صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وأخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن جابر بن عبد الله قال : « جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فأطعمناهم رطباً وسقيناهم ماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » هذا النعيم الذي تسألون عنه « » .
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال : « كان ليهودي على أبي تمر فقتل أبي يوم أحد وترك حديقتين ، وتمر اليهودي يستوعب ما في الحديقتين . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » هل لك أن تأخذ العام بعضه وتؤخر بعضها إلى قابل « فأبى اليهودي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » إذا حضر الجذاذ فآذاني « فآذنته ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فجعلنا نجذ ويكال له من أسفل النخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بالبركة حتى وفيناه جميع حقه من أصغر الحديقتين ثم أتيتهم برطب وماء فأكلوا وشربوا ثم قال : » هذا من النعيم الذي تسألون عنه « » .
وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة قال : « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال : ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا : الجوع يا رسول الله . قال : والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما ، فقوموا ، فقاما معه فأتى رجلاً من الأنصار ، فإذا هو ليس في بيته ، فلما رأته المرأة قالت : مرحباً وأهلاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أين فلان؟ قالت : انطلق يستعذب لنا الماء إذ جاء الأنصاري فنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، فقال : الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني ، فانطلق فجاء بعذق فيه بسر وتمر فقال : كلوا من هذا ، وأخذ المدية ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إياك والحلوب فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا . فلما شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر : » والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة « » .
وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول : « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً عند الظهيرة فوجد أبا بكر في المسجد جالساً فقال : ما أخرجك هذه الساعة؟ قال : أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله . ثم إن عمر جاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ابن الخطاب ما أخرجك هذه الساعة؟ قال : أخرجني الذي أخرجكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل بكما من قوة فتنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان من طعام وشراب؟ فقلنا : نعم يا رسول الله ، فانطلقنا حتى أتينا منزل مالك بن التيهان أبي الهيثم الأنصاري » .

(10/340)


وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن ابن عباس قال : « خرج أبو بكر في الهاجرة إلى المسجد فسمع عمر ، فخرج فقال لأبي بكر : ما أخرجك هذه الساعة؟ قال : أخرجني ما أجد في نفسي من حاق الجوع . قال عمر : والذي نفسي بيده ما أخرجني إلى الجوع ، فبينما هما كذلك إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما أخرجكما هذه الساعة فقالا : والله ما أخرجنا إلا ما نجد في بطوننا من حاق الجوع ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره ، فقاموا فانطلقوا إلى منزل أبي أيوب الأنصاري فلما انتهوا إلى داره قالت امرأته : مرحباً بنبي الله وبمن معه . قال النبي صلى الله عليه وسلم : أين أبو أيوب؟ فقالت امرأته : يأتيك يا نبي الله الساعة . فجاء أبو أيوب فقطع عذقاً ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما أردت أن تقطع لنا هذا ألا اجتنيت الثمرة؟ قال : أحببت يا رسول الله أن تأكلوا من بسره وتمره ورطبه . ثم ذبح جدياً فشوى نصفه وطبخ نصفه ، فلما وضع بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من الجدي فجعله في رغيف وقال : يا أبا أيوب أبلغ بهذا فاطمة فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام ، فذهب به أبو أيوب إلى فاطمة . فلما أكلوا وشبعوا قال النبي صلى الله عليه وسلم : خبز ولحم وتمر وبسر ورطب ودمعت عيناه والذي نفسي بيده إن هذا لهو النعيم الذي تسألون عنه . قال الله : { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } فهذا النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة ، فكبر ذلك على أصحابه . فقال : بلى إذا أصبتم هذا فضربتم بأيديكم فقولوا : بسم الله فإذا شبعتم فقولوا : الحمد لله الذي هو أشبعنا وأنعم علينا وأفضل ، فإن هذا كفاف لها » .
وأخرج أحمد وابن جرير وابن عدي والبغوي في معجمه وابن منده في المعرفة وابن عساكر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي عسيب مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال : « خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً فمر بي فدعاني ، فخرجت إليه ثم مر بأبي بكر فدعاه فخرج إليه ، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه ، فانطلق حتى دخل حائطاً لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط : أطعمنا ، فجاء بعذق فوضعه ، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ثم دعا بماء بارد فشرب ، وقال : لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة ، فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر ثم قال يا رسول الله : إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟ قال : نعم إلا من ثلاث كسرة يسد بها الرجل جوعته ، أو ثوب يستر به عورته ، أو حجر يدخل فيه من الحر والبرد » .

(10/341)


وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال : « كان النبي صلى الله عليه وسلم على جدول فأتي برطب وماء بارد فأكل من الرطب وشرب من الماء ، ثم قال : هذا من النعيم الذي تسألون عنه » .
وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أبي بكر الصديق قال : « انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا عمر إلى رجل يقال له الواقفي ، فذبح لنا شاة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إياك وذات الدر ، فأكلنا ثريداً ولحماً وشربنا ماء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا من النعيم الذي تسألون عنه » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر « أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في ساعة لم يكن يخرج فيها ، ثم خرج أبو بكر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أخرجك يا أبا بكر؟ قال : أخرجني الجوع . قال : وأخرجني الذي أخرجك . ثم خرج عمر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أخرجك يا عمر؟ قال : أخرجني والذي بعثك بالحق الجوع . ثم جاء أناس من أصحابه فقال : انطلقوا بنا إلى منزل أبي الهيثم فقالت لهم امرأته : إنه ذهب يستعذب لنا فدوروا إلى الحائط ، ففتحت لهم باب البستان فدخلوا فجلسوا ، فجاء أبو الهيثم ، فقالت له امرأته : أتدري من عندك؟ قال : لا قالت له : عندك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فدخل عليهم فعلق قربته على نخلة ثم أخذ مخرفاً فأتى عذقاً له ، فاخترف لهم رطباً فأتاهم به ، فصبه بين أيديهم ، فأكلوا منه ، وبرد لهم ذلك الماء فشربوا منه ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا من النعيم الذي تسألون عنه » .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي الهيثم بن التيهان « أن أبا بكر الصديق خرج فإذا هو بعمر جالساً في المسجد ، فعمد نحوه فوقف فسلم ، فرد عمر فقال له أبو بكر : ما أخرجك هذه الساعة؟ فقال له عمر : بل أنت ما أخرجك هذه الساعة؟ قال أبو بكر : إني سألتك قبل أن تسألني . فقال عمر : أخرجني الجوع . فقال أبو بكر : وأنا أخرجني الذي أخرجك . فلبثا يتحدثان وطلع النبي صلى الله عليه وسلم فعمد نحوهما حتى وقف عليهما فسلم فردا السلام فقال : ما أخرجكما هذه الساعة؟ فنظر كل واحد منهما إلى صاحبه ليس منهما واحد إلا وهو يريد أن يخبره صاحبه فقال أبو بكر : يا رسول الله خرج قبلي وخرجت بعده ، فسألته ما أخرجك هذه الساعة فقال : بل أنت ما أخرجك هذه الساعة؟ فقلت : إني سألتك قبل أن تسألني فقال : بل أخرجني الجوع . فقلت له : أخرجني الذي أخرجك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : وأنا فأخرجني الذي أخرجكما فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : تعلمان من أحد نضيفه؟ قالا : نعم أبو الهيثم بن التيهان له أعذق وجدي إن جئناه نجد عنده فضل تمر . فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه حتى دخلوا الحائط ، فسلم النبي صلى الله عليه وسلم فسمعت أم الهيثم تسليمه ، ففدت بالأب والأم ، وأخرجت حلساً لها من شعر فجلسوا عليه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فأين أبو الهيثم فقالت : ذاك ذهب ليستعذب لنا من الماء . وطلع أبو الهيثم بالقربة على رقبته ، فلما أن رأى وضح النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني النخل أسندها إلى جذع وأقبل يفدي بالأب والأم ، فلما رآهم عرف الذي بهم فقال لأم الهيثم : هل أطعمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه شيئاً؟ فقالت : إنما جلس النبي صلى الله عليه وسلم الساعة . قال : فما عندك؟ قالت : عندي حبات من شعير . قال : كركريها واعجني واخبزي إذ لم يكونوا يعرفون الخمير . قال : وأخذ الشفرة فرآه النبي صلى الله عليه وسلم مولياً فقال : إياك وذات الدر . فقال : يا رسول الله إنما أريد عنيقاً في الغنم ، فذبح ونصب ، فلم يلبث إذ جاء بذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه فشبعوا لا عهد لهم بمثلها . فما مكث النبي صلى الله عليه وسلم إلا يسيراً حتى أتي بأسير من اليمن فجاءته فاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه العمل وتريه يديها وتسأله إياه . قال : لا ، ولكن أعطيه أبا الهيثم فقد رأيته وما لقي هو وامرأته يوم ضفناهم ، فأرسل إليه وأعطاه إياه فقال : خذ هذا الغلام يعينك على حائطك واستوص به خيراً : فمكث عند أبي الهيثم ما شاء الله أن يمكث فقال : لقد كنت مستقلاً أنا وصاحبتي بحائطنا اذهب فلا رب لك إلا الله ، فخرج ذلك الغلام إلى الشام ورزق فيها » .

(10/342)


وأخرج الطبراني عن ابن مسعود « أن أبا بكر خرج لم يخرجه إلا الجوع ، وخرج عمر لم يخرجه إلا الجوع ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهما ، وأنهما أخبراه أنه لم يخرجهما إلا الجوع ، فقال : انطلقوا بنا إلى منزل رجل من الأنصار يقال له أبو الهيثم بن التيهان ، فإذا هو ليس في المنزل ذهب يستقي ، فرحبت المرأة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبصاحبيه ، وبسطت لهم شيئاً فجلسوا عليه ، فسألها النبي صلى الله عليه وسلم أين انطلق أبو الهيثم؟ قالت : ذهب يستعذب لنا ، فلم يلبث أن جاء بقربة فيها ماء فعلقها وأراد أن يذبح لهم شاة فكان النبي صلى الله عليه وسلم كره ذلك ، فذبح لهم عناقاً ، ثم انطلق ، فجاء بكبائس من النخل فأكلوا من ذلك اللحم والبسر والرطب ، أو شربوا من الماء فقال أحدهما : إما أبو بكر وإما عمر : هذا من النعيم الذي نسأل عنه يوم القيامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » المؤمن لا يثرب عليه شيء أصابه في الدنيا إنما يثرب على الكافر « » .

(10/343)


وأخرج ابن مردويه عن الكلبي أنه سئل عن تفسير هذه الآية { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } قال : إنما هي للكفار { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا } [ الأحقاف : 20 ] إنما هي للكفار قال : « وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر كلهم يقولون أخرجني الجوع فانطلق بهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل من الأنصار يقال له أبو الهيثم ، فلم يره في منزله ، ورحبت المرأة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبصاحبيه ، وأخرجت بساطاً فجلسوا عليه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أين أنطلق أبو الهيثم؟ فقالت : انطلق يستعذب لنا فلم يلبثوا أن جاء بقربة ماء فعلقها ، وكأنه أراد أن يذبح لهم شاة ، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فذبح عناقاً ، ثم انطلق فجاء بكبائس من نخل ، فأكلوا من اللحم ومن البسر والرطب وشربوا من الماء ، فقال أحدهما : إما أبو بكر واما عمر : هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » إنما يسأل الكفار ، وإن المؤمن لا يثرب عليه شيء أصابه في الدنيا ، وإنما يثرب على الكافر « قيل له من حدثك؟ قال : الشعبي عن الحارث عن ابن مسعود .
وأخرج أحمد في الزهد عن عامر قال : » أكل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر لحماً وخبزاً وشعيراً ورطباً وماء بارداً فقال : « هذا وربكما من النعيم » « .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : » لما نزلت هذه الآية { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } قالوا يا رسول الله : أي نعيم نسأل عنه سيوفنا على عواتقنا والأرض كلها لنا حرب ، يصبح أحدنا بغير غداء ويمسي بغير عشاء؟ قال : عني بذلك قوم يكونون من بعدكم أنتم خير منهم يغدي عليهم بجفنة ويراح عليهم بجفنة ويغدو في حلة ويروح في حلة ، ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة ويفشى فيهم السمن « .
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال : » لما نزلت { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } قام رجل محتاج فقال يا رسول الله : هل عليّ من النعمة شيء؟ قال : « نعم الظل والنعلان والماء البارد » « .
وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس في قوله : » { لتسألن يومئذ عن النعيم } قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الخصاف والماء والبارد وفلق الكسر » قال العباس : الخصاف خصف النعلين .

