صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
[ الدر المنثور - السيوطي ] |
قوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبجوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (1/186)
ابن ابي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت عن ابن عباس قال : كانت مدينتان في بني إسرائيل
وأحداها حصينة ولها أبواب والآخرى خربة
فكان أهل المدينة الحصينة إذا أمسوا أغلقوا أبوابها فإذا أصبحوا قاموا على سور المدينة فنظروا هل حدث فيما حولها حادث فأصبحوا يوما فإذا شيخ قتيل مطروح بأصل مدينتهم فأقبل أهل المدينة الخربة فقالوا : قتلتم صاحبنا وابن أخ له شاب يبكي عليه ويقول : قتلتم عمي
قالوا : والله ما فتحنا مدينتنا منذ أغلقناها وما لدينا من دم صاحبكم هذا ! فأتوا موسى فأوحى الله إلىموسى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة إلى قوله فذبحوها وما كادوا يفعلون
قال : وكان في بني إسرائيل غلام شاب يبيع في حانوت له وكان له أب شيخ كبير فأقبل رجل من بلد آخر يطلب سلعة له عنده فأعطاه بها ثمنا فانطلق معه ليفتح حانوته فيعطيه الذي طلب والمفتاح مع أبيه فإذا أبوه نائم في ظل الحانوت فقال : أيقظه
قال ابنه : إنه نائم وأنا أكره أن أروعه من نومته
فانصرفا فأعطاه ضعف ما أعطاه على أن يوقظه فأبى فذهب طالب السلعة
فاستيقظ الشيخ فقال له ابنه : يا أبت والله لقد جاء ههنا رجل يطلب سلعة كذا فأعطى بها من الثمن كذا وكذا فكرهت أن أروعك من نومك فلامه الشيخ فعوضه الله من بره بوالده أن نتجت من بقر تلك البقرة التي يطلبها بنو إسرائيل فأتوه فقالوا له : بعناها فقال : لا
قالوا : إذن نأخذ منك
فأتوا موسى فقال : اذهبوا فأرضوه من سلعته
قالوا : حكمك ؟ قال : حكمي أن تضعوا البقرة في كفة الميزان ذهبا صامتا في الكفة الآخرى فإذا مال الذهب أخذته ففعلوا وأقبلوا بالبقرة حتى انتهوا بها إلى قبر الشيخ واجتمع أهل المدينتين فذبحوها فضرب ببضعة من لحمها القبر فقام الشيخ ينفض رأسه يقول : قتلني ابن أخي طال عليه عمري وأراد أخذ مالي ومات
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عبيدة السلماني قال : كان رجل من بني اسرائيل عقيما لا يولد له وكان له مال
كثير وكان ابن أخيه وارثه فقتله ثم احتمله ليلا فوضعه على باب رجل منهم ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم إلى بعض فقال ذوو الرأي منهم : علا م يقتل بعضكم بعضا وهذا رسول الله فيكم ؟ فأتوا موسى فذكروا ذلك له فقال إن الله يأمركم أن تذبجوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قال : فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة ولكنهم شددوا فشدد عليهم حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها فقال : والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهبا فذبحوها فضربوه ببعضها فقام فقالوا : من قتلك ؟ فقال : هذا لإبن أخيه ثم مال ميتا فلم يعط من ماله شيئا ولم يورث قاتل بعد (1/187)
وأخرج عبد الرزاق عن عبيدة قال : أول ما قضي أنه لا يرث القاتل في صاحب بني إسرائيل
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال : أول ما منع القاتل الميراث لكان صاحب البقرة
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : إن شيخا من بني إسرائيل على عهد موسى كان مكثرا من المال وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم وكان الشيخ لا ولد له وكان بنو أخيه ورثته فقالوا : ليت عمنا قد مات فورثنا ماله وأنه لما تطاول عليهم أن لا يموت أتاهم الشيطان فقال : هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها ديته وذلك أنهما كانتا مدينتين كانوا في أحداهما وكان القتيل إذ قتل فطرح بين المدينتين قيس ما بين القتيل والقريتين فأيهما كانت أقرب إليه غرمت الدية وأنهم لما سول لهم الشيطان ذلك عمدوا إليه فقتلوه ثم طرحوه على باب المدينة التي ليسوا بها فلما أصبح أهل المدينة جاء بنو أخي الشيخ فقالوا : عمنا قتل على باب مدينتكم فوالله لتغرمن لنا ديته
قال : أهل المدينة نقسم بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا فعمدوا إلى موسى فجاءه جبريل فقال : قل لهم إن الله يأمركم أن تذبجوا بقرة فتضربوه ببعضها
وأخرج سفيان بن عينية عن عكرمة قال : كان لبني إسرائيل مسجد له اثنا عشر بابا لكل سبط منهم باب يدخلون منه ويخرجون فوجد قتيل على باب سبط من
الأسباط قتل على باب سبط وجر إلى باب سبط آخر فاختصم فيه أهل السبطين (1/188)
فقال هؤلاء : أنتم قتلتم هذا وقال الآخرون : بل أنتم قتلتموه ثم جررتموه إلينا
فاختصموا إلى موسى فقال ن الله يأمركم أن تذبجوا بقرة
الآية
قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك قال : فذهبوا يطلبونها فكأنها تعذرت عليهم فرجعوا إلى موسى فقالوا قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي
وإنا إن شاء الله لمهتدون ولولا أنهم قالوا إن شاء الله ما وجدوها قال : إنه يقول إنها بقرة لا ذلول ألا وإنما كانت البقرة يومئذ بثلاثة دنانير ولو أنهم أخذوا أدنى بقرهم فذبحوها كفتهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم
فذهبوا يطلبونها فيجدون هذه الصفة عند رجل فقالوا : تبيعنا هذه البقرة ؟ قال : أبيعها
قالوا : بكم تبيعها ؟ قال : بمائة دينار
فقالوا : إنها بقرة بثلاثة دنانير ! فأبوا أن يأخذوها فرجعوا إلى موسى فقالوا : وجدناها عند رجل فقال لا أنقطكم من مائة دينار وإنها بقرة بثلاثة دنانير قال : هو أعلم هو صاحبها إن شاء باع وإن لم شاء لم يبع فرجعوا إلى الرجل فقالوا : قد أخذناها بمائة دينار
فقال : لا أنقصها عن مائتي دينار
فقالوا سبحان الله
! قد بعتنا بمائة دينار ورضيت فقد أخذناها
قال : ليس أنقصها من مائتي دينار
فتركوها ورجعوا إلى موسى فقالوا له : قد أعطاناها بمائة دينار فلما رجعنا إليه قال : لا أنقصها من مائتي دينار
قال : هو أعلم إن شاء باعها وإن شاء لم يبعها فعادوا إليه فقالوا : قد أخذناها بمائتي دينار
فقال : لا أنقصها من أربعمائة دينار
قالوا : قد كنت أعطيتناها بمائتي دينار فقد أخذناها ! فقال : ليس أنقصها من أربعمائة دينار فتركوها وعادوا إلى موسى فقالوا : قد أعطيناه مائتي دينار فأبى أن يأخذها وقال : لا أنقصها من أربعمائة دينار
فقال : هو أعلم هو صاحبها إن شاء باع وإن شاء لم يبع فرجعوا إليه فقالوا : قد أخذناها بأربعمائة دينار فقال : لا أنقصها من ثمانمائة دينار
فلم يزالوا يعودون إلى موسى ويعودون عليه فكلما عادوا إليه أضعف عليه الثمن حتى قال : ليس أبيعها إلا بملء مسكها فأخذوها فذبحوها فقال : اضربوه ببعضها فضربوه بفخذها فعاش
فقال : قتلني فلان
فإذا هو رجل كان له عم وكان لعمه مال كثير وكان له ابنة فقال : أقتل
عمي هذا وأرث ماله وأتزوج ابنته فقتل عمه فلم يرث شيئا ولم يورث قاتل منذ ذلك شيئا قال موسى : إن لهذه البقرة لشأنا ادعوا إلي صاحبها فدعوه فقال : أخبرني عن هذه البقرة وعن شأنها ؟ قال : نعم (1/189)
كنت رجلا أبيع في السوق وأشتري فسامني رجل بضاعة عندي فبعته إياها وكنت قد أشرفت منها على فضل كبير فذهبت لآتيه بما قد بعته فوجدت المفتاح تحت رأس والدتي فكرهت أن أوقظها من نومها ورجعت إلى الرجل فقلت : ليس بيني وبينك بيع فذهب ثم رجعت فنتجت لي هذه البقرة فألقى الله عليها مني محبة فلم يكن عندي شيء أحب إلي منها فقيل له إنما أصبت هذا ببر والدتك
قوله تعالى : قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تأمرون قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول أنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال إنه يقول أنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث مسلمة لاشية قالوا ألن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون
البزار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إن بني إسرائيل لو أخذوا أدنى بقرة لأجزاهم ذلك أو لأجزأت عنهم
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " لولا أن بني إسرائيل قالوا وإنا إن شاء الله لمهتدون ما أعطوا أبدا ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم "
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر عن عكرمة يبلغ به النبي صلى الله عليه و سلم " فقال لو أن بني إسرائيل أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم ولكنهم شددوا ولولا أنهم قالوا وإنا إن شاء الله لمهتدون ما وجدوها "
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " إنما أمروا بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد الله عليهم ولو لم يستثنوا ما بينت لهم آخر الأبد " (1/190)
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه و سلم كان يقول " إنما أمر القوم بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد عليهم والذي نفس محمد بيده لو لم يستثنوا ما بينت لهم "
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال : لو أخذوا أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا وتعنتوا موسى فشدد الله عليهم
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك قال : الفارض الهرمة والبكر الصغيرة والعوان النصف
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز و جل لا فارض قال : الكبيرة الهرمة
قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول : لعمري لقد أعطيت ضيفك فارضا تساق إليه ما تقوم على رجل قال : أخبرني عن قوله صفراء فاقع لونها الفاقع الصافي اللون من الصفرة قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول : سدما قليلا عهده بأنيسه من بين أصفر فاقع ودفان وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير
أنه كان يستحب أن يسكت على بكر ثم يقول : عوان بين ذلك
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله عوان بين ذلك قال : بين الصغيرة والكبيرة وهي أقوى ما يكون وأحسنه
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله صفراء فاقع لونها قال : شديدة الصفرة تكاد من صفرتها تبيض
وأخرج ابن ابي حاتم عن ابن عمر في قوله صفراء قال : صفراء الظلف فاقع لونها قال : صافي (1/191)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة فاقع لونها قال : صاف لونها تسر الناظرين قال : تعجب الناظرين
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والخطيب والديلمي عن ابن عباس قال : من لبس نعلا صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها وذلك قوله صفراء فاقع لونها تسر الناظرين
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله صفراء فاقع لونها قال : سوداء شديدة السواد
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة
أنه قرأ إن الباقر تشابه علينا
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى عن يعمر
أنه قرأ إن الباقر تشابه علينا
وقال : الباقر أكثر من البقر
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال : في قراءتنا إن البقر متشابه علينا
واخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله إنها بقرة لا ذلول أي لم يذله العمل تثير الأرض يعني ليست بذلول فتثير الأرض ولا تسقي الحرث يقول : ولا تعمل في الحرث مسلمة قال : من العيوب
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله بقرة لا ذلول تثير يقول : ليست بذلول فتفعل ذلك مسلمة قال : من الشبه قال لاشية فيها قال : لا بياض ولا سواد
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مسلمة قال : لا عوار فيها
وأخرج ابن جرير عن عطية لاشية فيها قال : لونها واحد ليس فيها لون سوى لونها
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله لا ذلول يعني صنفة يقول : لم يذلها العمل مسلمة قال : من العيوب لاشية فيها قال : لا بياض فيها قالوا الآن جءت بالحق قالوا : الآن بينت لنا فذبحوها وما كادوا يفعلون
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب في قوله فذبحوها وما كادوا يفعلون لغلاء ثمنها (1/192)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس
أن أصحاب البقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل في بقر له وكانت بقرة تعجبه فجعلوا يعطونه بها فيأبى حتى أعطوه ملء مسكها دنانير فذبحوها فضربوه بعضو منها فقام تشخب أوداجه دما فقالوا له : من قتلك ؟ قال : قتلني فلان
وأخرج وكيع وابن أبي حاتم عن عطاء قال : الذبح والنحر في البقر سواء لأن الله يقول فذبحوها
وأخرج وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : كان لبني إسرائيل الذبح وأنتم لكم النحر ثم قرأ فذبحوها فصل لربك وانحر سورة الكوثر الآية 2
قوله تعالى : وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون
عبد بن حميد وابن جريرعن مجاهد في قوله وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها قال : اختلفتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون قال : ماتغيبون
وأما قوله تعالى : والله مخرج ما كنتم تكتمون أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن المسيب بن رافع قال : ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله وتصديق ذلك كتاب الله والله مخرج ما كنتم تكتمون
وأخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " لو أن رجلا عمل في صخرة صماء لا باب فيها ولا كوة خرج عمله إلى الناس كائنا ما كان "
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن عثمان بن عفان قال : من عمل عملا كساه الله رداءه وإن خيرا فخير وإن شرا فشر
وأخرج البيهقي من وجه آخر عن عثمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " من كانت له
سريرة صالحة أو سيئة أظهر الله عليه منها رداء يعرف به (1/193)
قال البيهقي : الموقوف أصح "
وأخرج أبو الشيخ والبيهقي وضعفه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأصحابه " من المؤمن ؟ قالوا الله رسوله أعلم
قال : المؤمن الذي لا يموت حتى يملاء الله مسامعه مما يحب ولو أن عبدا اتقى الله في جوف بيت إلى سبعين بيتا على كل بيت باب من حديد لألبسه الله رداء عمله حتى يتحدث به الناس ويزيدون
قالوا : وكيف يزيدون يا رسول الله ؟ قال : لأن التقي لو يستطيع أن يزيد في بره لزاد
ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من الكافر ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم
قال : الكافر الذي لا يموت حتى يملاء الله مسامعه مما يكره ولو أن فاجرا فجر في جوف بيت إلى سبعين بيتا على كل بيت باب من حديد لألبسه الله رداء عمله حتى يتحدث به الناس ويزيدون
قالوا : وكيف يزيدون يا رسول الله ؟ قال : لأن الفاجر لو يستطيع أن يزيد في فجوره لزاد "
وأخرج ابن عدي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال " إن الله مرد كل إمرىء رداء عمله "
وأخرج البيهقي عن ثابت قال : كان يقال لو أن ابن آدم عمل بالخير في سبعين بيتا لكساه الله تعالى رداء عمله حتى يعرف به
