مدبرا النمل آية 10 والقصص 31 فنودي أن يا موسى خذها فلم يأخذها ثم نودي الثانية أن خذها ولا تخف فقيل له في الثالثة : إنك من الآمنين القصص آية 31 فأخذها
واخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما سنعيدها سيرتها الأولى قال : حالتها الأولى
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : سنعيدها سيرتها الأولى قال : هيئتها الأولى : واضمم يدك إلى جناحك قال : أدخل كفك تحت عضدك تخرج بيضاء من غير سوء قال : من غير برص
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : من غير سوء قال : من غير برص
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال : أخرجها كأنها مصباح فعلم موسى أنه قد لقي ربه ولهذا قال تعالى : ولنريك من آياتنا الكبرى

(5/565)


الآية 25 - 47 أخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن أسماء بنت عميس قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم بإزاء ثبير وهو يقول : " أشرق ثبير أشرق ثبير اللهم إني أسألك بما سألك أخي موسى أن تشرح لي صدري وأن تيسر لي أمري وأن تحل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هرون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا
وأخرج السلفي في الطيوريات بسند واه عن أبي حعفر محمد بن علي قال : لما نزلت واجعل لي وزيرا من أهلي هرون أخي أشدد به أزري كان رسول الله صلى الله عليه و سلم على جبل ثم دعا ربه وقال " اللهم اشدد أزري بأخي علي " فأجابه إلى ذلك
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله

(5/566)


عنه في قوله : واحلل عقدة من لساني قال : عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون تدرأ به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته وهو لا يعقل
قال : هذا عدو لي فقالت امرأته : إنه لا يعقل
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : واجعل لي وزيرا من أهلي هرون أخي قال : كان أكبر من موسى
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية في قوله : أشدد به أزري قال ظهري
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله : أشدد به أزري يقول : أشدد به أمري وقوني به فإن لي به قوة
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وأشركه في أمري قال : نبئ هرون ساعتئذ حين نبئ موسى عليهما السلام
وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة أن عائشة سمعت رجلا يقول : إني لأدري أي أخ في الدنيا كان أنفع لأخيه : موسى حين سأل لأخيه النبوة
فقالت : صدق والله
وأخرج الحاكم عن وهب قال : كان هرون فصيحا بين النطق يتكلم في تؤدة ويقول بعلم وحلم وكان أطول من موسى طولا وأكبرهما في السن وأكثرهما لحما وأبيضهما جسما وأعظمهما ألواحا وكان موسى جعدا آدم طوالا كأنه من رجال شنؤاة ولم يبعث الله نبيا إلا وقد كانت عليه شامة النبوة في يده اليمنى إلا أن يكون نبينا صلى الله عليه و سلم فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود أنه قرأ كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا بنصب الكاف الأولى في كلهن
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش : أنه كان يجزم هذه الكافات كلها
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله : فاقذفيه في اليم قال هو النيل
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وألقيت عليك محبة مني قال : كان كل من رآه ألقيت عليه منه محبة
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سلمة بن كهيل - رضي الله عنه - في قوله : وألقيت عليك محبة مني قال : حببتك إلى عبادي

(5/567)


وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله : وألقيت عليك محبة مني قال : حيث نظرت آسية وجه موسى فرأت حسنا وملاحة فعندها قالت لفرعون : قرة عين لي ولك لا تقتلوه القصص آية 9
وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي رجاء في قوله : وألقيت عليك محبة مني قال : الملاحة والحلاوة
وأخرج ابن عساكر عن قتادة في قوله : وألقيت عليك محبة مني قال : حلاوة في عيني موسى لم ينظر إليه خلق إلا أحبه
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد - رضي الله عنه - قال : كنت مع عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - فتلقاه الناس يسلمون عليه ويحيونه ويثنون عليه ويدعون له - فيضحك ابن عمر - فإذا انصرفوا عنه أقبل علي فقال : إن الناس ليجيئون حتى لو كنت أعطيهم الذهب والفضة ما زادوا عليه ثم تلا هذه الآية وألقيت عليك محبة مني
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نهيك - رضي الله عنه - في قوله : ولتصنع على عيني قال : ولتعمل على عيني
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه في قوله : ولتصنع على عيني قال : تربى بعين الله
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : ولتصنع على عيني قال : ولتغذى على عيني
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية يقول : أنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر إذ تمشي أختك
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والخطيب عن ابن عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ
يقول الله : وقتلت نفسا فنجيناك من الغم
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : فنجيناك من الغم قال : من قتل النفس وفتناك فتونا قال : أخلصناك إخلاصا