(10/344)


وأخرج البزار عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما فوق الإِزار وظل الحائط وخبز يحاسب به العبد يوم القيامة ويسأل عنه » .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ثلاث لا يحاسب بهن العبد : ظل خص يستظل به وكسرة يشد بها صلبه وثوب يواري به عورته » .
وأخرج أيضاً عن سلمان قال : بلغني أن في التوراة مكتوب : ابن آدم كسيرة تكفيك وخرقة تواريك وحجر يؤويك .
وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الله بن عمرو أن رجلاً سأله إنسان من فقراء المهاجرين فقال : ألك امرأة تأوي إليك وتأوي إليها؟ قال : نعم . قال : ألك مسكن تسكنه؟ قال : نعم . قال : فلست من فقراء المهاجرين .
وأخرج أحمد في الزهد عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « كل شيء سوى ظل بيت وجلف الخبز وثوب يواري عورته والماء فما فضل عن هذا لابن آدم فيهن حق » .
وأخرج أحمد وابن ماجة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن مردويه عن معاذ بن عبد الله الجهني عن أبيه عن عمه قال : « خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أثر غسل ، وهو طيب النفس ، فظننا أنه ألم بأهله ، فقلنا يا رسول الله : نراك طيب النفس ، فقال : أجل والحمد لله ، ثم ذكر الغنى فقال : » لا بأس بالغنى لمن اتقى الله ، والصحة لمن اتقى خير من الغنى ، وطيب النفس من النعيم « » .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال : مر عمر بن الخطاب برجل مبتلي أجذم أعمى أصم أبكم فقال لمن معه : هل ترون في هذا من نعم الله شيئاً؟ قالوا : لا ، قال : « بلى ألا ترونه يبول فلا يعتصر ولا يلتوي يخرج بوله سهلاً فهذه نعمة من الله » .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : يا لها من نعمة تأكل لذة وتخرج سرحاً ، لقد كان ملك من ملوك هذه القرية يرى الغلام من غلمانه يأتي الحش فيكتان ثم يجرجر قائماً فيقول : يا ليتني مثلك ما يشرب حتى يقطع عنقه العطش فإذا شرب كان له في تلك الشربة موتات ، يا لها من نعمة تأكل لذة وتخرج سرحاً .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال : يعرض الناس يوم القيامة على ثلاثة دواوين : ديوان فيه الحسنات وديوان فيه النعيم وديوان فيه السيئات ، فيقابل بديوان الحسنات ديوان النعيم فيستفرغ النعيم الحسنات ، وتبقى السيئات مشيئتها إلى الله عز وجل ، إن شاء عذب وإن شاء غفر .
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد عن بكير بن عتيق قال : سقيت سعيد بن جبير شربة من عسل في قدح فشربها ثم قال : والله لأسألن عن هذا : فقلت له؟ قال : شربته وأنا أستلذه .

(10/345)


وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت سورة { والعصر } بمكة .
وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي مليكة الدارمي وكانت له صحبة قال : كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة { والعصر إن الإِنسان لفي خسر } إلى آخرها ، ثم يسلم أحدهما على الآخر .
وأخرج ابن سعد عن ميمون قال : شهدت عمر حين طعن فأمنا عبد الرحمن بن عوف فقرأ بأقصر سورتين في القرآن بالعصر و { إذا جاء نصر الله } [ النصر : 1 ] في الفجر .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف والحاكم عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ « والعصر ونوائب الدهر إن الإِنسان لفي خسر وانه لفيه إلى آخر الدهر » .
وأخرج عبد بن حميد عن إسماعيل بن عبد الملك قال : سمعت سعيد بن جبير يقرأ قراءة ابن مسعود : « والعصر إن الإِنسان لفي خسر وإنه لفيه إلى آخر الدهر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات » .
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال : قرأنا : « والعصر إن الإِنسان لفي خسر وإنه لفيه إلى آخر الدهر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر » . ذكر أنها في قراءة عبد الله بن مسعود .
وأخرج عبد بن حميد عن حوشب قال : أرسل بشر بن مروان إلى عبد الله بن عتبة بن مسعود فقال : كيف كان ابن مسعود يقرأ { والعصر } فقال : « والعصر إن الإِنسان لفي خسر وهو فيه إلى آخر الدهر » فقال له بشر : هو يكفر به . فقال عبد الله لكني أومن به .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { والعصر } قال : ساعة من ساعات النهار .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { والعصر } قال : هو ما قبل مغيب الشمس من العشي .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { والعصر } قال : ساعة من ساعات النهار ، وفي قوله : { وتواصوا بالحق } قال : كتاب الله { وتواصوا بالصبر } قال : طاعة الله .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي { والعصر } قال : قسم أقسم به ربنا تبارك وتعالى { إن الإِنسان لفي خسر } قال : الناس كلهم ، ثم استثنى فقال : { إلا الذين آمنوا } ثم لم يدعهم وذاك حتى قال : { وعملوا الصالحات } ثم لم يدعهم وذاك حتى قال : { وتواصوا بالحق } ثم لم يدعهم وذاك حتى قال : { وتواصوا بالصبر } يشترط عليهم .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { والعصر إن الإِنسان لفي خسر } يعني أبا جهل بن هشام { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ذكر عليّاً وسلمان .

(10/346)


وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : أنزلت { ويل لكل همزة } بمكة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه قيل له : نزلت هذه الآية في أصحاب محمد { ويل لكل همزة لمزة } قال : ابن عمر : ما عنينا بها ولا عنينا بعشر القرآن .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق عن عثمان بن عمر قال : ما زلنا نسمع أن { ويل لكل همزة } قال : ليست بحاجبة لأحد نزلت في جميل بن عامر زعم الرقاشي .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي { ويل لكل همزة } في الأخنس بن شريق .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن راشد بن سعد المقدامي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لما عرج بي مررت برجال تقطع جلودهم بمقاريض من نار ، فقلت : من هؤلاء؟ قال : الذين يتزينون . قال : ثم مررت بجب منتن الريح فسمعت فيه أصواتاً شديدة ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل؟ قال : نساءكن يتزين بزينة ويعطين ما لا يحل لهن ، ثم مررت على نساء ورجال معلقين بثديهن ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل؟ قال : هؤلاء الهمازون والهمازات ، ذلك بأن الله قال : { ويل لكل همزة لمزة } » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه سئل عن قوله : { ويل لكل همزة لمزة } قال : هو المشاء بالنميمة المفرق بين الجمع المغري بين الأخوان .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قي قوله : { ويل لكل همزة } قال : طعان { لمزة } قال : مغتاب .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في الآية قال : الهمزة الطعان في الناس ، واللمزة الذي يأكل لحوم الناس .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة { ويل لكل همزة لمزة } قال : يأكل لحوم الناس ويطعن عليهم .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية { ويل لكل همزة لمزة } قال : تهمزه في وجهه وتلمزه من خلفه .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة { ويل لكل همزة } قال : يهمزه ويلمزه بلسانه وعينيه ، ويأكل لحوم الناس ويطعن عليهم .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن جريج قال : الهمز بالعينين والشدق واليد واللمز باللسان .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { جمع مالاً وعدده } قال : أحصاه .
وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والخطيب في تاريخه عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ { يحسب أن ماله أخلده } بكسر السين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة { يحسب أن ماله أخلده } قال : يزيد في عمره .

(10/347)


وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي { كلا لينبذن } قال : ليلقين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسين بن واقد قال : الحطمة باب من أبواب جهنم .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله : { التي تطلع على الأفئدة } قال : تأكل كل شيء منه حتى تنتهي إلى فؤاده فإذا بلغت فؤاده ابتدىء خلقه .
وأخرج ابن عساكر عن محمد بن المنكدر في قوله : { التي تطلع على الأفئدة } قال : تأكله النار حتى تبلغ فؤاده وهو حيّ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { إنها عليهم مؤصدة } قال : مطبقة { في عمد ممددة } قال : عمد من نار .
وأخرج عبد بن حميد عن عليّ بن أبي طالب أنه قرأ { في عمد } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود أنه قرأ : « بعمد ممددة » قال : وهي الأدهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { في عمد } قال : الأبواب .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { في عمد ممددة } قال : أدخلهم في عمد فمدت عليهم في أعناقهم السلاسل فسدت بها الأبواب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية { في عمد } قال : عمد من حديد في النار .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { في عمد } قال : كنا نحدث أنها عمد يعذبون بها في النار .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح { في عمد ممددة } قال : القيود الطوال .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : من قرأها { في عمد } فهو عمد من نار ومن قرأها { في عمد } فهو حبل ممدود .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال : في النار رجل في شعب من شعابها ينادي مقدار ألف عام يا حنان يا منان ، فيقول رب العزة لجبريل : أخرج عبدي من النار فيأتيها فيجدها مطبقة فيرجع ، فيقول يا رب { إنها عليهم مؤصدة } فيقول يا جبريل : فكها واخرج عبدي من النار فيفكها ويخرج مثل الفحم فيطرحه على ساحل الجنة حتى ينبت الله له شعراً ولحماً ودماً .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي ثم ماتوا عليها فهم في الباب الأول من جهنم لا تسود وجوههم ، ولا تزرق أعينهم ، ولا يغلون بالأغلال ، ولا يقرنون مع الشياطين ، ولا يضربون بالمقامع ، ولا يطرحون في الأدراك . منهم من يمكث فيها ساعة ، ومنهم من يمكث يوماً ثم يخرج ، ومنهم من يمكث شهراً ثم يخرج ، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج ، وأطولهم مكثاً فيها مثل الدنيا منذ يوم خلقت إلى يوم أفنيت ، وذلك سبعة آلاف سنة ، ثم إن الله عز وجل إذا أراد أن يخرج الموحدين منها قذف في قلوب أهل الأديان ، فقالوا لهم : كنا نحن وأنتم جميعاً في الدنيا فآمنتم وكفرنا ، وصدقتم وكذبنا وأقررتم وجحدنا فما أغنى ذلك عنكم ، نحن وأنتم فيها جميعاً سواء تعذبون كما نعذب وتخلدون كما نخلد ، فيغضب الله عند ذلك غضباً لم يغضبه من شيء فيما مضى ، ولا يغضب من شيء فيما بقي ، فيخرج أهل التوحيد منها إلى عين الجنة والصراط يقال لها نهر الحياة ، فيرش عليهم من الماء فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ، ما يلي الظل منها أخضر وما يلي الشمس منها أصفر ، ثم يدخلون الجنة فيكتب في جباههم عتقاء الله من النار إلا رجلاً واحداً فإنه يمكث فيها بعدهم ألف سنة ، ثم ينادي يا حنان يا منان ، فيبعث الله إليه ملكاً ليخرجه فيخوض في النار في طلبه سبعين عاماً لا يقدر عليه ، ثم يرجع فيقول : يا رب إنك أمرتني أن أخرج عبدك فلاناً من النار ، وإني طلبته في النار منذ سبعين سنة فلم أقدر عليه ، فيقول الله عز وجل : انطلق فهو في وادي كذا وكذا تحت صخرة فأخرجه . فيذهب فيخرجه منها فيدخله الجنة ، ثم إن الجهنميين يطلبون إلى الله أن يمحى ذلك الإِسم عنهم ، فيبعث الله إليهم ملكاً فيمحو عن جباههم ، ثم إنه يقال لأهل الجنة ومن دخلها من الجهنميين اطلعوا إلى أهل النار فيطلعون إليهم فيرى الرجل أباه ويرى أخاه ويرى جاره ويرى صديقه ويرى العبد مولاه ، ثم إن الله عز وجل يبعث إليهم ملائكة باطباق من نار ومسامير من نار وعمد من نار فيطبق عليهم بتلك الأطباق وتسمر بتلك المسامير وتمد بتلك العمد ، ولا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح ولا يخرج منه غم ، وينساهم الجبار على عرشه ، ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم ، ولا يستغيثون بعدها أبداً ، وينقطع الكلام فيكون كلامهم زفيراً وشهيقاً ، فذلك قوله : { إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة } »

(10/348)


يقول : مطبقة والله أعلم .

(10/349)


أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : أنزل { ألم تر كيف فعل ربك } بمكة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن عثمان بن المغيرة بن الأخنس قال : كان من حديث أصحاب الفيل أن أبرهة الأشرم الحبشي كان ملك اليمن ، وإن ابن ابنته أكسوم بن الصباح الحميريّ خرج حاجاً ، فلما انصرف من مكة نزل في كنيسة بنجران فغدا عليها ناس من أهل مكة فأخذوا ما فيها من الحليّ وأخذوا متاع أكسوم ، فانصرف إلى جده مغضباً ، فبعث رجلاً من أصحابه يقال له شهر بن معقود على عشرين ألفاً من خولان والاشعريين فساروا حتى نزلوا بأرض خثعم فتنحت خثعم عن طريقهم ، فلما دنا من الطائف خرج إليه ناس من بني خثعم ونصر وثقيف فقالوا : ما حاجتك إلى طائفنا ، وإنما هي قرية صغيرة ، ولكنا ندلك على بيت بمكة يعبد وحرز من لجأ إليه من ملكه تم له ملك العرب ، فعليك به ودعنا منك فأتاه حتى إذا بلغ المغمس وجد إبلاً لعبد المطلب مائة ناقة مقلدة فاتهبها بين أصحابه ، فلما بلغ ذلك عبد المطلب جاءه ، وكان جميلاً ، وكان له صديقاً من أهل اليمن يقال له ذو عمرو فسأله أن يرد عليه إبله ، فقال : إني لا أطيق ذلك ، ولكن إن شئت أدخلتك على الملك فقال عبد المطلب افعل . فأدخله عليه فقال له : إن لي إليك حاجة . قال : قضيت كل حاجة تطلبها . قال : أنا في بلد حرام وفي سبيل بين أرض العرب وأرض العجم ، وكانت مائة ناقة لي مقلدة ترعى بهذا الوادي بين مكة وتهامة عليها عير أهلها وتخرج إلى تجارتنا وتتحمل من عدوّنا عدا عليها جيشك فأخذوها ، وليس مثلك يظلم من جاوره . فالتفت إلى ذي عمرو ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى عجباً فقال : لو سألني كل شيء أحوزه أعطيته إياه أما ابلك فقد رددنا إليك ومثلها معها ، فما يمنعك أن تكلمني في بنيتكم هذه وبلدكم هذه فقال له عبد المطلب : أما بنيتنا هذه وبلدنا هذه فإن لهما رباً إن شاء أن يمنعهما منعهما ، ولكني إنما أكلمك في مالي فأمر عند ذلك بالرحيل وقال : لتهدمن الكعبة ولتنهبن مكة فانصرف عبد المطلب وهو يقول :
لا همّ إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك ... لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدواً محالك
فإذا فعلت فربما تحمى فأمر ما بدا لك ... فإذا فعلت فإنه أمر تتم به فعالك
وغدوا غداً بجموعهم والفيل كي يسبوا عيالك ... فإذا تركتهم وكعبتا فوا حرباً هنالك
فلما توجه شهر وأصحاب الفيل وقد أجمعوا ما أجمعوا طفق كلما وجهوه أناخ وبرك فإذا صرفوه عنها من حيث أتى أسرع السير ، فلم يزل كذلك حتى غشيهم الليل وخرجت عليهم طير من البحر لهم خراطيم كأنها البلس شبيهة بالوطواط حمر وسود ، فلما رأوها أشفقوا منها وسقط في أيديهم فرمتهم بحجارة مدحرجة كالبنادق تقع على رأس الرجل فتخرج من جوفه ، فلما أصبحوا من الغد أصبح عبد المطلب ومن معه على جبالهم فلم يروا أحداً غشيهم فبعث ابنه على فرس له سريع ينظر ما لقوا فإذا هم مشدخين جميعاً ، فرجع يرفع رأسه كاشفاً عن فخذه ، فلما رأى ذلك أبوه قال : إن ابني أفرس العرب وما كشف عن فخذه إلا بشيراً أو نذيراً ، فلما دنا من ناديهم قالوا؟ ما وراءك؟ قال : هلكوا جميعاً .