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال : الناس يعرف أعمالهم من تحت كنف الله فإذا أراد الله بعبد فضيحة أخرجه من تحت كنفه فبدت عورته
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي ادريس الخولاني رفعه قال : لا يهتك الله عبدا وفيه مثقال حبة من خير
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : لو أن عبدا اكتتم بالعبادة كما يكتتم بالفجور لأظهر الله ذلك منه
قوله تعالى : فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون
وكيع والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله فقلنا اضربوه ببعضها قال : ضرب بالعظم الذي يلي الغضروف (1/194)
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : ذكر لنا أنهم ضربوه بفخذها فلما فعلوا أحياه الله حتى أنبأهم بقاتله الذي قتله وتكلم ثم مات
وأخرج وكيع وابن جرير عن عكرمة في الآية قال : ضربوه بفخذها فحي فما زاد على أن قال : قتلني فلان ثم عاد فمات
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال : ضرب بفخذ البقرة فقام حيا فقال : قتلني فلان ثم عاد في ميتته
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : ضرب بالبضعة التي بين الكتفين
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال : أمرهم أن يأخذوا عظما فيضربوا به القتيل ففعلوا فرجع الله روحه فسمى قاتله ثم عاد ميتا كما كان
وأما قوله تعالى : كذلك يحيي الله الموتى الآية
أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال : إن فتى من بني إسرائيل كان برا بوالدته وكان يقوم ثلث الليل يصلي ويجلس عند رأس والدته ثلث الليل فيذكرها بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد ويقول : يا أمه إن كنت ضعفت عن قيام الليل فكبري الله وسبيحه وهلليه فكان ذلك عملهما الدهر كله فإذا أصبح أتى الجبل فاحتطب على ظهره فيأتي به السوق فيبيعه بما شاء الله أن يبيعه فيتصدق بثلثه ويبقي لعبادتع ثلثا ويعطي الثلث أمه وكانت أمه تأكل النصف وتتصدق بالنصف وكان ذلك عملهما الدهر كله
فلما طال عليها قالت : يابني أعلم أني قد ورثت من أبيك بقرة وختمت عنقها وتركتها في البقر على اسم إله إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب قالت وسأبين لك ما لونها وهيئتها فإذا أتيت البقر فادعها باسم إله إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب فإنها تفعل كما وعدتني وقالت : إن علامتها ليست بهرمة ولا فتية غير أنها بينهما وهي صفراء فاقع لونها تسر الناظرين إذا نظرت إلى جلدها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها وليست بالذلول ولا صعبة تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها ولونها واحد فإذا رأيتها فخذ بعنقها فإنها تتبعك بإذن إله إسرائيل
فانطلق الفتى وحفظ وصية والدته وسار في البرية يومين أو ثلاثا حتى إذا كان صبيحة ذلك اليوم انصرف فصاح بها فقال : بإله إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب ألا ما أتيتني فأقبلت البقرة عليه وتركت الرعي فقامت بين يدي الفتى فأخذ بعنقها فتكلمت البقرة وقالت : يا أيها الفتى البر بوالدته اركبني فإنه أهون عليك (1/195)
قال الفتى : لم تأمرني والدتي أن أركب عليك ولكنها أمرتني أن أسوقك سوقا فأحب أن أبلغ قولها
فقالت : بإله إسرائيل لو ركبتني ما كنت لتقدر علي فانطلق يا أيها الفتى البر بوالدته لو أنك أمرت هذا الجبل أن ينقلع لك من أصله لأنقلع لبرك بوالدتك ولطاعتك إلهك
فانطلق حتى إذا كان من مسيرة يوم من منزله استقبله عدو الله إبليس فتمثل له على صورة راع من رعاة البقر فقال : يا أيها الفتى من أين جئت بهذه البقرة ألا تركبها فإني أراك قد أعييت ؟ أظنك لا تملك من الدنيا مالا غير هذه البقرة فإني أعطيك الأجر ينفعك ولا يضرها فإني رجل من رعاة البقر اشتقت إلى أهلي فأخذت ثورا من ثيراني فحملت عليه طعامي وزادي حتى غذا بلغت شطر الطريق أخذني وجع بطني فذهبت لأقضي حاجتي فعدا وسط الجبل وتركني وأنا أطلبه ولست أقدر عليه فأنا أخشى على نفسي الهلاك وليس معي زاد ولا ماء فإن رأيت أن تحملني على بقرتك فتبلغني مراعي وتنجيني من الموت وأعطيك أجرها بقرتين
قال الفتى : إن بني آدم ليس بالذي يقتلهم اليقين وتهلكهم أنفسهم فلو علم الله منك اليقين لبلغك بغير زاد ولا ماء ولست براكب أمرا لم أومر به إنما أنا عبد مأمور ولو علم سيدي أني عصيته في هذه البقرة لأهلكني وعاقبني عقوبة شديدة وما أنا بمؤثر هواك على هوى سيدي فانطلق يا أيها الرجل بسلام فقال له إبليس : أعطيك بكل خطوة تخطوها إلى منزلي درهما فذلك مال عظيم وتفدي نفسي من الموت في هذه البقرة
قال الفتى : إن سيدي له ذهب الأرض وفضتها فإن أعطيتني شيئا منها علم أنه من ماله ولكن أعطني من ذهب السماء وفضتها فأقول أنه ليس هذا من مالك فقال إبليس : وهل في السماء ذهب وفضة أو هي يقدر أحد على هذا ؟ قال الفتى : أو هل يستطيع العبد بما لم يأمر به سيده كما لا تستطيع أنت ذهب السماء وفضتها
قال له إبليس : أراك أعجز العبيد في أمرك
قال له الفتى : إن العاجز من
عصى ربه (1/196)
قال له إبليس : ما لي لا أرى معك زادا ولاماء ؟ قال الفتى : زادي التقوى وطعامي الحشيش وشرابي من عيون الجبال قال إبليس : ألا آمرك بأمر يرشدك ؟ قال : مر به نفسك فإني على رشاد إن شاء الله
قال له إبليس : ما أراك تقبل نصيحة ! قال له الفتى : الناصح لنفسه من أطاع سيده وأدى الحق الذي عليه فإن كنت شيطانا فأعوذ بالله منك وإن كنت آدميا فأخرج فلا حاجة لي في صحابتك
فجمد إبليس عند ذلك ثلاث ساعات مكانه ولو ركبها له إبليس ما كان الفتى يقدر عليها ولكن الله حبسه عنها
فبينما الفتى يمشي إذ طار طائر من بين يديه فاختلس البقرة ودعاها الفتى وقال : بإله إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب ألا ما آتيتني فأتت البقرة إليه وقامت بين يديه فقالت : يا أيها الفتى ألم تر إلى ذلك الطائر الذي طار من بين يديك ؟ فإنه إبليس عدو الله اختلسني فلما ناديتني بإله اسرائيل جاء ملك من الملائكة فانتزعني منه فردني إليك لبرك بوالدتك وطاعتك إلهك فانطلق فلست ببارحتك حتى تأتي أهلك إن شاء الله
قال : فدخل الفتى إلى أمه يخبرها الخبر فقالت : يا بني إني أراك تحتطب على ظهرك الليل و النهار فتشخص فاذهب بهذه البقرة فبعها وخذ ثمنها فتقو به وودع به نفسك
قال الفتى : بكم أبيعها ؟ قالت : بثلاثة دنانير على رضا مني
فانطلق الفتى إلى السوق فبعث الله إليه ملكا من الملائكة ليري خلقه قدرته فقال للفتى : بكم تبيع هذه البقرة أيها الفتى ؟ فقال : أبيعها بثلاثة دنانير على رضا من والدتي
قال : لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك
فقال : لو أعطيتني زنتها لم أبعها حتى أستأمرها فخرج الفتى فأخبر والدته الخبر فقالت : بعها بستة دنانير على رضا مني
فانطلق الفتى وأتاه الملك فقال : ما فعلت ؟ فقال : أبيعها بستة دنانير على رضا من والدتي
قال : فخذ اثني عشر دينارا ولا تستأمرها
قال : لا
فانطلق الفتى إلى أمه فقالت : يا بني إن الذي يأتيك ملك من الملائكة في صورة آدمي فإذا أتاك فقل له : إن والدتي تقرأ عليك السلام وتقول : بكم تأمرني أن أبيع هذه البقرة ؟ قال له الملك : يا أيها الفتى يشتري بقرتك هذه موسى بن عمران لقتيل يقتل من بني إسرائيل وله مال كثير ولم يترك أبوه ولدا غيره وله أخ له بنون كثيرون فيقولون كيف لنا أن نقتل هذا الغلام ونأخذ ماله فدعوا الغلام إلى منزلهم
فقتلوه فطرحوه إلى جانب دارهم فأصبح أهل الدار فأخرجوا الغلام إلى باب الدار وجاء بنو عم الغلام فأخذوا أهل الدار فانطلقوا بهم إلى موسى فلم يدر موسى كيف يحكم بينهم من أجل أن أهل الدار برآء من الغلام (1/197)
! فشق ذلك على موسى فدعا ربه فأوحى الله إليه : أن خذ بقرة صفراء فاقعا لوناه فاذبحها ثم اضرب الغلام ببعضها
فعمدوا إلى بقرة الفتى فاشتروها على أن يملؤوا جلدها دنانير ثم ذبحوها ثم ضربوا الغلام ببعضها فقام يخبرهم فقال : إن بني عمي قتلوني وأهل الدار مني برآء فأخذهم موسى فقالوا : يا موسى أتتخذنا هزوا قد قتلنا ابن عمنا مظلوما وقد علموا أن سيفضحوا فعمدوا إلى جلد البقرة فملؤوه دنانير ثم دفعوه إلى الفتى فعمد الفتى فتصدق بالثلثين على فقراء بني إسرائيل وتقوى بالثلث وكذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون
قوله تعالى : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأتهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون
عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ثم قست قلوبكم من بعد ذلك قال : من بعد ما أراهم الله من إحياء الموتى ومن بعد ما أراهم من أمر القتيل فهي كالحجارة أو أشد قسوة ثم عذر الله الحجارة ولم يعذر شقي ابن آدم فقال وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله
وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله وإن من الحجارة
الآية
أي أن من الحجارة لألين من قلوبكم لما تدعون إليه من الحق
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال : كل حجر يتفجر منه الماء أو يشقق عن ماء أو يتردى من رأس جبل فمن خشية الله
نزل بذلك القرآن
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله وإن من منها لما يهبط من خشية الله قال : إن الحجر ليقع على ألرض ولو اجتمع عليه كثير من الناس ما استطاعوه وإنه ليهبط من خشية الله (1/198)
قوله تعالى : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون
ابن اسحق وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : ثم قال الله لنبيه ومن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله وليس قوله التوراة كلها وقد سمعها ولكنهم الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله أفتطمعون أن يؤمنوا لكم
الآية
قال : فالذين يحرفونه والذين يكتبونه م العلماء منهم والذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم هؤلاء كلهم يهود
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله يسمعون كلام الله قال : هي التوراة حرفوها
قوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون
ابن اسحق وابن جرير عن ابن عباس في قوله وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا أي بصاحبكم رسول الله ولكنه إليكم خاصة وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا : لا تحدثوا العرب بهذا فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليكم فكان منهم ليجادلوكم به عند ربكم أي يقرون أنه نبي وقد علمتم أنه قد أخذ عليكم الميثاق بإتباعه وهو يخبرهم أنه النبي الذي كان ينتظر ونجده في كتابنا اجحدوه ولا تقروا به
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله وإذا لقوا الذين آمنوا (1/199)
الآية
قال : هذه الآية في المنافقين من اليهود
وقوله بما فتح الله عليكم يعني بما أكرمكم به
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : قام النبي صلى الله عليه و سلم يوم قريظة تحت حصونهم فقال " يا إخوان القردة والخنازير ويا عبدة الطاغوت
فقالوا : من أخبر هذا الأمر محمد ما خرج هذا الأمر إلا منكم أتحدثونهم بما فتح الله عليكم بما حكم الله ليكون لهم حجة عليكم "
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن
فقال : رؤساء اليهود : اذهبوا فقولوا آمنا واكفروا إذا رجعتم إلينا فكانوا يأتون المدينة بالبكر ويرجعون إليهم بعد العصر وهو قوله وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار وأكفروا آخره آل عمران الآية 72 وكانوا يقولون : إذا دخلوا المدينة نحن مسلمون ليعلموا خبر رسول الله صلى الله عليه و سلم وأمره فكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون فيقولون لهم : أليس قد قال لكم في التوراة كذا وكذا ؟ فيقولون : بلى
فإذا رجعوا إلى قومهم قالوا أتحدثونهم بما فتح الله به عليكم
الآية "
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : نزلت هذه الآية في ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به فقال بعضهم لبعض أتحدثونهم بما فتح الله به عليكم من العذاب ليقولوا نحن أحب إلى الله منكم وأكرم على الله منكم
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة " أن امرأة من اليهود أصابت فاحشة فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه و سلم يبتغون منه الحكم رجاء الرخصة فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم عالمهم وهو ابن صوريا فقال له : احكم
قال : فجبؤة
والتجبئة يحملونه على حمار ويجعلون على وجهه إلى ذنب الحمار
فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : أبحكم الله حكمت ؟ قال : لا
ولكن نساءنا كن حسانا فأسرع فيهن رجالنا فغيرنا الحكم وفيه أنزلت وإذا خلا بعضهم إلى بعض
الآية "
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا قالوا : هم اليهود وكانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا فصانعوهم بذلك ليرضوا عنهم وإذا خلا بعضهم إلى بعض نهى بعضهم بعضا أن يحدثوا بما فتح الله عليهم وبين لهم في كتابه من أمر محمد عليه السلام رفعته ونبوته وقالوا : إنكم إذا فعلتم ذلك احتجوا عليكم بذلك عند ربكم أفلا تعقلون أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون قال : ما يعلنون من أمرهم وكلامهم إذا لقوا الذين آمنوا وما يسرون إذا خلا بعضهم إلى بعض من كفرهم بمحمد صلى الله عليه و سلم وتكذيبهم به وهم يجدونه مكتوبا عندهم (1/200)
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله و لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون يعني من كفرهم بمحمد وتكذيبهم به وما يعلنون حين قالوا للمؤمنين : آمنا
قوله تعالى : ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون
ابن جرير عن ابن عباس قال : الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله ولا كتابا أنزله فكتبوا كتابا بأيديهم ثم قالوا لقوم سفلة جهال : هذا من عند الله
وقال : قد أخبرهم أنهم يكتبون بأيديهم ثم سماهم أميين لجحودهم كتب الله ورسله
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي في قوله ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب قال : منهم من لا يحسن أن يكتب
وأخرج ابن اسحق وابن جرير عن ابن عباس في قوله ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب قال : لا يدرون ما فيه وإن هم إلا يظنون وهم يجحدون نبؤتك بالظن
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب قال : ناس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئا وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله ويقولن هو من الكتاب أماني تمنونها
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله إلا أماني قال : إلا أحاديث (1/201)
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله إلا أماني قال : إلا قولا يقولون بأفواههم كذبا
