صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
[ الدر المنثور - السيوطي ] |
الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم قال : الذين يأمرون بالقسط من الناس ولاة العدل عثمان وأضرابه (2/170)
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال : في قراءة عبد الله إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق و قاتلو الذين يأمرون بالقسط من الناس
الآيات 23 - 24 - 25
أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن المنذر وابن ابي حاتم عن ابن عباس قال " دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله فقال له النعمان بن عمرو والحرث بن زيد : على أي دين أنت يا محمد ؟ قال : على ملة إبراهيم ودينه قالا : فإن إبراهيم كان يهوديا فقال لهما رسول الله صلى الله عليه و سلم : فهلما إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا عليه فأنزل الله ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم إلى قوله وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون "
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ألم تر إلى الذين أوتوا
الآية
قال : هم اليهود دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم وإلى نبيه وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ثم تولوا عنه وهم معرضون
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال : كان أهل الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم بالحق وفي الحدود وكان النبي صلى الله عليه و سلم يدعوهم إلى الإسلام فيتولون عن ذلك
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله نصيبا قال : حظا من الكتاب قال : التوراة
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات قال : يعنون الأيام التي خلق الله فيها آدم عليه السلام (2/171)
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون حين قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون قال : غرهم قولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودات
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ووفيت يعني توفى كل نفس بر وفاجر ما كسبت ما عملت من خير أو شر وهم لا يظلمون يعني من أعمالهم
الآيتان 26 - 27
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال " ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه و سلم سأل ربه أن يجعل له ملك فارس والروم في أمته فأنزل الله قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء
الآية "
وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال " جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا محمد سل ربك قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء إلى قوله وترزق من تشاء بغير حساب ثم جاءه جبريل فقال : يا محمد فسل ربك قل رب أدخلني مدخل صدق
الإسراء الآية 8 الآية
فسأل ربه بقول الله تعالى فأعطاه ذلك "
وأخرج الطبراني عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم
قال : " اسم الله الأعظم الذي اذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء
إلى آخر الآية "
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : اسم الله الأعظم قل اللهم مالك الملك إلى قوله بغير حساب (2/172)
وأخرج ابن أبي الدنيا في الدعاء عن معاذ بن جبل قال " شكوت إلى النبي صلى الله عليه و سلم دينا كان علي فقال : يا معاذ أتحب أن يقضى دينك ؟ قلت : نعم
قال قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطي منهما ما تشاء وتمنع منهما ما تشاء اقض عني ديني فلو كان عليك ملء الأرض ذهبا أدي عنك "
وأخرج الطبراني عن معاذ بن جبل " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم افتقده يوم الجمعة فلما صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أتى معاذا فقال : يا معاذ ما لي لم أرك ؟ فقال : ليهودي علي وقية من تبر فخرجت إليك فحبسني عنك فقال : ألا أعلمك دعاء تدعو به فلو كان عليك من الدين مثل صبير أداه الله عنك فادع الله يا معاذ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب رحمن الدنيا و الآخرة ورحيمهما تعطي من تشاء منهما وتمنع من تشاء منهما ارحمني رحمة تغنني بها عن رحمة من سواك اللهم أغنني من الفقر واقض عني الدين وتوفني في عبادتك وجهاد في سبيلك "
وأخرج الطبراني في الصغير بسند جيد عن أنس بن مالك قال " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لمعاذ : ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد دينا لأداه الله عنك ؟ قل يا معاذ اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير رحمن الدنيا و الآخرة ورحيمهما تعطيهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك "
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تؤتي الملك من تشاء قال : النبوة
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير قل اللهم مالك الملك أي
رب العباد الملك لا يقضي فيهم غيركم تؤتي الملك من تشاء أي أن ذلك بيدك لا إلى غيرك إنك على كل شيء قدير أي لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك (2/173)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود في قوله تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل قال : يأخذ الصيف من الشتاء ويأخذ الشتاء من الصيف وتخرج الحي من الميت يخرج الرجل الحي من النطفة الميتة وتخرج الميت من الحي يخرج النطفة الميتة من الرجل الحي
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل قال : قصر أيام الشتاء في طول ليله وقصر ليل الصيف في طول نهاره
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل قال : ما نقص من الليل يجعله في النهار وما نقص من النهار يجعله في الليل
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي تولج الليل في النهار حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة والنهار تسع ساعات وتولج النهار في الليل حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل قال : أخذ أحدهما من صاحبه
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل قال : يأخذ النهار من الليل حتى يكون أطول منه ويأخذ الليل من النهار حتى يكون أطول منه
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس تخرج الحي من الميت قال : يخرج النطفة الميتة من الحي ثم يخرج من النطفة بشرا حيا
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي قال : الناس الأحياء من النطف والنطف ميتة تخرج من الناس الأحياء ومن الأنعام والنبات كذلك
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة تخرج الحي من الميت قال : هي البيضة تخرج من الحي وهي ميتة ثم يخرج منها الحي (2/174)
وأخرج ابن جرير عن عكرمة تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي قال : النخلة من النواة والنواة من النخلة والحبة من السنبلة والسنبلة من الحبة
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك
مثله
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي يعني المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن والمؤمن عبد حي الفؤاد والكافر عبد ميت الفؤاد
وأخرج سعد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات وأبو الشيخ في العظمة عن سلمان قال : خمر الله طينة آدم أربعين يوما ثم وضع يده فيه فارتفع على هذه كل طيب وعلى هذه كل خبيث ثم خلط بعضه ببعض ثم خلق منها آدم
فمن ثم تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن
وأخرج ابن مردويه من طريق أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لما خلق الله آدم عليه السلام أخرج ذريته فقبض قبضة بيمينه فقال : هؤلاء أهل الجنة ولا أبالي وقبض بالأخرى قبضة فجاء فيها كل رديء فقال : هؤلاء أهل النار ولا أبالي فخلط بعضهم ببعض فيخرج الكافر من المؤمن ويخرج المؤمن من الكافر
فذلك قوله تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي "
وأخرج ابن مردويه من طريق أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود أو عن سلمان عن النبي صلى الله عليه و سلم تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي قال : " المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن "
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الزهري في قوله تخرج الحي من الميت عن عبد الله بن عبد الله أن خالدة ابنة الأسود بن عبد يغوث دخلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : من هذه ؟ قيل : خالدة بنت الأسود قال : سبحان الله الذي يخرج الحي من الميت
وكانت امرأة صالحة وكان أبوها كافرا
وأخرج ابن مسعود من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله (2/175)
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ " يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي " خفيفة
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن وثاب أنه قرأ " يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي " وقرأ إلى بلد ميت فاطر الآية 9 مثقلات كلهن
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله و ترزق من تشاء بغير حساب قال : لا يخرجه بحساب يخاف أن ينقص ما عنده
إن الله لا ينقص ما عنده
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران بغير حساب قال : غدقا
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي أي بتلك القدرة التي تؤتي الملك بها من تشاء وتنزعها ممن تشاء وترزق من تشاء بغير حساب لا يقدر على ذلك غيرك ولا يصنعه إلا أنت
أي وإن كنت سلطت عيسى عليه السلام على الأشياء التي يزعمون أنه إله من إحياء الموتى وإبراء الأسقام وخلق الطير من الطين والخبر عن الغيوب لأجعله به آية للناس وتصديقا له في نبوته التي بعثته بها إلى قومه فإن من سلطاني وقدرتي ما لم أعطه تمليك الملوك بأمر النبوة ووضعها حيث شئت وإيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل وإخراج الحي من الميت وإخرج الميت من الحي ورزق من شئت من بر وفاجر بغير حساب وكل ذلك لم أسلط عيسى عليه ولم أملكه إياه أفلم يكن لهم في ذلك عبرة وبينة أن لو كان إلها كان ذلك كله إليه وهو في علمهم يهرب من الملوك وينتقل منهم في البلاد من بلد إلى بلد
الآية 28
أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان الحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد قد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر : اجتنبوا هؤلاء النفر من يهود واحذروا مباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم (2/176)
فأبى أولئك النفر فأنزل الله فيهم لا يتخذ المؤمنون الكافرين إلى قوله والله على كل شيء قدير
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال : نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار ويتخذوهم وليجة من دون المؤمنين إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين أولياء فيظهرون لهم اللطف ويخالفونهم في الدين
وذلك قوله إلا أن تتقوا منهم تقاة
وأخرج ابن جبير وابن أبي حاتم عن السدي ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء فقد برىء الله منه
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله إلا أن تتقوا منهم تقاة فالتقية باللسان من حمل على أمر يتكلم به وهو معصية لله فيتكلم به مخافة الناس وقلبه مطمئن بالإيمان فان ذلك لا يضره إنما التقية باللسان
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق عطاء عن ابن عباس إلا أن تتقوا منهم تقاة قال التقاة التكلم باللسان والقلب مطمئن بالإيمان ولا يبسط يده فيقتل ولا إلى إثم فانه لا عذر له
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد إلا أن تتقوا منهم تقاة قال : إلا مصانعة في الدنيا ومخالقة
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال التقية باللسان وليس بالعمل
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة إلا أن تتقوا منهم تقاة قال : إلا أن يكون بينك وبينه قرابة فتصله لذلك
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال التقية جائزة إلى يوم القيامة
وأخرج عبد عن أبي رجاء أنه كان يقرأ " إلا أن تتقوا منهم تقية "
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه كان يقرؤها إلا أن تتقوا منه تقية بالياء
وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم إلا أن تتقوا منهم تقاة بالألف ورفع التاء (2/177)
الآيتان 29 - 30
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : أخبرهم أنه يعلم ما أسروا من ذلك وما أعلنوا فقال إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا يقول : موفرا
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا قال : يسر أحدهم أن لا يلقى عمله ذلك أبدا يكون ذلك مناه وأما في الدنيا فقد كانت خطيئة يستلذها
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي أمدا بعيدا قال : مكانا بعيدا
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج أمدا قال : أجلا
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد قال : من رأفته بهم حذرهم نفسه
الآيتان 31 - 32
أخرج ابن جرير من طريق بكر بن الأسوف عن الحسن قال " قال قوم على عهد النبي صلى الله عليه و سلم : يا محمد إنا نحب ربنا
فأنزل الله قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني
يحببكم لله ويغفر لم ذنوبكم فجعل اتباع نبيه محمد صلى الله عليه و سلم علما لحبه وعذاب من خالفه " (2/178)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق أبي عبيدة الناجي عن الحسن قال " قال أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم : والله يا محمد إنا لنحب ربنا فأنزل الله قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني
الآية
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق عباد بن منصور قال " إن أقواما كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم يزعمون أنهم يحبون الله فأراد الله أن يجعل لقولهم تصديقا من عمل فقال إن كنتم تحبون الله
الآية
فكان اتباع محمد صلى الله عليه و سلم تصديقا لقولهم
وأخرج الحكيم الترمذي عن يحيى بن أبي كثير قال : قالوا إنا لنحب ربنا فامتحنوا
فأنزل الله قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال : كان أقوام يزعمون أنهم يحبون الله يقولون : إنا نحب ربنا
فأمرهم الله أن يتبعوا محمدا وجعل اتباع محمد صلى الله عليه و سلم علما لحبه
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من رغب عن سنتي فليس مني ثم تلا هذه الآية قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله
إلى آخر الآية
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير قل إن كنتم تحبون الله أي إن كان هذا من قولكم في عيسى حبا لله وتعظيما له فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم أي ما مضى من كفركم والله غفور رحيم
أخرج الأصبهاني في الترغيب عن ابن عمر قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لن يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعا لما جئتكم به "
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء في قوله إن كنتم تحبون الله فاتبعوني قال : على البر والتقوى والتواضع وذلة النفس
وأخرج الحكيم الترمذي وأبو نعيم والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه و سلم في قوله قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله قال : على البر والتقوى والتواضع وذلة النفس (2/179)
وأخرج ابن عساكر عن عائشة في هذه الآية قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني قالت : على التواضع والتقوى والبر وذلة النفس
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والحاكم عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء وأدناه أن يحب على شيء من الجور ويبغض على شيء من العدل وهل الدين إلا البغض والحب في الله ؟ قال الله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله "
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق حوشب عن الحسن في قوله فاتبعوني يحببكم الله قال : فكان علامة حبهم إياه اتباع سنة رسوله
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن قوله " المرء مع من أحب فقال : ألم تسمع قول الله قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله يقول : يقربكم
والحب هو القرب والله لا يحب الكافرين لا يقرب الكافرين "
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير قل أطيعوا الله والرسول فإنهم يعرفونه
يعني الوفد من نصارى نجران ويجدونه في كتابهم فإن تولوا على كفرهم فإن الله لا يحب الكافرين
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه و سلم
قال " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول : لا ندري
ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه
الآيات 34 - 35 - 36
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في
قوله وآل إبراهيم وآل عمران قال : هم المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد صلى الله عليه و سلم (2/180)
وأخرج عبد بن حميد وان جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : ذكر الله أهل بيتين صالحين ورجلين صالحين ففضلهم على العالمين فكان محمد صلى الله عليه و سلم من آل إبراهيم
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : فضلهم الله على العالمين بالنبوة على الناس كلهم كانوا هم الأنبياء الأتقياء المطيعين لربهم