(10/350)


فخرج عبد المطلب وأصحابه ، فأخذوا أموالهم وقال عبد المطلب شعراً في المعنى :
أنت منعت الجيش والأفيالا ... وقد رعوا بمكة الأفيالا
وقد خشينا منهم القتالا ... وكل أمر منهم معضالا
شكراً وحمداً لك ذا الجلالا ... فانصرف شهر هارباً وحده ، فأول منزل نزله سقطت يده اليمنى ، ثم نزل منزلاً آخر فسقطت رجله اليمنى ، فأتى منزله وقومه وهو جسد لا أعضاء له ، فأخبرهم الخبر ثم فاضت نفسه وهم ينظرون .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معافي الدلائل عن ابن عباس قال : جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح ، فأتاهم عبد المطلب فقال : إن هذا بيت الله لم يسلط عليه أحد . قالوا : لا نرجع حتى نهدمه وكانوا لا يقدمون فيلهم إلا تأخر ، فدعا الله الطير الأبابيل ، فأعطاها حجارة سوداً عليهم الطين ، فلما حاذتهم رمتهم فما بقي منه أحد إلا أخذته الحكة ، فكان لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه .
وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال : أقبل أصحاب الفيل حتى إذا دنوا من مكة استقبلهم عبد المطلب فقال لملكهم : ما جاء بك إلينا؟ ألا بعثت فنأتيك بكل شيء أردت؟ فقال : أخبرت بهذا البيت الذي لا يدخله أحد إلا أمن فجئت أخيف أهله فقال : إنا نأتيك بكل شيء تريد فارجع ، فأبى أن يرجع إلا أن يدخله ، وانطلق يسير نحوه وتخلف عبد المطلب ، فقام على جبل فقال : لا أشهد مهلك هذا البيت وأهله . ثم قال : اللهم إن لكل إله حلالاً فامنع حلالك ، لا يغلبن محالهم أبداً محالك . اللهم فإن فعلت فأمر ما بدا لك . فأقبلت مثل السحابة من نحو البحر حتى أظلتهم طيراً أبابيل التي قال الله ترميهم بحجارة من سجيل فجعل الفيل يعج عجاً فجعلهم كعصف مأكول .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله : { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } قال : أقبل أبرهة الأشرم بالحبشة ومن تبعه من غواة أهل اليمن إلى بيت الله ليهدموه من أجل بيعة لهم أصابها العرب بأرض اليمن ، فأقبلوا بفيلهم حتى إذا كانوا بالصفاح فكانوا إذا وجهوه إلى بيت الله ألقى بجرانه إلى الأرض ، فإذا وجهوه قبل بلادهم انطلق وله هرولة ، حتى إذا كانوا ببجلة اليمانية بعث الله عليهم طيراً أبابيل بيضاً وهي الكبيرة ، فجعلت ترميهم بها حتى جعلهم الله كعصف مأكول ، فنجا أبو يكسوم فجعل كلما نزل أرضاً تساقط بعض لحمه حتى إذا أتى قومه فأخبرهم الخبر ثم هلك .

(10/351)


وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله : { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } قال : أبو يكسوم جبار من الجبابرة جاء بالفيل يسوقه معه الحبش ليهدم - زعم - بيت الله من أجل بيعة كانت هدمت باليمن ، فلما دنا الفيل من الحرم ضرب بجرانه ، فإذا أرادوا به الرجعة عن الحرم أسرع الهرولة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال : أقبل أبو يسكوم صاحب الحبشة ومعه الفيل فلما انتهى إلى الحرم برك الفيل فأبى أن يدخل الحرم ، فإذا وجه راجعاً أسرع راجعاً وإذا ارتد على الحرم أبى فأرسل الله عليهم طيراً صغاراً بيضاً في أفواهها حجارة أمثال الحمص لا تقع على أحد إلا هلك .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال : جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح ، فأتاهم عبد المطلب فقال : إن هذا بيت لم يسلط عليه أحد . قالوا : لا نرجع حتى نهدمه ، وكانوا لا يقدمون فيلهم إلا تاخر فدعا الله الطير الأبابيل فأعطاها حجارة سوداً عليها الطين ، فلما حاذت بهم صفت عليهم ثم رمتهم فما بقي منهم أحد إلا أصابته الحكة . وكانوا لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط جلده .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال : لما أرسل الله الحجارة على أصحاب الفيل جعل لا يقع منها حجر إلا سقط وذلك ما كان الجدري ، ثم أرسل الله سيلاً فذهب بهم فألقاهم في البحر . قيل : فما الأبابيل؟ قال : الفرق .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود { طيراً أبابيل } قال : هي الفرق .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن ابن عباس { طيراً أبابيل } قال : فوجاً بعد فوج ، كانت تخرج عليهم من البحر .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله : { طيراً أبابيل } قال : خضر لها خراطيم كخراطيم الإِبل وأنف كأنف الكلاب .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس { طيراً أبابيل } قال : لها أكفّ كأكفّ الرجل وأنياب كأنياب السباع .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن عبيد بن عمير الليثي قال : لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث الله عليهم طيراً نشأت من البحر كأنها الخطاطيف بكف كل طير منها ثلاثة أحجار مجزعة في منقاره حجر وحجران في رجليه ، ثم جاءت حتى صفت على رؤوسهم ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها فما من حجر وقع منها على رجل إلا خرج من الجانب الآخر ، وبعث الله ريحاً شديداً فضربت أرجلها فزادها شدة فأهلكوا جميعاً .

(10/352)


وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن عكرمة { طيراً أبابيل } قال : طير بيض ، وفي لفظ : خضر جاءت من قبل البحر كأن وجوهها وجوه السباع لم تر قبل ذلك ولا بعده ، فأثرت في جلودهم مثل الجدري ، فإنه أول ما رؤي الجدري .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } لما أقبل أصحاب الفيل يريدون مكة ورأسهم أبو يكسوم الحبشي حتى أتوا المغمس أتتهم طير في منقار كل طير حجر ، وفي رجليه حجران فرمتهم بها ، فذلك قوله : { وأرسل عليهم طيراً أبابيل } يقول : يتبع بعضها بعضاً { ترميهم بحجارة من سجيل } يقول من طين . قال : وكانت من جزع أظفار مثل بعر الغنم فرمتهم بها { فجعلهم كعصف مأكول } وهو ورق الزرع البالي المأكول : يقول : خرقتهم الحجارة كما يتخرق ورق الزرع البالي المأكول . قال : وكان إقبال هؤلاء إلى مكة قبل أو يولد النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث وعشرين سنة .
وأخرج ابن المنذر عن أبي الكنود { ترميهم بحجارة من سجيل } قال : دون الحمصة وفوق العدسة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عمران { طيراً أبابيل } قال : طير كثيرة جاءت بحجارة كثيرة أكبرها مثل الحمصة وأصغرها مثل العدسة .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله : { ترميهم بحجارة من سجيل } قال : بحجارة مثل البندق وبها نضح حمرة مختمة مع كل طائر ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره ، حلقت عليهم من السماء ثم أرسلت تلك الحجارة عليهم فلم تعد عسكرهم .
وأخرج أبو نعيم عن نوفل بن معاوية الديلمي قال : رأيت الحصى التي رمي بها أصحاب الفيل حصى مثل الحمص وأكبر من العدس حمر مختمة كأنها جزع ظفار .
وأخرج أبو نعيم عن حكيم بن حزام قال : كانت في المقدار من الحمصة والعدسة حصى به نضح أحمر مختمة كالجزع فلولا أنه عذب به قوم أخذت منه ما اتخذه لي مسجداً وهي بمكة كثير .
وأخرج أبو نعيم عن أم كرز الخزاعية قالت : رأيت الحجارة التي رمي بها أصحاب الفيل حمراً مختمة كأنها جزع ظفار فمن قال غير ذلك فلم ير منها شيئاً ، ولم يصبهم كلهم ، وقد أفلت منهم .
وأخرج أبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي قال : جاؤوا بفيلين ، فأما محمود فربض ، وأما الآخر فشجع فحصب .

(10/353)


وأخرج أبو نعيم عن عطاء بن يسار قال : حدثني من كلم قائد الفيل وسائسه قال لهما : أخبراني خبر الفيل قالا : أقبلنا به وهو فيل الملك النجاشي الأكبر لم يسر به قط إلى جمع إلا هزمهم ، فلما دنا من الحرم جعلنا كلما نوجهه إلى الحرم يربض ، فتارة نضربه فيهبط وتاره نضربه حتى نمل ثم نتركه ، فلما انتهى إلى المغمس ربض فلم يقم فطلع العذاب فقلنا : نجا غيركما؟ قالا : نعم . ليس كلهم أصابه العذاب . وولى أبرهة ومن تبعه يريد بلاده كلما دخلوا أرضاً وقع منهم عضو حتى انتهوا إلى بلاد خثعم وليس عليه غير رأسه فمات .
وأخرج أبو نعيم من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس أن أبرهة الأشرم قدم من اليمن يريد هدم الكعبة ، فأرسل الله عليهم { طيراً أبابيل } يريد مجتمعة لها خراطيم تحمل حصاة في منقارها وحصاتين في رجليها ترسل واحدة على رأس الرجل فيسيل لحمه ودمه وتبقى عظاماً خاوية لا لحم عليه ولا جلد ولا دم .
وأخرج أبو نعيم عن عثمان بن عفان أنه سأل رجلاً من هذيل قال : أخبرني عن يوم الفيل ، فقال : بعثت يوم الفيل طليعة على فرس لي أنثى فرأيت طيراً خرجت من الحرم في كل منقار طير منها حجر ، وفي رجل كل طير منها حجر ، وهاجت ريح وظلمة حتى قعدت بي فرسي مرتين فمسحتهم مسحة كلفته كرداك وانجلت الظلمة ، وسكنت الريح . قال : فنظرت إلى القوم خامدين .
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن أبي صالح أنه رأى عند أم هانىء بنت أبي طالب من تلك الحجارة نحواً من قفيز مخططة بحمرة كأنها جزع ظفار مكتوب في الحجر اسمه واسم أبيه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس { فجعلهم كعصف } يقول : كالتبن .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس { فجعلهم كعصف مأكول } قال : ورق الحنطة .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : العصف المأكول ورق الحنطة .
وأخرج عبد بن حميد عن طاوس { كعصف مأكول } قال : ورق الحنطة فيها النقب .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة { كعصف مأكول } قال : إذا أكل فصار أجوف .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس { كعصف مأكول } قال : هو الطيور عصافة الزرع .
وأخرج ابن إسحق في السيرة والواقدي وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن عائشة قالت : لقد رأيت سائس الفيل وقائده بمكة أعميين مقعدين يستطعمان .
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في الدلائل عن ابن أبزى قال : ولد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل .
وأخرج ابن إسحق وأبو نعيم والبيهقي عن قيس بن مخرمة قال : ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل .
وأخرج البيهقي عن محمد بن جبير بن مطعم قال : ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل ، وكانت عكاظ بعد الفيل بخمس عشرة سنة ، وبني البيت على رأس خمس وعشرين سنة من الفيل ، وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس أربعين من الفيل .

(10/354)


لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت { لإِيلاف قريش } بمكة .
وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الخلافيات عن أم هانىء بنت أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : « فضل الله قريشاً بسبع خصال لم يعطها أحداً قبلهم ، ولا يعطيها أحداً بعدهم : إني فيهم وفي لفظ النبوّة فيهم ، والخلافة فيهم ، والحجابة فيهم ، والسقاية فيهم ، ونصروا على الفيل ، وعبدوا الله سبع سنين ، وفي لفظ عشر سنين لم يعبده أحد غيرهم ، ونزلت فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحد غيرهم { لإِيلاف قريش } » .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه وابن عساكر عن الزبير بن العوّام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فضل الله قريشاً بسبع خصال . فضلهم بأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده إلا قريش ، وفضلهم بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون ، وفضلهم بأنه نزلت فيهم سورة من القرآن لم يدخل فيها أحد من العالمين غيرهم وهي { لإِيلاف قريش } وفضلهم بأن فيهم النبوّة والخلافة والحجابة والسقاية » .
وأخرج الخطيب في تاريخه عن سعيد بن المسيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله فضل قريشاً بسبع خصال : أنا منهم ، وأن الله أنزل فيهم سورة كاملة من كتابه لم يذكر فيها أحداً غيرهم ، وأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده أحد غيرهم ، وأن الله نصرهم يوم الفيل ، وأن الخلافة والسقاية والسدانة فيهم » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر عن إبراهيم قال : صلى عمر بن الخطاب بالناس بمكة عند البيت فقرأ { لإِيلاف قريش } قال : { فليعبدوا رب هذا البيت } وجعل يومىء بأصبعه إلى الكعبة وهو في الصلاة .
وأخرج الفريابي وابن جرير والطبراني والحاكم وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ويل أمكم يا قريش { لإِيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف } » .
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم عن أسماء بنت يزيد قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « { لإِيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف } ويحكم يا قريش اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف » .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنه كان يقرأ : « لإِيلاف قريش الفهم رحلة الشتاء والصيف » .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنه كان يعيب { لإِيلاف قريش } ويقول انما هي لتألف قريش ، وكانوا يرحلون في الشتاء والصيف إلى الروم والشام ، فأمرهم الله أن يألفوا عبادة رب هذا البيت .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله : { لإِيلاف قريش } قال : نعمتي على قريش { إيلافهم رحلة الشتاء والصيف } قال : كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف { فليعبدوا رب هذا البيت } قال : الكعبة { الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } قال : الجذام .