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله إلا أماني قال : إلا كذبا وإن هم إلا يظنون قال : إلا يكذبون
قوله تعالى : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون
وكيع وابن المنذر والنسائي عن ابن عباس في قوله فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم قال : نزلت في أهل الكتاب
وأخرج أحمد وهناد بن السري بن الزهد وعبد بن حميد والترمذي وابن أبي الدنيا في صفة النار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " ويل واد في حهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره "
وأخرج ابن جرير عن عثمان بن عفان عن رسول الله صلى الله عليه و سلم " في قوله فويل لهم مما كتبت أيديهم قال : الويل جبل في النار وهو الذي أنزل في اليهود لأنهم حرفوا التوراة زادوا فيها ما أحبوا ومحوا منها ما كانوا يكرهون ومحوا اسم محمد صلى الله عليه و سلم من التوراة "
وأخرج البزار وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " إن في النار ؟ حجرا يقال لها ويل يصعد عليه العرفاء وينزلون فيه "
وأخرج الحربي في فوائده عن عائشة قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم " ويحك يا عائشة
! فجزعت منها
فقال لي : يا حميراء إت ويحك أو ويك رحمة فلا تحجزعي منها ولكن اجزعي من الويل "
وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن علي بن أبي طالب قال : الويح والويل بابان (1/202)
فأما الويح فباب رحمة وأما الويل فباب عذاب
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والطبراني والبيهقي في البعث عن ابن مسعود قال : ويل واد في جهنم يسيل من صديد أهل النار
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن النعمان بن بشير قال : الويل واد من فيح في جهنم
وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن عطاء بن يسار قال : ويل واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت من شدة حره
وأخرج هناد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : ويل سيل من صديد في أصل جهنم وفي لفظ ويل واد في جهنم يسيل فيه صديده
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر مولى عفرة قال : إذا سمعت الله يقول : ويل هي النار
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله فويل للذين يكتبون الكتاب
الآية
قال : هم أحبار اليهود وجدوا صفة النبي صلى الله عليه و سلم مكتوبة في التوراة أكحل أعين ربعة جعد الشعر حسن الوجه فلما وجدوه في التوراة محوه حسدا وبغيا فأتاهم نفر من قريش فقالوا : تجدون في التوراة نبيا أميا ؟ فقالوا : نعم نجده طويلا أزرق سبط الشعر فأنكرت قريش وقالوا : ليس هذا منا
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : وصف الله محمد صلى الله عليه و سلم في التوراة فلما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم حسده أحبار اليهود فغيروا صفته في كتابهم وقالوا : لا نجد نعته عندنا وقالوا للسفلة : ليس هذا نعت النبي الذي يحرم كذا وكذا كما كتبوه وغيروا نعت هذا كذا كما وصف فلبسوا على الناس وإنما فعلوا ذلك لأن الأحبار كانت لهم مأكلة يطعمهم إياها السفلة لقيامهم على التوراة فخافوا أن تؤمن السفلة فتنقطع تلك المأكلة
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبخاري وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس أنه قال : يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه أحدث أخبارا لله تعرفونه غضا محضا لم يشب
وقد حدثكم الله ان أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا : هو من عند الله ليشتروا به ثمنا أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسائلهم ولا والله ما رأينا منهم أحدا قط سألكم عن الذي أنزل إليكم ؟ (1/203)
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال كان ناس من اليهود يكتبون كتابا من عندهم ويبيعونه من العرب ويحدثونهم أنه من عند الله فيأخذون ثمنا قليلا
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر واين أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : كان ناس من بني إسرائيل كتبوا كتابا بأيديهم ليتأكلوا الناس فقالوا : هذه من عند الله وما هي من عند الله
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ليشتروا به ثمنا قليلا قال : عرضا من عرض الدنيا فويل لهم مما يكسبون يقول : مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي داود في المصاحف وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي
أنه كره كتابة المصاحف بالأجر وتلا هذه الآية فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم
الآية
وأخرج وكيع عن الأعمش
أنه كره أن يكتب المصاحف بالأجر وتأول هذه الآية فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله
وأخرج وكيع وابن أبي داود عن محمد بن سيرين أنه يكره شراء المصاحف وبيعها
وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وابن أبي داود عن أبي الضحى قال : سألت ثلاثة من أهل الكوفة عن شراء المصاحف
عبد الله بن يزيد الخطمي ومسروق بن الأجدع وشريحا فكلهم قال : لا نأخذ لكتاب الله ثمنا
وأخرج ابن أبي داود من طريق قتادة عن زرارة عن مطرف قال : شهدت فتح تستر مع الأشعري فأصبنا دانيال بالسوس وأصبنا معه ربطتين من كتان وأصبنا معه ربعة فيها كتاب الله وكان أول من وقع عليه رجل من بلعنبر يقال له حرقوص فأعطاه الأشعري الربطتين وأعطاه مائتي درهم وكان معنا أجير نصراني يسمى نعيما فقال : بيعوني هذه الربعة بما فيها فقالوا : إن يكن فيها ذهب أو فضة أو كتاب الله ؟
قال : فإن الذي فيها كتاب الله فكرهوا أن يبيعوه الكتاب فبعناه الربعة بدرهمين ووهبنا له الكتاب (1/204)
قال قتادة : فمن ثم كره بيع المصاحف لأن الأشعري وأصحابه كرهوا بيع ذلك الكتاب
وأخرج ابن أبي داود من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن : أنهما كرها بيع المصاحف
وأخرج ابن أبي داود عن حماد بن أبي سليمان أنه سئل عن بيع المصاحف فقال : إن إبراهيم يكره بيعها وشراءها
وأخرج ابن أبي داود عن سالم قال : كان ابن عمر إذا أتى على الذي يبيع المصاحف قال : بئس التجارة
وأخرج ابن أبي داود عن عبادة بن نسي
أن عمر كان يقول : لا تبيعوا المصاحف ولا تشتروها
وأخرج ابن أبي داود عن ابن سيرين وإبراهيم
أن عمر كان يكره بيع المصاحف وشراءها
وأخرج ابن أبي داود عن ابن مسعود : أنه كره بيع المصاحف وشراءها
وأخرج ابن أبي داود من طريق نافع عن ابن عمر قال : وددت أن الأيدي تقطع على بيع المصاحف
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي داود من طريق سعيد بن جبير قال : وددت أن الأيدي قطعت على بيع المصاحف وشرائها
وأخرج ابن أبي داود عن عكرمة قال : سمعت سالم بن عبد الله يقول : بئس التجارة المصاحف
وأخرج ابن أبي داود عن جابر بن عبد الله : أنه كره بيع المصاحف وشراءها
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي داود عن عبد الله بن شقيق العقيلي : أنه كان يكره بيع المصاحف قال : وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يشددون في بيع المصاحف ويرونه عظيما
وأخرج ابن أبي داود عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب : أنه كره بيع المصاحف كراهية شديدة وكان يقول : أعن أخاك بالكتاب أو هب له
وأخرج ابن أبي داود عن علي بن حسين قال : كانت المصاحف لا تباع وكان
الرجل يأتي بورقة عند المنبر فيقول من الرجل يحتسب فيكتب لي ؟ ثم يأتي الآخر فيكتب حتى يتم المصحف (1/205)
وأخرج ابن أبي داود عن مسروق وعلقمة وعبد الله بن يزيد الأنصاري وشريح وعبادة
أنهم كرهوا بيع المصاحف وشراءها وقالوا : لا نأخذ لكتاب الله ثمنا
وأخرج ابن أبي داود عن إبراهيم عن أصحابه قال : كانوا يكرهون بيع المصاحف وشراءها
وأخرج ابن أبي داود عن أبي العالية
أنه كان يكره بيع المصاحف وقال : وددت أن الذين يبيعون المصاحف ضربوا
وأخرج ابن ابي داود عن ابن سيرين قال : كانوا يكرهون بيع المصاحف وكتابتها بالأجر
وأخرج ابن أبي داود عن ابن جريج قال : قال عطاء : لم يكن من مضى يبيعون المصاحف إنما حدث ذلك الآن وإنما يجلسون بمصاحفهم في الحجر فيقول أحدهم للرجل إذا كان كاتبا وهو يطوف : يا فلان إذا فرغت تعال فاكتب لي
قال : فيكتب المصحف وما كان من ذلك حتى يفرغ من مصحفه
وأخرج ابن أبي داود عن عمرو بن مرة قال : كان في أول الزمان يجتمعون فيكتبون المصاحف ثم إنهم استأجروا العباد فكتبوها لهم ثم إن العباد بعد أن كتبوها باعوها وأول من باعها هم العباد العباد : جمع عبد وهم قبائل شتى من العرب اجتمعوا بالحيرة على المسيحية قبل الإسلام والنسبة عبادي
وأخرج أبو عبيد وابن أبي داود عن عمران بن جرير قال : سألت أبا مجلز عن بيع المصاحف قال : إنما بيعت في زمن معاوية فلا تبعها
وأخرج ابن أبي داود عن محمد بن سيرين قال : كتاب الله أعز من أن يباع
وأخرج ابن سعيد عن حنظلة قال : كنت أمشي مع طاوس فمر بقوم يبيعون المصاحف فاسترجع
ذكر من رخص في بيعها وشراءها أخرج ابن أبي داود عن ابن عباس أنه سئل عن بيع المصاحف فقال : لا بأس إنما يأخذون أجور أيديهم
وأخرج ابن أبي داود عن ابن الحنفية أنه سئل عن بيع المصاحف قال : لا بأس إنما يبيع الورق (1/206)
وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وابن أبي داود عن الشعبي قال : لا بأس ببيع المصاحف إنهم لا يبيعون كتاب الله إنما يبيعون الورق وعمل أيديهم
وأخرج ابن أبي داود عن جعفر عن أبيه قال : لا بأس بشراء المصاحف وأن يعطى الأجر على كتابتها
وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وابن أبي داود عن مطر الوراق
أنه سئل عن بيع المصاحف فقال : كان خيرا أو حبرا هذا الأمة لا يريان يبيعها بأسا الحسن والشعبي
وأخرج ابن أبي داود عن حميد
أن الحسن كان يكره بيع المصاحف فلم يزل به مطر الوراق حتى رخص فيه
وأخرج ابن أبي داود من طرق عن الحسن قال : لا بأس ببيع المصاحف ونقطها بالأجر
وأخرج ابن أبي داود عن الحكم : أنه كان لا يرى بأسا بشراء المصاحف وبيعها
وأخرج أبو عبيد وابن أبي داود عن أبي شهاب موسى بن نافع قال : قال لي سعيد بن جبير : هل لك في مصحف عندي قد كفيتك عرضه فتشتريه ؟ وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وابن أبي داود من طرق عن ابن عباس قال : اشتر المصاحف ولا تبعها
وأخرج ابن ابي داود عن ابن عباس قال : رخص في شراء المصاحف وكره في بيعها
قال ابن أبي داود : كذا قال رخص كأنه صار مسندا
وأخرج أبو عبيد وابن أبي داود عن جابر بن عبد الله في بيع المصاحف قال : ابتعها ولا تبعها
وأخرج ابن أبي داود عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير
مثله
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر
مثله
قوله تعالى : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله لن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون
ابن اسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والواحدي عن ابن عباس أن يهود كانوا يقولون : مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا في النار وإنما هي سبعة أيام معدودات ثم ينقطع العذاب فأنزل الله في ذلك وقالوا لن تمسنا النار إلى قوله هم فيها خالدون (1/207)
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد
مثله
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والواحدي عن ابن عباس قال : وجد أهل الكتاب مسيرة ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين فقالوا : لن يعذب أهل النار إلا قدر أربعين فإذا كان يوم القيامة ألجموا في النار فساروا فيها حتى انتهوا إلى سقر وفيها شجرة الزقوم إلى آخر يوم من الأيام المعهودة فقال له خزنة النار : يا أعداء الله زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلا أياما معدودة فقد انقضى العدد وبقي الأبد فيأخذون في الصعود يرهقون على وجوههم
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس
أن اليهود قالوا : لن تمسنا النار إلا أربعين يوما مدة عبادة العجل
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ابي حاتم عن عكرمة قال : اجتمعت يهود يوما فخاصموا النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وسموا أربعين يوما ثم يخلفنا فيها ناس وأشاروا إلى النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم " ورد يده على رؤوسهم كذبتم بل أنتم خالدون مخلدون فيها لا نخلفكم فيها إن شاء الله تعالى أبدا ففيهم أنزلت هذه الآية وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة يعنون أربعين ليلة "
وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لليهود " أنشدكم بالله وبالتوراة التي أنزل الله على موسى يوم طور سيناء من أهل النار الذين أنزلهم الله في التوراة ؟ قالوا : إن ربهم غضب عليهم غضبة فنمكث في النار أربعين ليلة ثم نخرج فتخلفوننا فيها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : كذبتم والله لا نخلفكم فيها أبدا فنزل القرآن تصديقا لقول النبي صلى الله عليه و سلم وتكذيبا لهم وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة إلى قوله وهم فيها خالدون "
وأخرج أحمد والبخاري والدارمي والنسائي والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة
قال " لما افتتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه و سلم شاة فيها سم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اجمعوا لي من كان ههنا من اليهود فقال لهم : من أبوكم ؟ قال : فلان (1/208)
قال : كذبتم بل أبوكم فلان
قالوا : صدقت وبررت
ثم قال لهم : هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه ؟ قالوا : نعم يا أبا القاسم وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا
فقال لهم : من أهل النار ؟ قالوا : نكون فيها يسيرا ثم تخلفوننا فيها
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم : اخسئوا - والله - لا نخلفكم فيها أبدا "
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله قل أتخذتم عند الله عهدا أي موثقا من الله بذلك أنه كما تقولون
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لما قالت اليهود ما قالت قال الله لمحمد قل أتخذتم عند الله عهدا يقول : ادخرتم عند الله عهدا
يقول : أقلتم لا إله إلا الله لم تشركوا ولم تكفروا به فإن كنتم قلتموها فأرجوا بها وإن كنتم لم تقولوها فلم تقولون على الله ما لا تعلمون
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله قل أتخذتم عند الله قال : بفراكم وبزعمكم أن النار ليس تمسكم إلا أياما معدودة يقول : إن كنتم اتخذتم عند الله عهدا بذلك فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون قال : قال القوم : الكذب والباطل وقالوا عليه مالا يعلمون
قوله تعالى : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون
ابن ابي حاتم عن ابن عباس في
قوله بلى من كسب قال : الشرك (1/209)
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة وقتادة
مثله
وأخرج ابن ابي حاتم عن أبي هريرة في قوله وأحاطت به خطيئته قال : أحاط به شركه
وأخرج ابن اسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله بلى من كسب سيئة أي من عمل مثل أعمالكم وكفر بما كفرتم به حتى يحيط كفره بما له من حسنة فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والذين آمنوا وعملوا الصالحات أي من آمن بما كفرتم به وعمل بما تركتم من دينه فلهم الجنة خالدين فيها يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له أبدا
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله وأحاطت به خطيئته قال : هي الكبيرة الموجبة لأهلها النار
وأخرج وكيع وابن جرير عن الحسن أنه سئل عن قوله وأحاطت به خطيئته ما الخطيئة ؟ قال : اقرؤوا القرآن فكل آية وعد الله عليها النار فهي الخطيئة
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله وأحاطت به خطيئته قال : الذنوب تحيط بالقلوب فكلما عمل ذنبا ارتفعت حتى تغشى القلب حتى يكون هكذا وقبض كفه ثم قال : والخطيئة كل ذنب وعد الله عليه النار
وأخرج ابن ابي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن الربيع بن خيثم في قوله وأحاطت به خطيئته قال : هو الذي يموت على خطيئته قبل أن يتوب
وأخرج وكيع وابن جرير عن الأعمش في قوله وأحاطت به خطيئته قال : مات بذنبه
قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون
ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل أي ميثاقكم
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل الآية
قال : أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له وأن لا يعبدوا غيره
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل قال : ميثاق أخذه الله على بني إسرائيل فاسمعوا على ما أخذ ميثاق القوم لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا (1/210)
الآية
وأخرج عبد بن حمي عن عيسى بن عمر قال : قال الأعمش : نحن نقرأ لا يعبدون إلا الله بالياء لأنا نقرأ آخر الآية ثم تولوا عنه وأنتم تقرؤون ثم توليتم فاقرؤوها لا تعبدون
وأخرج ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله وقولوا للناس حسنا قال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمرهم أن يأمروا بلا إله إلا الله من لم يقلها
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله وقولوا للناس حسنا قال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن علي بن أبي طالب في قوله وقولوا للناس حسنا قال : يعني الناس كلهم
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء وأبي جعفر في قوله وقولوا للناس حسنا قالا : للناس كلهم
وأخرج أبو عبيد سعيد بن منصور وابن المنذر عن عبد الملك بن سليمان أن زيد ابن ثابت كان يقرأ وقولوا للناس حسنا وكان ابن مسعود يقرأ وقولوا للناس حسنا
وأخرج ابن اسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ثم توليتم أي تركتم ذلك كله
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ثم توليتم قال : أعرضتم عن طاعتي إلا قليلا منكم وهم الذين اخترتهم لطاعتي
قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمائكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم
بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسرى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعقلون أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالأخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون (1/211)
عبد بن حميد عن عاصم
أنه قرأ لا تسفكون دمائكم بنصب التاء وكسر الفاء ورفع الكاف
وأخرج عبد بن حميد عن طلحة بن مصرف أنه قرأها تسفكون برفع الفاء
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمائكم يقول : لا يقتل بعضكم بعضا ولا تخرجون أنفسكم من دياركم يقول : لا يخرج بعضكم بعضا من الديار ثم أقررتم بهذا الميثاق وأنتم تشهدون
يقول : وأنتم شهود
وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ثم أقررتم وأنتم تشهدون إن هذا حق من ميثاقي عليكم ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم أي أهل الشرك ختى تسفكوا دماءكم معهم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم قال : تخرجونهم من ديارهم معهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان فكانوا إذا كان بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج وخرجت النضير وقريظة من الأوس وظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى تسافكوا دماءهم فإذا وضعت أوزارها افتدوا أسراهم تصديقا لما في التوراة وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم وهو محرم عليكم في كتابكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض أتفادونهم مؤمنين بذلك وتخرجونهم كفرا بذلك
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة وهو يفادي من النساء من لم يقع عليه العرب ولا يفادي من وقع عليه العرب فقال له عبد الله بن سلام : أما مكتوب عندك في كتابك أن فادوهن كلهن (1/212)
وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي أنه قرأ وإن يأتوكم أسارى تفدوهم
وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن أنه قرأ أسارى تفادوهم
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال : في قراءتنا وإن يؤخذوا تفدوهم
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا وقرأ هذه الآية ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله أولئك اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة قال : استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة
قوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون
ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله وقفينا اتبعنا
وأخرج ابن عساكر من طريق جوبير عن الضحاك عن ابن عباس في قوله ولقد آتينا موسى الكتاب يعني التوراة جملة واحدة مفصلة محكمة وقفينا من بعده بالرسل يعني رسولا يدعى اشمويل بن بابل ورسولا يدعى مشتانيل ورسولا يدعى شعيا بن أمصيا ورسولا يدعى حزقيل ورسولا يدعى أرميا بن حلقيا وهو الخضر ورسولا يدعى داود بن ايشا وهو أبو سليمان ورسولا يدعى المسيح عيسى بن مريم فهؤلاء الرسل ابتعثهم الله وانتخبهم للأمة بعد موسى بن
عمران وأخذ عليهم ميثاقا غليظا أن يؤدوا إلى أممهم صفة محمد صلى الله عليه و سلم وصفة أمته (1/213)
وأما قوله تعالى وآتينا عيسى بن مريم البينات أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم قال : هي الآيات التي وضعت على يده من إحياء الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير وإبراء الأسقام والخبر بكثير من الغيوب وما رد عليهم من التوراة مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه
وأما قوله تعالى : وأيدناه بروح القدس أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله وأيدناه قال : قويناه
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : روح القدس
الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : القدس الله تعالى
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال : القدس هو الرب تعالى
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : القدس الطهر
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : القدس البركة
وأخرج ابن أبي حاتم عن اسماعيل بن أبي خالد في قوله وأيدناه بروح القدس قال : أعانه جبريل
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : روح القدس جبريل
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن جابر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " روح القدس جبريل "
وأخرج ابن سعيد وأحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن عائشة " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم وضع لحسان منبرا في المسجد فكان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيه "
وأخرج ابن حبان عن ابن مسعود " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إن روح القدس نفث في روعي : إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب "
وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " من كلمه روح القدس لن يؤذن للأرض أن تأكل من لحمه "
وأما قوله تعالى : ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله تعالى : فريقا يعني طائفة (1/214)
قوله تعالى : وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون
ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : إنما سمي القلب لتقلبه
أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس أنه كان يقرأ قلوبنا غلف مثقلة كيف تتعلم وإنما قلوبنا غلف للحكمه أي أوعية للحكمة
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله قلوبنا غلف مملوءة علما لا تحتاج إلى علم محمد صلى الله عليه و سلم ولا غيره
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطية في قوله وقالوا قلوبنا غلف قال : هي القلوب المطبوع عليها
وأخرج وكيع عن عكرمة في قوله قلوبنا غلف قال : عليها طابع
وأخرج ابن جرير عن مجاهد وقالوا قلوبنا غلف عليها غشاوة
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله وقالوا قلوبنا غلف قال : قالوا لا تفقه
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص وابن جرير عن حذيفة قال : القلوب أربعة
قلب أغلف فذلك قلب الكافر وقلب مصفح فذلك قلب المنافق وقلب أجرد فيه مثل السراج فذلك قلب المؤمن وقلب فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان كمثل شجرة يمدها ماء طيب ومثل النفاق كمثل قرحة يمدها القيح والدم فأي المادتين غلبت صاحبتها أهلكته
وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال : تعرض فتنة على القلوب فأي قلب أنكرها نكتت في قلبه نكتة بيضاء وأي قلب لم ينكرها نكتت في قلبه نكتة سوداء ثم تعرض فتنة أخرى على القلوب فإن أنكرها القلب الذي أنكرها نكتت في قلبه نكتة بيضاء وإن لم ينكرها نكتت نكتة سوداء ثم تعرض فتنة أخرى فإن أنكرها ذلك القلب الذي اشتد وابيض وصفا ولم تضره فتنة أبدا وإن لم ينكرها في المرتين الأوليتين اسود وارتد ونكس فلا يعرف حقا ولا ينكر منكرا
وأخرج ابن ابي شيبة في كتاب الإيمان والبيهقي في شعب الإيمان عن علي رضي الله عنه قال : إن الإيمان يبدو لحظة بيضاء في القلب فكلما ازداد الإيمان عظما ازداد ذلك البياض فإذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله وإن النفاق لحظة سوداء في القلب فكلما ازداد النفاق عظما ازداد ذلك السواد فإذا استكمل النفاق اسود القلب كله وأيم الله لو شققتم على قلب مؤمن لوجدتموه أبيض ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود (1/215)
وأخرج أحمد بسند جيد عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " القلوب أربعة
قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر وقلب أغلف مربوط على غلافه وقلب منكوس وقلب مصفح وأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره وأما القلب الأغلف فقلب الكافر وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الكافر عرف ثم أنكر وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق ومثل الإيمان كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق كمثل القرحة يمدها القيح والدم فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه "
وأخرج ابن أبي حاتم عن سلمان الفارسي موقوفا مثله سواء
وأما قوله تعالى : فقليلا ما يؤمنون أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله فقليلا ما يؤمنون قال : لا يؤمن منهم إلا قليل
قوله تعالى : ولما جاءكم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين
عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ولما جاءكم كتاب من عند الله قال : هو القرآن مصدق لما معهم قال : من التوراة والإنجيل
وأما قوله تعالى : وكانوا من قبل يستفتحون الآية
أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من
طريق عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري حدثني أشياخ منا قالوا : لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله صلى الله عليه و سلم منا كان معنا يهود وكانوا أهل كتاب وكنا أصحاب وثن وكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون قالوا : إن نبيا يبعث الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وارم فلما بعث الله رسوله اتبعناه وكفروه به ففينا - والله - وفيهم أنزل الله وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا (1/216)
الآية كلها
وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة في الآية قال : كانت العرب تمر باليهود فيؤذونهم وكانوا يجدون محمدا في التوراة فيسألون الله أن يبعثه نبيا فيقاتلون معه العرب فلما جاءهم محمد كفروا به حين لم يكن من بني إسرائيل
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس قال : كانت يهود بني قريظة والنضير من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه و سلم يستفتحون الله يدعون على الذين كفروا ويقولون : اللهم إنا نستنصرك بحق النبي الأمي إلا نصرتنا عليهم فينصرون فلما جاءهم ما عرفوا يريد محمدا ولم يشكوا فيه كفروا به
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : كان يهود أهل المدينة قبل قدوم النبي صلى الله عليه و سلم إذا قاتلوا من يليهم من مشركي العرب من أسد وغطفان وجهينة وعذرة يستفتحون عليهم ويستنصرون يدعون عليهم باسم نبي الله فيقولون : اللهم ربنا انصرنا عليهم باسم نبيك وبكتابك الذي تنزل عليه الذي وعدتنا إنك باعثه في آخر الزمان
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم عن قتادة قال : كانت اليهود تستفتح بمحمد على كفار العرب يقولون : اللهم ابعث النبي الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم فلما بعث الله محمد كفروا به حين رأوه بعث من غيرهم حسدا للعرب وهم يعلمون أنه رسول الله
وأخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل بسند ضعيف عن ابن عباس قال : كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فكلما التقوا هزمت يهود فعاذت بهذا الدعاء : اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا فهزموا غطفان فلما بعث النبي صلى الله عليه و سلم كفروا به
فأنزل الله وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا يعني وقد كانوا يستفتحون بك يا محمد إلى قوله فلعنة الله على الكافرين (1/217)
وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس
أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه و سلم قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه فقال لهم معاذ ابن جبل وبشر بن البراء ودادو بن سلمة : يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك وتخبرونا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته
فقال سلام بن مشكم أحد بني النضير : ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله ولما جاءهم كتاب من عند الله
الآية
وأخرج أحمد وابن قانع والطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم كلاهما في الدلائل عن سلمة بن سلامة وقش وكان من أهل بدر قال : كان لنا جار يهودي في بني عبد الأشهل فخرج علينا يوما من بيته قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم بيسير حتى وقف على مجلس بني الأشهل قال سلمة : وأنا يومئذ أحدث من فيه سنا علي بردة مضطجعا فيها بفناء أهلي فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار قال : ذلك لأهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت
فقالوا له : ويحك يا فلان
! ترى هذا كائنا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزنون فيها بأعمالهم ؟ فقال : نعم والذي يحلف به يود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطيونه عليه وإن ينجو من تلك النار غدا
قالوا له : ويحك وما آية ذلك ؟ ! قال : نبي يبعث من نحو هذه البلاد وأشار بيده نحو مكة واليمن
فقالوا : ومتى نراه ؟ قال : فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا أن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه قال سلمة : فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه و سلم وهو بين أظهرنا فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا فقلنا ويلك يا فلان ألست بالذي قلت لنا ؟ ! قال : بلى وليس به
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا يقول يستنصرون بخروج محمد على مشركي العرب يعني بذلك أهل الكتاب فلما بعث الله محمدا ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به قال : نزلت في اليهود عرفوا محمدا أنه نبي وكفروا به (1/218)
قوله تعالى : بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباوءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين
عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله بئسما اشتروا به أنفسهم
الآية
قال : هم اليهود كفروا بما أنزل الله وبمحمد صلى الله عليه و سلم بغيا وحسدا للعرب فباءوا بغضب على غضب قال : غضب الله عليهم مرتين بكفرهم بالإنجيل وبعيسى وبكفرهم بالقرآن وبمحمد
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز و جل بئسما اشتروا به أنفسهم قال : بئس ما باعوا به أنفسهم حيث باعوا نصيبهم من الآخرة بطمع يسير من الدنيا
قال : وهل تعرف ذلك ؟ قال : نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول : يعطى بها ثمنا فيمنعها ويقول صاحبها ألا تشرى وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله بغيا أن ينزل الله أي أن الله جعله من غيرهم فباءوا بغضب بكفرهم بهذا النبي على غضب كان عليهم فيما ضيعوه من التوراة
وأخرج ابن جرير عن عكرمة فباءوا بغضب على غضب قال : كفرهم بعيسى وكفرهم بمحمد
وأخرج ابن جرير عن مجاهد فباءوا بغضب اليهود غضب بما كان من تبديلهم التوراة قبل خروج النبي صلى الله عليه و سلم على غضب جحودهم النبي صلى الله عليه و سلم وكفرهم بما جاء به
قوله تعالى : وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (1/219)
ابن جرير عن ابي العالية في قوله ويكفرون بما وراءه قال : بما بعده
وأخرج ابن جرير عن الدي في قوله ويكفرون بما وراءه قال : القرآن
قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة قالوا سمعنا وعصينا واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به آيمانكم إن كنتم مؤمنين
عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله واشربوا في قلوبهم العجل قال : اشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم
قوله تعالى : قل إن كانت لكم الدار
الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (1/220)
ابن جرير عن أبي العالية قال قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هود أو نصارى البقرة الآية 111 وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه المائدة الآية 18 فأنزل الله قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين فلم يفعلوا
وأخرج ابن جرير عن قتادة
مثله
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في هذه الآية قال : قل لهم يا محمد إن كانت لكم الدار الآخرة يعني الجنة كما زعتم خالصة من دون الناس يعني المؤمنين فتمنوا الموت إن كنتم صادقين إنها لكم خالصة من دون المؤنين فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم " إن كنتم في مقالتكم صادقين قولوا اللهم أمتنا فو الذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غص بريقه فمات مكانه فأبوا أن يفعلوا وكرهوا ما قال لهم فنزل ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم يعني عملته أيديهم والله عليم بالظالمين أنهم لن يتمنوه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم عند نزول هذه الآية : والله لا يتمنونه أبدا "
وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله فتمنوا الموت أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب فأبوا ذلك ولو تمنوه يوم قال ذلك ما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله قل إن لكم الدار الآخرة يعني الجنة خالصة خاصة فتمنوا الموت فاسألوا الموت ولن يتمونه أبدا لأنعم يعلمون أنهم كاذبون بما قدمت قال : أسلفت
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال : لو تمنى اليهود الموت لماتوا
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه وأبو نعيم عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال " لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار "
قوله تعالى : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون
ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله ولتجدنهم أحرص الناس على حياة قال : اليهود ومن الذين أشركوا قال : الأعاجم (1/221)
وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ولتجدنهم أحرص الناس على حياة يعني اليهود ومن الذين أشركوا وذلك أن المشرك لا يرجو بعثا بعد الموت فهو يحب طول الحياة وإن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي بما صنع بما عنده من العلم وما هو بمزحزحه قال : بمنجية
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم عن ابن عباس في قوله يود أحدهم لو يعمر ألف سنة قال : هو قول الأعاجم إذا عطس أحدهم زه هزا رسال يعني ألف سنة
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله وما هو بمزحزحه قال : هم الذين عادوا جبريل
قوله تعالى : قل من كان عدو لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل فإن الله عدو الكافرين
الطيالسي والفريابي وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن عباس قال : حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه و سلم فقالوا : يا أبا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي
قال " سلوني عما شئتم ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على نبيه لئن أنا حدثتكم شيئا فعرفتموه للتتابعني ؟ قالوا : فذلك لك
قالوا : أربع خلال نسألك عنها
أخبرنا أي طعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة وأخبرنا كيف ماء الرجل من ماء المرأة وكيف الأنثى منه والذكر وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم ومن وليه من الملائكة فأخذ عليهم عهد الله لئن
أخبرتكم لتتابعني فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق (1/222)
قال : فأنشدكم بالذي أنزل التوراة هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا طال سقمه فنذر نذرا لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها ؟ فقالوا : اللهم نعم
فقال : اللهم اشهد
قال : أنشدكم بالذي لا إله إلا هو هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ وأن ماء المرأة أصفر رقيق فأيهما علا كان له الواد والشبه بإذن الله إن علا ماء الرجل كان ذكرا بإذن الله وإن علا ماء المرأة كان أنثى بإذن الله ؟ قالوا : اللهم نعم
قال : اللهم اشهد قال : فأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن النبي الأمي هذا تنام عيناه ولا ينام قلبه ؟ قالوا : نعم
قال : اللهم اشهد عليهم
قالوا : أنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نتابعك أو نفارقك ؟ قال : وليي جبريل ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه
قالوا : فعندها نفارقك لو كان وليك سواه من الملائكة لأتبعناك وصدقناك
قال : فما يمنعكم أن تصدقوه ؟ قالوا : هو عدونا
فأنزل الله تعالى من كان عدوا لجبريل إلى قوله كأنهم لا يعلمون فعند ذلك باؤوا بغضب على غضب "
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف واسحاق بن راهويه في مسنده وابن جرير وابن أبي حاتم عن الشعبي قال " نزل عمر رضي الله عنه بالروحاء فرأى ناسا يبتدرون أحجارا فقال : ما هذا ؟ فقالوا : يقولون أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى إلى هذه الأحجار فقال : سبحان الله
! ما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا راكبا مر بواد فحضرت الصلاة فصلى ثم حدث فقال : إني كنت أغشى اليهود يوم دراستهم فقالوا : ما من أصحابك أحد أكرم علينا منك لأنك تأتينا
قلت : وما ذاك إلا أني أعجب من كتب الله كيف يصدق بعضها بعضا كيف تصدق التوراة والفرقان التوراة فمر النبي صلى الله عليه و سلم يوما وأنا أكلمهم فقلت : أنشدكم بالله وما تقرؤون من كتابه أتعلمون أنه رسول الله ؟ قالوا : نعم
فقلت : هلكتم والله تعلمون أنه رسول الله ثم لا تتبعونه ؟ فقالوا : لم نهلك ولكن سألناه من يأتيه بنبوته فقال : عدونا جبريل لأنه ينزل بالغلظة والشدة والحرب والهلاك ونحو هذا فقلت فمن سلمكم من الملائكة ؟ فقالوا : ميكائيل ينزل بالقطر والرحمة وكذا
قلت : وكيف منزلتهما من ربهما ؟ فقالوا : أحدهما عن يمينه والآخر من الجانب الآخر
قلت : فإنه لا يحل لجبريل أن يعادي ميكائيل ولا يحل
لميكائيل أن يسالم عدو جبريل وإني أشهد أنهما وربهما سلم لمن سالموا وحرب لمن حاربوا ثم أتيت النبي صلى الله عليه و سلم وأنا أريد أن أخبره فلما لقيته قال : ألا أخبرك بآيات أنزلت علي ؟ قلت : بلى يا رسول الله فقرأ من كان عدوا لجبريل حتى بلغ الكافرين قلت : والله يا رسول الله ما قمت من عند اليهود إلا إليك لأخبرك بما قالوا إلي وقلت لهم فوجدت الله قد سبقني (1/223)
صحيح الإسناد ولكن الشعبي لم يدرك عمر "
وأخرج سفيان بن عينية عن عكرمة قال " كان عمر يأتي يهود يكلمهم فقالوا : إنه ليس من أصحابك أحد أكثر إتيانا إلينا منك فأخبرنا من صاحب صاحبك الذي يأتيه بالوحي ؟ فقال : جبريل
قالوا : ذاك عدونا من الملائكة ولو أن صاحبه صاحب صاحبنا لأتبعناه فقال عمر : ومن صاحب صاحبكم ؟ قالوا : ميكائيل
قال : وما هما ؟ قالوا : أما جبريل فينزل بالعذاب والنقمة وأما ميكائيل فينزل بالغيث والرحمة وأحدهما عدو لصاحبه
فقال عمر
وما منزلتهما ؟ قالوا : إنهما من أقرب الملائكة منه أحدهما عن يمينه وكلتا يديه يمين والآخر على الشق الآخر
فقال عمر : لئن كانا كما تقولون ما هما بعدوين ثم خرج من عندهم فمر بالنبي صلى الله عليه و سلم فدعاه فقرأ عليه من كان عدوا لجبريل
الآية
فقال عمر : والذي بعثك بالحق إنه الذي خاصمتهم به آنفا
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : ذكر لنا عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود فلما أبصروه رحبوا به فقال عمر : والله ما جئت لحبكم ولا للرغبة فيكم ولكني جئت لأسمع منكم وسألوه فقالوا : من صاحب صاحبكم ؟ فقال لهم : جبريل قالوا : ذاك عدونا من الملائكة يطلع محمد على سرنا وإذا جاء جاء بالحرب والسنة ولكن صاحبنا ميكائيل وإذا جاء جاء بالخصب والسلم
فتوجه نحو رسول الله صلى الله عليه و سلم ليحدثه حديثهم فوجده قد أنزل هذه الآية قل من كان عدوا لجبريل
الآية
وأخرج ابن جرير عن السدي قال " لما كان لعمر أرض بأعلى المدينة يأتيها وكان ممره على مدارس اليهود وكان كلما مر دخل عليهم فسمع منهم وإنه دخل عليهم ذات يوم فقال لهم : أنشدكم بالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء أتجدون محمدا عندكم ؟ قالوا : نعم إنا نجده مكتوبا عندنا ولكن صاحبه
من الملائكة الذي يأتيه بالوحي جبريل وجبريل عدونا وهو صاحب كل عذاب وقتال وخسف ولو كان وليه ميكائيل لآمنا به فإن ميكائيل صاحب كل رحمة وكل غيث (1/224)
قال عمر : فأين مكان جبريل من الله ؟ قالوا : جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره
قال عمر : فأشهدكم أن الذي عدو للذي عن يمينه عدو للذي هو عن يساره والذي عدو للذي عن يساره عدو للذي هو عن يمينه وأنه من كان عدوهما فإنه عدو لله ثم رجع عمر ليخبر النبي صلى الله عليه و سلم فقال فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فدعاه النبي صلى الله عليه و سلم فقرأ قل من كان عدوا لجبريل
الآية
فقال عمر : والذي بعثك بالحق لقد جئت وما أريد إلا أن أخبرك "
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى
أن يهوديا لقي عمر فقال : إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا
فقال عمر من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل فإن الله عدو الكافرين قال : فنزلت على لسان عمر وقد نقل ابن جرير الإجماع على أن سبب نزول الآية ذلك
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وأبو يعلى وابن حبان والبيهقي في الدلائل عن أنس قال " سمع عبد الله بن سلام بمقدم النبي صلى الله عليه و سلم وهو بأرض يخترف فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي
ما أول أشراط الساعة وما أول طعام أهل الجنة وما ينزع الولد إلى أبيه أو أمه ؟ قال : أخبرني جبريل بهن آنفا
قال : جبريل ؟ قال : نعم
قال : ذاك عدو اليهود من الملائكة
فقرأ هذه الآية من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك قال : أما أول أشراط الساعة فنار تخرج من المشرق فتحشر الناس إلى المغرب وأما أول ما يأكل أهل الجنة فزيادة كبد حوت وأما ما ينزع الولد إلى أبيه وأمه فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع إليه الولد وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع إليها
قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله "
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله فإنه نزله على قلبك بإذن الله يقول : جبريل نزل بالقرآن بإذن الله يشدد به فؤادك ويربط به على قلبك مصدقا لما بين يديه يقول : لما قبله من الكتب التي أنزلها والآيات والرسل الذين بعثهم الله