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ذرية بعضها من بعض قال : في النية والعمل والإخلاص والتوحيد
وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن عليا قال للحسن قم فاخطب الناس قال : إني أهابك أن أخطب وأنا أراك
فتغيب عنه حيث يسمع كلامه ولا يراه فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه وتكلم
ثم نزل فقال علي رضي الله عنه ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم
وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس في قوله إن الله اصطفى يعني اختار من الناس لرسالته آدم ونوحا وآل إبراهيم يعني إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وآل عمران على العالمين يعني اختارهم للنبوة والرسالة على عالمي ذلك الزمان
فهم ذرية بعضها من بعض فكل هؤلاء من ذرية آدم ثم ذرية نوح ثم من ذرية إبراهيم إذ قالت امرأة عمران بن ماثان واسمها حنة بنت فاقوذ وهي أم مريم رب إني نذرت لك ما في بطني محررا وذلك أن أم مريم حنة كانت جلست عن الولد والمحيض فبينما هي ذات يوم في ظل شجرة إذ نظرت إلى طير يزق فرخا له فتحركت نفسها للولد فدعت الله أن يهب لها ولدا فحاضت من ساعتها فلما طهرت أتاها زوجها فلما أيقنت بالود ؟ قالت : لئن نجاني الله ووضعت ما في بطني لأجعلنه محررا
وبنو ماثان من ملوك بني إسرائيل من نسل داود
والمحرر لا يعمل للدنيا ولا يتزوج ويتفرغ لعمل الآخرة
يعبد الله تعالى ويكون في خدمة الكنيسة ولم يكن محررا في ذلك الزمان إلا الغلمان
فقالت لزوجها : ليس جنس من جنس الأنبياء إلا وفيهم محرر غيرنا وإني جعلت ما في بطني نذيرة تقول : نذرت أن أجعله لله فهو المحرر
فقال زوجها : أرأيت إن كان
الذي في بطنك أنثى - والأنثى عورة - فكيف تصنعين ؟ فاغتمت لذلك فقالت عند ذلك رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم يعني تقبل مني ما نذرت لك (2/181)
فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى والأنثى عورة ثم قالت وإني سميتها مريم وكذلك كان اسمها عند الله وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم يعني الملعون فاستجاب الله لها فلم يقربها الشيطان ولا ذريتها عيسى
قال ابن عباس " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : كل ولد آدم ينال منه الشيطان يطعنه حين يقع بالأرض بأصبعه لما يستهل لا ما كان من مريم وابنها لم يصل إبليس إليهما قال ابن عباس : لما وضعتها خشيت حنة أم مريم أن لا تقبل أنثى محررة فلفتها في الخرقة ووضعتها في بيت المقدس عند القراء فتساهم القراء عليها لأنها كانت بنت إمامهم وكان إمام القراء من ولد هارون
أيهم يأخذها فقال زكريا - وهو رأس الأحبار - أنا آخذها وأنا أحقهم بها لأن خالتها عندي - يعني أم يحيى - فقال القراء : وإن كان في القوم من هو أفقر إليها منك ؟ ولو تركت لأحق الناس بها تركت لأبيها ولكنها محررة غير أن نتساهم عليها فمن خرج سهمه فهو أحق بها فقرعوا ثلاث مرات بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي أيهم يكفل مريم يعني أيهم يقبضها فقرعهم زكريا
وكانت قرعة أقلامهم أنهم جمعوها في موضع ثم غطوها فقالوا لبعض خدم بيت المقدس من الغلمان الذين لم يبلغوا الحلم : أدخل يدك فأخرج قلما منها فأدخل يده فأخرج قلم زكريا فقالوا : لا نرضى ولكن نلقي الأقلام في الماء فمن خرج قلمه في جرية الماء ثم ارتفع فهو يكفلها
فألقوا أقلامهم في نهر الأردن فارتفع قلم زكريا في جرية الماء فقالوا : نقترع الثالثة فمن جرى قلمه مع الماء فهو يكفلها
فألقوا أقلامهم فجرى قلم زكريا مع الماء وارتفعت أقلامهم في جرية الماء وقبضها عند ذلك زكريا
فذلك قوله وكفلها زكريا يعني قبضها ثم قال فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا يعني رباها تربية حسنة في عبادة وطاعة لربها حتى ترعرعت وبنى لها زكريا محرابا في بيت المقدس وجعل بابه في وسط الحائط لا يصعد إليها إلا بسلم
و كان استأجر لها ظئرا فلما تم لها حولان فطمت وتحركت فكان يغلق عليها الباب والمفتاح معه لا يأمن عليه أحدا لا يأتيها بما يصلحها أحد غيره حتى بلغت " (2/182)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن عكرمة قال : اسم أم مريم حنة
وأخرج الحاكم عن أبي هريرة قال : حنة ولدت مريم أم عيسى
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله نذرت لك ما في بطني محررا قال : كانت نذرت أن تجعله في الكنيسة يتعبد بها وكانت ترجو أن يكون ذكرا
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال : نذرت أن تجعله محررا للعبادة
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله محررا قال : خادما للبيعة
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد في قوله محررا قال : خالصا لا يخالطه شيء من أمر الدنيا
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال : كانت امرأة عمران حررت لله ما في بطنها وكانوا إنما يحررون الذكور وكان المحرر إذا حرر جعل في الكنيسة لا يبرحها يقوم عليها ويكنسها وكانت المرأة لا تستطيع أن تصنع بها ذلك لما يصيبها من الأذى فعند ذلك قالت وليس الذكر كالأنثى
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير محررا قال : جعلته لله والكنيسة فلا يحال بينه وبين العبادة
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال : كانت المرأة في زمان بني إسرائيل إذا ولدت غلاما أرضعته حتى إذا أطاق الخدمة دفعته إلى الذين يدرسون الكتب فقالت : هذا محرر لكم يخدمكم
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : إن امرأة عمران كانت عجوزا عاقرا تسمى حنة وكانت لا تلد فجعلت تغبط النساء لأولادهن فقالت : اللهم إن علي نذرا شكرا إن رزقتني ولدا أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدامه فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى
وليس الذكر كالأنثى يعني في المحيض ولا ينبغي لامرأة أن تكون مع الرجال ثم خرجت أم مريم تحملها في خرقتها إلى بني الكاهن ابن هارون أخي موسى قال : وهم يومئذ يلون من بيت
المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة فإني حررتها وهي ابنتي ولا يدخل الكنيسة حائض وأنا لا أردها إلى بيتي فقالوا : هذه ابنة إمامنا - وكان عمران يؤمهم في الصلاة - فقال زكريا : ادفعوها إلي فإن خالتها تحتي فقالوا : لا تطيب أنفسنا بذلك (2/183)
فذلك حين اقترعوا عليها بالأقلام التي يكتبون بها التوراة فقرعهم زكريا فكفلها
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس أنه كان يقرأ والله أعلم بما وضعت
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك أنه قرأ بما وضعت برفع التاء
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود أنه كان يقرؤها برفع التاء
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن سفيان بن حسين والله أعلم بما وضعت قال : على وجه الشكاية إلى الرب تبارك وتعالى
وأخرج عبد بن حميد عن الأسود أنه كان يقرؤها والله أعلم بما وضعت بنصب العين
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم أنه كان يقرؤها والله أعلم بما وضعت بنصب العين
أما قوله تعالى وإني أعيذها الآية
أخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها " ثم قال أبو هريرة : واقرأوا إن شئتم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " كل مولود من ولد آدم له طعنة من الشيطان وبها يستهل الصبي إلا ما كان من مريم بنت عمران وولدها فإن أمها قالت حين وضعتها وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فضرب بينهما حجاب فطعن في الحجاب "
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما من مولود يولد إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى بن مريم ومريم ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم "
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : ما ولد مولود إلا قد استهل غير المسيح ابن مريم لم يسلط عليه الشيطان ولم ينهزه (2/184)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن وهب بن منبه قال : لما ولد عيسى عليه السلام أتت الشياطين إبليس فقالوا : أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها فقال : هذا حدث مكانكم فطار حتى جاب خافقي الأرض فلم يجد شيئا ثم جاء البحار فلم يقدر على شيء ثم طار أيضا فوجد عيسىعليه السلام قد ولد عند مدود حمار وإذا الملائكة قد حفت حوله فرجع إليهم فقال : ان نبيا قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا بحضرتها إلا هذا
فأيسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم قال : " ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : كل بني آدم طعن الشيطان في جنبه إلا عيسى بن مريم وأمه جعل بينهما وبينه حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ اليهما شيء
وذكر لنا أنهما كانا لا يصيبان الذنوب كما يصيبه سائر بني آدم
وذكر لنا أن عيسى عليه السلام كان يمشي على البحر كما يمشي على البر مما أعطاه الله من اليقين والإخلاص "
وأخرج ابن جرير عن الربيع وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم قال : " إن النبي صلى الله عليه و سلم قال : كل آدمي طعن الشيطان في جنبه غير عيسى وأمه كانا لا يصيبان الذنوب كما يصيبها بنو آدم
قال : وقال عيسى صلى الله عليه و سلم فيما يثني على ربه : وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم فلم يكن له علينا سبيل "
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال : لولا أنها قالت وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم إذن لم تكن لها ذرية
الآية 37
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله فتقبلها ربها بقبول حسن قال : تقبل من أمها ما أرادت بها الكنيسة فأجرها فيه وأنبتها نباتا حسنا قال : نبتت في غذاء الله (2/185)
وأخرج ابن جرير عن الربيع وكفلها زكريا قال : ضمها إليه
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : كفلها زكريا فدخل عليها المحراب فوجد عندها رزقا عنبا في مكتل في غير حينه قال : أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب قال : إن الذي يرزقك العنب في غير حينه لقادر أن يرزقني من العاقر الكبير العقيم ولدا هنالك دعى زكريا ربه فلما بشر بيحيى قال رب اجعل لي آية قال آيتك أن لا تكلم الناس قال : يعتقل لسانك من غير مرض وأنت سوي
وأخرج عبد بن حميد وآدم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله وكفلها زكريا قال : سهمهم بقلمه
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : كانت مريم ابنة سيدهم وإمامهم فتشاح عليها أحبارهم فاقترعوا فيها بسهامهم أيهم يكفلها وكان زكريا زوج خالتها فكفلها وكانت عنده وحضنتها
وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة أن الذين كانوا يكتبون التوراة إذا جاؤوا إليهم بإنسان محرر واقترعوا عليه أيهم يأخذه فيعلمه وكان زكريا أفضلهم يومئذ وكان معهم وكانت أخت أم مريم تحته فلما أتوا بها قال لهم زكريا : أنا أحقكم بها تحتي أختها
قال : فخرجوا إلى نهر الأردن فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها أيهم يقوم قلمه فيكفلها فجرت الأقلام وقام قلم زكريا على قرنيه كأنه في طين فأخذ الجارية
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس وكفلها زكريا قال : جعلها معه في محرابه
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود أنه قرأها وكفلها مشددة زكرياء ممدودة مهموز منصوب
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس وجد عندها رزقا قال : مكتلا فيه عنب في غير حينه
وأخرج عبد بن حميد عن ابن جرير عن مجاهد وجد عندها رزقا قال : عنبا في غير زمانه (2/186)
وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن مجاهد وجد عندها رزقا قال : فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد وجد عندها رزقا قال : علما
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس وجد عندها رزقا قال : وجد عندها ثمار الجنة
فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس وجد عندها رزقا قال : الفاكهة الغضة حين لا توجد الفاكهة عند أحد
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك أنى يعني من أين
وأخرج عن الضحاك أنى لك هذا يقول من أتاك بهذا
وأخرج أبو يعلى عن جابر " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أقام أياما لم يطعم طعاما حتى شق ذلك عليه فطاف في منازل أزواجه فلم يجد عند واحدة منهن شيئا فأتى فاطمة فقال يا بنية هل عندك شيء آكله فاني جائع ؟ فقالت : لا والله
فلما خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم فأخذته منها فوضعته في جفنة لها وقالت : والله لأوثرن بهذا رسول الله صلى الله عليه و سلم على نفسي ومن عندي وكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام فبعثت حسنا أو حسينا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فرجع إليها فقالت له : - بأبي أنت وأمي - قد أتى الله بشيء قد خبأته لك فقال : هلمي يا بنية بالجفنة فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزا ولحما فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله
فحمدت الله تعالى وقدمته إلى النبي صلى الله عليه و سلم فلما رآه حمد الله وقال : من أين لك هذا يا بنية ؟ قالت : يا أبت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب "
الآية 38
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لما رأى ذلك زكريا يعني فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف عند مريم قال : إن الذي يأتي بهذا مريم في غير زمانه قادر على أن يرزقني ولدا فذلك حين دعا ربه (2/187)
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن الحسن قال : لما وجد زكريا عند مريم ثمر الشتاء في الصيف وثمر الصيف في الشتاء يأتيها به جبريل قال لها : أنى لك هذا في غير حينه ؟ فقالت : هذا رزق من عند الله يأتي به الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فطمع زكريا في الولد فقال : إن الذي أتى مريم بهذه الفاكهة في غير حينها لقادر أن يصلح لي زوجتي ويهب لي منها ولدا فعند ذلك دعا زكريا ربه وذلك لثلاث ليال بقين من المحرم
قام زكريا فاغتسل ثم ابتهل في الدعاء إلى الله قال : يا رازق مريم ثمار الصيف في الشتاء وثمار الشتاء في الصيف هب لي من لدنك - يعني من عندك - ذرية طيبة يعني تقيا
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ذرية طيبة يقول : مباركة
الآية 39
ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي فنادته الملائكة قال : جبريل
وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن أبي حماد قال : في قراءة ابن مسعود فناداه جبريل وهو قائم يصلي في المحراب و أخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال : ذكروا الملائكة ثم تلا إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى النجم الآية 27 وكان يقرأها فناداه الملائكة
وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه و سلم قرأ " فناداه الملائكة " بالتاء
وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم قال : كان عبد الله يذكر الملائكة في القرآن
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود أنه قرأ فنادته الملائكة بالتاء إن الله بنصب الألف يبشرك مثقلة (2/188)
قوله تعالى وهو قائم يصلي
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ثابت قال : الصلاة خدمة الله في الأرض ولو علم الله شيئا أفضل من الصلاة ما قال فنادته الملائكة وهو قائم يصلي
قوله تعالى : في المحراب
أخرج عبد المنذر عن السدي
المحراب المصلى
وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عمرو " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : اتقوا هذه المذابح
يعني المحاريب "
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن موسى الجهني قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لا تزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى "
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال : اتقوا هذه المحاريب
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد بن أبي الجعد قال : كان أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم يقولون : إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد
يعني الطاقات
وأخرج ابن أبي شيبة عن أي ذر قال : إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي أنه كره الصلاة في الطاق
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم أنه كان يكره الصلاة في الطاق
وأخرج ابن أبي شيبة عن سالم بن أبي الجعد أنه كان يكره المذابح في المساجد
وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب أنه كره المذابح في المسجد
وأخرج ابن جرير عن معاذ الكوفي قال : من قرأ يبشر مثقلة فإنه من البشارة ومن قرأ يبشر مخففة بنصب الباء فإنه من السرور
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال : إن الملائكة شافهته بذلك مشافهة فبشرته بيحيى
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة أن الله يبشرك بيحيى قال : إنما سمي يحيى لأن الله أحياه بالإيمان
وأخرج ابن عدي والدارقطني في الأفراد والبيهقي وابن عساكر عن ابن مسعود مرفوعا " خلق الله فرعون في بطن أمه كافرا وخلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا " (2/189)
وأخرج الفرياني وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس مصدقا بكلمة من الله قال : عيسى بن مريم والكلمة يعني تكون بكلمة من الله
وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير عن مجاهد قال : قالت امرأة زكريا لمريم : اني أجد الذي في بطني يتحرك للذي في بطنك فوضعت امرأة زكريا يحيى عليه السلام ومريم عيسى عليه السلام وذلك قوله مصدقا بكلمة من الله قال : يحيى مصدق بعيسى