(10/355)


وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { لإِيلاف قريش } قال : نعمتي على قريش { إيلافهم رحلة الشتاء والصيف } قال : إيلافهم ذلك فلا يشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف { وآمنهم من خوف } قال : من كل عدوّ في حرمهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { لإِيلاف قريش إيلافهم } يقول لزومهم { الذي أطعمهم من جوع } يعني قريشاً أهل مكة بدعوة إبراهيم حيث قال : { وارزقهم من الثمرات } [ ابراهيم : 37 ] { وآمنهم من خوف } حيث قال ابراهيم : { رب اجعل هذا البلد آمناً } [ ابراهيم : 35 ] .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد أنه سئل عن قوله : { لإِيلاف قريش } فقرأ { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } إلى آخر السورة . قال : هذا لإِيلاف قريش صنعت هذا بهم لألفة قريش لئلا أفرق إلفهم وجماعتهم إنما جاء صاحب الفيل يستبيد حرمهم فصنع الله ذلك بهم .
وأخرج ابن الزبير بن بكار في الموفقيات عن عمر بن عبد العزيز قال : كانت قريش في الجاهلية تحتفد ، وكان احتفادها أن أهل البيت منه كانوا إذا سافت يعني هلكت أموالهم خرجوا إلى براز من الأرض فضربوا على أنفسهم الأخبية ثم تناوبوا فيها حتى يموتوا من قبل أن يعلم بخلتهم ، حتى نشأ هاشم بن عبد مناف ، فلما نبل وعظم قدره في قومه قال : يا معشر قريش إن العز مع الكثرة ، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالاً وأعزهم نفراً ، وإن هذا الإِحتفاد قد أتى على كثير منكم ، وقد رأيت رأياً . قالوا : رأيك راشد فمرنا نأتمر . قال : رأيت أن أخلط فقراءكم بأغنيائكم فأعمد إلى رجل غني فأضم إليه فقيراً عياله بعدد عياله ، فيكون يوازره في الرحلتين رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن ، فما كان في مال الغني من فضل عاش الفقير وعياله في ظله ، وكان ذلك قطعاً للاحتفاد قالوا : نعم ، ما رأيت فألف بين الناس . فلما كان من أمر الفيل وأصحابه ما كان وأنزل الله ما أنزل وكان ذلك مفتاح النبوة وأول عز قريش حتى أهابهم الناس كلهم وقالوا أهل الله والله معهم ، وكان مولد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك العام ، فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم كان فيما أنزل الله عليه يعرف قومه وما صنع إليهم وما نصرهم من الفيل وأهله { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } [ الفيل : 1 ] إلى آخر السورة ثم قال : ولم فعلت ذلك يا محمد بقومك وهم يومئذ أهل عبادة أوثان فقال لهم : { لإِيلاف قريش } إلى آخر السورة أي لتراحمهم وتواصلهم ، وكانوا على شرك ، وكان الذي آمنهم منه من الخوف خوف الفيل وأصحابه واطعامهم إياهم من الجوع من جوع الاحتفاد .

(10/356)


وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { لإِيلاف قريش } الآية ، قال : نهاهم عن الرحلة ، وأمرهم أن يعبدوا رب هذا البيت ، وكفاهم المؤنة ، وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف ، ولم يكن لهم راحة في شتاء ولا صيف ، فأطعمهم الله بعد ذلك من جوع وآمنهم من خوف فألفوا الرحلة ، وكان ذلك من نعمة الله عليهم .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس { لإِيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف } قال : ألفوا ذلك فلا يشق عليهم .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { لإِيلاف قريش } قال : عادة قريش رحلة في الشتاء ورحلة في الصيف ، وفي قوله : { وآمنهم من خوف } قال : كانوا يقولون : نحن من حرم الله فلا يعرض لهم أحد في الجاهلية يأمنون بذلك ، وكان غيرهم من قبائل العرب إذا خرج أغير عليهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله : { لإِيلاف قريش } قال : كان أهل مكة يتعاورون البيت شتاء وصيفاً تجاراً آمنين لا يخافون شيئاً لحرمهم ، وكانت العرب لا يقدرون على ذلك ولا يستطيعونه من الخوف ، فذكرهم الله ما كانوا فيه من الأمن حتى إن كان الرجل منهم ليصاب في الحيّ من أحياء العرب فيقال حرمي . قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : « من أذل قريشاً أذله الله » وقال : « ارقبوني وقريشاً فإن ينصرني الله عليهم فالناس لهم تبع » فلما فتحت مكة أسرع الناس في الإِسلام فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الناس تبع لقريش في الخير والشر كفارهم تبع لكفارهم ومؤمنوهم تبع لمؤمنيهم » .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { لإِيلاف قريش } الآية ، قال : أمروا أن يألفوا عبادة رب هذا البيت كإلفهم رحلة الشتاء والصيف .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر عن أبي صالح قال : علم الله حب قريش الشام فأمروا أن يألفوا عبادة رب هذا البيت كإيلافهم رحلة الشتاء والصيف .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي مالك في قوله : { لإِيلاف قريش } قال : كانوا يتجرون في الشتاء والصيف فألفتهم ذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : كانت قريش تتجر شتاء وصيفاً فتأخذ في الشتاء على طريق البحر وإيلة إلى فلسطين يلتمسون الدفء وأما الصيف فيأخذون قبل بصرى وأذرعات يلتمسون البرد فذلك قوله : { إيلافهم } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : كانت لهم رحلتان الصيف إلى الشام والشتاء إلى اليمن في التجارة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله : { وآمنهم من خوف } قال : لا يخطفون .

(10/357)


وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش { وآمنهم من خوف } قال : خوف الحبشة .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك { وآمنهم من خوف } قال : من الجذام .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي ريحانة العامري أن معاوية قال لابن عباس : لم سميت قريش قريشاً؟ قال : بدابة تكون في البحر أعظم دوابه يقال لها القرش لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته . قال : فأنشدني في ذلك شيئاً فأنشده شعر الجمحي إذ يقول :
وقريش هي التي تسكن البحر ... بها سميت قريش قريشا
تأكل الغث والسمين ولا تترك ... منها لذي الجناحين ريشا
هكذا في البلاد حي قريش ... يأكلون البلاد أكلاً كميشا
ولهم آخر الزمان نبي ... يكثر القتل فيهم والخموشا
وأخرج ابن سعد عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير متى سميت قريش قريشاً؟ قال : حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها ، فذلك التجمع التقرش ، فقال عبد الملك ما سمعت هذا ، ولكن سمعت أن قصياً كان يقال له القرشي ولم تسم قريش قبله .
وأخرج ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال : لما نزل قصيّ الحرم وغلب عليه فعل أفعالاً جميلة فقيل له القرشي ، فهو أول من سمي به .
وأخرج أحمد عن قتادة بن النعمان أنه وقع بقريش فكأنه نال منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا قتادة لا تسبن قريشاً ، فإنه لعلك أن ترى منهم رجالاً تزدري عملك مع أعمالهم وفعلك مع أفعالهم ، وتغبطهم إذا رأيتهم لولا أن تطغى قريش لأخبرتهم بالذي لهم عند الله » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « الناس تبع لقريش في هذا الأمر خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا ، والله لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لخيارها عند الله » قال : وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « خير نسوة ركبن الإِبل صالح نساء قريش أرعاه على زوج في ذات يده وأحناه على ولد في صغره » .
وأخرج أحمد وابن أبي شيبة والنسائي عن أنس قال : كنا في بيت رجل من الأنصار فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف فأخذ بعضادتي الباب فقال : « الأئمة من قريش ، ولهم عليكم حق ، ولكم مثل ذلك ما إن استحكموا عدلوا وإن استرحموا رحموا وإذا عاهدوا أوفوا ، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن للقرشي مثلي قوة الرجل من غير قريش »

(10/358)


قيل للزهري : ما عني بذلك؟ قال : نبل الرأي .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سهل بن أبي حثمة أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : « تعلموا من قريش ولا تعلموها ، وقدموا قريشاً ولا تؤخروها ، فإن للقرشي قوة الرجلين من غير قريش » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جعفر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تقدموا قريشاً فتضلوا ، ولا تأخروا عنها فتضلوا ، خيار قريش خيار الناس ، وشرار قريش شرار الناس ، والذي نفس محمد بيده لولا أن تبطر قريش لأخبرتها ما لها عند الله » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الناس تبع لقريش في الخير والشر إلى يوم القيامة » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن عبد الله بن رفاعة عن أبيه عن جده قال : « جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فقال : » هل فيكم من غيركم؟ قالوا : لا إلا ابن أختنا ومولانا وحليفتنا ، فقال : ابن أختكم منكم ومولاكم منكم إن قريشاً أهل صدق وأمانة فمن بغى لهم الغواء أكبه الله على وجهه « » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والناس تبع لقريش في هذا الأمر خيارهم تبع لخيارهم وشرارهم تبع لشرارهم » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب فيه نفر من قريش فقال : « إن هذا الأمر في قريش » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش : « إن هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان » وحرك أصبعيه .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الملك في قريش ، والقضاء في الأنصار ، والأذان في الحبشة » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد بن عمير قال : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش فقال : « اللهم كما أذقت أولهم عذاباً فأذق آخرهم نوالاً » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن أبي وقاص أن رجلاً قتل فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم فقال « أبعده الله أنه كان يبغض قريشاً » .
وأخرج الترمذي وصححه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم « أذقت أول قريش نكالاً فأذق آخرهم نوالاً » .

(10/359)


أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : أنزلت { أرأيت الذي يكذب } بمكة .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن { أرأيت الذي يكذب بالدين } قال : الكافر .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج { أرأيت الذي يكذب بالدين } قال : بالحساب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { أرأيت الذي بالدين } قال : يكذب بحكم الله { فذلك الذي يدعّ اليتيم } قال : يدفعه عن حقه .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { فذلك الذي يدعّ اليتيم } قال : يدفعه عن حقه . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت أبا طالب يقول :
يقسم حقاً لليتيم ولم يكن ... يدعّ لذي يسارهن الأصاغر
وأخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب { يدع اليتيم } قال : يدفعه .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { يدع اليتيم } قال : يظلمه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس { فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون } قال : هم المنافقون يراؤون الناس بصلاتهم إذا حضروا ويتركونها إذا غابوا ويمنعونهم العارية بغضاً لهم وهي الماعون .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس { الذين هم عن صلاتهم ساهون } قال : هم المنافقون يتركون الصلاة في السر ، ويصلون في العلانية .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { الذين هم عن صلاتهم ساهون } قال : هم المنافقون .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن مصعب بن سعد قال : قلت لأبي : أرأيت قول الله : { الذين هم عن صلاتهم ساهون } أينا لا يسهو ، وأينا لا يحدث نفسه؟ قال : إنه ليس ذلك ، إنه إضاعة الوقت .
وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله : { الذين هم عن صلاتهم ساهون } قال : هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها قال الحاكم والبيهقي الموقوف أصح .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي برزة الأسلمي قال : « لما نزلت هذه الآية { الذين هم عن صلاتهم ساهون } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » الله أكبر هذه الآية خير لكم من أن يعطى كل رجل منكم جميع الدنيا ، هو الذي إن صلى لم يرج خير صلاته ، وإن تركها لم يخف ربه « » .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { الذين هم عن صلاتهم ساهون } قال : الذين يؤخرونها عن وقتها .

(10/360)


وأخرج ابن أبي حاتم عن مسروق { عن صلاتهم ساهون } قال : تضييع ميقاتها .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن مالك بن دينار قال : سأل رجل أبا العالية عن قوله : { الذين هم عن صلاتهم ساهون } ما هو؟ فقال أبو العالية : هو الذي لا يدري عن كم انصرف عن شفع أو عن وتر ، فقال الحسن : مه هو الذي يسهو عن ميقاتها حتى تفوت .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : { عن صلاتهم ساهون } قال : لاهون .
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه والخطيب في تالي التلخيص عن ابن مسعود أنه قرأ : « الذين هم عن صلاتهم لاهون » .
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال : الحمد لله الذي قال { هم عن صلاتهم ساهون } ولم يقل في صلاتهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية { عن صلاتهم ساهون } قال : هو الذي يصلي ويقول : هكذا وهكذا يعني يلتفت عن يمينه وعن يساره .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم { عن صلاتهم ساهون } قال : يصلون رياء وليس الصلاة من شأنهم .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة { عن صلاتهم ساهون } قال : لا يبالي عنها أصلى أم لم يصلّ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب { الذين هم يراؤون } قال : يراؤون بصلاتهم .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن ابن مسعود قال : كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو والقدر والفأس والميزان وما تتعاطون بينكم .
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال : كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن الماعون الدلو والقدر والفأس ولا يستغني عنهن .
وأخرج الفريابي والبيهقي عن ابن مسعود في قوله : { الماعون } قال : الفأس والقدر والدلو ونحوها .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : كان المسلمون يستعيرون من المنافقين الدلو والقدر والفأس وشبهه فيمنعونهم فأنزل الله { ويمنعون الماعون } .
وأخرج أبو نعيم والديلمي وابن عساكر « عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { ويمنعون الماعون } قال : ما تعاون الناس بينهم الفأس والقدر والدلو وأشباهه » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه « عن قرة بن دعموص النميري أنهم وفدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ما تعهد إلينا؟ قال : لا تمنعوا الماعون . قالوا : وما الماعون؟ قال : في الحجر وفي الحديدة وفي الماء . قال : فأي الحديدة؟ قال : قدوركم النحاس وحديد الناس الذي يمتهنون به . قالوا : ما الحجر؟ قال : قدوركم الحجارة » .