(5/568)


وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وفتناك فتونا قال : أبتليناك إبتلاء
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وفتناك فتونا قال : إبتليناك ببلاء نعمة
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وفتناك فتونا قال : اختبرناك إختبارا
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله : وفتناك فتونا قال : بلاء إلقاؤه في التابوت ثم في اليم ثم إلتقاط آل فرعون إياه ثم خروجه خائفا يترقب
وأخرج ابن أبي عمر العدني في مسنده وعبد بن حميد والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : سألت ابن عباس عن قول الله تعالى لموسى عليه السلام : وفتناك فتونا فسألت عن الفتون ما هو ؟ فقال : استأنف النهار يا ابن جبير فإن لها حديثا طويلا فلما أصبحت غدوت على ابن عباس لأتنجز ما وعدني من حديث الفتون فقال : تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله عز و جل - وعد إبراهيم عليه السلام - من أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا
فقال بعضهم : إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكون فيه ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب فلما هلك قالوا : ليس هذا كان وعد الله إبراهيم
قال فرعون : فكيف ترون ؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا - معه الشفار - يطوفون في بني إسرائيل : فلا يجدون مولودا إلا ذبحوه ففعلوا فلما رأوا أن الكبار يموتون بآجالهم وأن الصغار يذبحون قالوا : يوشك أن يفني بنو إسرائيل فتصيروا تباشروا الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقل أبناؤهم
ودعوا عاما لا تقتلوا منهم أحدا فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار فإنهم لن يكثروا فتخافون مكاثرتهم إياكم ولن يفنوا بمن تقتلون فتحتاجون إليهم فأجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهرون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان فولدت علانية آمنة حتى إذا كان في قابل حملت بموسى فوقع في قلبها الهم والحزن فذلك من الفتون يا ابن جبير لما دخل عليه في بطن أمه ما يراد به فأوحى الله إليها أن : لا تخافي ولا تحزني إنا

(5/569)


رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين القصص آية 7 وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم فلما ولدت فعلت ما أمرت به حتى إذا توارى عنها ابنها - أتاها الشيطان - وقالت في نفسها : ما فعلت بابني ؟ ! لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه
فانطلق به الماء حتى أوفى به عند مستقى جواري امرأة فرعون فرأينه فأخذنه فهممن أن يفتحن الباب فقال بعضهن لبعض : إن في هذا لمالا وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه فحملنه بهيئته لم يحركن منه شيئا حتى دفعنه إليها فلما فتحته رأت فيه الغلام فألقي عليها محبة لم تلق منها على أحد من البشر قط وأصبح فؤاد أم موسى فارغا القصص آية 10 من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى
فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون أن يذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت للذباحين : إن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل وإني آتي فرعون فأستوهبه منه فإن وهبه لي فقد أحسنتم وأجملتم وإن أمر بذبحه لم ألمكم فلما أتت به فرعون قالت : قرة عين لي ولك لا تقتلوه القصص آية 9 قال فرعون : يكون لك وأما لي فلا حاجة لي فيه
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : والذي يحلف به لو أقر فرعون بأن يكون قرة عين له كما قالت امرأته لهداه الله به كما هدى به امرأته ولكن الله عز و جل - حرمه ذلك فأرسلت إلى من حولها من كل امرأة لها لبن لتختار له ظئرا فكلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمنتع من اللبن فيموت فأحزنها ذلك فأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئرا يأخذ منها فلم يفعل وأصبحت أم موسى والها فقالت لأخته : قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكرا ؟ أحي أم قد أكلته الدواب ؟ ونسيت الذي كان وعد الله
فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون والجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه وهو لا يشعر به فقالت - من الفرح حين أعياهم الظوائر - هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فأخذوها فقالوا : وما يدريك ما نصحهم له ؟ هل يعرفونه