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في قوله مصدقا بكلمة من الله قال : كان يحيى أول من صدق بعيسى وشهد أنه كلمة من الله
قال : وكان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى
وأخرج ابن جرير عن قتادة مصدقا بكلمة من الله يقول : مصدق بعيسى وعلى سنته ومنهاجه
وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس مصدقا بكلمة من الله قال : كان عيسى ويحيى ابني خالة وكانت أم يحيى تقول لمريم : إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك فذلك تصديقه بعيسى سجوده في بطن أمه
وهو أول من صدق بعيسى وكلمة عيسى
ويحيى أكبر من عيسى
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : لقيت أم يحيى أم عيسى وهذه حامل بيحيى وهذه حامل بعيسى فقالت امرأة زكريا : إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك
فذلك قوله تعالى مصدقا بكلمة من الله
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس وسيدا قال : حليما تقيا
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال : " السيد " الكريم على الله
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغضب وابن جرير عن عكرمة قال : " السيد " الذي لا يغلبه الغضب
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال : " السيد " الفقيه العالم
وأخرج أحمد في الزهد والخرائطي في مكارم الأخلاق عن الضحاك قال : " السيد " الحسن الخلق والحصور الذي حصر عن النساء (2/190)
وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن مجاهد قال : الحصور الذي لا يأتي النساء
وأخرج أحمد في الزهد عن وهب بن منبه قال : نادى مناد من السماء إن يحيى بن زكريا سيد من ولدت النساء وإن جورجيس سيد الشهداء
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن سعيد بن جبير قال : السيد الحليم و " الحصور " الذي لا يأتي النساء
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ابن عباس في قوله و سيدا وحصورا قال : " السيد " الحليم و " الحصور " الذي لا يأتي النساء
وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : " الحصور " الذي لا ينزل الماء
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال : " الحصور " الذي لا يقرب النساء
ولفظ ابن المنذر : العنين
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه و سلم قال " ما من عبد يلقى الله إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا فإن الله يقول : و سيدا وحصورا قال : وإنما كان ذكره مثل هدبة الثوب وأشار بأنملته "
وأخرجه ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي هريرة من وجه آخر عن ابن عمرو
موقوفا وهو أقوى إسنادا من المرفوع
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي هريرة : " أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ثم أهوى النبي صلى الله عليه و سلم إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال : كان ذكره مثل هذه القذاة "
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أربعة لعنوا في الدنيا والآخرة وأمنت الملائكة : رجل جعله الله ذكرا فأنث نفسه وتشبه بالنساء وامرأة
جعلها الله أنثى فتذكرت وتشبهت بالرجال والذي يضل الأعمى ورجل حصور ولم يجعل الله حصورا إلا يحيى بن زكريا " (2/191)
وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن صالح عن بعضهم رفع الحديث " لعن الله والملائكة رجلا تحصر بعد يحيى بن زكريا "
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله و حصورا قال : لا يشتهي النساء ثم ضرب بيده إلى الأرض فأخذ نواة فقال : ما كان معه مثل هذه
وأخرج الطسي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله وحصورا قال : الذي لا يأتي النساء
قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم أما سمعت قول الشاعر : وحصور عن الخنا يأمر النا س بفعل الحراب والتشمير
الآيتان 40 - 41
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : لما سمع زكريا النداء جاءه الشيطان فقال له : يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله إنما هو من الشيطان ليسخر بك ولو كان من الله أوحى إليك كما يوحي إليك في غيره من الأمر
فشك مكانه وقال أنى يكون لي غلام
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال : أتاه الشيطان فأراد أن يكدر عليه نعمة ربه قال : هل تدري من ناداك ؟ قال : نعم
ناداني ملائكة ربي قال : بل ذلك الشيطان لو كان هذا من ربك لأخفاه إليك كما أخفيت نداءك فقال رب اجعل لي آية
أما قوله تعالى وامرأتي عاقر
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال اسم أم يحيى أشيع
قوله تعالى : قال كذلك يفعل الله ما يشاء (2/192)
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله كذلك يعني هكذا
وفي قوله رب اجعل لي آية قال : قال زكريا : رب فان كان هذا الصوت منك فاجعل لي آية
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رب اجعل لي آية قال بالحمل به
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام قال : انما عوقب بذلك لأن الملائكة شافهته بذلك مشافهة فبشرته بيحيى فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه فأخذ عليه بلسانه
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : اعتقل لسانه من غير مرض
وأخرج عن السدي قال : اعتقل لسانه ثلاثة أيام وثلاث ليال
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن جبير بن نفير قال : ربا لسانه في فيه حتى ملأه فمنعه الكلام ثم أطلقه الله بعد ثلاث
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله إلا رمزا قال : " الرمز " بالشفتين
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد إلا رمزا قال : ايماؤه بشفتيه
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير إلا رمزا قال : الإشارة
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : " الرمز " أن يشير بيده أو رأسه ولا يتكلم
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال : الرمز أن أخذ بلسانه فجعل يكلم الناس بيده
وأخرج الطسي في مسائله وابن الأنباري في الوقف والإبتداء عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله إلا رمزا قال : الإشارة باليد والوحي بالرأس قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم
أما سمعت قول الشاعر : ما في السماء من الرحمن مرتمز إلا إليه وما في الأرض من وزر وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي قال : لو رخص الله لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا عليه السلام حيث قال
آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا ولو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص للذين يقاتلون في سبيل الله قال الله يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا (2/193)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله و سبح بالعشي والإبكار قال العشي ميل الشمس إلى أن تغيب و الإبكار أول الفجر
الآيات 42 - 43 - 44 - 45
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين قال " كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : خير نساء ركبن الإبل نساء قريش
أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده
قال أبو هريرة : ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط " أخرجه الشيخان بدون الآية
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن مردويه عن علي " سمعت رسول الله يقول : خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد "
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أفضل نساء العالمين خديجة وفاطمة ومريم وآسية امرأة فرعون "
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " إن الله اصطفى على نساء العالمين أربعا : آسية بنت مزاحم ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه و سلم " (2/194)
وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن حبان والحاكم عن أنس " إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه و سلم وآسية امرأة فرعون " وأخرجه ابن أبي شيبة عن الحسن
مرسلا
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير عن أبي موسى قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا : مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام "
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن فاطمة رضي الله عنها قالت : " قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم البتول "
وأخرج ابن جرير عن عمار بن سعد قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين "
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية امرأة فرعون "
وأخرج ابن عساكر من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال " أربع نسوة سيدات عالمهن : مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه و سلم وأفضلهن عالما فاطمة "
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " فاطمة سيدة نساء العالمين بعد مريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة ابنة خويلد "
وأخرج ابن أبي شيبة عن مكحول قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرعاه على بعل في ذات يده ولو علمت ان مريم ابنة عمران ركبت بعيرا ما فضلت عليها أحدا "
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله إن الله اصطفاك وطهرك قال : جعلك طيبة إيمانا
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي وطهرك قال : من الحيض واصطفاك على نساء العالمين قال : على نساء ذلك الزمان الذي هم فيه (2/195)
وأخرج ابن جرير عن ابن إسحق قال : كانت مريم حبيسا في الكنيسة ومعها في الكنيسة غلام اسمه يوسف وقد كان أمه وأبوه جعلاه نذيرا حبيسا فكانا في الكنيسة جميعا وكانت مريم إذا نفذ ماؤها وماء يوسف أخذا قلتيهما فانطلقا إلى المفازة التي فيها الماء فيملآن ثم يرجعان والملائكة في ذلك مقبلة على مريم يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين فإذا سمع ذلك زكريا قال : إن لابنة عمران لشأنا
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد يا مريم اقنتي لربك قال : أطيلي الركود يعني القيام
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال : لما قيل لها اقنتي لربك قامت حتى ورمت قدماها
وأخرج ابن جرير عن الأوزاعي قال : كانت مريم تقوم حتى يسيل القيح من قدميها
وأخرج ابن عساكر عن ابن سعيد قال : كانت مريم تصلي حتى ترم قدماها
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير اقنتي لربك قال : أخلصي
وأخرج عن قتادة قال اقنتي لربك قال : أطيعي ربك
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن ابن مسعود أنه كان يقرأ واركعي واسجدي في الساجدين
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله وما كنت لديهم يعني محمدا صلى الله عليه و سلم
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم قال : إن مريم عليها السلام لما وضعت في المسجد اقترع عليها أهل المصلى وهم يكتبون الوحي فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها فقال الله لمحمد : و ما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم قال : ألقوا أقلامهم في الماء فذهبت مع الجرية وصعد قلم زكريا فكفلها زكريا
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع قال : ألقوا أقلامهم يقال : عصيهم تلقاء جرية الماء فاستقبلت عصا زكريا عليه السلام جرية الماء فقرعهم (2/196)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال أقلامهم قال : التي يكتبون بها التوراة
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد
مثله
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطاء أقلامهم يعني قداحهم
وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال " لما وهب الله لزكريا يحيى وبلغ ثلاث سنين بشر الله مريم بعيسى فبينما هي في المحراب إذ قالت الملائكة - وهو جبريل وحده - يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك من الفاحشة واصطفاك يعني اختارك على نساء العالمين عالم أمتها يا مريم اقنتي لربك يعني صلي لربك يقول : اركدي لربك في الصلاة بطول القيام فكانت تقوم حتى ورمت قدماها واسجدي واركعي مع الراكعين يعني مع المصلين مع قراء بيت المقدس
يقول الله لنبيه صلى الله عليه و سلم ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك يعني بالخبر الغيب في قصة زكريا ويحيى ومريم و ما كنت لديهم يعني عندهم إذ يلقون أقلامهم في كفالة مريم ثم قال يا محمد يخبر بقصة عيسى إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا يعني مكينا عند الله في الدنيا من المقربين في الآخرة ويكلم الناس في المهد يعني في الخرق وكهلا ويكلمهم كهلا إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء ومن الصالحين يعني من المرسلين "
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن وهب قال : لما استقر حمل مريم وبشرها جبريل وثقت بكرامة الله واطمأنت فطابت نفسا واشتد أزرها وكان معها في المحررين ابن خال لها يقال له يوسف وكان يخدمها من وراء الحجاب ويكلمها ويناولها الشيء من وراء الحجاب وكان أول من اطلع على حملها هو واهتم لذلك وأحزنه وخاف من البلية التي لا قبل له بها ولم يشعر من أين أتيت مريم وشغله عن النظر في أمر نفسه وعمله لأنه كان رجلا متعبدا حكيما وكان من قبل أن تضرب مريم الحجاب على نفسها تكون معه ونشأ معها
وكانت مريم اذا نفذ ماؤها وماء يوسف أخذا قلتيهما ثم انطلقا إلى المفازة التي فيها الماء فيملآن قلتيهما ثم يرجعان إلى الكنيسة والملائكة مقبلة على مريم بالبشارة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك فكان يعجب يوسف ما يسمع (2/197)
فلما استبان ليوسف حمل مريم وقع في نفسه من أمرها حتى كاد أن يفتتن فلما أراد أن يتهمها في نفسه ذكر ما طهرها الله واصطفاها وما وعد الله أمها أنه يعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم وما سمع من قول الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك فذكر الفضائل التي فضلها الله تعالى بها وقال : إن زكريا قد أحرزها في المحراب فلا يدخل عليها أحد وليس للشيطان عليها سبيل فمن أين هذا ؟ فلما رأى من تغير لونها وظهور بطنها عظم ذلك عليه فعرض لها فقال : يا مريم هل يكون زرع من غير بذر ؟ قالت : نعم
قال : وكيف ذلك ؟ ! قالت : إن الله خلق البذرالأول من غير نبات وأنبت الزرع الأول من غير بذر ولعلك تقول : لولا أنه استعان عليه بالبذر لغلبه حتى لا يقدر على أن يخلقه ولا ينبته
قال يوسف : أعوذ بالله أن أقول ذلك قد صدقت وقلت بالنور والحكمة وكما قدر أن يخلق الزرع الأول وينبته من غير بذر يقدر على أن يجعل زرعا من غير بذر فأخبريني هل ينبت الشجر من غير ماء ولا مطر ؟ قالت : ألم تعلم أن للبذور والزرع والماء والمطر والشجر خالقا واحدا ! فلعلك تقول لولا الماء والمطر لم يقدر على أن ينبت الشجر
قال : أعوذ بالله أن أقول ذلك ! قد صدقت
فأخبريني هل يكون ولد أو رجل من غير ذكر ؟ قالت : نعم
قال : وكيف ذلك ؟ قالت : ألم تعلم أن الله خلق آدم وحواء امرأته من غير حبل ولا أنثى ولا ذكر قال : بلى
فأخبريني خبرك ؟ قالت : بشرني الله بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم إلى قوله ومن الصالحين فعلم يوسف أن ذلك أمر من الله لسبب خير أراده بمريم فسكت عنها
فلم تزل على ذلك حتى ضربها الطلق فنوديت : أن اخرجي من المحراب فخرجت
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك قال : شافهتها الملائكة بذلك
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله يبشرك بكلمة منه قال : عيسى هو الكلمة من الله
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لم يكن من الأنبياء من له اسمان إلا عيسى ومحمد عليهما السلام (2/198)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم قال : المسيح الصديق
وأخرج ابن جرير عن سعيد قال : إنما سمي المسيح لأنه مسح بالبركة
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن عبد الرحمن الثقفي أن عيسى كان سائحا ولذلك سمي المسيح كان يمسي بأرض ويصبح بأخرى وأنه لم يتزوج حتى رفع
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ومن المقربين يقول : ومن المقربين عند الله يوم القيامة
الآيتان 46 - 47
أخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج قال : بلغني عن ابن عباس قال : المهد مضجع الصبي في رضاعه
وأخرج البخاري وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى عليه السلام وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلي فجاءته أمه فدعته فقال : أجيبها أو أصلي ؟ فقالت : اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات
وكان جريج في صومعته فتعرضت له امرأة وكلمته فأبى فأتت راعيا فأمكنته من نفسها فولدت غلاما فقالت : من جريج
فأتوه فكسروا صومعته وأنزلوه وسبوه فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام فقال : من أبوك يا غلام ؟ قال : الراعي
فقالوا له : نبني صومعتك من ذهب قال : لا إلا من طين
و كانت امرأة ترضع ابنا لها من بني إسرائيل فمر بها رجل راكب ذو شارة فقالت : اللهم اجعل ابني مثله
فترك ثديها وأقبل على الراكب فقال : اللهم لا تجعلني مثله
ثم أقبل على ثديها يمصه ثم مرا بأمة تجزر ويلعب بها فقالت : اللهم لا تجعل ابني مثل هذه
فترك ثديها فقال : اللهم اجعلني مثلها فقالت : لم ذاك
؟ !