(10/361)


وأخرج الباوردي عن الحرث بن شريح قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « المسلم أخو المسلم لا يمنعه الماعون ، قالوا : يا رسول الله ، ما الماعون؟ قال : في الحجر وفي الماء وفي الحديد ، قالوا أي الحديد؟ قال : قدر النحاس وحديد الفأس الذي تمتهنون به . قالوا : فما هذا الحجر؟ قال : القدر الذي من الحجارة » .
وأخرج ابن قانع عن علي بن أبي طالب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « المسلم أخو المسلم إذا لقيه حياه بالسلام ويرد عليه ما هو خير منه ، لا يمنع الماعون . قلت : يا رسول الله ما الماعون؟ قال : الحجر والحديد والماء وأشباه ذلك » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن حفصة بنت سيرين : قالت لنا أم عطية : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نمنع الماعون . قلت : وما الماعون؟ قالت : هو ما يتعاطاه الناس بينهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن عياض عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : الماعون والفأس والقدر والدلو .
وأخرج آدم وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله { ويمنعون الماعون } قال : عارية متاع البيت .
وأخرج الفريابي عن سعيد بن جبير قال : الماعون العارية .
وأخرج الفريابي وابن المنذر والبيهقي عن عكرمة أنه سئل عن الماعون فقال : هي العارية ، فقيل : فمن يمنع متاع بيته فله الويل؟ قال : لا ولكن إذا جمعهن ثلاثهن فله الويل إذا سهى عن الصلاة ورايا ومنع الماعون .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال : الماعون الزكاة المفروضة يراؤون بصلاتهم ويمنعون زكاتهم .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله : { ويمنعون الماعون } قال : أولئك المنافقون ظهرت الصلاة فصلوها وخفيت الزكاة فمنعوها .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس { ويمنعون الماعون } قال : الزكاة .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي المغيرة قال : قال ابن عمر : المال الذي لا يعطى حقه . قلت له : إن ابن مسعود قال : هو ما يتعطاه الناس بينهم من الخير . قال : ذلك ما أقول لك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : رأس الماعون زكاة المال وأدناه المنخل والدلو والإِبرة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال : الماعون بلسان قريش المال .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك وابن الحنفية قالا : الماعون الزكاة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال : الماعون المعروف .
وأخرج ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله : { ويمنعون الماعون } قال : اختلف الناس في ذلك ، فمنهم من قال : يمنعون الزكاة ، ومنهم من قال : يمنعون الطاعة ، ومنهم من قال : يمنعون العارية .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ويمنعون الماعون } قال : ما جاء هؤلاء بعد .

(10/362)


إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت سورة { إنا أعطيناك الكوثر } بمكة .
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير وعائشة مثله .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن ميمون قال : لما طعن عمر وماج الناس تقدم عبد الرحمن بن عوف فقرأ بأقصر سورتين في القرآن { إنا أعطيناك الكوثر } و { إذا جاء نصر الله والفتح } [ النصر : 1 ] .
وأخرج البيهقي عن ابن شبرمة قال : ليس في القرآن سورة أقل من ثلاث آيات .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله تعالى : { إنا أعطيناك الكوثر } قال : نهر في بطنان الجنة حافتاه قباب الدر والياقوت فيه أزواجه وخدمه . قال : وبأي شيء ذكر ذلك؟ قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل من باب الصفا وخرج من باب المروة ، فاستقبله العاص بن واثل السهمي ، فرجع العاص إلى قريش ، فقالت له قريش : من استقبلك يا أبا عمرو آنفاً؟ قال : ذلك الأبتر ، يريد به النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى أنزل الله هذه السورة { إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر } يعني عدوّك العاص بن وائل هو الأبتر من الخير لا أذكر في مكان إلا ذكرت معي يا محمد ، فمن ذكرني ولم يذكرك ليس له في الجنة نصيب ، قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم أما سمعت حسان بن ثابت يقول :
وحباه الإِله بالكوثر ... الأكبر فيه النعيم والخيرات
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك قال : « أغفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة ، فرفع رأسه متبسماً فقال : » إنه نزلت عليّ آنفاً سورة فقرأ { بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر } حتى ختمها ، قال : هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه خير كثير ترده أمتي يوم القيامة ، آنيته عدد الكواكب ، يختلج العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدث بعدك « » .
وأخرج مسلم والبيهقي من وجه آخر بلفظ ثم رفع رأسه فقرأ إلى آخر السورة ، قال البيهقي والمشهور فيما بين أهل التفاسير والمغازي أن هذه السورة مكية وهذا اللفظ لا يخالفه فيشبه أن يكون أولى .
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية { إنا أعطيناك الكوثر } .
وأخرج أحمد وابن المنذر وابن مردويه عن أنس أنه قرأ هذه الآية { إنا أعطيناك الكوثر } قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(10/363)


« أعطيت الكوثر فإذا هو نهر في الجنة يجري ولم يشق شقاً ، وإذا حافتاه قباب اللؤلؤ فضربت بيدي إلى تربته فإذا هو مسكة ذفرة وإذا حصاه اللؤلؤ » .
وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء ، فإذا مسك اذفر . قلت : ما هذا يا جبريل؟ قال : هذا الكوثر الذي أعطاكه الله » .
وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن أنس : « أن رجلاً قال يا رسول الله : ما الكوثر؟ قال : نهر في الجنة أعطانيه ربي لهو أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل ، فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر . قال عمر : يا رسول الله إنها لناعمة . قال : آكلها أنعم منها يا عمر » .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : « دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : » قد أعطيت الكوثر ، قلت يا رسول الله : ما الكوثر؟ قال : نهر في الجنة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب لا يشرب منه أحد فيظمأ ولا يتوضأ منه أحد فيتشعث أبداً ، لا يشرب منه من أخفر ذمتي ولا من قتل أهل بيتي « » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عطاء بن السائب قال : قال لي محارب بن دثار ما قال سعيد بن جبير في الكوثر؟ قلت : حدثنا عن ابن عباس أنه الخير الكثير . فقال : صدقت والله إنه للخير الكثير ، ولكن حدثنا ابن عمر قال : نزلت { إنا أعطيناك الكوثر } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدر والياقوت ، تربته أطيب من المسك وماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن جرير وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن قوله تعالى : { إنا أعطيناك الكوثر } قالت : هو نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم في بطنان الجنة شاطئاه عليه در مجوّف فيه من الآنية والأباريق عدد النجوم .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : { إنا أعطيناك الكوثر } قال : الخير الكثير . وقال أنس بن مالك : نهر في الجنة ، وقالت عائشة : هو نهر في الجنة ليس أحد يدخل أصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أوتيت الكوثر آنيته عدد النجوم » .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

(10/364)


وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { إنا أعطيناك الكوثر } قال : نهر أعطاه الله محمداً في الجنة .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب وفضة يجري على الياقوت والدر ، وماؤه أبيض من الثلج وأحلى من العسل .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { إنا أعطيناك الكوثر } قال : نهر في الجنة عمقه سبعون ألف فرسخ ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل ، شاطئاه الدر والياقوت والزبرجد خص الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم دون الأنبياء .
وأخرج البخاري وابن جرير والحاكم من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : الكوثر الخير الذي أعطاه الله إياه . قال أبو بشر : قلت لسعيد بن جبير : فإن ناساً يزعمون أنه نهر الجنة قال : النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن حذيفة في قوله : { إنا أعطيناك الكوثر } قال : نهر في الجنة أجوف فيه آنية من الذهب والفضة لا يعلمها ألا الله .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أسامة بن زيد : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى حمزة بن عبد المطلب يوماً فلم يجده فسأل امرأته عنه؟ فقالت : خرج آنفاً أو لا تدخل يا رسول الله؟ فدخل فقدمت له حيساً فأكل فقالت : هنيئاً لك يا رسول الله ومريئاً لقد جئت وأنا أريد أن آتيك فأهنيك وأمريك ، أخبرني أبو عمارة أنك أعطيت نهراً في الجنة يدعى الكوثر فقال : أجل وأرضه ياقوت ومرجان وزبرجد ولؤلؤ » .
وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : « أن رجلاً قال يا رسول الله : ما الكوثر؟ قال : نهر من أنهار الجنة أعطانيه الله عرضه ما بين إيلة وعدن . قال : يا رسول الله أله طين أو حال . قال : نعم المسك الأبيض . قال : له رضراض حصى؟ قال : نعم رضراضه الجوهر وحصباؤه اللؤلؤ . قال : أله شجر؟ قال : نعم ، حافتاه قضبان ذهب رطبة شارعة عليه . قال : ألتلك القضبان ثمار؟ قال : نعم تنبت أصناف الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر ، فيه أكواب وآنية وأقداح تسعى إلى من أراد أن يشرب منها منتشرة في وسطه كأنها الكوكب الدري » .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله : { إنا أعطيناك الكوثر } قال : نهر في الجنة حافتاه قباب الدر فيه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج هناد وابن جرير عن عائشة رضي الله عنها قالت : من أحب أن يسمع خرير الكوثر فليجعل أصبعيه في أذنيه .
وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن مجاهد رضي الله عنه قال : الكوثر خير الدنيا والآخرة .

(10/365)


وأخرج هناد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عكرمة رضي الله عنه قال : الكوثر ما أعطاه الله من النبوّة والخير والقرآن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : الكوثر القرآن .
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال : « لما نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم { إنا أعطيناك الكوثر } قال : النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل : ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ قال : إنها ليست بنحيرة ، ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع ، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في السموات السبع ، وإن لكل شيء زينة وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة . قال النبي صلى الله عليه وسلم : رفع اليدين من الاستكانة التي قال الله : { فما استكانوا لربهم وما يتضرعون } [ المؤمنون : 76 ] » .
وأخرج ابن جرير عن أبي جعفر في قوله : { فصل لربك } قال : الصلاة { وانحر } قال : يرفع يديه أول ما يكبر في الافتتاح .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { فصل لربك وانحر } قال : إن الله أوحى إلى رسوله أن ارفع يديك حذاء نحرك إذا كبرت للصلاة فذاك النحر .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني في الافراد وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله : { فصل لربك وانحر } قال : وضع يده اليمنى على وسط ساعده اليسرى ثم وضعهما على صدره في الصلاة .
وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن شاهين في السنة وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما { فصل لربك وانحر } قال : وضع اليمنى على الشمال عند التحرم في الصلاة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء { فصل لربك وانحر } قال : إذا صليت فرفعت رأسك من الركوع فاستو قائماً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الأحوص { فصل لربك وانحر } قال : استقبل القبلة بنحرك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه { فصل لربك وانحر } قال : صلي لربك الصلاة المكتوبة واسأل .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه { فصل لربك } قال : اشكر لربك .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال : كانت هذه الآية يوم الحديبية أتاه جبريل فقال انحر وارجع ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب خطبة الأضحى ، ثم ركع ركعتين ، ثم انصرف إلى البدن فنحرها ، فذلك حين يقول : { فصل لربك وانحر } .

(10/366)


وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد وعطاء وعكرمة { فصل لربك وانحر } قالوا : صلاة الصبح بجمع ونحر البدن بمنى .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { وانحر } قال : الصلاة المكتوبة والذبح يوم الأضحى .
وأخرج ابن جريرعن قتادة { فصل لربك وانحر } قال : الأضحى والنحر نحر البدن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء { فصل لربك } قال : صلاة العيد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { وانحر } قال : البدن .
وأخرج ابن جرير عن أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر قبل أن يصلي فأمر أن يصلي ثم ينحر .
وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله : { وانحر } قال : يقول فادع يوم النحر .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : لما أوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت قريش : بتر محمد منا فنزلت { إن شانئك هو الأبتر } .
وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش : أنت خير أهل المدينة وسيدهم ألا ترى إلى هذا الصابىء المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السقاية وأهل السدانة؟ قال : أنتم خير منه . فنزلت { إن شانئك هو الأبتر } ونزلت { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب } [ النساء : 51 ] إلى قوله : { فلن تجد له نصيراً } [ النساء : 52 ] .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب قال : لما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم مشى المشركون بعضهم إلى بعض فقالوا : إن هذا الصابىء قد بتر الليلة ، فأنزل الله { إنا أعطيناك الكوثر } إلى آخر السورة .
وأخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : كان أكبر ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم ثم زينب ثم عبد الله ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية ، فمات القاسم وهو أول ميت من ولده بمكة ، ثما مات عبد الله ، فقال العاصي بن وائل السهمي : قد انقطع نسله فهو أبتر ، فأنزل الله { إن شانئك هو الأبتر } .
وأخرج ابن عساكر من طريق ميمون بن مهران عن ابن عباس قال : ولدت خديجة من النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله ، ثم أبطأ عليه الولد من بعده ، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم رجلاً والعاصي بن وائل ينظر إليه إذ قال له رجل : من هذا؟ قال : هذا الأبتر يعني النبي صلى الله عليه وسلم ، فكانت قريش إذا ولد للرجل ثم أبطأ عليه الولد من بعده قالوا هذا الأبتر ، فأنزل الله { إن شانئك هو الأبتر } أي مبغضك هو الأبتر الذي بتر من كل خير .