(5/570)


حتى شكوا في ذلك ؟ وذلك من الفتون يا ابن جبير
فقالت : نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في جانب الملك رجاء شفقته
فتركوها فانطلقت إلى أمه فأخبرتها الخبر فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا وانطلق البشرى إلى امرأة فرعون يبشرونها : إنا قد وجدنا لابنك ظئرا
فأرسلت إليها فأتيت بها وبه فلما رأت ما يصنع قالت لها : امكثي عندي أرضعني أرضعي ؟ ابني هذا - فإني لم أحب حب شيئا قط - قالت : لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا فعلت وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي
فذكرت أم موسى ما كان الله عز و جل وعدها فتعاسرت على امرأة فرعون لذلك وأيقنت أن الله عز و جل منجز وعده
فرجعت بابنها من يومها فأنبته الله نباتا حسنا وحفظه لما قد قضى فيه فلم يزل بنو إسرائيل - وهم يجتمعون في ناحية القرية - يمتنعون به من الظلم والسخرة منذ كان فيهم فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى : أريد أن تريني ابني فوعدتها يوما تزورها فيه به
فقالت لخزانها وجواريها وقهارمتها : لا يبقى منكم اليوم واحد إلا استقبل ابني بهدية وكرامة أرى ذلك فيه وأنا باعثة أمينا يحضر ما صنع كل إنسان منكم فلم تزل الهدايا والنحل والكرامة تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل عليها فلما دخل عليها أكرمته ونحلته وفرحت به وأعجبها ونحلت أمه لحسن أثرها عليه ثم قالت لأنطلقن به إلى فرعون فلينحله وليكرمنه
فلما دخلت به عليه وجعلته في حجره فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض فقالت له الغواة - من أعداء الله - : ألا ترى إلى ما وعد الله إبراهيم ؟ إنه يرثك ويصرعك ويعلوك
فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه
وذلك من الفتون يا ابن جبير بعد كل بلاء ابتلي به وأريد به فتونا
فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون فقالت : ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبته لي ؟ قال : ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني ! ؟ قالت له : اجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن إليه فإن بطش بالؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت أن يعقل وإن هو تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين فاعلم أن أحد لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل
فلما قرب إليه الجمرتين واللؤلؤتين أخذ الجمرتين فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا بدنه
فقال للمرأة : لا يذبح
وصرفه الله عنه بعد أن كان هم به وكان الله بالغ أمره

(5/571)


فيه فلما بلغ أشده - وكان من الرجال - لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا بسخرة حتى امتنعوا كل الإمتناع
فبينما هو يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان - أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون - فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى واشتد غضبه لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم : لا يعلم إلا أن ذلك من الرضاع من أم موسى إلا أن يكون الله تعالى أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع غيره عليه فوكز موسى الفرعوني فقتله وليس يراهما أحد إلا الله وموسى والإسرائيلي
فقال موسى : حين قتل الرجل هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين القصص آية 15 ثم قال ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له وأصبح في المدينة خائفا يترقب القصص آية 17 الأخبار فأتى فرعون فقيل له : إن بني إسرئيل قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم
فقال ائتوني به ومن شهد عليه فإن الملك - وإن كان صفوه مع قومه لا يستقيم له أن يقيد بغير بينة ولا ثبت فاطلبوا علم ذلك آخذ لكم بحقكمز فبينما هم يطوفون فلا يجدون بينة ولا ثبتا إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى قد ندم على ما كان من وكزه الذي رأى فغضب من الإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم وقال : إنك لغوي مبين القصص آية 18 فنظر الإسرائيلي إلى موسى حين قال له ما قال - فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس - فخاف بعدما قال له : إنك لغوي مبين أن يكون إياه أراد وإنما أراد الفرعوني فقال : يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس القصص آية 19 وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله فيتداركا فانطلق الفرعوني إلى قومه فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي حين يقول : أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس القصص آية 19 فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم وجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة القصص آية 20 فاختصر طريقا قريبا حتى سبقهم إلى موسى فأخبره الخبر
وذلك من الفتون يا ابن جبير