فقال : الراكب جبار من الجبابرة وهذه الأمة يقولون لها زنيت وتقول حسبي الله ويقولون سرقت وتقول حسبي الله (2/199)
وأخرج أبو الشيخ والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لم يكن يتكلم في المهد إلا عيسى وشاهد يوسف وصاحب جريج وابن ماشطة فرعون "
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ويكلم الناس في المهد وكهلا قال : يكلمهم صغيرا وكبيرا
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس وكهلا قال : في سن كهل
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : " الكهل " الحليم
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي حبيب قال : " الكهل " منتهى الحلم
وأخرج ابن جرير عن أبي زيد في الآية قال : قد كلمهم عيسى عليه السلام في المهد وسيكلمهم إذا أقبل الدجال وهو يومئذ كهل
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير قال كذلك الله يخلق ما يشاء أي يصنع ما أراد ويخلق ما يشاء من بشر إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون مما يشاء وكيف يشاء فيكون كما أراد
الآية 48
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ويعلمه الكتاب قال : الخط بالقلم
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ويعلمه الكتاب قال : بيده
وأخرج ابن المنذر بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال : عندما ترعرع عيسى جاءت به أمه إلى الكتاب فدفعته إليه فقال : قل بسم
قال عيسى : الله
فقال المعلم : قل الرحمن
قال عيسى : الرحيم
فقال المعلم : قل أبو جاد قصد بها أيحد
قال : هو في كتاب
فقال عيسى : أتدري ما ألف ؟ قال : لا
قال : آلاء الله
أتدري ما باء ؟
قال : لا (2/200)
قال : بهاء الله
أتدري ما جيم ؟ قال : لا
قال : جلال الله
أتدري ما اللام ؟ قال : لا
قال : آلاء الله
فجعل يفسر على هذا النحو
فقال المعلم : كيف أعلم من هو أعلم مني ؟ ! قالت : فدعه يقعد مع الصبيان
فكان يخبر الصبيان بما يأكلون وما تدخر لهم أمهاتهم في بيوتهم
وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري وابن مسعود مرفوعا " قال : إن عيسى بن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه فقال له المعلم : اكتب بسم الله قال عيسى : وما بسم ؟ قال له المعلم : ما أدري ؟ ! قال له عيسى : الباء بهاء الله والسين سناؤه والميم مملكته والله إله الآلهة والرحمن رحمن الآخرة والدنيا والرحيم رحيم الآخرة
أبو جاد : الألف
آلاء الله والباء بهاء الله جيم جلال الله دال الله الدائم
هوز : الهاء الهاوية واو ويل لأهل النار واد في جهنم زاي زين أهل الدنيا حطي : حاء الله الحكيم طاء الله الطالب لكل حق حتى يرده أي أهل النهار وهو الوجع
كلمن : الكاف الله الكافي لام : الله القائم ميم الله المالك نون الله البحر سعفص : سين السلام صاد الله الصادق عين الله العالم فاء الله ذكر كلمة صاد الله الصمد
قرشت قاف الجبل المحيط بالدنيا الذي أخضرت منه السماء راء رياء الناس بها سين ستر الله تاء تمت أبدا
قال ابن عدي هذا الحديث باطل بهذا الإسناد لا يرويه غير إسمعيل بن يحيى
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس
أن عيسى بن مريم أمسك عن الكلام بعد اذ كلمهم طفلا حتى بلغ ما يبلغ الغلمان ثم أنطقه الله بعد ذلك بالحكمة والبيان فأكثر إليهود فيه وفي أمه من قول الزور فكان عيسى يشرب اللبن من أمه فلما فطم أكل الطعام وشرب الشراب حتى بلغ سبع سنين أسلمته أمه لرجل يعلمه كما يعلم الغلمان فلا يعلمه شيئا إلا بدره عيسى إلى علمه قبل أن يعلمه إياه
فعلمه أبا جاد فقال عيسى : ما أبو جاد ؟ قال المعلم : لا أدري ! فقال عيسى : فكيف تعلمني ما لا تدري ؟ ! فقال المعلم : إذن فعلمني
قال له عيسى : فقم من مجلسك فقام فجلس عيسى مجلسه فقال عيسى : سلني
فقال المعلم : فما أبو
أبجد ؟ فقال عيسى : الألف آلاء الله باء بهاء الله جيم بهجة الله وجماله (2/201)
فعجب المعلم من ذلك فكان أول من فسر أبجد عيسى ابن مريم عليه السلام
قال وسأل عثمان بن عفان رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال " يا رسول الله ما تفسسير أبي جاد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : تعلموا تفسير أبي جاد فإن فيه الأعاجيب كلها ويل لعالم جهل تفسيره
فقيل : يا رسول الله وما تفسير أبي جاد ؟ قال : الألف آلاء الله والباء بهجة الله وجلاله والجيم مجد الله والدال دين الله هوز الهاوية ويل لمن هوى فيها والواو ويل لأهل النار والزاي الزاوية يعني زوايا جهنم
حطي : الحاء حط خطايا المستغفرين في ليلة القدر وما نزل به جبريل مع الملائكة إلى مطلع الفجر والطاء طوبى لهم وحسن مآب وهي شجرة غرسها الله بيده والياء يد الله فوق خلقه
كلمن : الكاف كلام الله لا تبديل لكلماته واللام إلمام أهل الجنة بينهم بالزيارة والتحية والسلام وتلاوم أهل النار بينهم والميم ملك الله الذي لا يزول ودوام الله الذي لا يفنى ونون نون والقلم وما يسطرون القلم الآية 1 - 2 صعفص : الصاد صاع بصاع وقسط بقسط وقص بقص يعني الجزاء بالجزاء وكما تدين تدان والله لا يريد ظلما للعباد
قرشت : يعني قرشهم فجمعهم يقضي بينهم يوم القيامة وهم لا يظلمون
ذكر نبذ من حكم عيسى عليه السلام أخرج ابن المبارك في الزهد أخبرنا ابن عيينة عن خلف بن حوشب قال : قال عيسى عليه السلام للحواريين : كما ترك لكم الملوك الحكمة فكذلك اتركوا لهم الدنيا
وأخرج ابن عساكر عن يونس بن عبيد قال : كان عيسى بن مريم عليه السلام يقول : لا يصيب أحد حقيقة الإيمان حتى لا يبالي من أكل الدنيا
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد في الزهد عن ثابت البناني قال : قيل لعيسى عليه السلام لو اتخذت حمارا تركبه لحاجتك ؟ فقال : أنا أكرم على الله من أن يجعل لي شيئا يشغلني به
وأخرج ابن عساكر عن مالك بن دينار قال : قال عيسى : معاشر الحواريين إن خشية الله وحب الفردوس يورثان الصبر على المشقة ويباعدان من زهرة الدنيا
وأخرج ابن عساكر عن عتبة بن يزيد قال : قال عيسى بن مريم : يا ابن آدم الضعيف اتق الله حيثما كنت وكل كسرتك من حلال واتخذ المسجد بيتا وكن في الدنيا ضعيفا وعود نفسك البكاء وقلبك التفكر وجسدك الصبر ولا تهتم برزقك غدا فإنها خطيئة تكتب عليك (2/202)
وأخرج ابن أبي الدنيا والاصبهاني في الترغيب عن محمد بن مطرف
أن عيسى قال : فذكره
وأخرج ابن أبي الدنيا عن وهيب المكي قال : بلغني أن عيسى عليه السلام قال : أصل كل خطيئة حب الدنيا
ورب شهوة أورثت أهلها حزنا طويلا
وأخرج ابن عساكر عن يحيى بن سعيد قال : كان عيسى يقول : اعبروا الدنيا ولا تعمروها وحب الدنيا رأس كل خطيئة والنظر يزرع في القلب الشهوة
وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن سفيان بن سعيد قال : كان عيسى عليه السلام يقول : حب الدنيا أصل كل خطيئة والمال فيه داء كبير
قالوا : وما داؤه ؟ قال : لا يسلم من الفخر والخيلاء
قالوا : فإن سلم ؟ قال : يشغله إصلاحه عن ذكر الله
وأخرج ابن المبارك عن عمران الكوفي قال : قال عيسى بن مريم للحواريين : لا تأخذوا ممن تعلمون الأجر الأمثل الذي أعطيتموني ويا ملح الأرض لا تفسدوا فإن كل شيء إذا فسد فإنما يداوى بالملح وإن الملح إذا فسد فليس له دواء واعلموا أن فيكم خصلتين من الجهل
الضحك من غير عجب والصبيحة من غير سهر
وأخرج الحكيم الترمذي عن يزيد بن ميسرة قال : قال عيسى عليه السلام : بالقلوب الصالحة يعمر الله الأرض وبها يخرب الأرض إذا كانت على غير ذلك
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن مالك بن دينار قال : كان عيسى بن مريم عليه السلام إذا مر بدار وقد مات أهلها وقف عليها فقال : ويح لأربابك الذين يتوارثونك كيف لم يعتبروا فعلك بإخوانهم الماضين ؟ ! وأخرج البيهقي عن مالك بن دينار قال : قالوا لعيسى عليه السلام يا روح الله ألا نبني لك بيتا ؟ قال : بلى
ابنوه علىساحل البحر قالوا : إذن يجيء الماء فيذهب به قال : أين تريدون ؟ تبنون لي على القنطرة ؟
وأخرج أحمد في الزهد عن بكر بن عبد الله قال : فقد الحواريون عيسى عليه السلام فخرجوا يطلبونه فوجدوه يمشي على الماء فقال بعضهم : يا نبي الله أنمشي إليك ؟ قال : نعم (2/203)
فوضع رجله ثم ذهب يضع الأخرى فانغمس فقال : هات يدك يا قصير الإيمان
لو أن لابن آدم مثقال حبة أو ذرة من اليقين إذن لمشى على الماء
وأخرج أحمد عن عبد الله بن نمير قال : سمعت أن عيسى عليه السلام قال : كانت ولم أكن وتكون ولا أكون فيها
وأخرج أحمد عن مالك بن دينار قال : لما بعث عيسى عليه السلام أكب الدنيا على وجهها فلما رفع رفعها الناس بعده
وأخرج عبد الله ابنه في زوائده عن الحسن قال : قال عيسى عليه السلام : اني أكببت الدنيا لوجهها وقعدت على ظهرها فليس لي ولد يموت ولا بيت يخرب
قالوا له : أفلا نتخذ لك بيتا ؟ قال : ابنوا لي على سبيل الطريق بيتا قالوا : لا يثبت ! قالوا : أفلا نتخذ لك زوجة ؟ قال : ما أصنع بزوجة تموت ! وأخرج أحمد عن خيثمة قال : مرت امرأة على عيسى عليه السلام فقالت : طوبى لثدي أرضعك وحجر حملك
فقال عيسى عليه السلام : طوبى لمن قرأ كتاب الله ثم عمل بما فيه
وأخرج أحمد عن وهب بن منبه قال : أوحى الله إلى عيسى عليه الصلاة و السلام : إني وهبت لك حب المساكين ورحمتهم تحبهم ويحبونك ويرضون بك إماما وقائدا وترضى بهم صحابة وتبعا وهما خلقان
اعلم أن من لقيني بهما لقيني بأزكى الأعمال وأحبها إلي
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن ميمون بن سياه قال : قال عيسى بن مريم : يا معشر الحواريين اتخذوا المساجد مساكن واجعلوا بيوتكم كمنازل الأضياف
فما لكم في العالم من منزل ان أنتم إلا عابري سبيل
وأخرج أحمد عن وهب بن منبه أن عيسى عليه السلام قال : بحق أن أقول لكم أن أكناف السماء لخالية من الأغنياء ولدخول جمل في سم الخياط أيسر من دخول غني الجنة
و اخرج عبد الله في زوائده عن جعفر بن حرفاس أن عيسى بن مريم قال : رأس الخطيئة حب الدنيا والخمر مفتاح كل شر والنساء حبالة الشيطان
وأخرج أحمد عن سفيان قال : قال عيسى بن عليه السلام : إن للحكمة أهلا (2/204)
فإن وضعتها في غير أهلها أضعتها وإن منعتها من أهلها ضيعتها
كن كالطبيب يضع الدواء حيث ينبغي
وأخرج أحمد عن محمد بن واسع أن عيسى بن مريم قال يا بني إسرائيل إني أعيذكم بالله أن تكونوا عارا على أهل الكتاب
يا بني إسرائيل قولكم شفاء يذهب الداء وأعمالكم داء لا تقبل الدواء
وأخرج أحمد عن وهب قال : قال عيسى لأحبار بني إسرائيل : لا تكونوا للناس كالذئب السارق وكالثعلب الخدوع وكالحدأ الخاطف
وأخرج أحمد عن مكحول قال : قال عيسى بن مريم : يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارا ؟ قالوا : يا روح الله ومن يقدر على ذلك ! قال : إياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارا
وأخرج أحمد عن زياد أبي عمرو قال : بلغني أن عيسى عليه السلام قال : إنه ليس بنافعك أن تعلم ما لم تعلم ولما تعمل بما قد علمت إن كثرة العلم لا تزيد إلا كبرا إذا لم تعمل به
وأخرج أحمد عن إبراهيم بن الوليد العبدي قال : بلغني أن عيسى عليه الصلاة و السلام قال : الزهد يدور في ثلاثة أيام : أمس خلا وعظت به واليوم زادك فيه وغدا لا تدري ما لك فيه
قال : والأمر يدور علىثلاثة
أمر بان لك رشده فاتبعه وأمر بان لك غيه فاجتنبه وأمر أشكل عليك فكله إلى الله عز و جل
وأخرج أحمد عن قتادة قال : قال عيسى عليه الصلام والسلام : سلوني فإن قلبي لين وإني صغير في نفسي
وأخرج أحمد عن بشير الدمشقي قال : مر عيسى عليه الصلاة و السلام بقوم فقال : اللهم اغفر لنا ثلاثا فقالوا : يا روح الله انا نريد أن نسمع منك اليوم موعظة ونسمع منك شيئا لم نسمعه فيما مضى ؟ فأوحى الله إلى عيسى أن قل لهم " اني من أغفر له مغفرة واحدة أصلح له بها دنياه وآخرته "
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن خثيمة قال : كان عيسى عليه السلام إذا دعا القراء قام عليهم ثم قال : هكذا اصنعوا بالقراء
وأخرج أحمد عن يزيد بن ميسرة قال : قال عيسى عليه السلام : إن أحببتم أن
تكونوا أصفياء الله ونور بني آدم من خلقه فاعفوا عمن ظلمكم وعودوا من لا يعودكم وأحسنوا إلى من لا يحسن اليكم وأقرضوا من لا يجزيكم (2/205)
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن عبيد بن عمير
أن عيسى عليه الصلاة و السلام كان يلبس الشعر ويأكل من ورق الشجر ويبيت حيث أمسى ولا يرفع غداء ولا عشاء لغد ويقول : يأتي كل يوم برزقه
وأخرج أحمد عن وهب قال : قال عيسى ابن مريم : يا دار تخربين ويفنى سكانك ويا نفس اعملي ترزقي ويا جسد انصب تسترح
وأخرج أحمد عن وهب ابن منبه قال : قال عيسى بن مريم للحواريين : بحق أقول لكم - وكان عيسى عليه الصلاة و السلام كثيرا ما يقول بحق - أقول لكم : إن أشدكم حبا للدنيا أشدكم جزعا على المصيبة
وأخرج أحمد عن عطاء الأزرق قال : بلغنا أن عيسى عليه الصلاة و السلام قال : يا معشر الحواريين كلوا خبز الشعير ونبات الأرض والماء القراح وإياكم وخبز البر فإنكم لا تقومون بشكره واعلموا أن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة وأشد مرارة الدنيا حلاوة الآخرة