(10/367)


وأخرج البيهقي في الدلائل عن محمد بن علي قال : كان القاسم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ أن يركب على الدابة ويسير على النجيبة ، فلما قبضه الله قال عمرو بن العاصي : لقد أصبح محمد أبتر من ابنه ، فأنزل الله { إنا أعطيناك الكوثر } عوضاً يا محمد عن مصيبتك بالقاسم { فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر } قال البيهقي : هكذا روي بهذا الإِسناد وهو ضعيف والمشهور أنها نزلت في العاصي بن وائل .
وأخرج الزبير بن بكار وابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : توفي القاسم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو آت من جنازته ، على العاصي بن وائل وابنه عمرو فقال حين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأشنئوه فقال العاصي بن وائل : لا جرم لقد أصبح أبتر ، فأنزل الله { إن شانئك هو الأبتر } .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { إن شانئك هو الأبتر } قال : هو العاصي بن وائل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال : كانت قريش تقول إذا مات ذكور الرجل : بتر فلان ، فلما مات ولد النبي صلى الله عليه وسلم قال العاصي بن وائل : بتر ، والأبتر الفرد .
وأخرج ابن المنذر وابن جرير وعبد الرزاق وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { إن شانئك } يقول : عدوّك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء { إن شانئك } قال : أبو جهل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شهر بن عطية عن إبراهيم قال : كان عقبة بن أبي معيط يقول : إنه لا يبقى للنبي صلى الله عليه وسلم ولد وهو أبتر ، فأنزل الله فيه { إن شانئك هو الأبتر } .

(10/368)


قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نزلت سورة { قل يا أيها الكافرون } بمكة .
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير رضي الله عنه قال : أنزلت بالمدينة { قل يا أيها الكافرون } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشاً دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة ويزوّجوه ما أراد من النساء ، فقالوا : هذا لك يا محمد وكف عن شتم آلهتنا ولا تذكر آلهتنا بسوء ، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة ولك فيها صلاح . قال : ما هي؟ قالوا : تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة . قال : حتى أنظر ما يأتيني من ربي فجاء الوحي من عند الله { قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } الآية . وأنزل الله { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } [ الزمر : 64 ] إلى قوله : { الشاكرين } [ الزمر : 66 ] .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن وهب قال : قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم : إن سرك أن نتبعك عاماً وترجع إلى ديننا عاماً فأنزل الله { قل يا أيها الكافرون } إلى آخر السورة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن سعيد بن ميناء مولى أبي البختري قال : لقي الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل ، والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد هلم فلتعبد ما نعبد ونعبد ما تعبد ، ولنشترك نحن وأنت في أمرنا كله ، فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظاً ، وإن كان الذي أنت عليه أصح من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه حظاً فأنزل الله { قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } حتى انقضت السورة .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشاً قالت : لو استلمت آلهتنا لعبدنا إلهك فأنزل الله { قل يا أيها الكافرون } السورة كلها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زرارة بن أوفى قال : كانت هذه السورة تسمى المقشقشة .
وأخرج ابن مردويه عن أبي رافع قال : طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت ثم جاء مقام إبراهيم فقرأ { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } [ البقرة : 125 ] ثم صلى فقرأ بفاتحة الكتاب و { قل هو الله أحد الله الصمد } [ الاخلاص : 1 ] فقال كذلك الله : { لم يلد ولم يولد } قال : ذاك الله { ولم يكن له كفواً أحد } قال : كذلك الله ثم ركع وسجد ثم قرأ بفاتحة الكتاب و { قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد } قال : لا أعبد إلا الله { ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد } فقال : لا أعبد إلا الله { لكم دينكم ولي دين } ثم ركع وسجد .

(10/369)


وأخرج ابن ماجة عن ابن عمر قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب { قل يا أيها الكافرون } و { قل هو الله أحد } .
وأخرج ابن ماجة عن ابن مسعود ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين بعد صلاة المغرب { قل يا أيها الكافرون } و { قل هو الله أحد } .
وأخرج البيهقي في سننه عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت ثم صلى ركعتين قرأ فيهما { قل يا أيها الكافرون } و { قل هو الله أحد } .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبح وقل للذين كفروا والله الواحد الصمد .
وأخرج مسلم والبيهقي في سننه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر { قل يا أيها الكافرون } و { قل هو الله أحد } .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن حبان وابن مردويه عن ابن عمر قال : رمقت النبي صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين مرة وفي لفظ شهراً فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب ب { قل يا أيها الكافرون } و { قل هو الله أحد } .
وأخرج ابن الضريس والحاكم في الكنى وابن مردويه عن ابن عمر قال : رمقت النبي صلى الله عليه وسلم أربعين صباحاً في غزوة تبوك فسمعته يقرأ في ركعتي الفجر { قل يا أيها الكافرون } و { قل هو الله أحد } ويقول : نعم السورتان تعدل واحدة بربع القرآن والأخرى بثلث القرآن .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين بعد المغرب والركعتين قبل صلاة الفجر ب { قل يا أيها الكافرون } و { قل هو الله أحد } .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من قرأ { قل يا أيها الكافرون } كانت له عدل ربع القرآن » .
وأخرج الطبراني في الصغير والبيهقي في شعب الإِيمان عن سعيد بن أبي العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ { قل يا أيها الكافرون } فكأنما قرأ ربع القرآن ومن قرأ { قل هو الله أحد } فكأنما قرأ ثلث القرآن » .
وأخرج مسدد عن رجل من الصحابة قال : سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعاً وعشرين مرة يقول : « نعم السورتان يقرأ بهما في الركعتين الأحد الصمد و { قل يا أيها الكافرون } » .
وأخرج أحمد وابن الضريس والبغوي وحميد بن زنجويه في ترغيبه عن شيخ أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(10/370)


« خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فمر برجل يقرأ { قل يا أيها الكافرون } فقال : » أما هذا فقد برىء من الشرك ، وإذا آخر يقرأ { قل هو الله أحد } فقال النبي صلى الله عليه وسلم بها وجبت له الجنة « ، وفي رواية : » أما هذا فقد غفر له « .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن فروة بن نوفل بن معاوية الأشجعي عن أبيه أنه قال يا رسول الله علمني ما أقول إذا أويت إلى فراشي قال : » اقرأ { قل يا أيها الكافرون } ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك « .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن مردويه » عن عبد الرحمن بن نوفل الأشجعي عن أبيه قال : قلت يا رسول الله : إني حديث عهد بشرك فمرني بآية تبرئني من الشرك فقال : « اقرأ { قل يا أيها الكافرون } » قال : فما أخطأها أبي من يوم ولا ليلة حتى فارق الدنيا .
وأخرج ابن مردويه عن البراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنوفل بن معاوية الأشجعي : « إذا أتيت مضجعك للنوم فاقرأ { قل يا أيها الكافرون } فإنك إذا قرأتها فقد برئت من الشرك » .
وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط عن الحارث بن جبلة وقال الطبراني عن جبلة بن حارثة ، وهو أخو زيد بن حارثة قال : قلت يا رسول الله : علمني شيئاً أقوله : عند منامي قال : « إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ { قل يا أيها الكافرون } حتى تمر بآخرها فإنها براءة من الشرك » .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : « اقرأ { قل يا أيها الكافرون } عند منامك فإنها براءة من الشرك » .
وأخرج الديلمي عن عبدالله بن جراد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « المنافق لا يصلي الضحى ولا يقرأ { قل يا أيها الكافرون } » .
وأخرج أبو يعلى والطبراني عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا أدلكم على كلمة تنجيكم من الإِشراك بالله ، تقرؤون { قل يا أيها الكافرون } عند منامكم » .
وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه عن خباب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا أخذت مضجعك فاقرأ { قل يا أيها الكافرون } » وان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأت فراشه قط إلا قرأ { قل يا أيها الكافرون } حتى يختم .
وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(10/371)


« من لقي الله بسورتين فلا حساب عليه { قل يا أيها الكافرون } و { قل هو الله أحد } » .
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس عن أبي مسعود الأنصاري قال : من قرأ { قل هو الله أحد } و { قل يا أيها الكافرون } في ليلة فقد أكثر وأطاب .
وأخرج الطبراني في الصغير عن علي قال : « لدغت النبي صلى الله عليه وسلم عقرب وهو يصلي ، فلما فرغ قال : » لعن الله العقرب لا تدع مصلياً ولا غيره « ثم دعا بماء وملح وجعل يمسح عليها ويقرأ { قل يا أيها الكافرون } و { قل أعوذ برب الفلق } [ الفلق : 1 ] و { قل أعوذ برب الناس } [ الناس : 1 ] » .
وأخرج أبو يعلى عن جبير بن مطعم قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أتحب يا جبير إذا خرجت سفراً أن تكون أمثل أصحابك هيئة وأكثرهم زاداً؟ قلت : نعم بأبي أنت وأمي . قال : فاقرأ هذه السور الخمس { قل يا أيها الكافرون } و { إذا جاء نصر الله والفتح } [ النصر : 1 ] و { قل هو الله أحد } [ الاخلاص : 1 ] و { قل أعوذ برب الفلق } و { قل أعوذ برب الناس } وافتتح كل سورة ببسم الله الرحمن الرحيم » قال جبير : وكنت غنياً كثير المال ، فكنت أخرج في سفر فأكون من أبذهم هيئة وأقلهم زاداً ، فما زلت منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأت بهن أكون من أحسنهم هيئة وأكثرهم زاداً حتى أرجع من سفري .
وأخرج ابن الضريس عن عمرو بن مالك قال : كان أبو الجوزاء يقول : أكثروا من قراءة { قل يا أيها الكافرون } وابرأوا منهم .

(10/372)


إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : أنزل بالمدينة { إذا جاء نصر الله والفتح } .
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال : أنزل { إذا جاء نصر الله } بالمدينة .
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال : نزلت { إذا جاء نصر الله والفتح } كلها بالمدينة بعد فتح مكة ودخول الناس في الدين ينعى إليه نفسه .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال : هذه السورة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم أوسط أيام التشريق بمنى وهو في حجة الوداع { إذا جاء نصر الله والفتح } حتى ختمها ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الوداع .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس أنه قرأ : « إذا جاء فتح الله والنصر » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله : { إذا جاء نصر الله والفتح } قال : فتح مكة { ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توّاباً } قال : أعلم أنك ستموت عند ذلك .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { أفواجاً } قال : الزمر من الناس .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله : { إذا جاء نصر الله والفتح } قال : كانت هذه السورة آية لموت النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن وابن المنذر عن قتادة في قوله : { إذا جاء نصر الله والفتح } قال : ذكر لنا أن ابن عباس قال : هذه السورة علم وحد حده الله لنبيه ونعى نفسه أي إنك لن تعيش بعدها إلا قليلاً . قال قتادة : والله ما عاش بعدها إلا قليلاً سنتين ثم توفي .
وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال : « لما نزلت { إذا جاء نصر الله والفتح } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعيت إلى نفسي إني مقبوض في تلك السنة » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : « لما نزلت { إذا جاء نصر الله والفتح } قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيت إلى نفسي وقرب أجلي » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم { إذا جاء نصر الله والفتح } علم أنه نعيت إليه نفسه .
وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد الخدري قال : « لما نزلت هذه السورة { إذا جاء نصر الله والفتح } قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمها ثم قال : أنا وأصحابي خير والناس خير لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية » .

(10/373)


وأخرج النسائي وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال : لما نزلت { إذا جاء نصر الله والفتح } نعيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حين أنزلت فأخذني أشد ما يكون اجتهاداً في أمر الآخرة .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم حبيبة قالت : « لما نزلت { إذا جاء نصر الله والفتح } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إن الله لم يبعث نبياً إلا عمر في أمته شطر ما عمر النبي الماضي قبله ، وإن عيسى ابن مريم كان أربعين سنة في بني إسرائيل ، وهذه لي عشرون سنة وأنا ميت في هذه السنة « فبكت فاطمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » أنت أول أهل بيتي لحوقاً بي « فتبسمت » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : « لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين أنزل عليه { إذا جاء نصر الله والفتح } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » يا علي بن أبي طالب ، يا فاطمة بنت محمد جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبحان ربي وبحمده واستغفره إنه كان توابا « ً » .
وأخرج الخطيب وابن عساكر عن علي قال : « نعى الله لنبيه صلى الله عليه وسلم نفسه حين أنزل عليه { إذا جاء نصر الله والفتح } فكان الفتح سنة ثمان بعدما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما طعن في سنة تسع من مهاجره تتابع عليه القبائل تسعى فلم يدر متى الأجل ليلاً أو نهاراً ، فعمل على قدر ذلك فوسع السنن ، وشدد الفرائض ، وأظهر الرخص ، ونسخ كثيراً من الأحاديث ، وغزا تبوك ، وفعل فعل مودع .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال : » لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين أنزل عليه { إذا جاء نصر الله والفتح } إلى آخر القصة . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا علي بن أبي طالب ، ويا فاطمة بنت محمد ، جاء نصر الله والفتح إلى آخر القصة ، سبحان ربي وبحمده وأستغفره إنه كان توّاباً ، ويا علي إنه يكون بعدي في المؤمنين الجهاد . قال : علام نجاهد المؤمنين الذين يقولون آمنا؟ قال : على الاحداث في الدين إذا عملوا بالرأي ، ولا رأي في الدين ، إنما الدين من الرب أمره ونهيه » قال علي : يا رسول الله أرأيت إن عرض علينا أمر لم ينزل فيه قرآن ولم يقض فيه سنة منك . قال : تجعلونه شورى بين العابدين من المؤمنين ولا تقضونه برأي خاصة ، فلو كنت مستخلفاً أحداً لم يكن أحد أحق منك لقربك في الإِسلام ، وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصهرك ، وعندك سيدة نساء المؤمنين ، وقبل ذلك ما كان بلاء أبي طالب إياي ، ونزل القرآن وأنا حريص على أن أرعى له في ولده « .