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله مصدقا لما بين يديه
قال : من التوراة والإنجيل وهدى وبشرى للمؤمنين قال : جعل الله هذا القرآن هدى وبشرى للمؤمنين لأن المؤمن إذا سمع القرآن حفظه ووعاه وانتفع به وإطمأن إلبه وصدق بموعود الله الذي وعده فيه وكان على يقين من ذلك (1/225)
وأخرج ابن جرير من طريق عبيد الله العكي عن رجل من قريش قال : سأل النبي صلى الله عليه و سلم اليهود فقال " أسألكم بكتابكم الذي تقرؤون هل تجدونه قد بشر بي عيسى أن يأيتكم رسول اسمه أحمد ؟ فقالوا : اللهم وجدناك في كتابنا ولكنا كرهنا لأنك تستحل الأموال وتهرق الدماء فأنزل الله من كان عدوا له وملائكته ورسله الآية "
وأما قوله تعالى وجبريل وميكال
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : جبريل كقولك عبد الله جبر عبد وإيل الله
وأخرج ابن ابي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان والخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عباس قال : جبريل عبد الله وميكائيل عبيد الله وكل اسم فيه إيل فهو معبد لله
وأخرج الديلمي عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " اسم جبريل عبد الله واسم اسرافيل عبد الرحمن "
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن علي بن حسين قال : اسم جبريل عبد الله واسم ميكائيل عبيد الله واسم إسرافيل عبد الرحمن وكل شيء راجع إلى ايل فهو معبد لله عز و جل
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال : جبريل اسمه عبد الله وميكائيل اسمه عبيد الله قال : والإل الله وذلك قوله لا يرقبون في مؤمن إلا ولاذمة التوبة الآية 10 قال : لا يرقبون الله
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأها جبرال ويقول جبر هو عبد وال هو الله
وأخرج وكيع عن علقمة أنه كان يقرأ مثقلة جبريل وميكائيل
وأخرج وكيع وابن جرير عن عكرمة قال : جبر عبد وايل الله وميك عبد وايل الله واسراف عبد وايل الله (1/226)
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإيمان بسند حسن عن ابن عباس قال " بينا رسول الله صلى الله عليه و سلم ومعه جبريل يناجيه إذ انشق أفق السماء فأقبل جبريل يتضاءل ويدخل بعضه في بعض ويدنو من الأرض فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويخيرك بين أن تكون نبيا ملكا وبين أن تكون نبيا عبدا
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
فأشار جبريل إلي بيده أن تواضع فعرفت أنه لي ناصح فقلت : عبد نبي
فعرج ذلك الملك إلى السماء فقلت : يا جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ماشغلني عن المسألة فمن هذا يا جبريل ؟ قال : هذا اسرافيل خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافا قدميه لايرفع طرفه بينه وبين الرب سبعون نورا ما منها نور يدنو منه إلا احترق بين يديه اللوح المحفوظ فإذا أذن الله في شيء في السماء أو في الأرض ارتفع ذلك اللوح فضرب جبهته فينظر فيه فإذا كان من عملي أمرني به وإن كان من عمل ميكائيل أمره به وإن كان من عمل ملك الموت أمره به
قلت : يا جبريل على أي شيء أنت ؟ قال : على الرياح والجنود
قلت : على أي شيء ميكائيل ؟ قال : على النبات والقطر
قلت : على أي شيء ملك الموت ؟ قال : على قبض الأنفس وما ظننت أنه هبط إلا بقيام الساعة وما ذاك الذي رأيته مني إلا خوفا من قيلم الساعة "
وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبريل وأفضل النبيين آدم وأفضل الأيام يوم الجمعة وأفضل الشهور رمضان وأفضل الليالي ليلة القدر وأفضل النساء مريم بنت عمران "
وأخرج ابن ابي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عبد العزيز بن عمير قال : اسم جبريل في الملائكة خادم الله عز و جل
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عكرمة قال : قال جبريل عليه السلام : إن ربي عز و جل ليبعثني على الشيء لأمضيه فأجد الكون قد سبقني إليه
وأخرج أبو الشيخ عن موسى بن عائشة قال : بلغني أن جبريل إمام أهل السماء
وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن مرة قال : جبريل على ريح الجنوب
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ثابت قال : بلغنا أن الله تعالى وكل جبريل بحوائج الناس فإذا دعا المؤمن قال " يا جبريل احبس حاجته فإني أحب دعاءه وإذا دعا الكافر قال : يا جبريل اقض حاجته فإني أبغض دعاءه " (1/227)
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن عبيد قال " إن جبريل موكل بالحوائج فإذا سأل المؤمن ربه قال : احبس احبس حبا لدعائه أن يزداد وإذا سأل الكافر قال : أعطه أعطه بغضا لدعائه "
وأخرج البيهقي والصابوني في المائتين عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه و سلم قال " إن جبريل موكل بحاجات العباد فإذا دعا المؤمن قال : يا جبريل احبس حاجة عبدي فإني أحبه وأحب صوته وإذا دعا الكافر قال : يا جبريل اقض حاجة عبدي فإني أبغضه وأبغض صوته "
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لجبريل : وددت أني رأيتك في صورتك قال : وتحب ذلك ؟ قال : نعم
قال : موعدك كذا وكذا من الليل بقيع الغرقد فلقيه رسول الله صلى الله عليه و سلم موعده فنشر جناحا من أجنحته فسد أفق السماء حتى ما يرى من السماء شيء "
وأخرج أحمد وأبو الشيخ عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال " رأيت جبريل مهبطا قد ملأ ما بين الخافقين عليه ثياب سندس معلق بها اللؤلؤ والياقوت "
وأخرج أبو الشيخ عن شريح بن عبيد " أن النبي صلى الله عليه و سلم لما صعد إلى السماء رأى جبريل في خلقته منظومة أجنحته بالزبرجد واللؤلؤ والياقوت قال : فخيل إلي أن ما بين عينيه قد سد الأفق وكنا أراه قبل ذلك على صور مختلفة وأكثر ما كنت أراه على صورة دحية الكلبي وكنت أحيانا أراه كما يرى الرجل صاحبه من وراء الغربال "
وأخرج ابن جرير عن حذيفة وقتادة
دخل حديث بعضهم لبعض لجبريل جناحان وعليه وشاح من در منظوم وهو براق الثنايا أجلى الجبينين ورأسه حبك حبكا مثل المرجان وهو اللؤلؤ كأنه الثلج وقدماه إلى الخضرة
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال " ما بين منكبي جبريل مسيرة خمسمائة عام للطائر السريع الطيران "
وأخرج أبو الشيخ عن وهب بن منبه (1/228)
أنه سئل عن خلق جبريل ؟ فذكر أن ما بين منكبيه من ذي إلى ذي خفق الطير سبعمائة عام
وأخرج ابن سعد والبيهقي في الدلائل عن عمار بن أبي عمار
أن حمزة بن عبد المطلب قال : يا رسول الله أرني جبريل على صورته
قال " إنك لا تستطيع أن تراه
قال : بلى فأرنيه
قال : فاقعد
فقعد فنزل جبريل على خشبة كانت الكعبة يلقي المشركون عليها ثيابهم إذا طافوا فقال النبي صلى الله عليه و سلم : ارفع طرفك
فانظر فرفع طرفه فرأى قدميه مثل الزبرجد الأخضر فخر مغشيا عليه "
وأخرج ابن المبارك في الزهد عن ابن شهاب " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سأل جبريل أن يترأى له في صورته فقال جبريل : إنك لن تطيق ذلك
قال : إني أحب أن تفعل
فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المصلى في ليلة مقمرة فأتاه جبريل في صورته فغشي على رسول الله صلى الله عليه و سلم حين رآه ثم أفاق وجبريل مسنده وواضع إحدى يديه على صدره والآخرى بين كتفيه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما كنت أرى إن شيئا من الخلق هكذا ! فقال جبريل : فكيف لو رأيت اسرافيل إن له لأثني عشر جناحا منها جناح في المشرق وجناح في المغرب وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل أحيانا لعظمة الله عز و جل حتى يصير مثل الوصع حتى ما يحمل عرشته إلا عظمته "
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أبي جعفر قال : كان أبو بكر يسمع مناجاة جبريل لرسول الله صلى الله عليه و سلم ولا يراه
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال : قال لي النبي صلى الله عليه و سلم " لما رأيت جبريل لم يره خلق إلا عمي إلا أن يكون نبيا ولكن أن جعل ذلك في آخر عمرك "
وأخرج أبو الشيخ عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال " إن في الجنة لنهرا ما يدخله جبريل من دخلة فيخرج فينتفض إلا خلق الله من كل قطرة تقطر ملكا "
وأخرج أبو الشيخ عن أبي العلاء بن هارون قال : لجبريل في كل يوم انغماسة في نهر الكوثر ثم ينتفض فكل قطرة يخلق منها ملك
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إن جبريل ليأتيني كما يأتي الرجل صاحبه في ثياب بيض مكفوفة باللؤلؤ والياقوت رأسه كالحبك وشعره كالمرجان ولونه كالثلح أجلى الجبين براق الثنايا عليه وشاحان من در
منظوم وجناحاه أخضران ورجلاه مغموستان في الخضرة وصورته التي صور عليها تملأ ما بين الأفقين وقد قال صلى الله عليه و سلم : أشتهي أن أراك في صورتك يا روح الله (1/229)
فتحول له فيها فسد ما بين الأفقين "
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لجبريل " هل ترى ربك ؟ قال : إن بيني وبينه لسبعين حجابا من نار أو نور لو رأيت أدناه لاحترقت "
وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية بسند واه عن أبي هرير
أن رجلا من اليهود أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله هل احتجب الله بشيء عن خلقه غير السموات ؟ قال : " نعم بينه وبين الملائكة الذين حول العرش سبعون حجابا من نور وسبعون حجابا من نار وسبعون حجابا من ظلمه وسبعون حجابا من رفارف الاستبرق وسبعون حجابا من ظلمة وسبعون حجابا من رفاف السندس وسبعون حجابا من در أبيض وسبعون حجابا من در أخضر وسبعون حجابا من در أحمر وسبعون حجابا من در أصفر وسبعون حجابا من در أخضر وسبعون حجابا من ضياء وسبعون حجابا من ثلج وسبعون حجابا من برد وسبعون حجابا من عظمة الله التي لا توصف قال : فأخبرني عن ملك الله الذي يليه ؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم : إن الملك الذي يليه اسرافيل ثم جبريل ثم ميكائيل ثم ملك الموت عليهم السلام "
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي عمران الجوني " أنه بلغه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه و سلم وهو يبكي فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : وما يبكيك ؟ ! قال : ومالي لا أبكي
! فوالله ما جفت لي عين منذ خلق الله النار مخافة أن أعصيه فيقذفني فيها "
وأخرج أحمد في الزهد عن رباح قال " حدثت أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لجبريل : لم تأتني إلا وأنت صار بين عينيك ؟ قال : إني لم أضحك منذ خلقت النار "
وأخرج أحمد في مسنده وأبو الشيخ عن أنس " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لجبريل : مالي لم أر ميكائيل ضاحكا قط ؟ قال : ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار "
وأخرج أبو الشيخ عن عبد العزيز بن أبي رواد قال " نظر الله إلى جبريل وميكائيل وهما يبكيان فقال الله : ما يبكيكما وقد علمتما أني لا أجور
؟ فقالا : يا رب إنا لا نأمن مكرك
قال : هكذا فافعلا فإنه لا يأمن مكري إلا كل خاسر "
وأخرج أبو الشيخ من طريق الليث عن خالد بن سعيد قال : بلغنا أن اسرافيل
يؤذن لأهل السماء فيؤذن لاثنتي عشرة ساعة من النهار ولاثنتي عشرة ساعة من الليل لكل ساعة تأذين يسمع تأذينه من في السموات السبع ومن في الأرضين السبع إلا الجن والإنس ثم يتقدم بهم عظيم الملائكة فيصلي بهم (1/230)
قال : وبلغنا أن ميكائيل يؤم الملائكة في البيت المعمور
وأخرج الحكيم الترمذي عن زيد بن رفيع قال " دخل على رسول الله صلى الله عليه و سلم جبريل وميكائيل وهو يستاك فناول رسول الله صلى الله عليه و سلم جبريل السواك فقال جبريل : كبر
قال جبريل : ناول ميكائيل فإنه أكبر "
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة بن خالد " أن رجلا قال : يا رسول الله أي الخلق أكرم على الله عز و جل ؟ قال : لا أدري
! فجاءه جبريل عليه السلام فقال : يا جبريل أي الخلق أكرم على الله ؟ قال : لا أدري
! فعرج جبريل ثم هبط فقال : أكرم الخلق على الله جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت فأما جبريل فصاحب الحرب وصاحب المرسلين وأما ميكائيل فصاحب كل قطرة تسقط وكل ورقة تنيت وكل ورقة تسقط وأما ملك الموت فهو موكل بقبض كل روح عبد في بر أو بحر وأما إسرافيل فأمين الله بينه وبينهم "
وأخرج أبو الشيخ عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل واسرافيل وهم منه مسيرة خمسين ألف سنة جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره واسرافيل بينهما "
وأخرج أبو الشيخ عن خالد بن أبي عمران قال : جبريل أمين الله إلى رسله وميكائيل يتلقى الكتب التي تلقى من أعمال الناس واسرافيل كمنزلة الحاجب "
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن أبي داود في المصاحف وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " اسرافيل صاحب الصور وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وهو بينهما "
وأخرج أبو الشيخ عن وهب قال : إن أدنى الملائكة من الله جبريل ثم ميكائيل فإذا ذكر عبدا بأحسن عمله قال : فلان بن فلان عمل كذا وكذا من طاعتي صلوات الله عليه ثم سأل ميكائيل جبريل ما أحدث ربنا ؟ فيقول :
فلان بن فلان ذكر بأحسن عمله فصلى عليه صلوات الله عليه ثم سأل ميكائيل من يراه من أهل السماء فيقول : ماذا أحدث ربنا ؟ فيقول : ذكر فلان بن فلان بأحسن عمله فصلى عليه صلوات الله عليه فلا يزال يقع إلى الأرض (1/231)
وإذا ذكر عبدا بأسوأ عمله قال : عبدي فلان بن فلان عمل كذا وكذا من معصيتي فلعنتي عليه ثم سأل ميكائيل جبريل ماذا أحث ربنا ؟ فيقول : ذكر فلان بن فلان بأسوأ عمله فعليه لعنة الله فلا يزال يقع من سماء إلى سماء حتى يقع إلى الأرض
وأخرج الحاكم عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " وزيراي من السماء جبريل وميكائيل ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر "
وأخرج البزار والطبراني عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " إن الله أيدني بأربعة وزراء اثنين من أهل السماء جبريل وميكائيل واثنين من أهل الأرض أبي بكر وعمر "
وأخرج الطبراني بسند حسن عن أم سلمة
أن النبي صلى الله عليه و سلم قال " إن في السماء ملكين أحدهما يأمر بالشدة والآخر يأمر باللين وكل مصيب جبريل وميكائيل
ونبيان أحدهما يأمر باللين والآخر يأمر بالشده وكل مصيب وذكر إبراهيم ونوحا ولي صاحبان أحدهما يأمر باللين والآخر يأمر بالشده وكل مصيب وذكر أبا بكر وعمر "
وأخرج البزار والطبراني في الأوسط والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن عمرو قال " جاء فئام الناس إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا : يا رسول الله زعم أبو بكر أن الحسنات من الله والسيئات من العباد وقال عمر : الحسنات والسيئات من الله فتابع هذا قوم وهذا قوم