وأخرج ابنه في زوائده عن عبد الله بن شوذب قال : قال عيسى بن مريم : جودة الثياب من خيلاء القلب
وأخرج أحمد عن سفيان قال : قال عيسى عليه الصلاة و السلام : إني ليس أحدثكم لتعجبوا إنما أحدثكم لتعلموا
وأخرج ابنه عن أبي حسان قال : قال عيسى بن مريم عليه الصلاة و السلام : كن كالطبيب العالم يضع دواءه حيث ينفع
وأخرج ابنه عن عمران بن سليمان قال : بلغني أن عيسى بن مريم قال : يا بني إسرائيل تهاونوا بالدنيا تهن عليكم وأهينوا الدنيا تكرم الآخرة عليكم ولا تكرموا الدنيا فتهون الآخرة عليكم فإن الدنيا ليست بأهل الكرامة وكل يوم تدعو للفتنة والخسارة
وأخرج ابن المبارك وأحمد عن أبي غالب قال في وصية عيسى عليه الصلاة و السلام : يا معشر الحواريين تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي وتقربوا إليه بالمقت لهم والتمسوا رضاه بسخطهم
قالوا : يا نبي الله فمن نجالس ؟ قال : جالسوا من
يزيد في عملكم منطقه ومن يذكركم الله رؤيته ويزهدكم في الدنيا عمله (2/206)
وأخرج أحمد عن مالك بن دينار قال : أوحى الله إلى عيسى " عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني "
وأخرج أحمد عن وهب قال : قال عيسى للحواريين : بقدر ما تنصبون ههنا تستريحون ههنا وبقدر ما تستريحون ههنا تنصبون ههنا
وأخرج ابن المبارك وأحمد عن سالم بن أبي الجعد قال : قال عيسى عليه الصلاة و السلام : طوبى لمن خزن لسانه ووسعه بيته وبكى من ذكر خطيئته
وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وأحمد عن هلال بن يساف قال : كان عيسى يقول : إذا تصدق أحدكم بيمينه فليخفها عن شماله وإذا صام فليدهن وليمسح شفتيه من دهنه حتى ينظر إليه الناظر فلا يرى أنه صائم وإذا صلى فليدن عليه ستر بابه فإن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا عن خالد الربعي قال : ثبت أن عيسى عليه الصلاة و السلام قال لأصحابه : أرأيتم لو أن أحدكم أتى على أخيه المسلم وهو نائم وقد كشفت الريح بعض ثوبه ؟ فقالوا : إذا كنا نرده عليه قال : لا
بل تكشفون ما بقي مثل ضربه للقوم يسمعون الرجل بالسيئة فيذكرون أكثر من ذلك
وأخرج أحمد عن أبي الجلد قال : قال عيسى بن مريم : فكرت في الخلق فإذا من لم يخلق كان أغبط عندي ممن خلق
وقال : لا تنظروا إلى ذنوب الناس كأنكم أرباب ولكن انظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد
والناس رجلان : مبتلى ومعافى فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي الهذيل قال : لقي عيسى يحيى فقال : أوصني قال : لا تغضب قال : لا أستطيع قال : لا تفتن ؟ مالا قال : أما هذا لعله
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال : مر عيسى عليه السلام والحواريون رضي الله تعالى عنهم على جيفة كلب فقالوا : ما أنتن هذا ! فقال : ما أشد بياض أسنانه
يعظهم وينهاهم عن الغيبة
وأخرج أحمد عن الأوزاعي قال : كان عيسى يحب العبد يتعلم المهنة يستغني بها عن الناس ويكره العبد يتعلم العلم يتخذه مهنة
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن أبي الدنيا عن سالم بن أبي الجعد
قال : قال عيسى عليه السلام : اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم انظروا إلى هذا الطير يغدوا ويروح ولا يحرث ولا يحصد الله تعالى يرزقها (2/207)
فإن قلتم نحن أعظم بطونا من الطير فإنظروا إلى هذه الأباقر من الوحش والحمر تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد الله تعالى يرزقها اتقوا فضول الدنيا فإن فضول الدنيا عند الله رجز
وأخرج أحمد عن وهب قال : إن إبليس قال لعيسى : زعمت أنك تحيي الموتى فإن كنت كذلك فادع الله أن يرد هذا الجبل خبزا فقال له عيسى : أوكل الناس يعيشون بالخبز ؟ قال : فإن كنت كما تقول فثب من هذا المكان فإن الملائكة ستلقاك قال : إن ربي أمرني أن لا أجرب نفسي فلا أدري هل يسلمني أم لا
وأخرج أحمد عن سالم بن أبي الجعد أن عيسى بن مريم كان يقول : للسائل حق وإن أتاك على فرس مطوق بالفضة
وأخرج عن بعضهم قال أوحى الله إلى عيسى : إن لم تطب نفسك أن تصفك الناس بالزاهد في لم أكتبك عندي راهبا فما يضرك إذا بغضك الناس وأنا عنك راض وما ينفعك حب الناس وأنا عليك ساخط
وأخرج أحمد عن الحضرمي وابن أبي الدنيا وابن عساكر عن فضيل بن عياض قالا : قيل لعيسى بن مريم بأي شيء تمشي على الماء ؟ قال : بالإيمان واليقين قالوا : فإنا آمنا كما آمنت وأيقنا كما أيقنت
قال : فامشوا إذن
فمشوا معه فجاء الموج فغرقوا فقال لهم عيسى : ما لكم ؟ قالوا : خفنا الموج قال : ألا خفتم رب الموج فأخرجهم ثم ضرب بيده إلى الأرض فقبض بها ثم بسطها فإذا في إحدى يديه ذهب وفي الأخرى مدر فقال : أيهما أحلى في قلوبكم ؟ قالوا : الذهب قال : فإنهما عندي سواء
وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وأحمد وابن عساكر عن الشعبي قال : كان عيسى بن مريم إذا ذكر عنده الساعة صاح ويقول : لا ينبغي لابن مريم أن تذكر عنده الساعة فيسكت
وأخرج أحمد وابن عساكر عن مجاهد قال : كان عيسى عليه السلام يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يخبىء اليوم لغد ويبيت حيث أواه الليل
ولم يكن له ولد فيموت ولا بيت فيخرب
وأخرج ابن عساكر عن الحسن : إن عيسى رأس الزاهدين يوم القيامة وإن
الفرارين بدينهم يحشرون يوم القيامة مع عيسى بن مريم وإن عيسى مر به إبليس يوما وهو متوسد حجرا وقد وجد لذة النوم فقال له إبليس : يا عيسى أليس تزعم أنك لا تريد شيئا من عرض الدنيا فهذا الحجر من عرض الدنيا ؟ فقام عيسى فأخذ الحجر فرمى به وقال : هذا لك مع الدنيا (2/208)
وأخرج ابن عساكر عن كعب أن عيسى كان يأكل الشعير ويمشي على رجليه ولا يركب الدواب ولا يسكن البيوت ولا يستصبح بالسراج ولا يلبس القطن ولا يمس النساء ولم يمس الطيب ولم يمزج شرابه بشيء قط ولم يبرده ولم يدهن رأسه قط ولم يقرب رأسه ولا لحيته غسول قط ولم يجعل بين الأرض وبين جلده شيئا قط إلا لباسه ولم يهتم لغداء قط ولا لعشاء قط ولا يشتهي شيئا من شهوات الدنيا
وكان يجالس الضعفاء والزمنى والمساكين وكان إذا قرب إليه الطعام على شيء وضعه على الأرض ولم يأكل مع الطعام إداما قط وكان يجتزي من الدنيا بالقوت القليل ويقول : هذا لمن يموت ويحاسب عليه كثير
وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال : بلغني أنه قيل لعيسى بن مريم : تزوج
قال : وما أصنع بالتزويج ؟ قالوا : تلد لك الأولاد
قال : الأولاد إن عاشوا أفتنوا وإن ماتوا أحزنوا
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن شعيب بن اسحق قال : قيل لعيسى : لو اتخذت بيتا قال : يكفينا خلقان من كان قبلنا
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ميسرة قال : قيل لعيسى : ألا تبني لك بيتا ؟ قال : لا أترك بعدي شيئا من الدنيا أذكر به
وأخرج ابن عساكر عن أبي سليمان قال : بينا عيسى يمشي في يوم صائف وقد مسه الحر والعطش فجلس في ظل خيمة فخرج إليه صاحب الخيمة فقال : يا عبد لله قم من ظلنا
فقام عيسى عليه السلام فجلس في الشمس وقال : ليس أنت الذي أقمتني إنما أقامني الذي لم يرد أن أصيب من الدنيا شيئا
وأخرج أحمد عن سفيان بن عيينة قال : كان عيسى ويحيى عليهما السلام يأتيان القرية فيسأل عيسى عليه السلام عن شرار أهلها ويسأل يحيى عليه السلام عن خيار أهلها فقال له : لم تنزل على شرار الناس ؟ قال : إنما أنا طبيب أداوي المرضى
وأخرج أحمد عن هشام الدستوائي قال : بلغني أن في حكمة عيسى بن مريم
عليه السلام : تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل ويحكم (2/209)
! علماء السوء
الأجر تأخذون والعمل تضيعون توشكون أن تخرجوا من الدنيا إلى ظلمة القبر وضيقه والله عز و جل ينهاكم عن المعاصي كما أمركم بالصوم والصلاة
كيف يكون من أهل العلم من دنياه آثر عنده من آخرته وهو في الدنيا أفضل رغبة ؟ كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته وهو مقبل على دنياه وما يضره أشهى إليه مما ينفعه ؟ وكيف يكون من أهل العلم من سخط واحتقر منزلته وهو يعلم أن ذلك من علم الله وقدرته ؟ كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله تعالى في قضاءه فليس يرضى بشيء أصابه ؟ كيف يكون من أهل العلم من طلب الكلام ليتحدث ولم يطلبه ليعمل به ؟ وأخرج أحمد عن سعيد بن عبد العزيز عن أشياخه أن عيسى عليه السلام مر بعقبة أفيق ومعه رجل من حواريه فاعترضهم رجل فمنعهم الطريق وقال : لا أترككما تجوزان حتى ألطم كل واحد منكما لطمة فحاولاه فأبى إلا ذاك فقال عيسى عليه السلام أما خدي فالطمه
فلطمه فخلى سبيله وقال للحواري : لا أدعك تجوز حتى ألطمك فتمنع عليه فلما رأى عيسى ذاك أعطاه خده الآخر فلطمه فخلى سبيلهما فقال عيسى عليه السلام : اللهم إن كان هذا لك رضى فبلغني رضاك وإن كان هذا سخطا فإنك أولى بالعفو
وأخرج عبد الله ابنه عن علي بن أبي طالب قال : بينما عيسى عليه السلام جالس مع أصحابه مرت به امرأة : فنظر إليها بعضهم فقال له بعض أصحابه : زنيت فقال له عيسى : أرأيت لو كنت صائما فمررت بشواء فشممته أكنت مفطرا ؟ قال : لا
وأخرج أحمد عن عطاء قال : قال عيسى : ما أدخل قرية يشاء أهلها أن يخرجوني منها إلا أخرجوني
يعني ليس لي فيها شيء قال : وكان عيسى عليه السلام يتخذ نعلين من لحي الشجر ويجعل شراكهما من ليف
وأخرج أحمد عن سعيد بن عبد العزيز قال : قال المسيح : ليس كما أريد ولكن كما تريد وليس كما أشاء ولكن كما تشاء
وأخرج أحمد عن سعيد بن عبد العزيز قال : بلغني أنه ما من كلمة كانت تقال لعيسى عليه السلام أحب إليه من أن يقال : هذا المسكين
وأخرج ابنه عن ابن حليس قال : قال عيسى : إن الشيطان مع الدنيا ومكره مع المال وتزيينه عند الهوى واستكماله عند الشهوات (2/210)
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن جعفر بن برقان قال : كان عيسى يقول : اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره ولا أملك نفع ما أرجو وأصبح الأمر بيد غيري وأصبحت مرتهنا بعملي فلا فقير أفقر مني فلا تشمت بي عدوي ولا تسيء بي صديقي ولا تجعل مصيبتي في ديني ولا تسلط علي من لا يرحمني
وأخرج أحمد عن وهب بن منبه قال : في كتب الحواريين إذا سلك بك سبيل البلاء فاعلم أنه سلك بك سبيل الأنبياء والصالحين وإذا سلك بك سبيل أهل الرخاء فاعلم أنه سلك بك غير سبيلهم وخولف بك عن طريقهم
وأخرج أحمد عن مالك بن دينار قال : قال عيسى : انما أبعثكم كالكباش تلتقطون خراف بني إسرائيل فلا تكونوا كالذئاب الضواري التي تخطتف الناس وعليكم بالخرفان ما لكم تأتون عليكم ثياب الشعر وقلوبكم قلوب الخنازير البسوا ثياب الملوك ولينوا قلوبكم بالخشية
وقال عيسى : يا ابن آدم اعمل بأعمال البر حتى يبلغ عملك عنان السماء فإن لم يكن حبا في الله ما أغنى ذلك عنك شيئا
وقال عيسى للحواريين : إن إبليس يريد أن يبخلكم فلا تقعوا في بخله
وأخرج أحمد عن الحسن بن علي الصنعاني قال : بلغنا أن عيسى عليه السلام قال : يا معشر الحواريين ادع الله أن يخفف عني هذه السكرة - يعني الموت - ثم قال عيسى : لقد خفت الموت خوفا أوقفني مخافتي من الموت على الموت
وأخرج أحمد عن وهب بن منبه أن عيسى عليه السلام كان واقفا على قبر ومعه الحواريون وصاحب القبر يدلى فيه فذكروا من ظلمة القبر ووحشته وضيقه فقال عيسى : قد كنتم فيما هو أضيق منه في أرحام أمهاتكم فإذا أحب الله أن يوسع وسع
وأخرج أحمد عن وهب قال : قال المسيح عليه السلام : أكثروا ذكر الله وحمده وتقديسه وأطيعوه فإنما يكفي أحدكم من الدعاء إذا كان الله تبارك وتعالى راضيا عليه أن يقول : اللهم اغفر لي خطيئتي واصلح لي معيشتي وعافني من المكاره يا إلهي
وأخرج أحمد عن أبي الجلد أن عيسى عليه السلام قال للحواريين : بحق
أقول لكم : ما الدنيا تريدون ولا الآخرة قالوا : يا رسول الله فسر لنا هذا فقد كنا نرى أنا نريد إحداهما ! قال : لو أردتم الدنيا لأطعتم رب الدنيا الذي مفاتيح خزائنها بيده فأعطاكم ولوأردتم الآخرة أطعتم رب الآخرة الذي يملكها فأعطاكم ولكن لا هذه تريدون ولا تلك (2/211)
وأخرج أحمد عن أبي عبيدة
أن الحواريين قالوا لعيسى : ماذا نأكل ؟ قال : تأكلون خبز الشعير وبقل البرية
قالوا : فماذا نشرب ؟ قال : تشربون ماء القراح
قالوا : فماذا نتوسد ؟ قال : توسدوا الأرض قالوا : ما نراك تأمرنا من العيش إلا بكل شديد ! قال : بهذا تنجون ولا تحلون ملكوت السموات حتى يفعله أحدكم وهو منه على شهوة قالوا : وكيف يكون ذلك ؟ قال : ألم تروا أن الرجل إذا جاع فما أحب إليه الكسرة وإن كانت شعيرا وإن عطش فما أحب إليه الماء وإن كان قراحا وإذا أطال القيام فما أحب إليه أن يتوسد الأرض
وأخرج أحمد عن عطاء أنه بلغه أن عيسى عليه السلام قال : ترج ببلاغة وتيقظ في ساعات الغفلة واحكم بلطف الفطنة لا تكن حلسا مطروحا وأنت حي تتنفس