(10/374)


وأخرج أحمد والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : « لما نزلت { إذا جاء نصر الله والفتح } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فقال : إنه قد نعيت إلى نفسي » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد والبخاري وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم معاً في الدلائل عن ابن عباس قال : كان عمر يدخلني وأشياخ بدر ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله فقال : إنه ممن قد علمتم ، فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني ، فقال : ما تقولون في قوله : { إذا جاء نصر الله والفتح } حتى ختم السورة فقال بعضهم : أمرنا الله أن نحمده ونستغفره إذا جاء نصر الله وفتح علينا وقال بعضهم : لا ندري وبعضهم لم يقل شيئاً فقال لي يا ابن عباس : أكذاك تقول؟ قلت : لا . قال : فما تقول؟ قلت : هو أجل رسول الله أعلمه الله { إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون } والفتح فتح مكة ، فذلك علامة أجلك { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً } فقال عمر : ما أعلم منها إلا ما تعلم .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن عمر سألهم عن قول الله { إذا جاء نصر الله والفتح } فقالوا : فتح المدائن والقصور ، قال : فأنت يا ابن عباس ما تقول؟ قال : قلت مثل ضرب لمحمد نعيت له نفسه .
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في فضائل الصحابة والخطيب في تالي التلخيص عن ابن عباس قال : لما نزلت { إذا جاء نصر الله والفتح } جاء العباس إلى عليّ فقال : انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان هذا الأمر لنا من بعده لم تشاحنا فيه قريش ، وإن كان لغيرنا سألناه الوصاة لنا . قال : لا ، قال العباس : جئت فذكرت ذلك له ، فقال : « إن الله جعل أبا بكر خليفتي على دين الله ووحيه وهو مستوص فاسمعوا له وأطيعوا تهتدوا وتفلحوا ، واقتدوا به ترشدوا » قال ابن عباس : فما وافق أبا بكر على رأيه ولا وازره على أمره ولا أعانه على شأنه إذ خالفه أصحابه في ارتداد العرب إلا العباس . قال : فوالله ما عدل رأيهما وحزمهما رأي أهل الأرض أجمعين .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { إذا جاء نصر الله والفتح } قال : ذاك حين نعى لهم نفسه يقول : إذا رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً يعني إسلام الناس يقول فذلك حين حضر أجلك { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توّاباً } .

(10/375)


وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن أبي هريرة في قوله : { إذا جاء نصر الله والفتح } قال : علم وحد حده الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ونعى إليه نفسه أنك لا تبقى بعد فتح مكة إلا قليلاً .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عباس قال : آخر سورة نزلت من القرآن جميعاً { إذا جاء نصر الله والفتح } .
وأخرج البخاري عن سهل بن سعد الساعدي عن أبي بكر أن سورة { إذا جاء نصر الله والفتح } حين أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم علم أن نفسه نعيت إليه .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح فتح مكة فخرج من المدينة في رمضان ومعه من المسلمين عشرة آلاف ، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف سنة من مقدمة المدينة ، وافتتح مكة لثلاث عشرة بقيت من رمضان .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه ، عن عائشة قالت : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول : سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه ، فقلت يا رسول الله : أراك تكثر من قول : سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه ، فقال : خبرني أني سأرى علامة في أمتي فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه ، فقد رأيتها { إذا جاء نصر الله والفتح } فتح مكة { ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً } » .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده . « سبحانك اللهم وبحمدك ، اللهم اغفر لي » يتأول القرآن يعني { إذا جاء نصر الله والفتح } .
وأخرج ابن جرير عن عائشة قالت : ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أنزلت عليه هذه السورة { إذا جاء نصر الله والفتح } إلا يقول مثلهما : « سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أم سلمة قالت : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر عمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال : » سبحانك اللهم وبحمدك ، استغفرك وأتوب إليك « فقلت له : قال : » إني أمرت بها « وقرأ { إذا جاء نصر الله } » إلى آخر السورة .
وأخرج عبد الرزاق ومحمد بن نصر وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال : « لما نزلت { إذا جاء نصر الله والفتح } كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول : » سبحانك اللهم وبحمدك اغفر لي إنك أنت التواب الغفور « » .

(10/376)


وأخرج الحاكم وابن مردويه عن ابن مسعود قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول : » سبحانك ربنا وبحمدك « فلما نزلت { إذا جاء نصر الله والفتح } قال : » سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم « » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : « لما نزلت { إذا جاء نصر الله والفتح } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » جاء أهل اليمن هم أرقْ قلوباً الإِيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانيه « . وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال : » قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً } فقال : « ليخرجن منه أفواجاً كما دخلوا فيه أفواجاً » « .
وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن الفضيل بن عياض قال : » لما نزلت { إذا جاء نصر الله والفتح } إلى آخر السورة قال محمد صلى الله عليه وسلم : « يا جبريل نعيت إليَّ نفسي » قال جبريل : الآخرة خير لك من الأولى « .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : » إن الناس دخلوا في دين الله أفواجاً وسيخرجون منه أفواجاً « .
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : » { إذا جاء نصر الله والفتح } وجاء أهل اليمن رقيقة أفئدتهم وطباعهم سجية قلوبهم عظيمة حسنتهم دخلوا في دين الله أفواجاً « .

(10/377)


تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : أنزلت { تبت يدا أبي لهب } بمكة .
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير وعائشة مثله .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال : ما كان أبو لهب إلا من كفار قريش ، ما هو حتى خرج من الشعب حين تمالأت قريش حتى حصرونا في الشعب وظاهرهم ، فلما خرج أبو لهب من الشعب وظاهرهم ، فلما خرج أبو لهب من الشعب لقي هنداً بنت عتبة بن ربيعة حين فارق قومه ، فقال : يا ابنت عتبة هل نصرت اللات والعزى؟ قالت : نعم فجزاك الله خيراً يا أبا عتبة . قال : إن محمداً يعدنا أشياء لا نراها كائنة ، يزعم أنها كائنة بعد الموت ، فما ذاك وصنع في يدي ، ثم نفخ في يديه ثم قال : تباً لكما ما أرى فيكما شيئاً مما يقول محمد ، فنزلت { تبت يدا أبي لهب } قال ابن عباس : فحصرنا في الشعب ثلاث سنين ، وقطعوا عنا الميرة حتى إن الرجل ليخرج منا بالنفقة فما يبايع حتى يرجع حتى هلك فينا من هلك .
وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : « لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين } [ الشعراء : 214 ] خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف : يا صباحاه فاجتمعوا إليه فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقيَّ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذبا . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فقال أبو لهب : تبًّا لك إنما جمعتنا لهذا؟ ثم قام فنزلت هذه السورة { تبت يدا أبي لهب وتب } » .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر في قوله : { تبت يدا أبي لهب } قال : خسرت .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في { تبت يدا أبي لهب } قال : خسرت { وتب } قال : خسر .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { تبت يدا أبي لهب وتب } قال : خسرت يدا أبي لهب وخسر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : إنما سمي أبا لهب من حسنه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت : إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وان ابنه من كسبه ، ثم قرأ { ما أغنى عنه ماله وما كسب } قالت : وما كسب ولده .
وأخرج عبد الرزاق عن عطاء قال : كان يقال : ما أإنى عنه ماله وما كسب وولده كسبه ومجاهد وعائشة قالاه .
وأخرج الطبراني عن قتادة قال : كانت رقيه بنت النبي صلى الله عليه وسلم عند عتبة بن أبي لهب ، فلما أنزل الله { تبت يدا أبي لهب } سأل النبي صلى الله عليه وسلم طلاق رقية فطلقها فتزوّجها عثمان .

(10/378)


وأخرج الطبراني عن قتادة قال : تزوّج أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عتيبة بن أبي لهب ، وكانت رقية عند أخيه عتبة بن أبي لهب ، فلما أنزل الله { تبت يدا أبي لهب } قال أبو لهب لابنيه عتيبة وعتبة : رأسي من رأسكما حرام إن لم تطلقا بنتي محمد ، وقالت أمهما بنت حرب بن أميه ، وهي حمالة الحطب : طلقاهما فإنهما قد صبتا ، فطلقاهما .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد أن امرأة أبي لهب كانت تلقي في طريق النبي صلى الله عليه وسلم الشوك ، فنزلت { تبت يدا أبي لهب ، وامرأته حمالة الحطب } فلما نزلت بلغ امرأة أبي لهب أن النبي يهجوك ، قالت : علام يهجوني؟ هل رأيتموني كما قال محمد أحمل حطباً في جيدي حبل من مسد؟ فمكثت ثم أتته فقالت : إن ربك قلاك وودعك ، فأنزل الله { والضحى } [ الضحى : 1 ] إلى { وما قلى } [ الضحى : 3 ] .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد { وامرأته حمالة الحطب } قال : كانت تأتي بأغصان الشوك تطرحها بالليل في طريق رسول الله .
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { وامرأته حمالة الحطب } قال : كانت تمشي بالنميمة { في جيدها حبل من مسد } من نار .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة { وامرأته حمالة الحطب } قال : كانت تنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض { في جيدها حبل } قال : عنقها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن { حمالة الحطب } قال : كانت تحمل النميمة فتأتي بها بطون قريش .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن عروة بن الزبير { في جيدها حبل من مسد } قال : سلسلة من حديد من نار ذرعها سبعون ذراعاً .
وأخرج ابن الأنباري عن قتادة رضي الله عنه { في جيدها حبل من مسد } قال : من الودع .
وأخرج ابن جرير والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { وامرأته حمالة الحطب } قال : كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبي صلى الله عليه وسلم ليعقره وأصحابه ، ويقال { حمالة الحطب } نقالة الحديث { حبل من مسد } قال : هي حبال تكون بمكة ، ويقال المسد العصا التي تكون في البكرة ، ويقال : المسد قلادة لها من ودع .
وأخرج ابن عساكر بسند فيه الكديمي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بعثت ولي أربع عمومة ، فأما العباس فيكنى بأبي الفضل ، ولولده الفضل إلى يوم القيامة ، وأما حمزة فيكنى بأبي يعلى ، فأعلى الله قدره في الدنيا والآخرة ، وأما عبد العزى فيكنى بأبي لهب ، فأدخله الله النار وألهبها عليه ، وأما عبد مناف فيكنى بأبي طالب فله ولولده المطاولة والرفعة إلى يوم القيامة » .

(10/379)


وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه رضي الله عنه قال : مرت درة ابنة أبي لهب برجل فقال : هذه ابنة عدو الله أبي لهب ، فأقبلت عليه فقالت ذكر الله أبي لنسابته وشرفه وترك أباك لجهالته ، ثم ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم ، فخطب الناس فقال : « لا يؤذين مسلم بكافر » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر وأبي هريرة وعمار بن ياسر رضي الله عنهم قالوا : قدمت درة بنت أبي لهب مهاجرة فقال لها نسوة : أنت درة بنت أبي لهب الذي يقول الله { تبت يدا أبي لهب } فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فخطب فقال : « يا أيها الناس مالي أوذى في أهلي فوالله إن شفاعتي لتنال بقرابتي حتى إن حكما وحاء وصدا وسلهبا تنالها يوم القيامة بقرابتي » .

(10/380)


قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)

أخرج أحمد والبخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير وابن خزيمة وابن أبي حاتم في السنة والبغوي في معجمه وابن المنذر في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد أنسب لنا ربك ، فأنزل الله { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد } لأنه ليس يولد شيء إلا سيموت ، وليس شيء يموت إلا سيورث ، وإن الله لا يموت ولا يورث { ولم يكن له كفواً أحد } ليس له شيبة ولا عدل وليس كمثله شيء .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه أن المشركين قالوا يا رسول الله : أخبرنا عن ربك ، صف لنا ربك ما هو؟ ومن أي شيء هو؟ فأنزل الله { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد } .
وأخرج ابن الضريس وابن جرير عن أبي العالية رضي الله عنه قال قالوا : انسب لنا ربك ، فأتاه جبريل بهذه السورة { قل هو الله أحد الله الصمد } .
وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية والبيهقي بسند حسن عن جابر رضي الله عنه قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أنسب لنا ربك ، فأنزل الله { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد } .
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قالت قريش ، يا رسول الله : أنسب لنا ربك ، فأنزل الله { قل هو الله أحد } .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة وأبو بكر السمرقندي في فضائل { قل هو الله أحد } عن أنس رضي الله عنه قال : جاءت يهود خيبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم خلق الله الملائكة من نور الحجاب وآدم من حمإ مسنون وإبليس من لهب النار ، والسماء من دخان ، والأرض من زبد الماء ، فأخبرنا عن ربك فلم يجبهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتاه جبريل بهذه السورة { قل هو الله أحد } ليس له عروق تتشعب { الله الصمد } ليس بالأجوف لا يأكل ولا يشرب { لم يلد ولم يولد } ليس له والد ولا ولد ينسب إليه { ولم يكن له كفواً أحد } ليس من خلقه شيء يعدل مكانه يمسك السموات إن زالتا ، هذه السورة ليس فيها ذكر جنة ولا نار ، ولا دنيا ولا آخرة ولا حلال ولا حرام انتسب الله إليها فهي له خالصة ، من قرأها ثلاث مرات عدل بقراءة الوحي كله ، ومن قرأها ثلاثين مرة لم يفضله أحد من أهل الدنيا يومئذ إلا من زاد على ما قال ، ومن قرأها مائتي مرة أسكن من الفودوس سكناً يرضاه ، ومن قرأها حين يدخل منزله ثلاث مرات نفت عن الفقر ونفعت الجار ، وكان رجل يقرأها في كل صلاة فكأنهم هزئوا به وعابوا ذلك عليه فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : وما حملك على ذلك؟ قال يا رسول الله : إني أحبها .