(5/572)


فخرج موسى متوجها نحو مدين لم يلق بلاء مثل ذلك وليس له بالطريق علم الأحسن ظنه بربه فإنه قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل القصص آية 22 ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان القصص آية 23 يعني فلم تسقيا غنمهما قال : ما خطبكما القصص آية 23 معتزلتين لا تسقيان مع الناس ؟ قالتا : ليست لنا قوة نزاحم القوم وإنما ننتظر فضول حياضهم فسقى لهما القصص آية 24 فجعل يغرف في الدلو ماء كثيرا حتى كانتا أول الرعاة فراغا - فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما وانصرف موسى إلى شجرة فاستظل بها فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ز فاستنكر أبو الجاريتين سرعة صدورهما بغنمهما حفلا بطانا وقال : إن لكما اليوم لشأنا : فحدثتاه بما صنع موسى
فأمر إحداهما أن تدعوه له فأتته فدعته
فلما كلمه قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين القصص آية 25 ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطانا ولسنا في مملكته
قالت ابنته : يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين القصص آية 26 فحملته الغيرة أن قال : وما يدريك ما قوته ؟ وما أمانته ؟ قالت : أما قوته : فما رأيت منه حين سقى لنا لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه حين سقى لنا : وأمانته : فإنه نظر حين أقبلت إليه وشخصت له فلما علم أني امرأة صوب رأسه ولم يرفعه ولم ينظر إلي حين أقبلت إليه حتى بلغته رسالتك
فقال لي : امشي خلفي وانعتي لي الطريق فلم يقل هذا إلا وهو أمين
فسري عن أبيها وصدقها وظن به الذي قالت
فقال : هل لك أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك القصص آية 27 ففعل وكانت على موسى ثماني حجج واجبة وكانت سنتان عدة منه فقضى الله عدته فأتمها عشرا
قال سعيد : فسألني رجل من أهل النصرانية من علمائهم : هل تدري أي الأجلين قضى موسى ؟ قلت : لا
وأنا يومئذ لا أعلم
فلقيت ابن عباس فذكرت له الذي قال النصراني فقال : أما كنت تعلم أن ثمانيا واجبة ؟ لم يكن موسى لينتقص منها وتعلم أن الله تعالى كان قاضيا عن موسى عدته

(5/573)