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي هريرة قال : كان عيسى عليه السلام يقول : يا معشر الحواريين اتخذوا بيوتكم منازل واتخذوا المساجد مساكن وكلوا من بقل البرية واخرجوا من الدنيا بسلام
وأخرج أحمد عن إبراهيم التيمي أن عيسى عليه السلام قال : اجعلوا كنوزكم في السماء فإن قلب المرء عند كنزه
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن سعيد الجعفي قال : قال عيسى بن مريم عليه السلام : بيتي المسجد وطيبي الماء وإدامي الجوع وشعاري الخوف ودابتي رجلاي ومصطلاي في الشتاء مشارق الشمس وسراجي بالليل القمر وجلسائي الزمنى والمساكين وأمسي وليس لي شيء وأصبح وليس لي شيء وأنا بخير فمن أغنى مني
وأخرج ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض قال : قال عيسى : بطحت لكم الدنيا وجلستم على ظهرها فلا ينازعكم فيها إلا الملوك والنساء
فأما الملوك فلا تنازعوهم الدنيا فإنهم لم يعرضوا لكم دنياهم وأما النساء فاتقوهن بالصوم والصلاة
وأخرج ابن عساكر عن سفيان الثوري قال : قال المسيح عليه السلام : إنما تطلب الدنيا لتبر فتركها أبر (2/212)
وأخرج ابن عساكر عن شعيب بن صالح قال عيسى بن مريم : والله ما سكنت الدنيا في قلب عبد إلا التاط قلبه منها بثلاث : شغل لا ينفك عناه وفقر لا يدرك غناه وأمل لا يدرك منتهاه
الدنيا طالبة ومطلوبة
فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل فيها رزقه وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يجيء الموت فيأخذ بعنقه
وأخرج ابن عساكر عن يزيد بن ميسرة قال : قال عيسى بن مريم : كما توضعون كذلك ترفعون وكما ترحمون كذلك ترحمون وكما تقضون من حوائج الناس كذلك يقضي الله من حوائجكم
وأخرج أحمد وابن عساكر عن الشعبي قال : قال عيسى بن مريم : ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك تلك مكافأة إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك
وأخرج ابن عساكر عن ابن المبارك قال : بلغني أن عيسى بن مريم مر بقوم فشتموه فقال خيرا
ومر بآخرين فشتموه وزادوا فزادهم خيرا
فقال رجل من الحواريين : كلما زادوك شرا زدتهم خيرا كأنك تغريهم بنفسك ! فقال عيسى عليه السلام : كل إنسان يعطي ما عنده
وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن أنس قال : مر بعيسى بن مريم خنزير فقال : مر بسلام
فقيل له : يا روح الله لهذا الخنزير تقول ! قال : أكره أن أعود لساني الشر
وأخرج ابن أبي الدنيا عن سفيان قال : قالوا لعيسى بن مريم دلنا على عمل ندخل به الجنة قال : لا تنطقوا أبدا قالوا : لا نستطيع ذلك ! قال : فلا تنطقوا إلا بخير
وأخرج الخرائطي عن إبراهيم النخعي قال : قال عيسى بن مريم : خذوا الحق من أهل الباطل ولا تأخذوا الباطل من أهل الحق كونوا منتقدي الكلام كي لا يجوز عليكم الزيوف
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الزهد عن زكريا بن عدي قال : قال عيسى ابن مريم : يا معشر الحواريين ارضوا بدنيء الدنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا بدنيء الدين مع سلامة الدنيا
وأخرج ابن عساكر عن مالك بن دينار قال : قال عيسى بن مريم عليه السلام : أكل الشعير مع الرماد والنوم على المزابل مع الكلاب (2/213)
لقليل في طلب الفردوس
وأخرج ابن عساكر عن أنس بن مالك قال : كان عيسى بن مريم يقول : لا يطيق عبد أن يكون له ربان
إن أرضى أحدهما أسخط الآخر وإن أسخط أحدهما أرضى الآخر
وكذلك لا يطيق عبد أن يكون له خادما للدنيا يعمل عمل الآخرة
لا تهتموا بما تأكلون ولا ما تشربون فإن الله لم يخلق نفسا أعظم من رزقها ولا جسدا أعظم من كسوته فاعتبروا
وأخرج ابن عساكر عن المقبري
أنه بلغه أن عيسى بن مريم كان يقول : يا ابن آدم إذا عملت الحسنة فاله عنها فإنها عند من لا يضيعها وإذا عملت سيئة فاجعلها نصب عينك
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن أبي هلال أن عيسى بن مريم كان يقول : من كان يظن أن حرصا يزيد في رزقه فليزد في طوله أو في عرضه أو في عدد بنائه أو تغير لونه
إلا فإن الله خلق الخلق فهيأ الخلق لما خلق ثم قسم الرزق فمضى الرزق لما قسم فليست الدنيا بمعطية أحدا شيئا ليس له ولا بمانعة أحدا شيئا هو لكم فعليكم بعبادة ربكم فإنكم خلقتم لها
وأخرج ابن عساكر عن عمران بن سليمان قال : بلغني أن عيسى بن مريم عليه السلام قال لأصحابه : إن كنتم اخواني وأصحابي فوطنوا أنفسكم على العداوة والبغضاء من الناس
وأخرج أحمد والبيهقي عن عبد العزيز بن ظبيان قال : قال المسيح : من تعلم وعمل وعلم فذلك يدعى عظيما في ملكوت السماء
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إن عيسى بن مريم قام في بني إسرائيل فقال : يا معشر الحواريين لا تحدثوا بالحكمة غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم والأمور ثلاثة : أمر تبين رشده فاتبعوه وأمر تبين لكم غيه فاجتنبوه وأمر اختلف عليكم فيه فردوا علمه إلى الله تعالى "
وأخرج ابن عساكر عن عمرو بن قيس الملائي قال : قال عيسى بن مريم : إن منعت الحكمة أهلها جهلت وان منحتها غير أهلها جهلت
كن كالطبيب المداوي ان رأى موضعا للدواء والا أمسك
وأخرج عبد الله بن أحمد في الزهد وابن عساكر عن عكرمة قال : قال عيسى ابن مريم للحواريين : يا معشر الحواريين لا تطرحوا اللؤلؤ إلى الخنزير فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤة شيئا ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها فإن الحكمة خير من اللؤلؤ ومن لا يريدها شر من الخنزير (2/214)
وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه قال : قال عيسى : يا علماء السوء جلستم على أبواب الجنة
فلا أنتم تدخلونها ولا تدعون المساكين يدخلونها
إن شر الناس عند الله عالم يطلب الدنيا بعلمه
وأخرج ابن أبي شيبة عن سالم بن أبي الجعد قال : قال عيسى بن مريم عليه السلام : إن مثل حديث النفس بالخطيئة كمثل الدخان في البيت لا يحرقه فإنه ينتن ريحه ويغير لونه
قوله تعالى : والتوراة والإنجيل أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال : كان عيسى يقرأ التوراة والإنجيل
الآية 49
أخرج ابن جرير عن ابن إسحق أن عيسى جلس يوما مع غلمان من الكتاب فأخذ طينا ثم قال : أجعل لكم من هذا الطين طائرا ؟ قالوا : أو تستطيع ذلك ؟ قال : نعم
بإذن ربي
ثم هيأه حتى إذا جعله في هيئة الطائر نفخ فيه ثم قال : كن طائرا بإذن الله فخرج يطير من بين كفيه وخرج الغلمان بذلك من أمره فذكروه لمعلمهم فأفشوه في الناس
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج
أن عيسى قال : أي الطير أشد خلقا ؟ قال : الخفاش إنما هو لحم ففعل
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال : إنما خلق عيسى طيرا واحدا (2/215)
وهو الخفاش
قوله تعالى : وأبرىء الأكمه والأبرص أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس الأكمه الذي يولد وهو أعمى
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس قال الأكمه الأعمى الممسوح العين
وأخرج أبو عبيد والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد عن مجاهد قال الأكمه الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن عكرمة قال : الأكمه الأعمش
وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه قال : كان دعاء عيسى الذي يدعو به للمرضى والزمنى والعميان والمجانين وغيرهم : اللهم أنت إله من في السماء وإله من في الأرض لا إله فيهما غيرك وأنت جبار من في السماء وجبار من في الأرض لا جبار فيهما غيرك أنت ملك من في السماء وملك من في الأرض لا ملك فيهما غيرك قدرتك في السماء كقدرتك في الأرض وسلطانك في الأرض كسلطانك في السماء أسألك باسمك الكريم ووجهك المنير وملكك القديم إنك على كل شيء قدير
قال وهب : هذا للفزع والمجنون يقرأ عليه ويكتب له ويسقى ماؤه إن شاء الله تعالى
وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن وهب قال : لما صار عيسى ابن اثنتي عشرة سنة أوحى الله إلى أمه وهي بأرض مصر - وكانت هربت من قومها حين ولدته إلى أرض مصر - أن اطلعي به إلى الشام ففعلت فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنة وكانت نبوته ثلاث سنين ثم رفعه الله إليه
وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفا
من أطاق منهم أن يبلغه بلغه ومن لم يطق ذلك منهم أتاه فمشى إليه وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله تعالى
قوله تعالى : وأحيي الموتى بإذن الله
أخرج البيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر من طريق إسماعيل بن عياش عن محمد بن طلحة عن رجل (2/216)
أن عيسى بن مريم كان إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين يقرأ في الركعة الأولى تبارك الذي بيده الملك الملك الآية 1 وفي الثانية تنزيل السجدة السجدة الآية 2 فإذا فرغ مدح الله وأثنى عليه ثم دعا بسبعة أسماء : يا قديم يا حي يا دائم يا فرد يا وتر يا أحد يا صمد
قال البيهقي : ليس هذا بالقوي
وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن طلحة بن مصرف عن أبي بشر عن أبي الهذيل بلفظه وزاد في آخره : وكانت إذا أصابته شدة دعا بسبعة أسماء أخرى : يا حي يا قيوم يا الله يا رحمن يا ذا الجلال والاكرام يا نور السموات والأرض وما بينهما ورب العرش العظيم يا رب
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت عن معاوية بن قرة قال : سألت بنو إسرائيل عيسى فقالوا : إن سام بن نوح دفن ههنا قريبا فادع الله أن يبعثه لنا
فهتف فخرج أشمط
قالوا : إنه قد مات وهو شاب فما هذا البياض ؟ قال : ظننت أنها الصيحة ففزعت
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طرق عن ابن عباس قال : كانت إليهود يجتمعون إلىعيسى ويستهزئون به ويقولون له : يا عيسى ما أكل فلان البارحة وما ادخر في بيته لغد
فيخبرهم فيسخرون منه حتى إذا طال به وبهم وكان عيسى عليه السلام ليس له قرار ولا موضع يعرف إنما هو سائح في الأرض فمر ذات يوم بامرأة قاعدة عند قبر وهي تبكي فسألها
؟ فقالت : ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها
فصلى عيسى ركعتين ثم نادى : يا فلانة قومي بإذن الرحمن فاخرجي فتحرك القبر ثم نادى الثانية فانصدع القبر ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب فقالت أماه ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين ؟ يا أماه اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا يا روح الله سل ربي أن يردني إلى الأخرة وأن يهون علي كرب الموت
فدعا ربه فقبضها إليه فاستوت عليها الأرض
فبلغ ذلك إليهود فازدادوا عليه غضبا وكان ملك منهم في ناحية في مدينة يقال لها نصيبين جبارا عاتيا وأمر عيسى بالمسير إليه ليدعوه وأهل تلك المدينة إلى
المراجعة فمضى حتى شارف المدينة ومعه الحواريون فقال لأصحابه : ألا رجل منكم ينطلق إلى المدينة فينادي فيها فيقول : إن عيسى عبد الله ورسوله (2/217)
فقام رجل من الحواريين يقال له يعقوب فقال : أنا يا روح الله
قال : فاذهب فأنت أول من يتبرأ مني فقام آخر يقال له توصار وقال له : أنا معه قال : وأنت معه ومشيا فقام شمعون فقال : يا روح الله أكون ثالثهم فائذن لي أن أنال منك إن اضطررت إلى ذلك ؟ قال : نعم
فانطلقوا حتى إذا كانوا قريبا من المدينة قال لهما شمعون : ادخلا المدينة فبلغا ما أمرتما وأنا مقيم مكاني فإن ابتليتما أقبلت لكما
فانطلقا حتى دخلا المدينة وقد تحدث الناس بأمر عيسى وهم يقولون فيه أقبح القول وفي أمه
فنادى أحدهما وهو الأول : ألا إن عيسى عبد الله ورسوله فوثبوا إليهما من القائل أن عيسى عبد الله ورسوله ؟ فتبرأ الذي نادى فقال : ما قلت شيئا فقال الآخر : قد قلت وأنا أقول : إن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا به يا معشر بني إسرائيل خيرا لكم فانطلقوا به إلى ملكهم وكان جبارا طاغيا فقال له : ويلك ما تقول ؟ قال : أقول : إن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه
قال : كذبت
فقذفوا عيسى وأمه بالبهتان ثم قال له : تبرأ ويلك من عيسى وقل فيه مقالتنا
قال : لا أفعل
قال : إن لم تفعل قطعت يديك ورجليك وسمرت عينيك
فقال : افعل بنا ما أنت فاعل
ففعل به ذلك فألقاه على مزبلة في وسط مدينتهم
ثم أن الملك هم أن يقطع لسانه إذ دخل شمعون وقد اجتمع الناس فقال لهم : ما بال هذا المسكين ؟ قالوا : يزعم أن عيسى عبد الله ورسوله فقال شمعون : إأيها الملك أتأذن لي فأدنو منه فأسأله ؟ قال : نعم
قال له شمعون : أيها المبتلى ما تقول ؟ قال : أقول أن عيسى عبد الله ورسوله
قال : فما آية تعرفه ؟ قال يبرىء الأكمه والأبرص والسقيم
قال : هذا يفعله الأطباء فهل غيره ؟ قال : نعم يخبركم بما تأكلون وما تدخرون قال : هذا تفعله الكهنة فهل غير هذا ؟ قال : نعم يخلق من الطين كهيئة الطير قال : هذا قد تفعله السحرة يكون أخذه منهم
فجعل الملك يتعجب منه وسؤاله
قال : هل غير هذا ؟ قال : نعم
يحيي الموتى
قال : أيها الملك إنه ذكر أمرا عظيما وما أظن خلقا يقدر على ذلك إلا بإذن الله