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لأقضين بينكما بقضاء اسرافيل بين جبريل وميكائيل إن ميكائيل قال بقول أبي بكر وقال جبريل بقول عمر
فقال جبريل لميكائيل : إنا متى تختلف أهل السماء تختلف أهل الأرض فلنتحاكم إلى اسرافيل فتحاكما إليه فقضى بينهما بحقيقة القدر خيره وشره وحلوه ومره كله من الله ثم قال : يا أبا بكر إن الله لو أراد أن لا يعصى لم يخلق إبليس
فقال أبو بكر : صدق الله ورسوله "
وأخرج الحاكم عن أبي المليح عن أبيه " أنه صلى مع النبي صلى الله عليه و سلم ركعتي
الفجر فصلى النبي صلى الله عليه و سلم ركعتين خفيفتين قال : فسمعته يقول : اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل ومحمد أعوذ بك من النار ثلاث مرات " (1/232)
وأخرج أحمد في الزهد عن عائشة " أن النبي صلى الله عليه و سلم أغمي عليه وراسه في حجرها فجعلت تمسح وجهه وتدعو له بالشفاء فلما أفاق قال : لا بل أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل واسرافيل عليهم السلام "
قوله تعالى : ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون
ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال " قال ابن صوريا للنبي صلى الله عليه و سلم : يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه ما أنزل الله عليك من آية بينة فأنزل الله في ذلك ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون وقال مالك بن الضيف : حين بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم وذكر ما أخذ عليهم من الميثاق وما عهد إليهم في محمد والله ما عهد إلينا في محمد ولا أخذ علينا ميثاقا فأنزل الله تعالى أو كلما عاهدوا عهدا
الآية "
وأخرج ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله ولقد أنزلنا إليك آيات بينات يقول : فأنت تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية وبين ذلك
وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتابا وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه ففي ذلك عبرة لهم وبيان وحجة عليهم لو كانوا يعلمون
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله نبذه قال : نقضه
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله نبذه فريق منهم قال : لم يكن في الأرض عهد يعاهدون إليه إلا نقضوه ويعاهدون اليوم وينقضون غدا قال : وفي قراءة عبد الله : نقضه فريق منهم
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم (1/233)
الآية
قال : ولما جاءهم محمد صلى الله عليه و سلم عارضوه بالتوراة فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت كأنهم لا يعلمون ما في التوراة من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه و سلم وتصديقه
قوله تعالى : واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون
سفيان بن عينية وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصحه عن ابن عباس قال : إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء فإذا سمع أحدهم بكلمة حق كذب عليها ألف كذبة فاشربتها قلوب الناس واتخذوها دواوين فاطلع الله على ذلك سليمان بن داود فأخذها فقذفها تحت الكرسي فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال : ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه الممنع ؟ قالوا : نعم
فأخرجوه فإذا هو سحر فتناسخها الأمم وأنزل الله عذر سليمان فيما قالوا من السحر فقال واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان
الآية
وأخرج النسائي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان آصف كاتب سليمان وكان يعلم الاسم الأعظم وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه فلما مات سليمان أخرجته الشياطين فكتبوا بين كل سطرين سحرا وكفرا وقالوا : هذا
الذي كان سليمان يعمل به فاكفره جهال الناس وسبوه ووقف علماؤهم فلم يزل جهالهم يسبونه حتى أنزل الله على محمد واتبعوا ما تتلو الشياطين (1/234)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لما ذهب ملك سليمان ارتد فئام من الجن والإنس واتبعوا الشهوات فلما رجع إلى سليمان ملكه وقام الناس على الدين ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه وتوفي حدثان ذلك فظهر الجن والإنس على الكتب بعد وفاة سليمان وقالوا : هذا كتاب من الله نزل على سليمان أخفاه عنا فأخذوه فجعلوه دينا فأنزل الله واتبعوا ما تتلو الشياطين أي الشهوات التي كانت الشياطين تتلو وهي المعازف واللعب وكل شيء يصد عن ذكر الله
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : كان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يأتي شيئا من شأنه أعطى الجرادة وهي امرأته خاتمه فلما أراد الله أن يبتلي سليمان بالذي ابتلاه به أعطى الجرادة ذلك اليوم خاتمه فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها : هاتي خاتمي
فأخذه فلبسه فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس فجاءها سليمان فقال : هاتي خاتمي
فقالت : كذبت لست سليمان
فعرف أنه بلاء ابتلي به فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبا فيها سحر وكفر ثم دفنوها تحت كرسي سليمان ثم أخرجوها فقرؤوها على الناس وقالوا : إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب فبرىء الناس من سليمان وأكفروه حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم وأنزل عليه وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا
وأخرج ابن جرير عن شهر بن حوشب قال : قال اليهود : انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل يذكر سليمان مع الأنبياء إنما كان ساحرا يركب الريح فأنزل الله واتبعوا ما تتلو الشياطين
الآية
وأخرج ابن جرير وابن ابي حاتم عن أبي العالية قال : إن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه و سلم زمانا عن أمور من التوراة لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوا عنه فيخصمهم فلما رأوا ذلك قالوا هذا أعلم بما أنزل علينا منا وأنهم سألوه عن السحر وخاصموه به فأنزل الله واتبعوا ما تتلو الشياطين
الآية
وأن الشياطين عمدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك فدفنوه تحت مجلس سليمان وكان سليمان لا يعلم الغيب فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر وخدعوا به الناس وقالوا : هذا علم كان سليمان يكتمه
ويحسد الناس عليه فأخبرهم النبي صلى الله عليه و سلم بهذا الحديث فرجعوا من عنده وقد حزنوا وأدحض الله حجتهم (1/235)
وأخرج سعيد بن منصور عن خصيف قال : كان لسليمان إذا نبتت الشجرة قال : لأي داء أنت ؟ فتقول : لكذا وكذا
فلما نبتت الشجرة الخرنوبة قال : لأي شيء أنت ؟ قالت : لمسجدك أخربه
فلم يلبث أن توفي فكتب الشياطين كتابا فجعلومه في مصلى سليمان فقالوا : نحن ندلكم على ما كان سليمان يداوي به فانطلقوا فاستخرجوا ذلك الكتاب فغذا فيه سحر ورقى فأنزل الله واتبعوا ما تتلو الشياطين إلى قوله وما أنزل على الملكين وذكر أنها في قراءة أبي وما يتلى على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر سبع مرار فإن أبى إلا أن يكفر علماه فيخرج منه نور حتى يسطع في السماء قال : المعرفة التي كان يعرف
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي مجلز قال : أخذ سليمان من كل دابة عهدا فإذا أصيب رجل فيسأل بذلك العهد خلي عنه فرأى الناس بذلك السجع والسحر وقالوا : هذا كان يعمل به سليمان
فقال الله وما كفر سليمان الآية
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ما تتلو قال : ما تتبع
وأخرج ابن جرير عن عطاء في قوله ما تتلو الشياطين قال : يراد ما تحدث
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله على ملك سليمان يقول : في ملك سليمان
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله وما كفر سليمان يقول : ما كان عن مشورته ولا رضا منه ولكنه شيء افتعلته الشياطين دونه يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين فالسحر سحران سحر تعلمه الشياطين وسحر يعلمه هاروت وماروت
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله وما أنزل على الملكين قال : هذا سحر خاصموه به فإن كلام الملائكة فيما بينهم إذا علمته الإنس فصنع وعمل به كان سحرا
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال : أما السحر فإنما يعلمه الشياطين وأما الذي يعلمه الملكان فالتفريق بين المرء وزوجه
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله وما أنزل على الملكين قال : التفرقة بين المرء وزوجه (1/236)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله وما أنزل على الملكين قال : لم ينزل الله السحر
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي في الآية قال : هما ملكان من ملائكة السماء
وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عنه مرفوعا
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبزى
أنه كان يقرؤها وما أنزل على الملكين داود وسليمان
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك
أنه قرأ وما أنزل على الملكين وقال : هما علجان من أهل بابل
وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر عن ابن عباس وما أنزل على الملكين يعني جبريل وميكائيل ببابل هاروت وماروت يعلمان الناس السحر
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية وما أنزل على الملكين قال : ما أنزل على جبريل وميكائيل السحر
وأما قوله تعالى : ببابل أخرج أبو داود وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي قال " إن حبيبي صلى الله عليه و سلم نهاني أن أصلي بأرض بابل فإنها ملعونه "
وأخرج الدينوري في المجالسة وابن عساكر من طريق نعيم بن سالم - وهو متهم - عن أنس بن مالك قال : لما حشر الله الخلائق إلى بابل بعث إليهم ريحا شرقية وغربية وقبلية وبحرية فجمعتهم إلى بابل فاجتمعوا يومئذ ينظرون لما حشروا له إذ نادى مناد : من جعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره واقتصد إلى البيت الحرام بوجهه فله كلام أهل السماء
فقام يعرب بن قحطان فقيل له : يا يعرب بن قحطان بن هود أنت هو فكان أول من تكلم بالعربية فلم يزل المنادي ينادي : من فعل كذا وكذا فله كذا وكذا حتى افترقوا على اثنين وسبعين لسانا وانقطع الصوت وتبلبلت الألسن فسميت بابل وكان اللسان يومئذ بابليا وهبطت ملائكة الخير والشر وملائكة الحياء والإيمان وملائكة الصحة والشفاء وملائكة الغنى وملائكة الشرف وملائكة المروءة وملائكة الجفاء وملائكة الجهل
وملائكة السيف وملائكة البأس حتى انتهوا إلى العراق فقال بعضهم لبعض : افترقوا (1/237)
فقال ملك الإيمان : أنا أسكن المدينة ومكة
فقال ملك الحياء : أنا أسكن معك
وقال ملك الشفاء : أسكن البادية
فقال ملك الصحة : وأنا معك
وقال ملك الجفاء : وأنا أسكن المغرب
فقال ملك الجهل
وأنا معك
وقال ملك السيف : أنا أسكن الشام
فقال ملك البأس : وأنا معك
وقال ملك الغنى : أنا أقيم ههنا
فقال ملك المروءة : أنا معك
فقال ملك الشرف : وأنا معكما
فاجتمع ملك الغنى والمروءة والشرف بالعراق
وأخرج ابن عساكر بسند فيه مجاهيل عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " إن الله عز و جل خلق أربعة أشياء وأردفها أربعة اشياء خلق الجدب وأردفه الزهد وأسكنه الحجاز وخلق العفة وأردفها الغفلة وأسكنها اليمن وخلق الرزق وأردفه الطاعون وأسكنه الشام وخلق الفجور وأردفه الدرهم وأسكنه العراق "
وأخرج ابن عساكر عن سليمان بن يسار قال : كتب عمر بن الخطاب إلى كعب الأحبار أن اختر لي المنازل
فكتب إليه يا أمير المؤمنين أنه بلغنا أن الأشياء اجتمعت فقال السخاء : أريد اليمن
فقال حسن الخلق : أنا معك
وقال الجفاء : أريد الحجاز
فقال الفقر : أنا معك
قال البأس : أريد الشام
فقال السيف : أنا معك
وقال العلم : أريد العراق
فقال العقل : أنا معك
وقال الغنى : أريد مصر
فقال الذل : أنا معك
فاختر لنفسك يا أمير المؤمنين فلما ورد الكتاب على عمر قال : العراق إذن فالعراق إذن
وأخرج ابن عساكر عن حكيم بن جابر قال : أخبرت أن الإسلام قال : أنا لاحق بأرض الشام
قال الموت : وأنا معك
قال الملك : وأنا لاحق بأرض العراق
قال القتل : وأنا معك
قال الجوع : وأنا لاحق بأرض العرب
قالت الصحة : وأنا معك
وأخرج ابن عساكر عن دغفل قال : قال المال : أنا أسكن العراق
فقال الغدر : أنا أسكن معك
وقالت الطاعة : أنا أسكن الشام
فقال الجفاء : أنا أسكن معك
وقالت المروءة : أنا أسكن الحجاز
فقال : وأنا أسكن معك
وأما قوله تعالى : هاروت وماروت قد تقدم حديث ابن عمر في قصة آدم وبقيت آثار أخر (1/238)
أخرج سعيد وابن جرير والخطيب في تاريخه عن نافع قال : سافرت مع ابن عمر فلما كان من آخر الليل قال : يا نافع انظر هل طلعت الحمراء ؟ قلت : لا مرتين أو ثلاثا ثم قلت : قد طلعت
قال : لا مرحبا بها ولا أهلا
قلت : سبحان الله
! نجم مسخر سامع مطيع ؟ قال : ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه و سلم قال " إن الملائكة قالت : يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب ؟ قال : إني ابتليتهم وعافيتكم
قالوا : لو كنا مكانهم ما عصيناك
قال : فاختاروا ملكين منكم فلم يألوا جهدا أن يختاروا فاختاروا هاروت وماروت فنزلا فالقى الله عليهم الشبق
قلت : وما الشبق ؟ قال : الشهوة
فجاءت امرأة يقال لها الزهرة فوقعت في قلوبهما فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه ثم قال أحدهما للآخر : هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي ؟ قال : نعم فطلباها لأنفسهما فقالت : لا أمكنكما حتى تعلماني الاسم الذي تعرجان به إلى السماء وتهبطان به فأبيا ثم سألاها أيضا فأبت ففعلا فلما استطيرت طمسها الله كوكبا وقطع أجنحتهما ثم سألا التوبة من ربهما فخيرهما فقال : إن شئتما رددتكما إلى ما كنتما عليه فإذا كان يوم القيامة عذبتكما وإن شئتما عذبتكما في الدنيا فإذا كان يوم القيامة رددتكما إلى ما كنتما عليه
فقال أحدهما لصاحبه : إن عذاب الدنيا ينقطع ويزول فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة
فأوحى الله إليهما : أن ائتيا بابل
فانطلقا إلى بابل فخسف بهما فهما منكوسان بين السماء والأرض معذبان إلى يوم القيامة "
وأخرج سعيد بن منصور عنمجاهد قال : كنت مع ابن عمر في سفر فقال لي : ارمق الكوكب فإذا طلعت أيقظني فلما طلعت أيقظته فاستوى جالسا فجعل ينظر إليها ويسبها سبا شديدا فقلت : يرحمك الله أبا عبد الرحمن نجم ساطع مطيع ماله تسبه ؟ ! فقال : أما إن هذه كانت بغيا في بني إسرائيل فلقي الملكان منها ما لقيا
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان من طريق موسى بن جبير عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " أشرفت الملائكة على الدنيا فرأت بني آدم يعصون فقالت : يا رب ما أجهل هؤلاء ! ما أقل معرفة هؤلاء بعظمتك !