(10/381)


قال : حبها أدخلك الجنة . قال : وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ويرددها حتى أصبح .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية من طريق محمد بن حمزة بن يوسف بن عبدالله بن سلام أن عبدالله بن سلام رضي الله عنه قال لأحبار اليهود : إني أردت أن أحدث بمسجد أبينا إبراهيم عهداً ، فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة ، فوافاه بمنى ، والناس حوله ، فقام مع الناس ، فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : أنت عبدالله بن سلام؟ قال : نعم ، قال : أدن ، فدنا منه ، فقال : أنشدك بالله أما تجدني في التوراة رسول الله؟ فقال له : أنعت لنا ربك ، فجاء جبريل فقال { قل هو الله أحد } إلى آخر السورة . فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ابن سلام : أشهد أن لا إله إلا الله واشهد أنك رسول الله ، ثم انصرف إلى المدينة وكتم إسلامه .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما أن اليهود جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب فقالوا يا محمد : صف لنا ربك الذي بعثك ، فأنزل الله { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد } فيخرج منه الولد { ولم يولد } فيخرج من شيء .
وأخرج الطبراني في السنة عن الضحاك قال : قالت اليهود يا محمد صف لنا ربك ، فأنزل الله { قل هو الله أحد الله الصمد } فقالوا : أما الأحد فقد عرفناه ، فما الصمد؟ قال : الذي لا جوف له .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال : أتى رهط من اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له : يا محمد هذا الله خلق الخلق فمن خلقه؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتقع لونه ، ثم ساورهم غضباً لربه ، فجاءه جبريل فسكنه وقال : اخفض عليك جناحك ، وجاءه من الله جواب ما سألوه عنه { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد } فلما تلاها عليهم قالوا : صف لنا ربك كيف خلقه وكيف عضده وكيف ذراعه ، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه الأول وساورهم غضباً فأتاه جبريل فقال له مثل مقالته وأتاه جواب ما سألوه عنه

(10/382)


{ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } [ الزمر : 67 ] .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال : جاء ناس من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : أنسب لنا ربك ، وفي لفظ : صف لنا ربك ، فلم يدر ما يرد عليهم فنزلت { قل هو الله أحد } حتى ختم السورة .
وأخرج أبو عبيد وأحمد في فضائله والنسائي في اليوم والليلة وابن منيع ومحمد بن نصر وابن مردويه والضياء في المختارة عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ { قل هو الله أحد } فكأنهما قرأ ثلث القرآن » .
وأخرج ابن الضريس والبزار وسمويه في فوائده والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من قرأ { قل هو الله احد } مائتي مرة غفر له ذنوب مائتي سنة » .
وأخرج أحمد والترمذي وابن الضريس والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه قال : « جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني أحب هذه السورة { قل هو الله أحد } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » حبك إياها أدخلك الجنة « » .
وأخرج ابن الضريس وأبو يعلى وابن الأنباري في المصاحف عن أنس رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أما يستطيع أحدكم أن يقرأ { قل هو الله أحد } ثلاث مرات في ليلة ، فإنها تعدل ثلث القرآن » .
وأخرج أبو يعلى ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ { قل هو الله أحد } خمسين مرة غفر له ذنوب خمسين سنة » .
وأخرج الترمذي وأبو يعلى ومحمد بن نصر وابن عدي والبيهقي في الشعب ، واللفظ له ، عن أنس رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ كل يوم مائتي مرة { قل هو الله أحد } كتب الله له ألفاً وخمسمائة حسنة ، ومحا عنه ذنوب خمسين سنة ، إلا أن يكون عليه دين » .
وأخرج الترمذي وابن عدي والبيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أراد أن ينام على فراشه من الليل نام على يمينه فقرأ { قل هو الله أحد } مائة مرة ، فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب : يا عبدي ادخل على يمينك الجنة » .
وأخرج ابن سعد وابن الضريس وأبو يعلى والبيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال : « كان النبي صلى الله عليه وسلم بالشام ، فهبط عليه جبريل فقال : يا محمد إن معاوية بن معاوية المزني هلك ، أفتحب أن تصلي عليه؟ قال : نعم ، فضرب بجناحه الأرض فتضعضع له كل شيء ولزق بالأرض ورفع له سريره فصلى عليه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم من أي شيء أتى معاوية هذا الفضل؟ صلى عليه صفان من الملائكة في كل صف ستمائة ألف ملك . قال : بقراءة { قل هو الله أحد } كان يقرؤها قائماً وقاعداً وجالساً وذاهباً ونائماً » .

(10/383)


وأخرج ابن سعد وابن الضريس والبيهقي في الدلائل والشعب من وجه آخر عن أنس رضي الله عنه قال : « كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك فطلعت الشمس ذات يوم بضياء وشعاع ونور لم نرها قبل ذلك فيما مضى ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجب من ضيائها ونورها ، إذ أتاه جبريل فسأل جبريل : ما للشمس طلعت لها نور وضياء وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى؟ قال : ذاك أن معاوية بن معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم ، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه . قال : بم ذاك يا جبريل؟ قال : كان يكثر { قل هو الله أحد } قائماً وقاعداً وماشياً وآناء الليل والنهار استكثر منها فإنها نسبة ربكم ، ومن قرأها خمسين مرة رفع الله له خمسين ألف درجة ، وحط عنه خمسين ألف سيئة ، وكتب له خمسين ألف حسنة ، ومن زاد زاد الله له . قال جبريل : فهل لك أن أقبض الأرض فتصلي عليه! قال : نعم . فصلى عليه » .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من قرأ { قل هو الله أحد } مائتي مرة غفر له خطيئة خمسين سنة إذا اجتنب أربع خصال الدماء والأموال والفروج والأشربة » .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من قرأ { قل هو الله أحد } على طهارة مائة مرة كطهارة الصلاة يبدأ بفاتحة الكتاب كتب الله له بكل حرف عشر حسنات ، ومحا عنه عشر سيئات ، ورفع له عشر درجات ، وبنى له مائة قصر في الجنة وكأنما قرأ القرآن ثلاثاً وثلاثين مرة ، وهي براءة من الشرك ، ومحضرة للملائكة ، ومنفرة للشياطين ، ولها دويّ حول العرش تذكر بصاحبها حتى ينظر الله إليه ، وإذا نظر إليه لم يعذبه أبداً » .
وأخرج أبو يعلى عن جابر بن عبدالله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ثلاث من جاء بهن مع الإِيمان دخل من أي أبواب الجنة شاء ، وزوج من الحور العين حيث شاء ، من عفا عن قاتله ، وأدى ديناً خفياً ، وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات { قل هو الله أحد } فقال أبو بكر : أو إحداهن يا رسول الله؟ قال : » أو إحداهن « » .

(10/384)


وأخرج الطبراني في الأوسط بسند فيه مجهول عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ { قل هو الله أحد } في كل يوم خمسين مرة نودي يوم القيامة من قبره : قم مادح الله ، فأدخل الجنة » .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من نسي أن يسمي على طعامه فليقرأ { قل هو الله أحد } إذا فرغ » .
وأخرج الطبراني عن جرير البجلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ { قل هو الله أحد } حين يدخل منزله نفت الفقر من أهل ذلك المنزل والجيران » .
وأخرج البزار والطبراني في الصغير عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ { قل هو الله أحد } فكأنما قرأ ثلث القرآن ، ومن قرأ { قل يا أيها الكافرون } [ الكافرون : 1 ] فكأنما قرأ ربع القرآن » .
وأخرج الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية بسند ضعيف عن عبدالله بن الشخير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ { قل هو الله أحد } في مرضه الذي يموت فيه لم يفتن في قبره ، وامن من فتنه القبر ، وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها حتى تجيزه الصراط إلى الجنة » .
وأخرج أبو عبيد في فضائله عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « { قل هو الله أحد } ثلث القرآن » .
وأخرج ابن الضريس والطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عمر قال : « صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في سفر ، فقرأ في الركعة الأولى { قل هو الله أحد } وفي الثانية { قل يا أيها الكافرون } فلما سلم قال : قرأت بكم ثلث القرآن وربعه » .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل وهو بتبوك فقال : يا محمد اشهد جنازة معاوية بن معاوية المزني ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل جبريل في سبعين ألفاً من الملائكة ، فوضع جناحه الأيمن على الجبال ، فتواضعت ووضع جناحه الأيسر على الأرضين فتواضعت حتى نظر إلى مكة والمدينة فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل والملائكة فلما فرغ قال : يا جبريل : ما بلغ معاوية بن معاوية المزني هذه المنزلة؟ قال : بقراءته { قل هو الله أحد } قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً .
وأخرج ابن الضريس عن سعيد بن المسيب قال : « كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له معاوية ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، وهو مريض ثقيل ، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أيام ثم لقيه جبريل فقال : إن معاوية بن معاوية توفي ، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أيسرك أن أريك قبره؟ قال : نعم ، فضرب بجناحه الأرض ، فلم يبق جبل إلا انخفض حتى أبدى الله قبره فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عن يمينه وصفوف الملائكة سبعين ألفاً حتى إذا فرغ من صلاته قال : يا جبريل بم نزل معاوية بن معاوية من الله بهذه المنزلة؟ قال : ب { قل هو الله أحد } كان يقرأها قائماً وقاعداً وماشياً ونائماً ، ولقد كنت أخاف على أمتك حتى نزلت هذه السورة فيها » .

(10/385)


وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ آية الكرسي و { قل هو الله أحد } دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت » .
وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد من طريق مجاشع بن عمرو أحد الكذابين عن يزيد الرقاشي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « جاءني جبريل في أحسن صورة ضاحكاً مستبشراً فقال : يا محمد العلي الأعلى يقرؤك السلام ، ويقول : إن لكل شيء نسباً ونسبتي { قل هو الله أحد } فمن أتاني من أمتك قارئاً ب { قل هو الله أحد } ألف مرة من دهره ألزمه داري واقامة عرشي وشفعته في سبعين ممن وجبت عقوبته ، ولولا أني آليت على نفسي ، كل نفس ذائقة الموت ، لما قبضت روحه » .
وأخرج ابن النجار في تاريخه عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من أراد سفراً فأخذ بعضادتي منزله فقرأ إحدى عشرة مرة { قل هو الله أحد } كان الله له حارساً حتى يرجع » .
وأخرج ابن النجار عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من صلى بعد المغرب ركعتين قبل أن ينطق مع أحد يقرأ في الأولى بالحمد و { قل يا أيها الكافرون } وفي الركعة الثانية بالحمد و { قل هو الله أحد } خرج من ذنوبه كما تخرج الحية من سلخها » .
وأخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ بعد صلاة الجمعة { قل هو الله أحد } و { قل أعوذ برب الفلق } [ الفلق ] و { قل أعوذ برب الناس } [ الناس ] سبع مرات أعاذه الله بها من السوء إلى الجمعة الأخرى » .
وأخرج الحافظ أبو محمد الحسن بن أحمد السمرقندي في فضائل { قل هو الله أحد } عن اسحق بن عبدالله بن أبي فروة قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(10/386)


« » من قرأ { قل هو الله أحد } فكأنما قرأ ثلث القرآن ، ومن قرأها عشر مرات بنى الله له قصرا في الجنة « فقال أبو بكر إذن نستكثر يا رسول الله ، فقال : » الله أكثر وأطيب « رددها مرتين .
وأخرج أيضاً عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » من قرأ { قل هو الله أحد } فكأنما قرأ ثلث القرآن ، ومن قرأ { قل هو الله أحد } مرتين فكأنما قرأ ثلثي القرآن ، ومن قرأ { قل هو الله أحد } ثلاث مرات فكأنما قرأ جميع ما أنزل الله « .
وأخرج أيضاً عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » من قرأ { قل هو الله أحد } مرة بورك عليه ، ومن قرأها مرتين بورك عليه وعلى أهل بيته ، ومن قرأها ثلاث مرات بورك عليه وعلى أهل بيته وجيرانه ، ومن قرأها اثنتي عشرة مرة بنى الله له في الجنة اثني عشر قصراً . ومن قرأها عشرين مرة كان مع النبيين هكذا وضم الوسطى والتي تليها الابهام ، ومن قرأها عشرين مرة كان مع النبيين هكذا وضم الوسطى والتي تليها الابهام ، ومن قرأها مائة مرة غفر الله له ذنوب خمس وعشرين سنة إلا الدين والدم ، ومن قرأها مائتي مرة غفرت له ذنوب خمسين سنة ، ومن قرأها أربعمائة مرة كان له أجر أربعمائة شهيد كل عقر جواده وأهريق دمه ، ومن قرأها ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له « .
وأخرج أيضاً عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » من قرأ { قل هو الله أحد } مرة فكأنما قرأ ثلث القرآن ، ومن قرأها مرتين فكأنما قرأ ثلثي القرآن ، ومن قرأها ثلاثاً فكأنما قرأ القرآن ارتجالاً « .
وأخرج أيضاً عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » من قرأ { قل هو الله أحد } ألف مرة كانت أحب إلى الله من ألف ملجمة مسرجة في سبيل الله « .
وأخرج أيضاً عن كعب الأحبار قال : ثلاثة ينزلون من الجنة حيث شاؤوا : الشهيد ورجل قرأ في كل يوم { قل هو الله أحد } مائتي مرة .
وأخرج أيضاً عن كعب الأحبار قال : من واظب على قراءة { قل هو الله أحد } وآية الكرسي عشر مرات من ليل أو نهار استوجب رضوان الله الأكبر ، وكان مع أنبيائه ، وعصم من الشيطان .
وأخرج أيضاً من طريق دينار عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » من قرأ { قل هو الله أحد } ألف مرة فقد اشترى نفسه من الله وهو من خاصة الله « .
وأخرج أيضاً من طريق نعيم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(10/387)