التي وعد ؟ فإنه قضى عشرا فأخبرت النصراني فقال : الذي أخبرك بهذا هو أعلم منك
قلت : أجل وأولى ! سار موسى بأهله ورأى من أمر النار ما قص الله عليك في القرآن وأمر العصا ويده فشكا إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه - فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام - فسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون ليكون له ردءا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به فأتاه الله سؤله فحل عقدة من لسانه وأوحى إلى هارون وأمره أن يلقى موسى
فاندفع موسى بالعصا ولقي هارون فانطلقا جميعا إلى فرعون فأقاما ببابه حينا لا يؤذن لهما ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا : إنا رسولا ربك فقال : ومن ربكما يا موسى فأخبراه بالذي قص الله في القرآن
قال : فما تريدان ؟ وذكره بالقتيل فاعتذر بما قد سمعت قال : أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل
فأبى عليه ذلك وقال : ائت بآية إن كنت من الصادقين فألقى بعصاه فتحولت حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون - فلما رأى فرعون أنها قاصدة إليه - خافها فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى : أن يكفها عنه ففعل وأخرج يده من جيبه بيضاء من غير سوء يعني برص ثم أعادها إلى كمه فصارت إلى لونها الأول
فاستشار الملأ فيما رأى فقالوا له : هذان ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى يعنون ملكهم الذي هم فيه والعيش فأبوا على موسى أن يعطوه شيئا مما طلب
وقالوا له : اجمع لهم السحرة - فإنهم بأرضنا كثير - حتى تغلب بسحرهم سحرهما فأرسل فرعون في المدائن حاشرين الشعراء آية 54 فحشر له كل ساحر متعالم فلما أتوا فرعون قالوا : بم يعمل هذا الساحر
قالوا : يعمل بالحيات والحبال
قال : فلا والله ما في الأرض قوم يعملون بالحيات والحبال والعصي بالسحر ما نعمل به ! فما أجرنا إن غلبناه ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصتي وأنا صانع بكم كل شيء أحببتم فتواعدوا ليوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى قال سعيد : فحدثني ابن عباس : إن يوم الزينة - اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة - وهو يوم عاشوراء فلما اجتمعوا في صعيد واحد
قال الناس لبعضهم لبعض : اذهبوا بنا فلنحضر هذا الأمر و نتبع السحرة

(5/574)


إن كانوا هم الغالبين الشعراء آية 40 - يعنون بذلك موسى وهارون استهزاء بهما - فقالوا : يا موسى - لقدرتهم بسحرهم - إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين الأعراف آية 115 قال : ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون الأعراف آية 44 فرأى موسى من سحرهم ما أوجس منه خيفة
فأوحى الله إليه أن ألق عصاك القصص آية 31 فلما ألقاها صارت ثعبانا عظيما فاغرة فاها فجعل العصا بدعوة موسى تلتبس بالحبال حتى صارت ؟ جردا إلى الثعبان حتى تدخل فيه حتى ما أبقت عصا ولا حبلا إلا ابتلعته فلما عاين السحرة ذلك قالوا : لو كان هذا سحرا لم تبتلع من سحرنا كل هذا ! ولكن هذا من أمر الله عز و جل
فآمنا بالله وبما جاء به موسى ونتوب إلى الله عز و جل مما كنا فيه فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه فظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين الأعراف الآية 119 وامرأة فرعون بارزة مبتذلة - تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون - فمن رآها - من آل فرعون ظن أنها تبذلت شفقة على فرعون وأشياعه وإنما كان حزنها وهمها لموسى
فلما طال مكث موسى لمواعد فرعون الكاذبة كلما جاء بآية وعد عندها أن يرسل معه بني إسرائيل فإذا كشف ذلك عنه نكث عهده واختلف وعده حتى أمر موسى بقومه فخرج بهم ليلا
فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا بعث في المدينة وحولها حاشرين فتبعتهم جنود عظيمة كثيرة وأوحى الله إلى البحر : إذا ضربك عبدي موسى فانفرق له اثني عشر فرقا حتى يجوز موسى ومن معه ثم التق بعد على من بقي من قوم فرعون وأشياعه
فنسي موسى أن يضرب بعصاه فدفع إلى البحر وله قصيف مخافة أن يضربه بعصاه وهو غافل فيصير عاصيا فلما تراءى الجمعان وتقاربا قال أصحاب موسى إنا لمدركون الشعراء الآية 61 فافعل ما أمرك به ربك فإنك لم تكذب ولم تكذب
قال : وعدني ربي إذا انتهيت إلى البحر أن ينفرق لي حتى أجوز ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحر - حين دنا أوائل جند فرعون - من أواخر جند موسى فانفرق البحر - كما أمره الله وكما وعد موسى فلما جاز أصحاب موسى كلهم ودخل أصحاب فرعون كلهم التقى البحر عليهم كما

(5/575)