فقال الله : لو كنتم في مسالخهم لعصيتموني (1/239)
قالوا : كيف يكون هذا ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ؟ قال : فاختاروا منكم ملكين فاختاروا هاروت وماروت ثم أهبطا إلى الأرض وركبت فيهما شهوات مثل بني آدم ومثلت لهما امرأة فما عصما حتى واقعا المعصية فقال الله : اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة فنظر أحدهما إلى صاحبه قال : ما تقول فاختر ؟ قال : أقول أن عذاب الدنيا ينقطع وأن عذاب الآخرة لا ينقطع فاختارا عذاب الدنيا فهما اللذان ذكر الله في كتابه وما أنزل على الملكين
الآية "
وأخرج اسحق بن راهويه وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في العقوبات وابن جرير وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب قال : إن هذه الزهرة تسميها العرب الزهرة والعجم أناهيذ وكان الملكان يحكمان بين الناس فأتتهما فأرادها كل واحد عن غير علم صاحبه فقال أحدهما : يا أخي إن في نفسي بعض الأمر أريد أن أذكره لك
قال : اذكره لعل الذي في نفسي مثل الذي في نفسك فاتفقا على أمر في ذلك
فقالت المرأة : ألا تخبراني بما تصعدان به إلى السماء وبما تهبطان به إلى الأرض ؟ فقالا : باسم الله الأعظم
قالت : ما أنا بمؤاتيتكما حتى تعلمانيه
فقال أحدهما لصاحبه : علمها إياه
فقال : كيف لنا بشدة عذاب الله ؟ قال الآخر : إنا نرجو سعة رحمة الله فعلمها إياه فتكلمت به فطارت إلى السماء ففزع ملك في السماء لصعودها فطأطأ رأسه فلم يجلس بعد ومسخها الله كوكبا
وأخرج ابن راهويه وابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " لعن الله الزهرة فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت "
وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه عن أبي العباس قال : كانت الزهرة امرأة في قومها يقال لها في قومها بيذخت
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس قال : إن المرأة التي فتن بها الملكان مسخت فهي هذه الكوكبة الحمراء يعني الزهرة
وأخرج موحد بن عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان من طريق الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب قال : ذكرت
الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون من الذنوب فقيل : لو كنتم مكانهم لأتيتم مثل الذي يأتون فاختاروا منكم اثنين فاختاروا هاروت وماروت فقيل لهما : أني أرسل إلى بني آدم رسلا فليس بيني وبينكما رسول أنزلكما لا تشركا بي شيئا ولا تزنيا ولا تشربا الخمر قال كعب : فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نهيا عنه (1/240)
وأخرج الحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر
أنه كان يقول : أطلعت الحمراء بعد فإذا رآها قال : لا مرحبا
ثم قال : إن ملكين من الملائكة هاروت وماروت سألا الله أن يهبطا إلى الأرض فأهبطا إلى الأرض فكانا يقضيان بين الناس فإذا أمسيا تكلما بكلمات فعرجا بها إلى السماء فقيض الله لهما امرأة من أحسن الناس وألقيت عليهما الشهوة فجعلا يؤخرانها وألقيت في نفسيهما فلم يزالا يفعلان حتى وعدتهما ميعادا فأتتهما للميعاد فقالت : كلماني الكلمة التي تعرجان بها فعلماها الكلمة فتكلمت بها فعرجت إلى السماء فمسخت فجعلت كما ترون فلما أمسيا تكلما بالكلمة فلم يعرجا فبعث إليهما إن شئتما فعذاب الآخرة وإن شئتما فعذاب الدنيا إلى أن تقوم الساعة
فقال أحدهما لصاحبه : بل نختار عذاب الدنيا ألف ألف ضعف فهما يعذبان إلى يوم القيامة
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : كنت نازلا عند عبد الله بن عمر في سفر فلما كان ذات ليلة قال لغلامه : انظر طلعت الحمراء لا مرحبا بها ولا أهلا ولا حياها الله هي صاحبة الملكين قالت الملائكة : كيف تدع عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام وينتهكون محارمك ويفسدون في الأرض ؟ قال : إني قد ابتليتهم فلعل أن أبتليكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون
قالوا : لا
قال : فاختاروا من خياركم اثنين
فاختاروا هاروت وماروت فقال لهما : إني مهبطكما إلى الأرض ومعاهد إليكما أن لا تشركا ولا تزنيا ولا تخونا
فأهبطا إلى الأرض وألقى عليهما الشبق وأهبطت لهما الزهرة في أحسن صورة امرأة فتعرضت لهما فأراداها عن نفسها فقالت : إني على دين لا يصلح لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله
قالا : وما دينك ؟ قالت : المجوسية
قالا : أنشرك ؟ هذا شيء لا نقر به
فمكثت عنهما ما شاء الله ثم تعرضت لهما فأراداها عن نفسها فقالت : ما شئتما غير أن لي زوجا وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فافتضح وإن أقررتما لي بديني
وشرطتما أن تصعدا بي إلى السماء فعلت (1/241)
فأقرا لها بدينها وأتياها فيما يريان ثم صعدا بها إلى السماء فلما انتهيا إلى السماء اختطفت منهما وقطعت أجنحتهما فوقعا خائفين نادمين يبكيان
وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين فإذا كان يوم الجمعة أجيب فقالا : لو أتينا فلانا فسألناه يطلب لنا التوبة
فأتياه فقال : رحمكما الله كيف تطلب أهل الأرض لأهل السماء ؟ قالا : إما ابتلينا
قال : ائتياني يوم الجمعة فأتياه فقال : ما أجبت فيكما بشيء ائتياني في الجمعة الثانية فأتياه فقال : اختارا فقد خيرتما إن أحببتما معافاة الدنيا وعذاب الآخرة وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله
فقال أحدهما : الدنيا لم يمض منها إلا القليل وقال الآخر : ويحك
! إني قد أطعتك في الأول فأطعني الآن وأن عذابا يفنى ليس كعذاب يبقى
قال : إننا يوم القيامة على حكم الله فأخاف أن يعذبنا
قال : لا إني أرجو أن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة لا يجمعهما الله علينا
قال فاختارا عذاب الدنيا فجعلا في بكرات من حديد في قليب مملوءة من نار أعاليهما أسافلهما قال ابن كثير : إسناده يد وهو أثبت وأصح إسنادا من رواية معاوية بن صالح عن نافع
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس قال : لما وقع الناس من بني آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله قالت الملائكة في السماء : رب هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك وقد وقعوا فيما وقعوا فيه وركبوا الكفر وقتل النفس وأكل مال الحرام والزنا والسرقة وشرب الخمر فجعلوا يدعون عليهم ولا يعذرنهم
فقيل : إنهم في غيب فلم يعذروهم
فقيل لهم : اختاروا منكم من أفضلكم ملكي آمرهما وأنهاهما فاختاروا هاروت وماروت فأهبطا إلى الأرض وجعل لهما شهوات بني آدم وأمرهما أن يعبداه ولا يشركا به شيئا ونهاهما عن قتل النفس الحرام وأكل مال الحرام وعن الزنا وشرب الخمر فلبثا في الأرض زمانا يحكمان بين الناس بالحق وذلك في زمان إدريس وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب
وأنهما أتيا عليها فخضعا لها في القول وأراداها عن نفسها فأبت إلا أن يكونا على أمرها ودينها فسألاها عن دينها فأخرجت لهما صنما فقالت : هذا أعبده
فقالا : لا حاجة لنا في عبادة هذا
فذهبا فغبرا ما شاء الله ثم أتيا عليها فأراداها عن نفسها ففعلت مثل ذلك فذهبا ثم أتيا فأراداها عن نفسها فلما رأت أنهما أبيا أن يعبدا الصنم قال لهما : اختارا أحد الخلال الثلاث (1/242)
إما أن تعبدا هذا الصنم أو أن تقتلا هذا النفس ووإما أن تشربا هذا الخمر فقالا : كل هذا لا ينبغي وأهون الثلاثة شرب الخمر
فأخذت منهما فواقعا المرأة فخشيا أن يخبر الإنسان عنهما فقتلاه فلما ذهب عنهما السكر وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة أراد أن يصعد إلى السماء فلم يستطيعا وحيل بينهما وبين ذلك وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه فعجبوا كل العجب وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض فنزل في ذلك والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض الشورى الآية 5
فقيل لهما : اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة ؟ فقالا : أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له فاختارا عذاب الدنيا فجعلا ببابل فهما يعذبان
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : إن أهل سماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض فرأوهم يعملون بالمعاصي فقالوا : يا رب أهل الأرض يعملون بالمعاصي ! فقال الله : أنتم معي وهم غيب عني
فقيل لهم : اختاروا منكم ثلاثة : فاختاروا منهم ثلاثة على أن يهبطوا إلى الأرض يحكمون بين أهل الأرض وجعل فيهم شهوة الآدميين - فأمروا أن لا يشربوا خمرا ولا يقتلون نفسا ولا يزنوا ولا يسجدوا لوثن
فاستقال منهم واحد فأقيل فأهبط اثنان إلى الأرض فأتتهما امرأة من أحسن الناس يقال لها أناهيلة فهوياها جميعا ثم أتيا منزلها فاجتمعا عندها فأراداها فقالت لهما : لا حتى تشربا خمري وتقتلا ابن جاري وتسجدوا لوثني
فقالا : لا نسجد
ثم شربا من الخمر ثم قتلا ثم سجدا فأشرف أهل السماء عليهما وقالت لهما : أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طرتما فأخبراها فطارت فمسخت جمرة وهي هذه الزهرة وأما هما فأرسل إليهما سليمان بن داود فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا فهما مناطان بين السماء والأرض
وأخرج ابن جرير من طريق أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود وابن عباس قالا : لما كثر بنو آدم وعصوا دعت الملائكة عليهم والأرض والجبال : ربنا لا تمهلهم (1/243)
فأوحى الله إلى الملائكة : أني أزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم ولو تركتكم لفعلتم أيضا
قال : فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا لعصموا فأوحى اله إليهم : أن اختاروا ملكين من أفضلكم
فاختاروا هاروت وماروت فأهبطا إلى الأرض وأنزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس يمونها بيدخت
قال : فواقعاها بالخطيئة فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله في هذه الآية
كانا ملكين من الملائكة فأهبطا ليحكما بين الناس وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم فحاكمت إليهما امرأة فخافا لها ثم ذهبا يصعدان فحيل بينهما وبين ذلك وخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا
وأخرج سعيد بن منصور عن خصيف قال : كنت مع مجاهد فمر بنا رجل من قريش فقال له مجاهد : حدثنا ما سمعت من أبيك ؟ قال : حدثني أبي : أن الملائكة حين جعلوا ينظرون إلى أعمال بني آدم وما يركبون من المعاصي الخبيثة وليس يستر الناس من الملائكة شيء فجعل بعضهم يقول لبعض : انظروا إلى بني آدم كيف يعملون كذا وكذا ما أجرأهم على الله يعيبونهم بذلك ! فقال الله لهم : لقد سمعت الذي تقولون في بني آدم فاختاروا منكم ملكين أهبطهما إلى الأرض وأجعل فيهما شهوة بني آدم فاختاروا هاروت وماروت فقالوا : يا رب ليس فينا مثلهما
فأهبطا إلى الأرض وجعلت فيهما شهوة بني آدم ومثلت لهما الزهرة في صورة امرأة فلما نظرا إليها لم يتمالكا أن تناولا ما الله أعلم به وأخذت الشهوة بأسماعهما وأبصارهما فلما أرادا أن يطيرا إلى السماء لم يستطيعا فأتاهما ملك فقال : إنكما قد فعلتما ما فعلتما فاختاراعذاب الدنيا أو عذاب الآخرة
فقال أحدهما للآخر : ماذا ترى ؟ ! قال : أرى أن أعذب في الدنيا ثم أعذب أحب إلي من أن أعذب ساعة واحدة في الآخرة فهما معلقان منكسان في السلاسل وجعلا فتنة
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : إن الله أفرج السماء إلى ملائكته ينظرون إلى أعمال بني آدم فلما أبصروهم يعملون بالخطايا قالوا : يا رب هؤلاء بنو آدم الذي خلقت بيدك وأسجدت له ملائكتك وعلمته أسماء كل شيء يعملون بالخطايا (1/244)
قال : أما أنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم
قالوا : سبحانك ما كان ينبغي لنا فأمروا أن يختاروا من يهبط إلى الأرض فاختاروا هاروت وماروت وأهبطا إلى الأرض وأحل لهما ما فيها من شيء غير أنهما لا يشركا بالله شيئا ولا يسرقا ولا يزنيا ولا يشربا الخمر ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق فعرض لهما امرأة قد قسم لها نصف الحسن يقال لها بيذخت فلما أبصراها أراداها قالت : لا إلا أن تشركا بالله وتشربا الخمر وتقتلا النفس وتسجدا لهذا الصنم
فقالا : ما كنا نشرك بالله شيئا ! فقال أحدهما للآخر : أرجع إليها
فقالت : لا إلا أن تشربا الخمر فشربا حتى ثملا ودخل عليهما سائل فقتلاه فلما وقعا فيما وقعا فيه أفرج الله السماء لملائكته فقالوا : سبحانك
! أنت أعلم
فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا فكبلا من أكعبهما إلى أعناقهما بمثل أعناق البخت وجعلا ببابل
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت "
وأخرج الخطيب في رواية مالك عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " قال أخي عيسى : معاشر الحواريين احذروا الدنيا لا تسحركم لهي والله أشد سحرا من هاروت وماروت واعلموا أن الدنيا مدبرة والآخرة مقبلة وإن لكل واحدة منهما بنين فكونوا من أبناء الآخرة دون بني الدنيا فاليوم عمل ولا حساب وغدا الحساب ولا عمل "
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبد الله بن بسر المازني قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " اتقوا الدنيا فو الذي نفسي بيده إنها لأسحر من هاروت وماروت "
وأخرج ابن جرير عن الربيع قال : لما وقع الناس من بني آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله قالت الملائكة في السماء : أي رب هذا العالم إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك وقد ركبوا الكفر وقتل النفس الحرام وأكل المال الحرام