ولا يقضي الله ذلك على يد ساحر كذاب فإن لم يكن عيسى رسولا فلا يقدر على ذلك وما فعل الله ذلك لأحد إلا لإبراهيم حين سأل ربه أرني كيف تحيي الموتى البقرة الآية 260 ومن مثل إبراهيم خليل الرحمن (2/218)
وأخرج ابن جرير عن ابن السدي وابن عساكر من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس قال : لما بعث الله عيسى عليه السلام وأمره بالدعوة لقيه بنو إسرائيل فأخرجوه فخرج هو وأمه يسيحون في الأرض فنزلوا في قرية على رجل فأضافهم وأحسن إليهم وكان لتلك المدينة ملك جبار فجاء ذلك الرجل يوما حزينا فدخل منزله ومريم عند امرأته فقالت لها : ما شأن زوجك أراه حزينا ؟ قالت : إن لنا ملكا يجعل على كل رجل منا يوما يطعمه هو وجنوده ويسقيهم الخمر فإن لم يفعل عاقبه
وإنه قد بلغت نوبته اليوم وليس عندنا سعة قالت : قولي له فلا يهتم فاني آمر ابني فيدعو له فيكفى ذلك
قالت مريم لعيسى في ذلك
فقال عيسى : يا أماه إني إن فعلت كان في ذلك شر قالت : لا تبال فانه قد أحسن إلينا وأكرمنا
قال عيسى : قولي له املأ قدورك وخوابيك ماء
فملأهن فدعا الله تعالى فتحول ما في القدور لحما ومرقا وخبزا وما في الخوابي خمرا لم ير الناس مثله قط
فلما جاء الملك أكل منه فلما شرب الخمر قال : من أين لك هذا الخمر ؟ ! قال : هو من أرض كذا وكذا
قال الملك : فإن خمري أوتى به من تلك الأرض فليس هو مثل هذا ! قال : هو من أرض أخرى
فلما خلط على الملك اشتد عليه فقال : إني أخبرك
عندي غلام لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه وإنه دعا الله تعالى فجعل الماء خمرا فقال له الملك : وكان له ابن يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بأيام وكان أحب الخلق إليه فقال : إن رجلا دعا الله تعالى فجعل الماء خمرا ليستجابن له حتى يحيي ابني
فدعا عيسى فكلمه وسأله أن يدعو الله أن يحيي ابنه فقال عيسى : لا تفعل فإنه إن عاش كان شرا قال الملك : لست أبالي أراه فلا أبالي ما كان قال عيسى عليه السلام : فإني إن أحييته تتركوني أنا وأمي نذهب حيث نشاء ؟ فقال الملك : نعم
فدعا الله فعاش الغلام
فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح وقالوا : أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه
فاقتتلوا
وذهب عيسى وأمه وصحبهما يهودي وكان مع إليهودي رغيفان ومع عيسى رغيف (2/219)
فقال له عيسى : تشاركني ؟ فقال اليهودي : نعم
فلما رأى أنه ليس مع عيسى عليه السلام إلا رغيف ندم فلما ناما جعل اليهودي يريد أن يأكل الرغيف
فيأكل لقمة فيقول له عيسى : ما تصنع ؟ فيقول له : لا شيء
حتى فرغ من الرغيف
فلما أصبحا قال له عيسى : هلم بطعامك فجاء برغيف فقال له عيسى : أين الرغيف الآخر ؟ قال : ما كان معي إلا واحد
فسكت عنه وانطلقوا فمروا براعي غنم فنادى عيسى : يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك
قال : نعم
فأعطاه شاة فذبحها وشواها ثم قال لليهودي : كل ولا تكسر عظما
فأكلا فلما شبعوا قذف عيسى العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه وقال : قومي بإذن الله
فقامت الشاة تثغوا فقال : يا صاحب الغنم خذ شاتك فقال له الراعي : من أنت ؟ ! قال : أنا عيسى ابن مريم قال : أنت الساحر ؟ وفر منه
قال عيسى لليهودي : بالذي أحيا هذه الشاة بعد ما أكلناها كم كان معك من الأرغفة أو - كم رغيف كان معك - فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد
فمر بصاحب بقر فقال : يا صاحب البقر أجزرنا من بقرك هذه عجلا
فأعطاه فذبحه وشواه وصاحب البقر ينظر فقال له عيسى : كل ولا تكسر عظما
فلما فرغوا قذف العظام في الجلد ثم ضربه بعصاه وقال : قم بإذن الله تعالى فقام له خوار فقال : يا صاحب البقر خذ عجلك
قال : من أنت ؟ قال : أنا عيسى قال : أنت عيسى الساحر ؟ ثم فر منه
قال عيسى لليهودي : بالذي أحيا هذه الشاة بعد ما أكلناها والعجل بعدما أكلناه كم رغيفا كان معك ؟ فحلف بذلك ما كان معه إلا رغيف واحد
فانطلقا حتى نزلا قرية فنزل إليهودي في أعلاها وعيسى في أسفلها وأخذ إليهودي عصا مثل عصا عيسى وقال : أنا اليوم أحيي الموتى
وكان ملك تلك القرية مريضا شديد المرض
فانطلق إليهودي ينادي : من يبغي طبيبا ؟ فأخبر بالملك وبوجعه فقال : أدخلوني عليه فأنا أبرئه وإن رأيتموه قد مات فأنا أحييه فقيل له : إن وجع الملك قد أعيا الأطباء قبلك ! قال : أدخلوني عليه فأدخل عليه فأخذ الرجل برجل الملك فضربه بعصاه حتى مات فجعل يضربه وهو ميت ويقول : قم بإذن الله تعالى
فأخذوه ليصلبوه فبلغ عيسى فأقبل إليه وقد رفع على الخشبة فقال : أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركون لي صاحبي ؟ فقالوا : نعم (2/220)
فأحيا عيسى الملك فقام
وأنزل إليهودي فقال : يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة والله لا أفارقك ابدا
قال عيسى أنشدك بالذي أحيا الشاة والعجل بعد ما أكلناهما وأحيا هذا بعد ما مات وأنزلك من الجذع بعد رفعك عليه لتصلب
كم رغيفا كان معك ؟ فحلف بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد
فانطلقا فمرا بثلاث لبنات فدعا الله عيسى فصيرهن من ذهب قال : يا يهودي لبنة لي ولبنة لك ولبنة لمن أكل الرغيف
قال : أنا أكلت الرغيف
وأخرج ابن عساكر عن ليث قال : صحب رجل عيسى بن مريم فانطلقا فانتهيا إلى شاطىء نهر فجلسا يتغديان ومعهما ثلاثة أرغفة فأكلا الرغيفين وبقي رغيف
فقام عيسى إلى النهر يشرب ثم رجع فلم يجد الرغيف
فقال للرجل : من أكل الرغيف ؟ قال : لا أدري ! فانطلق معه فرأى ظبية معها خشفان فدعا أحدهما فأتاه فذبحه وشواه وأكلا ثم قال للخشف : قم بإذن الله فقام فقال للرجل : أسألك بالذي أراك هذه الآية من أكل الرغيف ؟ قال : لا أدري ! ثم انتهيا إلى البحر فأخذ عيسى بيد الرجل فمشى على الماء ثم قال : أنشدك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف ؟ قال : لا أدري
ثم انتهيا إلى مفازة وأخذ عيسى ترابا وطينا فقال : كن ذهبا بإذن الله
فصار ذهبا فقسمه ثلاثة أثلاث فقال : ثلث لك وثلث لي وثلث لمن أخذ الرغيف
قال : أنا أخذته
قال : فكله لك وفارقه عيسى فانتهى إليه رجلان فأرادا أن يأخذاه ويقتلاه قال : هو بيننا أثلاثا فابعثوا أحدكم إلى القرية يشتري لنا طعاما
فبعثوا أحدهم فقال الذي بعث : لأي شيء أقاسم هؤلاء المال ولكن أضع في الطعام سما فأقتلهما
وقال ذانك : لأي شيء نعطي هذا ثلث المال ولكن إذا رجع قتلناه
فلما رجع إليهم قتلوه وأكلا الطعام فماتا
فبقي ذلك المال في المفازة وأولئك الثلاثة قتلى عنده
وأخرج أحمد في الزهد عن خالد الحذاء قال : كان عيسى بن مريم إذا سرح رسله يحيون الموتى يقول لهم : قولوا كذا قولوا كذا فإذا وجدتم قشعريرة ودمعة فادعوا عند ذلك
وأخرج أحمد في الزهد عن ثابت قال : انطلق عيسى عليه الصلاة و السلام يزور أخا له فاستقبله إنسان فقال : إن أخاك قد مات (2/221)
فرجع فسمع بنات أخيه برجوعه عنهن فأتينه فقلن يا رسول الله رجوعك عنا أشد علينا من موت أبينا قال : فانطلقن فأرينني قبره فانطلقن حتى أرينه قبره قال : فصوت به فخرج وهو أشيب فقال : ألست فلانا
؟ قال : بلى
قال : فما الذي أرى بك ؟ قال : سمعت صوتك فحسبته الصيحة
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون قال : بما أكلتم الراحة من طعام وما خبأتم منه
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : كان عيسى يقول للغلام في الكتاب : إن أهلك قد خبأوا لك كذا وكذا
فذلك قوله وما تدخرون
وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : كان عيسى بن مريم وهو غلام يلعب مع الصبيان فكان يقول لأحدهم : تريد أن أخبرك بما خبأت لك أمك ؟ فيقول : نعم
فيقول : خبأت لك كذا وكذا
فيذهب الغلام منهم إلى أمه فيقول لها : أطعميني ما خبأت لي قالت : وأي شيء خبأت لك ؟ فيقول : كذا وكذا
فتقول : من أخبرك ؟ ! فيقول : عيسى بن مريم فقالوا : والله لئن تركتم هؤلاء الصبيان مع عيسى ليفسدنهم
فجمعوهم في بيت وأغلقوا عليهم فخرج عيسى يتلمسهم فلم يجدهم حتى سمع ضوضاءهم في بيت فسأل عنهم فقالوا : يا هؤلاء كأن هؤلاء الصبيان ! قالوا : لا
إنما هؤلاء قردة وخنازير قال : اللهم اجعلهم قردة وخنازير
فكانوا كذلك
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمار بن ياسر قال أنبئكم بما تأكلون من المائدة وما تدخرون منها وكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت أن يأكلوا ولا يدخروا وخافوا فجعلوا قردة وخنازير
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود وما تدخرون مثقلة بالإدغام
آية 50 - 51 (2/222)
أخرج ابن جرير عن وهب
أن عيسى كان على شريعة موسى عليهما السلام وكان يسبت ويستقبل بيت المقدس وقال لبني إسرائيل : إني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة إلا ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وأضع عنكم من الآصار
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم قال : كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى وكان قد حرم عليهم فيما جاء به موسى لحوم الإبل والثروب فأحلهما لهم على لسان عيسى وحرمت عليهم الشحوم فأحلت لهم فيما جاء به عيسى وفي أشياء من السمك وفي أشياء من الطير ما لا صيصية له الصيصية في اللغة شوكة الديك وأراد بها هنا مخلب الطير وفي أشياء أخر حرمها عليهم وشدد عليهم فيها
فجاءهم عيسى بالتخفيف منه في الإنجيل
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة
مثله
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله وجئتكم بآية من ربكم قال : ما بين لهم عيسى من الأشياء كلها وما أعطاه ربه
الآية 52
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله فلما أحس عيسى منهم الكفر قال : كفروا وأرادوا قتله
فذلك حين استنصر قومه
فذلك حين يقول فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة الصف الآية 14
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد من أنصاري إلى الله قال : من يتبعني إلى الله (2/223)
وأخرج ابن جرير عن السدي من أنصاري إلى الله يقول : مع الله
وأما قوله تعالى : قال الحواريون الآية
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : إنما سموا الحواريين لبياض ثيابهم
كانوا صيادين
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي أرطاة قال الحواريون الغسالون الذين يحورون الثياب : يغسلونها
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال الحواريون الغسالون وهو بالنبطية هواري وبالعربية المحور
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال الحواريون قصارون مر بهم عيسى فآمنوا به واتبعوه
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال الحواريون هم الذين تصلح لهم الخلافة
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال الحواريون أصفياء الأنبياء
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة قال : " الحواري " الوزير
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة قال : " الحواري " الناصر
وأخرج البخاري والترمذي وابن المنذر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إن لكل نبي حواريا وإن حواري الزبير
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أسيد بن يزيد قال واشهد بأننا مسلمون في مصحف عثمان ثلاثة أحرف
آية 53 - 54
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني
وابن مردويه عن ابن عباس في قوله فاكتبنا مع الشاهدين قال : مع محمد صلى الله عليه و سلم وأمته (2/224)
أنهم شهدوا له أنه قد بلغ وشهدوا للرسل أنهم قد بلغوا
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس فاكتبنا مع الشاهدين قال : مع أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول إذا قضى صلاته : اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك - فإن للسائلين عليك حقا - أيما عبد أو أمة من أهل البر والبحر تقبلت دعوتهم واستجبت دعاءهم أن تشركنا في صالح ما يدعونك به وأن تعافينا وإياهم وأن تقبل منا ومنهم وأن تجاوز عنا وعنهم بأنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين وكان يقول : لا يتكلم بهذا أحد من خلقه إلا أشركه الله في دعوة أهل برهم وبحرهم فعمتهم وهو مكانه "
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : إن بني إسرائيل حصروا عيسى وتسعة عشر رجلا من الحواريين في بيت فقال عيسى لأصحابه : من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنة ؟ فأخذها رجل منهم وصعد بعيسى إلى السماء
فذلك قوله ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين
الآيات 55 - 57
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله إني متوفيك يقول : إني مميتك
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال متوفيك من الأرض (2/225)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن الحسن في قوله إني متوفيك يعني وفاة المنام رفعه الله في منامه قال الحسن : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لليهود : " إن عيسى لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة "
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة إني متوفيك ورافعك إلي قال : هذا من المقدم والمؤخر
أي رافعك إلي ومتوفيك
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مطر الوراق في الآية قال متوفيك من الدنيا وليس بوفاة موت
وأخرج ابن جرير بسند صحيح عن كعب قال : لما رأى عيسى قلة من اتبعه وكثرة من كذبه شكا ذلك إلى الله
فأوحى الله إليه إني متوفيك ورافعك إلي وإني سأبعثك على الأعور الدجال فتقتله ثم تعيش بعد ذلك أربعا وعشرين سنة ثم أميتك ميتة الحي
قال كعب : وذلك تصديق حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث قال : " كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها ؟ "
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن الحسن قال : لم يكن نبي كانت العجائب في زمانه أكثر من عيسى إلى أن رفعه الله وكان من سبب رفعه أن ملكا جبارا يقال له داود بن نوذا وكان ملك بني إسرائيل هو الذي بعث في طلبه ليقتله وكان الله أنزل عليه الإنجيل وهو ابن ثلاث عشرة سنة ورفع وهو ابن أربع وثلاثين سنة من ميلاده
فأوحى الله إليه إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا يعني ومخلصك من اليهود فلا يصلون إلى قتلك
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن الحسن في الآية قال : رفعه الله إليه فهو عنده في السماء
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب قال : توفى الله عيسى بن مريم ثلاث ساعات من النهار حتى رفعه إليه
وأخرج ابن عساكر عن وهب قال : أماته الله ثلاثة أيام ثم بعثه ورفعه
وأخرج الحاكم عن وهب أن الله توفى عيسى سبع ساعات ثم أحياه وأن مريم حملت به ولها ثلاث عشرة سنة وأنه رفع ابن ثلاث وثلاثين وأن أمه بقيت بعد رفعه ست سنين
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طريق جوهر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله إني متوفيك ورافعك يعني رافعك ثم متوفيك في آخر الزمان (2/226)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جرير في الآية قال : رفعه إياه توفيته
وأخرج الحاكم عن الحريث بن مخشبي أن عليا قتل صبحة إحدى وعشرين من رمضان فسمعت الحسن بن علي وهو يقول : قتل ليلة أنزل القرآن وليلة أسري بعيسى وليلة قبض موسى
وأخرج ابن سعد وأحمد في الزهد والحاكم عن سعيد بن المسيب قال : رفع عيسى ابن ثلاث وثلاثين سنة ومات لها معاذ
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ومطهرك من الذين كفروا قال : طهره من اليهود والنصارى والمجوس ومن كفار قومه
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير ومطهرك من الذين كفروا قال : إذ هموا منك بما هموا
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة قال : أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسنته فلا يزالون ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال : ناصر من اتبعك على الإسلام على الذين كفروا إلى يوم القيامة
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن النعمان بن بشير " سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين لا يبالون من خالفهم حتى يأتي أمر الله
قال النعمان : فمن قال إني أقول على رسول الله ما لم يقل فإن تصديق ذلك في كتاب الله تعالى
قال الله تعالى وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة
الآية "
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن وجاعل الذين اتبعوك قال : هم المسلمون ونحن منهم ونحن فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة
وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن أبي سفيان قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : إنها لن تبرح عصابة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على الناس حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك
ثم قرأ بهذه الآية يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي
ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة " (2/227)
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : النصارى فوق اليهود إلى يوم القيامة فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق يهود في شرق ولا غرب هم في البلد كلها مستذلون
وأخرج ابن المنذر عن الحسن في الآية قال : عيسى مرفوع عند الله ثم ينزل قبل يوم القيامة فمن صدق عيسى ومحمدا صلى الله عليه و سلم وكان على دينهما لم يزالوا ظاهرين على من فارقهم إلى يوم القيامة
وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس في قوله وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات يقول : أدوا فرائضي فيوفيهم أجورهم يقول : فيعطيهم جزاء أعمالهم الصالحة كاملا لا يبخسون منه شيئا ولا ينقصونه
الآية 58
أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال " أتى رسول الله راهبا نجران فقال أحدهما : من أبو عيسى ؟ وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يعجل حتى يأمره ربه
فنزل عليه ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم إلى قوله من الممترين "
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله والذكر الحكيم قال : القرآن
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي " سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ستكون فتن قلت : فما المخرج منها ؟ قال : كتاب الله وهو الذكر الحكيم والصراط المستقيم "
آية 59 - 63
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس " أن رهطا من أهل نجران قدموا على النبي صلى الله عليه و سلم وكان فيهم السيد والعاقب فقالوا له : ما شأنك تذكر صاحبنا ؟ قال : من هو ؟ قالوا : عيسى تزعم أنه عبد الله ! قال : أجل إنه عبد الله (2/228)
قالوا : فهل رأيت مثل عيسى أو أنبئت به
ثم خرجوا من عنده فجاءه جبريل فقال : قل لهم إذا أتوك إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم إلى آخر الآية "
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : " ذكر لنا أن سيدي أهل نجران وأسقفيهم السيد والعاقب لقيا نبي الله صلى الله عليه و سلم فسألاه عن عيسى فقالا : كل آدمي له أب فما شأن عيسى لا أب له ؟ فأنزل الله فيه هذه الآية إن مثل عيسى عند الله
الآية "
وأخرج ابن جرير عن السدي قال " لما بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم وسمع به أهل نجران أتاه منهم أربعة نفر من خيارهم منهم السيد والعاقب وماسرجس ومار بحر فسألوه ما تقول في عيسى ؟ قال : هو عبد الله وروحه وكلمته قالوا هم : لا ولكنه هو الله نزل من ملكه فدخل في جوف مريم ثم خرج منها فأرانا قدرته وأمره فهل رأيت انسانا قط خلق من غير أب ؟ فأنزل الله إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم
الآية "
وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله إن مثل عيسى
الآية قال : نزلت في العاقب والسيد من أهل نجران
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال " بلغنا أن نصارى نجران قدم وفدهم على النبي صلى الله عليه و سلم فيهم السيد والعاقب وهما يومئذ سيدا أهل نجران فقالوا : يا محمد فيم تشتم صاحبنا ؟ قال : من صاحبكم ؟ ! قالوا : عيسى بن مريم تزعم أنه عبد
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أجل إنه عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه
فغضبوا وقالوا : إن كنت صادقا فأرنا عبدا يحيي الموتى ويبرىء الأكمه ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه لكنه الله
فسكت حتى أتاه جبريل فقال : يا محمد لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم
المائدة الآية 17 الآية
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يا جبريل إنهم سألوني أن أخبرهم بمثل عيسى
قال جبريل إن مثل عيسى
عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون فلما أصبحوا عادوا فقرأ عليهم الآيات " (2/229)
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن الأزرق بن قيس قال : " جاء أسقف نجران والعاقب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فعرض عليهما الإسلام فقالا : قد كنا مسلمين قبلك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : كذبتما منع الإسلام منكما ثلاث : قولكما اتخذ الله ولدا وسجودكما للصليب وأكلكما لحم الخنزير قالا : فمن أبو عيسى ؟ فلم يدر ما يقول
فأنزل الله إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم إلى قوله بالمفسدين فلما نزلت هذه الآيات دعاهما رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الملاعنة فقالا : انه إن كان نبيا فلا ينبغي لنا أن نلاعنه فأبيا فقالا : ما تعرض سوى هذا ؟ فقال : الإسلام أو الجزية أو الحرب فأقروا بالجزية "
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة الحق من ربك فلا تكن من الممترين يعني فلا تكن في شك من عيسى أنه كمثل آدم عبد الله ورسوله وكلمته
وأخرج ابن المنذر عن الشعبي قال : " قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا : حدثنا عن عيسى بن مريم قال : رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم
قالوا : ينبغي لعيسى أن يكون فوق هذا
فأنزل الله إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم
الآية
قالوا : ما ينبغي لعيسى أن يكون مثل آدم
فأنزل الله فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم
الآية "
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن الحرث بن جزء الزبيدي " أنه سمع النبي صلى الله عليه و سلم يقول : ليت بيني وبين أهل نجران حجابا فلا أراهم ولا يروني من شدة ما كانوا يمارون النبي صلى الله عليه و سلم "
وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق سلمة بن عبد يشوع عن أبيه عن جده " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان : بسم الله إله إبراهيم وإسحق ويعقوب من محمد رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران
إن أسلمتم فإني أحمد إليكم الله إله إبراهيم وإسحق ويعقوب
أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد فإن أبيتم فالجزية وإن أبيتم آذنتكم بالحرب والسلام
فلما قرأ الأسقف الكتاب فظع به
وذعر ذعرا شديدا فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة فدفع إليه كتاب النبي صلى الله عليه و سلم فقرأه فقال له الأسقف : ما رأيك (2/230)
؟ فقال شرحبيل : قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة فما يؤمن أن يكون هذا الرجل ! ليس لي في النبوة رأي لو كان رأي من أمر الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك
فبعث الأسقف إلى واحد بعد واحد من أهل نجران فكلهم قال مثل قول شرحبيل فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة وعبد الله بن شرحبيل وجبار بن فيض فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم فانطلق الوفد حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فسألهم وسألوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له : ما تقول في عيسى بن مريم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى صبح الغد
فأنزل الله هذه الآية إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب إلى قوله فنجعل لعنة الله على الكاذبين فأبوا أن يقروا بذلك
فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه و سلم الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشي خلف ظهره للملاعنة وله يومئذ عدة نسوة فقال شرحبيل لصاحبه : إني أرى أمرا مقبلا إن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك فقالا له : ما رأيك ؟ فقال : رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلا لا يحكم شططا ابدا
فقالا له : أنت وذاك
فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك قال : وما هو ؟ قال : حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح فمهما حكمت فينا فهو جائز
فرجع رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يلاعنهم وصالحهم على الجزية "
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو نعيم في الدلائل عن حذيفة " أن العاقب والسيد أتيا رسول الله صلى الله عليه و سلم فأراد أن يلاعنهما فقال أحدهما لصاحبه : لا تلاعنه فوالله لئن كان نبيا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعده فقالوا له : نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلا أمينا فقال : قم يا أبا عبيدة
فلما وقف قال : هذا أمين هذه الأمة "
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن جابر قال " قدم على النبي صلى الله عليه و سلم العاقب والسيد فدعاهما إلى الإسلام فقالا : أسلمنا يا محمد